Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
باب ٢٦/ح ٧٠١٧
كتاب التعبير
قوله: ((قال: وكان يَكرَه الغُلَّ في النَّوم، ويُعجِبهم القَيد، ويقول: القَيد: ثَبات في الدّين))
كذا ثَبَتَ هنا بلفظ الجمع في ((يُعجِبهم))، والإفراد في ((يَكرَه ويقول)). قال الطَّييُّ: ضمير
الجمع لأهلِ التَّعبير، وكذا قوله: ((وكان يقال)).
قال المهلَّب: الغُلّ يُعبَرَ بالمكروه، لأنَّ الله أخبر في كتابه أنَّه من صفات أهل النار بقولِه
تعالى: ﴿إِذِ اَلْأَغْلَلُ فِي أَعْتَقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] الآية، وقد يدلّ على الكفر، وقد يُعبَر بامرأةٍ
تُؤذي.
وقال ابن العربيّ: إنَّما أحَبّوا القَيد لِذِكْر النبيّ وَّ له في قسم المحمود، فقال: ((قَيَّد
الإيمانُ الفَتْكَ))(١). وأمَّا الغُلّ فقد كُرهَ شَرعاً في المفهوم كقوله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠]
و﴿ إِذِ الْأَغَْلُ فِيَ أَعْنَقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُّفِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]
و﴿غُلَّتْ أَيَدِهِمْ﴾ [المائدة : ٦٤]، وإنما جُعِلَ القَيْدُ ثَباتاً في الدّين لأنَّ المقَيَّد لا يستطيع المشي، فضُرِبَ
مثلاً للإيمان الذي يَمنَع عن المشي إلى الباطل.
وقال النَّوويّ: قال العلماء: إنَّما أُحِبَّ القَيْدُ، لأنَّ مَحَّه الرِّجْل، وهو كَفّ عن المعاصي والشّ
والباطل، وأُبِغِضَ الغُلّ، لأنَّ مَحَلّه العُنُقُ، وهو صِفَة أهل النار.
وأمَّا أهل التَّعبير فقالوا: إنَّ القَيد ثَباتٌ في الأمر الذي يراه الرَّائي، بحَسَبِ مَن يُرى ذلك
له. وقالوا: إن انضَمَّ الغُلّ إلى القَيد دلَّ على زيادة المكروه، وإذا جُعِلَ الغُلّ في اليَدَينِ حُدَ، لأنَّه
كَفُّ لهما عن الشّ، وقد يدلّ على البُخل بحَسَبِ الحالِ.
وقالوا أيضاً: إن رأى أنَّ يَدَيهِ مَغْلولَتان فهو بخيلٌ، وإن رأى أنَّه فُيِّد وغُلّ فإنَّه يقع في
سجن أو شِدّة.
قلت: وقد يكون الغُلّ في بعض المرائي محموداً كما وَقَعَ لأبي بكر الصِّدّيق، فأخرج
أبو بكر بن أبي شَيْبة (١١/ ٧١) بسندٍ صحيح عن مسروق قال: مَّ صُهَيب بأبي بكر فأعرَضَ
(١) أخرجه أبو داود (٢٧٦٩) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد في «مسنده)) (١٤٢٦) من حديث الزبير
ابن العوام. وانظر تخريجه والكلام علیه وشواهده فيه.

٤٨٢
باب ٢٦/ح ٧٠١٧
فتح الباري بشرح البخاري
عنه، فسألَه فقال: رأيت يدك مغلولةً على باب أبي الحَشْر رجلٍ من الأنصار، فقال أبو بكر:
جَمَعَ لي ديني إلى يوم الحشر.
وقال الكِرْمانيُّ: اختُلِفَ في قوله: ((وكان يقال)): هل هو مرفوع أو لا؟ فقال بعضهم:
من قوله: ((وكان يقال)) إلى قوله: ((في الدّين)) مرفوع كلّه، وقال بعضهم: هو كلّه كلام ابن
سِيرِین، وفاعل ((كان يَكرَه)) أبو هريرة.
قلت: أَخَذَه من كلام الطِّييِّ، فإنَّه قال: يحتمل أن يكون مَقُولاً للرَّاوي عن ابن
سِيرِين، فيكون اسم ((كان)) ضميراً لابنِ سِيرِين، وأن يكون مَقُولاً لابنِ سِيرِین، واسم ((كان))
ضمير أبي هريرة أو النبيّ ◌َّه. وقد أخرجه مسلم (٦/٢٢٦٣) من وجهٍ آخر عن ابن سِيرِين،
وقال في آخره: لا أدري هو في الحدیث أو قاله ابن سیرین.
قوله: ((ورواه قَتَادةُ ويونس وهشام وأبو هلال، عن ابن سِيرِينَ، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ))
يعني أصل الحديث، وأمَّا من قوله: ((وكان يقال)) فمنهم مَن رواه بتمامه مرفوعاً، ومنهم
مَن اقتَصَرَ على بعضه کما سأُبِّنه.
قوله: ((وأدرَجَه بعضهم كلّه في الحديث)) يعني: جعله كلَّه مرفوعاً، والمراد به رواية
هشامٍ عن فَتَادة كما سأُبيِّنْه.
٤٠٩/١٢
قوله: ((وحديث عَوْف / أبيَن)) أي: حيثُ فصَلَ المرفوع من الموقوف، ولا سيَّما تصريحه
بقولِ ابن سِيرِين: ((وأنا أقول هذه))، فإنَّه دالٌ على الاختصاص، بخِلَاف ما قال فيه: ((وكان
يقال)) فإنَّ فيها الاحتمالَ، بخِلَاف أوَّل الحديث فإنَّه صَرَّحَ برفعِه. وقد اقتَصَرَ بعض الرُّواة
عن عَوف على بعض ما ذكره مُعتَمِر بن سليمان عنه كما بيَّته من رواية هَوْذة وعيسى بن
یونس.
قال القُرطُبيّ: ظاهر السّياق أنَّ الجميع من قول النبيّ ◌َطّ، غير أنَّ أيوب هو الذي روى
هذا الحديث عن محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة، وقد أخبر عن نفسه أنَّه شَكَّ أهو من قول
النبيّ وَّ أو من قول أبي هريرة، فلا يُعوَّل على ذلك الظاهر.

٤٨٣
باب ٢٦/ح ٧٠١٧
كتاب التعبير
قلت: وهو حَصرٌ مردُودٌ، وكأنَّه تَكلَّمَ عليه بالنّسبة لرواية مسلم خاصّة، فإنَّ مسلماً
ما أخرج طريق عَوف هذه، ولكنَّه أخرج (٦/٢٢٦٣) طريق قَتَادة عن محمَّد بن سِيرِين،
فلا يَلزَم من كَون أيوب شَكَّ أن لا يُعوَّل على رواية مَن لم يَشُكّ، وهو قَتَادةُ مثلاً، لكن لمَّا
كان في الرِّواية المفصّلة زيادة رُجِّحَتْ(١).
قوله: ((وقال يونس: لا أحسِبه إلّا عن النبيّ ◌َّهِ في القَيد)) يعني: أنَّه شَكّ في رفعِه.
قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو المصنّف.
قوله: ((لا تكون الأغلال إلّا في الأعناق)) كأنَّه يشير إلى الردّ على مَن قال: قد يكون الغُلّ
في غير العُنُقُ كاليَدِ والرِّجل، والغُلّ بضمِّ المعجَمة وتشديد اللّام واحد الأغلال.
قال: وقد أطلقَ بعضهم الغُلّ على ما تُربَط به اليد، وثمَّن ذكره أبو عليّ القاليّ وصاحب
(المحكم)) وغيرهما، قالوا: الغُلّ: جامعةٌ تُجُعَل في العُنُق أو اليد، والجمع أغلال، ويد
مغلولة: جُعِلَت في الغُلّ، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] كذا استَشهَدَ به
الکرمانيّ.
وفيه نظر، لأنَّ اليد تُغَلّ في العُنُق، وهو عندَ أهل التَّعبير عبارة عن كَفّهما عن الشّ، ويُؤيِّده
مَنامِ صُهَيبٍ في حَقّ أبي بكر الصِّدّيق كما تقدَّم قريباً.
فأمَّا رواية قَتَادة المعلَّقَة فَوَصَلَها مسلم (٦/٢٢٦٣) والنَّسائيُّ (ك٧٦٠٧) من رواية
معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدَّستُوائيّ عن أبيه عن قَتَادة، ولفظ النَّسَائِّ بالسَّنِدِ
المذكور: عن النبيّ وَّ أَنَّه كان يقول: ((الرُّؤيا الصالحة بشارة من الله، والتَّحزين من الشَّيطان،
ومن الرُّؤيا ما يُحدِّث به الرجلُ نفسَه، فإذا رأى أحدكم رُؤيا يَكرَهها فليَقُم فليُصَلّ، وأكره
الغُلّ في النَّوم، ويُعجِبني القَيد فإنَّ القَيد ثَبات في الدّين)).
وأمَّا مسلم فإنَّه ساقَه بسندِه عَقِبَ رواية مَعمَر عن أيوب التي فيها: قال أبو هريرة: فيُعجِبُني
القَيد وأكره الغُلّ، القَيد ثَبات في الدّين. قال مسلم: فأدرَجَ - يعني هشاماً عن قَتَادة - في الحديث
(١) تحرَّف في (س) إلى: فرجّحت.

٤٨٤
باب ٢٦/ح ٧٠١٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وأكره الغُلّ)) إلى آخره، ولم يَذكُر («الرُّؤيا جُزء)) الحديث.
وكذلك رواه أيوب عن محمَّد بن سِيرِين قال: قال أبو هريرة: أُحِبّ القَيد في النَّوم وأكره
الغُلّ، القَيد في النّوم ثبات في الدّین، أخرجه ابن حبان في ((صحیحه)) (٦٠٤٠) من رواية سفیان
ابن عُيَينةَ عنه، وأخرجه مسلم (٦/٢٢٦٣) وأبو داود (٥٠١٩) والتِّرمِذيّ (٢٢٧٠) من رواية
عبد الوهّاب الثَّقْفيّ عن أيوب، فذكر حديث: ((إذا اقتَرَبَ الزّمان)) الحديث، ثمّ قال: ((وُؤيا
المسلم ◌ُجُزء)) الحديث، ثمَّ قال: ((والرُّؤيا ثلاثة)) الحديث، ثمَّ قال بعدَه: قال: ((وأُحِبّ القَيدَ
وأكره الغُلَّ، القَيد ثَبات في الدّين)) فلا أدري هو في الحديث أو قاله ابن سِيرِين، هذا لفظ
مسلم، ولم يَذكُر أبو داود ولا التِّرمِذيّ قوله: ((فلا أدري» إلى آخره.
وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٢٩١) وأحمد (٧٦٤٢) والحاكم (٤/ ٣٩٠) من رواية مَعمَر عن
أيوب فذكر الحديث الأوَّل ونحو الثّاني، ثمَّ قال بعدَهما: قال أبو هريرة: يُعجِبني القَيد، إلى
آخره، قال: وقال النبيّ وَّ: ((رُؤيا المؤمن جُزء ... )) إلى آخره، وقد أخرج التِّرمِذيّ
(٢٢٨٠) والنَّسائيُّ(١) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة حديث: ((الرُّؤيا ثلاث))
مرفوعاً كما أشرت إليه قبلَ هذا، ثمَّ قال بعدَه: وكان يقول: ((يُعجِبني القَيد)) الحديث،
وبعدَه: وكان يقول: ((مَن رآني فإنّي أنا هو)) الحديث، وبعده: وكان يقول: ((لا تقصّ الرُّؤيا
إلّا على عالمٍ أو ناصحٍ))، وهذا ظاهر في أنَّ الأحاديث كلّها مرفوعة.
وأمَّا رواية يونس، وهو ابن عُبيد، فأخرجها البزَّار في «مُسنَده)) (٩٨٩٩) من طريق أبي
٤١٠/١٢ خَلَف وهو عبد الله بن/ عيسى الخَزّاز - بمُعجَماتٍ - البصريّ عن يونس بن عُبيد عن محمَّد بن
سِيرِين عن أبي هريرة قال: ((إذا تَقارَبَ الزّمان لم تَكَد رُؤيا المؤمن تَكذِب، وأُحِبّ القَيْد
وأكره الغُلّ)). قال: ولا أعلمه إلّا وقد رَفَعَه عن النبيّ ◌َ لّهِ. قال البزَّار: رويَ عن محمَّد من عِدّة
أوجُه، وإنَّما ذَكَرناه من رواية يونس لعِزّة ما أسنَدَ يونس عن محمّد بن سِيرِين.
قلت: وقد أخَرَجَ ابن ماجَهْ (٣٩٢٦) من طريق أبي بكر اهُذَلِيِّ عن ابن سِيرِين حدیثَ
(١) اقتصر النسائي في روايته في ((الكبرى)) (١٠٦٨٠) على قطعة: ((الرؤيا ثلاث)).

٤٨٥
باب ٢٦/ح ٧٠١٧
كتاب التعبير
القَيد موصولاً مرفوعاً، ولكنَّ الهُذَلِيَّ ضعيف.
وأمَّا رواية هشام فقال أحمد (١٠٥٩٠): حدَّثنا يزيد بن هارون أخبرنا هشام، هو ابن
حسَّان، عن محمّد بن سِيرِين عن أبي هريرة عن النبيّ وَّه قال: ((إذا اقتَرَبَ الَّمان))
الحديث، ((ورُؤيا المؤمن)) الحديث، ((وأُحِبّ القَيد في النَّوم)) الحديث، ((الرُّؤيا ثلاث)) الحديث،
فساقَ الجميع مرفوعاً.
وهكذا أخرجه الدَّارِميُّ (٢١٤٣ و٢١٤٤) من رواية تَخَلَد بن الحسين عن هشام(١)،
وأخرجه الخطيب في ((المدرَج)) (١٦٧/١-١٦٨) من طريق عليّ بن عاصم عن خالد وهشام
عن ابن ◌ِيرِين مرفوعاً كلّه.
قال الخطيب: والمتن كلّه مرفوع إلّا ذِكْر القَيد والغُلّ، فإنَّه قول أبي هريرة أُدْرِجَ في
الخبر، وبيَّنْه مَعمَر عن أيوب.
وأخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) من طريق عبد الله بن بكر عن هشام قصَّة القَيد، وقال:
الأصحّ أنَّ هذا من قول ابن سیرین.
وقد أخرجه مسلم (٦/٢٢٦٣) من طريق حمَّد بن زيد عن هشام بن حسَّان وأيوب
جميعاً عن محمّد بن سِيرِين عن أبي هريرة قال: إذا اقتَرَبَ الَّمان، قال: وساقَ الحديث، ولم
یذکر فیه النبيّ ێ.
وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شَيْبة (١١/ ٧٧) عن أبي أُسامة عن هشام موقوفاً(٢)، وزاد
في آخره: قال أبو هريرة: اللَّبَن في المنام الفِطْرة(٣).
وأمَّا رواية أبي هلال، واسمه: محمَّد بن سُليم الرَّاسِبِيّ عن محمَّد بن سِيرِين، فلم أقِفْ
عليها موصولةً إلى الآنَ.
(١) لكن دون ذكر القيد والغُلّ، وقد روى ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١/ ٢٨٧ من طريق مخلد بن حسين
أيضاً، وذكر الحديث كله مرفوعاً ما عدا ذكر القيد والغُلّ، فقال فيه: قال أبو هريرة، فذكره.
(٢) يعني ذكر القيد والغُلّ.
(٣) تصحف في (س) إلى: القطرة.

٤٨٦
باب ٢٧/ح ٧٠١٨
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج أحمد في ((الزُّهد))(١) عن عَفّان(٢) عن حمَّد بن زيد عن أيوب قال: رأيت ابن سِيرِين
مُقِيَّداً في المنام. وهذا يُشعِرِ بأنَّ ابن سِيرِين كان يَعتَمِد في تعبير القَيْد على ما في الخبر، فأُعطيَ هو
ذلك، و کان کذلك.
قال القُرطُبيّ: هذا الحديث وإن اختُلِفَ في رفعه ووقفه، فإنَّ معناه صحيح، لأنَّ القَيد
في الرِّجَلَينِ تَثبيت للمُقيَّدِ في مكانه، فإذا رآه مَن هو على حالةٍ كان ذلك دليلاً على ثُبُوته
على تلك الحالة. وأمَّا كراهة الغُلّ فلأنَّ مَحَلّه الأعناق نَكالاً وعُقوبةً وقَهراً وإذلالاً، وقد
يُسحَب على وجهه ويُجَرُّ على قَفَاهُ، فهو مذموم شَرعاً وعادةً، فُرُؤيَته في العُنُق دليل على
وقوع حالةٍ سَيِّئَة للرَّائي تُلازِمه ولا يَنفَكّ عنها، وقد يكون ذلك في دينه، كَواجباتٍ فَرَّطَ
فيها، أو مَعاصٍ ارتَكَبَها، أو حقوقٍ لازِمةٍ له لم يوفِّها أهلها مع قُدرَتِه، وقد يكون في دُنياه،
كَشِدّةٍ تَعتَریه أو تُلازِمه.
٢٧ - باب العين الجارية في المنام
٧٠١٨ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن خارجةَ بنِ زید
ابنِ ثابتٍ، عن أمِّ العلاءِ - وهي امرأةٌ من نسائهم بايعَت رسولَ الله ◌ِّل ـ قالت: طارَ لنا عُثمانُ
ابنُ مَظْعونٍ في السُّكْنَى حينَ اقتَرَعَتِ الأنصارُ على سُكْنَى المهاجِرِينَ، فاشتَكَى فمرَّضْناه،
حَتَّى تُؤُفِّ، ثمَّ جَعَلْناه في أثْوابِهِ، فَدَخَلَ علينا رسولُ الله وَّةِ، فقلتُ: رحمةُ الله عليكَ أبا السائبِ،
فشهادتي عليكَ لقد أكرَمَكَ اللهُ، قال: ((وما يُدرِيكِ؟)) قلتُ: لا أدري والله، قال: ((أمَّا هو فقد
جاءه اليَقِينُ، إنّي لأرجو له الخيرَ منَ الله، والله ما أدري، وأنا رسولُ الله، ما يُفعَلُ به ولا بكم)) قالت
أُّ العلاءِ: فوالله لا أُزَكّي أحداً بعدَه.
قالت: ورأيتُ لعُثمانَ في النَّومِ عيناً تَّجْرِي، فجئتُ رسولَ الله وَ لَّ، فذكرتُ ذلك له، فقال:
((ذاكِ عملُه تجري له)).
(١) لم نقف عليه فيما عُثر عليه من ((الزهد))، وقد أخرجه من طريق أحمد بن حنبل الخطيب البغدادي في ((تاريخ
بغداد)) ٣٣٦/٥، وأخرجه أيضاً ابن سعد في ((الطبقات)) ١٦٦/٧ عن عفان بن مسلم.
(٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: عثمان، والتصويب من ((تاريخ بغداد)» للخطيب ٣٣٦/٥.

٤٨٧
باب ٢٧/ ح ٧٠١٨
كتاب التعبير
قوله: ((باب العين الجارية في المنام)) قال المهلَّب: العين الجارية تحتمِل وجوهاً، فإن كان ماؤها ٤١١/١٢
صافياً عُبِرَت بالعملِ الصالح وإلّا فلا. وقال غيره: العين الجارية عملٌ جارٍ من صَدَقة أو
معروف لِحَيٍّ أو مَيِّت، قد أحدَثَه أو أجراه. وقال آخرونَ: عين الماء نِعمة وبَرَكة وخير، وبلوغ
أُمنيةٍ إن كان صاحبها مَستوراً، فإن كان غيرِ عَفيف أصابته مُصيبةٌ بيكي لها أهلُ داره.
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك.
قوله: ((عن أمّ العلاء وهي امرأة من نسائهم)) وتقدَّم في كتاب الهجرة (٣٩٢٩): أنَّها
والدة خارجة بن زيد الراوي عنها هنا، وأنَّ هذا الحديث وَرَدَ من طريق أبي النَّضر عن
خارجة بن زيد عن أمّه، وذكرتُ نَسَبَها هناك، وأنَّ اسمَها كُنْيتُها، ومنه يُؤخَذ أنَّ القائل
هنا: وهي امرأة من نسائهم، هو الزُّهْريّ راويه عن خارجة بن زيد، ووَقَعَ في ((باب رُؤیا
النِّساء)) فيما مضى قريباً (٧٠٠٣) من طريق عُقيل عن ابن شِهاب عن خارجة: أنَّ أمّ العلاء
- امرأةً من الأنصار بايعَت رسول الله وَّهِ - أخبَرَته.
وأخرج أحمد (٣١٠٣) وابن سعد (٣٩٨/٣ -٣٩٩) بسندٍ فيه عليّ بن زيد بن جُدْعانَ،
وفيه ضعف من حديث ابن عبّاس قال: لمَّا ماتَ عثمان بن مظعون قالت امرأته: هَنيئاً لك
الجنَّة، فذكر نحو هذه القصّة، وقوله: امرأته، فيه نظر، فلعلَّه كان فيه: قالت امرأة، بغير
ضمير وهي أمّ العلاء، ويحتمل أنَّه كان تزوَّجَها قبلَ زيد بن ثابت، ويحتمل أن يكون القول
تَعدَّدَ منهما(١).
وعندَ ابن سعد أيضاً (٣٩٩/٣) من مُرسَل زيد بن أسلم بسندٍ حسن: قال: سمعَ
رسولُ الله ◌َّ عجوزاً تقول في جنازة عثمان بن مَظعون وراء جِنازَته: هَنيئاً لك الجنَّة يا أبا
السائب، فذكر نحوه وفيه: ((بحَسبِك أن تقولي: كان يُحِبّ اللهَ ورسوله)».
قوله: «طارَ لنا)) تقدَّم بيانه في ((باب القُرعة في المشكلات)) (٢٦٨٧)، ووَقَعَ عندَ ابن سعد
(٣٩٦/٣) من وجه آخر عن مَعمَر: فتَشاحَّت الأنصار فيهم أن يُنزِلوهم في منازلهم، حتَّى
(١) قد جاء في ((مسند أحمد)) (٢١٢٧) من طريق أخرى: فقالت له امرأةٌ.

٤٨٨
باب ٢٧/ح ٧٠١٨
فتح الباري بشرح البخاري
اقتَرَعوا عليهم، فطارَ لنا عثمان بن مَظعون، يعني وَقَعَ في سهمِنا. كذا وَقَعَ التَّفسير في الأصل،
وأظنّه من كلام الزُّهْريّ، أو مَن دونَه.
قوله: ((حينَ اقْتَرَعَت)) في رواية أبي ذرِّ عن غير الكُشمِيهنيّ: أقرَعَت، بحذفِ التاء، ووَقَعَ
في رواية عُقيل المذكورة: أنَّهم اقتَسَموا المهاجِرِينَ قُرعةً.
قوله: ((فاشتَكَى فمرَّضْناه، حتَّى تُوُلِّ)) في الكلام حذفٌ تقديره، فأقامَ عندَنا مُدّة فاشتَكَى،
أي: مرض، فمرَّضناه، أي: قُمنا بأمره في مرضه، وقد وَقَعَ في رواية عُقيل: فطارَ لنا عثمان
ابن مَظعون، فأنزَلْناه في أبياتنا، فوَجِعَ وجَعَه الذي تُوُّ فيه.
قلت: وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث من الهجرة، أرَّخَه ابن سعد وغيره، وقد تقدَّمَت
سائر فوائده في أوَّل الجنائز (١٢٤٣) والكلام على قوله: ((ما يُفْعَل به)) والاختلاف فيها.
وقوله في آخره: ((ذاكَ عمله يَجري له)) قيل: يحتمل أنَّه كان لعثمانَ شيءٍ عَمِلَه بَقِيَ له ثوابُه
جارياً كالصَّدَقة. وأنكَرَه مُغَلْطاي، وقال: لم يكن لعثمانَ بن مَظعون شيءٌ من الأُمور
الثلاث التي ذكرها مسلم (١٦٣١) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: «إذا ماتَ ابن آدم انقَطَعَ
عمله إلّا من ثلاث)).
قلت: وهو نفيٌ مردودٌ، فإنَّه كان له ولد صالح شَهِدَ بدراً وما بعدها، وهو السائب، ماتَ في
خلافة أبي بكر فهو أحد الثلاث، وقد كان عثمان من الأغنياء، فلا يَبعُد أن تكون له صَدَقةٌ
استَمرَّت بعدَ موته، فقد أخرج ابن سعد (٣٩٥/٣) من مُرسَل أبي بُرْدة بن أبي موسى قال:
دَخَلَت امرأة عثمان بن مَظعون على نساء النبيّ وَّةِ، فرأين هيئتها، فقُلنَ: ما لكِ؟ فما في قُرَيش
أغنى من بَعلك، فقالت: أمَّا ليلَه فقائمٌ، الحديثَ.
ويحتمل أن يُراد بعَمَلِ عثمان بن مَظعون مُرابَطَته في جهاد أعداء الله، فإنَّه ممَّن يَجري له
عملُه، كما ثَبَتَ في ((السُّنَن))(١) وصَخَّحَه التِّرمِذيّ (١٦٢١) وابن حِبّان (٤٦٢٤) والحاكم
(٧٩/٢) من حديث فَضالة بن عُبيد رَفَعَه: ((كلّ مَيِّت يُخْتَم على عمله، إلّا المرابط في سبيل الله،
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٠٠).

٤٨٩
باب ٢٨/ح ٧٠١٩
كتاب التعبير
فإنَّه يُنْمَى له عملُه إلى يوم القيامة، ويأمَن من فتنة القبر))، وله شاهد عندَ مسلم
(١٩١٣) والنَّسائيِّ (٣١٦٨) والبزَّار (٢٥٢٨) من حديث سلمان رَفَعَه: ((رِباط يومٍ وليلة
في سبيل الله خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه، وإن/ ماتَ جَرَى عليه عملُه الذي كان يعملُ ٤١٢/١٢
وأمِنَ الفَتّان))، وله شواهد أُخرى، فليُحمَل حالُ عثمان بن مظعون على ذلك، ويَزول
الإشکالُ من أصله.
٢٨- باب نزع الماء من البئر حتی یروَی الناسُ
رواه أبو هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِلێ.
٧٠١٩ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ كَثير، حدَّثنا شُعَيبُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا صَخْرُ بنُ
جُوَيِرِيةَ، حدَّثنا نافعٌ، أَنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما حدَّثْه قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((بينا أنا على
بثْرٍ أَنزِعُ منها إذ جاءني أبو بكرٍ وعمرُ، فأخَذَ أبو بكرِ الدَّلْوَ، فَتَزَعَ ذَنوباً أو ذَنوبينِ وفي نَزْعِه
ضَعْفٌ، يَغْفِرُ الله له، ثمَّ أخَذَها ابنُ الخطّاب من يدِ أبي بكرٍ، فاستَحالَت في يدِهِ غَرْباً، فلم أرَ
عَبْقَرِيّاً منَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ، حَتَّى ضَرَبَ الناسُ بعَطَنٍ)).
قوله: ((باب نَزْع الماء من البئر حتَّى يَرْوَى الناسُ)) هو بفتح الواو: من الرّيّ، والّزع بفتح
النُّون وسكون الزّاي: إخراج الماء للاستسقاء.
قوله: ((رواه أبو هريرة، عن النبيّ ◌َ)) وصَلَه المصنِّفُ من حديثه في الباب الذي بعده
(٧٠٢١).
قوله: ((حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم بن كَثير)) هو الدَّورَقيُّ، وشُعَيب بن حَرْب: هو
المدائنيّ، يُكنَى أبا صالح، كان أصله من بغداد فسَكَنَ المدائن حتَّى نُسِبَ إليها، ثمَّ
انتَقَلَ إلى مكّةَ فنزلَهَا إلى أن ماتَ بها، وكان صَدُوقاً شديد الورَع، وقد وثَّقه یحیی بن
مَعِين والنَّسائيُّ والدّارَ قُطنيّ وآخرونَ، وما له في البخاريّ سوى هذا الحديث الواحد،
وقد ذكر(١) في ((الضُّعَفاء)) شُعَيب بن حَرْب، فقال: مُنكَر الحديث مجهول، وأظنّه آخر
(١) تحرَّف في (س) إلى: ذكره.

٤٩٠
باب ٢٨/ح ٧٠١٩
فتح الباري بشرح البخاري
وافَقَ اسمه واسم أبيه، والعلم عندَ الله تعالى(١).
قوله: ((بَيْنا أنا على بثْرِ أَنزِعٍ مِنْها)) أي: أستَخرِج منها الماء بآلةٍ كالدَّلْو. وفي حديث أبي
هريرة في الباب الذي يليه: ((رأيتُني على قَليب وعليها دَلْوٌ، فَنَزَعت منها ما شاءَ الله)). وفي
رواية همَّام (٢): ((رأيت أنّ على حَوض أسقي الناس))، والجمع بينهما أنَّ القَليب: هو البئر
المقلوب ترابها قبل الطَّيّ، والحوض: هو الذي يُعَل بجانبِ البئر لشُربِ الإبل، فلا
مُنافاةَ.
قوله: ((إذ جاءني أبو بكر وعمر)) في رواية أبي يونس عن أبي هريرة (٣): ((فجاءني أبو بكر)).
قوله: ((فأخَذَ أبو بكر الدَّلو)) أي: التي كان النبيّ ◌َلِّ يَملَأ بها الماء، ووَقَعَ في رواية هَّام
الآتية بعدَ هذا (٧٠٢٢): ((فأخَذَ أبو بكر منِّ الدَّلو ليُريحَني))، وفي رواية أبي يونس:
(ليُرَوِّحَني))، وأوَّل حديث سالم عن أبيه في الباب الذي يليه (٧٠٢٠): ((رأيت الناس اجتمعوا))،
ولم يَذْكُر قَصَّة النَّرْعِ، ووَقَعَ في رواية أبي بكر بن سالم عن أبيه: ((أُرِيت في النَّوم أنّ أَنزِعُ على
قليبٍ بدَلوِ بَكْرةً)) فذكر الحديث نحوه، أخرجه أبو عَوَانةَ(٤).
قوله: (فتَزَعَ ذَنوباً أو ذَنوبينٍ) كذا هنا، ومثله لأكثر الرُّواة، ووَقَعَ في رواية همَّام المذكورة:
((ذَنوبِينِ)) ولم يَشُكَّ، ومثله في رواية أبي يونس، والذَّنوب، بفتح المعجَمة: الدَّلو الممتَلِئِ.
(١) كذا احتمل الحافظ رحمه الله هنا وفي ((تهذيب التهذيب)) أن يكون شعيب بن حرب المدائني غير شعيب
ابن حرب الذي قال فيه البخاري بأنه منكر الحديث مجهول، وجزم بذلك مِن قبله الذهبي في ((ميزان
الاعتدال))، وذكر له الحديث الذي أُنكر عليه، وهو من رواية الحسن بن الصبّاح البزار عنه عن صخر
ابن جويرية عن نافع عن ابن عمر في رؤيا رآها النبي والر أيضاً، والحسن بن الصباح معدود فيمن روی
عن شعيب بن حرب المدائني، فيبعد أن يكونا اثنين مع كل هذا الاتفاق، وهذا ما قرره الحافظ نفسه في
(لسان الميزان))، ويبقى النظر في سبب قول البخاري فيه ذلك.
(٢) يعني ابن مُنِّه، الآتية روايته برقم (٧٠٢٢).
(٣) عند مسلم (٢٣٩٢) (١٨).
(٤) لم نقف عليه فيما عُثر عليه من ((مستخرج أبي عوانة))، وذهل الحافظ رحمه الله عن وجوده عند البخاري،
حيث تقدم برقم (٣٦٨٢).

٤٩١
باب ٢٨/ح ٧٠١٩
كتاب التعبير
قوله: ((وفي نَزْعه ضَعْفٌ)) تقدَّم شرحه وبيان الاختلاف في تأويله في آخِرِ علامات النَّبوّة
في مناقب عمر(١).
قوله: ((يَغْفِرُ الله له)) وَقَعَ في الرِّوايات المذكورة: ((والله يَغْفِر له)).
قوله: «ثمَّ أخذها ابن الخطّاب مِن ید أبي بكر)» کذا هنا، ولم یذکُر مثله في أخذ أبي بكر
الدَّلو من النبيّ ◌َّهِ، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ عمر وليَ الخلافة بعهدٍ من أبي بكرٍ إليه بخلاف أبي
بكر، فلم تكن خِلافَته بعهدٍ صريح من النبيّ ◌َل﴾، ولكن وَقَعَت عِدّة إشاراتٍ إلی ذلك، فیها ما
يقرُب من الصَّريح.
قوله: ((فاستَحالَت في يده غَرْباً)) أي: تَحَوَّلَت الذَّلو غَرْباً، وهي بفتح الغَين المعجمة وسكون
الرَّاء بعدَها موخَّدة، بلفظِ مُقابِل الشَّرق، قال أهل اللُّغة: الغَرْب: الدَّلو العظيمة المتَّخَذة من
جُلُود البقر، فإذا فُتِحَت الرَّاء فهو الماء الذي يسيل بين / البئر والحوض.
٤١٣/١٢
ونَقَلَ ابن التِّين عن أبي عبد الملِك البَوْنِيّ: أنَّ الغَرب كلّ شيءٍ رَفيع، وعن الدَّاوُوديِّ قال:
المراد أنَّ الدَّلو أحالَت باطن كَفَّيه حتَّى صارَ أحمر من كَثْرة الاستِقاء(٢)، قال ابن التِّين: وقد أنكَرَ
ذلك أهلُ العلم ورَدُّوه على قائِلِهِ.
قوله: ((فلم أرَ عَبْقَريّاً) تقدَّم ضبطه وبيانه في مناقب عمر (٣)، وكذلك قوله: ((يَفِرِي فَرِيَّه)).
ووَقَعَ عندَ النَّسائيِّ (ك٧٥٨٩) في رواية ابن جُرَيج عن موسى بن عُقْبةَ عن سالم عن أبيه: قال
حَجّاج: قلت لابنِ جُرَيج: ما استَحالَ؟ قال: رَجَعَ، قلت: ما العَبْقَريّ؟ قال: الأخير. وتفسير
العَبْقَريّ بالأجير غريب. قال أبو عَمْرو الشَّيبانيّ(٤): عَبْقَريّ القوم: سَيِّدهم وقَويّهم وكبيرهم.
وقال الفارابيّ: العَبْقَريّ من الرِّجال: الذي ليس فوقَه شيء.
(١) بل في مناقب أبي بكر (٣٦٧٦).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: الاستسقاء.
(٣) بل في مناقب أبي بكر الصديق (٣٦٧٦).
(٤) بل هو قول أبي عمرو بن العلاء التميمي، وليس أبي عمرو الشيباني إسحاق بن مُرار، فقد نقله أبو عبيد في
((غريب الحديث)) ١ / ٨٧ عن أبي عمرو بن العلاء.

٤٩٢
باب ٢٨/ح ٧٠١٩
فتح الباري بشرح البخاري
وذكر الأزهَريّ أنَّ عَبقَر موضعٌ بالبادية، وقيل: بلدٌ كان يُنسَج فيه البُسُط المَوْشِيَّة،
فاستُعمِلَ في كلّ شيءٍ جيّدً وفي كلّ شيءٍ فائق. ونَقَلَ أبو عُبيد أنَّها من أرض الجِنّ، وصارَ
مثلاً لكلِّ ما يُنسَب إلى شيء نفيس. وقال الفَرّاء: العَبقَريّ: السَّيِّد، وكلّ فاخرٍ من حيوان
وجوهر، وبساط وصفت عليه، وأطلقوه على كلّ شيء عظيم في نفسه. وقد وَقَعَ في رواية
عُقيل المشار إليه (١): (يَنزِعِ نَزْع ابن الخطّاب))، وفي رواية أبي يونس: ((فلم أرَ نَزْع رجلٍ قَطّ
أقوی منه)).
قوله: ((حتَّى ضَرَبَ الناسُ بعَطَنِ)) بفتح المهمَلتَينِ وآخره نون: هو ما يُعَدّ للقُّربِ حولَ
البئر من مَبارك الإبل، والمراد بقولِه: ((ضَرَبَ)) أي: ضَرَبَت الإبل بعَطَن: بَرَكَت، والعَطَن
للإبلِ كالوطنِ للنّاس، لكن غَلَبَ على مَبرَكها حولَ الحوض. ووَقَعَ في رواية أبي بكر بن
سالم عن أبيه عند أبي بكر بن أبي شَيْبةٍ (١١/ ٦٢)(٢): ((حتَّى رَوِيَ الناسُ وضَرَبوا بعَطَنٍ))،
ووَقَعَ في رواية همَّامٍ: ((فلم يزل يَنزِعِ حتَّى تَولَّى الناسُ والحوض يَتَفَجَّر))، وفي رواية أبي
يونس: ((مَلآن یَتَفَجَّر)).
قال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أنَّ المراد خِلافة عمر، وقيل: هو لِخِلافَتِهما
معاً، لأنَّ أبا بكر جَمَعَ شَمل المسلمين أوَّلاً بدفع أهل الرِّدّة، وابتَدَأت الفُتوح في زمانه، ثمَّ
عَهِدَ إلى عمر فكَثُرَت في خِلافَتَه الفُتوحُ، واتَّسَعَ أمرُ الإسلام، واستَقَرَّت قواعدُه.
وقال غيره: معنى عِظَم الدَّلو في يد عمر: كَون الفُتوح كَثُرَت في زمانه، ومعنى
((استَحَالَت)): انقَلَبَت من الصِّغَر إلى الكِبر.
وقال النَّوويّ: قالوا: هذا المنام مِثال لما جَرَى للخليفتَينِ من ظُهور آثارهما الصالحة،
وانتفاع الناس بهما، وكلّ ذلك مأخوذٌ من النبيّ وَّه، لأَنَّه صاحب الأمر، فقامَ به أكمَلَ قيامِ،
وقَرَّرَ قواعد الدّين، ثمَّ خَلَفَه أبو بكر، فقاتَلَ أهل الرِّدّة، وقَطَعَ داِرَهم، ثمَّ خَلَفَه عمرُ، فَاتَّسَعَ
الإسلام في زَمَنه، فشَبَّهَ أمر المسلمين بقليبٍ فيه الماءُ الذي فيه حياتُهم وصلاحُهم، وشَبَّهَ
(١) يعني رواية عُقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة الآتية برقم (٧٠٢١).
(٢) ذهل الحافظ رحمه الله عن وجود هذه الطريق عند البخاري، وقد تقدمت برقم (٣٦٨٢).

٤٩٣
باب ٢٨/ح ٧٠١٩
كتاب التعبير
أميرَهم بالمستَقي لهم منها، وسَقيه هو قيامه بمصالحِهم، وفي قوله: ((ليُرِيحَني)) إشارةٌ إلى
خِلافة أبي بكر بعدَ موت النبيّ وَّهِ، لأنَّ في الموت راحةً من كدِّ الدُّنيا وتَعَبها، فقامَ أبو بكرٍ
بتدبير أمر الأُمّة ومُعاناة أحوالهم. وأمَّا قوله: ((وفي نَزعه ضعف)) فليس فيه حَطٌّ من فضيلته،
وإنَّما هو إخبارٌ عن حاله في قِصَر مُدّة ولايته، وأمَّا وِلاية عمر فإنَّها لمَّا طالَت كَثُرَ انتفاع
الناس بها، وأَتَّسَعَت دائرة الإسلام بكَثْرة الفُتوح وتَمصير الأمصار وتَدوين الدَّواوين. وأمَّا
قوله: ((والله يَغْفِر له)) فليس فيه نقصٌ له ولا إشارةٌ إلى أنَّه وَقَعَ منه ذَنْب، وإنَّما هي كلمة كانوا
يقولونها يُدعِّمونَ بها الكلامَ. وفي الحديث إعلامُ بخِلَافَتِهما، وصِحّة وِلايتهما وكَثْرة
الانتفاع بهما، فكان كما قال.
وقال ابن العربيّ: ليس المراد بالدَّلوِ التَّقدير الدّالّ على قِصَر الحظّ، بل المراد: التَّمَكُّن من
البئر، وقوله في الرّواية المذكورة(١): ((بدَلوِ بَكْرةٍ)) فيه إشارة إلى صِغَر الدَّلو قبلَ أن يصير غرباً.
وأخرج أبو ذَرِّ الهَرَويُّ في كتاب ((الرُّؤيا))(٢) من حديث ابن مسعود نحو حديث الباب،
لكن قال في آخره: ((فعَبِّرِها يا أبا بكر)) قال: أَلِي الأمرَ بعدَك، ويَلِيه بعدي عمرُ. قال:
((كذلك عَبَّرَها المَلَك)) وفي سنده أيوب بن جابر، وهو ضعيف، وهذه الزّيادة مُنكَرة.
وقد وَرَدَ هذا الحديث من وجهٍ آخرَ بزيادةٍ فيه، فأخرج أحمد (٢٠٢٤٢) وأبو / داود ٤١٤/١٢
(٤٦٣٧) واختاره الضّياء(٣) من طريق أشعَث بن عبد الرَّحمن الجَرميّ عن أبيه عن سَمُرة
ابن جُندُب: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، رأيتُ كأنَّ دَلواً دُلَّ من السماء، فجاء أبو بكر
فأخَذَ بعِراقَيها فشَرِبَ شُرباً ضعيفاً، ثمَّ جاء عمر فأخَذَ بعِراقَيها فشَرِبَ حتَّى تَضَلَّعَ، ثمَّ
جاء عثمان فأخَذَ بعِراقَيها فشَرِبَ حتَّى تَضَلَّعَ، ثمَّ جاء عليّ فأخَذَ بعِراقَيها فانتُشِطَت وانتَضَحَ
عليه منها شيء(٤).
(١) يعني المتقدمة في مناقب عمر برقم (٣٦٨٢).
(٢) وأخرجه كذلك أبو نعيم الأصبهاني في ((فضائل الخلفاء الراشدين)) (١٧٤).
(٣) لم نقف عليه فيما طُبع من ((الأحاديث المختارة)) للضياء المقدسي، فليس فيه شيء من مسند سمرة.
(٤) إسناده حسن من أجل الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي. وانظر تتمة تخريجه في ((المسند)).

٤٩٤
باب ٢٨/ح ٧٠١٩
فتح الباري بشرح البخاري
وهذا يُبيِّن أنَّ المراد بالنّزْعِ الضَّعيف والنَّزع القويّ: الفُتوحُ والغنائمُ.
وقوله: ((دُلِّيَ)) بضمِّ المهمَلة وتشديد اللّام، أي: أُرسِلَ إلى أسفلَ، وقوله: ((بعِراقَيها))
بكسر المهمَلة وفتح القاف، والعراقان: خَشَبَتَان تُجعَلان على فم الدَّلو مُتَخالفَتان لَرَبِطِ
الدَّلو. وقوله: (تَضَلَّعَ)) بالضّادِ المعجَمة، أي: مَلَأ أضلاعه، كِناية عن الشِّبَع، وقوله: ((انتُشِطَت))
بضمِّ المثنّة وكسر المعجَمة بعدَها طاء مُهمَلة، أي: نُزِعَت منه، فاضطَرَبَت وسَقَطَ بعضُ ما
فيها أو كلُّه.
قال ابن العربيّ: حديث سَمُرة يعارض حديث ابن عمر، وهما خَبَران. قلت: الثّاني هو
المعتمد، فحديث ابن عمر مُصرِّحٌ بأنَّ النبيَّ وَ﴿ هو الرَّائي، وحديث سَمُرة فيه أنَّ رجلاً أخبر
النبيّ ◌َّ أَنَّه رأى، وقد أخرج أحمد (٢٣٨٠١) من حديث أبي الطَّفَيَل شاهداً لحديثِ ابن
عمر، وزاد فيه: ((فَوَرَدتْ عَلَيَّ غنمُ سودٌ وغَنَمٌ عُفْرٌ))، وقال فيه: ((فأوَّلت السّودَ العربَ، والعُفْرَ
العَجَمَ))، وفي قصَّة عمر: ((فمَلَأ الحوض وأروى الواردةَ)).
ومن المغايرَة بينهما أيضاً أنَّ في حديث ابن عمر: (نَزع الماء من البئر))، وحديث سَمُرة
فيه نزول الماء من السماء، فهما قِصَّتان تَشُدّ إحداهما الأُخرى، وكأنَّ قصَّة حديث سَمُرة
سابقةٌ، فنزلَ الماء من السماء وهي خِزانَته، فأُسكِنَ في الأرض، كما يقتضيه حديث سَمُرة،
ثمّ أُخرِجَ منها بالدَّلوِ كما دَلَّ عليه حديث ابن عمر، وفي حديث سَمُرة إشارةٌ إلى نزول
النَّصْر من السماء على الخلفاء، وفي حديث ابن عمر إشارةٌ إلى استیلائهم على كُنوز الأرض
بأيديهم، وكلاهما ظاهر من الفُتوح التي فتحوها.
وفي حديث سَمُرة زيادةُ إشارةٍ إلى ما وَقَعَ لعليٍّ من الفتن والاختلاف عليه، فإنَّ
الناس أجَمَعوا على خِلافَته، ثمَّ لم يَلْبَث أهلُ الجمل أن خَرَجُوا عليه، وامتَنَعَ معاوية في أهل
الشّام ثمَّ حارَبَه بصِفّين، ثمَّ غَلَبَ بعدُ بقليلٍ على مِصرَ، وخَرَجَتِ الحُرُوريَّةُ علی عليّ، فلم
يَحَصُل له في أيام خِلافَته راحةٌ، فضُرِبَ المنام المذكور مثلاً لأحوالهم رضوان الله عليهم
أجمعينَ.

٤٩٥
باب ٢٩/ح ٧٠٢٠-٧٠٢١
كتاب التعبير
٢٩ - باب نزع الذَّنُوب والذَّنُوبَين من البئر بضَعْفٍ
٧٠٢٠- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبة، عن سالم، عن أبيه،
عن رُؤْيا النبيِّ وَّ في أبي بكرٍ وعمرَ، قال: ((رأيتُ الناسَ اجَتَمَعوا، فقامَ أبو بكرٍ فَتَزَعَ ذَنُوباً أو
ذُنُوبَينٍ، وفي نَزْعِه ضَعْفٌ، والله يَغْفِرُ له، ثمَّ قامَ ابنُ الخطّاب، فاستَحالَت غَرْباً، فما رأيتُ منَ
الناسِ مَن يَفْرِي فَرِيَّهُ، حَتَّى ضَرَبَ الناسُ بِعَطَنٍ)).
٧٠٢١ - حذَّثنا سعيدُ بنُ عُقَيرِ، حدَّثْنِي اللَّيْثُ، قال: حدَّثني عُقَلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني
سعيدٌ، أنَّ أبا هريرةَ أخبَرَه: أنَّ رسولَ اللهِّه قال: ((بينا أنا نائمٌ رأيتُني على قَلِيبٍ وعليها دَلْوٌ،
فَزَعْتُ منها ما شاءَ اللهِ، ثُمَّ أَخَذَها ابنُ أبي قُحَافَةَ، فَزَعَ منها ذَنُوباً أو ذَنُوبَينٍ، وفي نَزْعِه
ضَعْفٌ، والله يَغْفِرُ له، ثمَّ استَحالَت غَرْباً، فأخَذَها عمرُ بنُ الخطَّب، فلم أرَ عَبْقَرِّاً مِنَ الناسِ يَنْزِعُ
نَزْعَ عمرَ بنِ الخطَّبِ، حتَّى ضَرَبَ الناسُ بعَطَنٍ».
قوله: ((باب نَزْع الذَّنوب والذَّنوبينِ من البئر بضَعْفٍ)) أي: مع ضعْف نَزْعِ.
ذكر فيه حديث ابن عمر الذي / قبلَه وحديث أبي هريرة بمعناه. وزُهَير في الحديث الأوَّل: ٤١٥/١٢
هو ابن معاوية.
وقوله: ((عن رُؤْيا النبيّ وَجَ)) كأنَّه تقدَّم للتّابعيِّ سؤالٌ عن ذلك فأخبَرَه به
الصحابيّ.
وقوله: ((في أبي بكر وعمر)) أي: فيما يَتَعلَّق بمُدّة خِلافَتهما.
وقوله: ((قال: رأيت)) القائل: هو النبيّ ټ﴾، وحاکي ذلك عنه: هو ابن عمر.
وقوله: ((رأيت الناس اجتَمَعوا، فقامَ أبو بكر)) فيه اختصار يوضِّحه ما قبلَه، وأنَّ النبيَّ وَّ
بَدَأ أوَّلاً، فَنَزَعَ من البئر، ثمَّ جاء أبو بكر، وقد تقدَّمَت بَقيَّة فوائد حديثَي الباب في الذي
قبلَه. و((سعيد)) في الحديث الثّاني: هو ابن المسيّب.
وفي الحديثَينِ أنَّه مَن رأى أنَّه يَستَخرِج من بئرٍ ماءً أنَّه يَلي ولايةً جليلةً، وتكون مُدَّته
بحَسَبٍ ما استَخرَجَ قِلّةً وكَثْرةً، وقد تُعبَرَ البئر بالمرأة وما يَخرُج منها بالأولاد، وهذا الذي

٤٩٦
باب ٣٠-٣١/ح ٧٠٢٢-٧٠٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
اعتَمَدَه أهل التَّعبير، ولم يُعرِّجوا على الذي قبلَه فهو الذي ينبغي أن يُعوَّل عليه، لكنَّه بحَسَبٍ
حال الذي يَنزِع الماءَ، والله أعلم.
٣٠- باب الاستراحة في المنام
٧٠٢٢ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَرٍ، عن هَّم، أنَّه سمعَ
أبا هريرةَ عَ﴾ يقولُ: قال رسولُ الله ◌َّهَ: ((بينا أنا نائمٌ رأيتُ أنّي على حَوْضِ أسقي الناسَ، فأتاني
أبو بكرٍ فأخَذَ الدَّلْوَ مِن يَدِي لِيُرِ يحَنِي، فَتَزَعَ ذَتُوبِينٍ، وفي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، والله يَغِفِرُ له، فأتى ابنُ
الخطّاب فأخَذَ منه، فلم يزل يَنزِعُ حتَّى تَوَلَّى الناسُ والحَوْضُ يَتَفَجَّر)).
قوله: ((باب الاستراحة في المنام)) قال أهل التَّعبير: إن كان المستَريح مُستَلقياً على قَفَاهُ فإنَّه
يَقْوى أمره، وتكون الدُّنيا تحت يدِه لأنَّ الأرض أقوى ما يُستَنَد إليه، بخلاف ما إذا كان
مُنبطِحاً، فإنَّه لا يدري ما وراءه.
ذكر فيه حديث همَّام عن أبي هريرة في رُؤياه بِّهِ الدَّلوَ، وفيه: ((فأخَذَ أبو بكر الدَّلو
لِيُرِيحَني)»، وقد تقدَّمَت فوائده في الذي قبله.
وقوله فيه: ((رأيت أنّي على حَوضٍ أسقي الناس)) كذا للأكثر، وفي رواية المُستَمْلِي
والكُشمِيهنيّ: ((على حَوضي)» والأوَّل أولى، وكأنَّه كان يَملَأ من البئر فيَسكُب في الحوض،
والناس يَتناولونَ الماء لبَهائمِهم وأنفُسهم، وإن كانت رواية المُستَمْلي محفوظةً احتُمِلَ أن
يريد حَوضاً له في الدُّنيا، لا حَوضه الذي في القيامة.
٣١- باب القَصر في المنام
٧٠٢٣ - حدّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، حدَّثني اللَّيِثُ، حذَّثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني
سعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: بينا نحنُ جُلوسُ عندَ رسولِ اللهِوَ لاَ قال: ((بينا أنا نائمٌ
رأيتُني في الجنَّةِ، فإذا امرأةٌ تَتَوضَّأُ إلى جانبٍ قَصْرٍ، قلتُ: لمن هذا القَصْرِ؟ قالوا: لعمرَ، فذكرتُ
غَيرَتَه فَوَلَّيْتُ مُدِرًا)) قال أبو هريرةَ: فبَكَى عمرُ بنُ الخطّاب، ثمّ قال: أعليكَ - بأبي أنتَ وأُمّي
يا رسولَ الله - أغار؟!

٤٩٧
باب ٣١/ح ٧٠٢٣-٧٠٢٤٣
كتاب التعبير
٧٠٢٤- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليّ، حدَّثنا مُعتَمِرٌّ، حدَّثْنَا عُبِيدُ الله بنُ عمرَ، عن محمَّدِ بنِ المنگَدِرِ،
عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((دَخَلْتُ الجنَّةَ، فإذا أنا بقَصْرٍ من ذهبٍ، فقلتُ: لمن
هذا؟/ فقالوا: لرجلٍ من قُرَيشٍ، فما مَنَعَني أن أدخُلَه يا ابنَ الخطَّب إلّا ما أعلمُ مِن غَيرَتِكَ)) ٤١٦/١٢
قال: وعليكَ أغارُ يا رسولَ الله؟!
قوله: ((باب القَصْر في المنام)) قال أهل التَّعبير: القصر في المنام: عملٌ صالحٌ لأهلِ الدّين،
ولغيرهم حَبسٌ وضيق، وقد يُفسَّر دخولُ القصر بالتَّرويج.
ذكر فيه حديث أبي هريرة: بَيْنا نحنُ جُلوس عندَ رسول الله وَ الر قال: ((بينا أنا نائم
رأيتُني في الجنَّة) أخرجه من رواية عُقيل عن ابن شِهاب، ووَقَعَ عندَ مسلم (٢١/٢٣٩٥)
من رواية يونس بن يزيد عن ابن شِهاب بلفظ: ((بينما أنا نائمٌ إذ رأيتُني)»، وهو بضمِّ التاء
ضمير المتكلِّم.
قوله: ((فإذا امرأةٌ تَتَوضَّأ) تقدَّم في مناقب عمر ما نُقِلَ عن ابن قُتَيبة والخطَّبيّ أنَّ قوله:
(تَتَوضَّأ)) تصحيفٌ، وأنَّ الأصل ((شَوهاء)) بشينٍ مُعجَمة مفتوحة وواو ساكنة ثمَّ هاء عِوض
الضّاد المعجَمة، واعتَلَّ ابن قُتَية بأنَّ الجنَّة ليست دارَ تكليف، ثمَّ وجَدتُ بعضهم اعتَرَضَ
عليه بقولِه: وليس في الجنَّة شَوهاء، وهذا الاعتراض لا يَرُدّ على ابن قُتَيبة، لأنَّه ادَّعَى أنَّ المراد
بالشَّوهاءِ الحَسناءُ كما تقدَّم بيانه واضحاً، قال: والوضوء لُغَويّ ولا مانع منه.
وقال القُرطُبيّ: إِنَّمَا تَوضَّأتْ لتَزدادَ حُسناً ونوراً، لا أنَّها تُزيل وسَخاً ولا قَذَراً، إذ
الجنَّة مُنَّهة عن ذلك.
وقال الكِرْمانيُّ: تَتَوضَّأ من الوضاءة وهي النَّظافة والحُسن، ويحتمل أن يكون من الوضوء،
ولا يَمنَع من ذلك گونُ الجنَّة ليست دار تكليف، جوازٍ أن يكون على غير وجه التكليف.
قلت: ويحتمل أن لا يُراد وقوعُ الوضوء منها حقيقةً لكَونِه مَناماً، فيكون مِثالاً لحالة
المرأة المذكورة، وقد تقدَّم في المناقب (٣٦٧٩) أنَّها أمّ سُلَيم(١)، وكانت في قَيد الحياة حينئذٍ،
(١) لفظه في المناقب: ((فإذا أنا بالرُّميصاء امرأة أبي طلحة)).

٤٩٨
باب ٣٢/ح ٧٠٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
فرآها النبيّ وََّ في الجنَّة إلى جانب قصر عمر، فيكون تَعبيره بأنَّا من أهل الجنَّة لقولٍ
الجمهور من أهل التَّعبير: إنَّ مَن رأى أنَّه دَخَلَ الجنَّة أنَّه يَدخُلها، فكيفَ إذا كان الرَّائي
لذلك أصدَقَ الخلق؟ وأمَّا وُضوؤُها فيُعبَرَ بنظافَتِها حِسّاً ومعنّى وطهارتها جِسماً وحُكماً،
وأمّا گونها إلى جانب قصر عمر ففيه إشارةٌ إلى أنَّها تُدرك خلافته، وكان كذلك، ولا يعارض
هذا ما تقدَّم في صِفَة الجنَّة من بَدْء الخلق (٣٢٤٢) من أنَّ رُؤيا الأنبياء حَقّ، والاستدلال
على ذلك بغيرة عمر، لأنَّه لا يَلزَم من كَون المنام على ظاهره أن لا يكون بعضُه يَفْتَقِر إلى تَعبير،
فإنَّ رُؤيا الأنبياء حَقّ يعني ليست من الأضغاث، سواء كانت على حقيقتها أو مِثالاً، والله أعلم،
وقد تقدَّمَت بقية فوائد هذا الحديث في المناقب (٣٦٨٠).
وقوله: ((أعليك بأبي أنتَ وأُمّي يا رسول الله أغار؟!)) تقدَّم أنَّه من المقلوب، لأنَّ
القياس أن يقول: أعلَيها أغار مِنك؟ وقال الكِرْمانيُّ: لفظ: ((عليك)) ليس مُتعلِّقاً بأغارُ، بل
التَّقدير: مُستعلياً عليك أغار عليها، قال: ودعوى القياس المذكور ممنوعة، إذ لا مُوِج إلى
ارتكاب القلب مع وضوح المعنى بدونِهِ، ويحتمل أن يكون أطلقَ ((على)) وأراد ((من)) كما قيل: إنَّ
حُروف الجرّ تَتَناوب.
وفي الحديث جواز ذِكْر الرجل بما عُلمَ من خُلُقه كغَيرة عمر.
وقوله: (لِرِجُلٍ من قُرَيش)) عُرِفَ من الرِّواية الأُخرى أنَّه عمر، قال الكِرْمانيُّ: علم
النبيّ ◌َ﴿ أَنَّه عمر إمّا بالقَرائنِ وإمّا بالوحي.
قوله: (مُعتَمِر)) هو ابن سليمان التَّيميُّ البصريّ، وعُبيد الله بن عمر: هو العُمَريّ المدنيّ،
وتقدَّم حديثُ جابر أتمَّ من هذا وشرحُه مُستَوقَى في المناقب (٣٦٧٩).
٣٢- باب الوضوء في المنام
٧٠٢٥- حدَّثني يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني سعيدٌ
٤١٧/١٢ ابنُ المسيّبِ،/ أنَّ أبا هريرةَ قال: بينما نحنُ جُلوسُ عندَ رسولِ اللهِ وَ قال: ((بينا أنا نائمٌ رأيتُني
في الجنَّةِ، فإذا امرأةٌ تَتَوضَّأُ إلى جانبٍ قَصْرٍ، فقلتُ: لمن هذا القَصْرِ؟ فقالوا: لعمرَ، فذكرتُ غَيْرَتَه

٤٩٩
باب ٣٣-٣٤/ح ٧٠٢٦ -٧٠٢٧
كتاب التعبير
فَوَلَّيْتُ مُدِراً) فبَكَى عمرُ، وقال: عليكَ - بأبي وأُمّي يا رسولَ الله - أغارُ؟!
قوله: ((باب الوضوء في المنام)) قال أهل التَّعبير: رُؤية الوضوء في المنام وسيلة إلى سُلطان أو
عمل، فإن أتمَّه في النَّومِ حَصَلَ مُراده في اليَقَظة، وإن تَعذَّرَ لعَجِزِ الماء مثلاً أو تَوضَّأ بما لا تجوز
الصلاة به فلا، والوضوء للخائفِ أمان، ويدلّ على حصول الثَّواب وتكفير الخطايا، وذكر فيه
حديث أبي هريرة المذكور في الباب الذي قبلَه، وقد مضى الكلام فيه (٧٠٢٣).
٣٣- باب الطّواف بالكعبة في المنام
٧٠٢٦ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني سالم بنُ عبدِ الله بنِ
عمرَ: أنَّ عبد الله بنَ عمر رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: ((بينا أنا نائمٌ رأيتُني أطوفُ
بالكَعْبةِ، فإذا رجلٌ آدَمُ سَبِطُ الشَّعَرِ بينَ رجُلَيْنِ، يَنْطِفُ رأسُه ماءً، فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: ابنُ
مريمَ، فذهبتُ ألْتَفِتُ، فإذا رجلٌ أحمرُ جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأسِ، أعوَرُ العينِ اليُمنَى، كأنَّ عينَه
عِنَبَةٌ طافيةٌ، قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: هذا الدَّجَالُ، أقرَبُ الناسِ به شَبَهاً ابنُ قَطَنٍ)).
وابنُ قَطَنِ رجلٌ من بني المصْطَلِقِ من خُزاعةَ.
قوله: ((باب الطَّواف بالكَعْبةِ في المنام)) قال أهل التَّعبير: الطَّواف يدلّ على الحجّ، وعلى
التَّزويج، وعلى حصول أمر مطلوب من الإمام، وعلى برّ الوالدين، وعلى خدمة عالم، والدُّخول
في أمر الإمام، فإن كان الرَّائي رقيقاً دَلَّ على نُصحِه لسَيِّدِه.
قوله: ((بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة)) الحديث، تقدَّم شرحُه مُستَوَى في ذِكْر عیسی
عليه السلام من أحاديث الأنبياء (٣٤٤٠)، ويأتي شيء ممَّا يَتَعلَّق بالدَّجال(١) في كتاب الفتن
(٧١٢٨) إن شاء الله تعالى.
٣٤ - باب إذا أعطى فَضلَهُ غيرَه في النوم
٧٠٢٧- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني همزةُ بنُ
عبدِ الله بن عمرَ، أنَّ عبد الله بنَ عمرَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وََّ يقول: ((بينا أنا نائمٌ أَتِيتُ بِقَدَحِ
(١) تحرَّف في (س) إلى: بالرجال.

٥٠٠
باب ٣٥/ح ٧٠٢٨-٧٠٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
لَبَّنِ فَشَرِبتُ منه، حتَّى إِنّي لأَرَى الرِّيَّ يَجْرِي، ثمَّ أعطَيتُ عمرَ)) قالوا: فما أوَّلْتُه يا رسولَ الله؟ قال:
((العِلم)).
قوله: «باب إذا أعطَی فَضْلہ غیرَه في النّوم» ذکر فیه حديث ابن عمر الماضي في ((باب
اللَّبَنِ)) (٧٠٠٦) مشروحاً .
وقوله: ((الرِّيّ)) أي: ما يُتَرَوَّى به وهو اللَّبَن، أو هو إطلاقٌ على سبيل الاستعارة. قاله
الكِرْمانيّ، قال: وإسنادُ الخروج إليه قَرِينةٌ، وقيل: الرِّيّ اسم من أسماء اللَّبَن.
٤١٨/١٢
٣٥- باب الأمن وذَهاب الرَّوع في المنام
٧٠٢٨ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عَفّانُ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا صَخْرُ بنُ جُوَيِرِيةَ،
حدَّثنا نافعٌ، أنَّ ابنَ عمرَ قال: إنَّ رجالاً من أصحاب النبيِّ وَِّ كانوا يَرَوْنَ الرُّؤْيا على عَهْدِ
رسولِ اللهِ وَ﴾ِ، فَيَقُصّونَها على رسولِ اللهِوَ له، فيقول فيها رسولُ الله وَ ليل ما شاءَ الله، وأنا غلامٌ
حديثُ السِّنِّ وبيتي المسجدُ قبلَ أن أنكِح، فقلتُ في نفسي: لو كان فيكَ خيرٌ لَرأيتَ مِثلَ ما
يَرَى هؤلاءِ، فلمَّا اضطَجَعْتُ ليلةً قلتُ: اللهمَّ إن كنتَ تعلمُ فيَّ خيراً فأرِنِي رُؤْيا، فبينما أنا
كذلك إذ جاءني مَلَكان في يدِ كلِّ واحدٍ منهما مِقْمَعةٌ من حديدٍ، يُقْبِلانِ بي إلى جَهِنَّمَ، وأنا بينهما
أدعو الله: اللهمَّ أعوذُ بكَ من جَهنَّمَ، ثمَّ أُرانيٍ لَقِيَتِي مَلَكٌّ في يدِهِ مِقْمَعةٌ من حديدٍ، فقال: لم
تُرَغْ، نِعْمَ الرجلُ أنتَ لو تُكْثِرُ الصلاةَ، فانطَلَقوا بي حتَّى وَقَفوا وجَهنَّمُ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البئرِ، له
قُرُونٌ كَقَرْنِ البئرِ، بِينَ كلِّ قَرْنَينِ مَلَكٌ بَيَدِهِ مِقْمَعَةٌ من حديدٍ، وأُرَى فيها رجالاً مُعلَّقِينَ بالسَّلامِلِ،
رؤوسُهم أسفلَهم، عَرَفتُ فيها رجالاً من قُرَيشٍ، فانصَرَ فوابي عن ذات اليَمِينِ.
٧٠٢٩ - فقَصَصْتُها على حفصةَ، فقَصَّتْها حفصةُ على رسولِ الله وَّةِ، فقال رسولُ الله ◌َّ:
((إنَّ عبد الله رجلٌ صالحٌ)).
فقال نافعٌ: فلم يزَل بعدَ ذلك يُكْثِرُ الصلاةَ.
قوله: «باب الأمن وذهاب الرَّوْع في المنام)» الرَّوع، بفتح الرَّاء وسكون الواو بعدَها عين
مُهمَلة: الخوف، وأمَّا الرُّوع، بضمِّ الرَّاء: فهو النَّفس. قال أهل التَّعبير: مَن رأى أنَّه خائف