Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ باب ٢٨ / ح ٧١٣٥ كتاب الفتن وقد أخرج عبد بن حُميدٍ من طريق كَعْب الأحبار نحو حديث أبي هريرة، وقال فيه: فإذا بَلَغَ الأمرُ أُلْقِي على بعض ألْسِتَتَهم: نَأتي إن شاء الله غَداً فَتَفُرُغ منه. وأخرج ابن مَرْدويه من حديث حُذَيفة نحو حديث أبي هريرة وفيه: ((فُيُصبِحونَ وهو أقوى منه بالأمْسِ حتَّى يُسلِمَ رجل منهم حينَ يريد الله أن يَبلُغ أمره، فيقول المؤمن: غَداً نَفتَحه إن شاء الله، فُيُصبِحونَ ثمَّ يَغْدُونَ عليه فيُفْتَح ... )) الحديث، وسنده ضعيف جدّاً. قوله: ((قالت زينب بنت جَحْش)) هذا يُخصِّص رواية سليمان بن كثير(١) بلفظ: ((قالوا: أتَهلِكُ))، ويُعيِّن أنَّ اللّافظ بهذا السُّؤال هي زينب بنت جَحْش راوية الحديث. قوله: ((أتَهلِكُ)) بكسر اللّام، في رواية يزيد بن الأصمّ عن ميمونة عن زينب بنت جَحْش في نحو هذا الحديث: ((فُرِجَ اللَّيلة من رَدْم يَأْجوج ومَأْجوج فُرْجة)» قلت: يا رسول الله، أيُعَذِّبُنا الله وفينا الصالحونَ(٢)؟ قوله: ((وفينا الصالحونَ)) كأنَّهَا أَخَذَتْ ذلك من قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. قوله: ((قال: نَعَم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ)) بفتح المعجَمة والموخَّدة ثمَّ مُثَلَّثة، فَسَّروه بالزِّنى وبأولادِ الزّنى، وبالفُسوقِ والفُجور، وهو أولى لأنَّه قابَلَه بالصَّلاح. قال ابن العربيّ: فيه البيان بأنَّ الخَيِّرِ يَهلِك بهلاكِ الشّرّير إذا لم يُغيِّر عليه خَبَثَه، وكذلك إذا غَيَّرَ عليه لكن حيثُ لا يُجْدي ذلك ويُصِرّ الشِّرّير على عمله السَّيِّى، ويَفشُو ذلك ويَكثُر حَتَّى يَعُمَّ الفساد، فيَهلِك حينَذِ القليل والكثير، ثمَّ يُحُشَر كلُّ أحد على نيَّتَه. وكأنََّا فَهِمَتْ من فتح القَدْر المذكور من الرَّدْم أنَّ الأمر إنْ تَادَى على ذلك، اتَّسَعَ الخَرْقُ بحيثُ يَخْرُجونَ، وكان عندَها علم أنَّ في خروجهم على الناس إهلاكاً عاماً لهم. وقد وَرَدَ في حالهم عندَ خروجهم ما أخرجه مسلم (٢٩٣٧/ ١١٠) من حديث النَّاس ابن سِمْعان بعدَ ذِكْر الدَّجّال وقتلِه على يد عيسى قال: «ثمَّ يأتيه قوم قد عَصَمَهم الله من (١) عند أبي عوانة كما تقدم. (٢) لم يخرِّج الحافظ هذه الرواية، ولم نقف عليها فيما بين أيدينا من مصادر. ٢٢٢ باب ٢٨ / ح ٧١٣٥ فتح الباري بشرح البخاري الدَّجّال، فَيَمْسَح وجوههم، ويُحدِّثهم بدَرَجاتهم في الجنَّة، فبينما هم كذلك إذ أوحَى الله إلى عيسى: إنّي قد أخرَجْتُ عباداً لي لا يَدَانِ لأحدٍ بقتالهم، فحَرِّزْ عبادي إلى الطُّور، ويَبعَث الله يَأْجوجَ ومَأْجوجٍ، فَيَمُرّ أوائلُهم على بُحَيْرة طَبَرِيّةَ فيشربونَ ما فيها، ويَمُرّ ١١٠/١٣ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرَّةً ماء، ويُحصَر عيسى نبيّ الله وأصحابه حتَّى يكون رأسُ/ الثَّوْر لأحدِهم خيراً من مئة دينار، فيَرَغَب عيسى نبيّ الله وأصحابُه إلى الله فیُرسِل عليهم النَّغَف - بفتح النُّون والغَيْن المعجَمة ثمَّ فاء - في رِقابهم، فيُصبِحِونَ فَرْسَى - بفتح الفاء وسكون الرَّاء بعدَها مُهمَلة مقصور - كموتِ نفسٍ واحدة، ثمَّ يَهِط عيسى نبيُّ الله وأصحابه إلى الأرض، فلا يَجِدونَ في الأرض موضع شِبْ إلّا مَلَأَه زَهَمُهم ونَتْنهم، فَيَرغَب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيُرسِل طَيْراً كأعناق البُخْت، فَتَحمِلهم فَتَطْرَحهم حيثُ شاءَ الله، ثُمَّ يُرسِل الله مَطَراً لا يَكُنُّ منه بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَر، فَيَغْسِل الأرض حتَّى يَترُكها كالزَّلَفة، ثمَّ يُقال للأرض: أَنِي ثَمَرَتَك ورُدّي بَرَكَتَك، فيومَئذٍ تَأْكُل العِصابةُ من الرُّمّانة ويَسْتَظِلّونَ بقِحْفها(١)، فبينما هم كذلك إذ بَعَثَ الله ريحاً طيِّة فتأخذهم تحتَ آباطهم فَتَقْبِض روح كلٍّ مؤمن ومسلم، فيَبقَى شِرارُ الناس يَتَهارَ جونَ تَهَارُجَ الْحُمُر، فعليهم تقوم السّاعة)). قلت: والزّلَفة - بفتح الزّاي واللّام، وقيل: بتسكينِها، وقيل: بالقاف -: هي المِرْآة، بكسر الميم، وقيل: المَصْنَع الذي يُتَّخَذ لجمع الماء، والمراد: أنَّ الماء يَعُمّ جميع الأرض فيُنظِّفها حتَّی تصيرَ بحیثُ یَرَى الرَّائي وجهه فيها. وفي رواية لمسلمٍ أيضاً (٢٩٣٧/ ١١١): ((فيقولون: لقد قَتَلْنا مَن في الأرض، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ مَن في السماء، فيَرَمُونَ بِنُشّابِهِم إلى السماء فيَرُدّها الله عليهم مخضوبة دَماً))، وأخرج الحاكم (٤٨٨/٤) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة(٢) نحوه في قصَّة يأجوج ومأجوج وسنده صحيح، وعند عبد بن حُميدٍ من حديث عبد الله بن عَمْرو: ((فلا يَمُرّونَ بشيءٍ إلّا أهلَكوه))، ومن حديث أبي سعيد رَفَعَه: ((يُفتَح يَأْجوج ومَأْجوج فيَعُمّونَ الأرض، وينحازُ (١) تحرف في (س) إلى: تحتها. والقِحف: المراد به هنا قِشْر الرمّان. (٢) هذا وهمٌّ من الحافظ رحمه الله، وإنما هو من طريق أبي رافع عن أبي هريرة. ٢٢٣ باب ٢٨ / ح ٧١٣٦ كتاب الفتن منهم المسلمون فيَظهَرونَ على أهل الأرض، فيقول قائلهم: هؤلاءِ أهل الأرض قد فَرَغْنا منهم، فيَهُزّ آخرُ حَرْبتَه إلى السماء فتَرجِعِ مُخُضَّبة بالدَّم، فيقولون: قد قَتَلْنا أهلَ السماء، فبينما هم كذلك إذ بَعَثَ الله عليهم دَوابَ كنَغَفِ الجَراد، فتأخذ بأعناقهم فيموتونَ موت الجراد يَرْكَبُ بعضُهم بعضاً)(١). الحديث الثاني: ٧١٣٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حذَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا ابنُ طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((يُفتَحُ الرَّدُْ، رَدْمُ بَأْجوجَ ومَأْجوجَ، مِثلُ هذه)؛ وعَقَدَ وُهَيبٌ تسعينَ. قوله: ((وُهَیب)» هو ابن خالد، وابن طاووسٍ: هو عبد الله. قوله: ((يُفتَحِ الرَّدْم) كذا هنا، وتقدَّم في ترجمة ذي القَرْنَينِ (٣٣٤٧) عن مسلم بن إبراهيم عن وُهَيب: (فُتِحَ) بضمِّ الفاء وكسر المثنّاة (٢)، وهي رواية أحمد (٨٥٠١) عن عَفّانَ عن وُهَيب. قوله: ((مِثلُ هذه، وعَقَدَ وُهَيبٌ تسعينَ)) أخرجه أبو عَوَانة من طريق أحمد بن إسحاق الحَضْرَميّ عن وُهَيب فقال فيه: وعَقَدَ تسعين، ولم يُعيِّ الذي عَقَدَ فأوهَمَ أنَّه مرفوع، وقد تَبِيَّن من رواية عَفّنَ ومَن وافَقَه أنَّ الذي عَقَدَ تسعينَ هو وُهَيب، وهو موافق لما تقدَّم في حديث أمّ حبيبة من رواية شُرَيح بن يونس عند ابن حِبّان (٦٨٣١)، وسَبَقَ الكلام على ذلك مُفصَّلاً، وقد جاءَ عن أبي هريرة مِثْلُ أوَّل حديث أمّ حبيبة، لكنْ فيه زيادة رواها الأعمَش عن سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، قال الأعمَش: لا أُراه إلّا قد رَفَعَه: ((ويلٌ للعرب من شَرّ قد اقتَرَب، أفلَحَ مَن كَفَّ يدَه)) قال أحمد (٩٦٩١): حدَّثنا محمّد بن عُبيد حدَّثنا الأعمَش بهذا(٣)، قال: ووقَفَه أبو معاوية - يعني: عن الأعمَش بهذا السَّند - عن أبي هريرة. (١) أخرجه أحمد (١١٧٣١)، وابن حبان (٦٨٣٠)، وإسناده حسن. (٢) سلف بلفظ: ((فَتَح الله)) ولم يُذكَر فيها خلاف في اليونينية ولا في ((إرشاد الساري)). (٣) وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٢٤٩)، والطحاوي في ((شرح المشكل)) (٢٢٩٩)، وليس في الإسناد عند أحدٍ من الثلاثة سهيل بن أبي صالح، إنما هو من رواية الأعمش عن أبي صالح مباشرة. ورواية أبي معاوية الموقوفة أخرجها ابن أبي شيبة أيضاً في ((مصنفه)) ١٥/ ٥٥. ٢٢٤ فتح الباري بشرح البخاري خاتمة: اشتَمَلَ كتابُ الفتن من الأحاديث المرفوعة على مئة حديث وحديث، الموصول منها سبعة وثمانونَ والباقية مُعلَّقات ومُتَابَعات، المكرَّر منها فيه وفيما مضى ثمانونَ، والخالِصُ إحدى وعِشْرونَ، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن مسعود: ((شَرُّ الناس مَن تُدرِكُهم السّاعةُ وهم أحياء))، وحديث أنس: ((لا يأتي زمان إلّا والذي بعدَه شَرٌّ منه))، وحديث عمّار وابن مسعود في قصَّة الجمل، وحديث أبي بَرْزة في الإنكار على مَن يقاتل الدُّنيا، وحديث حُذَيفة في المنافقين، وحديثه في النِّفاق، وحديث أنس في المدينة: لا يَدخُلها الدَّجّال ولا الطّاعون إن شاء الله تعالی. وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدَهم خمسةَ عشرَ أثَراً، والله أعلم. ٢٢٥ باب ١ / ح ٧١٣٧ كتاب الأحكام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الأحكام ١١١/١٣ قوله: ((بسم الله الرَّحمن الرحيم. كتاب الأحكام)) كذا للجميع، وسَقَطَ لفظ ((باب)) بعده لغیر أبي ذرٍّ. والأحكام: جمع حُكْم، والمراد: بيان آدابه وشُروطِه، وكذا الحاكم، ويَتناول لفظُ الحاكم الخليفةَ والقاضي، فذكر ما يَتَعلَّق بكلٍّ منهما. والحُكْم الشَّرْعَيّ عند الأصوليّينَ: خِطابُ الله تعالى المتعلِّق بأفعالِ المكلَّفِينَ بالاقتضاءِ أو التَّخییر. ومادّة الحُكم من الإحكام: وهو الإتقان للشَيء، ومَنْعُه من العَيْب. ١ - باب قولِ الله تعالى ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ٧١٣٧- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن يونُسَ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أَنَّه سَمِعَ أبا هُرَيرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: «مَن أطاعَني فقد أطاعَ الله، ومَن عَصاني فقد عَصَى الله، ومَن أطاعَ أميري فقد أطاعَني، ومَن عَصَى أميري فقد عَصاني)). قوله: ((بابُ قولِ الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمَّيِ مِنْكُمْ﴾)) في هذا إشارةٌ من المصنّف إلى ترجيح القول الصّائر إلى أنَّ الآية نَزَلَتْ في طاعة الأُمراء، خِلافاً لمن قال: نَزَلَتْ في العلماء، وقد رَجَّحَ ذلك أيضاً الطَّبَريُّ، وتقدَّم في تفسيرها في سورة النِّساء (٤٥٨٤) بَسْطُ القول في ذلك. وقال ابن عُبَينَةَ: سَألْت زيد بن أسلمَ عنها ولم يكن بالمدينة أحدٌ يُفسِّر القرآن بعدَ محمَّد ابن كَعْبٍ مِثْلَه، فقال: اقرَأْ ما قبلها تَعرِف، فقرأْت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا ٢٢٦ باب ١ / ح ٧١٣٧ فتح الباري بشرح البخاري وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَّحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ الآية [النساء: ٥٨]، فقال: هذه في الولاة. والنُّكْتة في إعادة العامل في الرَّسول دونَ أولي الأمر، مع أنَّ المطاع في الحقيقة هو الله تعالى: كَوْنُ الذي يُعرَف به ما يقع به التَّكْليف هما القرآنُ والسُّنّة، فكأنَّ التَّقدير: أطيعوا الله فيما نَصَّ عليكم في القرآن، وأطيعوا الرَّسولَ فيما بيَّن لكم من القرآن وما يَنُصُّه عليكم من السُّنّة. أو المعنى: أطيعوا الله فيما يأمُركم به من الوَحْي المتَعَبَّد بتلاوتِه، وأطيعوا الرَّسُولَ فيما يأمُرکم به من الوَحْي الذي ليس بقرآنٍ. ومن بَديع الجواب قولُ بعض التّابعينَ لبعضِ الأُمراء من بني أُميّة لمَّا قال له: أليس الله أمَرَكم أن تُطيعونا في قوله: ﴿وَأُوْلِ الْأَمَّيِ مِنْكُمْ﴾؟ فقال له: أليس قد نُزِعَتْ عَنْكم - يعني الطّاعة - إذا خالَفْتُم الحقّ بقوله: ﴿فَإِن تَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩]. ١١٢/١٣ قال الطِّبيُّ: / أعادَ الفِعْل في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إشارةً إلى استقلال الرَّسول بالطّاعة، ولم يُعِدْه في أولي الأمر إشارةً إلى أنَّه يُوجَد فيهم مَن لا تَجِب طاعته، ثمَّ بيَّن ذلك بقوله: ﴿فَإِنِ نَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ﴾ كأنَّه قيل: فإنْ لم يعملوا بالحقِّ فلا تُطيعوهم، ورُدّوا ما تَّخَالَفْتُم فيه إلى حكم الله ورسوله. وذَگر فیه حدیثین: أحدهما: حديث أبي هريرة. قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، ویونس: هو ابن یزیدَ. قوله: ((مَن أطاعَني فقد أطاعَ الله)) هذه الجملة مُنتَزَعة من قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] أي: لأنّي لا آمُر إلّا بما أمَرَ الله به، فمَن فعل ما آمُره به فإنَّما أطاعَ مَن أمَرَني أن آمُره. ويحتمل أن يكون المعنى: لأنَّ الله أمَرَ بطاعتي، فمَن أطاعَني فقد أطاعَ أمرَ الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك. والطّاعةُ: هي الإتيان بالمأمورِ به والانتهاء عن المنهيِّ عنه، والعِصْیان بخِلَافه. ٢٢٧ باب ١ / ح ٧١٣٧ -٧١٣٨ كتاب الأحكام قوله: ((ومَن أطاعَ أميري فقد أطاعَني)) في رواية هَمَّام والأعرَج وغيرهما عندَ مسلم (٣٢/١٨٣٥-٣٣): ((ومَن أطاعَ الأمير))، ويُمكِن رَدُّ اللَّفْظَينِ لمعنَّى واحد، فإنَّ كلّ مَن يأمُر بحَقِّ وكان عادِلاً فهو أميرُ الشّارع، لأنَّه تَولَّى بأمرِهِ وبشريعته، ويُؤيِّده تَوْحیدُ الجواب في الأمرَينِ وهو قوله: ((فقد أطاعَني)) أي: عَمِلَ بما شَرَعْته، وكأنَّ الِحِكْمة في تخصِيص أميرِهِ بالذِّكْرِ أنَّه المراد وقتَ الخِطاب، ولأنَّه سبب وُرُود الحديث، وأمّا الْحُكْم فالعِبْرة بعمومِ اللَّفظ لا بخُصوصِ السَّبب. ووَقَعَ في رواية هَمَّام أيضاً(١): ((ومَن يُطِع الأميرَ فقد أطاعَني)) بصيغة المضارَعة، وكذا ((ومَن يَعْصِ الأميرَ فقد عَصاني)) وهو أدخَل في إرادة تَعْميم مَن خُوطِبَ ومَن جاءَ من بعد ذلك. قال ابن التِّين: قيل: كانت قُرَيش ومَن يليها من العرب لا يَعرِفونَ الإمارة، فكانوا يَمْتَنِعونَ على الأُمراء، فقال هذا القول يَحِثُّهم على طاعة مَن يُؤَمِّرهم عليهم، والانقيادِ لهم إذا بَعَثَهم في السَّرايا وإذا ولّاهم البلاد، فلا يَخْرُجوا عليهم لئلّا تَفْتَرِق الكَلِمة. قلت: هي عِبارة الشافعيّ في ((الأُمّ)) ذكره في سبب نزولها، وعَجِبْتُ لبعضٍ شيوخنا الشُّرّاح من الشافعيّة كيف قَنَعَ بنِسْبةِ هذا الكلام إلى ابن التِّين مُعَبِّراً عنه بصيغةٍ: قيل، وابنُ التِّين إنَّما أخَذَه من كلام الخطّابِيّ، ووَقَعَ عند أحمد (٥٦٧٩) وأبي يَعْلى (٥٤٥٠) والطَّبَرانيّ (١٣٢٣٨) من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله وَله في نَفَر من أصحابه فقال: ((ألستُم تعلمونَ أنَّ مَن أطاعَني فقد أطاعَ الله، وأنَّ مِن طاعةِ الله طاعتي؟)) قالوا: بلى نَشْهَد، قال: ((فإنَّ مِن طاعتي: أن تُطيعوا أُمراءَكم)) وفي لفظ ((أئمَّتَكم)). وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأُمور، وهي مُقيّدة بغير الأمر بالمعصية، كما تقدَّم في أوائل الفتن، والحِكْمةُ في الأمر بطاعتهم المحافظة على اتّفاق الكلمة لما في الافتراق من الفساد. الحديث الثاني: ٧١٣٨- حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ (١) وكذا في رواية الأعرج المشار إليها قريباً. ٢٢٨ باب ١ / ح ٧١٣٨ فتح الباري بشرح البخاري رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ وَّرِ قال: «ألا كلُّكم راع وكلُّكم مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، فالإمامُ الذي على الناسِ راعٍ وهو مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِه، والرجلُ راعٍ على أهلٍ بيتِه وهو مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمرأةُ راعيةٌ على أهلِ بيتِ زَوْجِها ووَلَدِه وهي مَسْؤولةٌ عنهم، وعبدُ الرجلِ راعٍ على مالٍ سَيِّدِه وهو مَسْؤولٌ عنه، ألا فكلُّكم راع وكلُّكم مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِهِ)). قوله: «حدّثنا إسماعيل)) هو ابنُ أبي أویْس. قوله: ((أنَّ رسول الله وَ﴾) كذا وَقَعَ هنا، وكذا في العِثْقَ (٢٥٥٤) من طريق يحيى القَطّان عن عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر كذلك، ووَقَعَ عند الطََّرانيِّ (٤٥٠٦) من طريق محمَّد بن إبراهيم بن دينار عن عبيد الله بن عمر بهذا، فقال: عن ابن عمر، أنَّ أبا لُبَابة بن عبد المنذر أخبَرَه، فذكر حديثَ النَّهي عن قتل الجِنّان التي في البيوت، وقال: ((كلّكم راع ... )) الحديث، هكذا أورَدَه في مُسنَد أبي لُبَابة، ولكنْ تقدَّم في العِثْق أيضاً (٢٥٥٨) من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: سمعتُ رسول الله ◌َّةِ، فذكرَ حديث الباب، فدَلَّ على أنَّ قوله: ((وقال)) معطوفٌ على ابن عمر لا على أبي لُبَابة، وثَبَتَ أنَّه من مُسنَد ابن عمرَ لا من مُرسَلِه. قوله: ((ألا كلَّكم راع)) كذا فيه، و((ألا)) بتخفيفِ اللّام: حرف افتاح، وسَقَطَتْ من رواية نافع وسالم عن ابن عمر، والرَّاعي: هو الحافظ المؤَمَن الملتَزِم صلاحَ ما اؤْتُمِنَ على حِفْظه، فهو مَطْلوبٌ بالعَدْلِ فیه والقیامِ بمصالحِهِ. قوله: ((فالإمامُ الذي على الناس)) أي: الإمام الأعظم، ووَقَعَ في رواية عُبيد الله بن عمر الماضية في العِثْق (٢٥٥٤): ((فالأمير)) بَدَلَ الإمام، وكذا في رواية موسى بن عُقْبةَ في النِّكاح (٥٢٠٠)، ولم يَقُلْ: ((الذي على الناس)). قوله: ((راع وهو مَسْؤولٌ عن رَعيَّته)) في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه الماضية في الجُمُعة (٨٩٣): ((الإمامُ راعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعيَّتَه)) وكذا في الجميع بحَذْفِ ((وهو)) وهي مُقدَّرة، وثَبَتَتْ في الاستقْراض (٢٤٠٩). ١١٣/١٣ ٢٢٩ باب ١ / ح ٧١٣٨ كتاب الأحكام قوله: ((والرجل راعٍ على أهل بيته)) في رواية سالم: ((في أهل بيته))(١). قوله: ((والمرأة راعية على أهل بيت زَوْجها وولدِه)) في رواية عُبيد الله بن عمر: ((على بيت بَعْلها)»، وفي رواية سالم: ((في بيت زَوْجها))، ومِثْلُه لموسى لكنْ قال: ((على)). قوله: ((وعبدُ الرجلِ راعٍ على مال سَيِّده)) في رواية سالم: ((والخادِمِ راعٍ في مال سَيِّده))، وفي رواية عُبيد الله: ((والعبد)) بَدَل الخادِم، وزاد سالم في روايته: ((وحَسِبْتُ أنَّه قال))، وفي رواية الاستقْراض: سمعتُ هؤلاءِ من رسول اللهِوَ ﴿ وأحسَب النبيَّ وَّل قال: ((والرجلُ راع في مال أبيه ومَسْؤولٌ عن رَعيَّته)). قال الخطَّبيُّ: اشتَرَكوا - أي: الإمام والرجل - ومَن ذُكِرَ في التَّسْمية - أي: في الوصْف بالرَّاعي - ومعانيهم مُتَلِفة، فِرِعايةُ الإمام الأعظم: حياطةُ الشَّريعة بإقامة الحدود والعَدْل في الحُكْم، ورِعايةُ الرجل أهله: سياسَته لأمرِهم وإيصالهم حقوقَهم، ورِعايةُ المرأة: تدبير أمرِ البيت والأولاد والخَدَم والنَّصيحةُ للَّوْجِ في كلِّ ذلك، ورِعايةُ الخادِمِ: حِفْظ ما تحتَ یده والقیامُ بما يجب عليه من خِدْمته. قوله: ((ألا فكلّكم راع وكلَّكم مَسْؤول عن رَعيَّته)) في رواية أيوب في النِّكاح (٥١٨٨) مِثْله، وفي رواية سالم في الجُمُعة: ((وكلّكم))، وفي الاستقْراض: ((فكلّكم))، ومِثْله في رواية نافع. قال الطِّيجُّ: في هذا الحديث أنَّ الرَّاعي ليس مَطْلوباً لذاته، وإنَّما أُقيمَ لِحِفْظِ ما استَرْعاه المالكُ، فَيَنبَغي أن لا يَتَصرَّف إلّا بما أذِنَ الشّارع فيه، وهو تَثِيلٌ ليس في الباب ألْطَفُ ولا أجمع ولا أبلَغ منه، فإنَّه أجمَلَ أوَّلاً ثمَّ فصَّلَ، وأَتَى بحرفِ التَّنبيه مُكرَّراً. قال: والفاء في قوله: ((ألا فكلّكم)) جوابُ شَرْطٍ محذوف، وخَتَمَ ما يُشبِهِ الفَذْلَكة إشارة إلى استيفاء التَّفصيل. (١) ورواية سالم التي ذكر ابن حجر في هذا الباب سلفت برقم (٨٩٣) ولفظه: ((والرجل راع في أهله)) وبرقم (٢٥٥٨) بلفظ: ((والرجل في أهله راع))، وسلف برقم (٢٢٥٤) و(٥٢٠٠) من طريق نافع، وسيأتي برقم (٧١٣٨) من طريق عبد الله بن دينار، كلاهما عن ابن عمر بلفظ: ((والرجل راع على أهل بيته)». ٢٣٠ باب ٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال غيره: دَخَلَ في هذا العموم: المنفَرِدُ الذي لا زوجَ له ولا خادِمٍ ولا ولد، فإنَّه يَصدُق عليه أنَّه راع على جَوارِحه، حتَّى يعمل المأمورات ويَجَتَنِب المَنْهَيّاتِ فِعْلاً ونُطْقاً واعتقاداً، فجوارحُه وقواه وحَواسُّە رَعيَّته، ولا يلزم من الاتِّصاف بگوْنِه راعياً أن لا يكون مَرْعيّاً باعتبارٍ آخَر. وجاءَ في حديث أنس مِثْل حديث ابن عمر، فزاد في آخره: «فأعِدّوا للمَسْألةِ جواباً)» قالوا: وما جوابها؟ قال: ((أعمال البِرّ)) أخرجه ابن عَديّ (١/ ٣١٢) والطَّبَرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٥٧٦) وسنده حسن، وله (٤٩١٦ و٨٧١٣) من حديث أبي هريرة: ((ما مِن راعٍ إلّا يُسْأل يومَ القيامة: أقامَ أمرَ الله أم أضاعَه؟))، ولابنِ عَديّ (٣١٢/١) بسندٍ صحيح عن أنس: ((إنَّ الله سائلٌ كلَّ راعٍ عَّا استَرْعاه، حَفِظَ ذلك أو ضَيَّعَه)). واستُدِلَّ به على أنَّ المكلّف يُؤاخَذ بالتَّقصيرِ في أمر مَن هو في حُكْمِه، وتَرَجَمَ له في النِّكاح ((باب قوا أنفُسَكم وأهليكم ناراً» (٥١٨٨)، وعلى أنَّ للعبدِ أن يَتَصرَّف في مال سَيِّدِه بإذنِه وكذا المرأةُ والولد، وتَرجَمَ لكراهة التَّطاوُل على الرَّقيق، وتقدَّم توجيهُه هناك (٢٥٥٢). وفي هذا الحديث بيانُ كذِب الخبر الذي افتَراه بعضُ المتَعَصِّبينَ لبني أُميّةَ، قرأْت في كتاب ((القضاء)) لأبي عليّ الكرابيسيّ: أنبأنا الشافعيُّ عن عمّه هو محمَّد بن عليّ، قال: دَخَلَ ابن شِهابٍ على الوليد بن عبد الملك، فسأله عن حديث: ((إنَّ الله إذا استَرْعَى عبداً الخِلافةَ كَتَبَ له الحسنات ولم يَكْتُب له السَّيِّئَات)) فقال له: هذا كذِب، ثمَّ تَلا: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، فقال الوليد: إنَّ الناس لَيَغُرُوننا عن دیننا. ٢- بابٌّ الأُمراءُ مِن قُرَیشِ قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوينِ ((الأُمراءُ من قُرَيش)) كذا للأكثر، وفي روايةٍ نَقَلها عِیَاض عن ابن أبي صُفْرة: ((الأمرُ - بسكونِ الميم - أمرُ قُرَيش)) قال: وهو تصحيف. قلت: ووَقَعَ في نُسْخةٍ ٢٣١ باب ٢ كتاب الأحكام لأبي ذرِّ عن الكُشمِيهَنِيِّ مِثْل ما نقلَ عن ابن أبي صُفْرة، والأوَّل هو المعروف، ولفظ التَّرجمة لفظُ حديثٍ أخرجه يعقوب بن سفيان وأبو يَعْلى (٣٦٤٥) والطَّبَرانيُّ(١) من طريق سُكَين بن عبد العزيز حدَّثنا سَيّار بن سَلامة أبو المِنْهال قال: دَخَلْت مع أبي على أبي بَرْزة الأسلَميّ ... ، فذكر الحديث الذي أوَّله: إنّي أصبَحْت ساخطاً على أحياءِ قُرَيش، وفيه: إنَّ ذاكَ الذي بالشّام إنْ يقاتِل إلّا على الدُّنيا، وفي آخره: سمعتُ رسول اللهِ وَ لَه يقول: («الأُمراء من قُرَيش ... )) الحديث، وقد تقدَّم التَّنبيه عليه في الفتن في ((باب إذا قال عند قومٍ شيئاً ثمَّ خَرَجَ فقال بخِلَافه)) (٧١١٢)، وفي لفظٍ للطَّبَرَانيّ(٢): (الأئمّة)) بَدَلَ ((الأُمراء)). وله شاهدٌ من حديث عليٍّ رَفَعَه: ((ألا إنَّ الأُمراء من قُرَيش ما أقاموا ثلاثاً ... )) الحديث أخرجه الطَّبَرانيُّ(٣)، وأخرجه الطَّالِسُّ (٢٢٤٧) والبزَّار (٦١٨١) والمصنِّف في ((التّاريخ)) (٢/ ١١٢) من طريق سعد بن إبراهيم عن أنسٍ بلفظ: ((الأئمّة من قُرَيش ما إذا حَكَموا فعَدَلُوا)) الحديث(٤)، وأخرجه النَّسائيُّ (ك٥٩٠٩) والبخاريّ أيضاً في ((التّاريخ)) (٢/ ١١٢ و٩٩/٤) وأبو يَعْلى (٤٠٣٣) من طريق بُكَيرِ الْجَزَريِّ عن أنس(٥)، وله طرق متعدِّدة عن أنس منها للطََّرَانيّ(٢) من رواية قَتَادة عن أنس بلفظ: ((إنَّ المُلْك في قُرَيش)) الحديث، وأخرج أحمد (٨٧٦١) هذا اللَّفظ مُقتَصِراً علیه من حديث أبي هريرة، و(١٨) من حديث أبي بكر الصِّيق بلفظ: ((الأئمّة من قُرَيش)) ورجاله رجال الصَّحيح، لكنْ في سنده انقطاع(٧)، (١) لم نقع عليه فيما بين أيدينا من كتب الطبراني المطبوعة، ولم يعزه له الهيثمي في ((المجمع)) ١٩٣/٥، واقتصر على نسبته إلى أحمد وأبي يعلى. (٢) في ((الكبير)) (٧٢٥)، و((الأوسط)) (٦٦١٠) لكم من حديث أنس بن مالك، كما سيشير إليه الحافظ ابن حجر بعد قليل. (٣) في ((الدعاء)) (٢١١٦)، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٥٦٤)، وإسناده ضعيف فيه مجاهيل. (٤) وأخرجه من هذا الطريق أيضاً أبو يعلى (٣٦٤٤)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ٣/ ١٧١، والبيهقي في «الکبری)» ١٤٤/٨. (٥) وأخرجه أحمد في («مسنده)) برقم (١٢٣٠٧) فانظر تمام تخريجه فيه. (٦) في ((الدعاء)) (٢١١٧)، وفي ((مسند الشاميين)) (٢٥٧٢). (٧) هو من مرسل حميد بن عبد الرحمن، لكن لفظه عنده: ((قريش ولاة هذا الأمر)). ٢٣٢ باب ٢ / ح ٧١٣٩ فتح الباري بشرح البخاري وأخرجه الطَّبَرانيّ(١) والحاكم (٧٦/٤) من حديث عليٍّ بهذا اللّفظ الأخير، ولمَّا لم يكن شيءٌ منها على شَرْط المصنّف في ((الصَّحيح)) اقتَصَرَ على التَّرجمة، وأورَدَ الذي صَحَّ على شَرْطه ممَّا يُؤَدّي معناه في الجملة. وذکر فیه حدیثین: الأول: ٧١٣٩- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: كان محمَّدُ بنُ جُبَيرِ بنِ ١١٤/١٣ مُطْعِمٍ يُحدِّثُ: أَنَّهـ / بَلَغَ معاويةَ - وهو عندَه في وَقْدٍ مِن قُرَيشٍ - أنَّ عبدَ الله بنَ عَمرٍو يُحدِّثُ: أَنَّ يكونُ مَلِكٌ مِن قَحْطَانَ، فَغَضِبَ، فقامَ فأثْنَى على الله بما هو أهلُه، ثمَّ قال: أمّا بَعْدُ، فإنَّه بَلَغَنِي أَنَّ رجالاً منكم يُحدِّثُونَ أحاديثَ لَيسَت في كتاب الله، ولا تُؤْثَرُ عن رسولِ اللهِ إِ لّه وأولئكَ جُهّالُكُم، فإِيّاكم والأمانيَّ التي تُضِلُّ أهلَها، فإنّ سمعتُ رسولَ الله ◌ِّهِ يقولُ: ((إنَّ هذا الأمرَ في قُرَيشٍ، لا يُعادِيهِم أحدٌ إلا كَبَّه الله في النّار على وجهِه ما أقاموا الدِّينَ)). تَابَعَه نُعيمُ بنُ حمّاد، عن ابنِ المبارَكِ، عن مَعمَرٍ، عن الزّهْرِيِّ، عن محمَّدِ بنِ جُبَير. قوله: ((كان محمَّد بن جُبَير بن مُطْعِمٍ يُحدِّث)) قال صالح جَزَرة الحافظ: لم يَقُلْ أحدٌ في روايته عن الزّهْريّ: عن محمَّد بن جُبَير، إلّا ما وَقَعَ في رواية نُعيم بن حَمَّاد عن عبد الله بن المبارك - یعني التي ذکرها البخاريّ عَقِبَ هذا - قال صالح: ولا أصل له من حديث ابن المبارك، وكانت عادة الزّهْريّ إذا لم يسمع الحديث يقول: كان فلان يُحدِّث. وتَعقَّبَه البيهقيُّ بما أخرجه من طريق يعقوب بن سفيان عن حَجّاج بن أبي مَنيع الرُّصافيّ عن جَدّه عن الزّهْريّ عن محمَّد بن جُبَير بن مُطْعِم (٢)، وأخرجه الحسن بن رَشِيق في ((فوائده)) من طريق عبد الله بن وَهْب عن ابن لَهِيعة عن عُقَيل عن الزُّهْريّ عن محمَّد بن ◌ُبَير. (١) في ((الأوسط)) (٣٥٢١)، و((الصغير)) (٤٢٥). (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولم ندر أين هذا التعقب من البيهقي، مع أن البيهقي أخرج هذا الحديث في ((السنن الكبرى)) ١٤١/٨ من طريق أبي اليمان وبشر بن شعيب، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: كان محمد بن جبير ... فذكره كإسناد البخاري سواء، وليس في إسناده ذكر لطريق يعقوب ابن سفيان عن حجاج بن أبي منيع، والله أعلم. ٢٣٣ باب ٢ / ح ٧١٣٩ كتاب الأحكام قوله: ((أَنَّ بَلَغَ مُعاوية)) لم أقِفْ على اسم الذي بَلَّغَه ذلك. قوله: ((وهم عنده) أي: محمَّد بن جُبَير ومَن كان وفَدَ معه على مُعاويةَ بالشّامِ حينَئِذٍ، وكأنَّ ذلك كان لمَّا بُوبِعَ بالخلافة عندَما سَلَّمَ له / الحسن بن عليّ، فأرسَلَ أهلُ المدينة جماعةً ١١٥/١٣ منهم إليه ليُبايعوه. قوله: ((في وقْدٍ من قُرَيش)) لم أقِف على أسمائهم، قال ابن التِّين: وفَدَ فلان على الأمير، أي: وَرَدَ رسولاً، والوفد بالسُّكونِ جمع وافٍ، کصَحْبٍ وصاحب. قلت: ورُوِّيناه في ((مسند))(١) أبي يَعْلى المَوْصِليّ قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِين حدَّثنا أبو اليَمَان عن شُعَيب فقال فيه: عن محمَّد بن جُبَير أيضاً، وكذا هو في ((مُسنَد الشّاميّينَ)) للطَّبَرانيّ (٣٢٠١) من رواية بِشْر بن شُعَيب عن أبيه. قوله: ((أنَّ عبد الله بن عَمْرو)) أي: ابن العاص. قوله: ((أنّه یکونُ مَلِك من قحطان)) لم أقِف على لفظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في ذلك، وهل هو مرفوعٌ أو موقوف، وقد مضى في الفتن قريباً (٧١١٧) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تقوم السّاعة حتَّى يَخْرُج رجل من قَحْطان يَسوقُ الناسَ بعَصاه)) أورَدَه في ((باب تَغْيير الزّمان حتَّى تُعبَد الأوثان))، وفي ذلك إشارة إلى أنَّ مُلْك القَحْطانيّ يقع في آخر الزّمان عند قَبْض أهل الإيمان، ورُجوعٍ كثير ممّن يَبقَى بعدهم إلى عبادة الأوثان، وهم المعَبَّر عنهم بشِرار الناس الذينَ تقوم عليهم السّاعة، كما تقدَّم تقريره هناك. وذكرتُ له هناك شاهداً من حديث ابن عمر، فإن كان حديث عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً موافقاً لحديثٍ أبي هريرة فلا معنى لإنكاره أصلاً، وإن كان لم يرفعه وكان فيه قَدْرٌ زائد يُشعِر بأنَّ خروج القَحْطانيّ يكون في أوائل الإسلام، فمعاوية معذورٌ في إنكار ذلك عليه، وقد ذكرت نُبْذةً من أخبار القَحْطانيّ في شرح حديث أبي هريرة في الفتن. (١) في (س): ((فوائد))، والمثبت من الأصلين، ولم نقف عليه في المطبوع من ((مسند أبي يعلى))، ولعله في ((الكبير))، والله أعلم. ٢٣٤ باب ٢ / ح ٧١٣٩ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن بَطّال: سبب إنكار معاوية أنَّه حَمَلَ حديث عبد الله بن عَمْرو على ظاهره، وقد يكون معناه: أنَّ قَحْطانيّاً يَخْرُج في ناحيةٍ من النَّواحي، فلا يعارض حديث معاوية، والمراد بالأمرِ في حديث معاوية: الخلافة. كذا قال، ونُقِلَ عن المهلَّب أنَّه يجوز أن يكون مَلِكٌ يَغْلِب على الناس من غير أن يكون خليفة، وإنَّما أنكَرَ معاوية خَشْية أن يَظُنّ أحدٌ أنَّ الخلافة تجوز في غير قُرَيش، فلمَّا خَطَبَ بذلك دلَّ على أنَّ الْحُكْم عندَهم كذلك، إذ لم يُنْقَل أنَّ أحداً منهم أنكَرَ عليه. قلت: ولا يَلزَم من عَدَم إنكارهم صِحّةَ إنكار معاوية ما ذكره عبدُ الله بن عَمْرو، فقد قال ابن التِّين: الذي أنكَرَه معاوية في حديثه ما يُقُوِّيه، لقولِه: ((ما أقاموا الدِّين)) فُرُبَّما كان فيهم مَن لا يُقيمه، فيَتَسَلَّط القَحْطانيّ عليه، وهو كلام مُستَقيم. قوله: ((فإِنَّ بَلَغَني أنَّ رجالاً منكم يُحدِّثونَ أحاديث ليست في كتاب الله ولا تُؤْثَر)) أي: تُنْقَل ((عن رسول الله وَيَ)) في هذا الكلام أنَّ معاوية كان يُراعي خاطِرِ عَمْرو بن العاص، فما آثَرَ أن يَنُصَّ على تَسْمية ولده، بل نَسَبَ ذلك إلى رجال بطريق الإبهام، ومُرادُه بذلك عبد الله بن عَمْرو ومَن وَقَعَ منه التَّحديث بما يُضاهي ذلك. وقوله: ((ليست في كتاب الله)) أي: القرآن، وهو كذلك، فليس فيه تَنْصيصٌ على أنَّ شَخْصاً بعَيْنِهِ أو بوصْفِه يَتَوَى المُلْك في هذه الأُمّة المحمَّديّة. وقوله: ((لا تُؤْثَر)) فيه تقوية، لأنَّ عبد الله بن عَمْرو لم يرفع الحديث المذكور، إذ لو رَفَعَه لم يَتِمّ نَفْي معاوية أنَّ ذلك لا يُؤْثَر عن رسول الله وَّةِ، ولعلَّ أبا هريرة لم يُحدِّث بالحديث المذكور حينئذٍ، فإنَّه كان يَتَوقَّى مِثْلَ ذلك كثيراً، وإنَّما يقع منه التَّحديث به في حالةٍ دونَ حالة وحيثُ يأمَن الإنكار عليه، ويحتمل أن يكون مُرادُ معاوية غيرَ عبد الله بن عَمْرو، فلا يكون ذلك نَصّاً على أنَّ عبد الله بن عَمْرو لم يرفعه. قوله: ((وأولئكَ جُهّالكم)) أي: الذينَ يَتَحدَّثونَ بأُمورٍ من أُمور الغَيْبِ لا يَستَنِدونَ فيها إلى الكتاب ولا السُّنّة. قوله: ((فإيّاكم والأمانيّ)) بالتَّشديد، ويجوز النَّخفيف. قوله: ((التي تُضِلُّ أهلَها)) بضمِّ أوَّل («تُضِلّ)) من الرُّباعيّ، و((أهلَها)) بالنَّصب على المفعوليّة، ورويَ بفتح أوَّل ((تضِلّ)) ورَفْع ((أهلها)). والأمانيّ: جمع أمْنّة راجع إلى الثَّمنّ، وسيأتي تفسيره ٢٣٥ باب ٢ / ح ٧١٣٩ كتاب الأحكام في آخر كتاب الأحكام (٧٢٢٦). ومُناسَبة ذِكْر ذلك تحذيرُ مَن يسمع مِن القَحْطانيّينَ من التَّمَسُّك بالخبرِ المذكور، فتُحدِّثه نفسُه أن يكون هو القَحْطانيّ، وقد تكون له/ قوّة وعَشيرَة ١١٦/١٣ فيَطْمَع في المُلْك، ويَستَنِدُ إلى هذا الحديث فيَضِلّ، لمُخالَفَتِهِ الْحُكْمِ الشَّرْعيّ في أنَّ الأئمّة من قُریش. قوله: ((فإنّ سمعتُ)) لّا أنكَرَ وحَذَّرَ أرادَ أن يُبيِّن مُستَنَده في ذلك. قوله: «إنَّ هذا الأمر في قُرَيش)» قد ذكرتُ شواهد هذا المتن في الباب الذي قبله. قولُه ((لا يُعاديهم أَحدٌ إلّا كَبَّه الله في النار على وجهه)) أي: لا يُنازِعهم أحدٌ في الأمر إلّا كان مَقْهوراً في الدُّنيا مُعَذَّباً في الآخرة. قوله: ((ما أقاموا الدِّين)) أي: مُدّةَ إقامتهم أُمور الدِّين، قيل: يحتمل أن يكون مَفْهومه فإذا لم يُقيمُوه لا يُسْمَع لهم، وقيل: يحتمل أن لا يُقامَ عليهم وإن كان لا يجوز إبقاؤهم على ذلك، ذكرهما ابن التِّين، ثمَّ قال: وقد أجمعوا أنَّه - أي: الخليفة - إذا دَعَا إلى كُفْرٍ أو بدْعة أنَّه يُقَامُ عليه، واختَلَفوا إذا غَصَبَ الأموال وسَفَكَ الدِّماء وانتَهَكَ الحُرُم(١): هل يُقام عليه أو لا؟ انتهى. وما ادَّعاه من الإجماع على القيام فيما إذا دَعَا الخليفةُ إلى البِدْعة مردود، إلّا إنْ حُلَ على بذْعِةٍ تُؤَدّي إلى صريح الكفر، وإلّا فقد دَعَا المأمون والمعتَصِم والواثِقِ إلى بدْعة القول بخلقِ القرآن، وعاقَبوا العلماء من أجلِها بالقتلِ والضَّرْب والحَبْس وأنواع الإهانة، ولم يَقُلْ أحدٌ بوجوبِ الخروج عليهم بسببٍ ذلك، ودامَ الأمر بِضْع عَشْرةَ سنة حتَّى وليَّ المتَوكّل الخِلافة، فأبطَلَ الِحْنة وأمَرَ بإظهار السُّنّة. وما نَقَلَه من الاحتمال في قوله: ((ما أقاموا الدّين)» خِلَافُ ما تَدُلّ عليه الأخبار الواردة في ذلك، الدّالَّة على العمل بمَفْهومِه، وأَّهم (٢) إذا لم يُقيموا الدّين يَخْرُج الأمر عنهم. وقد وَرَدَ في حديث أبي بكر الصِّدّيق نَظيرُ ما وَقَعَ في حديث معاوية، ذكره محمّد بن إسحاق في (١) لفظة ((الحرم)) سقطت من (س). (٢) في (س): أو أنهم، وهو خطأ. ٢٣٦ باب ٢ / ح ٧١٣٩ فتح الباري بشرح البخاري ((الكتاب الكبير))(١)، فذكر قصَّة سَقِيفة بني ساعدة وبَيْعة أبي بكر، وفيها: فقال أبو بَكْر: وإنَّ هذا الأمر في قُرَيش ما أطاعوا الله واستَقاموا على أمره(٢). وقد جاءَت الأحاديث التي أشَرْت إليها على ثلاثة أنحاء: الأوَّل: وَعيدُهم باللَّعْنِ إذا لم يُحافظوا على المأمور به، كما في الأحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبلَه حيثُ قال: ((الأُمراء من قُرَيش ما فعَلوا ثلاثاً: ما حَكَموا فعَدَلوا ... )) الحديث، وفيه: ((فمَن لم يفعل ذلك منهم فعليه لَعْنة الله))، وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم. الثّاني: وَعيدُهم بأنْ يُسَلِّط عليهم مَن يُبالِغ في أذَّتهم، فعندَ أحمد (٣٤٨٠) وأبي يَعْلى (٥٠٢٤) من حديث ابن مسعودٍ رَفَعَه: ((يا مَعْشَرَ قُرَيش، إنَّكم أهلُ هذا الأمر ما لم تُحدِثوا، فإذا غَيَّرْتُم بَعَثَ الله عليكم مَن يَلْحاكم كما يُلْحَى القَضيب)) ورجاله ثقات، إلّا أنَّه من رواية عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعود عن عَمّ أبيه عبد الله بن مسعود، ولم يُدرِكْه، هذه رواية صالح بن كَيْسانَ عن عُبيد الله، وخالَفَه حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ فرواه عن القاسم ابن محمَّد بن عبد الرّحمن عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبةَ عن أبي مسعود الأنصاريّ، ولفظه: ((لا يزال هذا الأمرُ فيكم وأنتم وُلاته)) الحديث، أخرجه أحمد (١٧٠٦٩) وفي سماع عُبيد الله من أبي مسعود نَظَرٌ مَبْنِيٌّ على الخِلَاف في سنة وفاته، وله شاهدٌ من مُرسَل عطاء بن يسار أخرجه الشافعيّ (١٨٨/١) والبيهقيُّ (١٤٤/٨) من طريقه بسندٍ صحيح إلى عطاء، ولفظُه: قال لقُرَيشٍ: ((أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتُم على الحقّ، إلّا أن تَعْدِلوا عنه فتُلحَوْنَ كما تُلْحَی هذه الجريدة)»، وليس في هذا أيضاً تصریحٌ بخروج الأمر عنه وإن کان فیه إشعارٌ به. (١) ذكر الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) ٢٢٠/١-٢٢١ بإسناده: أن محمد بن إسحاق دخل على المهدي وبين يديه ابنه، فقال: أتعرف هذا يا ابن إسحاق؟ قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين. قال: اذهب فصنِّف له كتاباً منذ خلق الله تعالى آدم إلى يومك هذا. قال: فذهب فصنف له هذا الكتاب - يعني الكتاب الكبير - فقال له: لقد طولته يا ابن إسحاق، اذهب فاختصره. قال: فذهب فاختصره، فهذا هو الكتاب المختصر - يعني المغازي-، وألقى ((الكتاب الكبير)) في خزانة أمير المؤمنين. (٢) أخرجه من رواية محمد بن إسحاق: البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٨/ ١٤٣. ٢٣٧ باب ٢ / ح ٧١٣٩ كتاب الأحكام الثّالث: الإذنُ في القيام عليهم وقتالهم، والإيذانُ بخروج الأمر عنهم، كما أخرجه الطَّيَالِسِيُّ(١) وَالطََّرانيّ(٢) من حديث ثَوْبانَ رَفَعَه: ((استقيموا لقُرَيشِ ما استَقاموا لكم، فإِنْ لم يَستَقيموا فضَعوا سُيوفكم على عَواتقكم فأبيدوا خَضْراءَهم، فإنْ لم تفعلوا فكونوا زَرّاعينَ أشقياء)) ورجاله ثقات، إلّا أنَّ فيه انقطاعاً لأنَّ راوِيَه سالم بن أبي الْجَعْد لم يسمع من ثَوْبانَ. وله شاهد في الطَّبَرانيّ (٢١/ ١٤١) من حديث النُّعمان بن بشير بمعناه، وأخرج أحمد (١٦٨٢٧) من حديث ذي مِخْبَر - بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحَّدة بعدهما راء - وهو ابن أخي النَّجاشيّ، عن النبيّ ◌َّه قال: ((كان هذا الأمر في حِمْيَرَ، فنَزَعَه الله منهم وصَيَّرَه في قُرَيش، وسيعودُ إليهم)) وسنده جيِّد، وهو شاهدٌ قويٌّ / لحديثِ القَحْطانيّ، فإنَّ ١١٧/١٣ حِمْيَ يَرجِع نَسَبها إلى قَخْطان، وبه يَقْوى أنَّ مَفْهوم حديث معاوية: ((ما أقاموا الدِّين)): أنَّهم إذا لم يُقيموا الدِّين خَرَجَ الأمر عنهم. ويُؤْخَذ من بقيَّة الأحاديث أنَّ خروجه عنهم إنَّما يقع بعدَ إيقاع ما هُدِّدوا به من اللَّعْن أوَّلاً، وهو الموجِب للخِذْلان وفساد التَّدبير، وقد وَقَعَ ذلك في صَدْر الدَّولة العبَّاسيّة، ثمَّ التَّهْديد بتسليطِ مَن يُؤْذيهم عليهم، ووُجِدَ ذلك في غَلَبةِ مَوالِيهم بحيثُ صاروا معهم كالصبيِّ المحجور عليه، يَقتَنِعِ بَلَذّاته ويُباشِرُ الأُمورَ غيرُه، ثمَّ اشتَدَّ الْخَطْب فغَلَبَ عليهم الدَّيلَم، فضايقوهم في كلِّ شيءٍ حتَّى لم يَبْقَ للخليفةِ إلَّا الْخُطْبة، واقتَسَمَ المتَغَلُِّونَ المَمالك في جميع الأقاليم، ثمَّ طَرَأ عليهم طائفةٌ بعدَ طائفة حتَّى انتُزِعَ الأمر منهم في جميع الأقطار، ولم يَبْقَ للخليفةِ إلّا مُجرَّد الاسم في بعض الأمصار. قوله: ((تابَعَه نُعيم بن حَمَّاد، عن ابن المبارك، عن مَعمَر، عن الزُّهْريّ، عن محمّد بن جُبَير)) يعني: عن معاوية به، وقد رُوِّيناه موصولاً في ((مُعجَم الطَّبَرَانيّ الكبير)) (١٩ /٧٨١) و((الأوسط)) (١) لم نقع عليه في المطبوع من ((مسند الطيالسي)) لكن الحديث أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢٢٣٨٨) مختصراً بلفظ: ((استقيموا لقريش ما استقاموا لكم))، وأخرجه مطولاً كما عند الطبراني غير واحد، انظر تخريجه في ((المسند)). (٢) في ((الأوسط)) (٧٨١٥)، وفي ((الصغير)) (٢٠١). ٢٣٨ باب ٢ / ح ٧١٤٠ فتح الباري بشرح البخاري (٣١٢٨) قال: حدَّثنا بَكْر بن سَهْل حدَّثنا نُعيم بن حَمَّاد، فذكره مِثْل رواية شُعَيب، إلّا أنَّه قال بعدَ قوله: فغَضِبَ: فقال: سمعت، ولم یذکُر ما قبلَ قوله: سمعت، وقال في روايته: ((كُبَّ على وجهه)) بضمِّ الكاف مَبْنيّاً لما لم يُسمَّ فاعله، قال الطََّرانيُّ في ((الأوسط)): لم يَرْوِهِ عن مَعمَر إلّا ابن المبارك، تفرَّد به نُعيم، وكذا أخرجه الذُّهْلِيُّ في ((الزُّهْريّات)) عن نُعيم، وقال: ((أكَبَّه الله)). الحديث الثاني: ٧١٤٠- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا عاصمُ بنُ محمَّدٍ، سمعتُ أبي يقولُ: قال ابنُ عمَ: قال رسولُ الله ◌َّ: ((لا يزالُ هذا الأمرُ في قُرَيشٍ ما بَقِيَ منهم اثنان)). قوله: ((عاصم بن محمَّدٍ)) أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمر. قوله: «قال ابن عمر» هو جَدُّ الرَّاوي عنه. قوله: ((لا يزال هذا الأمرُ في قُرَيش)» أي: الخلافة، يعني: لا يزال الذي يليها قُرَشيّاً. قوله: ((ما بَقِيَ منهم اثنان) قال ابن هُبَيرة: يحتمل أن يكون على ظاهرِهِ، وأنَّهم لا يَبقَى منهم في آخر الَّمان إلّا اثنان: أميرٌ ومُؤمَّر عليه، والناس لهم تَبَع. قلت: في رواية مسلم (١٨٢٠) عن شيخ البخاريّ في هذا الحديث: ((ما يَقِيَ من الناس اثنان))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((ما بَقِيَ في الناس اثنان)) وأشارَ بأَصْبُعَيه السَّابة والوُسْطى، وليس المراد حقيقة العَدَد، وإنَّما المراد به انتفاء أن يكونَ الأمرُ في غير قُرَيش، ويحتمل أن يُحمَل المطْلَق على المقيَّد في الحديث الأوَّل، ويكونُ التَّقدير: لا يزال هذا الأمر، أي: لا يُسمَّى بالخليفةِ إلّا مَن يكونُ من قُرَيش، إلّا أن يُسمَّى به أحدٌ من غيرهم غَلَبَةً وقَهْراً، وإمّا أن يكون المراد بلفظِهِ: الأمر، وإن كان لفظُه لفظَ الخبر، ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قُریش في بعض الأقطار دونَ بعض، فإنَّ بالبلادِ اليمنيّة وهي النُّجود منها طائفةٌ من ذُرّيّة الحسنِ ابن عليٍّ لم تَزَلْ تَمْلَكَةُ تلك البلاد معهم من أواخر المئة الثّالثة، وأمّا مَن بالحِجازِ من ذُرّيّة الحسنِ بن عليّ، وهم أُمراء مكّة وأُمراء يَنْبُع، ومِن ذُرّيّة الحسين بن عليٍّ وهم أُمراء المدينة، ٢٣٩ باب ٢ / ح ٧١٤٠ كتاب الأحكام فإِنَّهم وإن كانوا من صَميم قُرَيش، لكنَّهم تحتَ حُكْم غيرهم من ملوك الدّيار المِصْريّة، فبَقِيَ الأمر في قُرَيش بقُطْرٍ من الأقطار في الجملة، وكبيرُ أولئكَ - أي: أهل اليمن - يُقال له: الإمام، ولا يَتَوَى الإمامة فيهم إلّا مَن يكونُ عالماً مُتَحرّياً للعَدْل. وقال الكِرْمانيُّ: لم يَخَلُ الزَّمان عن وجود خليفة من قُرَيش، إذ في المغرب خليفة منهم على ما قيل، وكذا في مِصْر. قلت: الذي في مِصْر لا شَكَّ في كَوْنه قُرَشيّاً، لأنَّه من ذُرّيّة العَبَّاس، والذي في صَعْدة وغيرها من اليمن لا شَكَّ في كَوْنه قُرَشيّاً، لأنَّه من ذُرِّيّة الحَسَن ابن عليّ(١)، وأمّا الذي في المغرب فهو حَفْصِيٌّ مِن ذُرّيّة أبي حَفْص صاحبٍ ابن تُومَرْت، وقد انتَسَبوا إلى عمر بن الخطّاب وهو قُرشيّ. ولحديثِ ابنِ عمر شاهدٌ من حديث ابنِ عبَّاس أخرجه البزَّار (٥١٨٦) بلفظ: ((لا يزال هذا الدّين واصباً ما يَقِيَ من قُرَيشٍ عِشْرونَ رجلاً)). وقال النَّوويّ: حُكْم حديث ابنِ عمر مُستَمِرّ إلى يوم القيامة ما بَقِيَ من الناس اثنان، وقد ظَهَرَ ما قاله بَّهِ، فمِن زَمَنه إلى الآن لم تَزَل الخِلافة في قُرَيش من غير مُزاحَمة لهم على ذلك، ومَن تَغَلَّبَ على المُلْك بطريق الشوكة(٢) لا يُنكِرِ أَنَّ الِخِلافَ في قُرَيش، وإنَّما يَدَّعي أنَّ ذلك بطريق النّابة عنهم. انتهى، وقد / أُورِدَ عليه أنَّ الخوارج في زمن بني أُميّة تَسَمَّوا ١١٨/١٣ بالخِلافة واحداً بعد واحد، ولم يكونوا من قُرَيش، وكذلك اذَّعَى الخِلافة بنو عبيد وخُطِبَ لهم بمِصْرَ والشّام والحِجاز ولبعضِهم بالعراق أيضاً، وأُزيلَ الخليفة ببَغْدادَ قَدْر سنة، وكانت مُدّة بني عُبيد بمِصْرَ سوى ما تقدَّم لهم بالمغربِ تَزيد على مئتي سنة، وادَّعَى الخِلافَةَ عبد المؤمن صاحبُ ابنِ تُومَرْت وليس بقُرَشيٍّ، وكذلك كلَّ مَن جاء بعده بالمغربِ إلى اليوم. والجواب عنه: أمّا عن بني عُبيد فإنَّهم كانوا يقولون: إنَّهم من ذُرّيّة الحسين بن (١) في (أ) و(س): الحسين بن علي، والمثبت من (ع) وهو الصواب؛ فإن أئمة صعدة هم من نسل الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. ذكر ذلك صلاح الدين الصفدي في ((الوافي بالوفيات)) في ترجمة أبيه القاسم بن إبراهيم ٢٤/ ٨٣. (٢) تحرفت في (س) إلى: الشركة. ٢٤٠ باب ٢ / ح ٧١٤٠ فتح الباري بشرح البخاري عليّ ولم يُبايعوه إلّا على هذا الوصْف، والذينَ أثبتوا نِسْبَتهم لَيْسوا بدون مَن نَفاه، وأمّا سائر مَن ذُكِرَ ومَن لم يُذكَر فهم من المتَغَلِّين، وحُكْمهم حُكْم البُغاة فلا عِبْرةَ بهم. وقال القُرْطُبيّ: هذا الحديث خَبَرٌ عن المشروعيّة، أي: لا تَنْعَقِد الإمامة الكُبْرى إلّا لقُرَشِيِّ مَهْما وُجِدَ منهم أحدٌ. وكأنَّه جَنَحَ إلى أنَّه خَبَرٌ بمعنى الأمر، وقد وَرَدَ الأمر بذلك في حديث ◌ُبَير بن مُطْعِم رَفَعَه: ((قَدِّموا قُرَيشاً ولا تَقَدَّموها)) أخرجه البيهقيُّ (١)، وعند الطَّبَرانيّ من حديث عبد الله ابن حَنْطَب ومن حديث عبد الله بن السّائب مِثْله(٢)، وفي نُسْخة أبي اليَمَان عن شُعَيب عن الزهري(٣) عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة مُرسَلاً أنَّه بَلَغَه مِثْله (٤)، وأخرجه الشافعيّ (١٨٨/١) من وجه آخَرَ عن ابنِ شِهاب أنَّ بَلَغَه مِثْله. وفي الباب حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((الناس تَبعٌ لقُرَيشٍ في هذا الشَّأْن)) أخرجاه في (الصحيحين))(٥) من رواية المغيرة بن عبد الرَّحمن، ومسلم أيضاً (١/١٨١٨) من رواية سفيان بن عُيَينَةَ، كلاهما عن الأعرج عن أبي هريرة، وتقدَّم في مناقب قُرَيش (٦)، وأخرجه مسلم أيضاً (٢/١٨١٨) من رواية همَّام عن أبي هريرة، ولأحمد (٧٥٥٦) من رواية أبي سَلَمة عن أبي هريرة مِثْله، لكنْ قال: ((في هذا الأمر))، وشاهدُه عند مسلم (١٨١٩) عن جابر كالأوَّل، وعند الطََّرَانيّ (٥٨٤١) من حديث سَهْل بن سعد، وعند أحمدَ (١٦٩٢٨) وابنِ أبي شَيْبة (١٦٩/١٢) من حديث معاوية، وعند البزَّار (٥١٢) من حديث عليّ، وأخرج (١) في ((مناقب الشافعي)) ١/ ٢٣. (٢) أوردهما الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) على التوالي ١٩٥/٥ وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه، و٢٥/١٠ وقال: رواه الطبراني وفيه أبو معشر، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. قلنا: بل أبو معشر ضعيف ضعفه غير واحد من أهل العلم. (٣) تحرفت في (أ) و(س) إلى: أبي هريرة، والمثبت من (ع) وهو الصواب. (٤) هو في جزء لابن المقرب البغدادي المتوفى سنة (٥٦٣هـ) أسماه: ((أربعون حديثاً عن أربعين شيخاً)، أخرجه فيه برقم (٦) من طريق أبي اليمان، بهذا الإسناد. (٥) سلف برقم (٣٤٩٥)، وهو عند مسلم (١٨١٨) (١). (٦) يعني من رواية المغيرة عن الأعرج.