Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ باب ٦ / ح ٧٠٦٨ كتاب الفتن ابن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلّا وهو شَرّ من اليوم الذي كان قبلَه حتَّى تقوم السّاعة، لست أعني رَخاءً من العَيش يُصيبه، ولا مالاً يُفيدُه، ولكنْ لا يأتي عليكم يوم إلّا هو أقلُّ عِلماً من اليوم الذي مضى قبلَه، فإذا ذهب العلماءُ استَوى الناس، فلا يأمُرُونَ بالمعروفِ ولا يَنْهَوْنَ عن المنكر، فعندَ ذلك يَهَكونَ، ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود إلى قوله: شَرّ منه، قال: فأصابَتْنا سنة خِصْب فقال: ليس ذلك أعني، إنَّما أعني ذهابَ العلماء، ومن طريق الشَّعْبيّ عن مسروق عنه قال: لا يأتي عليكم زمان إلّا وهو أشَرُّ ممَّا كان قبلَه، أما إنّي لا أعني أميراً خيراً من أمير، ولا عاماً خيراً من عام، ولكنْ عُلَاؤُكم وفُقَهاؤكم يذهبونَ، ثمَّ لا تَجِدونَ منهم خَلَفاً، ويَجيء قوم يُفْتُونَ برأيهم، وفي لفظ عنه من هذا الوَجْه: وما ذاكَ بكَثْرة الأمطار وقِلَّتها، ولكنْ بذهابِ العلماء، ثُمَّ يَحَدُث قوم يُفْتونَ في الأُمور برأيِهِم، فيَتْلِمِونَ الإسلامَ ويَهَدِمونَه. وأخرج الدَّارِمِيُّ (١٨٨) الأوَّلَ من طريق الشَّعْبيّ بلفظ: لست أعني عاماً أخصَبَ من عام، والباقي مِثْله وزاد: وخيارُكم، قبلَ قوله: وفُقَهاؤُكم. واستَشكَلوا أيضاً زمانَ عيسى ابن مريم بعدَ زمانَ الدَّجّال، وأجابَ الكِرْمانيُّ: بأنَّ المراد الزَّمان الذي يكون بعدَ عيسى، أو المراد چِنسُ الزّمان الذي فيه الأُمراء، وإلّا فمعلوم من الدّين بالضّرورةِ أنَّ زمان النبيّ المعصوم لا شَرَّ فيه. قلت: ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنةِ ما قبلَ وجود العلامات العِظام، كالدَّجّالِ وما بعدَه، ويكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشّ من زمن الحجّاج فما بعده إلى زمن الدَّجّال، وأمّا زمن عيسى عليه السلام فله حُكْم مُستَأنَف، والله أعلم. ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمِنَةَ الصحابة، بناءً على أنَّهم هم المخاطَبونَ بذلك فَيَخْتَصّ بهم، فأمّا مَن بعدَهم فلم يُقْصَد في الخبر المذكور، لكنَّ الصحابيّ فَهِمَ التَّعميم، فلذلك أجابَ مَن شَكَا إليه الحجّاجَ بذلك وأمَرَهم بالصَّبر، وهم أو جُلَّهم من التّابعينَ. ٤٢ باب ٦ / ح ٧٠٦٨ - ٧٠٦٩ فتح الباري بشرح البخاري واستَدَلَّ ابنُ حِبّان في ((صحيحه)) (٥٩٥٢ -٥٩٥٤) بأنَّ حديث أنس ليس على عمومه بالأحاديثِ الواردة في المهديّ، وأنَّه يَمْلَأ الأرض عَدْلاً بعدَ أن مُلِئَتْ جَوْراً (١). الحديث الثاني: ٢٢/١٣ ٧٠٦٩- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ (ح) وحدَّثنا إسماعيلُ، حدّثني أخي، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمَّدِ بنِ أبي عَتِيقٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن هِنْدٍ بنتِ الحارثِ الفِرَاسِيّةِ: أنَّ أَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النبيِّ ◌َ قالت: اسْتَقَظَ رسولُ الله ◌ََّ ليلةً فَزِعاً يقولُ: ((سُبْحانَ الله! ماذا أَنزَلَ اللهُ منَ الخزائنِ؟ وماذا أَنزَلَ اللَّيلةَ منَ الفِتَنِ؟ مَن يُوقِظُ صَوَاحبَ الحُجُرات - يُرِيدُ أزواجَه - لكَيْ يُصَلِّينَ؟ رُبَّ كاسِيَةٍ فِي الدُّنيا عاريَةِ في الآخرةِ)). قوله: ((وحدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُويْس، وأخوه: هو أبو بكرِ عبد الحميد، ومحمّد ابن أبي عَتيق: هو محمَّد بن عبد الله بن أبي عَتيق محمَّد بن عبد الله بن أبي بكر، نُسِبَ لجدِّه، هكذا عَطَفَ هذا الإسنادَ النازِل على الذي قبلَه وهو أعلى منه بدَرَ جَتَين، لأَنَّه أورَدَ الأوَّل ◌ُجرَّداً في آخر كتاب الأدب (٦٢١٨) بتمامه، فلمَّا أورَدَه هنا عنه أردَفَه بالسَّندِ الآخَر، وساقَه على لفظ السَّند الثّاني، وابن شِهاب شيخ ابن أبي عَتيق: هو الزُّهْريّ شيخ شُعَيب. قوله: ((هِنْد بنت الحارث الفِرَاسيّةِ)) بكسر الفاء بعدَها راء وسين مُهمَلة، نِسبة إلى بني فِراس، بَطْن من كِنانة وهم إخوة قُرَيش، وكانت هِنْد زوجَ مَعبَد بن المِقْداد، وقد قيل: إنَّ لها صُحْبة، وتقدّم شيء من ذلك في كتاب العِلم (١١٥). قوله: (استَقَظَ رسول الله وَّل ليلةً فَزِعاً)) بنَصبِ ((ليلة))، و((فَزِعاً)) بكسر الزّاي على الحال، ووَقَعَ في رواية سفيان بن عُبَينَةَ عن مَعمَر كما مضى في العِلم (١١٥): استَقَظَ ذاتَ ليلة، وتقدَّم هناك الكلام على لفظ ((ذات))، ورواية هذا الباب تُؤيِّد أنَها زائدة، وفي رواية هشام (١) زاد في (أ) و(س) بعد هذا: ثمَّ وَجَدتُ عن ابن مسعود ما يَصلُح أن يُفسَّر به الحديث، وهو ما أخرجه الدَّارميُّ (١٨٨) بسندٍ حسن عن عبد الله قال: لا يأتي عليكم عام إلّ وهو شَرّ من الذي قبلَه، أما إنّ لست أعني عاماً. قلنا: ولم يرد هذا في (ع) هنا، وهو الصواب، فهو - على بَتْره وعدم إكماله - قد تقدم باستيفاء قبل بضعة فقرات. ٤٣ باب ٦ / ح ٧٠٦٩ كتاب الفتن ابن يوسف عن مَعمَر في قيام اللّيل(١) مِثْل الباب لكنْ بحَذْفِ ((فَزِعاً))، وفي رواية شُعَيب (٣٥٩٩) بحَذْفِهما. قوله: ((يقول: سُبْحانَ الله!)) في رواية سفيان: فقال: ((سُبْحان الله))، وفي رواية ابن المبارك عن مَعمَر في اللِّباس: استَقَظَ من اللَّيل وهو يقول: ((لا إله إلّا الله)). قوله: ((ماذا أَنزَلَ الله من الخزائن؟ وماذا أَنزَلَ اللَّيْلَةَ من الفِتَن؟» في رواية غير الكُشمِيهَنيّ: (وماذا أُنزِلَ)) بضمِّ الهمزة، وفي رواية سفيان: «ماذا أُنزِلَ اللَّيلة من الفتن؟ وماذا فُتِحَ من الخزائن؟))، وفي رواية شُعَيب(٢): ((ماذا أُنزِلَ من الخزائن؟ وماذا أُنزِلَ من الفتن؟»، وفي رواية ابن المبارَك مِثْله، لكن بتقديمٍ وتأخيرٍ وقال: ((من الفِتْنة)) بالإفراد، وقد تقدَّم الكلام على المراد بالخزائن وما ذُكِرَ معها في كتاب العِلم، و((ما)) استفهاميّة فيها معنى التَّعجُّب. قوله: ((مَن يُوقِظ صَوَاحبَ الحُجُرات؟)) كذا للأكثر، وفي رواية سفيان: ((أَيقظوا)) بصيغة الأمر مفتوح الأوَّل مكسور الثّالث، و((صَوَاحبَ)) بالنَّصب على المفعولِيّة، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ ((إِيقَظوا)) بكسر أوَّله وفتح ثالثه و ((صَوَاحبَ)) مُنادَى، ودَلَّتْ رواية: ((أَيقِظوا)) على أنَّ المراد بقولِه: ((مَن يُوقِظ)» التَّحريض على إيقاظِهنَّ. قوله: ((يريد أزواجَه، لكَيْ يُصَلِّينَ)) في رواية شُعَيب: ((حتَّى يُصَلِّينَ))، وخَلَتْ سائر الرِّوايات من هذه الزّيادة. قوله: «رُبَّ كاسيةٍ في الدُّنيا)» في رواية سفيان: ((فُرُبَّ)» بزيادةِ فاء في أوَّله، وفي رواية ابن المبارَك: ((يا رُبَّ كاسية)) بزيادةٍ حرف النِّداء في أوَّله، وفي رواية هشام: ((كم من كاسيةٍ في الدُّنيا عاريةِ يومَ القيامة)) وهو يُؤيِّد ما ذهب إليه ابنُ مالك من أنَّ(رُبَّ)) أكثرُ ما تَرِد للتَّكثير، فإِنَّه قال: أكثر النَّحْوِيّينَ أنَّها للتَّقليل، وأنَّ معنى ما يُصدَّر بها المُضِيّ، والصَّحيح أنَّ معناها (١) هو في قيام الليل برقم (١١٢٦) لكن من رواية عبد الله بن المبارك عن معمر، أما رواية هشام بن يوسف عن معمر فهي عنده في اللباس برقم (٥٨٤٤)، وسيأتي لاحقاً عزو رواية معمر إلى كتاب اللباس، فالظاهر أنه انقلب على الحافظ عزوُهما ذهولاً. (٢) يعني التي سلفت في كتاب الأدب برقم (٦٢١٨). ٤٤ باب ٦ / ح ٧٠٦٩ فتح الباري بشرح البخاري في الغالب التكثير، وهو مُقْتَضى كلام سِيبويه، فإنَّه قال في ((باب كَمْ)): واعلم أنَّ ((كم)) في الخبر لا تَعمَل إلّا فيما تَعمَل فيه ((رُبَّ))، لأنَّ المعنى واحد، إلّا أنَّ(كَمْ)) اسم و ((رُبَّ)) غير اسم. انتهى، ولا خِلَافَ أنَّ معنى كمْ الخبريّة التكثير، ولم يقع في كتابه ما يعارض ذلك فصَحّ أنَّ مَذْهَبه ما ذكرتُ، وحديث الباب شاهد لذلك، فليس مُراده أنَّ ذلك قليل، بل المنَّصِف بذلك من النِّساء كثير، ولذلك لو جُعِلَتْ ((كَمْ)) موضع ((رُبَّ)) لحَسُنَ. انتهى، وقد وَقَعَتْ كذلك في نفس هذا الحديث كما بيَّنْتُهُ، وممّا ورَدَتْ فيه للتَّكثيرِ قول حسَّان: رُبَّ حِلْمٍ أضاعَه عَدَمُ الما لِ وجَهْلٍ غَطَّى عليه النَّعِيمُ وقول عديّ: رُبَّ مأمولٍ وراج أمَلاً قدثَنَاه الدَّهرُ عن ذاكَ الأمَلْ ٢٣/١٣ قال: والصَّحيح أيضاً أنَّ الذي يُصدَّر بُرُبَّ لا يَلزَمُ كَوْنه ماضيَ المعنى، بل يجوز مُضِيُّهُ وحضورُه واستقباله، وقد اجتَمَعَ في الحديث الحضور والاستقْبال، وشواهد المضيِّ كثيرة، انتهى ملخَّصاً. وأمّا تصدير ((رُبَّ)) بحرفِ النِّداء في رواية ابن المبارك، فقيل: المنادَى فيه محذوف، والتَّقدير: يا سامعينَ. قوله: ((عاريةٍ في الآخرة)) قال عِيَاض: الأكثر بالخَفْضِ على الوَصْف للمجرور بُرُبَّ. وقال غيره: الأَولى الرَّفع على إضمار مُبتَدَأ، والجملة في موضع النَّعْت، أي: هي عاريةٌ، والفِعْل الذي يَتَعلَّق به «رُبَّ)) محذوف. وقال السُّهَيلِيُّ: الأحسَن الخفض على النَّعت، لأنَّ ((رُبَّ)) حرف جرِّ يَلَزَم صَدْرَ الكلام، وهذا رأي سيبويه، وعندَ الکِسائيّ هو اسم مُبتَدأ والمرفوع خبرُه، وإليه کان یذهب بعض شیوخنا، انتھی. واختُلِفَ في المراد بقوله: ((كاسية)) و((عارية)) على أوجُه: أحدها: كاسية في الدُّنيا بالثّيابِ لوجودِ الغِنَى، عارية في الآخرة من الثَّواب لعَدَم العمل في الدُّنيا، ثانيها: كاسية بالثّياب ٤٥ باب ٧ / ح ٧٠٧٠ - ٧٠٧١ كتاب الفتن لكنَّها شفّافة لا تَستُر عورتها، فتُعاقب في الآخرة بالعُزي جزاءً على ذلك، ثالثها: كاسية من نِعَم الله عارية من الشُّكْر الذي تَظهَر ثَمَرَته في الآخرة بالثَّواب، رابعها: كاسية جسدَها لكنَّها تَشُدّ خِارَها من ورائها فيَبدُو صَدْرُها، فتصير عارية فتُعاقَب في الآخرة، خامسها: كاسية من خُلْعة التزوُّج بالرجلِ الصالح عارية في الآخرة من العمل، فلا يَنفَعُها صلاح زَوْجها كما قال تعالى: ﴿فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ذكر هذا الأخيرَ الطِّييُّ ورَجَّحَه لمناسَبة المقام، واللَّفظة وإن وَرَدَتْ في أزواج النبيّ وَّهِ، لكنَّ العِبْرة بعموم اللَّفظ، وقد سَبَقَ لنحوِهِ الذَّاوُوديُّ فقال: كاسية للشَّرَفِ في الدُّنيا لكَوْنها أهلَ التَّشريف، وعارية يومَ القيامة، قال: ويحتمل أن يُرادَ عارية في النار، والله أعلم. قال ابن بَطّال: في هذا الحديث أنَّ الفُتوح في الخزائن تَنْشَأ عنه فِتْنَة المال بأنْ يُتَنَافَس فيه، فيقع القتال بسببِهِ، وأن يُخَلَ به فيُمنَعَ الحقُّ، أو يَبَطَرَ صاحبه فيُسِرِف، فأرادَ وَّلـ تحذيرَ أزواجه من ذلك كلّه، وكذا غيرهنَّ مَمَّن بَلَغَه ذلك، وأراد بقوله: ((مَن يُوقِظ)) بعض خَدَمه كما قال يومَ الخندَق: ((مَن يأتيني بِخَبَرِ القوم))(١) وأرادَ أصحابه، لكن هناك عُرِفَ الذي انتَدَب کما تقدَّم وهُنا لم يُذكر. وفي الحديث النَّدْبُ إلى الدُّعاء، والتَّضَرُّعِ عندَ نزول الفِتْنَة، ولا سيّما في اللَّيل لرَجاءٍ وقت الإجابة لتُكشَفَ أو يَسْلِمَ الدّاعي ومَن دَعَا له، وبالله التَّوفيق. ٧- باب قولِ النبيِّ وَالَ: (مَن كَلَ علينا السِّلاحَ فليس مِنّا)» ٧٠٧٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمر رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َّم قال: «مَن ◌َلَ علينا السِّلاحَ فليس مِنّا». ٧٠٧١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَیدِ، عن أبي بُزْدَ، عن أبي موسى، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((مَن ◌َلَ علينا السِّلاحَ فليس مِنّا)). (١) سلف في الجهاد برقم (٢٨٤٦). ٤٦ باب ٧ / ح ٧٠٧٠ -٧٠٧١ فتح الباري بشرح البخاري ٢٤/١٣ قوله: ((باب قول النبيّ وَّ مَن حَمَلَ علينا السِّلاح فليس مِنّا)) ذكره من حديث ابن عمر ومن حديث أبي موسى، وأورَدَ معهما في الباب ثلاثة أحاديث أُخرى. الأول والثاني: قوله: ((مَن ◌َمَلَ علينا السِّلاح)) في حديث سَلَمة بن الأكْوَعِ عندَ مسلم (٩٩): ((مَن سَلَّ علينا السَّيف))، ومعنى الحديث: حمل السِّلاح على المسلمين لقتالهم به بغير حَقّ، لما في ذلك من تخويفهم وإدخال الرُّعْب عليهم، وكأنَّه كَنَّى بالحملِ عن المقاتلة أو القتل للمُلازَمة الغالبة. قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يُراد بالحَمْلِ ما يُضادُّ الوضعَ ويكون كِنايةً عن القتال به، ويحتمل أن يُراد بالحملِ حملُه لإرادة القتال به لقَرِينةِ قوله: ((علينا» ويحتمل أن يكون المراد حملَه للضَّرْبِ به، وعلى كلّ حال ففيه دلالةٌ على تحريم قتال المسلمين والتَّشديد فيه. قلت: جاءَ الحديث بلفظ: ((مَن شَهَرَ علينا السِّلاحَ)) أخرجه البزَّار (٣٦٤١) من حديث أبي بَكْرة، ومن حديث سَمُرة (٤٦١٩)، ومن حديث عَمْرو بن عَوْف (٣٣٩١)، وفي سند كلٍّ منها لِين، لكنَّها يَعضُد بعضها بعضاً، وعندَ أحمد (٨٢٧٠) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((مَنْ رَمَانا بالنَّبْلِ فليس مِنّ))، وهو عندَ الطَّبَرانيّ في ((الأوسط)) (٩٣٤٠) بلفظ «اللَّيل)) بَدَلَ: النَّبْل، وعندَ البَزَّار (٤٤٦٠) من حديث بُرَيدة مِثْله. قوله: ((فليس مِنّا)) أي: ليس على طريقتِنا، أو ليس مُتَّبِعاً لطريقتِنا، لأنَّ من حَقّ المسلم على المسلم أن يَنصُرَه ويقاتل دونَه، لا أن يُرعِبَه بحَمْلِ السِّلاح عليه لإرادةِ قتاله أو قَتْله، ونَظِيره: ((مَن غَشَّنا فليس مِنّ))(١)، و((ليس مِنّا مَن ضَرَبَ الخُدود وشَقَّ الجُيوب))(٢)، وهذا في حَقّ مَن لا يَستَحِلّ ذلك، فأمّا مَن يَستَحِلُّه فإنَّه يَكفُر باستِحلالِ المحرَّم بشَرْطِهِ لا مُجرَّدٍ حَمْل السِّلاح، والأَولى عندَ كثير من السَّلَف إطلاقُ لفظ الخبر من غير تَعرُّض لتأويلِه ليكونَ أبلَغَ في الزَّجْرِ، وكان سفيان بن عُيَينَةَ يُنكِرِ على مَن (١) أخرجه مسلم (١٠٢)، وأبو داود (٣٤٥٢) والترمذي (١٣١٥)، وابن ماجه (٢٢٢٤) من حديث أبي هريرة. (٢) سلف عند البخاري برقم (١٢٩٤) من حديث ابن مسعود. ٤٧ باب ٧ / ح ٧٠٧٢ كتاب الفتن يَصرِفه عن ظاهره فيقول: معناه: ليس على طريقتنا، ويَرَى أنَّ الإمساك عن تأويله أَولى لما ذَكَرْناه، والوعيد المذكور لا يَتَناول مَن قاتَلَ البُغاةَ من أهل الحقّ، فيُحمَل على البُغاة، وعلى مَن بَدَأ بالقتالِ ظالماً. الحديث الثالث: ٧٠٧٢- حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَرٍ، عن همَّامِ، سمعتُ أبا هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َّةِ، قال: ((لا يُشِيرُ أحدُكم على أخيه بالسِّلاح، فإنَّه لا يَدْري لعلَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ في يدِه، فيَقَعُ في حُفْرةٍ منَ النارِ)). قوله: ((حدَّثْنا محمَّد، أخبرنا عبد الرَّزّاق)) كذا في الأُصول التي وَقَفتُ عليها، وكذا ذكر أبو عليٍّ الجَيَّانيّ أنَّه وَقَعَ هنا وفي العِثْق (٢٥٥٢): حدَّثنا محمَّد - غير منسوب - عن عبد الرَّزاق، وأنَّ الحاكم جَزَمَ بأنَّه محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيُّ؛ إلى آخر كلامه، ويحتمل أن يكون محمَّد هنا هو ابنَ رافع، فإنَّ مسلماً أخرج هذا الحديث (٢٦١٧) عن محمَّد بن رافع عن عبد الرَّزّاق، وقد أخرجه أبو نُعيم في ((المستَخرَج)) من مُسنَد إسحاق بن راهويه ثمَّ قال: أخرجه البخاريّ عن إسحاق؛ ولم أرَ ذلك لغيرِ أبي نُعيم، ويَدُلّ على وَهِْه أنَّ في رواية إسحاق عن عبد الرَّزّاق: حدَّثنا مَعمَر، والذي في البخاريّ: عن مَعمَر. قوله: ((لا يشيرُ أحدُكم إلى أخيه بالسِّلاح)) كذا فيه بإثبات الياء وهو نَفيٌّ بمعنى النَّهي، ووَقَعَ لبعضِهم: ((لا يُشِرْ)) بغير ياء وهو بلفظِ النَّهي، وكلاهما جائزٌ. قوله: ((فإِنَّه/ لا يَدْري لعلَّ الشَّيطان يَنزَغْ في يده)» بالغَيْن المعجَمة، قال الخليل في ((العَين)): ٢٥/١٣ نَزَغَ الشَّيطانُ بينَ القوم نَزْغاً: ◌َلَ بعضَهم على بعض بالفساد، ومنه: ﴿مِنْ بَعْدٍ أَن تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وفي رواية الكُشمِيهَنيّ بالعَينِ المهمَلة، ومعناه: فَلَعَ، ونَزَعَ بالسَّهْمِ: رَمَى به، والمراد: أنَّه يُغْرِي بِينَهم حتَّى يَضرِب أحدُهما الآخرَ بسلاحه، فيُحقِّق الشَّيطان ضَرْبتَه له، وقال ابن التِّين: معنى يَنزِعه: يَقْلَعه من يده فيُصيب به الآخَرِ، أو یَشُدّ يده فيصيبه. ٤٨ باب ٧ / ح ٧٠٧٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال النَّوويّ: ضَبَطْناه ونَقَلَه عِيَاض عن جميع روايات مسلم بالعَينِ المهمَلة، ومعناه: يَرْمي به في يده ويُحقِّق ضَرْبتَه، ومَن رواه بالمعجَمةِ فهو من الإغراء، أي: يزيِّن له تحقيق الضَّرْبة. قوله: ((فَقَع في حُفْرة من النار)) هو كِنايةٌ عن وقوعه في المعصية التي تُقْضي به إلى دخول النار، قال ابن بَطّال: معناه: إن أُنِفِذَ عليه الوعيد. وفي الحديث النَّهيُّ عَّا يُفْضي إلى المحذور، وإن لم يكن المحذور مُحقَّقاً، سواء كان ذلك في جِدٍّ أو هَزْل، وقد وَقَعَ في حديث أبي هريرة عندَ ابن أبي شَيْبة وغيره مرفوعاً من رواية ضَمْرة بن ربيعة عن محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة عنه: ((الملائكة تَلْعَن أحدكم إذا أشارَ إلى الآخَر بحديدةٍ، وإن كان أخاه لأبيه وأُمّه))(١)، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢١٦٢م) من وجه آخَر عن أبي هريرة موقوفاً من رواية أيوب عن ابن سِيرِين عنه، وأخرج التِّرمِذيّ (٢١٦٢) أصله مرفوعاً (٢) من رواية خالد الحذَّاء عن ابن سِيرِين بلفظ: «مَن أشارَ إلى أخيه بحديدةٍ لَعَنَتْه الملائكة)) وقال: حسن صحيح غريب، وكذا صَحَّحَه أبو حاتم(٣) من هذا الوَجْه، وقال في طريق ضَمْرة: منكر، وأخرج التِّرمِذيّ (٢١٦٣) بسند صحيح عن جابر: نَهَى رسول الله ◌ِ ◌َّ أن يُتَعاطَى السَّيفُ مَسْلولاً، ولأحمدَ (١٤٩٨٠) والبزَّار(٤) من وجه آخَر عن جابر: أنَّ النبيّ ◌َِّ مرَّ بقومٍ في مَجَلِس يَسُلّونَ سيفاً يَتَعاطَوْنَه بينَهم غير مَغْمود، فقال: ((ألم أزجُرْ عن هذا؟ إذا سَلَّ أحدُكم السَّيف فلْيُغمِدْه ثمَّ ليُعطِه أخاه))، ولأحمدَ (٢٠٤٢٩) والطَّبَرانيّ بسندٍ جيّد عن أبي بَكْرَةَ نحوه، وزاد: ((لَعَنَ اللهُ مَن فعل هذا، إذا سَلَّ أحدكم سيفَه فأرادَ أن يُناوِلَه أخاه، فلْيُغِدْه ثمّ یُناوِله إیّاه)). (١) لم نقف عليه في ((مصنف ابن أبي شيبة)) من هذا الطريق، وهو عنده ١٠٦/١٥ من طريق ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وعنه أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢٦١٦)، ففات الحافظ أن يعزوه له! وأما رواية ضمرة بن ربيعة فقد أخرجها الطبراني في ((الأوسط)) (٦٦٧١) من طريقه عن عبد الله بن شَوْذَب عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، فأسقط الحافظُ من سنده ابنَ شوذب. (٢) تحرف في (س) إلى: موقوفاً. (٣) انظر («العلل)) لابن أبي حاتم (٢٧٣٧) و(٢٧٦٧). (٤) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٣٣٣٥). ٤٩ باب ٧ / ح ٧٠٧٣ - ٧٠٧٤ كتاب الفتن قال ابن العربيّ: إذا استَحقَّ الذي يشير بالحديدة اللَّعْنَ، فكيفَ الذي يُصيب بها؟ وإنَّما يَسْتَحِقّ اللَّعْن إذا كانت إشارته تهديداً، سواء كان جادّاً أم لاعِباً كما تقدَّمَ، وإنَّما أُوخِذَ (١) اللّعِبُ لما أدخَلَه على أخيه من الرَّوْعِ، ولا يَخْفَى أنَّ إثم الهازِل دونَ إثم الجادّ، وإنَّما نُهيَ عن تعاطي السَّيف مَسْلولاً لما يُخاف من الغَفْلةِ عندَ التَّنّاوُل فيَسقُط فيُؤْذي. الحديث الرابع: حديث جابر. ٧٠٧٣- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: قلتُ لعَمرِو: يا أبا محمَّدٍ، سمعتَ جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: مَرَّ رجلٌ بسِهام في المسجدِ، فقال له رسولُ الله وَلِ: ((أَمْسِكْ بنِصَالِها» قال: نَعَم. ٧٠٧٤ - حدَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ، عن جابرٍ: أنَّ رجلاً مَّ في المسجدِ بأسهُم، قد بَدَا نُصولُها، فَأُمِرَ أنْ يأخُذَ بنُصولِها لا تَخِدِشُ مُسلِماً. قوله: ((قلت لعَمٍو)) يعني: ابن دينار، وقد صَرَّحَ به في رواية مسلم (١٢١/٢٦١٤)، وعَمْرو بن دينار هو القائل: نَعَم، جواباً لقولٍ سفيان له: أسمعتَ جابراً؟ وقد تقدَّم البحث في ذلك في أوائل المساجد من كتاب الصلاة (٤٥١). قوله في الطريق الثانية (٢): ((بأسهُم)) هو جمع قِلّة يَدُلّ على أنَّ المراد بقوله في الطَّريق الأولى: بسِهامِ، أَّهَا سِهام قليلة، وقد وَقَعَ في روايةٍ لمسلم (١٢٢/٢٦١٤) أنَّ المارَّ المذكور کان یتصدَّق بها. قوله: ((قد بَدَ)) في رواية غيرِ الكُشمِيهَنيّ: ((أبدَى)) والنُّصُول بضمَّتَينِ: جمع نَصْل، بفتح النُّون وسكون المهمَلة، ويُجمَع على نِصَال بكسر أوَّله كما في الرِّواية الأولى، والنَّصْل: حدیدة السَّهْم. قوله: ((فأمَرَه أنْ يأخُذَ بنُصولِها)) يُفسِّر قولَه في الرّواية الأُخرى: ((أمسِكْ بنِصالِها». (١) في (أ) و(ع): واخَذَ، والمثبت من (س). (٢) تحرفت في (س) إلى: الثالثة. ٥٠ باب ٨ / ح ٧٠٧٥ -٧٠٧٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لا يَخدِشُ مسلماً) بمُعجَمْتَين، هو تعليل للأمرِ بالإمساكِ على النِّصال، والخَدْش: أوَّل الجِراح. ٧٠٧٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إذا مرَّ أحدُكم في مسجدِنا، أو في سُوقِنا، ومعه نَبْلٌ فَلْيُمسِكْ على نِصَالِها - أو قال: فَلْيَقبِضْ بِكَفِّه - أنْ يُصِيبَ أحداً منَ المسلمينَ منها بشيءٍ)». الحديث الخامس: حديث أبي موسى، وهو بإسنادِ ((مَن حَمَلَ علينا السِّلاحَ)) (٧٠٧١). قوله: ((إذا مرَّ أحدُكم ... )) إلى آخره، فيه أنَّ الحُكْم عامٌّ في جميع المكلّفين، بخِلَاف حديث جابر فإنَّه واقعةٌ حالٍ لا تَستَلِزِم التَّعميم. وقوله: ((فلْيَقِضْ بكَفِّه)) أي: على النِّصال، وليس المراد خُصوصَ ذلك، بل يَحِص على أن لا يُصيبَ مسلماً بوَجْهٍ من الوجوه كما دَلَّ عليه التَّعليل بقولِه: ((أنْ يُصيبَ أحداً من المسلمين منها بشيءٍ)). وقوله: ((أنْ يُصيبَ بها)) بفتح أنْ، والتَّقدير: كراهيةً، ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٦١٥/ ٢٦/١٣ ١٢٤): (لئلّا يُصيب/ بها))، وهو يُؤيِّد مَذهَب الكوفيّينَ في تقدير المحذوف في مِثْله، وزاد مسلم في آخر الحديث: سَدَّدْنا بعضُنا إلى وجوه بعض، وهي بالسِّين المهمَلة، أي: قَوَّمْناها إلى وجوههم، وهي كِناية عمَّا وَقَعَ من قتال بعضهم بعضاً في تلك الحروب الواقعة في الجمل وصِفّين، وفي هذَينِ الحديثَينِ تحريم قتال المسلم وقَتْله وتغليظ الأمر فيه، وتحريم تعاطي الأسباب المُفْضية إلى أذِيَّته بكلِّ وَجْه، وفيه حُجّة للقولِ بسَدِّ الذَّرائع. ٨- باب قولِ النبيِّ ◌َلَّ: ((لا تَرچِعوا بَعْدي كفَّاراً یَضرِبُ بعضُکم رِقابَ بعضٍ» ٧٠٧٦- حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثني أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثْنَا شَقِيقٌ، قال: قال عبدُ الله: قال النبيُّ ◌َّ: ((سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ، وقتالُهُ كُفْرٌ)). ٥١ باب ٨ / ح ٧٠٧٧ كتاب الفتن ٧٠٧٧ - حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثْنا شُعْبَةُ، أخبَرَني واقدُ بنُ محمَّد، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ، أَنَّه سَمِعَ النبيَّ ◌ِلَّه يقولُ: ((لا تَرجِعونَ بَعْدي كفَّاراً يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ». قوله: ((باب قول النبيّ وَلّ: لا تَرجِعوا بَعْدي كفَّاراً ... )) إلى آخره، تَرجَمَ بلفظِ ثالث ٢٧/١٣ أحاديث الباب، وفيه خمسة أحاديث: الحديث الأول: قوله: ((حدَّثنا عمر بن حَفْص)) هو ابن غِيَاث، وشَقِيق: هو أبو وائل، والسَّندُ كلّه کوفیّونَ. قوله: (سِبَاب)) بكسر المهمَلة وموخَّدتَينِ وتخفيف، مَصدَر، يُقال: سَبَّه يَسُبُّهُ سَبّاً وسِباباً. وهذا المتن قد تقدَّم في كتاب الإيمان (٤٨٢) أوَّلَ الكتاب من وجه آخَرَ عن أبي وائل، وفيه بيان الاختلاف في رَفْعه ووَقْفه، وتقدَّم توجيه إطلاق الكفر على قتال المؤمن، وأنَّ أقوى ما قيل في ذلك أنَّه أُطلِقَ عليه مُبالَغةً في التَّحذير من ذلك، ليَنزَجِرَ السّامِعُ عن الإقدام عليه، أو أنَّه على سبيل التَّشبيه؛ لأنَّ ذلك فعلُ الكافر، كما ذَكَروا نظيرَه في الحديث الذي بعده. ووَرَدَ لهذا الحديث سببٌ أخرجه البَغَويُّ والطَّبَرانيُّ (١٧/ ٨٠) من طريق أبي خالد الوالِيّ عن عَمْرو بن النُّعْمان بن مُقرِّن المُزَنيِّ قال: انتهى رسول الله وَّه إلى مَجَلِس من مجالس الأنصار ورجل من الأنصار كان عُرِفَ بالبَذاءِ ومُشائمة الناس، فقال رسول الله وَلَه : ((سِبابُ المسلم فُسوق، وقتاله كُفر))، زاد البَغَويُّ في روايته: فقال ذلك الرجل: والله لا أُسابُ رجلاً. الحديث الثاني: قوله: ((واقد بن محمَّد)) أي: ابن زيد بن عبد الله بن عمرَ. قوله: ((لا تَرجِعونَ بَعْدي)) كذا لأبي ذرِّ بصيغة الخبر، وللباقينَ: ((لا تَرجِعوا)) بصيغة النَّهي، وهو المعروفُ. قوله: ((كفَّاراً» تقدَّم بيانُ المراد به في أوائل كتاب الدّيات (٦٨٦٨)، وجملة الأقوال فيه ثمانية، ثمَّ وَقَفتُ على تاسع: وهو أنَّ المراد سَتْر الحقّ، والكفر لُغة: السَّتْر، لأنَّ حَقّ المسلم على المسلم أن يَنصُره ويُعِينه، فلمَّا قاتَلَه كأنَّه غَطَّى على حَقّه الثّابت له عليه، وعاشر: وهو ٥٢ باب ٨ / ح ٧٠٧٨ فتح الباري بشرح البخاري أنَّ الفِعْلِ المذكور يُفْضي إلى الكفر، لأنَّ مَن اعتادَ الهجوم على كِبار المعاصي، جَرَّه شُؤْمُ ذلك إلى أشدَّ منها، فيُخشَى أن لا يُختَمَ له بخاتمة الإسلام. ومنهم مَن جعله من لُبْس السِّلاح، يقول: كَفَرَ فوقَ دِرْعه: إذا لَبِسَ فوقَها ثوباً، وقال الدَّاوُوديُّ: معناه: لا تفعلوا بالمؤمنينَ ما تفعلونَ بالكفَّار، ولا تفعلوا بهم ما لا يَحِلّ وأنتم تَرَوْنَه حَراماً. قلت: وهو داخل في المعاني المتقدِّمة. واستَشكَلَ بعضُ الشُّاح غالبَ هذه الأجوبة بأنَّ راوي الخبر، وهو أبو بَكْرة، فَهِمَ خِلَافَ ذلك، والجواب: أنَّ فهمَه ذلك إنَّما يُعرَف من تَوقُّفه عن القتال واحتجاجه بهذا الحديث، فيحتمل أن يكون تَوقّفُه بطريق الاحتياط لما يحتملُه ظاهر اللَّفظ، ولا يَلزَم أن يكون يَعتَقِد حقيقةً كُفرِ مَن باشَرَ ذلك، ويُؤْيِّده أنَّه لم يَمتَنِعِ من الصلاة خَلْفَهم ولا امتثال أوامرهم، ولا غير ذلك مَّ يَدُلّ على أنَّه يَعتَقِد فيهم حقيقةَ الكفر، والله المستعان. قوله: ((يَضِب بعضُكم رِقَابَ بعض) بجَزْمِ (يَضرِب)) على أنَّه جواب النَّهي، وبرَفعِه على الاستثناف، أو يُجُعَل حالاً، فعلى الأوَّل يَقوى الحملُ على الكفر الحقيقيّ، ويحتاج إلى التَّأويل بالمستَحِلِّ مَثَلاً، وعلى الثّاني لا يكون مُتعلِّقاً بما قبلَه، ويحتمل أن يكون مُتعلِّقاً وجوابه ما تقدَّم. الحديث الثالث: ٧٠٧٨- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنَا قُرَةُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا ابنُ سِيرِينَ، عن عبدِ الرَّحمنِ ابنِ أبي بَكْرةَ، عن أبي بَكْرَةَ - وعن رجلٍ آخَرَ هو أفضلُ في نفسي مِن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبي بَكْرَةَ -: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ خَطَبَ الناسَ فقال: ((ألا تَدْرونَ أيُّ يوم هذا؟» قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلَمُ، قال: حتَّى ظنًا أنَّه سيُسمِّيه بغيرِ اسمِه، فقال: ((أليس بيومِ النَّحْرِ؟)) قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: «أُّ بلدٍ هذا؟ أليست بالبَلْدةِ؟» قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: «فإنَّ دِماءَکم وأموالكم وأعراضَكم وأبشارَكم عليكم حرامٌ، كحُرْمةِ يومِكم هذا، في شَهرِكم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بَلَّغْتُ؟)) قلنا: نَعَم، قال: «اللهُمَّ اشهَدْ، فَلْيُلِّغِ الشّاهدُ الغائبَ، فإِنَّ رُبَّ مُبلَّغ يُبلِّغُه مَن هو أَوْعَى له))، فكان كذلك، قال: ((لا تَرجِعُوا بَعْدي كفَّاراً يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ)). ٥٣ باب ٨ / ح ٧٠٧٨ كتاب الفتن فلمَّا كان يومَ حُرِّقَ ابنُ الحَضْرَمِيِّ، حينَ حَرَّقَه جاريةُ بنُ قُدَامَةَ، قال: أَشرِفوا على أبي بَكْرةَ، فقالوا: هذا أبو بَكْرةَ يَراكَ. قال عبدُ الرّحمنِ: فحَدَّثَتْني أمّي عن أبي بَكْرةَ أَنَّه قال: لو دَخَلُوا عليَّ ما بَهِشْتُ بِقَصَيةٍ. قوله: ((يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، والسَّندُ كلّه بصريُّونَ. قوله: ((ابن سِيرِينَ)) هو محمَّد. قوله: ((وعن رجل آخرَ)) هو حُميدُ بن عبد الرَّحمن الحِمْيَريّ کما وَقَعَ مُصرَّحاً به في ((باب الخُطْبة أيامٍ مِنَى)) من كتاب الحجّ (١٧٤١)، وقد تقدَّم شرح الخُطْبة المذكورة في كتاب الحجّ. وقوله: ((أبشاركم)) بموخَّدةٍ ومُعجَمة جمع بَشَرة: وهو ظاهر جِلْد الإنسان، وأمّا البشر الذي هو الإنسان فلا يُثَنَّى ولا يُجمَع، وأجازَه بعضهم لقولِه تعالى: ﴿فَقَالُواْ أَنُوْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧]. وقوله: ((فإِنَّه)) الهاء ضمير الشَّأْن. وقوله: (رُبَّ مُبلَّغٍ) بفتح اللّام الثَّقيلة(١) و((يُبلِّغه) بكسرها. وقوله: «مَن هو)» في روایة الگُشمِیھنيّ: ((لمن هو)). قوله: ((أوْعَى له)) زاد في رواية الحجّ: ((مِنْه))(٢). قوله: ((فكان كذلك)) هذه جملة موقوفة من كلام محمَّد بن سِيرِين تَّخْلَّلَتْ بينَ الجُمَل المرفوعة كما وَقَعَ التَّنبيه عليه واضحاً في ((باب ليُبلِّغ العِلمَ الشّاهدُ الغائبَ)) من كتاب العِلم (١٠٥). (١) كذا قال الحافظ، وقد ضبطه الكرماني بكسر اللام وصوَّبه العيني في ((عمدة القاري)) ١٨٩/٢٤، وذكر القسطلّاني في ((إرشاد الساري) ١٧٩/١٠ أنه في اليونينية بكسر اللام وفي بعض فروعها بفتحها. قلنا: والكسر أوجه، والهاء في ((يبلِّغه)) مفعول أول يرجع إلى الحديث المذكور، و((مَن)) وصلتها مفعول ثانٍ. (٢) الذي في الحج برقم (١٧٤١) بلفظ: ((أوعى من سامع))، لكن سلف في العلم برقم (٦٧) بلفظ: ((أوعى له منه)». ٥٤ باب ٨ / ح ٧٠٧٨ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨/١٣ قوله: ((قال: لا تَرجِعوا)) هو بالسَّندِ / المذكور من رواية محمَّد بن سِيرِين عن عبد الرَّحمن ابن أبي بَكْرة عن أبي بَكْرة، وقد قال البزَّار (٣٦١٧) بعدَ تخريجه بطولِه: لا نعلمُ مَن رواه بهذا اللَّفظ إلّا قُرّة عن محمّد بن سِیرین. قوله: «فلمَّا كان يومَ حُرِّقَ ابنُ الحَضْرَميّ)) في رواية محمَّد بن أبي بكر المقدَّميّ عن يحيى القَطّان عندَ الإسماعيليّ: قال: فلمَّا كان، وفاعل ((قال)) هو عبد الرَّحمن بن أبي بكرة، وحُرِّقَ بضمِّ أوَّله على البناء للمجهول. ووَقَعَ في خَطّ الدِّمْياطيّ: الصَّواب: أُحْرِقَ، وتَبِعَه بعض الشُّرّاح، وليس الآخَر بخَطَأْ، بل جَزَمَ أهل اللُّغَة باللُّغَتَيْنِ: أحرَقَه وحَرَقَه، والتَّشديد للتَّكثير، والتَّقدير هنا: يومَ حُرِّقَ ابنُ الحَضْرَميّ ومَن معه، وابن الحَضْرَميّ فيما ذكره العَسْكَريّ اسمه: عبد الله بن عَمْرو ابن الحَضْرَميّ، وأبوه عَمرو هو أوَّل مَن قُتِلَ من المشركينَ يومَ بَدْر، وعلى هذا فلعبدِ الله رُؤية، وقد ذكره بعضهم في الصحابة، ففي ((الاستيعاب)): قال الواقديُّ: وُلِدَ على عَهْد رسول الله وَل، وروى عن عمر، وعندَ المدائنيّ: أنَّه عبد الله بن عامر بن الحضرميّ، وهو ابن عَمْرو المذكور، والعلاء بن الحَضْرَميّ الصحابيّ المشهور عمُّه، واسم الحَضْرَميّ: عبد الله بن عِماد، وكان حالَفَ بني أُميّة في الجاهليّة، وأُمُّ ابن الحَضْرَميّ المذكور أرنَبُ بنت كُریز بن ربيعة، وهي عمّة عبد الله بن عامر بن كريز الذي كان أمير البصرة في زمن عثمان. قوله: ((حينَ حَرَّقَه جاريةُ)) بجيمٍ وتحتانيّة ((بنُ قُدامَ)) أي: ابن مالك بن زُهَير بن الخُصَين التَّميميّ السَّعْديّ، وكان السَّبب في ذلك ما ذكره العسكريّ في ((الصحابة))، قال: كان جاریةُ يُلقَّبِ مُحرِّقاً، لأنَّه أحرَقَ ابنَ الحَضْرَميّ بالبصرة، وكان معاويةٌ وَجَّهَ ابن الحَضْرَميّ إلى البصرة ليَستَنَفِرَهم على قتال عليّ، فَوَجَّهَ عليٌّ جاريةَ بن قُدامةَ فحَصَرَه، فتَحَصَّنَ منه ابن الحَضْرَميّ في دار فأحرَقَها جاریة علیه. وذكر الطَّبَرُّ في حوادث سنة ثمانٍ وثلاثينَ من طريق أبي الحسن المدائنيّ، وكذا أخرجه عمر بن شَبّة في ((أخبار البصرة)): أنَّ عبد الله بن عبّاس خَرَجَ من البصرة وكان عامِلَها لعليٍّ ٥٥ باب ٨ / ح ٧٠٧٨ كتاب الفتن واستَخْلَفَ زيادَ ابن سُمَيّة على البصرة، فأرسَلَ معاوية عبد الله بن عَمْرو بن الحَضْرَميّ ليأخُذَ له البصرة، فنَزَلَ في بني تَميم، وانضَمَّت إليه العُثمانيّة، فَكَتَبَ زياد إلى عليّ يَستَنْجِده، فأرسَلَ إليه أعيَنَ بن ضُبَيعةَ المجاشِعِيّ فقُتِلَ غِيلةً، فَبَعَثَ عليّ بعده جاريةً بن قُدَامةَ فحَصَرَ ابنَ الحَضْرَميّ في الدّار التي نَزَلَ فيها، ثمَّ أحرَقَ الدّار عليه وعلى مَن معه، وكانوا سبعينَ رجلاً أو أربعين، وأنشَدَ في ذلك أشعاراً، فهذا هو المعتمد. وأمّا ما حكاه ابن بَطّال عن المهلَّب: أنَّ ابن الحَضْرَميّ رجل امتَنَعَ من الطّاعة، فأُخرج إليه جاريةُ بن قُدامَةَ فصَلَبَه على جِذْعِ ثمَّ ألْقَى النارَ في الجِذع الذي صُلِبَ علیه، فما أدري ما مُستَندُه فيه، وكأنَّه قاله بالظَّنّ، والذي ذكره الطََّريُّ هو الذي ذكره أهل العِلم بالأخبار، وكان الأحنَفُ يَدْعو جاريةَ عّ إعظاماً له، قاله الطََّرِيُّ، وماتَ جارية في خِلَافة يزيد بن معاوية، قاله ابن حِبّان، ويُقال: إنَّه جُوبِرِية بن قُدامةَ الذي روى قصَّة قَتْل عمر كما تقدَّم. قوله: ((قال: أشرفوا على أبي بَكْرة)) أي: اطَّلِعوا من مكان مُرتَفِع، فَرَأَوه، زاد البَزَّار (٣٦١٧) عن يحيى بن حَكيم عن القَطّان: وهو في حائط له. قوله: ((فقالوا: هذا أبو بَكْرة يَراك)) قال المهلَّب: لمَّا فعل جاريةُ بابنِ الحَضْرَميّ ما فعل، أمَرَ جارية بعضَهم أن يُشرِفوا على أبي بَكْرة ليَختَبِرِ إنْ كان محارِباً أو في الطّاعة، وكان قد قال له خَيْئمةُ: هذا أبو بَكْرة يَراك وما صَنَعْتَ بابنِ الحَضْرَميّ، فرُبَّما أنكَرَه عليك بسلاحِ أو بكلام، فلمَّا سَمِعَ أبو بكرة ذلك وهو في عِلِّيّة له قال: لو دخلوا عليَّ داري ما رَفَعتُ عليهم قَصَبة، لأنّ لا أرَى قتال المسلمين، فكيفَ أن أُقاتلهم بسلاح؟! قلت: ومُقتَضى ما ذكره أهل العِلم بالأخبار كالمدائنيٍّ: أنَّ ابن عبّاس كان استَنفَرَ أهل البصرة بأمرٍ عليٍّ ليُعاوِدوا مُحارَبة معاوية بعدَ الفراغ من أمر التَّحكيم، ثمَّ وَقَعَ أمر الخوارج فسارَ ابن عبّاس إلى عليّ فشَهِدَ معه النَّهْروان، فأرسَلَ بعضُ عبد القيس في غَيْبته إلى معاوية يُخْبِره أنَّ بالبصرةِ جماعةً من / العثمانيّة، ويَسْأله توجيه رجل يَطلُب بدَم عثمان، فوَجَّهَ ابنَ ٢٩/١٣ الحَضْرَميّ، فكان من أمره ما كان، فالذي يَظهَر أنَّ جارية بن قُدامةَ بعدَ أن غَلَبَ وحَرَّقَ ٥٦ باب ٨ / ح ٧٠٧٨ فتح الباري بشرح البخاري ابنَ الحَضْرَميّ ومَن معه استَنَفَرَ الناس بأمرٍ عليّ، فكان من رأي أبي بَكْرة تركُ القتال في الفِتْنة كرَأْي جماعة من الصحابة، فدَلَّ بعضُ الناس على أبي بَكْرة ليُلزِموه الخروجَ إلى القتال، فأجابهم بما قال. قوله: ((قال عبد الرَّحمن)» هو ابن أبي بَكْرة الرَّاوي، وهو موصول بالسَّندِ المذكور. قوله: ((فحَدَّثَتْني أمّي)) هي هالة بنت غليظ العِجْليّة، ذكر ذلك خليفة بن خَيّاط في ((تاريخه))، وتَبِعَه أبو أحمد الحاكم وجماعة، وسَمَّى ابن سعد أمَّه هَوْلة، والله أعلم. وذكر البخاريّ في ((تاريخه)) وابن سعد: أنَّ عبد الرَّحمن كان أوَّلَ مولود وُلِدَ بالبصرةِ بعدَ أن بُنْيَت، وأرَّخَها ابن زَبْر (١) سنة أربعَ عَشْرةَ وذلك في أوائل خِلَافة عمر ظُه. قوله: «لو دخلوا عليّ)) بتشديد الياء. قوله: ((ما بَهِشْتُ)) بكسر الهاء وسكون المعجَمة، وللكُشمِيهَنيّ بفتح الهاء، وهما لُغَتان، والمعنى: ما دافَعْتهم، يُقال: بَهِشَ بعضُ القوم إلى بعض: إذا تَرامَوْا للقتال، فكأنَّه قال: ما مَدَدْتُ يَدي إلى قَصَبة ولا تناولتها لأُدافعَ بها عنِّي، وقال ابن التِّين: ما قمتُ إليهم بقَصَيةٍ، يقال: بَهِشَ له: إذا ارتاحَ له وخَفَّ إليه، وقيل: معناه: ما رَمَيْت، وقيل: معناه: ما تَحَرَّكْت، وقال صاحب ((النّهاية)): المراد: ما أقبَلْتُ إليهم مُسرِعاً أدفَعُهم عنِّي ولا بقَصَبةٍ، ويُقال لمن نَظَرَ إلى شيءٍ فأعجَبَه واشتَهاه، أو أسرعَ إلى تَناؤُله: بَهِشَ إلى كذا، ويُستَعمَل أيضاً في الخير والشّ، يُقال: بَهِشَ إلى معروفٍ فلان، في الخير، وَهِشَ إلى فلان: تَعرَّضَ له بالشّ، ويُقال: يَشَ القومُ بعضهم إلى بعض: إذا ابتَدَروا في القتال. وهذا الذي قاله أبو بكرة يوافق ما وَقَعَ عندَ أحمد (٤٢٨٦) من حديث ابن مسعود في ذكر الفِتْنة: قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إنْ أدرَكْتُ ذلك؟ قال: ((كُفَّ يدَك ولسانك وادخُلْ دارك)) قلت: يا رسول الله، أرأيتَ إنْ دَخَلَ رجل عليَّ داري؟ قال: ((فادخُلْ بيتَك)) (١) تحرف في (س) إلى: زيد. وابن زَبْر هذا: هو العالم المؤرّخ محمد بن عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن زَبْر الربَعي، المتوفى سنة (٣٧٩ هـ). انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٤٤٠/١٦-٤٤١. ٥٧ باب ٨ / ح ٧٠٧٩ - ٧٠٨٠ كتاب الفتن قال: قلت: أفَرأيتَ إنْ دَخَلَ عليَّ بيتي؟ قال: «فادخُلْ مسجدَك ــ وقَبَضَ بيمينه على الكوع - وقل: ربِّيَ اللهُ، حتَّى تموت على ذلك)). وعندَ الطََّرانيِّ (١٧٢٤) من حديث جُندُب: ((ادخُلوا بيوتكم وأخِلوا ذِكرَكم)) قال: أرأيت إنْ دُخِلَ على أحدنا بيته قال: ((ليُمسِك بَيَدِه ولْيَكُنْ عبدَ الله المقتول لا القاتل)). ولأحمدَ (١٦٩٧٤) وأبي يَعْلى (٩٢٤ ٦٨٥٤) من حديث خَرَشة بن الحُرّ: («فمَن أَتَتْ عليه فلْيَمْشِ بسيفِه إلى صَفَاة فلْيَضِرِبْه بها حتَّى يَنكَسِرَ، ثمَّ لِيَضْطَجِعْ لها حتَّى تَنْجَليَ)) (١). وفي حديث أبي بَكْرة عندَ مسلم (١٣/٢٨٨٧): قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إنْ أُكْرِهْتُ حتَّى يُنْطَلَق بي إلى أحد الصَّفَّين، فجاءَ سَهْم أو ضَرَبني رجل بسيفٍ؟ قال: ((يَبُوء بإثمِه وإثمِك)) الحديث، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ٧٠٧٩- حدَّثنا أحمدُ بنُ إشكابٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبيه، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وََّ: ((لا تَرتَدُّوا بَعْدي كفَّاراً يَضِرِبُ بعضُكم رِقَابَ بعض)). ٧٠٨٠ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عليٍّ بنِ مُدرِكٍ، سمعتُ أبا زُرْعةَ بنَ عَمرِو بنِ جَرِير، عن جَدِّه جَرِير، قال: قال لي رسولُ اللهِ وَّهِ فِي حَجّةِ الوَدَاعِ: ((اسْتَنْصِتِ الناسَ)) ثمَّ قال: ((لا تَرجِعُوا بَعْدي كفَّاراً يَضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ». الحديث الرابع: قوله: ((محمَّد بن فُضَيل، عن أبيه)) هو ابن غَزْوانَ، بفتح المعجَمة وسكون الزّاي. قوله: ((لا تَرَتَدّوا)) تقدَّم في الحجّ (١٧٣٩) من وجه آخَر عن فُضَيل بلفظ: ((لا تَرجِعوا» وساقَه هناك أتمَّ. الحديث الخامس: حديث جَرِير: وهو ابن عبد الله البَجَلُّ. (١) أسانيد هذه الأحاديث الثلاثة ضعيفة. ٥٨ باب ٩ / ح ٧٠٨١ -٧٠٨٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((لا تَرجِعوا)) كذا للأكثر، وفي رواية الكُشمِيهَنيّ: ((لا تَرجِعُنَّ)) بعد العَين المهمَلة المضمومة نون ثقيلة وأصله: لا تَرجِعونَ، وقد تقدَّم في العِلم (١٢١) وفي أواخر المغازي (٤٤٠٥) وفي الدّيات (٦٨٦٩) بلفظ: ((لا تَرجِعوا))، وليس لأبي زُرْعة بن عَمْرو بن جَریر عن جَدّه في البخاريّ إلّ هذا الحديث، وعليُّ بن مُدرِك الرَّاوي عنه نَخَعيّ كوفيّ مُتَّفَق على توثيقه، ولا أعرِفُ له في البخاريّ سوى هذا الحديث الواحد في المواضع المذكورة. ٩ - بابٌ تكون فِتْنةٌ القاعدُ فيها خيرٌ منَ القائم ٧٠٨١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عُبيدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن أبي سَلَمةَ بنِ ٣٠/١٣ عبدِ الرَّحمنِ، عن / أبي هُرَيرةَ. قال إبراهيمُ: وحدَّثني صالحُ بنُ كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((ستكونُ فِتَنُّ القاعدُ فيها خيرٌ منَ القائمِ، والقائمُ فيها خيرٌ منَ الماشي، والماشي فيها خيرٌ منَ السّاعي، مَن تَشَرَّفَ لها تَستَشْرِفْه، فَمَن وَجَدَ فيها مَلْجَأً أو مَعَاذاً فلْيَعُذْ به)). ٧٠٨٢- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أَنَّ أبا هُرَيرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((ستكونُ فِتَنٌّ القاعدُ فيها خيرٌ منَ القائمِ، والقائمُ خبرٌ منَ الماشي، والماشي فيها خيرٌ منَ السّاعي، مَن تَشَرَّفَ لهَا تَستَشْرِفْه، فمَن وَجَدَ مَلْجَأً أو مَعَاذاً فلْيَعُذْ به». قوله: ((بابُ تكون فِتْنَةٌ القاعدُ فيها خير من القائم)) كذا تَرجَمَ ببعض الحديث، وأورَدَه من رواية سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عَوْف عن أبي سَلَمة وهو عمُّه، ومن رواية ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب، كلاهما عن أبي هريرة، ومن رواية شُعَیب عن ابن شهاب الزّهْرِيّ: أخبرني أبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن، وكأنَّه صَخَّحَ أنَّ لابنِ شِهاب فيه شيخَين. ولفظ الحديثَينِ سواءٌ إلّا ما سأُبيِّنه، وقد أخرجه في علامات النُّبّة (٣٦٠١) عن عبد العزيز الأُوْسيّ عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كَيْسانَ عن ابن شِهاب عنهما جميعاً، وكذا أخرجه مسلم (١٠/٢٨٨٦) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه، ولم يَسُق ٥٩ باب ٩ / ح ٧٠٨١ -٧٠٨٢ كتاب الفتن البخاريّ لفظ سعد بن إبراهيم عن أبي سَلَمة، وساقَه مسلم (١٢/٢٨٨٦) من طريق أبي داود الطَّيَالِسيِّ عن إبراهيم بن سعد، وفي أوَّله: «تكون فِتْنَةٌ النائمُ فيها خير من اليَقْظان، والیقظان فيها خير من القائم)). قوله: ((ستكونُ فِتَنٌ)) في رواية المُستَمْلي: «فتنة)» بالإفراد. قوله: ((القاعدُ فيها خيرٌ من القائم)) زاد الإسماعيليّ من طريق الحسن بن إسماعيل الكَلْبِيّ عن إبراهيم بن سعد بسندِه فيه في أوَّله: ((النائم فيها خير من اليَقْظان، واليقظان فيها خير من القاعد))، والحسن بن إسماعيل المذكور وَثَّقه النَّسائيُّ وهو من شيوخه، ثمَّ وجدتُ هذه الزّيادة عندَ مسلم أيضاً (٢٨٨٦/ ١٢) من رواية أبي داود الطَّالِسيِّ عن إبراهيم بن سعد، وكان أخرجه أوَّلاً من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه كروايةٍ محمّد بن عُبيد الله شيخ البخاريّ فيه، فكأنَّ إبراهيم بن سعد كان يَذكُره تامّاً وناقصاً. ووَقَعَ في روايةٍ خَرَشة بن الحُرّ عندَ أحمد (١٦٩٧٤) وأبي يَعْلى (٩٢٤ و٦٨٥٤) مثلُ هذه الزّيادة، وقد وَجَدتُ لهذه الزيادة شاهداً من حديث ابن مسعود عندَ أحمد (٤٢٨٦ و٤٢٨٧) وأبي داود (٤٢٥٨) بلفظ: ((النائم فيها خير من المضطَجِع)) (١) وهو المراد باليَقْظان في الرِّواية المذكورة؛ لأنَّه قابَلَه بالقاعد. قوله: ((والماشي فيها خير من السّاعي)) في حديث ابن مسعود: ((والماشي فيها خير من الرَّاكِبِ، والرَّاكِبُ فيها خير من المُجْري (٢)، قَتْلاها كلُّها في النار)). قوله: ((خَيرٌ من السّاعي)) في حديث أبي بَكْرة عندَ مسلم (١٣/٢٨٨٧): ((من السّاعي إليها)) وزاد: ((ألا فإذا نَزَلَتْ فَمَن كانت له إبل فليَلحَقْ بإبلِه)) الحديث، قال بعض الشُّرّاح في قوله: ((والقاعدُ فيها خير من القائم)) أي: القاعد في زمانها عنها، قال: والمراد بالقائم: الذي لا يَسْتَشْرِ فُها، وبالماشي: مَن يمشي في أسبابه لأمرٍ سِواها، فُرُبَّما يقع بسببٍ مَشْيِه في أمر يَكرَهُه. (١) هذا اللفظ عند أحمد وغيره، ولم يسق أبو داود لفظه. (٢) يعني من الذي ◌ُجري فرسه. ٦٠ باب ٩ / ح ٧٠٨١ -٧٠٨٢ فتح الباري بشرح البخاري وحكى ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ: أنَّ الظّاهر أنَّ المراد مَن يكون مُباشِراً لها في الأحوال كلّها، يعني: أنَّ بعضهم في ذلك أشدُّ من بعض، فأعلاهم في ذلك السّاعي فيها بحيثُ يكون سبباً لإثارَتِها، ثمَّ مَن يكون قائماً بأسبابها وهو الماشي، ثمَّ مَن يكون مُباشِراً لها وهو القائم، ثمَّ مَن يكون مع النَّظّارة ولا يقاتل وهو القاعد، ثمَّ مَن يكون مُجتَنِباً لها ولا يُباشِر ولا يَنظُرُ وهو المضطَجِعِ اليَقْظان، ثمَّ مَن لا يقعُ منه شيء من ذلك ولكنَّه راضٍ وهو ٣١/١٣ النائم، والمراد/ بالأفضليّة في هذه الخيريّة مَن يكون أقلَّ شَرّاً مَّن فوقَه على التَّفصيل المذكور. قوله: ((مَن تَشَرَّفَ لها)) بفتح المثنّة والمعجَمة وتشديد الرَّاء، أي: تَطَلَّعَ لها بأنْ يَتصدَّى ويَتعرَّض لها ولا يُعرِض عنها، وضُبِطَ أيضاً من الشَّرَف ومن الإشراف. قوله: ((تَسْتَشْرِفُه)) أي: تُهلِكه بأنْ يُشِرِف منها على الهلاك، يُقال: اسْتَشْرَفْتُ الشَّيءَ: عَلَوْتُه وأشَرَفْت عليه، يريد: مَن انتَصَبَ لها انْتَصَبَتْ له، ومَن أعرَضَ عنها أعرَضَتْ عنه، وحاصله: أنَّ مَن طَلَعَ فيها بشَخْصِه قابَلَتْه بشَرّها، ويحتمل أن يكون المراد: مَن خاطَرَ فيها بنفسِه أهلَكَتْه، ونحوه قول القائل: مَن غالَبَها غَلَبَته. قوله: «فمَن وَجَدَ فيها» في رواية الگُشمِیھنيّ: «مِنْها». قوله: ((مَلْجأ) أي: يَلِتَجِئ إلیه من شَرِّها. قوله: ((أو مَعَاذً)) بفتح الميم وبالعينِ المهمَلة وبالذّالِ المعجَمة هو بمعنى المَلْجَأ، قال ابن التِّين: ورُوّيناه بالضَّمّ؛ يعني: مُعاذاً. قوله: ((فلْيَعُذْ به)) أي: لِيَعتَزِلْ فيه ليَسْلَمَ من شرّ الفِتْنة، وفي رواية سعد بن إبراهيم(١): (فلْيَستَعِذْ))، ووَقَعَ تفسيره عندَ مسلم (١٣/٢٨٨٧) في حديث أبي بكرة ولفظه: «فإذا نَزَّلَتْ فمَن كان له إبل فلْيَلْحَقْ بإبلِه)) وذكر الغنمَ والأرضَ، قال رجل: يا رسول الله، أرأيتَ مَن لم يكن له؟ قال: «يَعْمِدُ إلى سيفه فيَدُقّ على حَدِّه بِحَجَرٍ، ثمَّ لَيَنْجُ إن استَطاعَ)). (١) عند مسلم (٢٨٨٦) (١٢).