Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ باب ١/ح ٦٩٨٢ كتاب التعبير يقول: مَحَلُّها ومُقَامُها (١) انتهى ملخَّصاً. ثمَّ أشارَ إلى أنَّ الحكمة في ذِكْرِه ◌ِوَ لِّ ما اتَّفَقَ له في هذه القصَّة أن يكون سبباً في انتشار خبره في بِطانَته ومَن يَستَمِع لقولِه ويُصغي إليه، وطريقاً في مَعرِفَتهم مُبايَنَةَ مَن سواه في أحوالِه، ليُنبِّهوا على محَّه. قال: وأمَّا إرادتُه إلقاء نفسِه من رُؤوس / الجبال بعدَما نُبِّئَ فِلِضَعفِ قوَّته عن تَحمُّل ما حَمَلَه ٣٦١/١٢ من أعباء النُّة، وخَوفاً ممّا يَحَصُل له مِن القيام بها مِن مُباينة الخَلْق جميعاً، كما يَطلُب الرجل الرَّاحَةَ من غَمِّ يَنالُه في العاجل بما يكون فيه زَوالُه عنه، ولو أفضَى إلى إهلاكِ نفسِه عاجلاً، حتَّى إذا تَفَكَّرَ فيما في صَبرِه على ذلك من العُقبَى المحمودةِ صَبَرَ واستَقَرَّت نفسُه. قلت: أمَّ الإرادة المذكورة في الزّيادة الأُولى، ففي صريح الخَبَر أنَّها كانت حُزناً على ما فاتَّه من الأمر الذي بَشَّرَه به وَرَقَةُ، وأمَّا الإرادة الثّانية بعد أن تَبَدَّى له جِبْريل وقال له: إِنَّك رسولُ الله حقّاً، فتحتمل ما قاله، والذي يظهر لي أنَّه بمعنى الذي قبله، وأمَّا المعنى الذي ذكره الإسماعيليّ فوَقَعَ قبل ذلك في ابتداء مَجَيء جِبْريل، ويُمكِن أن يُؤخَذ ممّا أخرجه الطَّبَرِيُّ (٢٥١/٣٠-٢٥٢) من طريق النُّعمان بن راشد عن ابن شِهاب فذكر نحو حديث الباب، وفيه: ((فقال لي: يا محمَّد أنتَ رسولُ الله حقّا)) قال: ((فلقد هَمَمتُ أن أطرَحَ نفسي من حالِقٍ جَبَل)) أي: من عُلِّه. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾: ضَوْءُ الشمس بالنَّهار وضَوْءُ القمر باللَّيْلِ)) ثَبَتَ هذا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلي والكُشمِيهنيّ، وكذا للنَّسَفيِّ ولأبي زيد المروزيِّ عن الفِرَبْريّ، ووَصَلَهِ الطَّبَرِيُّ (٢٨٣/٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿فَالِقُ اْإِصْبَاحِ﴾ يعني بالإصباح ضَوءَ الشمس بالنَّهار، وضَوْءَ القمر باللَّيل. وتَعقَّبَ بعضُهم هذا على البخاريّ فقال: إنَّما فَسَّرَ ابن عبّاس ﴿الْإِصْبَاحِ﴾ ولفظ: ﴿فَالِقُ﴾ هو المراد هنا، لأنَّ (١) وهو صدر بيت للبيد، عَجُزُه: بمنّى تأبَّدَ غَوْلها فرِجامُها. انظر ((مقاييس اللغة)) مادة (عفو)، والرواية عند جميع من رواه بلفظ: ((عَفَت))، وليس ((خلت))، والمعنى: دَرَسَت وانمحت على مرور الأيام. ٣٨٢ باب ٢/ح ٦٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري البخاريّ إنَّما ذكره عَقِب هذا الحديث من أجل ما وَقَعَ في حديث عائشة: فكان لا یری رُؤيا إلّا جاءت مِثْل فَلَقَ الصُّبح، فِلإيرادِ البخاريّ وجهٌ. وقد تقدَّم في آخر التَّفسير (١) قولُ مجاهد في تفسير قوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبٍ اُلْفَلَقِ [الفلق: ١]: إنَّ الفَلَقَ الصُّبح، وأخرج الطَّبَرِيُّ (٢٨٣/٧) هنا عنه في قوله: ﴿ فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] قال: إضاءة الصُّبح، وعلى هذا فالمراد بفَلَقِ الصُّبح إضاءَتُه، والفالق اسم فاعل ذلك، وقد أخرج الطَّبَريُّ (٧/ ٢٨٣) من طريق الضَّحّاك: الإصباح: خالق النّور نور النَّھار. وقال بعضُ أهل اللُّغة: الفَلْقِ شَقُّ الشَّيء، وقَيَّدَه الرَّاغِب بإبانة بعضِه مِن بعض، ومنه فَلَقَ موسى البحرَ فانفَلَقَ، ونَقَلَ الفَرّاءِ أنَّ فِطَرَ وخَلَقَ وفَلَقَ بمعنى واحد، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَيِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥] أنَّ المراد به الشَّ الذي في الحَبّة من الحنطة وفي النَّواة، وهذا يَرُدّ على تقييد الرَّاغِب، والإصباح في الأصل مصدر أصبَحَ: إذا دَخَلَ في الصُّبح، سُمّيَ به الصُّبحُ، قال امرُؤُ القيس: ألَا أيُّها اللَّيلُ الطَّويلُ ألَا انجَلِي بصُبْحٍ وما الإصباحُ فِيكَ بأمثَلِ ٢- بابُ رُؤيا الصالحين وقولِ الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُِّيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اُللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧]. ٦٩٨٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله وَ لَهقال: «الرُّؤْيا الحسنةُ مِنَ الرجُلِ الصالحِ جُزْءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزْءاً منَ النُّبَوَة)). [طرفه في: ٦٩٩٤] (١) بين يدي الحديث (٤٩٧٦). ٣٨٣ باب ٢/ ح ٦٩٨٣ كتاب التعبير قوله: ((باب رُؤْيا الصالحينَ)) الإضافة فيه للفاعلِ، لقوله في حديث الباب: ((يَرَاها الرجلُ الصالحُ)) وكأنَّه ◌َمَعَ إِشارةً إلى أنَّ المراد بالرجلِ الجِنس. قوله: ((وقولِ الله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الزُّؤْيَا بِالْحَقٌّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ عَامِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾)) ساقَ في رواية كَرِيمة الآية كلّها، وأخرج الفِرْيابيّ وعبد بن حُميد / والطَّبَريّ (١٠٧/٢٦) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في تفسير ٣٦٢/١٢ هذه الآية قال: أُرِيَ النبيُّ وَّهِ وهو بالحُدَيبية أنَّه دَخَلَ مكّة هو وأصحابُه مُحُلِّقين، قال: فلمَّا نَحَرَ الهدي بالحُدَيبية قال أصحابُه: أين رُؤياك؟ فنزلت. وقوله: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧]. قال: النَّحرُ بالْحُدَيبية، فرجعوا ففَتَحوا خيبر، أي: المراد بقولِه ذلك: النَّحر، والمراد بالفتح: فتحُ خَيْبر. قال: ثمَّ اعتَمَرَ بعد ذلك، فكان تصدیقُ رُؤیاه في السَّنة المقبلة. وقد أخرج ابن مَرْدويه في ((التَّسير)) بسندٍ ضعيف عن ابن عبّاس في هذه الآية، قال: تأويلُ رُؤيا رسول الله وَّه في عمرة القضاء. واختُلِفَ في معنى قوله: ﴿إِن شَآءَ اللّهُ﴾ في الآية، فقيلَ: هي إشارة إلى أنَّه لا يقع شيءٌ إلّا بمشيئة الله تعالى، وقيل: هي حكايةٌ لما قيل للنبيِّ وَّ في منامه، وقيل: هي على سبيل التَّعليم لمن أراد أن يفعل شيئاً مُستَقْبَلاً كقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًّا ) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وقيل: هي على سبيل الاستثناء من عموم المخاطَبين، لأنَّ منهم مَن ماتَ قبل ذلك أو قُتِلَ. قوله: (عن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله ێ قال)) سيأتي (٦٩٨٧) بعد باب من وجه آخر: عن أنس عن عُبادة بن الصّامت، ويأتي بيانُه هناك. قوله: ((الرُّؤْيا الحسنة مِن الرجل الصالح)) هذا يُقيِّد ما أُطلِقَ في غير هذه الرِّواية كقوله: ((رُؤيا المؤمن جُزء)) ولم يُقَيِّدها بكونها حَسنة، ولا بأنَّ رائيها صالح، ووَقَعَ في حديث أبي سعيد: ((الرُّؤيا الصالحة))(١)، وهو تفسيرُ المراد بالحسنة هنا. (١) سيأتي (٦٩٨٩). ٣٨٤ باب ٢/ ح ٦٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري قال المهلَّب: المراد غالب رُؤيا الصالحين، وإلّا فالصالح قد يرى الأضغاثَ، ولكنَّه نادٌ لِقِلّة تمكُّن الشَّيطان منهم، بخلاف عَكسِهم، فإنَّ الصِّدق فيها نادرٌ، لغَلَبَةِ تَسَلُّط الشَّيطانِ عليهم، قال: فالناسُ على هذا ثلاث درجات: الأنبياء، ورُؤیاهم كلّها صِدق، وقد يقع فيها ما يَحتاج إلى تَعبير، والصالحونَ، والأغلَب على رؤياهم الصِّدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تَعبير، ومَن عَداهم يقع في رؤياهم الصِّدقُ والأضغاثُ، وهم على ثلاثة أقسام: مَستُورونَ: فالغالب استواء الحال في حَقّهم، وفَسَقةٌ: والغالب على رؤياهم الأضغاث ويَقِلُّ فيها الصِّدق، وكفَّار: ويَندُر في رُؤياهم الصِّدق جِدّاً، ويشير إلى ذلك قولُه ◌َّ: ((وأصدَقُهم رُؤيا أصدَقُهم حديثاً) أخرجه مسلم (٦/٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة، وستأتي الإشارة إليه في ((باب القيد في المنام)) (٧٠١٧) إن شاء الله تعالى. وقد وَقَعَتِ الرُّؤيا الصّادِقة من بعض الكفَّار كما في رُؤيا صاحبَي السِّجن مع يوسف علیه السلام، ورُؤیا مَلِکھما وغير ذلك. وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: رُؤيا المؤمن الصالح هي التي تُنسَب إلى أجزاء النُّة، ومعنى صلاحِها: استقامتُها وانتظامُها، قال: وعندي أنَّ رُؤيا الفاسق لا تُعَدُّ في أجزاء النُّة، وقيل: تُعَدّ من أقصَى الأجزاء، وأمَّا رُؤيا الكافر فلا تُعَدُّ أصلاً. وقال القُرطُبيّ: المسلم الصّادِقِ الصالح هو الذي يناسِب حاله حالَ الأنبياء، فأُكرِمَ بنوع ممّا أُكرِمَ به الأنبياء، وهو الاطِّلاع على الغيب، وأمَّا الكافرُ والفاسقُ والمخلِّطُ فلا، ولو صَدَقَتِ رُؤياهم أحياناً فذاكَ كما قد يَصدُق الكَذوب، وليس كلُّ مَن حدَّث عن غَيِبٍ يكون خبره مِن أجزاء النُّبّة كالكاهنِ والمنَجِّم. وقوله: ((من الرجل)) ذِكْرٌ للغالبِ فلا مفهومَ له، فإنَّ المرأة الصالحة كذلك. قاله ابن عبد البَرّ. قوله: ((جُزْء من ستّةٍ وأربعينَ جُزْءاً من النُّبوّة)) كذا وَقَعَ في أكثرِ الأحاديث، ولمسلمٍ (٦/٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة: ((جُزء من خمسةٍ وأربعينَ)) أخرجه من طريق أيوب عن محمَّد ٣٨٥ باب ٢/ ح ٦٩٨٣ كتاب التعبير ابن سِيرِين عنه، وسيأتي للمصنِّف (٧٠١٧) من طريق عَوف عن محمَّد بلفظ: ((ستّة)) كالجادّة، ووَفَعَ عند مسلم أيضاً (٢٢٦٥) من حديث ابن عمر: ((جُزءٌ مِن سبعينَ جُزءاً))، وكذا أخرجه ابن أبي شَيْبة (٥٣/١١) عن ابن مسعود موقوفاً، وأخرجه الطبرانيُّ (١٠٥٣٢) من وجهٍ آخر عنه مرفوعاً، وله (١٠٥٤٠) من وجه آخر عنه: (جُزءٌ من ستّة وسبعينَ)) وسندها ضعيف، وأخرجه ابن أبي/ شَيْبة أيضاً (٥٤/١١) من رواية أبي(١) حَصِين عن أبي ٣٦٣/١٢ صالح عن أبي هريرة، موقوفاً كذلك، وأخرجه أحمدُ (٧١٦٨) مرفوعاً (٢)، لكن أخرجه مسلم (٨/٢٢٦٣) من رواية الأعمش عن أبي صالح كالجادّة، ولابنٍ ماجَهْ (٣٨٩٥) من حديث أبي سعيد(٣) مثل حديث ابن عمر مرفوعاً، وسنده لَيِّن، وعند أحمدَ (٢٨٩٤) والبَزَّار (٤٧٦٧) عن ابن عبّاس بمِثلِه، وسنده جيّد. وأخرج ابن عبد البَرِّ(٤) من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعاً: ((جُزء مِن ستّةٍ وعشرينَ))، والمحفوظ من هذا الوجه كالجادّة، وسيأتي للبخاريِّ قريباً (٦٩٩٤)، ومثله لمسلمٍ (٤ ٧/٢٢٦) من رواية شُعْبة عن ثابت. وأخرج أحمدُ(٥) وأبو يَعْلى (٦) والطََّريّ في (تهذيب الآثار))(٧) من طريق الأعرج عن سليمان ابن عَرِیب ۔ بمُهمَلةٍ وزن عظیم - عن أبي هريرة کالجادّة، قال سُلیمان: فذكرته لابنِ عبّاس (١) لفظة ((أبي)) سقطت من (ع) و(س). وأبو حَصِين هذا هو عثمان بن عاصم الكوفي. (٢) أخرجه من طريق كُليب بن شهاب عن أبي هريرة، وأخرجه ابن حبان مرفوعاً أيضاً (٦٠٤٤) من طريق يزيد بن عبد الرحمن الأَوْدي عن أبي هريرة. (٣) عبارة: ((من حديث أبي سعيد)) سقطت من (س). (٤) في ((التمهيد)) ١/ ٢٨٢. (٥) الحديث ليس في ((مسند أحمد)) من الطريق المذكورة، ولم يذكره الحافظ في ((أطراف المسند))، ولا في («إتحاف المهرة)»، بل ذكره في ((زوائد البزار)) (١٥٨٢)، وشرط الحافظ فيه أن يكون من زوائد البزار على الكتب الستّة و((مسند أحمد)) فلعلَّ الحافظ أراد ذكر البزار، فسبق قلمه فذكر أحمد، والله أعلم، والحديث عند البزار (١٢٩٨)، وكذا عند الطحاوي في ((شرح المشكل)) (٢١٧٦)، وغيرهما. (٦) الحديث عند أبي يعلى (٦٧٠٦) لكن لفظ أبي هريرة فيه: ((جزء من أربعين))، ولفظ العباس: ((جزء من ستين)). (٧) لم نقف عليه فيما عُثر عليه من (تهذيب الآثار)). : : ٣٨٦ باب ٢/ح ٦٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري فقال: (جُزءٌ من خمسين)) فقلت له: إنّ سمعت أبا هريرة، فقال ابن عبّاس: فإنّ سمعت العبّاسَ ابن عبد المطَّلِب يقول: سمعتُ رسول الله وَّل يقول: ((الرُّؤيا الصالحةُ مِن المؤمن جُزءٌ مِن خمسين جُزءاً من النُّبوّة)). وللتِّمِذيِّ (٢٢٧٨) والطََّريّ (١) من حديث أبي رَزِين العُقَيِيّ: ((جُزء من أربعينَ))، وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٢٧٩) من وجه آخرَ كالجادّة(٢). وأخرجه الطََّرَيُّ من وجهٍ آخرَ عن ابن عبّاس: ((أربعينَ))، وللطََّرَيِّ(٣) من حديث عُبادة: ((جُزءٌ من أربعةٍ وأربعينَ))، والمحفوظ عن عُبادة كالجادّة كما سيأتي بعد باب . وأخرج الطََّرِيُّ وأحمدُ (٧٠٤٤) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص: ((جُزءٌ من تِسعةٍ وأربعينَ))، وذكره القُرطُبيّ في ((المفهم)) بلفظ: ((سبعة)) بتقديم السّين. فحَصَلنا من هذه الرِّوايات على عشرةٍ أوجُهِ، أقلُّها جُزء من ستّةٍ وعشرين، وأكثرُها من ستّةٍ وسبعين، وبين ذلك: أربعينَ، أربعةٍ وأربعينَ، خمسةٍ وأربعينَ، ستّةٍ وأربعينَ، سبعةٍ وأربعينَ، تِسعةٍ وأربعينَ، خمسين، سبعين، أصحُّها مُطلَقاً الأوَّل ويليه السَّبعينَ. ووَقَعَ في ((شرح النَّوويّ)): وفي رواية عُبادة: ((أربعة وعشرينَ))(٤)، وفي رواية ابن عمر: (ستّةٍ وعشرينَ))، وهاتان الرِّوايتان لا أعرِفُ مَن أخرجهما، إلّا أنَّ بعضهم نَسَبَ رواية ابن عمر هذه لتخريج الطَّبَريّ. ووَقَعَ في كلام ابن أبي جَمْرة أنَّه وَرَدَ بألفاظٍ مُتَلِفة، فذكر بعض ما تقدَّم، وزاد في روايةٍ: اثنَينِ وسبعين، وفي أُخرى: اثنَينِ وأربعين، وفي أُخرى: سبعةٍ وعشرين، وفي أُخرى: خمسةٍ وعشرين. فبَلَغَت على هذا خمسةَ عشرَ لفظاً. (١) وهو أيضاً عند أحمد (١٦١٨٣). (٢) وهو أيضاً عند ابن ماجه (٣٩١٤) على الجادّة. (٣) وهو أيضاً في ((تفسيره)) ١١/ ١٣٥. (٤) في المطبوع من ((شرح النووي)): ((من أربعةٍ وأربعين)). وهي الرواية التي أشار إليها الحافظ قريباً وعزاها للطبري، فالظاهر أنها تحرفت في نسخة الحافظ من ((شرح النووي)) والله أعلم. ٣٨٧ باب ٢/ ح ٦٩٨٣ كتاب التعبير وقد استُشكِلَ كَون الرُّؤيا جزءاً من النُّبوّة مع أنَّ النُّبوّة انقَطَعَت بموت النبيّ وَِّ، فقيلَ في الجواب: إن وَقَعَتِ الرُّؤْيا من النبيّلنَّه فهي جزءٌ من أجزاء النُّبّة حقيقةً، وإن وَقَعَت من غير النبيّ فهي جُزءٌ من أجزاء النُّبّة على سبيل المجاز. وقال الخطَّبيُّ: قيلَ: معناه أنَّ الرُّؤيا تجيء على مُوافَقَة النُّبوّة، لا أنَّهَا جُزءٌ باقٍ من النُّة، وقيل: المعنى أنَّهَا جُزءٌ مِن عِلم النُّة، لأنَّ النُّة وإن انقَطَعَت فِعِلمُها باقٍ. وتُعقِّبَ بقولِ مالكٍ فيما حكاه ابن عبد البَرِّ أَنَّه سُئلَ: أَيَعِبُرُ الزُّؤيا كلُّ أحد؟ فقال: أبالنُّة يُلعَب؟ ثمّ قال: الرُّؤيا جُزء من النُّة فلا يُلعَب بالنُبّة. والجواب: أنَّه لم يُرِدِ أنَها نُبوّة باقية، وإنَّما أراد أنَّها لمَّا أَشبَهَتِ النُّةَ من جهة الاطِّلاع على بعضِ الغيب لا ينبغي أن يُتَكلَّم فيها بغير عِلم. وقال ابن بَطّال: كَونُ الرُّؤيا جُزءاً من أجزاءِ النُّبّة ممَّا يُستَعظَم ولو كانت جُزءاً من ألف جُزء، فيُمكِن أن يقال: إنَّ لفظ النُّبوّة مأخوذٌ من الإنباء، وهو الإعلامُ لُغةً، فعلى هذا فالمعنى: أنَّ الرُّؤْيا خَبَرٌ صادِقٌ من الله لا كَذِب فيه، كما أنَّ معنى النَُّّة نَبَأْ صادِقٌ من الله لا يجوز عليه الكَذِب، فشابَت الرُّؤيا النُّبوّةَ في صِدقِ الخبر. وقال المازَرِيّ: يُحتمل أن يُراد بالنُّبّة في هذا الحديث الخبر بالغيبِ لا غير، وإن كان يَتَبَع ذاكَ إنذارٌ أو تبشيرٌ، فالخبر بالغيبِ أحدُ ثَمرات النُّبوّة، وهو غير مقصودٍ لذاته، لأنَّه يَصِحّ أن يُبعَث نبيٌّ يُقرِّر الشَّرعَ، ويُبيِّ الأحكامَ، وإن لم يُخْبِرِ في طول عُمره بغَيْبٍ، ولا يكون ذلك قادحاً في نُبَّته، ولا مُبطِلاً للمقصودِ منها، والخبر بالغيبِ من النبيّ لا يكون إلّا صِدقاً ولا يقع إلّا حقّاً. وأمَّا خُصوص العَدَد فهو ممّ أطلَعَ اللهُ عليه نبيَّه، لأنَّه يَعلم من حَقائق النُّبوّة ما لا يَعلَمه/ غيرُه. قال: وقد سَبَقَ بهذا الجواب جماعةٌ لكنَّهم لم يَكشِفوه ولم ٣٦٤/١٢ ◌ُحقِّقوه. وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ: أجزاء النُّبّة لا يَعلَمُ حقيقتها إلّا مَلَكٌ أو نبيٌّ، وإِنَّا القَدرُ الذي أرادَه النبيّ ◌ََّ أن يُبَيِّن أنَّ الرُّؤيا جُزءٌ مِن أجزاء النُبوّة في الجملة، لأنَّ فيها اطِّلاعاً على الغيبِ من وجهٍ ما، وأمَّ تفصيلُ النِّسبة فيَخْتَصُّ بمَعرِ فَتِهِ درجةُ النُّبوّةِ. ٣٨٨ باب ٢/ ح ٦٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري وقال المازَرِيّ: لا يَلزَم العالِمِ أن يَعرِفَ كلَّ شيءٍ جملةً وتفصيلاً، فقد جَعَلَ اللهُ للعالم حَدّاً يَقِفُ عنده، فمنه ما يَعلم المرادَ به جملة وتفصيلاً، ومنه ما يَعلَمهُ جملةً لا تفصيلاً، وهذا مِن هذا القبيل. وقد تَكلَّمَ بعضُهم على الرِّواية المشهورة، وأبدَى لها مُناسَبةً، فَقَلَ ابنُ بَطّال عن أبي سعيد السَّفاقُسيّ(١): أنَّ بعضَ أهلِ العلم ذكر أنَّ اللهَ أوحَى إلى نبيّه في المنام ستّةً أشهرٍ، ثمَّ أوحَى إليه بعد ذلك في اليقظة بَقيَّةَ مُدّةٍ حياتِه، ونِسبتها من الوحي في المنام جُزءٌ من ستّةٍ وأربعينَ جُزءاً، لأنَّه عاشَ بعد النُّبّة ثلاثاً وعشرينَ سنةً على الصَّحيح. قال ابن بَطّل: هذا التَّأويل يَفسُدُ مِن وجهَين: أحدهما: أنَّه قد اختُلِفَ في قَدر المدّة التي بعد بَعَثَة النبيِّ نَّه إلى موتِه، والثّاني: أنَّ يَبقَى حديثُ السَّبعينَ جُزءاً بغير معنَى. قلت: ويُضافُ إليه بَقيَّةُ الأعداد الواقعة. وقد سَبَقَه الخطَّبيُّ إلى إنكار هذه المناسَبة فقال: كان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ في تأويل هذا العَدَد قولاً لا يَكَادُ يَتَحقَّق، وذلك أنَّه وَّهِ أَقامَ بعد الوحي ثلاثاً وعشرينَ سنةً، وكان يُوحَى إليه في مَنامِه ستّةَ أشهرٍ وهي نصفُ سنةٍ، فهي جُزءٌ من ستّة وأربعينَ جزءاً مِن النُُّوّة. قال الخطَّبيُّ: وهذا وإن كان وجهاً تحتمِلُه قِسمةُ الحِساب والعَدَد، فأوَّل ما يجبُ على مَن قاله أن يُثبِت بما ادَّعاه خَبَراً، ولم نَسمَعْ فيه أثراً، ولا ذكر مُدَّعيه في ذلك خَبَراً، فكأنَّه قاله على سبيلِ الظَّنّ، والظَّنُّ لا يُغني من الحقّ شيئاً، ولَئِن كانتْ هذه المدّة مَحسوبةً من أجزاء النُّبّة على ما ذهب إليه، فليُلحَق بها سائرُ الأوقات التي كان يوحَى إليه فيها في مَنامِه في طولِ المدّة، كما ثَبَتَ ذلك عنه في أحاديثَ كثيرةٍ جليلة القَدْر (٢)، والرُّؤيا في أُحُد، (١) تحرف في مطبوع ((شرح البخاري)) لابن بطال إلى: السفسقي، وسفاقُس ويقال لها: صفاقُس وأسفاقس، وهي الآن في التقسيم الحديث مدينة تقع على الشاطئ الشرقي في تونس. (٢) كحديث أنس الذي أخرجه مسلم (٤٠٠) في نزول سورة الكوثر عليه وَله في إغفاءة أغفاها. ٣٨٩ باب ٢/ح ٦٩٨٣ كتاب التعبير وفي دخول مكّة، فإنَّه يَتَلَفَّق من ذلك مُدّةً أُخرى، وتُزاد في الحساب فتَبطُل القسمة التي ذكرها. قال: فدَلَّ ذلك على ضَعفٍ ما تأوَّلَهَ المذكور، وليس كلُّ ما خَفِيَ علينا عِلَّتُه(١) لا يَلْزَمُنَا حُجَّتُه، كأعدادِ الرَّكَعات وأيامِ الصيامِ ورَمْيِ الجِمار، فإنّا لا نَصِل مِن عِلمها إلى أمرٍ يُوجِبُ حَصرَها تحت أعدادِها، ولم يَقدَح ذلك في مُوجِب اعتقادِنا للُزومِها، وهو كقولِه في حديثٍ آخر: ((الهديُ الصالحُ والسَّمْتُ الصالحُ جُزءٌ مِن خمسةٍ وعشرينَ جُزءاً من النُّبوّة)(٢)، فإنَّ تفصيلَ هذا العَدَد وحَصرَ النُّة مُتَعَذِّر، وإنَّما فيه أنَّ هاتَينِ الْخَصْلِتَيْنِ مِن جملة هَدي الأنبياء وسَمْتهم، فكذلك معنى حديث الباب المراد به تحقيقُ أمرِ الرُّؤيا، وأنَّها ثمَّا كان الأنبياءُ تُثبِتُه(٣)، وأنَّهَا جُزءٌ من أجزاءِ العلمِ الذي كان يأتيهم، والأنباءِ التي كان یَنزِل بها الوحيُ علیھِم. وقد قَبِلَ جماعةٌ مِن الأئمّة المناسَبةَ المذكورةَ وأجابوا عَّ أورَدَه الخطَّبيّ، أمَّا الدَّليلُ على كَونِ الرُّؤيا كانت ستّةَ أشهرٍ، فهو أنَّ ابتداء الوحي كان على رأسِ الأربعينَ من عُمُره ◌ِ کما جَزَمَ به ابن إسحاق وغیرُه، وذلك في ربيع الأوَّل، ونزول چِبْریل إلیه وهو بغارِ حِراء كان في رمضان وبينهما ستّةُ أشهرٍ، وفي هذا الجواب نظر، لأنَّه على تقديرٍ تسليمه ليس فيه تصريحٌ بالرُّؤيا، وقد قال النَّوويّ: لم يَثْبُت أنَّ زمنَ الرُّؤيا للنبِّ وَّ كان ستّةَ أشهرٍ، وأمَّا ما ألزَمَه به مِن تَلفيقِ أوقات المرائي وضمّها إلى المدّة، فإنَّ المرادَ وحيُّ المنامِ المتتابع، وأمَّا ما وَقَعَ منه في غُضون وَحْي اليَقَظةِ فهو يَسِيرٌ بالنِّسبة إلى وحي اليَقَظة، فهو مغمورٌ في جانبٍ وخي اليَقَّظة، فلم يُعتبَرَ بمُدَّتِهِ، وهو نَظيرُ ما اعتَمَدوه في نُزولِ الوحْي، وقد أطبقوا على تقسيمِ النُّزولِ إلى مَكّيٍّ ومَدَنيّ قطعاً، فالمكِّيّ: ما نزلَ قبل الهجرة، ولو وَقَعَ بغَيرِها مثلاً (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: علمه. وفرْقٌ بين علم الشيء وعلته. والتصويب من ((شرح الخطابي)) ٢٣١٨/٤. (٢) أخرجه أحمد (٢٦٩٨)، وأبو داود (٤٧٧٦) من حديث ابن عباس. وسيذكره الحافظ قريباً مُخرِّجاً إياه من الترمذي والطبراني، وأنه من حديث عبد الله بن سَرْجس، وإنما هو باللفظ الذي ذكره الخطابي عند من ذكرنا من حديث ابن عباس. (٣) وعبارة الخطابي في ((شرحه)): كان الأنبياء يُثِتُونه ويحقِّقونه. ٣٩٠ باب ٢/ ح ٦٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري كالطائفِ ونخلةَ، والمدنيّ: ما نَزَلَ بعد الهجرة، ولو وَقَعَ وهو بغيرِها كما في الغَزَواتِ وسَفَر الحجّ والعُمرةِ حتَّى مكّة. ٣٦٥/١٢ قلت: وهو / اعتذارٌ مقبول، ويُمكِن الجوابُ عن اختلاف الأعدادِ أنَّه وَقَعَ بحَسَبِ الوَقت الذي حدَّث فيه النبيُّ وَّه بذلك، كأن يكون لمَّا أكمَلَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنة بعد مجيءِ الوحيٍ إليه حدَّث بأنَّ الرُّؤيا جُزءٌ من ستّةٍ وعشرينَ إِن ثَبَتَ الخبرُ بذلك، وذلك وقتَ الهجرة، ولمَّا أكمَلَ عِشرين حدَّث بأربعين، ولمَّا أكمَلَ اثنَيْنِ وعِشرينَ حدَّث بأربعةٍ وأربعين، ثمَّ بعدها بخمسةٍ وأربعين، ثمَّ حدَّث بستّةٍ وأربعينَ في آخر حياته. وأمَّا ما عَدا ذلك من الروايات(١) بعد الأربعينَ فضعيفٌ، ورواية الخمسينَ يحتمل أن تكون لجَيرِ الكسر، ورواية السَّبعينَ للمُبالَغة، وما عدا ذلك لم يَثْبُت، وهذه مُناسَبة لم أرَ مَن تَعرَّضَ لها. ووَقَعَ في بعض الشُّروح مُناسَبةٌ للسَّبعينَ ظاهرةُ التكَلَّف، وهي أنَّه ◌َلِّ قال في الحديث الذي أخرجه أحمدُ (٢٢٢٦١) وغيره(٢): ((أنا بشارةُ عيسى، ودَعوةُ إبراهيمَ، ورأت أمّي نوراً)) فهذه ثلاثة أشياء تُضرَبُ في مُدّة نُبَّته وهي ثلاثة وعشرونَ سنة تُضافُ إلى أصل الرُّؤيا، فتَبلُغْ سبعينَ. قلت: ويَبقَى في أصل المناسَبة إشكال آخر وهو أنَّ المتبادِر من الحديث إرادةُ تعظيم رُؤيا المؤمن الصالح، والمناسَبة المذكورة تقتضي قَصْرَ الخبر على صورة ما اتَّفَقَ لنبيِّنَا وَلِه كأنَّه قيل: كانت المدّة التي أوحى الله إلى نبيّنا فيها في المنام جُزءاً من ستّة وأربعينَ جزءاً من المّة التي أوحَى الله إليه فيها في اليَقَظة، ولا يَلزَم مِن ذلك أنَّ كلّ رُؤيا لكلِّ صالح تكون كذلك، ويُؤيِّد إرادة التَّعميم الحديثُ الذي ذكره الخطَّبيُّ في الهَدْي والسَّمْت، فإنَّه ليس خاصّاً بنُبوّة نبيّنا نَّ أصلاً. (١) تحرَّف في (س) إلى: الرؤيات. (٢) كأبي داود الطيالسي (١٢٣٦). ٣٩١ باب ٢/ ح ٦٩٨٣ كتاب التعبير وقد أنكَرَ الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة التَّأويلَ المذكور، فقال: ليس فيه كبيرُ فائدةٍ، ولا ينبغي أن يُحِمَل كلام المؤَّد بالفَصَاحة والبلاغة على هذا المعنى، ولعلَّ قائله أرادَ أن يجعل بين النُّبّة والرُّؤيا نوعَ مُناسَبةٍ فقط، ويُعكّر عليه الاختلافُ في عَدَد الأجزاء. تنبيه: حديث الهدي الصالح الذي ذكره الخطَّبيُّ أخرجه التِّرمِذيّ (٢٠١٠) والطبرانيُّ(١) من حديث عبد الله بن سَرْجِس، لكن بلفظ: ((أربعة وعشرينَ جُزءاً) وقد ذكره القُرطُبيّ في ((المفهم)» بلفظ: ((من ستّة وعشرین)) انتھی. وقد أبدَى غير الخطَّبيّ المناسَبة باختلاف الرِّوايات في العَدَد المذكور، وقد جَمَعَ بينها جماعة، أوَّلهم الطََّرِيُّ فقال: رواية السَّبعينَ عامّة في كلّ رُؤيا صادِقة من كلّ مسلم، ورواية الأربعينَ خاصّة بالمؤمنِ الصّادِق الصالح، وأمَّا ما بين ذلك فبالنّسبة لأحوال المؤمنينَ. وقال ابن بَطّال: أمَّا الاختلاف في العَدَدْ قِلّةً وكَثْرَةً فأصحُ ما وَرَدَ فيها: ((من ستّة وأربعين)) و((من سبعين)) وما بين ذلك من أحاديث الشُّيوخ. وقد وجَدنا الرُّؤيا تَنقَسِم قسمَين: جَلَيَّة ظاهرة، كمَن رأى في المنام أنَّه يُعطَى تَمراً، فأُعطيَ تَراً مِثله في اليَقَظة، فهذا القسم لا إغراب في تأويلها، ولا رمز في تفسیرها. ومرموزةٌ بعيدةُ المرام، فهذا القسم لا يقوم به حتَّى يَعْبُرُه إلّا حاذِقٌ لبُعدِ ضربٍ المثَل فيه. فيُمكِن أنَّ هذا من السَّبعينَ، والأوَّل من السِّة والأربعينَ، لأنَّه إذا قَلَّت الأجزاء كانت الرُّؤيا أقرَبَ إلى الصِّدق وأسلَمَ من وقوع الغَلَط في تأويلها، بخِلَاف ما إذا كَثُرَت. قال: وقد عَرَضتُ هذا الجواب على جماعةٍ فحَسَّنوه، وزادني بعضهم فيه: أنَّ التُّبّة على مِثل هذَينِ الوصفَينِ تَلقَّاها الشّارع عن جِبْريل، فقد أَخبر أنَّه كان يأتيه الوحي مرَّةً، فيكلِّمه بكلامٍ فَيَعيهِ بغير كُلْفة، ومرَّةً يُلقي إليه جُمَلاً وجَوَامع يَشتَدّ عليه حَملُها، حتَّى (١) وهو في ((الأوسط)) أيضاً (١٠١٧)، وفات الحافظ رحمه الله أنه باللفظ الذي ذكره الخطابي عند أحمد (٢٦٩٨)، وأبي داود (٤٧٧٦) من حديث ابن عباس. ولم نقف عليه باللفظ الذي ذكره القرطبي، ولعلها تحريف. ٣٩٢ باب ٢/ ح ٦٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري تأخُذه الرَّحْضاء، ويَتَحدَّر منه العَرَق، ثمَّ يُطلِعِه الله على بيان ما ألقَى عليه منها. ولَخَّصَه المازَرِيّ فقال: قيل: إنَّ المنامات دلالات، والدَّلالات منها ما هو جَليّ، ومنها ما هو خَفِيّ، فالأقلّ في العَدَد هو الجليّ، والأكثر في العَدَد هو الحَقيّ وما بين ذلك. وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة ما حاصله: إنَّ النُّة جاءت بالأُمورِ الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمالٌ مع كونه مُبَيَّناً في موضع آخر، وكذلك المرائي منها ما هو صريح لا يحتاج إلى تأويل، ومنها ما يحتاج، فالذي يفهمُه العارف من الحقّ الذي يُرَّجُ(١) ٣٦٦/١٢ منها جُزء من أجزاء/ النُّبوّة، وذلك الجزء يَكثُر مرَّة ويَقِلّ أُخرى بحَسَبٍ فَهمِه، فأعلاهم مَن يكون بينه وبين درجة النُّبوّة أقلُّ ما وَرَدَ من العَدَد، وأدناهم الأكثرُ من العَدَد، ومَن عَداهما ما بین ذلك. وقال القاضي عياض: يحتمل أن تكون هذه التَّجزِئة في طرق الوحي، إذ منه ما سُمِعَ من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة الملَك، ومنه ما أُلقيَ في القلب من الإلهام، ومنه ما جاء به الملك وهو على صُورَته، أو على صورة آدميّ معروفٍ أو غير معروفٍ، ومنه ما أتاه به في النَّوم، ومنه ما أتاه به في صَلصَلة الْجَرَس، ومنه ما يُلقيه روح القُدُس في رُوْعِه، إلى غير ذلك ممّاً وقَفنا عليه، وما لم نَقِف عليه، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدَت انتهت إلى العَدَد المذكور. قال القُرطُبيّ في ((المفهم)): ولا يخفى ما فيه من التكَلُّف والتَّساهُل، فإنَّ تلك الأعداد إنَّما هي أجزاء النُّبّة، وأكثرُ الذي ذكره إنَّما هي أحوالٌ لغير النُّبوّة، لكَونِهِ يَعِرِف الملَك أو لا يَعرِفه، أو يأتيه على صورته أو على صورة آدميّ، ثمَّ مع هذا التكَلَّف لم يَبلُغْ عَدَدُ ما ذكَرَ عشرينَ، فضلاً عن سبعينَ. قلت: والذي نَحاه القاضي سَبَقَه إليه الحَلِيمَيّ(٢)، فقرأت في مختصره للشّيخ علاء الدّين القُونَويِّ بخَطِّه ما نَصُّه: ثمَّ إِنَّ الأنبياء يُخَصُّون بآيَاتٍ يُؤْيَّدونَ بها، لِيَتَميَّزوا بها عمَّن ليس (١) تحرف في (أ) إلى: عرج، وفي (س) إلى: يعرج عليه، بإقحام لفظة ((عليه)) أيضاً. (٢) في كتابه «المنهاج في شعب الإيمان)). ٣٩٣ باب ٢/ح ٦٩٨٣ كتاب التعبير مِثلهم، كما تَميَّزوا بالعِلمِ الذي أوتُوه، فيكون لهم الخُصوص من وجهَين: فما هو في حَيِّز(١) التَّعليم هو النُّبّة، وما هو في حَيِّز التأييد هو حُجّة النُّة. قال: وقد قَصَدَ الحَلِيميّ في هذا الموضع بيان كَون الرُّؤيا الصالحة جزءاً من ستّة وأربعينَ جُزءاً من النُّبّة، فذكر وجوهاً من الخصائص العلميَّة للأنبياءِ تَكلَّفَ في بعضها حتَّى أنهاها إلى العَدَد المذكور، فتكون الرُّؤيا واحداً من تلك الوجوه: فأعلاها: تكليمُ الله بغير واسطة. ثانيها: الإلهام بلا كلام، بل يَجِد عِلم شيء في نفسه، من غیر تَقَدُّم ما یوصِل إليه بحِسِّ أو استدلال. ثالثها: الوحي على لسان مَلَك يراه فيُكلِّمه(٢). رابعها: نَفْث الملَك في رُوعِه(٣)، وهو الوحي الذي يَخُصّ به القلبَ دونَ السَّمع. قال: وقد يَنْفُث الملَك في رُوع بعض أهل الصَّلاح، لكن بنحوِ الإطماع في الظَّفَر بالعدوّ، والتَّرغيب في الشَّيء والتَّرهيب من الشَّيء، فيَزول عنه بذلك وسوسةُ الشَّيطان بحضورِ الملَك، لا بنحوِ نَفْتِهِ(٤) عِلم الأحكام والوعد والوعيد، فإنَّه من خصائص النُّبوّة. خامسها: إكمال عقله فلا يَعرِض له فیه عارض أصلاً. سادسها: قوّة حِفظه حتَّى يسمعَ السّورة الطَّويلة، فيحفظَها من مرَّة ولا يَنسَى منها حرفاً(٥). سابعها: عِصمَته من الخطأ في اجتهاده. (١) تصحفت في الأصلين إلى: خبر، في الموضعين. (٢) تقدم برقم (٢) من حديث عائشة. (٣) تقدم تخريج الحافظ له عند الكلام على حديث عائشة من حديث ابن مسعود، وروي حديث حذيفة عند البزار (٢٩١٤)، ومن حديث المطلب بن حنطب عند الشافعي في ((الأم)) ٣١٤/٧، وهو مرسل رجاله ثقات. (٤) تحرَّف في الأصلین إلى: نفه، وفي (س) إلى: نفي. (٥) تقدم برقم (٤٩٢٩) من حديث ابن عباس. ٣٩٤ باب ٢/ح ٦٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ثامنها: إذكاءُ(١) فهمه حتَّى يَتَّسِعَ لضُروبٍ من الاستنباط. تاسعها: إذكاء بَصَره حتَّى يَكاد يُبْصِرِ الشَّيء من أقصى الأرض(٢). عاشرها: إذكاء سَمْعه حتَّى يسمعَ من أقصى الأرض ما لا يسمعُه غيره (٣). : حادي عشرها: إذكاء شَمّه كما وَقَعَ ليعقوب في قميص يوسف. ثاني عشرها: تقويةٌ جسدِه حتَّى سارَ في ليلةٍ مَسيرةَ ثلاثينَ ليلةً (٤). ثالث عشرها: ◌ُروجُه إلى السماء. رابع عشرها: مَجَيء الوحي له في مِثل صَلْصَلة الجَرَس (٥). خامس عشرها: تكليمُ الشّاة(٦). سادس عشرها: إنطاق النَّبات(٧). سابع عشرها: إنطاق الجِذْع(٨). ثامن عشرها: إنطاق الحَجَر(٩). (١) تحرف في (س) إلى المواضع الأربعة إلى: ذكاء. (٢) أخرج مسلم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان رفعه: ((إنَّ الله زَوى لي الأرض حتى رأيتُ مشارقَها ومغاربها». (٣) كما في حديث أبي ذر الغفاري عند أحمد (٢١٥١٦)، وابن ماجه (٤١٩٠)، والترمذي (٢٣١٢) وحسّنه. (٤) كما حصل معه في رحلة الإسراء إلى بيت المقدس. (٥) كما في حديث عائشة المتقدم برقم (٢). (٦) كما في حديث أبي هريرة في إخبار الشاة المصليّة المسمومة رسولَ الله وَ ل﴿ بذلك في خيبر، أخرجه أبوداود (٤٥١٢). (٧) كما في حديث ابن أنَّ النبي ◌َِّدعا سَمُرةً فأقبلت تُخُذُّ الأرض حتى كانت بين يديه فشهدت أنه رسول الله، أخرجه ابن حبان (٦٥٠۵) وغيره. (٨) رُوي عن عدة من الصحابة حنين الجذع إلى رسول الله وَّليل انظر رواياتهم في ((مسند أحمد)) عند الحديث (١٤١١٩). (٩) كما في حديث جابر بن سمرة عند مسلم (٢٢٧٧). ٣٩٥ باب ٢/ح ٦٩٨٣ كتاب التعبير تاسع عشرها: إفهامُه عُواء الذِّئب أن يَفرِض له رِزقاً(١). العشرونَ: إفهامه رُغاء البعير(٢). الحادي والعشرونَ: أن يسمع الصَّوت ولا يرى المتكلِّم(٣). الثّانية والعشرونَ: تمكينُه من مُشاهَدة الجِنّ(٤). الثالثة والعشرونَ: تمثيل الأشياء المغَيَّة له، كما مُثِّلَ له بيت المقدس صبيحة الإسراء(٥). الرَّابعة والعشرونَ: حُدوث أمر يَعلم به العاقبة، كما قال في الناقة لمَّا بَرَكَتَ في الْحُدَيبية: ((حَبَسَها حابِس الفيل))(٦). الخامسة والعشرونَ: استدلالُه باسم على أمر، كما قال لمَّا جاءهم سُهَيل بن عَمْرو: ((قد سَهُلَ لكم الأمر))(٧). السادسة والعشرونَ: أن يَنظُر شيئاً عُلویّاً، فيَستَدِلّ به على أمر یقع في الأرض، كما قال: ((إنَّ هذه السَّحابة لَتَستَهِلّ بنَصِرِ بني كعب))(٨). السابعة والعشرونَ: رُؤيَته من ورائه(٩). الثامنة والعشرونَ: اطلاعه على أمر وَقَعَ لمن ماتَ قبل أن يموت، / كما قال في حَنظَلة: ((رأيت ٣٦٧/١٢ الملائكة تُغسِّلِه))(١٠). وكان قُتِلَ وهو جُنُب. (١) رواه ابن سعد ٣٥٩/١ من حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب مرسلاً. وفيه شيخه الواقدي متروك. (٢) كما في حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عند أحمد (١٧٤٥) وغيره. (٣) هذا حال بعض أنواع الوحي الذي يأتيه وَ ليل كما تقدَّم. (٤) كما في حديث ابن مسعود عند مسلم (٤٥٠). (٥) رواه جابر بن عبد الله، وقد تقدَّم برقم (٣٨٨٦). (٦) تقدم برقم (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. (٧) تقدم برقم (٢٧٣١) من حديث المسور ومروان بن الحكم. (٨) كما في حديث المسور ومروان بن الحكم من رواية ابن إسحاق، كما في ((سنن البيهقي)) ٢٣٣/٩، و ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم (٤٩٠٦). (٩) كما رواه أنس فيما تقدم برقم (٤١٩)، وأبو هريرة عند مسلم (٤٢٣). (١٠) أخرجه ابن حبان (٧٠٢٥)، والحاكم ٢٠٤/٣ -٢٠٥ من حديث عبد الله بن الزبير. ٣٩٦ باب ٢/ح ٦٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري التاسعة والعشرونَ: أن يظهر له ما يَستَدِلّ به على فُتوح مُستَقبَل، كما جاء ذلك يوم الخندق(١). الثلاثونَ: اطِّلاعه على الجنَّة والنار في الدُّنيا(٢). الحادية والثلاثونَ: الفِراسة(٣). الثّانية والثلاثونَ: طَواعية الشَّجَرة حتَّى انْتَقَلَت بعُروقِها وغُصونها من مكان إلى مكان ثُمَّ رَجَعَت(٤). الثّالثة والثلاثونَ: قصَّة الظَّبية وشَكواها له ضَرُورة خِشْفِها الصَّغير (٥). الرّابعة والثلاثونَ: تأويل الرُّؤيا بحيثُ لا تُخْطِئ(٦). الخامسة والثلاثونَ: الحَزْر في الرُّطَب، وهو على النَّخل أنَّه يَجِيء كذا وكذا وَسْقاً من الثَّمر، فجاء كما قال(٧). السادسة والثلاثونَ: الهداية إلى الأحكام(٨). السابعة والثلاثونَ: الهداية إلى سياسة الدّين والدُّنيا. الثّامنة والثلاثونَ: الهداية إلى هَيْئة العالم وترکیبه. التاسعة والثلاثونَ: الهداية إلى مصالح البَدَن بأنواع الطِّبّ. (١) تقدم تخريج الحافظ له عند شرح الحديث (٤١٠١). (٢) كما في حديث عمران بن حصين المتقدم برقم (٣٢٤١). (٣) كما في حديث أبي هريرة لما عرف رسول الله وَّيقول ما في وجهه من الجوع، وقد تقدم برقم (٦٤٥٢). (٤) كما قدمنا تخريجه عند الكلام على إنطاق النبات. (٥) خرَّج طرفه الحافظ في ((موافقة الخبر الخبر)) ٢٤٥/١ -٢٤٧، وضعفها جميعاً. (٦) كما سيورده البخاري في هذا الكتاب. (٧) هذه لم نقف عليها في المنهاج («للحلیمي) فلعلها مما زاده القونوي، ولعله یعني حديث جابر في قصة سداده دین أبيه وقد تقدّم برقم (٢٣٩٦). (٨) هذه الخصيصة وما بعدها من الخصائص العامة وشواهدها كثيرة. ٣٩٧ باب ٢/ح ٦٩٨٣ كتاب التعبير الأربعونَ: الهداية إلى وجوه القُرُبات. الحادية والأربعونَ: الهداية إلى الصِّناعات النافعة. الثّانية والأربعونَ: الاطِّلاع على ما سيكون. الثّالثة والأربعونَ: الاطِّلاع على ما كان ممّ لم يَنقُله أحد قَبَلَه. الرَّابعة والأربعونَ: التَّوقيف على أسرارِ الناس ومُخَبَّآتهم. الخامسة والأربعون: تعليم طرق الاستدلال. السادسة والأربعونَ: الاطّلاع على طريق التَّلَطُّف في المعاشَرة. قال: فقد بَلَغَت خصائص النُّبّة فيما مَرجِعه العلمُ ستّة وأربعينَ وجهاً ليس منها وجهٌ إلّا وهو يَصلُح أن يكون مُقارباً للُّؤيا الصالحة التي أخبر أنَّها جُزء من ستّة وأربعينَ جُزءاً من النُّبّة، والكثير منها وإن كان قد يقع لغير النبيّ، لكنَّه للنبيِّ لا يُطِئ أصلاً، ولغيره قد يقع فيه الخطأ، والله أعلم. وقال الغَزاليّ في كتاب الفقر والزُّهد من («الإحياء)) لمَّا ذكر حديث ((يَدخُل الفقراء الجنَّة قبل الأغنياء بخمسٍ مئة عام)) (١) وفي رواية: ((بأربعينَ سنة))(٢). قال: وهذا يدلُّ على تَفاوت دَرَجات الفقراء، فكان الفقير الحريص على درجةٍ من خمسة وعشرينَ جُزءاً من الفقير الزّاهد، لأنَّ هذه نِسبة الأربعينَ إلى الخمس مئة، ولا يُظنّ أنَّ تقديرَ النبيّ ◌َّ يجري على لسانه كيف ما اتَّفَقَ، بل لا يَنطِق إلّا بحقيقة الحقّ، وهذا كقوله: ((الرُّؤيا الصالحة من الرجل الصالح جُزء من ستّة وأربعينَ جُزءاً من النُّبوّة)) فإنَّه تقديرُ تحقيقٍ، لكن ليس في قُوّة غَيرِه أن يَعرِف ◌ِلّة تلك النِّسبة إلّا بتَخمينٍ، لأنَّ النُّبوّة عِبارة عَّ يَخْتَصّ به النبيّ ويُفارِق به غيرَه، وهو يَخْتَصّ بأنواع من الخواصّ، منها: أنَّه يَعرِف حقاق الأُمور المتعلِّقة بالله وصفاته (١) أخرجه أحمد (٧٩٤٦) والترمذي (٢٣٥٣) من حديث أبي هريرة وصحَّحه الترمذي، وانظر تمام شواهده في ((المسند)). (٢) أخرجها مسلم (٢٩٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. ٣٩٨ باب ٢/ح ٦٩٨٣ فتح الباري بشرح البخاري وملائكته والدّار الآخرة، لا كما يَعلَمُه غيره، بل عنده من كَثْرة المعلومات وزيادة اليقين والتَّحقيق ما ليس عند غيره. وله صِفَة تَتِمّ له بها الأفعال الخارقة للعادات كالصِّفة التي بها تَتِمّ لغيره الحَرَكاتُ الاختياريَّة. وله صِفَة يُبِصِر بها الملائكة، ويُشاهد بها الملكوتَ، كالصِّفة التي يُفارق بها البصيرُ الأعمى. وله صِفَة بها يُدرِك ما سيكونُ في الغيب، ويُطالع بها ما في اللَّوح المحفوظ، كالصِّفة التي يُفارِق بها الذَّكُّ البليدَ. فهذه صفاتُ كمالاتٍ ثابتةٌ للنبيِّ يُمكِن انقسام كلّ واحد منها إلى أقسام بحيثُ يُمكِننا أن نَقسِمها إلى أربعينَ وإلى خمسين وإلى أكثرَ، وكذا يُمكِننا أن نَقسِمها إلى ستّة وأربعينَ جُزءاً بحيثُ تقع الرُّؤيا الصَّحيحة جُزءاً من ◌ُملَتها، لكن لا يَرجِع إلّا إلى ظنٍّ وَخمين، لا أنَّه الذي أرادَه النبيّ وَِّ حقيقةً. انتهى ملخّصاً. وأظنّه أشار إلى كلام الخَلِيميّ، وأَنَّه مع تكلُّفه ليس على يقين أنَّ الذي ذكره هو المراد، والله أعلم. وقال ابن الجَوْزيّ: لمَّا كانت النُّة تَتَضَمَّن اطِّلَاعاً على أُمور يظهر تحقيقُها فيما بعدُ وَقَعَ تشبيه رُؤيا المؤمن بها، وقيل: إنَّ جماعةً من الأنبياء كانت نُبَّتهم وحياً في المنام فقط، وأكثرُهم ابتُدِىَ بالوحي في المنام، ثمَّ رُقُوا إلى الوحي في اليَقَظة. فهذا بيان مُناسَبة تشبيه المنام الصّادِقِ بالتُّبوّة، وأمَّا خُصوص العَدَد المذكور، فتَكلَّمَ فيه جماعة، فذكر المناسَبة الأولى، وهي أنَّ مُدّة وحي المنام إلى نبيّنا كانت ستّة أشهر، وقد تقدَّم ما فيه، ثمَّ ذكر أنَّ الأحاديث اختَلَفَت في العَدَد المذكور. قال: فعلى هذا تكون رُؤيا المؤمن مُخْتَلِفةً، أعلاها ستّة وأربعونَ وأدناها سبعونَ، ثمَّ ذكر المناسَبة التي ذكرها الطَّريّ. ٣٦٨/١٢ وقال القُرطُبيّ في ((المفهم): يحتمل أن يكون المراد من هذا الحديث أنَّ المنام الصّادِقِ خَصْلة من خصال النُّبّة كما جاء في الحديث الآخر: ((التُّؤَدة والاقتصاد وحُسن السَّمت جُزء من ستّةٍ وعشرينَ(١) جُزءاً من النُّبوّة)) أي: النُّة مجموع خصالٍ مَبلَغ أجزائها ذلك، وهذه الثلاثة جُزء منها، وعلى مُقتَضى ذلك يكون كلّ جُزء من السِّة والعشرينَ ثلاثة أشياء، فإذا ضَرَبنا (١) كذا قال القرطبي، وإنما هو عند الترمذي والطبراني وغيرهما ممن خرَّجه بلفظ: ((أربعة وعشرين)) كما بينه الحافظ قريباً. ٣٩٩ باب ٢/ح ٦٩٨٣ كتاب التعبير ثلاثة في ستّةٍ وعشرينَ انتهت إلى ثمانية وسبعين، فيَصِحّ لنا أنَّ عَدَد خصال النُّبوّة من حيثُ آحادها ثمانية وسبعونَ. قال: ويَصِحّ أن يُسمَّى كلّ اثنَينِ منها جُزءاً، فيكون العَدَد بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين، ويَصِحّ أن يُسمَّى كلّ أربعة منها جُزءاً، فتكون تسعة عشر جزءاً ونصف جُزء، فيكون اختلاف الرِّوايات في العَدَد بحَسَب اختلاف اعتبار الأجزاء، ولا يَلْزَم منه اضطراب. قال: وهذا أشبه ما وَقَعَ لي في ذلك، مع أنَّه لم يَنشَرِح به الصَّدر ولا اطمأنَّت إليه النَّفْس. قلت: وتمامه أن يقول في الثَّانية والسَّبعينَ بالنّسبة لرواية السَّبعينَ: أُلْغِيَ فيها الكسر، وفي التِّسعة والثلاثينَ بالنّسبة لرواية الأربعينَ: جُبرَ الكسر، ولا يُحتاجُ إلى العَدَد الأخير لما فيه من ذِكْر النِّصف، وما عدا ذلك من الأعداد قد أشارَ إلى أنَّه يُعتَبَرَ بحَسَبِ ما يُقدَّرُ من الخِصال. ثمَّ قال: وقد ظَهَرَ لي وجه آخر، وهو أنَّ النُّبّة معناها أنَّ الله يُطلِعِ مَن يَشاء مِن خَلْقه على ما يَشاء من أحكامِه ووحيه، إمّا بالمكالمة، وإمّا بواسطة الملَك، وإمّا بإلقاءٍ في القلب بغير واسطة، لكنَّ هذا المعنى المسَمَّى بالنُّة لا يختصُّ الله به إلّا مَن خَصَّه بصفاتِ کمالِ نوعِه من المعارف والعلوم والفضائل والآداب، مع تَنْزِيِهِ عن النَّقائص، فأُطلِقَ على تلك الخِصال نُبوّةٌ، كما في حديث: ((التُّؤَدة والاقتصاد)) أي: تلك الخِصال من خِصال الأنبياء، والأنبياء مع ذلك مُتَفاضِلونَ فيها، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] ومع ذلك فالصِّدق أعظَمُ أوصافهم يَقَظّةً ومَناماً، فمَن تَأْسَى بهم في الصِّدق حَصَلَ من رُؤياه على الصِّدق، ثمَّ لمَّا كانوا في مقاماتهم مُتَفاوِتِينَ كان أتباعهم من الصالحينَ كذلك، وكان أقلُّ خِصال الأنبياء ما إذا اعتُبِرَ كان ستّةً وعشرينَ جُزءاً، وأكثرُها ما يَبلُغ سبعين، وبين العَدَدَينِ مراتبُ مُخْتَلِفِةِ بِحَسَبٍ ما اختَلَفَت ألفاظ الرِّوايات، وعلى هذا فمَن كان مِن غير الأنبياء في صلاحه وصِدقه على رُتبةٍ تناسب حالَ نبيٍّ من الأنبياء، كانت رُؤياه جزءاً من نُبوّة ذلك النبيّ، ولمَّا كانت كمالاتُهُم مُتَفَاوِتَةً كانت نسبة أجزاء مَنامات الصّادِقِينَ مُتفاوتة على ما فصَّلناه. قال: وبهذا يَندَفِعِ الاضطراب إن شاء الله. ٤٠٠ باب ٣/ح ٦٩٨٤ -٦٩٨٥ فتح الباري بشرح البخاري وذكر الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة وجهاً آخر ملخَّصُه: أنَّ النُّبّة لها وجوه من الفوائد الدُّنيَويَّة والأُخرَويَّة خُصوصاً وعموماً، منها ما يُعلم ومنها ما لا يُعلَم، ليس بين النُّة والرُّؤيا نسبة إلّا في كَونها حقّاً، فيكون مقام النُّبوّة بالنّسبة لمقام الرُّؤيا بحَسَب تلك الأعداد راجِعة إلى دَرَجات الأنبياء، فنِسبَتَها مِن أعلاهُم وهو مَن ضُمَّ له إلى النُّبّة الرّسالةُ أكثرُ ما وَرَدَ من العَدَد، ونِسبتها إلى الأنبياء غير المرسَلينَ أقلّ ما وَرَدَ من العَدَد وما بين ذلك، ومن ثَمَّ أَطلقَ في الخبر النُّبوّةَ ولم يُقِّدها بنُبّة نبيِّ بعينِهِ. ورأيت في بعض الشُّروح أنَّ معنى الحديث: أنَّ للمنام شَبَهاً بما حَصَلَ للنبيِّ وَتَيَّزَ به عن غيره بجُزءٍ من ستّة وأربعينَ جُزءاً. فهذه عِدّة مُناسَبات لم أرَ مَن جَمَعها في موضعٍ واحد، فلله الحمد على ما ألهمَ وعَلَّمَ. ولم أقِف في شيء من الأخبار على كَون الإلهام جُزءاً من أجزاء النُّبوّة مع أنَّه من أنواع الوحي، إلّا أنَّ ابن أبي جَمْرة تَعرَّضَ لشيءٍ منه كما سأذكره في (باب مَن رأى النبيّ وَّ)) إن شاء الله تعالى. ٣- بابٌ الرّؤيا من الله ٦٩٨٤ - حدّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدَّثني يَحيى، وهو ابنُ سعيدٍ، قال: سمعتُ ٣٦٩/١٢ أبا سَلَمةَ، قال: / سمعتُ أبا قَتَادَةَ، عن النبيِّ وَّةَ، قال: «الرُّؤْيا الصَّادِقَةُ منَ الله، والحُلْمُ منَ الشَّيطان». ٦٩٨٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، حدَّثني ابنُ الهادِ، عن عبدِ الله بنِ خَبّابٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْرِيِّ، أَنَّه سمعَ النبيَّ وَه يقول: ((إذا رَأى أحدُكم رُؤْيا يُحِبُّها فإِنَّا هي منَ الله، فلْيَحْمَدِ الله عليها، وليَتَحدَّثْ بها، وإذا رَأى غيرَ ذلك ممّا يَكْرَه فإنَّما هي منَ الشَّيطان، فلْيَستَعِذ من شَرّها، ولا يَذْكُرْها لأحدٍ، فإنَّا لا تَضُرُّه)). قوله: ((باب)) بالتَّنوين ((الرُّؤْيا من الله)) أي: مُطلَقاً، وإن قُيِّدَت في الحديث بالصالحة، فهو بالنّسبة إلى ما لا دخول للشَّيطان فيه، وأمَّا ما له فيه دَخلٌ فنُسِبَت إليه نِسبةً مجازيَّةً، مع أنَّ الكلّ بالنّسبة إلى الخلق والتَّقدير من قِبَل الله، وإضافة الرُّؤيا إلى الله للتَّشريف، ويحتمل أن