Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
باب ٢ / ح ٧١٤٠
كتاب الأحكام
أحمد (١٧٨٠٨) من طريق عبد الله بن أبي الهُذَيل(١) قال: لمَّا قَدِمَ معاوية الكوفة قال رجلٌ
من بَكْر بن وائل: لَئِنْ لم تَنتَهِ قُرَيٌ لَأَجعَلَنَّ هذا الأمر في مجُهورٍ من جَاهير العرب غيرهم،
فقال عَمْرو بن العاص: كذَبْتَ، سمعتُ رسول الله وَ لَهيقول: ((قُرَيش قادة الناس))(٢).
قال ابنُ المنِّر: وجه الدّلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قُرَيش بالذِّكْر، فإنَّه
يكونُ مَفْهومَ لَقَبٍ ولا حُجّة فيه عند المحَقِّقين، وإنَّما الحُجّة وقوع المبتَدَأْ مُعرَّفاً باللّام
الجِنْسيّة، لأنَّ المبتَدَأ بالحقيقةِ هاهنا هو الأمر الواقع صِفَةً لهذا، وهذا لا يوصَف إلّا بالجِنْس،
فمُقتَضاه حَصْرِ جِنْس الأمر في قُرَيش، فيصيرُ كأنَّه قال: لا أمرَ إلّا في قُرَیش، وهو كقوله:
(الشُّفْعة فيما لم يُقْسَم))(٣)، والحديث وإن كان بلفظِ الخبر فهو بمعنى الأمر، كأنَّه قال:
ائتَمّوا بقُرَيشٍ خاصّة، وبقيَّة طرق الحديث تُؤيِّد ذلك.
ويُؤْخَذ منه أنَّ الصحابة اتَّفَقوا على إفادة المفهوم للحَصْر، خِلافاً لمن أنكَرَ ذلك، وإلى
هذا ذهب ◌ُهور أهل العِلم أنَّ شَرْط الإمام أن يكون قُرَشیّاً، وقَّدَ ذلك طوائفُ ببعضِ
قُريش، فقالت طائفة: لا يجوز إلّا من ولِدِ عليّ، وهذا قول الشّيعة، ثمَّ اختَلَفوا اختلافاً
شديداً في تَعْبين بعض ذُرّيّة عليّ، وقالت طائفة: يَخْتَصّ بولدِ العبّاس، وهو قول أبي مسلم
الْخُراسانيّ وأتباعه، ونَقَلَ ابن حَزْم أنَّ طائفةً قالت: لا يجوز إلّا في ولِدِ جعفر بن أبي طالبٍ،
وقالت أُخرى: في ولدِ عبد المطَّلِّب، وعن بعضهم: لا يجوز إلّا في بني أُميّة، وعن بعضهم:
لا يجوز إلّا في ولِدِ عمر. قال ابن حَزْم: ولا حُجّة لأحدٍ من هؤلاءِ الفِرَق.
وقالت الخوارج وطائفةٌ من المعتَزِلة: يجوز أن يكون الإمام غير قُرَشِيّ، وإنَّما يَسْتَحِقّ
الإمامة مَن قامَ بالكتابِ والسُّنّة، سواء كان عربيّاً أم عَجميّاً، وبالَغَ ضِرار بنُ عَمْرٍو فقال:
تَوْلية غير القُرَشِيّ أولى، لأنَّه يكونُ أقلَّ عَشيرةً فإذا عَصَى كان أمكَنَ خَلْعِه. وقال أبو بكر
ابن الطَّيِّب: لم يُعرِّج المسلمون على / هذا القول بعد ثُبُوت حديث: ((الأئمّة من قُريش))، ١١٩/١٣
(١) تحرفت في (س) إلى: الهزيل.
(٢) لكن لفظه عند أحمد: ((قريش ولاة الناس))، وكذا أخرجه الترمذي (٢٢٢٧) وغيره.
(٣) سلف برقم (٢٢١٣).

٢٤٢
باب ٢ / ح ٧١٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
وعَمِلَ المسلمون به قَرْناً بعد قَرْنٍ، وانعَقَدَ الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الاختلاف.
قلت: قد عَمِلَ بقولِ ضِرار من قبل أن يُوجَد مَن قامَ بالخلافة من الخوارج على بني أُميّة،
كَقَطَرِيٌّ - بفتح القاف والطّاء المهمَلة - ودامَتْ فِتْنتهم حتَّى أبادَهم المهلَّب بن أبي صُفْرة
أكثرَ من عِشْرِينَ سنة، وكذا تَسَمَّى بأميرِ المؤمنينَ من غير الخوارج ممّن قامَ على الحجّاج
كابنِ الأشعَث، ثمَّ تَسَمَّى بالخِلافة مَن قامَ في قُطْرِ من الأقطار في وقتٍ ما فتَسَمَّى بالخِلافة
وليس من قُرَيش، كَبني عبَّاد وغيرهم بالأندلس، وكَعبدِ المؤمن وذَويه(١) ببلادِ المغرب كلّها،
وهؤلاءِ ضاهَوْا الخوارج في هذا، ولم يقولوا بأقوالهِم ولا تَذهَبوا بآرائهم، بل كانوا من
أهل السُّنّة داعينَ إليها.
وقال عِيَاض: اشتراط كَوْن الإمام قُرَشيّاً مَذْهَب العلماء كافّة، وقد عَدُّوها في مسائل
الإجماع، ولم يُنْقَل عن أحدٍ من السَّلَف فيها خِلاف، وكذلك مَن بعدهم في جميع الأمْصار،
قال: ولا اعتدادَ بقولِ الخوارج ومَن وافَقَهم من المعتَزِلة، لما فيه من مُخالَفة المسلمين. قلت:
ويحتاج مَن نَقَلَ الإجماع إلى تأويل ما جاءَ عن عمر من ذلك، فقد أخرج أحمد (١٠٨) عن
عمر بسندٍ رجاله ثقات أنَّه قال: إنْ أدرَكَني أجَلي وأبو عُبيدة حَيُّ استَخْلَفْته ... ، فذكر الحديث،
وفيه: فإنْ أدرَكَني أجَلي وقد ماتَ أبو عبيدة استَخْلَفْتُ معاذ بن جبلٍ ... ، الحديث، ومعاذ
ابن جبلٍ أنصاريٌّ لا نَسَب له في قُرَيش، فيحتمل أن يُقال: لعلَّ الإجماع انعَقَدَ بعد عمر
على اشتراط أن يكون الخليفة قُرَشيّاً، أو تَغيَّرَ اجتهاد عمر في ذلك، والله أعلمُ.
وأمّا ما احتَجَّ به مَن لم يُعِّن الخلافة في قُریش مِن تَأْمیر عبد الله بن رواحة وزید بن
حارثة وأُسامة وغيرِهم في الحروب، فليس من الإمامة العُظْمَى في شيء، بل فيه أنَّه يجوز
للخليفة استِنابة غير القُرَشيّ في حياته، والله أعلمُ.
واستُدِلَّ بحديثِ ابنِ عمر على عَدَم وقوع ما فرَضَه الفُقَهاء من الشافعيّة وغيرهم؛
أنَّه إذا لم يُوجَدْ قُرَشِيٍّ يُستَخْلَف كِنانيّ، فإنْ لم يُوجَد فمِن بني إسماعيل، فإنْ لم يُوجَد منهم
أحدٌ مُستَجْمِعَ الشَّرائط فعَجميٌّ، وفي وجهِ جُرْهُميّ، وإلّا فمِن ولدِ إسحاق، قالوا: وإنَّما
(١) في (س): وذريته.

٢٤٣
باب ٣ / ح ٧١٤١
كتاب الأحكام
فَرَضَ الفُقهاء ذلك على عادتِهِم في ذِكْر ما يُمكِن أن يَقَعَ عَقْلاً، وإن كان لا يقع عادةً أو
شَرْعاً. قلت: والذي حَمَلَ قائلَ هذا القول عليه أنَّه فِهِمَ منه الخبر المَحْض، وخَبَرُ الصّادق
لا يَتَخلَّف، وأمّا مَن حمَلَه على الأمر فلا يحتاج إلى هذا التَّأويل.
واستُدِلَّ بقولِه: ((قَدِّموا قُرَيشاً ولا تقدَّموها)) وبغيرِه من أحاديث الباب على رُجْحان
مَذْهَب الشافعيّ، لوُرودِ الأمر بتقديم القُرَشِيّ على مَن ليس قُرَشيّاً. قال عِيَاض: ولا حُجّة
فيها، لأنَّ المراد بالأئمّةِ في هذه الأحاديث الخلفاء، وإلّا فقد قَدَّمَ النبيُّ ◌َّ سالماً مولى أبي حُذَيفة
في إمامة الصلاة ووراءَه جماعةٌ من قُرَيش، وقَدَّمَ زيد بن حارثة وابنَه أُسامة بنَ زيد ومعاذ بن
جبلٍ وعَمْرو بن العاص في التَّأمير في كثير من البُعوث والسَّرايا، ومعهم جماعةٌ من قُرَيش.
وتَعَقَّبَهَ النَّوويُّ وغيره بأنَّ في الأحاديث ما يَدُلّ على أنَّ للقُرَشِيِّ مَزيّةً على غيره، فيَصِحّ
الاستدلال به لترجيح الشافعيّ على غيره، وليس مُراد المستَدِلّ به أنَّ الفَضْل لا يكونُ إلّا
للقُرَشِيّ، بل المراد أنَّ كَوْنه قُرُشيّاً من أسباب الفَضْلِ والتَّقْدُّم، كما أنَّ من أسباب الفَضْل
والتَّقدُّم الورَعَ والفِقْه والقراءةَ والسِّنّ وغيرها، فالمستَوِيان في جميع الخِصال إذا اختَصَّ
أحدُهما بخَصْلةٍ منها دونَ صاحبِهِ، تَرَجَّحَ عليه، فيَصِحّ الاستدلال على تقديم الشافعيّ على
مَن ساواه في العِلم والدِّين من غير قُرَيش، لأنَّ الشافعيّ قُرَشِّ.
وعَجَبٌ قول القُرْطُبيّ في ((المفهِم)) بعدَ أن ذكر ما ذكره عِيَاض: إنَّ المستَدِلّ بهذه الأحاديث
على ترجيح الشافعيِّ صَحِبتْه غَفْلة، قارَنَها من صَمِيم التَّقليد طَيْشه. كذا قال، ولعلَّ الذي
أصابَتْه الغَفْلة مَن لم يَفْهَم مُراد المستَدِلّ، والعِلمُ عند الله تعالى.
٣- باب أجرٍ مَن قَضَی بالحكمة
لقولِه تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
٧١٤١- حدَّثْنَا شِهابُ بنُ عبَّادٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مُميدٍ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن
عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتَينِ: رجلٌ آتاه الله مالاً فسَلَّطَه على هَلَكَتِهِ
في الحقِّ، وآخرُ آتاه الله حِكْمةً فهو يَقْضى بها ويُعلِّمُها)».

٢٤٤
باب ٣ / ح ٧١٤١
فتح الباري بشرح البخاري
١٢٠/١٣
قوله: ((بابُ أجرٍ مَن قَضَى بالحِكْمَةِ)) سَقَطَ لفظ: ((أجر)) من رواية أبي زيد المَرْوزيّ،
وعلى تقدير ثُبُوتها فليس في الباب ما يَدُلّ عليه، فيُمكِن أن يُؤخَذ من لازِم الإذن في تَغْبِيط
مَن قَضَى بالِحِكْمة، فإنَّه يَقتَضِي ثُبوتَ الفَضْل فيه، وما ثَبَتَ فيه الفَضْلِ تَرَتَّبَ عليه الأجر،
والعِلمُ عند الله.
قوله: ((لقولِه تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾)) وجه
الاستدلال بالآية لما تَرجَمَ به: أنَّ مَنْطوق الحديث دلَّ على أنَّ مَن قَضَى بالحِكْمَةِ كان
محموداً، حتَّى إِنَّه لا حَرَج على مَن تَنَّى أن يكون له مِثْلُ الذي له من ذلك، ليَحصُل لهِمِثْل
ما يَحصُل له من الأجر وحُسْنِ الذِّكْر، ومَفْهومُه يَدُلّ على أنَّ مَن لم يفعل ذلك فهو على العَكْس
من فاعله، وقد صَرَّحَت الآية بأنَّه فاسِق، واستدلالُ المصنّف بها يَدُلّ على أنَّه يُرَجِّح قولَ
مَن قال: إنَّها عامّة في أهل الكتاب وفي المسلمين.
وحكى ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ البخاريّ اقتَصَرَ على هذه الآية دونَ ما قبلَها،
عملاً بقولِ مَن قال: إنَّ الآيتَينِ قبلَها نَزَلَتا في اليهود والنَّصارَى، وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّه لا
قائلَ بذلك، قال: ونَسَق الآية لا يَقتَضي ما قال. قلت: وما نَفاه ثابتٌ عن بعض التّابعينَ في
((تفسير الطَّبَرَيِّ)) وغيره، ويَظهَر أن يُقال: إنَّ الآيات وإن كان سببها أهلَ الكتاب لكنَّ عمومَها
يَتَناول غيرهم، لكنْ لمَّا تَقرَّرَ من قواعد الشَّريعة أنَّ مُرتَكِب المعصية لا يُسمَّى كافراً، ولا
يُسمَّى أيضاً ظالماً، لأنَّ الظُّلْم قد فُسِّرَ بالشِّرْك، بَقِيَت الصِّفة الثّالثة، فمِن ثَمَّ اقتَصَرَ عليها.
وقال إسماعيلُ القاضي في ((أحكام القرآن)) بعدَ أن حكى الخِلاف في ذلك: ظاهرُ الآيات
يَدُلّ على أنَّ مَن فعل مِثْل ما فعَلوا، واختَرَعَ حُكْماً يُخَالِفِ به حُكْم الله، وجعله دِيناً يُعْمَلُ
به، فقد لَزِمَه مِثْلُ ما لَزِمَهم من الوعيد المذكور، حاكماً كان أو غيره.
وقال ابن بَطّال: مَفْهوم الآية أنَّ مَن حَكَمَ بما أنزلَ الله اسْتَحقَّ جَزيل الأجر، ودَلَّ
الحديث على جواز مُنافَسَته، فاقتَضَى أنَّ ذلك من أشرَف الأعمال وأجَلِّ ما يُتَقرَّب به إلى الله،
ويُؤيِّده حديث عبد الله بن أبي أوفَ رَفَعَه: ((الله مع القاضي ما لم يَجُرْ)) الحديث أخرجه ابن

٢٤٥
باب ٣ / ح ٧١٤١
كتاب الأحكام
المنذِر. قلت: وأخرجه أيضاً ابن ماجَهْ (٢٣١٢) والتِّرمِذيّ (١٣٣٠) واستَغْرَبَه، وصَحَّحَه
ابن حِبّان (٥٠٦٢) والحاكم (٤/ ٩٣).
قوله: ((حدَّثنا شِهاب بن عبّاد)) هو أبو (١) عمر العبديُّ، وإبراهيم بن حُميدٍ: هو الرُّؤاسِيّ
بضمِّ الرَّاء وتخفيف الهمزة ثمَّ مُهمَلة، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقیس: هو ابن أبي
حازم، وعبد الله: هو ابن مسعود. والسَّند كلُّه كوفيّونَ.
قوله: ((لا حَسَد إلّا في اثنتَينِ: رجل)) بالجّ(٢)، ويجوز الرَّفع على الاستئناف، والنَّصْب
بإضمار أعني.
قوله: ((على هَلَكَته)) بِفَتَحاتٍ، أي: على إهلاكه، أي: إنْفاقه ((في الحقِّ)).
قوله: ((وآخَر آتاه الله حِكْمة)) في رواية ابن عُيَينةَ عن إسماعيل بن أبي خالدٍ الماضية في
كتاب العِلم (٧٣): ((ورجلٌ آتاه الله الحِكْمة))، وقد مضى شرحه مُستَوفَى هناك، وأنَّ المراد
بالحِكْمة: القرآن كما في حديث ابن عمر، أو أعمّ من ذلك، وضابطها: ما مَنَعَ الجهل وزَجَرَ
عن القُبْح.
قال ابن المنيِرِ: المراد بالحَسَدِ هنا: الغِبْطة، وليس المراد بالنَّفي / حقيقتَه، وإلّا لَزِمَ الخُلْف، ١٢١/١٣
لأَنَّ الناس حَسَدوا في غير هاتَينِ الْخَصْلَتينِ وغَبَطوا مَن فيه سِواهُما، فليس هو خَبَراً، وإنَّما
المراد به الحُكْم، ومعناه: حَصْرُ المَرْتَبة العُلْيا من الغِبْطة في هاتَينِ الخَصْلَتين، فكأنَّه قال:
(١) تحرفت في (س) إلى: ابن.
(٢) كذا قال الحافظ هنا، مع أنه عند شرحه الحديث (٧٣) في كتاب العلم قال: بالرفع، وذلك على رواية
(اثنتين)) قال: والتقدير: خصلةُ رجلٍ، حُذِف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. أما مَن ضَبَط ((رجلٍ))
بالجر فعلى رواية ((إلا في اثنين)) بدون تاء التأنيث وذلك على البدلية أي: خصلةُ رجلين، وذكر الحافظ أن
رواية ((اثنين)) هي عند البخاري في الاعتصام (٧٣١٦)، وتبعه على ذلك القسطلاني في ((إرشاد الساري))
١٧٢/١، قلنا: ولم نر في النسخ التي بين أيدينا روايةً بلفظ ((اثنين)) لا في الاعتصام ولا في غيره، وكذا
ضبطت بلفظ ((اثنتين)) بالتاء في اليونينية دون خلاف بين رواياتها ونسخها، ومع ذلك فهذه اللفظة - بدون
التاء - قد وردت عند غير البخاري كأحمد في ((المسند)) (٣٦٥١)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٣٨).
أما ((رجل)) فقد ضبطت في أكثر المواضع من ((الصحيح)) بالرفع والجر معاً، والله أعلم.

٢٤٦
باب ٣ / ح ٧١٤١
فتح الباري بشرح البخاري
هما آكَدُ القُرُبات التي يُغبَط بها، وليس المراد نَفْيَ أصل الغِبْطة ممَّا سِواهُما، فيكون مِن مَجَاز
التَّخصيص، أي: لا غِبْطة كاملةَ التَّأكيد لتَأْكيدِ أجرٍ مُتَعلَّقها إلّ الغِبْطة بهاتَينِ الْخَصْلَتين.
وقال الكِرْمانيُّ: الْخَصْلَتان المذكورتان هنا غِبْطةٌ لا حَسَد، لكنْ قد يُطلَق أحدهما على
الآخَر، أو المعنى: لا حَسَد إلّا فيهما، وما فيهما ليس بحَسَدٍ فلا حَسَد، فهو كما قيل في قوله
تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْنَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦].
وفي الحديث التَّرغيبُ في ولاية القضاء لمن استَجْمَعَ شُروطه، وقَويَ على أعمال الحقّ،
ووجَدَ له أعواناً؛ لما فيه من الأمر بالمعروفِ، ونَصْرِ المظلوم، وأداءِ الحقّ لمُستَحِقُّه، وکَفِّ يد
الظّالمِ، والإصلاح بين الناس، وكلُّ ذلك من القُرُبات، ولذلك تَولّاه الأنبياء ومَن بعدهم
من الخلفاء الرَّاشِدين، ومن ثَمَّ اتَّفَقوا على أنَّه من فُروض الكِفاية، لأنَّ أمر الناس لا يَستَقيم
بدونِهِ، فقد أخرج البيهقيُّ (١٠/ ٨٧) بسندٍ قويّ: أنَّ أبا بَكْر لمَّا وليَ الخِلافة ولَى عمر القضاء.
وبسندٍ آخَر قويّ: أنَّ عمر استَعمَلَ عبد الله بن مسعود على القضاء. وكَتَبَ عمر إلى عُمَّاله:
استَعمِلوا صالحيكم على القضاء وأكْفوهم. وبسندٍ آخَر لَيِّن (٨٧/١٠): أنَّ معاوية سَألَ
أبا الدَّرْداء وكان يَقْضى بدمشقَ: مَن لهذا الأمر بعدَك؟ قال: فَضَالة بن عبيد، وهؤلاءِ من
أكابر الصحابة وفُضَلائِهم، وإنَّما فَرَّ منه مَن فَرَّ خَشْية العَجْز عنه، وعند عَدَم المعين عليه.
وقد يَتَعارَض الأمرُ حيثُ يقع تَوْلية مَن يَشتَدّ به الفساد إذا امتَنَعَ المصْلِحِ، والله المستعان.
وهذا حيثُ يكون هناك غيره، ومن ثَمَّ كان السَّلَف يَمْتَنِعونَ منه، ويَفِرّونَ إذا طُلِبوا له.
واختَلَفوا: هل يُستَحَبّ لمن استَجْمَعَ شَرائطَه وقَويَ عليه أو لا؟ والثّاني قول الأكثر،
لما فيه من الخَطَرِ والغَرَر، ولما وَرَدَ فيه من التَّشديد. وقال بعضهم: إنْ كان من أهل العِلم
وكان خاملاً بحيثُ لا يُحمَل عنه العِلم، أو كان محتاجاً وللقاضي رِزْقٌ من جهةٍ ليست
بحَرامِ، استُحِبَّ له، ليُرجَع إليه في الحُكْم بالحقِّ ويُنتَفَعَ بعِلمِه، وإن كان مشهوراً فالأولى له
الإقبال على العِلم والفَتْوى، وأمّا إنْ لم يكن في البلد مَن يقوم مَقامَه، فإنَّه يَتعيَّن علیه لگَوْنِهِ
من فُروض الكِفاية لا يَقدِر على القيام به غيره، فيَتعيَّن عليه. وعن أحمد: لا يَأْثَم، لأنَّه لا
يَجِبُ عليه إذا أضَرَّ به نَفْعُ غيره، ولا سيَّما مَن لا يُمكِنِه عمل الحقّ لانتشار الظُّلْم.

٢٤٧
باب ٤ / ح ٧١٤٢
كتاب الأحكام
٤ - باب السَّمْع والطّاعةِ للإمام ما لم تكنْ مَعْصِیةً
٧١٤٢- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن أبي الَّاح، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾،
قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّةِ: ((اسمَعوا وأطيعوا، وإنِ استُعمِلَ عليكم عبدٌ حَبَشِيٌّ كأنَّ رأسَه
زَبِيةٌ)).
قوله: ((بابُ السَّمْع والطّاعةِ للإمام ما لم تكنْ معصيةً)) إِنَّما قَيَّدَه بالإمام وإن كان في
أحاديث الباب الأمر بالطّاعةِ لكلِّ أميرٍ ولو لم يكن إماماً، لأنَّ مَحَلّ الأمر بطاعة الأمير أن
يكون مُؤمَّراً من قِبَلِ الإمام.
وذَكَر فیه أربعة أحاديث:
الأول: قوله: ((عن أبي التَّاح)) بمُثنّاةٍ مفتوحة وتحتانيّة مُشدَّدة وآخره مُهمَلة، وهو يزيدُ
ابن ◌ُميدِ الضُّبعيُّ، وتقدَّم في الصلاة (٦٩٣) من وجه آخَرِ التَّصريحُ بقولِ شُعْبة: حدَّثني
أبو التّاح.
قوله: ((اسمَعوا وأطيعوا، وإن استُعمِلَ)) بضمِّ المثنّة على البناء للمجهول، أي: جُعِلَ
عاملاً، بأنْ أُمِّرَ إمارةً عامّةً على البلد مثلاً، أو وَليَ فيها ولايةً خاصّة، كالإمامةِ في الصلاة
أو جِباية الخَراج أو مُباشَرةٍ الحرب، فقد كان في زمن الخلفاء الرَّاشِدينَ مَن يَجتَمِع له الأُمور
الثَّلاثة، ومَن يَخْتَصُّ ببعضِها.
قوله: ((حَبَشِيّ)) بفتح المهملة والموخَّدة بعدها مُعجَمة: منسوب إلى الحَبَشة، ومَضَى في
الصلاة في ((باب إمامة العبد)) (٦٩٣) عن محمّد بن بشار عن يحيى القَطّان بلفظ: ((اسمعوا
وأطيعوا وإن استُعمِلَ حَبَشِيّ))، وفيه بعدَ باب (٦٩٦) من رواية غُندَر عن شُعْبة بلفظ: قال
النبيُّ ◌ََّ لأبي ذَرّ: ((اسمَعْ وأطِعْ ولو لحَبَشِيِّ)). وقد أخرج مسلم (١٨٣٧) من طريق غُندَر
عن شُعْبة بإسنادٍ آخَر إلى أبي ذَرّ: أنَّه انتهى إلى الرَّبَدةِ فإذا عبدٌ يَؤُمُّهم، فذهب يَتَأَخَّر لأجلِ
أبي ذرِّ، فقال أبو ذَرّ: أوصاني خليلي ... ، فذكر نحوه(١). وظَهَرَتْ بهذه الرِّواية الحِكْمةُ في
(١) لم يسق مسلم لفظ رواية غندر، وهي عند ابن ماجه (٢٨٦٢).

٢٤٨
باب ٤ / ح ٧١٤٣ - ٧١٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
تخصيص أبي ذرِّ بالأمرِ في هذه الرِّواية، وقد جاءَ في حديث آخَر الأمرُ بذلك عموماً، ولمسلمٍ
أيضاً (١٢٩٨ و١٨٣٨) من حديث أمّ الحُصَين: ((اسمَعوا وأطيعوا، ولو استُعمِلَ عليكم
عبدٌ يقودكم بكتاب الله)).
قوله: ((كأنَّ رأسه زبيبة)) واحدةُ الَّبيب المأكولِ المعروف الكائنِ من العِنَب إذا جَفَّ،
وإنَّما شَبَّهَ رأس الحَبَشِيّ بِالَّبيِةِ لتَجَمُّعِها ولكَوْنِ شَعْره أسود، وهو تمثيلٌ في الحَقَارة وبشاعة
الصُّورة وعَدَم الاعتداد بها، وقد تقدَّم شرح هذا الحديث مُستَوفَّى في كتاب الصلاة.
ونَقَلَ ابن بَطّال عن المهلَّب قال: قوله: ((اسمَعوا وأطيعوا)) لا يوجِب أن يكون
المستَعمِل للعبدِ إلّا إمامٌ قُرَشيّ، لما تقدَّم أنَّ الإمامة لا تكون إلّا فِي قُرَيش، وأجْمَعَت الأُمّة
على أنّها لا تكون في العبيد.
قلت: ويحتمل أن يُسمَّى عبداً باعتبار ما كان قبلَ العِثْق، وهذا كلُّه إنَّما هو فيما يكون
بطريق الاختيار، وأمّا لو تَغَلَّبَ عبدٌ حقيقةً بطريق الشَّوْكة، فإنَّ طاعته تَجِب إخماداً للِفِتْنِةِ ما
لم يأمُر بمعصيةٍ، كما تقدَّم تقريره.
وقيل: المراد أنَّ الإمام الأعظم إذا استَعمَلَ العبد الحَبَشِيّ على إمارة بلدٍ مَثَلاً، وجَبَتْ
طاعته، وليس فيه أنَّ العبد الحَبَشِيّ يكون هو الإمام الأعظم.
وقال الخطَّبيُّ: قد يُضرَب المثَل بما لا يقع في الوجود، يعني وهذا من ذاكَ، أطلَقَ
١٢٣/١٣ العبدَ الحَبَشِيّ مُبالَغةً في الأمر بالطّاعة، وإن كان لا يُتَصَوَّر شَرْعاً أن/ يَليَ ذلك.
٧١٤٣ - حدَّثْنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَادٌ، عن الجَعْدِ، عن أبي رَجاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ
يَرْوِيه، قال: قال النبيُّ وَّةِ: ((مَن رأى مِن أميرِه شيئاً فكَرِهَه فلْيَصبِرِ، فإنَّه ليس أحدٌ يُفارقُ
الجماعةَ شِبْراً فيموتُ، إلا ماتَ مِتَةً جاهليةً)).
٧١٤٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ الله، حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله
◌َُ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((السَّمْعُ والطّاعةُ على المَرْءِ المسلمِ فيما أحَبَّ وكَرِهَ، ما لم يُؤْمَر
بِمَعْصِيةٍ، فإذا أُمِرَ بمَعْصِيَةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ)).

٢٤٩
باب ٤ / ح ٧١٤٣ - ٧١٤٤
كتاب الأحكام
الحديث الثاني: قوله: ((حَمَّاد)) هو ابن زيد، والجَعْد: هو أبو عثمان، وأبو رَجاء: هو
العُطارِدِيُّ، وتقدَّم الكلامُ على هذا السَّند في أوائل الفتنِ (٧٠٥٣).
قوله: ((يَرْويه)) هو في معنى قوله: عن النبيّ وَلَّ، وقد تقدَّم كذلك في أوائل الفتن من
طريق عبد الوارث عن الجَعْد، وتقدَّمَتْ مباحثُه هناك.
الحديث الثالث: قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَريّ، وعبدُ الله صحابيُّه: هو ابن
عمر.
قوله: ((فيما أحَبَّ وكَرِهَ)) في رواية أبي ذَرّ: ((فيما أحَبَّ أو كَرِهَ)).
قوله: ((ما لم يُؤْمَر بمعصيةٍ)) هذا يُقيِّد ما أُطلِقَ في الحديثَينِ الماضِيَينِ من الأمر بالسَّمْعِ
والطّاعة ولو لحَبَشِيٍّ، ومن الصَّبر على ما يقع من الأمير ممّا يُكرَه، والوعيد على مُفَارَقة
الجماعة.
قوله: ((فإذا أُمِرَ بمعصيةٍ، فلا سَمْع ولا طاعة)) أي: لا يجب ذلك، بل يَجَرُم على مَن كان
قادراً على الامتناع، وفي حديث مُعاذٍ عندَ أحمد (١): ((لا طاعةً لمن لم يُطِعِ الله))، وعندَه
(١٩٨٨٠ و٢٠٦٥٣) وعندَ الزَّار (٣٦١٤) في حديث عِمْران بن حُصَينٍ والحَكَم بن عَمْرو
الغِفَاريّ: ((لا طاعة في معصية الله)) وسنده قويّ، وفي حديث عُبادة بن الصّامت عندَ أحمد
(٢٢٧٨٦) والطَّبَرَانيّ(٢): ((لا طاعة لمن عَصَى الله تعالى)).
وقد تقدَّم البحث في هذا الكلام على حديث عُبادة في الأمر بالسَّمْع والطّاعة: ((إلّا أن
تَرَوْا كُفْراً بَواحاً) بما يُغْني عن إعادته، وهو في كتاب الفتن (٧٠٥٥ و٧٠٥٦)، وملخَّصه
أنَّه يَنْعَزِل بالكفرِ إجماعاً، فيجب على كلِّ مسلم القيام في ذلك، فمَن قوي على ذلك فله
الثَّواب، ومَن داهَنَ فعَلَيه الإثم، ومَن عَجَزَ وجَبَتْ عليه الهِجْرة من تلك الأرض.
(١) بل هو من حديث أنس وفي مسنده برقم (١٣٢٢٥) أن معاذاً قال: یا رسول الله، أرأيت إن كان علينا
أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله ير: ((لا طاعة لمن لم
يطع الله)).
(٢) في («الأوسط)) (٢٨٩٤).

٢٥٠
باب ٤ / ح ٧١٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الرَّابع:
٧١٤٥ - حدَّثْنا عمرُ بنُ حَفْصٍ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا سَعْدُ بنُ
عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن عليٍّ ﴾، قال: بَعَثَ النبيُّ وَّهِ سَرِيّةً، وأمَّرَ عليهم رجلاً منَ
الأنصار، وأمَرَهم أنْ يُطِيعوه، فغَضِبَ عليهم، وقال: أليس قد أمَرَ النبيُّ وَّهِ أنْ تُطِيعوني؟
قالوا: بَلَى، قال: قد عَزَمْتُ عليكم لمَا جَمَعْتُمْ حَطَباً وأوقَدْتُم ناراً، ثمَّ دَخَلتُم فيها، فجَمَعوا
حَطَباً فأوْقَدوا، فلمَّا هَمّوا بالدُّخولِ فيها (١) فقاموا يَنظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ، قال بعضُهُم: إِنَّا
تَبِعْنا النبيَّ ◌َلَه فِراراً منَ النار، أفتَدخُلُها؟ فبينما هم كذلك إذ ◌َدَتِ النارُ وسَكَنَ غَضَبُهُ،
فِذُكِرَ ذلك(٢) للنبيِّ ◌َِّ، فقال: ((لو دَخَلوها ما خَرَجوا منها أبداً، إِنََّا الطّاعةُ في المعروفِ)).
قوله: ((عن أبي عبد الرَّحمن)) هو السُّلَميُ، وعليٍّ: هو ابن أبي طالب.
قوله: ((وأمَّرَ عليهم رجلاً من الأنصار)) تقدَّم البحث فيه، والجواب عمَّن غَلَّطَ راويه في
كتاب المغازي (٤٣٤٠).
قوله: ((فأَوْقِدوا ناراً»(٣) كذا وَقَعَ، وتقدَّم بيانه في المغازي والأحكام(٤): أنَّ أميرهم
غَضِبَ منهم فقال: أوقِدوا ناراً.
وقوله: ((قد عَزَمْتُ عليكم لَما)) بالتَّخفيف، وجاءَ بالتَّشديد، فقيل: إنَّها بمعنى ((إلّا)).
وقوله: ((خَدَت)) بالمعجَمةِ وفتح الميم، وضُبِطَ في بعض الرِّوايات بكسر الميم، ولا
يُعرَف في اللُّغة، قاله ابن التِّين. قال: ومعنى ◌َدَتْ: سَكَنَ لهُبُها وإن لم يَطْفَأَ جَرُها، فإنْ
طَفِئَ قيل: هَمَدَتْ.
(١) لفظة ((فيها)) لم ترد في النسخة السلطانية المطبوعة عن اليونينية، وهي ثابتة في نسخة الحافظ ابن حجر،
ذكر ذلك في المغازي (٤٣٤٠) قال في رواية حفص (٧١٤٥): فلما همّوا بالدخول فيها فقاموا ينظر
بعضهم إلى بعض.
(٢) ويقال في لفظة ((ذلك)) كما قيل في التعليق السابق.
(٣) كذا وقع للحافظ، ولعله سبق قلم منه رحمه الله، فالذي وقع هنا هو قوله: ((وأوقدتم ناراً)، أما قوله:
((فأوقِدوا ناراً)) فهي رواية المغازي كما أشار الحافظ نفسه، والله أعلم.
(٤) لم يتقدم الحديث في الأحكام، وإنما في المغازي، وسيأتي في أخبار الآحاد (٧٢٥٧).

٢٥١
باب ٥ / ح ٧١٤٦
كتاب الأحكام
وقوله: ((لو دخلوها ما خَرَجوا مِنْها)) قال الدَّاوُوديُّ: يريد تلك النار، لأنَّهم يموتونَ
بتحريقِها فلا يَخْرُجونَ منها أحياءً، قال: وليس المراد بالنار نار جَهَّم، ولا أنَّهم مُخُلَّدونَ
فيها، لأنَّه قد ثَبَتَ في حديث الشَّفاعة: ((يَخْرُج من النار مَن كان في قلبه مِثْقَالُ حَبّةٍ من
إيمان))(١)، قال: وهذا من المعاريض التي فيها مَنْدوحة، يريد أنَّه ◌ِيقَ مَساقَ الزَّجْر
والتَّخويف لِيَفْهَمَ السّامع أنَّ مَن فعل ذلك خُلِّدَ في النار، وليس ذلك مُراداً، وإنَّما أُرِيدَ
به الزَّجْر والتَّخويف، وقد تقدَّم له توجيهات في كتاب المغازي، وكذا قوله: ((إنَّما الطّاعة
في المعروف)).
وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى في (باب سَريّة عبد الله بن حُذافة)) من كتاب المغازي، وتقدَّم
شيءٌ منه أيضاً في تفسير سورة النِّساء (٤٥٨٤) في قوله: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِ
مِنْكُمْ ﴾ [النساء: ٥٩]، وقد قيل: إنَّه لم يَقْصِد دخولهم النار حقيقةً، وإنَّما أشارَ لهم بذلك إلى أنَّ
طاعة الأمير واجبةٌ، ومَن تَرَكَ الواجب دَخَلَ النار، فإذا شَقَّ عليكم دخول هذه النار
فكيف بالنار الكُبْرِى؟ وكأنَّ قَصْده أنَّه لو رأى منهم الجِدّ في وُلُوجِها لَنْعَهم.
٥- بابٌ مَن لم يَسْألِ الإمارةَ أعانه الله علیھا
٧١٤٦ - حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازمٍ، عن الحسنِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ
سَمُرةَ، قال: قال النبيُّ وَّ: ((يا عبد الرَّحمنِ، لا تَسْألِ الإمارةَ، فإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَها عن مَسْألِةٍ
وُكِلْتَ إليها، وإنْ أُعْطِيتَها/ عن غَيرِ مَسْألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإذا حَلَفْتَ على يَمِينِ فرأيتَ غيرَها ١٢٤/١٣
خيراً منها، فكَفِّرْ يَمِينَكَ وائْتِ الذي هو خيرٌ)).
٦ - بابٌ مَن سَألَ الإمارةَ وُكِلَ إلیھا
٧١٤٧ - حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا يونسُ، عن الحسنِ، قال: حدَّثني
عبدُ الرَّحمنِ بنُ سَمُرةَ، قال: قال لي رسولُ اللهَ وَّهِ: ((يا عبد الرّحمنِ بنَ سَمُرةَ، لا تَسْألِ الإمارةَ،
(١) انظر حديث أبي سعيد الخدري السالف برقم (٦٥٦٠)، وحديث أبي هريرة (٦٥٧٣)، وحديث أنس
الآتي (٧٥١٠).

٢٥٢
٠
باب ٦ / ح ٧١٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
فإِنْ أُعْطِيتَها عن مَسْألِةٍ وُكِلْتَ إليها، وإنْ أُعْطِيتَها عن غَيرِ مَسْألِةٍ أُعِنْتَ عليها، وإذا حَلَفْتَ
على يَمِينٍ فرأيتَ غيرَها خيراً منها، فاتْتِ الذي هو خيرٌ وكَفِّرْ عن يَمِينِكَ)).
قوله: ((بابٌ مَن لم يَسْأل الإمارة أعانه الله عليها)) ذكر فيه حديث عبد الرَّحمن بن سَمُرة:
((لا تَسأل الإمارة)) ثمَّ قال بعدَه: ((باب مَن سَألَ الإمارة وُكِلَ إليها)» وذكر الحديث المذكور.
وقد تقدَّم الكلام على سنده في كتاب كفَّارة الأيمان (٦٧٢٢) وعلى قوله: ((وإذا حَلَفتَ
على يمينٍ فرأيتَ غيرها خيراً منها فكَفِّر)).
وأمّا قوله: «لا تسأل الإمارة) فهو الذي في أكثر طرق الحديث، ووقع في رواية یونس
ابن عُبَيد عن الحسن بلفظ: ((لا تَتَمِنَّيَنَّ))(١) بصيغة النَّهي عن التَّمنّي مُؤكَّداً بالنّونِ الثَّقيلة،
والنّهي عن التَّمنّي أبلَغْ من النَّهي عن الطََّب.
قوله: ((عن مسألة)) أي: سؤال.
قوله: ((وُكِلْت إليْها)) بضمِّ الواو وكسر الكاف ◌ُقَّفاً ومُشدَّداً وسكون اللّام، ومعنى
المخفَّف، أي: صُرِفَ إليها، ومَن وُكِلَ إلى نفسه هَلَكَ، ومنه في الدُّعاء: ((ولا تَكِلْني إلى
نفسي))(٢)، ووَكَلَ أمره إلى فلان: صَرَفَه إليه، ووَكَّلَه بالتَّشديد: استَحفَظَه.
ومعنى الحديث: أنَّ مَن طَلَبَ الإمارة فأُعطيَها تُرِكَت إعانته عليها من أجل حرصه.
ويُستَفاد منه أنَّ طلب ما يَتَعلَّق بالْحُكم مكروه، فيَدخُل في الإمارة القضاءُ والحِسبة
ونحو ذلك، وأنَّ مَن حَرَصَ على ذلك لا يُعان، ويعارضُه في الظّاهر ما أخرجه أبو داود
(٣٥٧٥) عن أبي هريرةَ رَفَعَه: ((مَن طَلَبَ قضاء المسلمين حتَّى يَناله، ثمَّ غَلَبَ عَدلُه جَورَه
فَلَه الجَنَّة، ومَن غَلَبَ جَورُه عَدَلَه فَلَه النار))، والجمع بينهما أنَّه لا يَلزَم من كَونه لا يُعان
بسببٍ طَلَبه أن لا يَحَصُلَ منه العَدل إذا وليَ، أو يُحمَل الطَّلَب هنا على القَصد وهناك على
(١) رواية يونس، عن الحسن هي رواية الباب، وهذا اللفظ الذي ذكره الحافظ هو لفظ رواية أبي ذرّ عن
الکشمیهني، کما في الیونینیة، وشرح القسطلاني ١٠/ ٢٢١.
(٢) أخرجه أحمد (٢٠٤٣٠)، وأبو داود (٥٠٩٠)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٤١٢)، وابن حبان (٩٧٠)
من حديث أبي بكرة. وأخرجه النسائي (١٠٣٣٠)، والحاكم ٥٤٥/١ - ٥٤٦ من حديث أنس.

٢٥٣
باب ٦ / ح ٧١٤٧
كتاب الأحكام
التَّولية، وقد تقدَّم من حديث أبي موسى: ((إنّا لا نوَلِّ مَن حَرَصَ))(١)، ولذلك عَبَّرَ في مُقابِله
بالإعانَة، فإنَّ مَن لم يَكُن له من الله عَونٌ على عمله لا يكون فيه كِفايةٌ لذلك العمل، فلا
يَنبَغي أن يُجاب سؤاله، ومن المعلوم أنَّ كلَّ وِلايةٍ لا تَخلو من المشَقَّة، فمَن لم يَكُن له من الله
إعانَةٌ تَوَرَّطَ فيما دَخَلَ فيه وخَسِرَ دُنياه وعُقباه، فمَن كان ذا عَقلٍ لم يَتعرَّض للطَّلَبِ أصلاً،
بل إذا كان كافياً وأُعطيها من غير مسألةٍ فقد وعَدَه الصّادق بالإعانَة، ولا يَخْفَى ما في ذلك
من الفضل.
قال المهلَّب: جاءَ تفسير الإعانَة عليها في حديث بلال بن مِرداس عن خَيثَمةً عن أنس
رَفَعَهُ: ((مَن طَلَبَ القضاء واستَعانَ عليه بالشُّفَعاءِ وُكِلَ إلى نفسه، ومَن أُكرِهَ عليه أَنزَلَ الله
عليه مَلَكاً يُسَدِّده)) أخرجه ابن المنذر. قلت: وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (١٣٢٤) من طريق أبي
عَوانَة عن عبد الأعلى الثَّعلَبيّ، وأخرجه هو (١٣٢٣) وأبو داود (٣٥٧٨) وابن ماجَهْ (٢٣٠٩)
من طريق إسرائيل(٢) عن عبد الأعلى، فأُسقِطَ خَيْثَمة من السَّند. قال التِّرمِذيّ: ورواية أبي
عَوَانَة أصحّ، وقال في رواية أبي عَوانَة: حديثٌ حسنٌ غريب.
وأخرجه الحاكم (٤/ ٩١) من طريق إسرائيل وصَحَّحَه، وتُعقّبَ بأنَّ ابن مَعِين ليَّنَ
خَيْثَمَةَ وضَعَّفَ عبد الأعلى، وكذا/ قال الجُمهور في عبد الأعلى: ليس بقَويٍّ.
١٢٥/١٣
قال المهلَّب: وفي معنى الإكراه عليه: أن يُدعَى إليه فلا يَرَى نفسه أهلاً لذلك، هَيبةً له
وخَوفاً من الوقوع في المحذور، فإنَّه يُعان عليه إذا دَخَلَ فيه، ويُسَدَّد، والأصل فيه أنَّ مَن
تَوَاضَعَ لله رَفَعَه الله.
وقال ابن التِّين: هو محمول على الغالب، وإلّا فقد قال يوسف: ﴿اجْعَلْنِ عَلَى خَزَآپنِ
اُلْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقال سليمان: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، قال: ويَحَتَمِل أن يكون
في غير الأنبياء.
(١) انظر الباب التالي.
(٢) وقعت العبارة هنا في (س): من طريق أبي عوانة، ومن طريق إسرائيل، وهو خطأ والمثبت من الأصلين
على الصواب.
:

٢٥٤
باب ٧ / ح ٧١٤٨ -٧١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
٧- باب ما يُكرَه منَ الحِرْصِ على الإمارةِ
٧١٤٨- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن سعيد المقبريِّ، عن أبي هُرَيرةَ،
عن النبيِّ بَّةِ، قال: ((إِنَّكم سَتَحْرِ صونَ على الإمارةِ، وستكونُ نَدامةً يومَ القيامةِ، فِنِعْمَ المُرْضِعةُ
وبثْسَتِ الفاطمةُ».
وقال محمَّدُ بنُ بِشَارٍ: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُْرانَ، حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ جعفر، عن سعيد
المقبُريِّ، عن عمرَ بنِ الحَكَم، عن أبي هُرَيرةَ، قولَه.
٧١٤٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى ﴾
قال: دَخَلْتُ على النبيِّ وََّ أنا ورجلان مِن قومي، فقال أحدُ الرجلَينِ: أَمِّرْنا يا رسولَ الله،
وقال الآخَرُ مِثلَه، فقال: ((إنّا لا نوَلّ هذا مَن سَأَلَه، ولا مَن حَرَصَ علیه)).
قوله: ((باب ما يُكرَه من الحِرْص على الإمارة)) أي: على تحصيلها، ووجه الكراهَة مَأخوذٌ
مَّا سَبَقَ في الباب الذي قبله.
قوله: ((عن سعيد المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ)» هكذا رواه ابن أبي ذِئب مرفوعاً، وأدخَلَ
عبدُ الحميد بن جعفر بينَ سعيد وأبي هريرةَ رجلاً، ولم يرفعه، وابنُ أبي ذِئب أتقَنُ من
عبد الحميد وأعرَف بحديثِ المقبُريِّ منه، فروايته هي المعتمَدَة، وعَقَّبَه البخاريّ بطريق
عبد الحميد إشارةً منه إلى إمكان تصحيح القولَين، فلعلَّه كان عند سعيد عن عمر بن الحكم
عن أبي هريرةَ موقوفاً على ما رواه عنه عبد الحميد، وكان عنده عن أبي هريرةَ بغير واسِطَة
مرفوعاً، إذ وُجِدَت عندَ كلّ من الرَّاویینِ عن سعيد زيادة، ورواية الوقف لا تُعارض رواية
الرَّفع، لأنَّ الرَّاوي قد يَنشَط فيُسنِد، وقد لا يَنشَط فيقف.
قوله: ((إنَّكم سَتَحْرِ صونَ)) بكسر الرَّاء ويجوز فتحها، ووَقَعَ في روایة شَبَابةً عن ابن أبي
ذِئب: ((سَتُعرَضونَ)) بالعينِ وأشارَ إلى أنَّهَا خَطَاً(١).
قوله: ((على الإمارة)) يدخُلُ فيه الإمارة العُظمَى وهي الخِلافة، والصُّغرَى وهي الولاية
على بعض البلاد، وهذا إخبارٌ منه وَّ بالشيءٍ قبلَ وقوعه، فوَقَعَ كما أخبَرَ.
(١) لم نقع على رواية شبابة هذه، ولم ندر عمن نقل الحافظ هذا الكلام ومن هو الذي أشار إلى خطأ الرواية.

٢٥٥
باب ٧ / ح ٧١٤٨ -٧١٤٩
كتاب الأحكام
قوله: ((وستكونُ نَدامَةً يومَ القيامة)) أي: لمن لم يَعمَل فيها بما يَنبَغي، وزاد في رواية شَبَابَةَ:
((وحَسرَة))(١)، ويُوضح ذلك ما أخرجه البزَّار (٢٧٥٦) والطََّرانيُّ (١٣٢/١٨) بسَنَدٍ صحيح
عن عَوف بن مالك بلفظ: ((أوَّلها مَلامَة، وثانيها نَدامَة، وثالثها عذابٌ يومَ القيامة، إلّا مَن
عَدَلَ))، وفي ((الطََّرانيّ الأوسط)) (٥٦١٦) من رواية شَرِيك عن عبد الله بن عيسى عن أبي
صالحٍ عن أبي هريرةَ، قال شَرِيك: لا أدري رَفَعَه أم لا، قال: «الإمارة أوَّلها نَدامَة، وأوسطها
غرامَة، وآخرها عذابٌ يوم القيامة))، وله شاهد من حديث شدَّاد بن أوس رَفَعَه بلفظ:
((أوَّلها مَلامَة وثانيها نَدامَة)) أخرجه الطََّرَانيُّ (٧١٨٦).
وعندَ الطَّبَرانيِّ (٤٨٣١) من حديث زيد بن ثابت رَفَعَه: ((نِعمَ الشيء الإمارة لمن
أَخَذَها بحَقِّها وحِلِّها، وبئسَ الشيء الإمارة لمن أخَذَها بغير / حَقّها، تكون عليه حَسَرَةً يوم ١٢٦/١٣
القيامة»، وهذا يُقِيِّد ما أُطلِقَ في الذي قبلَه، ويُقيِّده أيضاً ما أخرج مسلم (١٨٢٥) عن أبي ذرِّ
قال: قلت: يا رسول الله ألا تَستَعمِلُني؟ قال: ((إِنَّك ضعيف، وإنَّها أمانَة، وإنَّها يوم القيامة
خِزِيٌ ونَدَامَة، إلّا مَن أَخَذَها بحَقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها)). قال النَّوَويّ: هذا أصلٌ عظيمٌ
في اجتناب الولاية، ولا سيّما لمن كان فيه ضَعْف، وهو في حَقّ مَن دَخَلَ فيها بغير أهليَّة ولم
يَعدِل، فإنَّ يَندَم على ما فَرَّطَ منه إذا جوزيَ بالخِزي يوم القيامة، وأمّا مَن كان أهلاً وعَدَلَ
فيها فأجره عظيم، كما تَظاهَرَت به الأخبار، ولكن في الدُّخول فيها خَطَر عظيم، ولذلك
امتَنَعَ الأكابِر منها، والله أعلم.
قوله: ((فِنِعْمَ المُرْضِعةُ وبِثْسَتِ الفاطمةُ)) قال الدَّاوُوديّ: نِعمَ المرضِعةُ، أي: الدُّنيا، وبئسَتِ
الفاطمةُ، أي: بعدَ الموت، لأنَّه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو كالذي يُفطَم قبلَ أن
یستغني بالطعام(٢) فیکون في ذلك هلاكه.
(١) وهذه الزيادة أيضاً هي عند غير شبابة المذكور، فقد زادها عبد الله بن المبارك في («مسنده)) (٢٦٨)، ومن
طريقه أخرجه بها النسائي (٤٢١١) و(٥٣٨٥)، وزادها أيضاً حماد بن عبد الله بن خياط عند ابن الجعد
في «مسنده» (٢٩٣٣)، ویزید بن هارون عند أحمد في «مسنده» (٩٧٩١)، وأحمد بن عبد الله بن یونس
عند أبي نعيم في «أخبار أصبهان» ٢/ ٣٥٤.
(٢) لفظة ((بالطعام)) من هامش (أ) مصححاً عليها.

٢٥٦
باب ٧ / ح ٧١٤٨ -٧١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقال غيره: نِعِمَ المرضِعَة لما فيها من حصول الجاه والمال، ونَفاذِ الكَلِمة، وتحصيل
اللَّذات الِحِسّيَّة والوَهميّة حال حصولها، وبئسَت الفاطمَة عندَ الانفصال عنها بمَوتٍ أو
غيره، وما يَتَرتَّب عليها من الشَِّعات في الآخرَة.
تنبيه: أُحِقَت التّاء في ((بِئْسَت)) دونَ نِعمَ، والحُكم فيهما إذا كان فاعلهما مُؤَنَّثَاً جوازٌ
الإلحاق وتركه، فوَقَعَ التَّفَنَّن في هذا الحديث بحَسَبِ ذلك. وقال الطِّيبِيُّ: إنَّما لم يُلحِقها
بنِعِمَ؛ لأنَّ المرضِعَة مُستَعارَة للإمارةِ، وتَأنيثُها غيرُ حقيقيّ، فَتَرَكَ إلحاق الّاء بها، وألحقَها
بِئْسَ نَظَراً إلى كَون الإمارة حينئذٍ داهيةً دَهياء. قال: وإنَّما أتى بالتّاءِ في الفاطمَة والمرضِعَة
إشارة إلى تَصوير تَينِك الحالتَينِ المتَجدِّدتَينِ في الإرضاع والفِطام.
قوله: ((وقال محمَّد بن بشَّار)) هو بندارٌ، ووَقَعَ في ((مُستَخرَج)) أبي نُعَيم أنَّ البخاريّ قال:
حدَّثنا محمّد بن بشَّار.
وعبد الله بن حِمران هو بصريٌّ صَدُوق، وقد قال ابن حِبّان في ((الثِّقات)): يُخْطِئ. وما له
في ((الصَّحيح)) إلّا هذا الموضع. وعبد الحميد بن جعفر: هو المَدَنيّ، لم يُرِّج له البخاريّ
إلّا تعليقاً، وعمر بن الحَكَم، أي: ابن ثَوبانَ: مَدَنيُّ ثقة، أخرج له البخاريّ في غير هذا
الموضع تعليقاً، كما تقدَّم في الصيام(١).
قوله: ((عن أبي هريرةَ قولَه)) أي: موقوفاً عليه.
قوله في حديث أبي موسى: ((ولا مَن حَرَصَ عليه)) بفتح المهمَلة والرَّاء، وقد تقدَّم مُطوَّلاً
من وجهٍ آخَر عن أبي بُردَة عن أبي موسى في استِتابة المرتَدّينَ (٦٩٢٣)، وذَكَرتُ شرحه
هناك.
وفي الحديث أنَّ الذي يَناله المتَوَلّي من النَّعماء والسَّاء دونَ ما يَنالُه من البَأساء والضَّاء؛
إِمّا بالعَزلِ في الدُّنيا فيصير خاملاً، وإمّا بالمؤاخَذَةِ في الآخرَة وذلك أشدُّ، نسأل الله العفو.
قال القاضي البيضاويّ: فلا يَنبَغي لعاقلِ أن يَفرَحَ بلَذَّةٍ تَعقُبها حَسَرات.
(١) بين يدي الحديث رقم (١٩٣٨).

٢٥٧
باب ٨ / ح ٧١٥٠ -٧١٥١
كتاب الأحكام
قال المهلَّب: الحِرص على الولاية هو السَّبب في اقتتال(١) الناس عليها، حتَّى سُفِكَت
الدِّماء، واستُبِيحَت الأموال والفُروج، وعَظُمَ الفساد في الأرض بذلك، ووجه النَّدَم أنَّه
قد يُقتَل أو يُعزَل أو يموت، فيَندَم على الدُّخول فيها، لأنَّه يُطالَب بالتَّبِعات التي ارتكبها، وقد
فاتَّه ما حَرَصَ عليه بمُفارَقَتِهِ. قال: ويُستَئِنَى من ذلك مَن تَعَيَّنَ عليه، كأن يموت الوالي ولا
يُوجَد بعده مَن يقوم بالأمرِ غيره، وإذا لم يَدخُل في ذلك يَحصُل الفساد بضياع الأحوال.
قلت: وهذا لا يُخالِفِ ما فُرِضَ في الحديث الذي قبلَه من الحصول بالطَّلَبِ أو بغير
طَب، بل في التَّعبير بالحِرصِ إشارة إلى أنَّ مَن قامَ بالأمرِ عند خَشية الضَّياع يكون كمَن
أُعطيَ بغير سؤال؛ لفَقدِ الحِرص غالباً عمَّن هذا شَأنه. وقد يُغتَفَر الحِرص في حَقّ مَن تَعَيَّنَ
عليه لكَونِه يصير واجباً عليه، وتَولية القضاء على الإمام فرضُ عَينٍ، وعلى القاضي فرضُ
كِفايةٍ إذا كان هناك غیرُه.
٨ - باب مَنِ استُرْعِيَ رَعِيّةً فلَم يَنْصَح
٧١٥٠ - حدّثنا أبو نُعيمٍ، حذَّثنا أبو الأشهَبِ، عن الحسنِ: أنَّ عُبيد الله بنَ زيادٍ عادَ مَعِقِلَ
ابنَ يَسارٍ / في مرضِه الذي ماتَ فيه، فقال له مَعقِلٌ: إنّ مُحَدِّثُكَ حديثاً سمعتُهُ مِن رسولِ الله ١٢٧/١٣
وَّه سمعتُ النبيَّ ◌ََّ يقولُ: «ما مِن عبدٍ يَستَرعِيه اللهُ رَعِيّةً، فلم يَحُطْها بنُصحِه لم يَجِدْ رائحةً
الجنَّةِ)).
٧١٥١ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا حُسَينٌ الجُعْفيُّ، قال زائدةُ: ذكره هشامٌ، عن
الحسنِ، قال: أَتَيْنا مَعقِلَ بنَ يَسارٍ نَعودُه، فدَخَلَ عُبيدُ الله، فقال له مَعِقِلٌ: أُحدِّئُكَ حديثاً سمعتُه
مِن رسولِ الله وَّةٍ، فقال: ((ما مِن والٍ يَلي رَعِيَّةً منَ المسلمينَ فيموتُ وهو غاشَّ لهم، إلا حَرَّمَ
الله علیه الجنَّةَ)).
قوله: ((بابُ مَن استُرْعيَ)) بضمِّ المثنّاة على البناءِ للمجهول.
قوله: ((رَعيَّة فلم ینْصَح)) أي: ها.
(١) في (أ): افتتان، والمثبت من (س) وشرح القسطلاني، وتحرفت في (ع) إلى: إقبال.

٢٥٨
باب ٨ / ح ٧١٥٠ -٧١٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أبو الأشهَب)) هو جعفر بن حَيّان بمُهمَلةٍ وتحتانيَّة ثقيلة.
قوله: ((عن الحسن)) هو البصريّ، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق شَيبانَ عن أبي
الأشهَب: حدَّثنا الحسن.
قوله: ((أنَّ عُبيد الله بن زياد)) يعني: أميرَ البصرة في زمن معاوية ووَلَدِه يزيد، ووَقَعَ في
رواية هشام المذكورة بعد هذه ما يَدُلّ على أنَّ الحسن حَضَرَ ذلك من عُبَید الله بن زیاد عند
مَعقِل.
قوله: ((عادَ مَعِقِلَ بنَ يَسار)) بِتحتانيَّةٍ ثمَّ مُهمَلة خفيفة: هو المزَنيُّ الصَّحابيّ المشهور.
قوله: ((في مرضه الذي ماتَ فيه)) كانت وفاة مَعقِل بالبصرةِ - فيما ذكره البخاريّ في
((الأوسط)) - ما بين السِّينَ إلى السَّبعين، وذلك في خِلَافة يزيد بن معاويةَ.
قوله: ((فقال له مَعقِل: إنّ ثُحَدِّثك حديثاً سمعتُه من رسول الله وَّ)) زاد مسلم (٢١/١٨٢٩)
عن شَيبانَ بن فرّوخ عن أبي الأشهَب: لو علمتُ أنَّ لي حياةً ما حَدَّثْتُك.
قوله: ((يَستَرْعيه الله)) في نُسخَة الصَّغَانيّ: ((استَرعاه)).
قوله: ((فلم يَحُطْها)) بفتح أوَّله وضمّ الحاء وسكون الطّاء المهمَلتَين، أي: يَكلَؤُها أو
يَصُنها، وزنَه ومعناه، والاسم الحِياطَة، يُقال: حاطَه: إذا استولى عليه، وأحاطَ به مِثله.
قوله: ((بنُصْحِهِ) كذا للأكثَرِ بهاءِ الضَّمير، وفي رواية المستَمليّ: ((بالنَّصيحَةِ))، ووَقَعَ لمسلمٍ
في رواية شيبانَ: «يموتُ يومَ يموتُ وهو غاٌّ لِرَعيَّتِهِ)).
قوله: (لم يَجِدْ)) في نُسخَة الصَّغَانيّ: ((إلّا لم يَجِد)) بزيادةٍ إلّا ((رائحةَ الجَنَّة)) زاد في رواية
الطََّرَانيّ(١) من حديث عبد الله بن مُغفَّل: ((وعَرْفُها يُوجَد يومَ القيامة من مَسيرَة سبعينَ
عاماً)، ووَقَعَ في رواية مسلم: ((إلّا حَرَّمَ الله عليه الجنَّة))، وله مِثله من طريق يونس بن عُبَيد
عن الحسن.
(١) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٢١٢/٥-٢١٣ وقال: رواه الطبراني عن شيخه ثابت بن نعيم الهوجي
ولم أعرفه، وفي إسناده أيضاً محمد بن عبد الله بن مغفل ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.

٢٥٩
باب ٨ / ح ٧١٥٠ -٧١٥١
كتاب الأحكام
قال الكِرمانيُّ: مفهومُ الحديث أنَّه يَجِدها، وهو عَكسُ المقصود، والجواب: أنَّ ((إلّا))
مُقدَّرَة، أي: إلّا لم يَجِد، والخبر محذوف، والتَّقدير: ما من عبد فعل كذا إلّ حَرَّمَ الله عليه
الجَنَّة، ((ولم يَجِد رائحة الجنَّة)) استئنافٌ كالمفسِّرِ له، أو ليست ((ما)) للنَّفي، وجازَت زيادة
((من)) للتَّأكيدِ في الإثبات عندَ بعض النُّحاة، وقد ثَبَتَ ((إلّا)) في بعض النَّسَخ. قلت: لم يقع
الجمع بينَ اللَّفظَينِ المتَوَعَّد بهما في طريق واحدة، فقوله: (لم يَجِد رائحَة الجَنَّة)) وَقَعَ في رواية
أبِي الأَشهَب، وقوله: ((حَرَّمَ الله عليه الجَنَّة)) وَقَعَ في رواية هشام، فكأنَّه أرادَ أنَّ الأصل في
الحديث الجمع بين اللَّفظَين، فحَفِظَ بعضٌ ما لم يَحَفَظ بعض، وهو مُتَمَل، لكنَّ الظاهر أنَّه
لفظٌ واحدٌ تَصرَّفَت فيه الرُّواة.
وزاد مسلم في آخره: قال: ألا كنتَ حَدَّثتني هذا قبلَ اليوم؟ قال: لم أكُن لأُحدِّثَك،
قيل: سبب ذلك هو ما وصَفَه به الحسن البصريّ من سَفك الدِّماء. ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ
من الوجه الذي أخرجه مسلم: لولا أنّ مَيِّتٌ ما حَدَّثْتُك، فكأنَّه كان يَخْشَى بَطشه، فلمَّا
نَزَلَ به الموت أرادَ أن يَكُفَّ بذلك بعضَ شَرِّه عن المسلمين، وإلى ذلك وقَعَت الإشارة في
رواية لمسلمٍ (٢٢/١٨٢٩) من طريق أبي المليح: أنَّ عُبَيد الله بن زياد عادَ مَعقِل بن يسار،
فقال له مَعِقِل: لولا أنّي في الموت ما حَدَّثُك.
وقد أخرج / الطََّرانيُّ في ((الكبير))(١) من وجه آخَرَ عن الحسن قال: لمَّا قَدِمَ علينا عُبَيد الله ١٢٨/١٣
ابن زياد أميراً، أمَّرَه علينا معاوية غلاماً سَفيهاً يَسِفِك الدِّماء سَفكاً شديداً، وفينا عبد الله
ابن مُغفَّل المزَنِيُّ، فدَخَلَ عليه ذاتَ يوم فقال له: انتَه عَّا أراك تَصنَع، فقال له: وما أنتَ
وذاكَ؟ قال: ثمَّ خَرَجَ إلى المسجد، فقُلنا له: ما كنت تَصنَع بكلام هذا السَّفيه على رُؤوسِ
الناس؟ فقال: إنَّه كان عندي عِلمٌ فأحببتُ أن لا أموت حتَّى أقول به على رؤوس الناس،
ثمَّ قامَ فا لَبِثَ أن مَرِضَ مرضه الذي تُوقِي فیه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فذكر نحو
حديث الباب، فيُحتَمل أن تكون القصّة وَقَعَت للصَّحابيَّين.
(١) كما في ((مجمع الزوائد» للهيثمي ٢١٢/٥، وقال: فيه ثابت بن نعيم الهوجي - شيخ الطبراني - لم أعرفه،
وبقية رجاله ثقات.

٢٦٠
باب ٨ / ح ٧١٥٠-٧١٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال زائدةُ: ذكره هشام)) هو بحَذفٍ قال الثّانية، والتَّقدير: قال الحسين الجُعفيُّ:
قال زائدَة: ذكره، أي: الحديث الذي سيأتي. هشام وهو ابن حسَّان، ووَقَعَ في رواية مسلم
(٢٢٩/١٤٢) عن القاسم بن زكريّا عن الحسين الجُعفيِّ بالعَنعَنةِ في جميع السَّند.
وحاصل الرِّوايتَينِ أنَّه أثبَتَ الغِشْ في إحداهما، ونَفَى النَّصيحَة في الأُخرى، فكأنَّه لا
واسِطَة بينهما، ويَحَصُل ذلك بظُلمِه لهم بأخذِ أموالهم، أو سَفك دِمائِهِم، أو انتَهاك أعراضِهم،
وحَبسٍ حقوقهم، وترك تَعريفهم ما يجب عليهم في أمر دِينِهِم ودُنياهم، وبإهمالٍ إقامة الحدود
فيهم، ورَدع المفسِدينَ منهم، وترك حمايتهم ونحو ذلك.
قوله: ((فقال له مَعقِل: أُحدِّثُك حديثاً)) قد ذَكَرتُ زيادةَ أبي الملِيحِ عندَ مسلم.
قوله: ((ما من والٍ يَلي رَعيَّة من المسلمين ... )) إلى آخره، وَقَعَ في رواية أبي الملِيح: ((ما من
أمير)) بَدَلَ ((والٍ))، وقال فيه: ((ثمَّ لا يَجِدّ له)) بجيمٍ ودال مُشدَّدَة، من الجِدّ بالكسرِ ضِدّ
الهَزل، وقال فيه: ((إلّا لم يَدخُل معهم الجَنَّة))، وللطََّرانيِّ في («الأوسط)) (٦٦٢٩): «فلم يَعدِل
فیهم إلّا کبَّهُ الله على وجهِه في النار)).
قال ابن الِّين: ((يَلي)) جاءَ على غير القياس؛ لأنَّ ماضِيَه: وليَ بالكسر، ومُستَقْبَلَه: يَولي
بالفَتحِ، وهو مِثل ورِثَ یَرِث.
وقال ابن بَطّال: هذا وعيدٌ شديدٌ على أئمَّة الجور، فمَن ضَيَّعَ مَن استَرعاه الله أو خاتَهم أو
ظَلَمَهم فقد تَوجَّهَ إليه الطََّب بمَظالم العباد ((يوم القيامة))، فكيف يَقدِر على التَّحَلُّل مِن ظُلم
أمَّة عظيمة، ومعنى ((حَرَّمَ الله عليه الجنَّة)) أي: أنفَذَ الله عليه الوَعيد، ولم يُرضِ عنه المَظلومينَ.
ونَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاووديِّ نحوه، قال: ويحتمل أن يكون هذا في حَقّ الكافر، لأنَّ
المؤمن لا بُدَّ له من نصيحة. قلت: وهو احتمالٌ بعيدٌ جدّاً، والتَّعليل مردود، فالكافر أيضاً
قد يكون ناصحاً فيما تَوَلّاه، ولا يَمنَعه ذلك الكُفر.
وقال غيره: يُحُمَل على المستَحِلّ. والأولى أنَّه محمولٌ على غير المستَحِلّ، وإنَّما أُريدَ به الزّجر
والتَّغليظ، وقد وَقَعَ في روايةٍ لمسلمٍ بلفظ: ((لم يَدخُل معهم الجَنَّةُ))، وهو يُؤيِّد أنَّ المراد أنَّه
لا يَدخُل الجنَّة في وقتٍ دونَ وقت.