Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ باب ٩ / ح ٧٠٨١ - ٧٠٨٢ كتاب الفتن وفيه التَّحذير من الفِتْنَة والحثّ على اجتناب الدُّخول فيها، وأنَّ شَرَّها يكون بحَسَبِ التَّعَلَّق بها، والمراد بالفِتْنَةِ ما يَنشَأ عن الاختلاف في طلب الملك حيثُ لا يُعلَم المُحِقّ من المُبطِل. قال الطَّبَرَيُّ: اختَلَفَ السَّلَفُ فحَمَلَ ذلك بعضُهم على العموم، وهم مَن فَعَدَ عن الدُّخول في القتال بينَ المسلمين مُطلَقاً كسعدٍ وابن عمر ومحمَّد بن مَسْلَمَةَ وأبي بَكْرة في آخَرِين، وتَمَسَّكوا بالظَّواهرِ المذكورة وغيرها، ثمَّ اختَلَفَ هؤلاءِ، فقالت طائفة بلُزوم البيوت، وقالت طائفة: بل بالتَّحَوُّلِ عن بلد الفتن أصلاً. ثمَّ اختَلَفُوا: فمنهم مَن قال: إذا هَجَمَ عليه شيء من ذلك يَكُفّ يدَه ولو قُتِلَ، ومنهم مَن قال: بل يُدافِعِ عن نفسه وعن ماله وعن أهله، وهو معذورٌ إِنْ قَتَلَ أو قُتِلَ. وقال آخرونَ: إذا بَغَتْ طائفة على الإمام فامتَنَعَت من الواجب عليها ونَصَبَت الحربَ، وَجَبَ قتالها، وكذلك لو تَّحَارَبَتْ طائفتانِ وَجَبَ على كلّ قادر الأخذُ على يد المخْطِئ ونَصْر المصیب، وهذا قول الجمهور. وفَصَّلَ آخَرونَ فقالوا: كلّ قتال وَقَعَ بينَ طائفتينِ من المسلمين حيثُ لا إمامَ للجماعة، فالقتال حينئذٍ ممنوع، وتُنَّل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك، وهو قول الأوزاعيّ، قال الطَّبَرَيُّ: والصَّواب أن يقال: إنَّ الِفِتْنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجبٌ على كلّ مَن قَدَرَ عليه، فمَن أعانَ المحِقَّ أصابَ، ومَن أعانَ المخطِئَ أخطأ، وإن أشكَلَ الأمرُ فهي الحالة التي وَرَدَ النَّهي عن القتال فيها. وذهب آخرون إلى أنَّ الأحاديث وَرَدَتْ في حَقّ ناس مخصوصين، وأنَّ النَّھي مخصوص بمَن خُوطِبَ بذلك. وقيل: إنَّ أحاديث النَّهي مخصوصة بآخِرِ الزّمان، حيثُ يَحِصُل التَّحَقُّقُ أنَّ المقاتلة إِنَّما هي في طلب الملك. وقد وَقَعَ في حديث ابن مسعود الذي أشرتُ إليه(١): قلت: يا رسول الله، ومَتَى ذلك؟ قال: ((أيام الهَرْج)) قلت: ومَتَى؟ قال: ((حينَ لا يأمَنُ الرجلُ جَليسَه)). (١) وهو عند أحمد في ((مسنده)) برقم (٤٢٨٦). ٦٢ باب ١٠ / ح ٧٠٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ١٠ - بابٌ إذا التَّقَى المسلمان بسيفَيهِما ٧٠٨٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا حَمّادٌ، عن رجلٍ لم يُسمِّه، عن الحسنِ، قال: خَرَجْتُ بسِلاحي لَيَالِيَ الفِتْنِةِ، فاستَقبَلَني أبو بَكْرةَ، فقال: أينَ تريدُ؟ قلتُ: أُرِيدُ نُصْرةَ ابنِ عمِّ رسولِ اللهِ وَ ◌ّةِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إذا تَواجَهَ المسلمانِ بسيفَيهِما، فكلاهما مِن أهلِ النار)) قيلَ: فهذا القاتلُ، فما بالُ المقتولِ؟! قال: ((إنَّه أرادَ قَتْلَ صاحبِهِ)). قال حَمّدُ بنُ زيدٍ: فذكرتُ هذا الحديثَ لأيوبَ ويونُسَ بنِ عُبيدٍ، وأنا/ أُرِيدُ أنْ يُحدِّثاني ٣٢/١٣ به، فقالا: إِنَّا رَوَى هذا الحديثَ الحسنُ، عن الأحتَفِ بنِ قيسٍ، عن أبي بَكْرةَ. حذَّثنا سليمانُ، حدَّثنا حمّادٌ، بهذا. وقال مُؤْمَّلٌ: حدّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، حدَّثنا أيوبُ ويونسُ وهشامٌ ومُعلَّى بنُ زيادٍ، عن الحسنِ، عن الأحتَفِ، عن أبي بَكْرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ. ورواه مَعمَرٌ عن أيوبَ. ورواه بَكّارُ بنُ عبدِ العزيزِ، عن أبيه، عن أبي بَكْرةَ. وقال غُندَرٌ: حدَّثنا شُعْبةُ، عن منصورٍ، عن رِبْعِيٍّ بنِ حِرَاشٍ، عن أبي بَكْرةَ، عن النبيِّ ولم يَرفَعْه سفيانُ عن منصورٍ. قوله: ((بابٌ إذا التقى المسلمانِ بسيفيهما)). قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن عبد الوهّاب)) وهو الحَجَبَيّ، بفتح المهمَلة والجيم. قوله: ((حَمَّاد)) هو ابن زيد، وقد نَسَبَه في أثناء الحديث. قوله: ((عن رجل لم يُسمِّه)) هو عَمْرو بن عُبيد شيخ المعتَزِلة، وكان سَيَِّ الضَّبْط، هكذا جَزَمَ الِزِّيُّ في ((التَّهذيب)) بأنَّه المُبهَم في هذا الموضع، وجَوَّزَ غيره كمُغَلْطاي أن يكون هو هشامَ بن حسَّان، وفيه بُعْدٌ. ٦٣ باب ١٠ / ح ٧٠٨٣ كتاب الفتن قوله: ((عن الحسن)) هو البصريّ ((قال: خَرَجْتُ بسِلاحِي لَياليَ الفِتْنة)» كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية، وسَقَطَ الأحتَفُ بين الحسن وأبي بَكْرة كما سيأتي، والمراد بالفِتْنة: الحرب التي وَقَعَتْ بينَ عليٍّ ومَن معه، وعائشةَ ومَن معها. وقوله: ((خَرَجْتُ بسِلاحي)) في رواية عمر بن شَبّة عن خالد بن خِدَاش، عن حمّاد بن زيد، عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحتَف قال: الْتَحَفْتُ عليَّ بسَيْفي لآتِيَ عليّاً فأنصُرَه (١). وقوله: ((فاستَقبَلَني أبو بَكْرة)» في رواية مسلم (١٤/٢٨٨٨) الآتي التَّنْبِيهُ عليها: فَلَقِيَني أبو بَكْرة. قوله: «أينَ ترید؟» زاد مسلمٌ في روايته: يا أحنَفُ. قوله: (نُصْرةَ ابنِ عمّ رسول الله وََّ)) في رواية مسلم: أُريدَ نَصْرَ ابنِ عمّ رسول الله ◌ِّ؛ يعني عليّاً، قال: فقال لي: يا أحَفُ، ارجِعْ. قوله: ((قال رسول الله (وَل﴾)) في رواية مسلم: فإنّي سمعتُ رسول الله وَل. قوله: ((فكلاهما من أهل النار)) في رواية الكُشمِيهَنيّ: ((في النار))، وفي رواية مسلم: ((فالقاتلُ والمقتول في النار)». قوله: ((قيلَ: فهذا القاتلُ)) القائل هو أبو بَكْرة، وَقَعَ مُبيَّئاً في رواية مسلم، لكنْ شَكَّ فقال: فقلتُ أو قيلَ، ووَقَعَ في رواية أيوب عندَ عبد الرَّزّاق(٢): قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بالُ المقتول؟! وقوله: ((هذا القاتل)) مُبْتَدَأ وخبره محذوف، أي: هذا القاتل يَستَحِقّ النار، وقوله: ((فما بالُ المقتول)) أي: فما ذَنْبُه. قوله: ((إنَّه أرادَ قتلَ صاحبه)) تقدَّم في الإيمان (٣١) بلفظ: ((إنَّه كان حريصاً على قَتْل صاحبه)). (١) وأخرجه أيضاً ابن المقرئ في ((معجمه)) (٦٣٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٦٢/٦ من طريقين عن خالد ابن خِدَاش، بهذا الإسناد. (٢) لم نقف على رواية أيوب في المطبوع من ((مصنف عبد الرزاق))، وهو عنده برقم (٢٠٧٢٨) من رواية معمر عن قتادة عن الحسن عن أبي بكرة، لكن أخرجه النسائي (٤١٢٢) عن أحمد بن فضالة عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب بالحرف المذكور عند الحافظ. ٦٤ باب ١٠ / ح ٧٠٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال حمّاد بن زيد)» هو موصولٌ بالسَّند المذكور. قوله: ((فقالا: إنَّما روى هذا الحديثَ الحسنُ، عن الأحتَف بن قيس، عن أبي بَكْرة)) يعني: أنَّ عَمْرو بن عُبيد أخطَاً في حَذْف الأحنف بينَ الحسن وأبي بَكْرة، لكنْ وافَقَه قَتَادةُ أخرجه النَّسائيُّ من وَجهَينِ عنه عن الحسن عن أبي بَكْرة (١)، إلّا أنَّه اقْتَصَرَ على الحديث دونَ القصّة، فكأنَّ الحسن كان يُرسِله عن أبي بَكْرة، فإذا ذكر القصَّة أسنَدَه، وقد رواه سليمان التَّيميُّ عن الحسن عن أبي موسى، أخرجه النَّسائيُّ أيضاً (٤١١٨)، وتَعقَّبَ به(٢) بعضُ الشُّرّاح قولَ البِزَّار(٣): لا يُعرَف الحديث بهذا اللَّفظ إلّا عن أبي بَكْرة، وهو ظاهر، ولكنْ لعلَّ البَزَّارِ يَرَى أنَّ رواية التَّيميِّ شاذّة، لأنَّ المحفوظ عن الحسن رواية مَن قال: عنه عن الأحنَف عن أبي بَكْرة(٤). قوله: ((حدَّثْنا سليمان، حدَّثنا حمّاد، بهذا)» سليمان: هو ابن حَرْب، والظّاهر أنَّ قوله: ((بهذا)) إشارة إلى موافقة الرِّواية التي ذكرها حمّاد بن زيد عن أيوب ويونس بن عُبيد، وقد أخرجه مسلم (٢٨٨٨/ ١٥) والنَّسائيُّ جميعاً (٤١٢٣) عن أحمد بن عَبْدة الضَّيِّ عن حَمَّاد ٣٣/١٣ ابن زيد عن أيوب ويونس بن عُبَيد والمعلَّى بن زياد،/ ثلاثتهم عن الحسن البصريّ عن الأحنف بن قيس، فساقَ الحدیث دون القصّة، وأخرجه أبو داود (٤٢٦٨) عن أبي كامل الجدريّ: حدّثنا حمّاد، فذکر القصّة باختصارٍ یسیرٍ. (١) كذا قال الحافظ، وهو ذهولٌ منه، فالذي عند النسائي برقم (٤١٢١) من وجه واحد عن قتادة، وهو عمر بن إبراهيم العبدي عن قتادة عن الحسن عن أبي بکرة، أما الوجه الثاني عنده برقم (٤١١٩) فهو سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي موسى الأشعري. (٢) لفظ ((به)) سقط من (س). (٣) في ((مسنده)) بإثر الحديث (٣٦٣٨). (٤) ورواية الحسن عن أبي موسى الأشعري - وإن كان فيها انقطاع بينهما - محفوظة أيضاً، وليست رواية سليمان التيمي بشاذَّة، فقد تابعه قتادة عند أحمد (١٩٦٠٩) وابن ماجه (٣٩٦٤) والنسائي (٤١١٩)، ويونس بن عبيد عند أحمد (١٩٥٩٠) والنسائي (٤١٢٤)، كلاهما عن الحسن عن أبي موسى، فلعلَّ الحسن البصري كان يحدِّث به مرةً هكذا ومرةً هكذا، والله تعالى أعلم. ٦٥ باب ١٠ / ح ٧٠٨٣ كتاب الفتن قوله: ((وقال مُؤمَّل)) بواوٍ مهموزة وَزْن محمَّد، وهو ابن إسماعيل أبو عبد الرَّحمن البصريّ نَزيلُ مكّة، أدرَكَه البخاريُّ ولم يَلْقَه؛ لأنَّه ماتَ سنة ستّ ومئتَينِ وذلك قبلَ أن يَرْحَل البخاريّ، ولم يُرِّج عنه إلّا تعليقاً، وهو صَدُوق كثير الخطأ، قاله أبو حاتم الرَّازّي. وقد وَصَلَ هذه الطَّريقَ الإسماعيليُّ من طريق أبي موسى محمَّد بن المثنَّى: حدَّثنا مُؤمَّل ابن إسماعيل حدَّثنا حماد(١) بن زيد عن أيوب ويونس - هو ابن عُبيد - وهشام عن الحسن عن الأحتَف عن أبي بَكْرة، فذكر الحديث دونَ القصَّة، ووَصَلَه أيضاً من طريق يزيد بن سِنان: حدَّثنا مُؤمَّل حدَّثنا حَمَّد بن زيد حدَّثنا أيوب ويونس والمعلَّى بن زياد قالوا: حدَّثنا الحسن، فذكره، وأخرجه أحمد (٢٠٤٣٩) عن مُؤمَّل عن حمَّاد عن الأربعة، فكأنَّ البخاريّ أشارَ إلى هذه الطَّريق. قوله: ((ورواه مَعمَر، عن أيوب)) قلت: وَصَلَه مسلم (١٥/٢٨٨٨) وأبو داود (٤٢٦٩) والنَّسائيُّ (٤١٢٢) والإسماعيليّ من طريق عبد الرَّزّاق عنه، فلم يَسُقْ مسلم لفظه ولا أبو داود، وساقَه النَّسائيُّ والإسماعيليّ فقال: عن أيوب عن الحسن عن الأحنَف بن قيس عن أبي بَكْرة: سمعتُ رسول الله وَّهِ، فذكر الحديث دونَ القصَّة، وفي هذا السَّند لَطِيفةٌ: وهو أنَّ رجاله كلّهم بصريُّونَ، وفيهم ثلاثة من التّابعينَ في نَسَقِ أوَّلهم أيوب، قال الدّارَ قُطْنِيُّ بعد أن ذكر الاختلاف في سنده: والصَّحيح حديث أيوب من حديث حمّاد بن زيد ومَعمَر عنه. قوله: ((ورواه بَكّارُ بن عبد العزيز، عن أبيه، عن أبي بَكْرة)) قلت: عبد العزيز: هو ابن عبد الله بن أبي بَكْرة، وقد وَقَعَ منسوباً عندَ ابن ماجَهْ(٢)، ومنهم مَن نَسَبَه إلى جَدّه فقال: عبد العزيز بن أبي بَكْرة، وليس له ولا لولدِه بَكّار في البخاريّ إلّا هذا الحديث، وهذه الطَّريق وَصَلَها الطَّبَرَانُّ من طريق خالد بن خِدَاش - بكسر المعجَمة والدّال المهمَلة وآخِرُه شين مُعجَمة - قال: حدَّثنا بَكّارُ بن عبد العزيز، بالسَّندِ المذكور، ولفظه: سمعت النبيَّ وَّل يقول: ((إنَّ فِتْنَةً كائنةٌ، القاتل والمقتول في النار، إنَّ المقتول قد أرادَ قتلَ القاتل)). (١) تحرف في (س) إلى: أحمد. (٢) يعني: في حديثٍ آخر برقم (١٣٩٤). ٦٦ باب ١٠ / ح ٧٠٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال غُندَر: حدّثنا شُعْبة، عن منصور)) هو ابن المعتَمِر ((عن رِبْعيٍّ)) بكسر الرَّاء وسكون الموحّدة، وهو اسمٌ بلفظِ النَّسَب، واسم أبيه حِرَاش، بكسر المهمَلة وآخره شِينٌ مُعجَمة، تابعيّ مشهور، وقد وَصَلَه الإمام أحمد (٢٠٤٢٤) قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر، وهو غُندَر، بهذا السَّند مرفوعاً ولفظه: ((إذا الْتَقَى (١) المسلمانِ حَمَ أحدُهما على صاحبه السِّلاح، فهما على جُرُف جَهَنَّم، فإذا قتله وَقَعا فيها جميعاً)، وهكذا أخرجه أبو داود الطَّالِسِيُّ في «مُسنَدہ)) (٩٢٥) عن شُعبة، ومن طريقه أبو عوانة في ((صحیحه). قوله: ((ولم يرفعه سُفْيان)) يعني: الثَّوْريّ ((عن منصور)) يعني: بالسَّندِ المذكور، وقد وَصَلَه النَّسائيُّ (٤١١٧) من رواية يَعْلى بن عُبيد عن سفيان الثَّوْرِيّ بالسَّندِ المذكور إلى أبي بَكْرة قال: إذا حَلَ الرجلان المسلمان السِّلاحَ أحدُهما على الآخَرِ، فهما على جُرُف جَهَنَّم، فإذا قتل أحدُهما الآخَرَ، فهما في النار. وقد تقدَّم الكلام على هذا الحديث في كتاب الإيمان أوائل ((الصَّحيح)) (٣١). قال العلماء: معنى كَونِهما في النار: أنَّهما يَستَحِقّان ذلك، ولكنَّ أمرهما إلى الله تعالى إنْ شاءَ عاقَبَهما ثمَّ أخرجَهما من النار كسائرِ الموخِّدين، وإن شاءَ عَفَا عنهما فلم يُعاقِبهما أصلاً. وقيل: هو محمول على مَن استَحلَّ ذلك، ولا حُجّةَ فيه للخَوارِجِ ومَن قال من المعتَزِلة بأنَّ أهل المعاصي مُخلَّدونَ في النار، لأنَّه لا يَلزَمُ من قوله: ((فهما في النار)) استمرارُ بقائِهِما فيها. واحتَجَّ به مَن لم يَرَ القتال في الفِتْنَة، وهم كلّ مَن تَرَكَ القتال مع عليٌّ في حُروبه کسعدِ ابن أبي وقّاص وعبد الله بن عُمر ومحمَّد بن مَسْلَمَةَ وأبي بَكْرة وغيرهم، وقالوا: يجب الكَفُّ حتَّى لو أرادَ أحد قَتْلَه لم يَدْفَعه عن نفسه، ومنهم مَن قال: لا يَدخُل في الفِتْنة، فإنْ أرادَ أحد قتله دَفَعَ عن نفسه. (١) لفظ ((الْتقى)) ليس في نسخنا من ((مسند أحمد)). والعجب من الحافظ رحمه الله كيف يفوته أن هذا الحديث وصله مسلم أيضاً في ((صحیحه)) برقم (٢٨٨٨) (١٦) من ثلاث طرق عن محمد بن جعفر! ووصله ابن ماجه أيضاً (٣٩٦٥) عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر. ٦٧ باب ١٠ / ح ٧٠٨٣ كتاب الفتن وذهب / ◌ُهور الصحابة والتّابعينَ إلى وجوب نَصْر الحقّ وقتال الباغِين، وحَمَلَ هؤلاء ٣٤/١٣ الأحاديثَ الواردة في ذلك على مَن ضَعُفَ عن القتال أو قَصُرَ نَظَرُه عن معرفة صاحب الحقّ، واتّفَقَ أهل السُّنّة على وجوب مَنْع الطَّعْن على أحد من الصحابة بسببٍ ما وَقَعَ لهم من ذلك، ولو عَرَفَ المحِقَّ منهم، لأنَّهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلّا عن اجتهاد، وقد عَفَا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثَبَتَ أنَّه يُؤْجَر أجراً واحداً، وأنَّ المصيب يُؤْجَر أجرَينِ كما سيأتي بيانه في كتاب الأحكام(١)، وَلَ هؤلاءِ الوعيدَ المذكور في الحديث على مَن قاتَلَ بغير تأويل سائغ بل بمُجرَّدٍ طلب الملك، ولا يَرِدُ على ذلك منعُ أبي بكرة الأحنفَ من القتال مع عليّ، لأنَّ ذلك وَقَعَ عن اجتهاد من أبي بَكْرة أدّاه إلى الامتناع والمنعِ احتياطاً لنفسِه ولمن نَصَحَه، وسيأتي في الباب الذي بعده مزيدُ بيانٍ لذلك إن شاء الله تعالی. قال الطَّبَرِيُّ: لو كان الواجب في كلِّ اختلاف يقعُ بينَ المسلمين الهَرَبَ منه بلُزوم المنازِل وكسر السُّيوف، لمَا أُقيمَ حَدٌّ ولا أُبطِلَ باطل، ولَوَجَدَ أهل الفُسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرَّمات من أخذ الأموال وسَفْك الدِّماء وسَبْي الحَريم، بأنْ يُجارِبوهم ويَكُفَّ المسلمون أيديهم عنهم بأنْ يقولوا: هذه فِتْنة وقد نُهِينا عن القتال فيها، وهذا مُخالِف للأمرِ بالأخذِ على أيدي السُّفَهاء، انتهى. وقد أخرج البزَّار في حديث: ((القاتل والمقتول في النار)) زيادةٌ تُبيِّن المراد وهي: ((إذا اقتَتَلْتُم على الدُّنيا، فالقاتل والمقتول في النار))(٢)، ويُؤيِّده ما أخرجه مسلم (٥٦/٢٩٠٨) بلفظ: ((لا تذهبُ الدُّنيا حتَّى يأتي على الناس زمان لا يَدْري القاتلُ فيمَ قَتَلَ، ولا المقتولُ فِيمَ قُتِلَ)) فقيلَ: كيفَ يكون ذلك؟ قال: ((الهَرْج، القاتل والمقتول في النار))، قال القُرْطُبيّ: فبيَّن هذا الحديثُ أنَّ القتال إذا كان على جَهْل من طلب الدُّنيا أو اتِّباع هوّى، فهو الذي أُريدَ بقولِه: ((القاتل والمقتول في النار)). (١) بل في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، برقم (٧٣٥٢). (٢) لم نقف على هذه الزيادة عند البزار في حديث: ((القاتل والمقتول في النار)) والذي أخرجه برقم (٣٦٣٧) و(٣٦٣٨) و(٣٦٤٢)، والحافظ في عزو هذه الزيادة له متابع للقرطبي في ((التذكرة)»، فقد ذكر نحو ما هو هنا فيه في ((باب إذا التقى المسلمان ... )) إلخ! ٦٨ باب ١٠ / ح ٧٠٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قلت: ومن ثَمَّ كان الذينَ تَوقَّفوا عن القتال في الجمل وصِفِّينَ أقلَّ عَدَداً من الذينَ قاتَلوا، وكلُّهم مُتَأوَّل مأجور إن شاءَ الله، بخِلَاف مَن جاءَ بعدَهم ثمَّن قاتَلَ على طلب الدُّنيا كما سيأتي (٧١١٢) عن أبي بَرْزة الأسلَميّ، والله أعلم. وممَّا يُؤيِّد ما تقدَّمَ ما أخرجه مسلم (١٨٤٨) عن أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن قاتَلَ تحتَ راية عِمِّيّة يَغْضَب لعَصَبَةٍ، أو يَدْعو إلى عَصَبة، أو يَنصُرِ عَصَبةً، فقُتِلَ، فِقِتْلَته جاهليّة)). واستَدَلَّ بقولِه: ((إنَّه كان حريصاً على قَتْل صاحبه))(١) مَن ذهب إلى المؤاخذة بالعَزْمِ وإن لم يقع الفِعْلُ، وأجابَ مَن لم يَقُلْ بذلك: أنَّ في هذا فِعْلاً وهو المواجَهة بالسِّلاح ووقوع القتال، ولا يَلزَمُ من كَوْن القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مَرْتَبة واحدة، فالقاتل يُعَذَّب على القتال والقتل، والمقتول يُعذَّب على القتال فقط، فلم يقع التَّعذيب على العَزْم المجرَّد، وقد تقدَّم البحث في هذه المسألة في كتاب الرِّقاق (٦٤٩١) عندَ الكلام على قوله: ((مَن هَمَّ بحسنةٍ ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ))، وقالوا في قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: ٢٨٦]: اختيارُ باب الافتِعال في الشرّ، لأنَّه يُشعِر بأنَّه لا بُدَّ فيه من المعالجة، بخِلَاف الخير فإنَّه يُثاب عليه بالنِّيّة المجرّدة، ويُؤيِّده حديث: ((إنَّ الله تَجاوَزَ لأُمَّتي ما حَدَّثَتْ به أنفُسَها ما لم يتكلَّموا به أو يعملوا))(٢)، والحاصل أنَّ المراتب ثلاث: الهمّ المجرَّد، وهو يُئاب عليه ولا يُؤاخَذ به، واقترانُ الفِعْلِ بالهمِّ أو بالعَزْمِ، ولا نزاعَ في المؤاخَذة به، والعَزْمُ وهو أقوى من الهمّ، وفيه النِّراع. تنبيه: وَرَدَ في اعتزال الأحنفِ القتالَ في وَقْعة الجمل سبب آخَر، فأخرج الطَّبَرُّ بسندٍ صحيح عن حُصَينٍ بن عبد الرّحمن عن عَمْرو بن جاوَانَ قال: قلت له: أرأيت اعتزال الأحنَف ما كان؟ قال: سمعت الأحنَفَ قال: حَجَجْنا فإذا الناس مُجْتمِعونَ في وَسَط المسجد - يعني: النبويّ - وفيهم عليّ والزُّبَير وطَلْحة وسعد إذ جاءَ عثمان، فذكر قصَّة مُنَاشَدَته لهم في ذِكْر مناقبه، قال الأحنَف: فَلَقِيتُ طَلْحة والزُّبَير فقلت: إنّي لا أرَى هذا (١) بهذا اللفظ من حديث أبي بكرة سلف عند البخاري برقم (٣١). (٢) سلف برقم (٢٥٢٨) من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم برقم (١٢٧). ٦٩ باب ١١ / ح ٧٠٨٤ كتاب الفتن الرجل - يعني: عثمان - إلّا مقتولاً، فمَن تأمُراني به؟ قالا: عليٌّ، فقَدِمْنا مكّة فلَقِيتُ عائشة وقد / بَلَغَنا قتلُ عثمان، فقلت لها: مَن تأمُريني به؟ قالت: عليٌّ، قال: فَرَجَعْنا إلى المدينة فبايعتُ ٣٥/١٣ عليّاً ورَجَعْت إلى البصرة، فبينما نحنُ كذلك إذا أتاني آتٍ فقال: هذه عائشة وطلحة والزُّبَير نَزَلوا بجانبِ الخُرَيْبةِ يَستَنِصِرونَ بك، فأتيتُ عائشة فَذَكَّرْتُها بما قالت لي، ثمَّ أتيتُ طَلْحة والزُّبَيرِ فَذَكَّرْتُهما، فذكر القصَّة، وفيها: قال: فقلتُ: والله لا أُقاتلكم ومَعَكم أمّ المؤمنينَ وحَوَارِيُّ رسول الله وَّةِ، ولا أُقاتل رجلاً أمَرْ تُوني بَعَتِه، فاعتَزَلَ القتال مع الفَرِيقَين. ويُمكِن الجمعُ بأنَّه هَمَّ بالتَّركِ ثمَّ بَدَا له في القتال مع عليّ، ثمَّ نَبَّطَه عن ذلك أبو بَكْرة، أو هَمَّ بالقتالِ مع عليّ فَبَّطَه أبو بَكْرة، وصادَفَ مُراسَلة عائشة له فَرَجَحَ عندَه التَّركُ. وأخرج الطَّبَرَيُّ أيضاً من طريق قَتَادة قال: نَزَلَ عليٌّ بالزّاويةِ فأرسَلَ إليه الأحنَفُ: إنْ شئتَ أتيتُك، وإن شئتَ كَفَفْتُ عنك أربعةَ آلاف سيف، فأرسَلَ إليه: كُفَّ مَن قَدَرْتَ على كَفّه. ١١ - بابٌ كيفَ الأمرُ إذا لم تكنْ جماعةٌ؟ ٧٠٨٤- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، حدَّثنا ابنُ جابٍ، حدَّثنِي بُشْرُ بنُ عُبِيدِ الله الحَضْرَمِيُّ، أَنَّه سَمِعَ أبا إدرِيسَ الخَوْلانَّ، أَنَّه سَمِعَ خُذَيفةَ بنَ اليَمَانِ يقولُ: كان الناسُ يَسْألونَ رسولَ الله ◌َّهِ عن الخيرِ، وكنتُ أسألُه عن الشرِّ تَخَافةَ أنْ يُدرِ كَني، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ كنّا في جاهليّةٍ وشرّ، فجاءَنا الله بهذا الخيرِ، فَهَلْ بعدَ هذا الخيرِ مِن شرِّ؟ قال: (نَعَم)) قلتُ: وهَلْ بعدَ ذلك الشرِّ مِن خَيْرٍ؟ قال: ((نَعَم، وفيه دَخَرٌ)) قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: ((قومٌ يَهْدُونَ بغيرِ هَذْيي، تَعرِفُ منهم وتُنكِرُ)) قلتُ: فَهَلْ بعدَ ذلك الخيرِ مِن شرّ؟ قال: ((نَعَم، دعاةٌ على أبوابٍ جَهنَّمَ، مَن أجابَهم إليها قَذَفُوه فيها)) قلتُ: يا رسولَ الله، صِفْهم لنا، قال: ((هم مِن جِلْدَتِنا، ويتكلَّمونَ بأَلْسِنَِنا)) قلتُ: فما تأمُرُني إنْ أدرَكَني ذلك؟ قال: «تَلْزَمُ جماعةً المسلمينَ وإمامَهُم)» قلتُ: فإنْ لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: «فاعتَزِلْ تلكَ الفِرَقَ كلَّها، ولو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجرةٍ حتَّى يُدرِكَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك)). ٧٠ باب ١١ / ح ٧٠٨٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((بابٌ كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟)) كان تامّةٌ، والمعنى: ما الذي يفعل المسلمُ في حال الاختلاف من قَبلِ أن يقع الاجتماعُ(١) على خَليفة. قوله: ((حدَّثنا ابن جابر)) هو عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر كما صَرَّحَ به مسلم (١٨٤٧/ ٥١) في روايته عن محمَّد بن المثنَّى شيخ البخاريّ فيه. قوله: ((حذَّثني بُسْر)) بضمِّ الموحّدة وسكون المهمَلة ((بن عُبيد الله)) بالتَّصغير، تابعيّ صغير، والسَّند كلّه شاميّونَ إلّا شيخَ البخاريّ والصحابيَّ. قوله: ((مَخافةَ أنْ يُدرِكَني) في رواية نَصْر بن عاصم عن حُذَيفة (٢) عندَ ابنِ أبِي شَيْبة (٩/١٥): وعَرَفتُ أنَّ الخير لن يَسِقَني. قوله: ((في جاهليّة وشَّ)) يشير إلى ما كان قبل الإسلام من الكفر، وقَتْلِ بعضِهم بعضاً، وغَهْب بعضِهم بعضاً، وإتيان الفَواحش. قوله: ((فجاءَنا الله بهذا الخير)) يعني: الإيمان والأمْن وصلاح الحال واجتناب الفواحش، زاد مسلم (١٨٤٧/ ٥٢) في رواية أبي الأسوَد(٣) عن حُذَيفة: فنحنُ فيه. قوله: ((فَهَلْ بعدَ هذا الخير من شَرّ؟ قال: نَعَمْ)) في رواية نَصْر بن عاصم: فِتْنة (٤)، وفي رواية سُبَيَع بن خالد عن حُذَيفة عندَ ابن أبي شَيْبة (٨/١٥-٩): فما العِصْمةُ منه؟ قال: ((السَّيف)) ٣٦/١٣ قال: فَهَلْ بعدَ السَّيف من تَقيّة؟ قال: ((نَعَمْ، هُدْنة))، والمراد بالشرِّ ما يقعُ من / الفتن من بعد قتل عثمان وهَلُمَّ جَرّاً، أو ما يَترتَّب على ذلك من عُقوبات الآخرة. قوله: ((قال: نَعَم، وفيه دَخَنٌ)) بالمهمَلةِ ثمَّ المعجَمة المفتوحَتَينِ بعدَها نون: وهو الحِقْد، وقيل: الدَّغَل، وقيل: فساد في القلب، ومعنى الثَّلاثة مُتَقارب، يشير إلى أنَّ الخير الذي يَجيء (١) في (أ) و(س): الإجماع، والمثبت من (ع). (٢) بل هو من رواية نصر بن عاصم عن اليشكري - وهو سبيع بن خالد أو خالد بن سبيع أو خالد بن خالد - عن حذيفة، وهذه الرواية باللفظ المذكور أخرجها أيضاً أحمد (٢٣٢٨٢) والنسائي في ((الكبرى)) (٧٩٧٨)، ففات الحافظَ العزوُ لهما. (٣) هكذا في الأصلين و(س)، وهو خطأ، والصواب: أبي سلّام، والأَسوَد لقبه، واسمه: ممطور. (٤) أي: مكان قوله: ((نعم)). ٧١ باب ١١ / ح ٧٠٨٤ كتاب الفتن بعدَ الشّ لا يكون خيراً خالصاً بل فيه كَدَرٌ، وقيل: المراد بالدَّخَن: الدُّخان، ويشير بذلك إلى كَدَر الحال، وقيل: الدَّخَن كلُّ أمر مكروه. وقال أبو عُبيد: يُفسِّر المرادَ بهذا الحديث، الحديثُ الآخَر: ((لا تَرجِعُ قلوب قوم على ما كانت عليه))(١)، وأصله أن يكون في لَوْن الدَّابَّة كُدورة، فكأنَّ المعنى: أنَّ قلوبهم لا يَصْفُو بعضُها لبعضٍ. قوله: ((قوم يَهْدُونَ)) بفتح أوَّله ((بغير هَدْبِي)) بياءِ الإضافة بعد الياء للأكثر وبياءٍ واحدة مع التَّنوين للكُشمِيهَنيّ، وفي رواية أبي الأسود (٢): ((يكون بَعْدِي أئمّة [لا] يَهْتَدونَ بُهُدايَ، ولا يَسْتَنّونَ بِسُنَّتَي)). قوله: ((تَعرِفُ منهم وتُنكِرِ)) يعني: من أعمالهم، وفي حديث أمّ سَلَمة عندَ مسلم (١٨٥٤): ((فمَن أنكَرَ بَرِئَّ، ومَن کَرِهَ سَلِمَ)). قوله: ((دُعَاة) بضمِّ الدّال المهمَلة جمع داعٍ، أي: إلى غير الحقّ. قوله: ((على أبواب جَهنَّم)) أطلَقَ عليهم ذلك باعتبار ما يَؤُولُ إليه حالُهُم، كما يُقال لمن أمَرَ فِعْلِ مُرَّم: وَقَفَ على شَفير جَهنَّم. قوله: ((هم من جِلْدَتِنا)) أي: من قومِنا ومن أهل لساننا ومِلَّتنا، وفيه إشارة إلى أنَّهم من العرب، وقال الدَّاوُوديُّ: أي: من بني آدم، وقال القابِسيّ: معناه: أنَّهم في الظّاهر على مِلَّتنا وفي الباطن مُخالِفون، وجِلْدة الشَّيء: ظاهره، وهي في الأصل: غشاء البَدَن، قيل: ويُؤيِّد إرادةَ العرب أنَّ السُّمْرة غالبة عليهم واللَّوْن إِنَّا يَظهَر في الجِلْد، ووَقَعَ في رواية أبي الأسود (٢): ((فيهم رجال قلوبهم قلوب الشَّياطين في ◌ُثْمان إنس))، وقوله: ((جُثْمان)) بضمِّ الجيم وسكون المثلَّثة: هو الجسد، ويُطلَق على الشَّخص. (١) هذا الحديث قطعة من حديث حذيفة نفسه من رواية اليشكري عنه، وهو عند أحمد (٢٣٢٨٢)، وأبي داود (٤٢٤٦). (٢) صوابه: أبي سلّام، ولقبه الأسوَد، واسمه: ممطور. وروايته عند مسلم برقم (١٨٤٧) (٥٢)، وما بين المعقوفین منه. ٧٢ باب ١١ / ح ٧٠٨٤ فتح الباري بشرح البخاري قال عِيَاض: المراد بالشرِّ الأوَّل الفتنُ التي وَقَعَتْ بعدَ عثمان، والمراد بالخيرِ الذي بعده ما وَقَعَ في خِلَافة عمر بن عبد العزيز، والمراد بالذينَ تَعرِفُ منهم وتُنكِرِ الأُمراءُ بعدَه، فكان فيهم مَن يَتَمسَّك بالسُّنّةِ والعَدْل، وفيهم مَن يَدْعو إلى البِدْعة ويعمل بالجَوْر. قلت: والذي يَظهَر أنَّ المراد بالشرِّ الأوَّل ما أشارَ إليه من الفتن الأُولى، وبالخيرِ ما وَقَعَ من الاجتماع مع عليٍّ ومعاوية، وبالدَّخَنِ ما كان في زَمَنهما من بعض الأُمراء کزیادٍ بالعراق وخِلَافِ مَن خالَفَ عليه من الخوارج، وبالدُّعاةِ على أبواب جَهَنَّم مَن قامَ في طلب المُلْك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارةُ بقولِه: ((الزَمْ جماعة المسلمين وإمامَهم)) يعني: ولو جارَ، ويُوضح ذلك رواية أبي الأسوَد (١): ((ولو ضَرَبَ ظَهْرَك وأخَذَ ماَلَك))، وكان مِثلُ ذلك كثيراً في إمارة الحجّاج ونحوه. قوله: ((تَلْزَمُ جماعة المسلمين وإمامهم)) بكسر الهمزة، أي: أميرهم، زاد في رواية أبي الأسود: ((تَسْمَع وتُطيع وإن ضَرَبَ ظَهْرَك وأخَذَ ماَك))، وكذا في رواية خالد بن سُبَيْعٍ عندَ الطََّرانيّ: ((فإنْ رأيتَ خليفةً فالزَمْه وإن ضَرَبَ ظهَرَك، فإنْ لم يكن خليفةٌ فالهَرَب))(٢). قوله: ((ولو أنْ تَعَضَّ)) بفتح العَين المهمَلة وتشديد الضّاد المعجَمة، أي: ولو كان الاعتزال بالعَضِّ فلا تَعْدِلْ عنه. و((تَعَضّ)) بالنَّصب للجميع، وضَبَطَه الأَشِيريّ بالرَّفع، وتُعقّبَ بأنَّ جوازه مُتَوقّف على أن تكون ((أن)) التي تقدَّمَتْه مُخفَّفة من الثَّقيلة، وهُنا لا يجوز ذلك لأنَّها لا تَلي ((لو))، نَّه عليه صاحب ((المغْني))، وفي رواية عبد الرَّحمن بن قُرْط عن حُذَيفة عندَ ابن ماجَهْ (٣٩٨١): «فلَأنْ تموتَ وأنتَ عاصٍّ على جِذْلٍ خيرٌ لك من أن تَتَّبِعَ أحداً منهم))، والجِذْل بكسر الجيم وسكون المعجَمة بعدَها لام: عودٌ يُنصَب لتحتَكَّ به الإبل، وقوله: ((وأنتَ على ذلك)) أي: العَضّ، وهو كِنايةٌ عن لُزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عَصَوْا. (١) انظر التعليق السابق. (٢) أَبعدَ الحافظُ النُّجعةَ في عزوه للطبراني - مع أنّا لم نقف عليه عنده - فإن هذه الرواية عند ابن أبي شيبة ٨/١٥، وأحمد (٢٣٤٢٥)، وأبي داود (٤٢٤٧). ٧٣ باب ١١ / ح ٧٠٨٤ كتاب الفتن قال البيضاويّ: المعنى: إذا لم يكن في الأرض خليفة، فعليك بالعُزْلةِ والصَّبر على تَحمُّل شِدّة الزّمان، وعَضُّ أصل الشَّجَرة كِناية عن مُكابَدة المشقّة، كقولهم: فلان يَعَضُّ الحجارة من شِدّة الألَمَ، أو المراد اللُّزوم، كقوله في الحديث الآخر: / ((عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ))(١)، ويُؤيِّد ٣٧/١٣ الأوَّلَ قولُه في الحديث الآخر: ((فإنْ مُتَّ وأنتَ عاضٍّ على حِذْلٍ خيرٌ لك من أن تَتَّبِعَ أحداً منهم))(٢). وقال ابن بَطّال: فيه حُجّة لجماعة الفُقَهاء في وجوب لُزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمّة الجَوْر، لأنَّه وَصَفَ الطّائفة الأخيرة بأنَّهم ((دعاة على أبواب جَهَنَّم)) ولم يَقُلْ فيهم: ((تَعرِف وتُنكِرِ)) كما قال في الأوَّلين، وهم لا يكونونَ كذلك إلّ وهم على غیر حَقٌّ، وأمَرَ مع ذلك بلُزومِ الجماعة. قال الطَّبَرُّ: اختُلِفَ في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم: هو للوجوبِ والجماعةُ السَّواد الأعظم، ثمَّ ساقَ عن محمّد بن سِيرِين عن أبي مسعود: أنَّه وَصَّى مَن سَأله لمَّا قُتِلَ عثمان: عليك بالجماعةِ فإنَّ الله لم يكن ليَجمَعَ أمّة محمَّد على ضلالة. وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة دونَ مَن بعدَهم، وقال قوم: المراد بهم أهل العِلم، لأنَّ الله جعلهم حُجّةً على الخلق والناسُ تَبَعٌ لهم في أمر الدّين. قال الطَّبَرِيُّ: والصَّواب أنَّ المراد من الخبر، لُزومُ الجماعة الذينَ في طاعة مَن اجتَمَعوا على تَأْميره، فمَن نَكَثَ بَيْعتَه خَرَجَ عن الجماعة، قال: وفي الحديث أنَّه متى لم يكن للنّاسِ إمام فافتَرَقَ الناسُ أحزاباً، فلا يَتَّبع أحداً في الفُرْقة، ويَعتَزِل الجميع إن استَطاعَ ذلك خَشْيَةً من الوقوع في الشّ، وعلى ذلك يتنزّل ما جاءَ في سائر الأحاديث، وبه يُجمَع بينَ ما ظاهرُه الاختلاف منها، ويُؤيِّده رواية عبد الرَّحمن بن قُرْط المتقدِّم ذِكْرها. (١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، وابن ماجه (٤٣)، والترمذي (٢٦٧٦) وصحَّحه من حديث العرباض بن سارية، وهو عند أحمد في ((المسند)) برقم (١٧١٤٢)، وانظر تتمة تخريجه والكلام عليه فيه. (٢) أخرجه من حديث حذيفة: أحمد (٢٣٢٨٢)، وأبو داود (٤٢٤٦)، وابن ماجه (٣٩٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٧٩٧٨) و(٧٩٧٩). ٧٤ باب ١٢ / ح ٧٠٨٥ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن أبي جَمْرة: في الحديث حِكْمة الله في عباده كيفَ أقامَ كلّ منهم فيما شاءَ، فحُبِّبَ إلى أكثر الصحابة السُّؤال عن وجوه الخير ليعملوا بها ويُبلِّغوها غيرهم، وحُبِّبَ لحذيفةَ السُّؤال عن الشرّ لِيَجِتَنِبَه ويكون سبباً في دَفْعه عمَّنْ أرادَ الله له النَّجاة، وفيه سَعَة صَدْر النبيّ ◌َّ﴿ ومَعرِفَته بوجوه الحِكَم كلّها، حتَّی کان یجیب کلَّ مَن سَألَه بما يناسبه. ويُؤخَذ منه: أنَّ كلّ مَن حُبِّبَ إليه شيء فإنَّه يَفُوق فيه غيره، ومن ثَمَّ كان حُذَيفة صاحب السِّ الذي لا يَعلَمُه غيره حتَّى خُصَّ بمعرفةِ أسماء المنافقينَ وبكثيرٍ من الأُمور الآتية. ويُؤخَذ منه: أنَّ من أدبِ التَّعليم أن يُعلّم التِّلميذ من أنواع العلوم ما يراه مائلاً إليه من العلوم المباحة، فإنَّه أجدَرُ أن يُسرع إلى تَفْهُّمه والقيام به، وأنَّ كلَّ شيء يَهْدي إلى طريق الخير يُسمَّى خيراً وكذا بالعَكْس. ويُؤْخَذ منه ذَمُّ مَن جَعَلَ الدِّينِ أصلاً خِلَافَ الكتاب والسُّنّة وجَعَلهما فرعاً لذلك الأصل الذي ابتَدَعوه، وفيه وجوب رَدِّ الباطل وكلٌّ ما خالَفَ الهَدْيَ النبويّ ولو قاله مَن قاله من رَفِيع أو وَضِيع. ١٢ - باب مَن كَرِهَ أنْ يُكفِّرَ سوادَ الفِتَن والظُّلم ٧٠٨٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يزيدَ، حدَّثنا حَيْوةُ وغيرُه، قال: حدَّثنا أبو الأسوَدِ. وقال اللَّيثُ: عن أبي الأسوَدِ، قال: قُطِعَ على أهلِ المدينةِ بَعْثٌ، فاكتُبْتُ فيه، فلَقِيتُ عِكْرمةَ فأخبَرَتُه، فنَهاني أشدَّ النَّهي، ثمَّ قال: أخبَرَني ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ أناساً منَ المسلمينَ كانوا مع المشركينَ يُكِّرُونَ سَوَادَ المشركينَ على رسولِ اللهِِّ، فيأتي السَّهْمُ فيُرمَى به، فيُصِيبُ أحدَهم فيقتلُه، أو يَضرِبُه فيقتلُه، فأنزلَ الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ ظَالِمِىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. قوله: ((باب مَن كَرِهَ أنْ يُكِّر)) بالتَّشديد (سَوَادَ الفِتَن والظَّلْم)) أي: أهلهما، والمراد بالسَّوَادِ - وهو بفتح المهمَلة وتخفيف الواو -: الأشخاص، وقد جاءَ عن ابن مسعود ٣٨/١٣ مرفوعاً: ((مَن كَثَّرَ سوادَ قوم فهو منهم، ومَن رَضِيَ عمل قوم/ كان شَرِيكَ مَن عَمِلَ به)) ٧٥ باب ١٢ / ح ٧٠٨٥ كتاب الفتن أخرجه أبو يَعْلى (١)، وفيه قصَّة لابنِ مسعود، وله شاهد عن أبي ذرٍّ في ((الزّهْد)) لابنِ المبارَك(٢) غير مرفوع. قوله: ((حدَّثْنَا حَيْوَة)) بفتح المهمَلة والواو بينهما ياءٌ آخر الحروف ساكنة. قوله: ((وغيرُه)) كأنَّه يريد ابنَ لَهِيعةَ، فإنَّه رواه عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرَّحمن أيضاً، وقد رواه عنه أيضاً اللَّيث، لكنْ أخرج البخاريّ هذا الحديث في تفسير سوره النِّساء (٤٥٩٦) عن عبد الله بن يزيد شيخه فيه هنا بسندِه هذا، وقال بعدَه: رواه اللَّيث عن أبي الأسود، وقد رُوِّيناه موصولاً في ((مُعجَم الطَّبَرانيِّ الأوسط)) (٨٦٣٨) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث: حدَّثني اللَّيث عن أبي الأسود عن عِكرمة، فذكر الحديث دونَ القصَّة، قال الطَّبَرانيُّ: لم يَرْوِهِ عن أبي الأسود إلّا اللَّيث وابن لَهِيعةً. قلت: ووَهِمَ في هذا الحَصْر لوجودِ رواية حَيْوةَ المذكورة، وقد أخرجه الإسماعيليّ من وجه آَخَرَ عن المقبُريِّ عن حَيْوةَ وحدَه به، وقد ذكرتُ مَن وَصَلَ رواية ابن لَهِيعةَ في تفسیر سورة النِّساء مع شرح الحديث. وقوله: ((فيأتي السَّهْمُ فِيُرْمَى به)) قيل: هو من القَلْب، والتَّقدير: فيُرمَى بالسَّهْمِ فيأتي. قلت: ويحتمل أن تكون الفاء الثّانية زائدة، وثَبَتَ كذلك لأبي ذرٍّ في سورة النِّساء: فيأتي السَّھْم ◌ُرمَی به. قوله: ((أو يَضرِبُه)) معطوف على ((فيأتي)) لا على ((فيُصيب)) أي: يقتلُ إمّا بالسَّهْم وإمّا بالسَّيف، وفيه تَّخْطِئَة مَن يُقيم بينَ أهل المعصية باختياره لا لقَصْدٍ صحيح من إنكار عليهم مَثَلاً، أو رَجاءِ إنقاذ مسلم من هَلَكة، وأنَّ القادر على التَّحَوُّل عنهم لا يُعْذَر كما وَقَعَ للَّذِينَ كانوا أسلموا ومَنَعَهم المشركونَ من أهلهم من الهِجْرة، ثمَّ كانوا يَخْرُجونَ مع المشركينَ (١) في ((مسنده الكبير))، وقد ساقه من طريقه الحافظ نفسه في كتابه ((المطالب العالية)) (١٦٦٠)، والبوصيري في («إتحاف الخيرة)) (١/٣٢٩٧)، ورجال إسناده ثقات إلا أن فيه انقطاعاً بين راويه عمرو بن الحارث وابن مسعود. (٢) في ((الزهد - زيادات نعيم بن حماد)) برقم (٤٢)، وسنده ضعيف. ٧٦ باب ١٣ / ح ٧٠٨٦ فتح الباري بشرح البخاري لا لقَصْدِ قتال المسلمين، بل لإيهام كَثْرتهم في عيون المسلمين، فحَصَلَتْ لهم المؤاخذة بذلك، فَرَأَى عِكْرِمةُ أنَّ مَن خَرَجَ في جيش يقاتلون المسلمين يَأْثَمُ وإن لم يقاتل ولا نَوَى ذلك، ويَتَأَيَّد ذلك في عَكْسه بحديث: ((هم القومُ لا يَشْقَى بهم جَليسُهم)) کما مضى ذِكرُه في كتاب الرِّقاق(١). ١٣ - بابٌ إذا بَقِيَ في حُثَالةٍ من الناس ٧٠٨٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن زيدِ بنِ وَهْب، حدَّثنا حُذَيفةُ، قال: حدَّثنا رسولُ اللهِ وَِّ حديثَينٍ، رأيتُ أحدَهُما وأنا أنْتَظِرُ الآخَرَ، حدَّثْنَا: «أنَّ الأمانةَ نَزَّلَتْ فِي جَذْرِ قلوبِ الرِّجال، ثمَّ عَلِمُوا مِنَ القرآنِ، ثمَّ عَلِمُوا منَ السُّنّةِ». وحدَّثنا عن رَفعِها، قال: ((ينامُ الرجلُ النَّومَةَ فَتُقْبَضُ الأمانةُ مِن قلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُها مِثلَ أَثَرِ الوَكْتِ، ثمَّ ينامُ النَّومَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبقَى فيها أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه على رِجْلِكَ فَقِطَ فَتَرَاهُ مُتَبٍِاً، وليس فيه شيءٌ، ويُصبحُ الناسُ يَتَبَايَعونَ فلا يَكادُ أحدٌ يُؤَدّي الأمانةَ، فيُقالُ: إنَّ في بني فلانٍ رجلاً أمِيناً، ويُقالُ للرجلِ: ما أعقَلَه! وما أظرَفَه! وما أجَلَدَه! وما في قلبِهِ مِثْقالُ حَبِّ خَرْدَلٍ مِن إیمانٍ». ولقد أتَى عليَّ زمانٌ، ولا أُبالي أيَّكم بايَعْتُ، لَئِنْ كان مُسلِماً رَدَّه عليَّ الإسلامُ، وإنْ كان نَصْرانياً رَدَّه عليَّ ساعِيهِ، وأمّا اليومَ فما كنتُ أُبَايِعُ إلّا فلاناً وفلاناً. قوله: ((بابٌ إذا بَقِيَ)) أي: المسلم ((في حُثَالة من الناس)) أي: ماذا يَصْنَع؟ والحُثَالة بضمِّ المهمَلة وتخفيف المثلَّثة، وتقدَّم تفسيرها في أوائل كتاب الرِّقاق (٦٤٣٤)، وهذه التَّرجمة ٣٩/١٣ لفظ حديثٍ أخرجه الطََّرَيُّ وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٩٥٠ و٥٩٥١) من طريق/ العلاء بن عبد الرّحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: «كيفَ بك يا عبدَ الله ابن عَمْرو إذا بَقِيتَ في حُثالةٍ من الناس قد مَرِجَتْ عهودُهم وأماناتهم، واختَلَفوا فصاروا هكذا)» وشَبَّكَ بينَ أصابعه، قال: فما تأمرُني؟ قال: ((عليك بخاصَّتِك، ودَعْ عنكَ عَوَامَّهم)»، (١) بل في الدعوات برقم (٦٤٠٨). ٧٧ باب ١٣ / ح ٧٠٨٦ كتاب الفتن قال ابن بَطّال: أشارَ البخاريّ إلى هذا الحديث ولم يُخُرِّجه، لأنَّ العلاء ليس من شَرْطه، فأدخَلَ معناه في حديث حُذَيفة. قلت: يَجْتَمِع معه في قِلّة الأمانة وعَدَم الوفاء بالعَهْدِ وشِدّة الاختلاف، وفي كلٍّ منهما زيادة ليست في الآخَر، وقد وَرَدَ عن ابن عمر مِثلُ حديث أبي هريرة، أخرجه حَنبَل بن إسحاق في كتاب ((الفتن)) من طريق عاصم بن محمَّد عن أخيه واقد، وتقدَّم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة (٤٨٠) من طريق واقد - وهو محمّد بن زيد بن عبد الله بن عُمر -: سمعت أبي يقول: قال عبد الله بن عُمر: قال رسول الله وَّهِ: ((يا عبد الله بن عَمْرو، كيف بك إذا بَقِيتَ في حُثالةٍ من الناس)) إلى هنا انتهى ما في البخاريّ، وبَقِيَّتْه عندَ حَنبَل مِثلُ حديث أبي هريرة سواء، وزاد: قال: فكيفَ تأمُرني يا رسول الله؟ قال: ((تأخُذ بما تَعرِف، وتَدَعُ ما تُنكِرِ، وتُقبِل على خاصَّتِك وتَدَعُ عَوامَّهم))، وأخرجه أبو يَعْلى (٥٥٩٣) من هذا الوجه. وأخرج الطَّبَرانيُّ (١٤٥٨٩-١٤٥٩٨) من حديث عبد الله بن عَمْرو نفسه من طرق بعضها صحيح الإسناد وفيه: قالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: «تأخُذونَ ما تَعرِفونَ» فذكر مِثْلَه بصيغة الجمع في جميع ذلك(١). وأخرجه الطََّرانيُّ (١٥٦/١٨) وابن عَديّ (٣١٩/٥) من طريق عبد الحميد بن جعفر ابن الحَكَم عن أبيه عن عِلْباء - بكسر المهمَلة وسكون اللّام بعدَها موخَّدة ومَدّ - رَفَعَه: ((لا تقوم السّاعةُ إلّا على حُثَالة الناس)) الحديثَ، وللطَّبَرانيّ (٥٨٦٨ و٥٩٨٤) من حديث سَهْل بن سعد قال: خَرَجَ علينا رسول الله وَ له ونحنُ في مَجَلِس فيه عَمْرو بن العاص وابناه فقال، فذكر مِثْلَه وزاد: ((وإيّاكم والتَّلُوُّنَ في دين الله)). قوله: ((حدَّثْنا محمّد بن كَثير)) تقدَّم بهذا السَّند في كتاب الرِّقاق (٦٤٩٧) في ((باب رَفْع الأمانة))، وأنَّ الجَذْر الأصلُ، وتُفتَح جيمُه وتُكسّر. (١) وأخرجه أيضاً أحمد (٧٠٤٩)، وأبو داود (٤٣٤٢)، وابن ماجه (٣٩٥٧). ٧٨ باب ١٣ / ح ٧٠٨٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ثُمَّ عَلِموا من القرآن، ثمَّ عَلِموا من السُّنّة)» كذا في هذه الرِّواية بإعادةٍ ثمَّ، وفيه إشارة إلى أنَّهم كانوا يَتَعلَّمونَ القرآن قبلَ أن يَتَعَلَّموا السُّنَن، والمراد بالسُّنَن: ما يَتَلَقَّوْنَه عن النبيّ ◌َ ل﴿ واجباً كان أو مَنْدوباً. قوله: ((وحدَّثنا عن رَفْعها)) هذا هو الحديث الثّاني الذي ذكر حُذَيفةُ أَنَّه يَنْتَظِرِه، وهو رَفْعُ الأمانة أصلاً حتَّى لا يَبقَى مَن يُوصَف بالأمانةِ إلّا النادر، ولا يُعكِّر على ذلك ما ذكره في آخر الحديث ممَّا يَدُلّ على قِلّة مَن يُنسَب للأمانة، فإنَّ ذلك بالنّسبةِ إلى حال الأوَّلِين، فالذينَ أشارَ إليهم بقولِه: ((ما كنتُ أُبايع إلّا فلاناً وفلاناً»، هم من أهل العصر الأخير الذي أدرَكَه، والأمانة فيهم بالنّسبةِ إلى العصر الأوَّل أقلُّ، وأمّا الذي يَنْتَظِرِه فإنَّه حيثُ تُفقَد الأمانة من الجمیع إلّا النادر. قوله: ((فِيَظَلُّ أَثَرُها)) أي: يصير، وأصل ((ظَلَّ)) ما عُمِلَ بالنَّهار، ثمَّ ◌ُطلِقَ على كلّ وقت، وهي هنا على بابها، لأنَّه ذكر الحالةَ التي تكون بعدَ النَّوم وهي غالباً تقع عندَ الصُّبح، والمعنى: أنَّ الأمانة تذهب حتَّى لا يَبقَى منها إلّا الأثَر الموصوف في الحديث. قوله: ((مِثْلُ أَثَر الوَكْت)) بفتح الواو وسكون الكاف بعدَها مُثنّة، تقدَّم تفسيره في الرِّقاق (٦٤٩٧) وأنَّه سواد في اللَّوْن، وكذا المَجْلُ وهو بفتح الميم وسكون الجيم: أثَر العمل في اليد. قوله: ((فتَقِطَ)) بكسر الفاء بعدَ النّون المفتوحة، أي: صارَ مُنْتَقِطاً وهو المُنتَبِ؛ بنونٍ ثُمَّ مُثنّة ثمَّ موخَّدة، يُقال: انتَبَرَ الْجَرْح وانتَفَطَ: إذا وَرِمَ وامتَلَأْ ماءً. وحاصل الخبر: أنَّه أنذَرَ بَرَفْع الأمانة، وأنَّ الموصوف بالأمانةِ يُسلَبُها حتَّى يصير خائناً بعدَ أن كان أميناً، وهذا إنَّما يقعُ على ما هو شاهدٌ لمن خالَطَ أهلَ الخيانة، فإنَّه يصير خائناً، لأنَّ القَرين يَقْتَدي بقَرینِه. قوله: ((ولقد أتى عليَّ زمان .. )) إلى آخره، يشير إلى أنَّ حال الأمانة أَخَذَ في النَّقْص من ٤٠/١٣ ذلك الزّمان، وكانت وفاة حُذَيفة في أوَّل سنة ستٍّ وثلاثينَ بعدَ/ قَتلِ عثمان بقليلٍ، فأدرَكَ بعضَ الزَّمَن الذي وَقَعَ فيه التغيُّر، فأشارَ إليه. ٧٩ باب ١٣ / ح ٧٠٨٦ كتاب الفتن قال ابن التِّين: الأمانة كلُّ ما يَخْفَى ولا يَعلَمُه إلّ الله من المكلَّف، وعن ابن عبّاس: هي الفرائض التي أُمِروا بها وُّهوا عنها، وقيل: هي الطّاعة، وقيل: التَّكاليف، وقيل: العَهْد الذي أخَذَه الله على العباد، وهذا الاختلاف وَقَعَ في تفسير الأمانة المذكورة في الآية ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٢]. وقال صاحب ((التَّحرير)): الأمانة المذكورة في الحديث هي الأمانة المذكورة في الآية، وهي عَيْنُ الإيمان، فإذا استَمكَنَتْ في القلب قامَ بأداءِ ما أُمِرَ به، واجتَنَبَ ما نُهيَ عنه. وقال ابن العربيّ: المراد بالأمانةِ في حديث حُذَيفة الإيمانُ، وتحقيق ذلك فيما ذكرَ من رَفْعها أنَّ الأعمال السَّيِّئَة لا تَزالُ تُضعِف الإيمان، حتَّى إذا تَناهَى الضَّعْفُ لم يَبْقَ إلّا أَثَر الإيمان، وهو التلفَّظُ باللِّسان والاعتقادُ الضَّعيف في ظاهر القلب، فشَبَّهَه بالأثَرِ في ظاهر البَدَن، وكَنَى عِن ضَعْف الإيمان بالنَّومِ، وضَرَبَ مَثَلاً لزُهوقِ الإيمان عن القلب حالاً حالاً(١) بزُهوقِ الحَجَر عن الرِّجْل حتَّى يقعَ بالأرض. قوله: ((ولا أبالي أيُكم بايعْتُ)) تقدَّم في الرِّقاق (٦٤٩٧) أنَّ مُراده المبايعة في السِّلَع ونحوها، لا المبايعة بالخِلافة ولا الإمارة. وقد اشتَلَّ إنكار أبي عُبيد وغيره على مَن حَمَلَ المبايعةَ هنا على الخِلافة وهو واضح، ووَقَعَ في عِبَارَته أنَّ حُذَيفة كان لا يَرْضَى بأحدٍ بعدَ عمر، يعني: في الخِلافة، وهي مُبالَغة، وإلّا فقد كان عثمان ولّاه على المدائن وقد قُتِلَ عثمان وهو عليها، وبايعَ لعليٍّ وحَرَّضَ على المبايعة له والقيام في نَصْره، وماتَ في أوائل خِلَافَته كما مضى في ((باب إذا الْتَّقَى المسلمان بسيفَيهِما))(٢) والمراد أنَّه لوُثوقِه بوجودِ الأمانة في الناس أوَّلاً كان يُقدِم على مُبَايَعة مَن اتَّفَقَ من غير بَحْث عن حاله، فلمَّا بَدَا التغيُّر في الناس وظَهَرَت الخيانةُ صارَ لا يُبابِع إلّا مَن يَعِرِفُ حاله، ثمَّ أجابَ عن إيراد مُقدَّر كأنَّ قائلاً قال له: لم تَزَل الخيانة موجودة، لأنَّ الوقت الذي أشَرْتُ إليه كان أهل الكفر فيه موجودينَ وهم أهل الخيانة، فأجابَ بأنَّه وإن (١) لفظ ((حالاً)) الثاني سقط من (س). (٢) عند الحديث رقم (٧٠٨٣). ٨٠ باب ١٤ / ح ٧٠٨٧ فتح الباري بشرح البخاري كان الأمر كذلك، لكنَّه كان يَثِقِ بالمؤمنِ لذاته وبالكافرِ لوجودِ ساعِيهِ وهو الحاكم الذي يَحَكُم عليه، وكانوا لا يستعملونَ في كلّ عمل قَلَّ أو جَلَّ إلّا المسلم، فكان واثقاً بإنصافه وتخليص حَقِّه من الكافر إن خانَه، بخِلَاف الوقت الأخير الذي أشارَ إليه، فإنَّه صارَ لا يُبَايِع إلّا أفراداً من الناس يَثِقُ بهم. وقال ابن العربيّ: قال حُذَيفة هذا القول لمَّا تَغيَّرَت الأحوال التي كان يَعِرِفها على عَهْد النُّبُوّة والخليفتَينِ، فأشارَ إلى ذلك بالمبايعة، وكَنَى عن الإيمان بالأمانةِ وعمّا يُخَالِف أحکامَه بالخيانة، والله أعلم. ١٤ - باب التَّعرُّب في الفِتْنة ٧٠٨٧- حدّثنا قُتَبِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حاتمٌّ، عن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ: أَنَّه دَخَلَ على الحَجَّاجِ، فقال: يا ابنَ الأكْوَعِ، ارتَدَدْتَ على عَقِبَيَكَ، تَعَرَّبْتَ؟ قال: لا، ولكنَّ رسولَ الله وَّ أَذِنَ لي في البَدْوِ. وعن يزيدَ بنِ أبي عُبيدٍ قال: لمَّا قُتِلَ عُثمانُ بنُ عَفّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ إلى الرَّبَذَةِ، وتزوَّجَ هناك امرأةً ووَلَدَتْ له أولاداً، فلم يَزَلْ بها حتَّى قبلَ أنْ يموتَ بلَيَالٍ نزلَ المدينةَ. ٤١/١٣ قوله: ((باب التَّعُرُّب في الفِتْنَة)) بالعينِ المهمَلة والرَّاء الثَّقيلة، أي: السُّكْنَى مع الأَعراب، بفتح الألف، وهو أن يَنْتَقِل المهاجِرُ من البلد التي هاجَرَ منها فيَسْكُن البَدْوَ، فَيَرجِعِ بعدَ هِجْرته أعرابيّاً، وكان إذ ذاكَ مُحرَّماً إلّا إنْ أَذِنَ له الشّارع في ذلك، وقَيَّدَه بالفِتْنِةِ إشارةً إلى ما وَرَدَ من الإذن في ذلك عندَ حُلول الفتن كما في ثاني حديثَي الباب، وقيل: بمَنْعِه في زمن الفِتْنة لما يَترَب عليه من خِذْلانِ أهل الحقّ، ولكنَّ نَظَرَ السَّلَف اختَلَفَ في ذلك: فمنهم مَن آثَرَ السَّلامة واعتَزَلَ الفتن كسعدٍ ومحمَّد بن مَسْلَمَةَ وابن عمر في طائفة، ومنهم مَن باشَرَ القتالَ، وهم الجمهور. ووَقَعَ في رواية كَرِيمة: ((التَّعُّب)) بالزّاي، وبينهما عموم وخصوص، وقال صاحب ((المَطالِع)): وَجَدتُه بخَطّ في البخاريّ بالزّاي وأخشَى أن يكون وَهْماً، فإن صَحَّ فمعناه البُعْد والاعتزال.