Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ باب ٧ كتاب التعبير ومعاوية وابن عمر وأبي الطّفَيل وسعيد بن المسيّب وسعيد بن جُبَير والشَّعْبيّ في إحدى الرِّوايتَينِ عنهما، ومجاهد والحَسَن ومحمَّد بن كعب وأبي جعفر الباقر وأبي صالح والرَّبيع بن أنس وأبي عَمْرو بن العلاء وعمر بن عبد العزيز وابن إسحاق: أنَّ الذَّبيح إسماعيل، ويُؤيِّده ما تقدَّم، وحديث: ((أنا ابن الذَّبِيحَينِ)) رُوِّيناه في ((الِلَعيّات))(١) من حديث معاوية، ونَقَلَه عبد الله بن أحمدَ عن أبيه، وابن أبي حاتم عن أبيه، وأطنَبَ ابن القَيِّم في ((الهدي)) في الاستدلال لتقویتِه. وقرأتُ بخَطِّ الشَّيخ تَقيّ الدّين السُّبْكيّ أنَّه استَنْبَطَ من القرآن دليلاً، وهو قوله في الصّافّات: ﴿وَقَالَ إِنِّ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ ﴾ [الصافات: ٩٩ - ١٠٢]، وقوله في هود: ﴿ وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ﴾ إلى قوله: وَهَذَا بَعْلِى شَيْخًا﴾ [هود:٧١ - ٧٢]، قال: ووجه الأخذ منهما أنَّ سياقهما يدلّ على أنَّهما قِصَّتان مُخْتَلِفَتَان في وَقَتَين: الأولى: عن طَلَبٍ من إبراهيم وهو لمَّا هاجَرَ من بلاد قومه في فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ ابتداء أمره، فسألَ من رَبّه الوَلَدَ ﴿ فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ ) إِّ أَرَى فِ الْمَنَامِ / أَنَّ أَذْبَحُكَ ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٢]، والقصَّة الثّانية بعد ذلك بدَهرِ طَويلٍ ٣٧٩/١٢ لمَّا شاخَ، واستُبعِدَ مِن مِثله أن يَجِيء له الوَلَدُ، وجاءَته الملائكةُ عندَما أُمِروا بإهلاكِ قوم لوطٍ، فَبَشَّروهُ بإسحاق، فتَعيَّنَ أن يكون الأوَّل إسماعيل، ويُؤيِّده أنَّ في التَّوراة أنَّ إسماعيل بِكْرُه، وأنَّه ◌ُلِدَ قبل إسحاق. قلت: وهو استدلالٌ جَيِّد وقد كنتُ أستَحسِنُه وأحتَجّ بِهِ، إلى أن مرَّ بي قولُه في سورة إبراهيم: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾[إبراهيم:٣٩]، فإنّه يُعگِّر على قوله: إنَّه رُزِقَ إسماعيلَ في ابتداءِ أمرِه وقُوَّته، ولأنَّ هاجَرَ والدة إسماعيل صارت لسارةَ من قِبَل الجَبّار الذي وهَبَها لها، وأنَّها وهَبَتْها لإبراهيم لمَّا يَئِسَتْ من الوَلَد، فولدت هاجَرُ إسماعيلَ، فغارت سارةُ منها كما تقدَّمَت الإشارة إليه في ترجمة إبراهيم من أحاديث (١) في الجزء الرابع عشر منه (٢٩). ٤٢٢ باب ٧ فتح الباري بشرح البخاري الأنبياء (٣٣٦٤)، وولدَت بعد ذلك إسحاق، واستَمرَّت غَيرةُ سارةَ، إلى أن كان مِن إخراجها وَوَلِدِها إلى مكّة ما كان، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في ((المبتَدَأ)» مُفصَّلاً، وأخرجه الطَّبَرِيُّ في «تاريخه)) مِن طريقه. وأخرج الطَّبَرَيُّ من طريق السُّدِّيّ قال: انطَلَقَ إبراهيم من بلادِ قومه قِبَل الشّامِ، فَلَقيَ سارةً وهي بنت مَلِك حَرّان، فَآمَنَت به فتزوَّجَها، فلمَّا قَدِمَ مِصرَ وهَبَها الجَّارُ هاجَرَ، ووهبتها له سارةُ، وكانت سارةُ مُنِعَتِ الوَلَد، وكان إبراهيمُ قد دَعَا اللهَ أن يَهَبَ له ولداً مِن الصالحين، فَأُخِّرَت الدَّعوةُ حتَّى كَبِرَ، فلمَّا عِلِمَت سارةُ أنَّ إبراهيم وَقَعَ على هاجَرَ حَزِنَت على ما فاتَهَا مِن الوَلَد. ثمَّ ذكر قصَّة مَجَيء الملائِكَة بسببٍ إهلاك قومٍ لوطٍ وتبشيرهم إبراهيمَ بإسحاق، فلذلك قال إبراهيم: ﴿اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾، ويقال: لم يكن بينهما إلّا ثلاث سنين، وقيل: كان بينهما أربع عشرة سنةً، وما تقدَّم من كَون قصّة الذَّبيح كانت بمكّة حُجّة قويّة في أنَّ الذَّبيح إسماعيل، لأنَّ سارةَ وإسحاق لم يكونا بمكّة، والله أعلم. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿أَسْلَمَا﴾: سَلَّما ما أُمِرا به، ﴿وَتَلَّهُ﴾: وضَعَ وَجْهَه بالأرضِ)) قال الفِرْيابيّ في ((تفسيره)»: حدَّثنا وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا ﴾ قال: سَلَّما ما أُمِرا به، وفي قوله: ﴿وَقَلَّهُ لِلْحِينِ﴾ قال: وضَعَ وجهه للأرض، قال: لا تَذبَحْني وأنتَ تَنظُرُ في وَجْهِي لئلّا تَرَمَنِي، فوضَعَ جَبهَتَه في الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السُّدِّيّ قال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: سَلَّمالله الأمرَ، ومن طريق أبي صالح قال: أنَّفَقا على أمرٍ واحدٍ، ومن طريق قَتَادة: سَلَّمَ إِبراهيمُ لأمرِ الله، وسَلَّمَ إسحاقُ لأمرٍ إبراهيم، وفي لفظ: أمَّا هذا فأسلَمَ نفسَه لله، وأمَّا هذا فأسلَمَ ابنَه لله، ومن طريقِ أبي عمران الجَوْنيّ: تَلَّه للجَبين: كَبَّه لوجهه. تنبيه: هذه التَّرجمة والتي قبلها ليس في واحدٍ منهما حديثٌ مُسنَد، بل اكتَفَى فيهما بالقرآن، ولَما نظائر، وقول الكِرْمانيّ: إنَّه كان في كلّ منهما بياضٌ ليُلحَق به حديثٌ يناسبه مُحْتَمَل مع بُعدِه. ٤٢٣ باب ٨-٩/ح ٦٩٩١ كتاب التعبير ٨- باب التّواطؤ على الرُّؤيا ٦٩٩١٠ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عمرَ ﴾: أنَّ أناساً أُرُوا ليلةَ القَدْرِ فِي السَّبْعِ الأواخِرِ، وأنَّ أناساً أُرُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((الْتَمِسوها في السَّبْعِ الأواخِرِ)). قوله: ((باب الثَّواطُؤ على الرُّؤْيا)) أي: تَوافُق جماعةٍ على شيءٍ واحدٍ، ولو اختَلَفَت عِباراتُهم. قوله: «أنَّ أُناساً أُرُ وا ليلة القَدْر في السَّبْع الأواخر، وأنَّ أُناساً)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ناساً. قوله: «أُرُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، فقال النبيّ ◌َِّ: الْتَمِسوها في السَّبْعِ الأواخر)) كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية من طريق سالم بن عبد الله بن/ عمر، وتقدَّم في أواخر الصيام (٢٠١٥) من طريق ٣٨٠/١٢ مالك عن نافع مثله، لكنَّ لفظه: «أَرَى رُؤياكم قد تَواطَأْت في السَّبع الأواخِر، فمَن كان مُتَحرّيَها)) الحديث، ولم يَذْكُر الجملة الوُسطَى، واعتَرَضَه الإسماعيليّ فقال: اللَّفظ الذي ساقَه خِلَافُ التَّواطُؤْ، وحديث التَّواطُؤْ: ((أَرَى رُؤياكم قد تَواطَأْت على العَشرِ الأواخر)). قلت: لم يَلتَزِمِ البخاريّ إيراد الحديث بلفظ التَّواطُؤ، وإنَّما أراد بالتَّواطُؤْ: التَّوافُق، وهو أعمُّ من أن يكون الحديثُ بلفظه أو بمعناه، وذلك أنَّ أفراد السَّبْعِ داخلٌ في أفرادِ العَشْرِ، فلمَّا رأى قومٌ أنَّها في العَشْرِ وقومٌ أَنَّهَا في السَّبْع، كانوا كأنَّهِم تَوَافَقوا على السَّبع، فأمَرَهم بالْتِماسها في السَّبع، لِتَوافُقِ الطائفَتَينِ عليها، ولأنَّه أيسَرُ عليهم، فجَرَى البخاريّ على عادتِه في إيثار الأخفَى على الأجلَى، والحديثُ الذي أشارَ إليه تقدَّم في كتاب قيام اللّيل (١١٥٨) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: رأيتُ كأنَّ بيَدي قِطعةَ إستَبْرَق، الحديث، وفيه: وكانوا لا يزالونَ يَقُصّونَ على النبيّ ◌َِّ الرُّؤيا، وفيه: ((أَرَى رُؤياكم قد تَواطَأْت في العَشْر الأواخِر)) الحديث. ويُستَفاد من الحديث أنَّ تَوافُق جماعةٍ على رُؤيا واحدةٍ دالٌّ على صِدْقها وصِخَّتها، كما تُستَفاد قوّة الخبر من التَّوارُد على الإخبارِ من جماعةٍ. ٩- باب رؤيا أهل السّجون والفساد والشّرك لقوله تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ إلى قوله: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٣٦ -٥٠]. ٤٢٤ باب ٩/ح ٦٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال الفُضَيلُ لبعضِ الأتباع: يا عبدَ الله ﴿ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونٍِ إِلَّ أَسْمَاءُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَِِّّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٤٠ يَصَحَِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَسْقِى رَبَّهُ، خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسَنَفْتِيَانِ ) وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَنَةُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (١) وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ ◌ِجَفٌ وَسَبْعَ سُتْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَا بِسَتٍ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِىِ فِي رُمْ يَىَ إِن كُمْ لِلْرُِّيَا تَعْبُرُونَ ﴿ قَالُواْ أَضْغَاتُ أَعْلَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَمِ بِعَلِينَ ) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِئُكُمْ بِتَأْوِيِ، فَأَرْسِلُونِ (٥) فِي سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَاٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِبَانٌ وَسَيْعِ سُنَّبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتٍ لَعَلَى أَرْجِعُ ٣٨١/١٢ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبَا فَمَا حَصَدُمْ فَذَرُوهُ فِى / سُنَبْلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّانَأْكُلُونَ (٢) ثُمَّيَأَنِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّ مْتُمْ لَنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِّعَا تُحْصِنُونَ (٥) ثُمَ يَأْتِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٥) وَقَالَ الملِكُ أَتْتُونِي بِهٌِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾. ﴿تُحْصِنُونَ﴾: تَحرُسونَ. ﴿وَأَذَّكَرَ﴾: افتَعَلَ من ذَكَرْتُ. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: قَرْنٍ. ويُقرَأُ: (أَمَهٍ)): نِسْيانٍ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: يَعْصِرونَ الأعنابَ والدُّهْنَ. ٦٩٩٢ - حدَّثنا عبدُ الله، حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن مالكِ، عن الزُّهْريِّ، أنَّ سعيدَ بنَ المسيّبِ وأبا عُبيدٍ أخبَرَاه، عن أبي هريرةَ عُه، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((لولَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يوسفُ ثمَّ أتاني الدّاعِي لأَجَبْتُه)». قوله: (باب رُؤْيا أهلِ السُّجون والفساد والشِّرْك)) تقدَّمَت الإشارة إلى أنَّ الرُّؤيا الصَّحيحة ٤٢٥ باب ٩/ح ٦٩٩٢ كتاب التعبير وإن اختَصَّت غالباً بأهلِ الصَّلاح، لكن قد تَقَع لغيرهم، ووَقَعَ في رواية أبي ذرِّ بَدَل الشِّرك: ((الشُّرّاب)) بضمِّ المعجَمة والتَّشديد جمع شارب، أو بفتحَتَينِ مُفَّفاً، أي: وأهل الشَّراب، والمراد: شُرَبة المحرَّم، وعطفُه على أهل الفساد من عَطفِ الخاصّ على العامّ، كما أنَّ المسجون أعمُّ من أن يكون مُفسِداً أو مُصلِحاً، قال أهلُ العلم بالتَّعبير: إذا رأى الكافرُ أو الفاسقُ الرُّؤيا الصالحة، فإنَّهَا تكون بُشرَى له بهِدايتِه إلى الإيمان مثلاً أو التَّوبة، أو إنذاراً من بَقائِه على الكُفر أو الفِسق، وقد تكون لغيره ثمَّن يُنسب إليه من أهل الفضل، وقد یری ما يدلّ على الرِّضا بما هو فيه، ويكون من جملة الابتلاء والغُرور والمكر، ونعوذ باللهمن ذلك. قوله: ((وقوله تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانِ﴾ إلى قوله: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ في رواية كَرِيمة الآيات كلَّها، وهي ثلاث عشرة آية. قال السُّهَيليّ: اسمُ أحدِهما: شَرهم، والآخر: شُرهم، كلّ منهما بمُعجَمةٍ، إحداهما مفتوحة والأُخرى مضمومة(١). قال: وقال الطَّبَريُّ: الذي رأى أنَّه يَعصِر ◌َمراً اسمه نبو، وذكر اسمَ الآخر فلم أحفَظه. قلت: سَمّاه مجلث بمُعجَمةٍ ومُثلَّثة، وعزاه لابنِ إسحاق في ((المبتَدَأ))، وبه جَزَمَ الثَّعلَبِيّ. وذكر أبو عُبيد البكريّ في كتاب ((المَسالك)) أنَّ اسم الخَبّاز: راشان، والساقيّ: مرطش، وحَكَوا أنَّ الملِك اتَّهَمهما أنَّهما أرادا سَمَّه في الطَّعام والشَّراب، فحَبَسهما إلى أن ظَهَرَت براءةُ ساحة الساقي دونَ الخَبّاز، ويقال: إنَّهما لم يَرَيا شيئاً، وإنَّما أرادا امتحانَ يوسف، فأخرج الطََّرِيُّ (٢١٤/١٢) عن ابن مسعودٍ قال: لم يَرَيا شيئاً، وإنَّما تحالما (٢) ليُجرِّبا، وفي سنده ضعفٌ. وأخرج الحاكم (٤/ ٣٩٥ -٣٩٦) بسندٍ صحيح(٣) عن ابن مسعودٍ نحوه، وزاد: فلمَّا ذكر لهما التَّأويل قالا: إنَّما كنَّا نَلعَب، قال: ﴿قُضِيَ الأمر﴾ الآية. (١) كذا ضبطه الحافظ رحمه الله، وهو خلاف ما ضبطه به القرطبي في ((تفسيره)) حيث ضبط أحدهما بالشين المعجمة، والآخر بالسين المهملة. (٢) تحرَّف في الأصلين و (س) إلى: تحاكما، من التحاكم، والتحالم: هو أن يخبر أنه رأى في النوم ما لم يره. (٣) وهو أيضاً عند الطبري ٢٢١/١٢، وابن أبي حاتم في ((تفسيره) ٢١٤٨/٧. ٤٢٦ باب ٩/ح ٦٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال الفُضَيل ... )) إلى آخره، وَقَعَ لأبي ذرِّ بعد قوله: ﴿آرجِعْإِلَى رَیِكَ﴾، وعند گرِیمة عند قوله: ﴿َأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ وهو الأليَقُ، وعند غيرهما بعد قوله: الأعناب والدُّهن. قوله: ((تُحْصِنونَ: تَحْرُسونَ)) كذا لهم من الحِراسة، وعند أبي عُبيدة في ((المجاز)): تُرِزونَ، بزايٍ بَدَل السّين من الإحراز، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: ◌َخُنونَ، بخاٍ مُعجَمة ثمّ زاي ونونین، من اخْن. قوله: «﴿وَاذَگرَ﴾: افتَعَلَ مِن ذكرتُ» في رواية الگُشمِيهنيّ: مِن ذَكَر، وهو من كلام أبي عُبيدة، قال: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: افتَعَلَ من ذكرتُ، فأُدغِمَت التاء في الذّال فحُوِّلَت دالاً، يعني مُهمَلة ثقيلة. قوله: ((﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: قَرْن)) هو قول أبي عُبيدة، قاله في تفسير آل عمران، وقال في تفسير يوسف: بعد حين، وأخرجه الطَّبَريُّ (٢٢٧/١٢) بسندٍ جيّد عن ابن عبّاس مِثله، ومن طريق سماك عن عِكْرمة (٢٢٨/١٢) قال: بعد حِقبة من الدَّهر، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن ◌ُبیر: بعد سنین. قوله: ((ويُقْرَأْ: أمَهٍ)) بفتح أوَّله وميم بعدها هاء منوّنة: نِسْيان، أي: تَذَكَّرَ بعدَ أن كان ٣٨٢/١٢ نَسِيَ، وهذه القراءة نُسِبَت في الشَّواذَ لابنٍ / عبَّاس وعِكْرمة والضَّحّاك، يقال: رجل مَأموهٌ، أي: ذاهبُ العَقْل، قال أبو عبيدة: قُرِئَ ((بعد أمَهِ))، أي: نِسْيان، تقول: أمِهْتُ آمَه أمْهاً، بسکونِ المیم، قال الشّاعر: أمَهْتُ وكنتُ لا أنسَى حديثاً وقال الطَّبَرِيُّ: رويَ عن جماعةٍ أنَهم قَرَؤُوا: ((بعد أمَهِ)) ثمَّ ساقَ بسندٍ صحيح (٢٢٨/١٢) عن ابن عبّاس أنَّه كان يقرؤُها: بعد أمَهِ، وتفسيرُها: بعد نِسْيانٍ، وساقَ مِثلَه عن عِكْرمة والضَّحّاك، ومن طريق مجاهد نحوه، لكن قالها بسكونِ المیم. قوله: ((وقال ابن عبّاس: يَعْصِرونَ الأعناب والدُّهْن)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ٤٢٧ باب ٩/ح ٦٩٩٢ كتاب التعبير يقول: الأعناب والدُّهن، وفيه رَدُّ على أبي عُبيدة في قوله: إنَّه من العُصرة، وهي المَنْجاة، فمعنى قوله ﴿يَعْصِرُونَ﴾: يَنْجونَ. ويُؤيِّد قولَ ابن عبّاس قولُه في أوَّل القصَّة: ﴿إِنَّ أَرَنِىّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وقد اختلف في المراد به: فقال الأكثر: أطلَقَ عصر الخمر باعتبار ما يؤول إليه، وهو كقولِ الشّاعر: الحمدُ لله العليِّ المَنَّانْ صارَ الثَّريدُ فِي رُؤوس القُضبانْ أي: السُّنْبُل، فسَمَّى القمحَ ثَريداً باعتبار ما يؤول إليه. وأخرج الطَّبَرِيُّ (٢١٥/١٢) عن الضَّحّاك قال: أهلُ عُمان يُسمّونَ العِنَب ◌َراً، وقال الأصمعيّ: سمعتُ مُعتَمِرَ بن سليمان يقول: لَقيتُ أعرابيّاً معهُ سَلّةُ عِنَبٍ، فقلت: ما مَعَك؟ قال: ◌َمر، وقرأ ابن مسعود: ((إنّ أراني أعصِرُ عِنَباً)) أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ حسن، وكأنَّه أراد التَّفسير، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عِكْرمة: أنَّ الساقي قال ليوسف: رأيتُ فيما يرى النائمُ أنّ غَرَستُ حَبَةً(١) فَنَبَتَت، فخَرَجَ فيها ثلاثُ عَناقيد فعَصَرتُهنَّ، ثمَّ سَقَيتُ الملِك، فقال: تَمَكُث في السِّجن ثلاثاً، ثمَّ تَّخْرُج فَتَسِقِيه، أي: على عادَتِك. قوله: ((جُوَيرِيَة)) بالجيم(٢) مُصغَّر، وهو ابن إسماءَ (٣) الضُّبعيُّ، وروايته عن مالك من الأقران. قوله: ((لو لَبْتُ في السِّجْن ما لَبِثَ يوسفُ، ثمَّ أتاني الدّاعي، لَأَجَبْته)) كذا أورَدَه مختصراً، وقد تقدَّم في ترجمة يوسف من أحاديث الأنبياء (٣٣٨٧) من هذا الوجه، وزاد فيه قصَّة لوط، وتقدَّم شرحُه في أحاديث الأنبياء، وأخرجه النَّسائيُّ في التَّفسير (ك١٠٩٨٤) من هذا الوجه، وزاد في أوَّله: ((نحنُ أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم)) الحديث، وأخرجه مسلم (٢٣٨/١٥١) من هذا الوجه، لكن قال: مِثل حديث يونس بن يزيد عن الزُّهْريّ عن سعيد وأبي سَلَمة، عن أبي هريرة بطولِهِ، ومن طريق أبي أويس (٢٣٨/١٥١) عن الزُّهْريّ مِثل مالك، وأخرجه (١) تحرف في (س) إلى: حبةً. والحَبَلةُ، بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة واللام، واحدة الحَبَل، وهو شجر العنب. (٢) تحرَّف في (س) إلى: بالضم. (٣) تحرَّف في (س) إلى: إسماعيل. ٤٢٨ باب ١٠/ ح ٦٩٩٣ فتح الباري بشرح البخاري الدّارَ قُطنيُّ في ((غرائب مالك)) من طريق جُويرية بطولِه، أخرَ جوه كلّهم من رواية عبد الله ابن محمَّد بن أسماء عن عمّه جويرية بن أسماء، وذكر أنَّ أحمدَ بن سعيد بن أبي مريم رواه عنه فقال: عن أبي سَلَمة، بَدَل أبي عُبيد، ووهمَ فيه، فإنَّ المحفوظَ عن مالكِ أبو عُبيد لا أبو سَلَمة، وكذلك أخرجه من طريق سعيد بن داود عن مالك أنَّ ابن شِهاب حدَّثه أنَّ سعيداً وأبا ◌ُبید أخبراه به. وقد وَقَعَ في بعض طُرُقه بأبسَطَ من سياقه، فأخرج عبد الرَّزّاق(١) عن ابن عُيَينةً عن عَمْرو بن دينار عن عِكْرمة رَفَعَه: «لقد عَجِبتُ من يوسف وكَرَمِه وصَبره، حتَّى سُئلَ عن البقرات العِجاف والسِّمان، ولو كنتُ مكانه ما أجَبتُ حتَّى أشتَرِط أن يُخْرِجوني، ولقد عَجِبتُ منه حين أتاه الرَّسول - يعني: لِيَخرُج إلى الملِك - فقال: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَيِّكَ﴾، ولو كنتُ مكانه ولَبِثْتُ في السِّجن ما لَبِثَ لَأسرعتُ الإجابةَ، ولَبادَرتُ البابَ، ولمَا ابْتَغَيتُ العُذرَ))، وهذا مُرسَل، وقد وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٢٢٣/١٢) من طريق إبراهيم بن يزيد ٣٨٣/١٢ الُوزِيّ(٢) - بضمٌ/ المعجمة والزّاي - عن عمرو بن دينار بذکْر ابن عبّاس فيه، فذكره وزاد: ((ولولا الكلمةُ التي قالها لمَا لَبِثَ في السِّجن ما لَبِثَ))، وقد مضى شرح ما يَتَعلَّق بذلك في قصَّة یوسف من أحاديث الأنبياء. ١٠ - باب من رأى النبيَّ يَّر في المنام ٦٩٩٣ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن يونُسَ، عن الزُّهْرِيِّ، حدَّثني أبو سَلَمَةَ، أنَّ أبا هريرةَ قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يقول: ((مَن رآني في المنامِ فَسَيَراني في اليَقَظةِ، ولا يَتَمثَّلُ الشَّيطانُ بي)». قال أبو عبد الله: قال ابنُ سِیرِینَ: إذا رآه في صورته. قوله: ((باب مَن رَأى النبيَّ في المنام)) ذكر فيه خمسة أحاديث: (١) في ((التفسير)) ٣٢٣/١. (٢) الخُوزي متروك الحديث، لكن روى الكلاباذيّ هذا الأثر في ((معاني الأخبار)) ص١١٦ موصولاً بذكر ابن عباس من طريق محمود بن آدم عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة، عنه. ٤٢٩ باب ١٠/ح ٦٩٩٣ كتاب التعبير الحديث الأوَّل: حديث أبي هريرة. قوله: (عبد الله)) هو ابن المبارك، ویونس: هو ابن یزید. قوله: ((أنَّ أبا هريرة قال)» في رواية الإسماعيليّ من طريق الزُّبَيديّ عن الزُّهْريّ: أخبرني أبو سَلَمة سمعت أبا هريرة. قوله: ((مَن رآني في المنام فسَيَراني في اليَقَظة)) زاد مسلم (١١/٢٢٦٦) من هذا الوجه: ((أو فكأنَّما رآني في اليقظة))، هكذا بالشكّ، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ في الطَّريق المذكورة: ((فقد رآني في اليَقَظة)) بَدَل قوله: ((فسَيَراني)). ومثله في حديث ابن مسعود عند ابن ماجَهْ (٣٩٠٠). وصَحَّحَه التِّرمِذيّ (٢٢٧٦) وأبو عَوَانة، ووَقَعَ عند ابن ماجَهْ (٣٩٠٤) من حديث أبي جُحَيفةَ: ((فكأنَّما رآني في اليَقَظة))، فهذه ثلاثة ألفاظ: ((فسَيَراني في اليَقَظة)»، «فكأنّما رآني في اليَقَظة))، ((فقد رآني في اليقظة)»، وجُلُّ أحاديث الباب كالثّالثة، إلّا قوله: ((في اليَقَظة)). قوله: ((قال أبو عبد الله: قال ابن سِيرِينَ: إذا رآه في صورته)) سَقَطَ هذا التَّعليق للنَّسَفيِّ ولأبي ذرٍّ، وثَبَتَ عند غيرهما، وقد رُوِّيناه موصولاً من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حَرْب - وهو من شيوخ البخاريّ - عن حماد بن زيد عن أيوب/ قال: كان ٣٨٤/١٢ محمَّد - يعني ابن سِيرِين - إذا قَصَّ عليه رجلٌ أنَّه رأى النبيَّ ◌َّه قال: صِفْ لي الذي رأيتَه، فإن وَصَفَ له صِفَةً لا يَعرِفها، قال: لم تَرَهُ. وسنده صحيح. ووجدتُ له ما يُؤْيِّده: فأخرج الحاكم (٣٩٣/٤) من طريق عاصم بن كُلَيب حدّثني أبي، قال: قلت لابنِ عبَّاس: رأيتُ النبيَّ ◌َّه في المنام، قال: صِفْهُ لي، قال: ذكرتُ الحَسَن ابن عليّ فشَبَّهتُّه به، قال: قد رأيتَه. وسنده جيِّد، ويعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم(١) من وجهٍ آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((مَن رآني في المنام فقد رآني، فإنّي أُرَى في كلّ صورة)) وفي سنده صالح مولى التَّوأمة، وهو ضعيف لاختلاطِهِ، وهو من رواية مَن سَمِعَ منه بعد الاختلاط. (١) لم نقف عليه فيما طُبع من كتب ابن أبي عاصم. : ٤٣٠ باب ١٠/ح ٦٩٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ويُمكِن الجمع بينهما بما قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: رُؤيةُ النبيِّ وَّرَ بِصِفَتِهِ المعلومةِ إدراكٌ على الحقيقة، ورُؤيَتُه على غير صِفَته إدراكٌ للمِثال، فإنَّ الصَّواب أنَّ الأنبياء لا تُغيِّرُهم الأرضُ، ويكون إدراكُ الذّات الكَرِيمة حقيقةً وإدراكُ الصِّفاتِ إدراكُ المثَل، قال: وشَذَّ بعض القَدَريَّة فقال: الرُّؤيا لا حقيقةَ لها أصلاً، وشَذَّ بعضُ الصالحِينَ فَعَمَ أنَّهَا تقعُ بعينَي الرَّأسِ حَقيقةً، وقال بعض المتكلِّمينَ: هي مُدرَكٌ بعينَينِ في القلب، قال: وقوله: ((فَسَيَراني» معناه: فسَيَرَى تفسيرَ ما رأى، لأنَّه حَقٍّ وغَيبٌ أُلقيَ فيه، وقيل: معناه: فسَیَراني في القيامة، ولا فائدة في هذا التَّخصيص، وأمَّا قوله: ((فكأنّما رآني)» فهو تشبيهٌ، ومعناه: أنَّه لو رآه في اليَقَظة لَطابَقَ ما رآه في المنام، فيكون الأوَّل حقّاً وحقيقةً، والثّاني حقّاً وتمثيلاً، قال: وهذا كلّه إذا رآه على صورتِه المعروفَة، فإن رآه على خِلَافِ صِفَته فهي أمثال، فإن رآهُ مُقبلاً علیه مثلاً فهو خيرٌ للزّائي وفیه، وعلى العكس فبالعكس. وقال النَّوويّ: قال عِيَاض: يُحتمل أن يكون المراد بقولِه: ((فقد رآني)) أو ((فقد رأى الحقّ)) أنَّ من رآه على صورته في حیاته كانت رُؤیاه حقّاً، ومَن رآه علی غیر صورته كانت رُؤیا تأويل. وتَعقَّبَه فقال: هذا ضعيفٌ، بل الصَّحيحُ أنَّه يراه حقيقةً سواء كانت على صِفَته المعروفة أو غيرها. انتهى، ولم يظهر لي من كلام القاضي ما يُنافي ذلك، بل ظاهر قوله أنَّه يراه حقيقةً في الحالَين، لكن في الأولى تكون الرُّؤيا مَا لا يَحتاجُ إلى تَعبيرٍ، والثّانية مَّا يَحتاجُ إلى التَّعبيرِ. قال القُرطُبيّ: اختُلِفَ في معنى الحديث: فقال قومٌ: هو على ظاهره فمَن رآه في النَّوم رأى حقيقته، كمَن رآه في اليَقَظة سواء، قال: وهذا قولٌ يُدرَك فسادُه بأوائل العقول، ويَلزَمُ عليه أن لا يراهُ أحد إلّا على صورتِهِ التي ماتَ عليها، وأن لا يراه رائيان في آنٍ واحدٍ في مكانين، وأن يَجيا الآن ويَخرُج عن قبرِهِ ويَمشي في الأسواق، ويُخاطِبَ الناسَ ويُخاطِبوه، ويَلزَم من ذلك أن يَخْلُوَ قبرُه عن جسدِهِ، فلا يَبقَى منه(١) فيه شيءٌ، فيُزارُ مُجرَّد القَبرِ، ويُسَلَّم على غائبٍ، لأنَّه جائزٌ أن يُرَى في اللَّيل والنَّهار مع اتِّصال الأوقاتِ على حقيقته في غیرِ (١) في (س): من قبره، بدل: منه، وهو خطأ. ٤٣١ باب ١٠/ح ٦٩٩٣ كتاب التعبير قبرِهِ، وهذه جَهالاتٌ لا يلتزمها مَن له أدنَى مُسكةٍ من عقلٍ. وقالت طائفة: معناه أنَّ مَن رآه رآه على صورته التي كان عليها، ويَلزَم منه أنَّ مَن رآه على غيرِ صِفَته أن تكون رُؤياه مِن الأضغاث، ومن المعلوم أنَّه يُرَى في النَّوم على حالةٍ تُخَالِفِ حالَته في الدُّنيا من الأحوال اللائقة به، وتَقَع تلك الرُّؤيا حقّاً كما لو رُئِيَ مَلَأ داراً بِسمِه مثلاً، فإنَّه يدلُّ على امتلاءِ تلك الدّار بالخير، ولو تمكَّنَ الشَّيطانُ من التَّمثيل بشيءٍ ممّا كان عليه، أو يُنسَب إليه لَعارَضَ عمومَ قولِه: ((فإنَّ الشَّيطان لا يَتَمثَّلُ بي)»، فالأولى أن تُنَّهُ رُؤياه وكذا رُؤيا شيءٍ منه أو ممّا يُنسَب إليه عن ذلك، فهو أبلَغُ في الحُرْمة وألْيَقُ بالعِصْمة، كما عُصِمَ من الشَّيطانِ فِي يَقَظَته. قال: والصَّحيح في تأويل هذا الحديث: أنَّ مقصودَه أنَّ رُؤيَته في كلّ حالةٍ ليست باطلةً ولا أضغائاً، بل هي حَقٌّ في نفسها ولو رُئيَ على غيرِ صورتِهِ، فتَصَوُّر تلك الصّورة ليس من الشَّيطان بل هو من قِبَل الله، قال: وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيِّب وغيرِهِ، ويُؤيِّده قوله: ((فقد رأى الحقّ)) أي: رأى الحقَّ الذي قَصَدَ إعلامَ الرَّائي به، فإن كانت على ظاهرها وإلّ/ سَعَى في تأويلها ولا يُهمِل أمرها، لأنَّها إمّا بُشرَى بخيرٍ أو إنذارٌ من شَرّ، إمّا ليُخيفَ ٣٨٥/١٢ الرَّائي وإمّا لینزَجِر عنه، وإمّا لُنِّه علی حُکم یقعُ له في دینه أو دُنياه. وقال ابن بَطّل: قوله: ((فسَيَراني في اليَقَظة)) يريد تصديقَ تلك الرُّؤيا في اليَقَظة، وصِخَّتها وخروجها على الحقّ، وليس المراد أنَّه يراه في الآخرة، لأَنَّ سَيراه يوم القيامة في اليَقَظة جمیعُ أمَّتِهِ، مَن رآه في النَّوم ومَن لم يَرَهُ منهم. وقال ابن الِّين: المراد مَن آمَنَ به في حياته ولم يَرَه لگونه حينئذٍ غائباً عنه، فیکون بهذا مُبشّراً لكلِّ مَن آمَنَ به ولم يَرَه أنَّه لا بدَّ أن يراه في اليَقَظة قبل موته، قاله القَزّاز. وقال المازَرِيّ: إن كان المحفوظ: ((فكأنَّمَا رآني في اليَقَظة)) فمعناه ظاهر، وإن كان المحفوظ: (فسَيَراني في اليَقَظة)) احتَمَلَ أن يكون أراد أهلَ عَصرِهِ مَمَّن لم(١) يُهاجِر إليه، فإنَّه إذا رآه في (١) حرف ((لم)) سقط من (س). ٤٣٢ باب ١٠/ح ٦٩٩٣ فتح الباري بشرح البخاري المنام جُعِلَ علامةً على أنَّه يراه بعد ذلك في اليَقَظة، وأوحَى الله بذلك إليه ◌َّد. وقال القاضي: وقيل: معناه سَيَرَى تأويلَ تلك الرُّؤيا في اليَقَظة وصِخَّتها، وقيل: معنى الرُّؤيا في اليَقَظة: أنَّه سَيراه في الآخرة. وتُعقِّبَ بأَنَّه في الآخرة يراه جميعُ أمَّته مَن رآه في المنام ومَن لم يَرَه، يعني فلا يَبقَى الْخُصوصِ رُؤْيَته في المنامِ مَزِيَّة. وأجابَ القاضي عِيَاض باحتمال أن تكون رُؤياه له في النَّوم على الصِّفة التي عُرِفَ بها ووُصِفَ عليها مُوجِبة لتَكرِمَتِه في الآخرة. وأن يراه رُؤيةً خاصّة من القُرب منه والشَّفاعة له بعُلوِّ الدَّرَجة، ونحو ذلك من الخَصوصيّات، قال: ولا يَبعُد أن يُعاقِب الله بعضَ المذنِبين في القيامة بمَنع رُؤية نبّهَ وَّلِ مُدّةً. وحَمَلَه ابن أبي جَمْرة على مَحَمَل آخر، فذكر عن ابن عبّاس أو غيره أنَّه رأى النبيّ وَّ في النَّومِ، فَبَقِيَ بعد أن استَيقَظَ مُتَفَكِّراً في هذا الحديث، فدَخَلَ على بعض أمَّهات المؤمنينَ ولعلَّها خالَته ميمونة، فأخرجت له المرآة التي كانت للنبيِّ وَّهِ فَنَظَرَ فيها، فرأى صورةً النبيّ ◌َّه ولم يَرَ صورةَ نفسه، ونُقِلَ عن جماعة من الصالحينَ أنَّهم رأوا النبيّ ◌َّ في المنام ثمَّ رأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها مُتَخَوِّفين، فأرشَدَهم إلى طريق تفریجها، فجاء الأمر كذلك. قلت: وهذا مُشكِل جدّاً، ولو حُلَ على ظاهره لكان هؤلاءِ صحابةً، ولَأمكَنَ بَقاء الصُّحبة إلى يوم القيامة، ويُعكِّر عليه أنَّ جمعاً جَمّاً رأوه في المنام، ثمَّ لم يَذكُر واحدٌ منهم أنَّه رآه في اليَقَظة، وخَبَرَ الصّادِقِ لا يَتَخلَّف. وقد اشتَدَّ إنكار القُرطُبيّ على مَن قال: مَن رآه في المنام فقد رأى حقيقته، ثمَّ يراها كذلك في اليَقَظة كما تقدَّم قريباً، وقد تَفَطَّنَ ابن أبي جَمْرة لهذا، فأحالَ بما قال على كرامات الأولياء، فإن يكن كذلك تَعيَّنَ العُدول عن العموم في كلّ راءٍ، ثمَّ ذكر أنَّه عامّ في أهل التَّوفيق، وأمَّا غيرهم فعلى الاحتمال، فإنَّ خَرقَ العادة قد يقع للزِّنديق بطريق الإملاء والإغواء، كما يقع للصِّدّيق بطريق الكرامة والإكرام، وإنَّمَا تَحصُل التَّفْرِقة بينهما باتِّباع ٤٣٣ باب ١٠/ ح ٦٩٩٣ كتاب التعبير الكتاب والسُّنّة، انتھی. والحاصل من الأجوبة ستّة: أحدها: أنَّه على التَّشبيه والتَّمثيل، ودَلَّ عليه قوله في الرِّواية الأُخرى: ((فكأنّما رآني في اليقظة». ثانيها: أنَّ معناها سَيَرَى في اليَقَظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التَّعبير. ثالثها: أنَّه خاصّ بأهلِ عَصره ثمَّن آمَنَ به قبل أن يراهُ. رابعها: أنَّه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنَه ذلك، وهذا من أبعَدِ المحامل. خامسها: أنَّه يراه يوم القيامة بمزيدٍ خَصوصيَّة، لا مُطلَق مَن يراه حينئذٍ مَمَّن لم يَرَه في المنام. سادسها: أنَّه يراه في الدُّنيا حقيقةً ويُخاطِبه، وفيه ما تقدَّم من الإشكال. وقال القُرطُبيّ: قد تَقرَّرَ أنَّ الذي يُرَى في المنام أمثِلةٌ للمَرئيّات لا أنفُسُها، غير أنَّ تلك الأمثلة تارةً تقع مُطابِقة وتارةً يقع معناها، فمن الأوَّل رُؤياه وَلِّ عائشة وفيه: ((فإذا هي أنتِ))(١) فأخبر أنَّه رأى في اليَقَظة ما رآه في نَومه بعينِه، ومن الثّاني رُؤيا البقر التي تُنْحَر(٢)، والمقصود بالثّاني التَّنبيه على معاني تلك الأُمور. ومن فوائد رُؤيَتِهِ وَّ تسكينُ شَوْق الرَّائي لكَونِه صادِقاً في مَحَبَّته ليعمل على مُشاهَدَته، وإلى ذلك الإشارة بقولِه: ((فسَيَراني في اليَقَظة)) أي: مَن رآني رُؤيةَ مُعَظِّم/ حُرمَتي ومُشتاق ٣٨٦/١٢ إلى مُشاهَدَتِي وَصَلَ إلى رُؤيةِ مَحَبوبه، وظَفِرَ بكلِّ مطلوبه، قال: ويجوز أن يكون مقصود تلك الرُّؤيا معنى صورتِه وهو دينه وشريعته، فيُعْبَرَ بحَسَبِ ما يراه الرَّائي من زيادة ونُقصان أو إساءة وإحسان. قلت: وهذا جوابٌ سابع، والذي قبله لم يظهر لي، فإن ظَهَرَ فهو ثامن. (١) سيأتي برقم (٧٠١١) و(٧٠١٢). (٢) تقدم برقم (٣٦٢٢) و(٤٠٨١). ٤٣٤ باب ١٠/ ح ٦٩٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولا يَتَمثَّلِ الشَّيطانُ بي)» في رواية أنس في الحديث الذي بعده: ((فإنَّ الشَّيطان لا يَتَمثَّل بي)) ومَضَى في كتاب العلم (١١٠) من حديث أبي هريرة مِثله، لكن قال: ((لا يَتَمثَّل في صورتي)»، وفي حديث جابر عند مسلم (١٣/٢٢٦٨) وابن ماجَهْ (٣٩٠٢): ((إنَّه لا ينبغي للشَّيطان أن يَتَمثَّل في صورتي(١)». وفي حديث ابن مسعود عند التِّرمِذيّ (٢٢٧٦) وابن ماجَهْ (٣٩٠٠): ((إنَّ الشَّيطان لا يستطيع أن يَتَمثَّل بي))(٢)، وفي حديث أبي قَتَادة الذي يليه: ((وإنَّ الشَّيطان لا يَتَراءَى)) بالرّاءِ بوزنٍ يَتَعاطَى، ومعناه: لا يستطيع أن يصير مَرئيّاً بصورتي، وفي رواية غير أبي ذرّ: (يَتَزايا)) بزايٍ وبعد الألف تحتانيَّة، وفي حديث أبي سعيد في آخر الباب: ((فإنَّ الشَّيطان لا يَتَكَوّنُني)). أمَّا قوله: ((لا يَتَمثَّل بی)) فمعناه لا يَتَشَبَّه بي، وأمَّا قوله: «في صورتي» فمعناه: لا يصير كائناً في مِثل صورتي، وأمَّا قوله: ((لا يَتَرَاءَى بي)) فَرَجَّحَ بعضُ الشّرّاح روايةَ الزّاي عليها، أي: لا يظهر في زِتِّي، وليست الرِّواية الأُخرى ببعيدةٍ من هذا المعنى، وأمَّا قوله: ((لا يَتَكَوَّنُني) أي: لا يَتكوَّن كَوْني، فحَذَفَ المضافَ ووَصَلَ المضاف إليه بالفعل، والمعنى: لا يَتكوَّن في صورتي، فالجميع راجِعٌ إلى معنًى واحد، وقوله: ((لا يستطيع)) يشير إلى أنَّ الله تعالى وإن أمكنَه من النَّصَوُّر في أي صورة أراد، فإنَّه لم يُمكِنِه من التَّصَوُّر في صورة النبيّ وَّه. وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث: إنَّ مَحَلّ ذلك إذا رآه الرَّائي على صورته التي كان عليها، ومنهم مَن ضَيَّقَ الغرض في ذلك حتَّى قال: لا بدَّ أن يراه على صورته التي قُبِضَ عليها، حتَّى يُعتَبَرَ عَدَدُ الشَّعَرات البِيض التي لم تَبلُغ عشرينَ شَعْرةً، والصَّواب التَّعميم في جميع حالاته بشرطِ أن تكون صورته الحقيقيَّة في وقت ما، سواء كان في شَبابه أو رُجوليَّته أو كُهوليَّتِه أو آخر عمره، وقد يكون لِمَا خَالَفَ ذلك تعبير يَتَعلَّق بالرَّائي. (١) في (س): ((بي))، بدل ((في صورتي)»، وهو خطأ. (٢) لفظ ابن ماجه: ((لا يتمثل على صورتي))، ولفظ رواية الترمذي كلفظ أنس في الباب. ٤٣٥ باب ١٠/ح ٦٩٩٣ كتاب التعبير قال المازَرِيّ: اختَلَفَ المحَقِّقونَ في تأويل هذا الحديث: فذهب القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب إلى أنَّ المراد بقوله: ((مَن رآني في المنام فقد رآني)) أنَّ رُؤياه صحيحة لا تكون أضغائاً ولا من تشبيهات الشّيطان، قال: وَبعضُدُه قولُه في بعض طرقه: ((فقد رأى الحقّ)) قال: وفي قوله: ((فإنَّ الشَّيطان لا يَتَمثَّل بي)» إشارة إلى أنَّ رُؤياه لا تكون أضغاثاً. ثُمَّ قال المازَرِيّ: وقال آخرونَ: بل الحديث محمولٌ على ظاهره، والمراد أنَّ مَن رآه فقد أدرَكَه، ولا مانعَ يَمنَع من ذلك ولا عقلَ مُحیلُه حتَّى يحتاج إلى صرف الكلام عن ظاهره، وأمَّا كَونه قد يُرَى على غير صِفَته، أو يُرَى في مكانينِ مُتَلِفَينِ معاً، فإنَّ ذلك غَلَطٌ في صِفَته، وتَّخِيُّل لها على غير ما هي عليه، وقد تُظَنُّ بعضُ الخَيَالات مَرئيّاتٍ لكَونِ ما يُتَخَيَّل مُرتَبِطاً بما يُرَى في العادة، فتكون ذاته وَ لَه مَرئيَّةً، وصفاته مُتَخَيَّلةً غيرَ مَرئيَّة، والإدراك لا يُشتَرَط فيه تحديقُ البَصَر، ولا قُرب المسافة، ولا كَون المرئيّ ظاهراً على الأرض أو مدفوناً، وإنَّما يُشتَرَط كَونُه موجوداً، ولم يَقُم دليل على فناء جِسمه وَّ، بل جاء في الخبر الصَّحيح ما يدلّ على بقائه(١)، وتكون ثَمَرة اختلاف الصِّفات اختلاف الدَّلالات، كما قال بعضُ عُلَماء التَّعبير: إنَّ مَن رآه شيخاً فهو عامُ سَلْم، أو شاباً فهو عامُ حَرْب. ويُؤخَذ من ذلك ما يَتَعلَّق بأقواله، كما لو رآه أحدٌ يأمره بقتل مَن لا يَحِلّ قتله، فإنَّ ذلك يُحمَل على الصِّفة المتخَيَّلة لا المرئيَّة. وقال القاضي عِيَاض(٢): يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصِّفة التي كان عليها في حياته لا على صِفَة مُضادّة لحاله، فإن رُئيَ على غيرها كانت رُؤيا تأويلٍ لا رُؤيا حقيقة، فإنَّ من الرُّؤيا ما يَخْرُج على وجهه، ومنها ما يحتاج إلى تأويل. وقال النَّوويّ: هذا الذي قاله القاضي ضعيف، بل الصَّحيح أنَّه يراه حقيقةً سواء (١) كحديث أوس بن أوس الثقفي عند أحمد (١٦١٦٢)، وأبي داود (١٠٤٧)، وابن ماجه (١٠٨٥)، والنسائي (١٣٧٤) بلفظ: ((إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)). (٢) كلام القاضي هنا وتعقُّب النووي عليه، ثم ردُّ الحافظ على تعقّب النووي، مكرر، فقد تقدم عند بيان قول ابن سیرین: إذا رآه في صورته. ٤٣٦ باب ١٠/ح ٦٩٩٣ فتح الباري بشرح البخاري ٣٨٧/١٢ كانت/ على صِفَته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازَرِيّ. وهذا الذي رَدَّه الشَّيخ تقدَّم عن محمَّد بن سِيرِين إمام المعَبِرِينَ اعتبارُه، والذي قاله القاضي تَوسُّطٌ حَسَن، ويُمكِن الجمع بينه وبين ما قاله المازَرِيّ بأن تكون رُؤياه على الحالَينِ حقيقةً، لكن إذا كان على صورتِه كان ما(١) يَرى يُرَى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تَعبير، وإذا كان على غير صورته كان النَّقَصُ من جهة الرَّائي لتَخَيُّلِهِ الصِّفة على غير ما هي عليه، ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التّعبير. وعلى ذلك جَرَى عُلَماء التَّعبير فقالوا: إذا قال الجاهل: رأيتُ النبيَّ ◌ََّ، فإنَّه يُسأل عن صِفَتَه فإن وافَقَ الصِّفة المرويَّة وإلّا فلا يُقبَل منه، وأشاروا إلى ما إذا رآه على هَيْئِةٍ تُخُالف هيئتَه مع أنَّ الصّورة كما هي، فقال أبو سعد أحمدُ بن محمَّد بن نصر: مَن رأى نبيّاً على حالِه وهيئتِه، فذلك دليل على صلاح الرَّائي، وكمال جاهه، وظَفَرَه بمَن عاداه، ومَن رآه مُتَغيِّر الحال عابساً مثلاً فذاكَ دالٌ على سوء حال الرَّائي. ونَحا الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة إلى ما اختاره النَّوويّ، فقال بعد أن حكى الخِلاف: ومنهم مَن قال: إنَّ الشَّيطان لا يَتصوَّر على صورته أصلاً، فمَن رآه في صورة حَسنة فذاكَ حُسنٌّ في دين الرَّائي، وإن كان في جارحة من جَوارحه شَيْن أو نَقْص فذاكَ خَلَل في الرَّائي من جهة الدّين، قال: وهذا هو الحقّ، وقد جُرِّبَ ذلك فوُجِدَ على هذا الأُسلوب، وبه تَحصُل الفائدة الكُبرَى في رُؤياه، حتَّى يَتَبَيَّن للرَّائي هل عنده خَلَل أو لا، لأنَّه وَلِّ نُورانيّ مِثل المرآة الصَّقيلة، ما كان في الناظر إليها من حُسْن أو غيره تَصوَّر فيها، وهي في ذاتها على أحسنٍ حالٍ لا نَقْص فيها ولا شَيْن، وكذلك يقال في كلامه وَّهَ في النّوم، أنَّه يُعرَض على سُنَّه فما وافَقَها فهو حَقّ وما خالَفَها فالخَلَل في سَمع الرَّائي، فُرُؤيا الذّاتِ الكَرِيمة حَقّ والخَلَل إنَّما هو في سَمع الرَّائي أو بصره، قال: وهذا خير ما سمعته في ذلك. ثُمَّ حكى القاضي عِيَاض عن بعضهم قال: خَصَّ الله نبيّه بعمومٍ رُؤياه كلّها، ومَنَعَ (١) حرف ((ما)) سقط من (س). ٤٣٧ باب ١٠/ح ٦٩٩٣ كتاب التعبير الشَّيطان أن يَتَصَوَّر في صورته لئلّا يَتَذَرَّع بالكذبِ على لسانه في النَّوم، ولمَّا خَرَقَ الله العادة للأنبياءِ للدّلالة على صِحّة حالهم في اليَقَظة، واستَحالَ تَصَوُّر الشَّيطان على صورته في اليَقَظة، ولا على صِفَةٍ مُضادّةٍ لحاله، إذ لو كان ذلك لَدَخَلَ اللَّبسُ بين الحقّ والباطل، ولم يُوثَق بما جاء من جهة النُّبّة، حَمَى الله حِماها لذلك من الشَّيطان وتَصَوُّره وإلقائه وكَيده، وكذلك حَى رُؤياهم أنفُسَهم ورُؤيا غير النبيّ للنبيِّ عن تمثيلِ الشيطان بذلك لتَصِحّ رُؤياه في الوجهَين، ويكون طريقاً إلى عِلمٍ صحيحٍ لا رَيب فيه، ولم يختلف العلماء في جواز رُؤیة الله تعالى في المنام، وساقَ الكلام على ذلك. قلت: ويظهر لي في التَّوفيق بين جميع ما ذَكَروه أنَّ مَن رآه على صِفَة أو أكثرَ ممَّا يَخْتَصّ به فقد رآه، ولو كانت سائر الصِّفات مُخَالِفةً، وعلى ذلك فتَتَفاوت رُؤيا مَن رآه، فمَن رآه على هيئته الكاملة فُرُؤياه الحقّ الذي لا يحتاج إلى تَعبير، وعليها يتنزّل قوله: ((فقد رأى الحقّ))، ومهما نَقَصَ من صِفاته فيَدخُلِ التَّأويل بحَسَبٍ ذلك، ويَصِحُّ إطلاق أنَّ كلَّ مَن رآه في أيِّ حالةٍ كانت من ذلك فقد رآه حقيقة والله أعلم. تكملة: جَوَّزَ أهلُ التَّعبير رُؤية الباري عزَّ وجلَّ في المنامِ مُطلَقاً، ولم يُجُرُوا فيها الخِلاف في رُؤيا النبيّ وَّةِ، وأجابَ بعضُهم عن ذلك بأمورٍ قابلة للتَّأويلِ في جميع وجوهها، فتارة تُعْبَرَ بالسُّلطان، وتارة بالوالد، وتارة بالسَّيِّد، وتارة بالرَّئيسِ في أيّ فنّ كان، فلمَّا كان الوقوفُ على حقيقة ذاته مُمْتَنِعاً، وجميعُ مَن يُعبَّر به يجوز عليهم الصِّدق والكذب، كانت رُؤياه تحتاج إلى تَعبيرِ دائماً، بخِلَاف النبيّ ◌ََّ، فإذا رُئِيَ على صِفَته المتَّفَق عليها، وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقّاً محضاً لا يحتاج إلى تَعبیر. وقال الغَزاليّ: ليس معنى قوله: ((رآني)) أنَّه رأى جِسمي وبَدَني، وإنَّما المراد أنَّه رأى مِثالاً، صارَ ذلك المثال آلةً يَتأدَّى بها المعنى الذي في نفسي إليه، وكذلك قوله: ((فسَيَراني في اليَقَظة» ليس المراد أنَّه يرى جِسمي وبَدَني، قال: والآلةُ تارةً تكون حقيقةً، وتارةً/ تكون خياليَّة، ٣٨٨/١٢ والنَّفس غيرُ المِثال المتخَيَّل، فما رآه من الشَّكل ليس هو روحُ المصطَفَی ولا شخصُه، بل هو مِثال له على التَّحقيق، قال: ومثل ذلك مَن يرى الله سبحانه وتعالى في المنام، فإنَّ ذاته مُنزَّهة ٤٣٨ باب ١٠/ح ٦٩٩٣ فتح الباري بشرح البخاري عن الشَّكل والصّورة، ولكن تنتهي تعريفاتُه إلى العَبد بواسطة مِثالٍ مَحَسوس مِن نورٍ أو غيره، ويكون ذلك المثال حقّاً في كونه واسطةً في التَّعريف، فيقول الرَّائي: رأيتُ الله تعالى في المنام، لا يعني أنّ رأيت ذاتَ الله تعالى، كما يقول في حَقّ غيره. وقال أبو القاسم القُشَيريُّ ما حاصله: إنَّ رُؤياه على غير صِفَته لا تَستَلزِم أن لا يكون هو (١)، فإنَّه لو رأى اللهَ على وصفٍ يَتعالى عنه، وهو يَعتَقِد أنَّه مُنَّهُ عن ذلك، لا يَقْدَح في رُؤْيَته، بل يكون لتلكَ الرُّؤيا ضربٌ من التَّويل كما قال الواسطيُّ: مَن رأى رَبَّه على صورة شیخ کان إشارةً إلى وقارِ الرَّائي وغير ذلك. وقال الطِّييُّ: المعنى مَن رآني في المنام بأيِّ صِفَةٍ كانت فليَستَبشِر، ويَعلم أنَّه قد رأى الرُّؤيا الحقّ التي هي من الله، وهي مُبشِّرة، لا الباطل الذي هو الحُلُم المنسوب للشَّيطان، فإنَّ الشَّيطان لا يَتَمثَّل بي، وكذا قوله: ((فقد رأى(٢) الحقّ)) أي: رُؤيةَ الحقّ لا الباطل، وكذا قوله: ((فقد رآني))، فإنَّ الشَّرط والجزاء إذا اتّحَدا دَلَّ على الغاية في الكمال، أي: فقد رآني رُؤیا لیس بعدها شيء. وذكر الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة ما ملخَّصه: أنَّه يُؤخَذ من قوله: ((فإنَّ الشَّيطان لا يَتَمثَّل بي)) أنَّ مَن تَثََّت صورتُهُ وَِّ فِي خاطِرِه من أرباب القلوب، وتَصَوَّرَت له في عالم سِّه أنَّه يُكلِّمه، أنَّ ذلك يكون حقّاً، بل ذلك أصدَقُ من مَرأى غيرهم لما مَنَّ الله به عليهم من تنویر قلوبهم، انتھی. وهذا المقام الذي أشارَ إليه هو الإلهام، وهو من جملة أصناف الوحي إلى الأنبياء، ولكن (١) وقع في (ع): لا تستلزم أن يكون هو، وفي (س) وكذلك في مطبوع ((سبل الهدى)) للصالحي نقلاً عن الحافظ: لا تستلتزم إلّا أن يكون هو، والمثبت من (أ) هو الأوجه والأليق بسياق كلام القشيري، والله أعلم. (٢) كذا قال الحافظ رحمه الله هنا: ((رأى))، وهو صحيح في رواية البخاري وكذا في رواية مسلم، لكنه تحريف بالنسبة للرواية التي وقعت للطيبي من («مشكاة المصابيح)) حيث جاء فيها: رآني، بإثبات النون ویاء المتكلم، فقد قدَّر الطيبي الكلام بقوله: رؤية للحقِّ، وبيَّن في ((شرحه)) ٩/ ٣٠٠٠ أنَّ لفظ ((الحق)) على الرواية التي عنده مصدر مؤكد، وأشار إلى رواية الصحيحين، وأنَّ لفظ ((الحق)) على روايتهما مفعولٌ به. ٤٣٩ باب ١٠/ح ٦٩٩٣ كتاب التعبير لم أرَ في شيءٍ من الأحاديث وصفَه بما وُصِفَت به الرُّؤيا أنَّه جُزءٍ من النَّبَّة، وقد قيل في الفَرق بينهما: إنَّ المنام يَرجِع إلى قواعدَ مُقرَّرةٍ، وله تأويلاتٌ مُخْتَلِفة، ويقع لكلِّ أحد، بخِلَاف الإلهام، فإنَّه لا يقع إلّا للخواصّ، ولا يَرجِع إلى قاعدة يُميَّز بها بينه وبين لَمَّةٍ (١) الشَّيطان. وتُعقِّبَ بأنَّ أهل المعرِفة بذلك ذَكَروا أنَّ الخاطِرِ الذي يكون من الحقّ يَستَقِرّ ولا يَضطَرِب، والذي يكون من الشَّيطان يَضطَرِب ولا يَستَقِّ، فهذا إن ثَبَتَ كان فارقاً واضحاً، ومع ذلك فقد صَرَّحَ الأئمّة بأنَّ الأحكام الشَّرعيَّة لا تَنْبُت بذلك. قال أبو المظَفَّر ابن السَّمعانيّ في ((القواطِع)) بعد أن حكى عن أبي زيد الدَّبُوسيّ من أئمَّة الحنفيَّة أنَّ الإلهام ما حَرَّكَ القلبَ لعِلمٍ يَدعُو إلى العمل به من غير استدلال: والذي عليه الجمهور أنَّه لا يجوز العمل به إلّا عند فقد الحُجَج كلّها في باب المباح، وعن بعض المبتَدِعة أنَّه حُجّة، واحتَجَّ بقوله تعالى: ﴿ فَأَهَمَهَا مُورَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٨] وبقوله: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، أي: ألهمَها حتَّى عَرَفَت مصالحها، فيُؤْخَذ منه مِثل ذلك للآدميِّ بطريق الأولى، وذكر فيه ظَواهرَ أُخرى، ومن الحديث قوله وَّةِ: (اتَّقوا فِراسة المؤمن))(٢) وقوله لوابِصةَ: ((ما حاكَ في صَدرك فدَعه وإن أفتَوْك))(٣)، فجَعَلَ شهادةَ قلبِهِ حُجّةً مُقدَّمةً على الفَتوى، وقوله: ((قد كان في الأُمَم مُحُدَّثونَ))(٤)، فَثَبَتَ بهذا أنَّ الإلهام حَقّ وأنَّه وحي باطن، وإنَّما حُرِمَه العاصي لاستيلاءِ وحي الشَّيطان عليه. (١) لَمَّةُ الشيطان، بفتح اللام وتشديد الميم: ما يقع في القلب من وسوسته. (٢) أخرجه باللفظ المذكور الترمذي (٣١٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه البزار (٦٩٣٥)، والطبري في «تفسيره)» ٤٦/١٤، والطبراني في «الأوسط)» (٢٩٣٥) وغيرهم، من حديث أنس بن مالك، رفعه بلفظ: ((إنَّ لله عباداً يعرفون الناس بالتوسُّم))، وحسَّن إسناده الحافظ في ((مختصر زوائد البزار)) (٢٣٠٢). (٣) أخرجه أحمد في «مسنده)) (١٧٩٩٩)، لكن بلفظ: ((الإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناسُ))، ومثله من حديث النواس بن سمعان عند ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٨٥)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٣٧)، وهو عند مسلم (٢٥٥٣) لكن بلفظ: ((والإثم ما حاك في صدرك وكرهتَ أن يطلع عليه الناس)). وروي أيضاً من حديث أبي ثعلبة الخشني عند أحمد (١٧٧٤٢) بنحو لفظ حديث وابصة وحديث النّاس عند ابن أبي الدنيا والخرائطي. (٤) تقدم برقم (٣٤٦٩). ٤٤٠ باب ١٠/ ح ٦٩٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قال: وحُجّة أهل السُّنّة الآياتُ الدّالَّة على اعتبار الحُجّة، والحثّ على التفكّر في الآيات والاعتبار والنَّظَر في الأدلّة، وذَمّ الأمانيّ والهواِس والظُّنون، وهي كثيرة مشهورة، وبأنَّ الخاطِرِ قد يكون من الله، وقد يكون من الشَّيطان، وقد يكون من النَّفْس، وكلّ شيء احتَمَلَ أن لا يكون حقّاً لم يوصَف بأنَّه حَقّ، قال: والجواب عن قوله: ﴿فَأَهَمَهَا ◌ُرَهَا وَتَّقْوَنهَا﴾ أنَّ معناه: عَرَّفَها طريقَ العلم وهو الحُجَجِ (١)، وأمَّا الوحي إلى النَّحل فَنَظيرُه في الآدميّ فيما يَتَعلَّق بالصَّنائع وما فيه صلاح المعاش، وأمَّا الفِراسة فنُسلِّمها، لكن لا نَجعَلُ شهادةَ القلب حُجّةً، لأنّا لا نَتَحقَّق كَونَها من الله أو من غيره. انتهى ملخَّصاً. ٣٨٩/١٢ قال ابن السَّمعانيّ: وإنكار الإلهام مردود،/ ويجوز أن يفعل الله بعبده ما يُكرِمُه به، ولكنَّ التَّمييز بين الحقّ والباطل في ذلك أنَّ كلّ ما استَقَامَ على الشَّريعة المحمَّديَّة ولم يكن في الكتاب والسُّنّة ما يَرُدّه فهو مقبول، وإلّا فهو مردودٌ يقع من حديث النَّفْس ووسوسة الشَّيطان. ثمّ قال: ونحنُ لا نُنكِر أنَّ الله يُكرِم عبده بزيادة نورٍ منه يزداد به نظرُه ویقوی به رایُه، وإنّما نُنكِرِ أن يَرجِع إلى قلبه فَقَولٌ(٣) لا نعرفُ أصلَه، ولا نَزعُم أنَّه حُجّة شَرعيَّة، وإنَّما هو نور يَخْتَصّ الله به مَن يَشاء من عباده، فإن وافَقَ الشَّرعَ كان الشَّرع هو الحُجّة. انتهى. ويُؤخَذ من هذا ما تقدَّم التَّنبيه عليه أنَّ النائم لو رأى النبيَّ ◌َّ يأمره بشيءٍ هل يجب عليه امتثالُه، أو لا بدَّ مِن أن يَعِرِضَه(٣) على الشَّرع الظاهر، فالثّاني هو المعتمد كما تقدَّم والله أعلم. تنبيه: وَقَعَ في ((المعجم الأوسط)) للطَّبَرانيِّ (٣٠٢٦) من حديث أبي سعيد مِثْلَ أوَّل حديثٍ في الباب بلفظه، لكن زاد فيه: ((ولا بالكعبة))، وقال: لا تُحفَظُ هذه اللَّفظةُ إلّ في هذا الحديث(٤). (١) عبارة السمعاني في ((القواطع)) ٣٥١/٢: عرَّفها بطريق العلم، وهو الآيات والحُجَج، طريقَ الفجور والتقوى .... (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: يقول. (٣) المثبت من (ع)، وفي (أ): هل يجب عليه امتثاله ولا بدّ أولاً أن يعرضه ... ، وفي (س): هل يجب عليه امتثاله ولا بدَّ، أو لا بدَّ أن يعرضه ... ، والمثبت من (ع) هو الأوجه والأحسن في العبارة. (٤) لم نقف على قول الطبراني هذا في مطبوع ((المعجم الأوسط))، وقد ذكره في ((المعجم الصغير)) (٢٧٧).