Indexed OCR Text
Pages 341-360
١ ٣٤١ باب ١١/ح ٦٩٧١ كتاب الحيل قوله: ((جارية يتيمة أو بِكْراً)) في رواية الكُشمِيهنيّ: نَيِّاً، ووَقَعَ عند ابن بَطّال كذلك، ويُؤيِّد الأوَّل قولُه في بَقيَّة الكلام: فأدرَكَت اليتيمة، فظاهره أنَّها كانت غيرَ بالِغ، ويحتمل أنَّ قوله: جاء بشاهدين، أي: يَشهَدان على أنَّها مُدرِكة ورَضيت. قوله: ((فقَبِلَ القاضي بشهادةِ الزّور)) كذا لهم بموخَّدةٍ، وللكُشمِيهنيّ: شهادة، بحذفٍ الموحّدة من أوَّله. قوله: ((حَلَّ له الوَطْء)) أي: مع عِلمه بكذِبِ الشَّهادة المذكورة، وقال ابن بطّل: لا يَحِلّ هذا النِّكاح عند أحدٍ من العلماء، وحُكمُ القاضي بما ظَهَرَ له من عَدالة الشّاهدَينِ في الظّاهر لا يُحِلّ للَّوجِ ما حَرَّمَ الله عليه. وقد اتَّفَقوا على أنَّه لا يَحِلّ له أكلُ مالٍ غيره بمثل هذه الشَّهادة، ولا فرق بين أكلِ مالِ الحرام ووطء الفَرج الحرام. وقال المهلَّب: قاسَ أبو حنيفة هذه المسألة والتي قبلها على مسألةٍ اتِّفاقيَّة، وهي ما لو حَكَمَ القاضي بشهادة مَن ظنَّ عَدالَتهما أنَّ الَّوجِ طَلَّقَ امرأتَه، وكانا شَهِدا في ذلك بالزّورِ، أنَّه يَحِلُّ تَزويجُها لمن لا يَعلم باطنَ تلك الشَّهادة، قال: وكذلك لو علمَ. وتُعقِّبَ بأنَّ الذي يُقدِمُ على الشَيء جاهلاً ببُطْلانه لا يُقاسُ بمَن يُقدِم عليه مع عِلمه ببُطْلانه، ولا خِلَاف بين الأُمَّة أنَّ رجلاً لو أقامَ شاهدَي زُورٍ على ابنَتَه أنَّها أمَتُه، وحَكَمَ الحاكِم بذلك ظاناً عَدالَتَهما أنَّه لا يَحِلُّ له وطؤها، وكذا لو شَهِد في ابنة غَيرِه من حُرّة أنَّها أمة المشهود له، وهو يَعلم بُطْلان شهادتهما أنَّه لا يَحِلّ له وطؤُها. انتهى ملخَّصاً. وليس الذي نَسَبَه إلى أبي حنيفة من هذا القياس مُستَقيماً، وإنَّما حُجَّتهم أنَّ الاستئذان ليس بشرطٍ في صِحّة النِّكاح ولو كان واجباً، وإذا كان كذلك فالقاضي أنشَأ لهذا الَّوج عَقداً مُستَأنَفاً فَيَصِحّ، وهذا قول أبي حنيفة وحده، واحتَجَّ بأثرٍ عن عليّ في نحو هذا قال فيه: شاهِداكِ زَوَّجاكِ(١)، وخالَفَه صاحِباه. وقال ابن العربيّ:/ اعتَمَدَ الحنفيَّةُ أمرين: أحدهما: قوله وَ لَ للمُثَلاعِنَين: ((أحدكما ٣٤٢/١٢ (١) انظر القصة في كتاب الأحكام باب من قَضى له بحق أخيه لا يأخذه ... إلى آخره. عند شرح الحديث رقم (٧١٨١). ٣٤٢ باب ١١/ح ٦٩٧١ فتح الباري بشرح البخاري كاذب))(١)، ففَرَّقَ بينهما على قولٍ تَحَقَّق أَنَّه باطلٌ، فكذلك البناءُ على شهادة الزُّور. والثّاني: أنَّ الفَرْجِ يقبَل إنشاءَ الحِلّ فيه، كَتَزويج الرجل ابنتَه بمالٍ لظانٌّ مَن لا وليّ لها، والمال إنَّما يُنشِئ الِحِلّ فيها بالقَبُولِ من المالك. قال: وحاصل الجواب عن ذلك أنَّ المجتَهِد إنَّما يَحمِل الحكم الذي لا أثر فيه على النَّظير لا على الضِّدّ، فلا يَصِحّ حَملُ شهادة الزّور على اللِّعان، والفَرِجُ إِنَّمَا يَنشَأُ الِحِلُّ فيه بوجهٍ يَستَوي ظاهرُه وباطنه، وأمَّا بأمرٍ يظهر باطنُه فلا. انتهى ملخَّصاً. وقال ابن التِّين: قال أبو حنيفة: إذا شَهِدا بزورٍ على الطَّلاق فحَكَمَ القاضي بها تصير المرأة مُطَلَّقة بحُكمِ الحاكم، ويجوز لها أن تَتزوَّج حتَّى بأحدِ الشّاهدَين، وقال فيما لو أقامَ شاهدَي زور على مَرُم أنَّها زوجته: أنَّ الحُكم لا يَنفُذ في الباطن ولا يَحِلُّ له وطؤُها وهو يَعلَم، وكذا لو شَهِدا له بمالٍ. قال: وفَرْقُ بين الموضعين، فإنَّ كلّ شيءٍ جازَ أن يكون للحاكمِ فيه وِلايةٌ ابتداءً أنَّه يَنفُذ حُكمه فيه ظاهراً وباطناً، وما لا فإنَّه يَنفُذ في الظّاهر دونَ الباطن، فلمَّا أن كان للحاكم فيه ولاية في عَقد النِّكاح، وولاية في أنَّه يُطلِّق على غيره نَفَذَ حُكمه ظاهراً وباطناً، ولمَّا لم يكن له ولاية في تَزويج ذوات المحارم، ولا في نقل الأموال نَفَذَ ظاهراً لا باطناً، قال: والحُجّة للجُمهورِ قوله ◌ِّ: «فمَنْ قَضَيتُ له مِن حَقّ أخيه شيئاً فلا يأخذه)(٢)، وهذا عامّ في الأموال والأبضاع، فلو كان حُكم الحاكم يُحِيلُ الأُمورَ عَّا هي علیہ لکان حُكم النبيّ پڼ أولى. قلت: وبهذا احتَجَّ الشافعيّ كما سيأتي بيانه عند شرحه في كتاب الأحكام (٧١٨١) إن شاء الله تعالى. وقد احتُجَّ لأبي حنيفة أيضاً بأنَّ الفُرقة في اللِّعان تقع بقضاءِ القاضي ولو كان المُلاعِن في الباطن كاذباً، وبأنَّ البَيِّعينِ إذا اختَلَفا تَحَالَفا وتَرادًا السِّلعة، ولا يَجِرُم انتفاعُ بائع السِّلمعة بها بعد ذلك، ولو كان في نفس الأمر كاذباً. وأُجيبَ بأنَّ الأثر المتقدِّم عن عليّ لا يَثبُت، وبأنَّه موقوف، وإذا اختَلَفَ الصحابةُ لم يكن قولُ بعضِهم حُجّةً بغير مُرَجِّح، وبأنَّ الفُرقة في اللِّعان ثَبَتَت بالنَّصّ، والذي حَكَمَ (١) تقدم برقم (٥٣١١). (٢) تقدم في الباب الذي قبل هذا. ٣٤٣ باب ١٢/ح ٦٩٧٢ كتاب الحيل بالملاعَنة لا يَعلم أنَّ الملاعِن حَلَفَ كاذباً، وأمَّا مسألة البَيِّعَينِ فإنَّما كان الحُكم فيها كذلك للتَّعارُض. تنبيه: ذكر البخاريّ في هذا الباب ثلاثة فُروع مَبنيَّة على اشتراطِ الاستئذان، ويَنْظِمُها صِحّةُ النِّكاح بشهادة الزّور، وحُجّة الحنفيَّة فيها ما تقدَّمَ، وعَبَّرَ في الأولى بقولِه: فلا بأس أن يَطَأْها، وهو تَزويجٌ صحيح، وفي الثّانية بقولِه: فإنَّه يَسَعه هذا النِّكاح ولا بأس بالمقام معها، وفي الثّالثة بقولِه: حَلَّ له الوطء، وهو تَفَتُّن في العِبارةِ والمَفاد واحد. ثمَّ يحتمل أن يكون ذلك وَقَعَ في كلامٍ مَن نَقَلَ عنه، ويحتمل أن يكون مِن تَصرُّفه، والله أعلم. وقال الكِرْمانيُّ: صورة الأوَّل في البِكْر، والثّاني في الثَّيِّب، والثّالث في الصَّغيرة إذ لا يُتْمَ بعد احتلام (١)، أو في(٢) الأوَّلَيْنِ تُبِّتَ الرِّضا بالشَّهادة، أو(٣) كان ذلك قبل العَقد، وفي الثّالث ثُبِّتَ بالاعتراف أو أنَّه بعد العقد وَقَعَ ذلك، فحاصل الفُروع الثلاثة واحدٌ، وهو أنَّ حُكم الحاكم يَنفُذ ظاهراً وباطناً ويُحُلِّل ويُحُرِّم، وفائدة إيرادها(٤) المبالَغةَ في الَّشنيع لما فيه من ◌َمْل الزَّوج في الثلاثة على الإقدام على الإثم العظيم مع العلم بالتَّحريم، والله أعلم. ١٢ - باب ما يُكرَهُ من احتيالِ المرأة مع الزّوج والضَّرائِر، وما نَزَل على النبيّ ◌َّ في ذلك ٦٩٧٢- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً، قالت: كان رسولُ الله ◌َِّ يُحِبُّ الحَلْواءَ ويُحِبُّ العَسَلَ، وكان إذا صَلَّى العصرَ أجازَ على نسائِه فيَدْنُو منهنَّ، فَدَخَلَ على حفصةَ/ فاحتَبَسَ عندَها أكثرَ ممَّا كان يَحَتَبِسُ، فسألتُ عن ذلك، فقيلَ ٣٤٣/١٢ (١) ورد بهذا اللفظ حديث مرفوع من حديث علي بن أبي طالب عند أبي داود (٢٨٧٣)، ومن حديث حنظلة ابن چِذیم عند الطبراني في ((الکبیر)) (٣٥٠٢)، وهو حديث حسن. (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: وفي. والتصويب من ((الكواكب الدَّراري)) ٢٤/ ٨٤. (٣) تحرف في (أ) إلى: إذ، وفي (ع) و(س) إلى: إذا. والتصويب من ((الكواكب الذَّراري)). (٤) يعني إيراد الفروع الثلاثة مع أنَّ حاصلها واحد. ٣٤٤ باب ١٢/ ح ٦٩٧٢ فتح الباري بشرح البخاري لي: أهدَت امرأةٌ من قومِها مُكّةَ عَسَلٍ، فَسَقَت رسولَ اللهَوََّمِنه شَرْبَةً، فقلتُ: أمَ والله لنَحْتالَنَّ له، فذكرتُ ذلك لِسْدةَ، وقُلْتُ: إذا دَخَلَ عليكِ فإنَّ سَيَدْنو مِنْكِ، فقولي له: يا رسولَ الله، أكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فإنَّه سيقول: لا، فقولي له: ما هذه الرِّيح؟ وكان رسولُ اللهِ وَّهِ يَشتَدُّ عليه أن يُوجَدَ منه الرِّيحُ، فإنَّه سيقول: سَقَنْي حفصةُ شَرْبةَ عَسَلٍ، فقولي له: جَرَسَت نَحْلُهُ العُرْفُطَ، وسَأقولُ ذلكِ، وَقُولِيه أنتِ يا صَفِيَّةُ، فلمَّا دَخَلَ على سَوْدةَ، قالت: تقولُ سوْدةُ: والذي لا إلهَ إلّا هو، لقد كِدْتُ أن أُبادِئَه بالذي قلتٍ لي وإِنَّه لَعَلى الباب فَرَقاً مِنْكِ، فلمَّا دَنا رسولُ اللهِوَِّ، قلتُ: يا رسولَ الله، أكَلْتَ مَغافيرَ؟ قال: ((لا)) قلتُ: فما هذه الرِّيح؟ قال: ((سَقَتْني حفصةُ شَرْبةَ عَسَلٍ»، قلتُ: جَرَسَت نَحْلُهُ العُرْفُطَ، فلمَّا دَخَلَ عليَّ قلتُ له مِثلَ ذلك، ودَخَلَ على صَفِيَّةَ فقالت له مِثلَ ذلك، فلمَّا دَخَلَ على حفصةَ قالت له: يا رسولَ الله، ألا أسقِيكَ منه؟ قال: ((لا حاجةً لي بهِ)). قالت: تقولُ سَوْدةُ: سُبْحانَ الله! لقد حَرَمْناه، قالت: قلتُ ها: اسگُنِي. قوله: (باب ما يُكرَه من احتيال المرأة مع الزَّوْجِ والضَّرائِرِ، وما نَزلَ على النبيّ وَلَّ في ذلك)) قال ابن التِّين: معنى التَّرجمة ظاهر، إلّا أنَّه لم يُبيِّ ما نَزلَ على النبيّ ◌َّ في ذلك وهو قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَّكَ﴾ [التحريم: ١]. قلت: وقد ذكرت في التَّفسير(١) الخِلاف في المراد بذلك، وأنَّ الذي في ((الصَّحيح)) هو العَسَل، وهو الذي وَقَعَ في قصَّة زينب بنت جَحْش، وقيل: في تحريم مارية، وأنَّ الصَّحيح أَنَّه نزلَ في كِلا الأمرَين. ثمَّ وجَدت في الطبرانيّ (١١٢٢٦) و((تفسير ابن مَرْدويه)) من طريق أبي عامر الخَّاز عن ابن أبي مُلَيكة عن ابن عبَّاس قال: كان النبيّ ◌َِّ يَشْرَبِ عَسَلاً عند سودة، فذكر نحو حديث الباب، وفي آخره: فأُنزِلَت: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] ورواته موثَّقونَ، إلّا أنَّ أبا عامر وهمَ في قوله: سَوْدَة. ذكر فيه حديث عائشة: كان يُحِبُّ الحَلواء والعَسَل، وكان إذا صَلَّى العصر أجاز(٢) على (١) عند تفسير سورة التحريم، في الباب الأول منه. (٢) في (س): دخل، والمثبت من الأصلين هو الرواية هنا دون خلاف، كما سيبينه الحافظ قريباً، وأنَّ الرواية الماضية في الطلاق بلفظ: دخل. ٣٤٥ باب ١٢/ح ٦٩٧٢ كتاب الحيل نسائه فيَدنو منهُنَّ، الحديث بطولِه، وقد تقدَّم في كتاب الطَّلاق مشروحاً (٥٢٦٨)، وذكر معه (٥٢٦٧) حديث عائشة معه طريق عُبيد بن عُمَير عنها، وفيه أنَّ التي سَقَته العَسَل زينبُ بنت جَحْش، واستُشكِلَت قصَّةُ حفصة بأنَّ في الآية ما يدلّ على أنَّ نزول ذلك كان في حَقّ عائشة وحفصة فقط، لتَكرار التَّثنية في قوله: ﴿إِن تَنُوبَآَ﴾، ﴿وَإِن تَظَهَرَا﴾ [التحريم: ٤]، وهُنا جاء فيه ذِكْر ثلاثة. وَمَعَ الکِرْمانُّ بینھما بأنَّ قصّة حفصة سابقة، وليس فيها سبب نزولٍ ولا تثنية، بخلاف قصَّة زينب ففيها: تَواطَأْتُ أنا وحفصة، وفيها التَّصريح بأنَّ الآية نزلت في ذلك. وحكى ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ أنَّ قوله في هذا الحديث: أنَّ التي سَقَته العَسَل حفصةُ، غَلَط، لأنَّ صَفيَّة هي التي تَظاهَرَت مع عائشةَ في هذه القصَّة، وإنَّما شَرِبَه عند صَفيَّة، وقيل: عند زينب. كذا قال، وجَزمُه بأنَّ الرِّواية التي فيها حفصة غَلَطُ، مردودٌ، فإنَّها ليست غَلَطاً بل هي قصَّة أُخرى، والحديث الصَّحيح لا يُرَدُّ بمِثلِ هذا، ويكفي في الردّ عليه أنَّه جَعَلَ قصَّة زينب لصَفيَّةَ، وأشار إلى أنَّ نِسبة ذلك لزينبَ ضعيفٌ، والواقع أنَّه صحيحٌ، وكلاهما مُنَّفَق على صِحَّته. وللدَّاوُوديّ عَجائبُ في ((شرحه)) ذكرت منها شيئاً كثيراً، ومنها في هذا الحديث أنَّه قال في قوله: جَرَسَت نَحلُهُ العُرفُطَ: جَرَسَت، معناه: تَغيَّرَ طَعمُ العَسَل لِشيءٍ يأكلُه/ ٣٤٤/١٢ النَّحلُ، والعُرْفُط: موضِعٌ، وتفسير الجَرْس بالتغيُّرِ، والعُرفُط بالموضِع، مخالفٌ للجميع، وقد تقدَّم بیانه مع شرح الحديث. وقوله في هذه الرّواية: ((أجازَ)) ثَبَتَ هكذا لهم، وهو صحيح، يقال: أجَزْتُ الواديَ: إذا قَطَعَتَه، والمراد أنَّه يَقطَع المسافة التي بين كلّ واحدةٍ والتي تليها. ووَقَعَ في رواية مسلم(١) والإسماعيليّ هنا: جازَ، وحكى ابن التِّين: جازَ على نسائه، أي: مرَّ أو سَلَكَ. ووَقَعَ في رواية عليّ بن مُسهِر الماضية في الطَّلاق (٥٢٦٨): إذا صَلَّى العصر دَخَلَ. (١) الذي في مطبوع ((صحيح مسلم)): دار! ٣٤٦ باب ١٣/ح ٦٩٧٣ - ٦٩٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وقوله فيها: ((أُبادِئه» بهمزةٍ وموحّدة، وفيه اختلاف ذكرته فيما مَضَى. وقوله: ((فَرَقاً)) بفتح الرَّاء، أي: خَوفاً. وقال ابن المنيِِّ: إنَّما ساغَ لهنَّ أن يَقُلِنَ: أكَلْتَ مَغافِيرَ، لأنَّهُنَّ أورَدْنَه على طريق الاستفهام، بدليلٍ جوابه بقولِه: ((لا))، وأرَدْنَ بذلك التَّعريضَ لا صريحَ الكذب، فهذا وجهُ الاحتيال التي قالت عائشة: لنَحتالَنَّ له، ولو كان كذِباً مَحضاً لم يُسمَّ حِيلةً، إذ لا شُبهة لصاحبِهِ. ١٣ - باب ما يُكرهُ من الاحتيال في الفرارِ منَ الطّاعون ٦٩٧٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الله بنِ عامِ بنِ رَبيعةَ: أَنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ ﴾ خَرَجَ إلى الشَّامِ، فلمَّا جاء سَرْغَ بَلَغَه أنَّ الوَباءَ وقَعَ بالشَّامِ، فأخبَرَه عبدُ الرّحمنِ بنُ عَوْفٍ: أَنَّ رسولَ اللهَوَ ◌ّه قال: ((إذا سمعتُم بِهِ بأرضٍ فلا تُقْدِمُوا عليه، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تَخْرُجوا فِراراً منه)) فَرَجَعَ عمرُ من سَرْغَ. وعن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله: أنَّ عمرَ إنَّا انصَرَفَ من حديثِ عبدِ الرَّحمنِ. ٦٩٧٤- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرَنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرَني عامرُ بنُ سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، أَنَّه سمعَ أُسامةَ بنَ زيدٍ يُحدِّثُ سَعْداً: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ ذكر الوَجَعَ، فقال: ((رِجْزٌ - أو عذابٌ - عُذِّبَ به بعضُ الأُمَم، ثمَّ بَقِيَ منه بَقِيَّةٌ، فيذهبُ المرّةَ ويأتي الأُخرى، فمَن سمعَ بأرضٍ فلا يُقدِمَنَّ علیه، ومَن كان بأرضٍ وَقَعَ بها فلا يَخْرُجُ فِراراً منه». قوله: ((باب ما يُكرَه من الاحتيال في الفِرار من الطّاعون)) ذكر فيه حديثَ عبد الله بن عامر بن ربيعة: أنَّ عمر خَرَجَ إلى الشّام، فذكر حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف في النَّهي عن الخروج من البلد الذي يقع به الطاعونُ، وعن القُدوم على البلد التي وَقَعَ بها، وحديثَ سالم ابن عبد الله - يعني: ابن عمر - أنَّ عمر إنَّما انصَرَفَ من حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف، وحديثَ عامر بن سعد بن أبي وقّاص أنَّه سمعَ أُسامةَ بن زيد يُحدِّث سعداً، بمعنى حديث عبد الرّحمن بن عَوْف، وفيه زيادة في أوَّله، وقد تقدَّم كلُّ ذلك مشروحاً في كتاب الطِّبّ (٥٧٢٨ - ٥٧٣٠). ٣٤٧ باب ١٤/ ح ٦٩٧٥ -٦٩٧٧ كتاب الحيل ووَقَعَ في حديث أسامة هنا: الوجَعِ، بَدَل: الطاعون، وقوله: ((فيذهب المرّةَ ويأتي الأُخرى)» قال المهلَّب: يُتصوَّر التَّحَيُّل في الفِرار من الطاعون بأن يَخرُج في تجارةٍ أو لزيارةٍ مثلاً، وهو يَنوي بذلك الفِرار من الطاعون. واستَدَلَّ ابنُ الباقلانيّ بقصَّة عُمر على أنَّ الصحابة كانوا يُقدِّمونَ خبر الواحدِ على القياس، لأنَّهم اتَّفَقوا على الرُّجوع اعتماداً على خبر عبد الرَّحمن بن عَوْف وَحدَه بعد أن رَكِبوا المشَقّة في المسير من المدينة إلى الشّام، ورجعوا ولم يَدخُلوا الشّام. ١٤ - بابٌ في الهِبةِ والشُّفعة وقال بعضُ الناسِ: إن وهَبَ هِبةً ألفَ دِرْهَم أو أكثرَ، حتَّى مَکَثَ عندَه سنينَ، واحتالَ في ٣٤٥/١٢ ذلك، ثمَّ رَجَعَ الواهِبُ فيها، فلا زَكاةَ على واحدٍ منهما، فخالَفَ الرَّسولَ وَِّ في الهِبةِ، وأسقَطَ الزكاةَ. ٦٩٧٥- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن أيوبَ السَّخْتِيانيِّ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ ◌َّ: «العائدُ في هِيَتِه کالكلْبِ یعُودُ في قیئه، ليس لنا مَثَلُ السَّوْءِ)). ٦٩٧٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: إِنَّا جَعَلَ النبيُّ ◌ََّالشُّفْعَةَ في كلِّ ما لم يُقسَم، فإذا وقَعَتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرقُ، فلا شُفْعةَ. وقال بعضُ الناسِ: الشُّفْعَةُ للجِوار، ثمَّ عَمَدَ إلى ما شَدَّدَه فأبطَلَه، وقال: إنِ اشْتَرَى داراً فخافَ أن يأخُذَ الجارُ بالشُّفْعَةِ، فاشتَرَى سَهْماً من مئةٍ سَهْم، ثمَّ اشتَرَى الباقيَ، كان للجارِ الشُّفْعَةُ فِي السَّهْمِ الأوَّلِ، ولا شُفْعَةً له في باقي الدّار، وله أن يحتالَ في ذلك. ٦٩٧٧ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مَيسَرةَ، سمعتُ عَمْرَو بنَ الشَّرِيدِ، قال: جاء المِسْوَرُ بنُ تَخَرَمةَ، فَوَضَعَ يدَه على مَنْكِي، فانطَلَقْتُ معهُ إلى سعْدٍ، فقال أبو رافعٍ للمِسْوَرِ: أَلا تَأْمُرُ هذا أن يَشتَرِيَ منّي بيتي الذي في داري؟ فقال: لا أزِيدُه على أربعِ ٣٤٨ باب ١٤/ ح ٦٩٧٥ - ٦٩٧٨ فتح الباري بشرح البخاري مثّةٍ، إمّا مُقَطَّةٍ، وإمّا مُتَجَّمةٍ، قال: أُعْطِيتُ خمسَ مئةٍ نَقْداً فمَنَعتُهُ، ولولا أني سمعتُ رَسُولَ الله ◌ِل يقول: ((الجارُ أحقُّ بصَقَبِهِ)) ما بِعْتُكَه - أو قال: ما أعطَيتُكَه - قلتُ لسفيانَ: إِنَّ مَعمَراً لم يَقُل هكذا، قال: لكنَّه قالَه لي هكذا. وقال بعضُ الناسِ: إذا أرادَ أن يَبِيعَ الشُّفْعَةَ فَلَه أن يحتالَ حتَّى يُبطِلَ الشُّفْعَةَ، فَهَبَ البائعُ للمُشتَري الدّارَ، ويَحُدُّها، ويَدْفَعُها إليه، ويُعوِّضُه المشْتَرِي ألفَ دِرْهَم، فلا يكونُ للشّفِيعِ فيها شُفْعةٌ. ٦٩٧٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مَيسَرَةَ، عن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ، عن أبي رافعٍ: أنَّ سَعْداً ساوَمَه بيتاً بأربع مئةٍ مِثْقالٍ، فقال: لولا أنّ سمعتُ رسولَ الله وَيه يقول: ((الجارُ أحقُّ بِسَقَبِه)) ما أعطَتُكَ. وقال بعضُ الناسِ: إنِ اشتَرَى نَصِيبَ دارٍ، فأرادَ أن يُبطِلَ الشُّفْعَةَ، وهَبَ لابنِهِ الصَّغِيرِ، ولا یکونُ علیه یَمِينٌ. قوله: ((بابٌ في الهِبةِ والشُّفعةِ» أي: كيف تدخلُ الحيلة فيهما معاً، ومُنْفَرِدَين. قوله: «وقال بعض الناس: إن وهبَ هبةً ألفَ دِرهم أو أكثر، حتى مكث عندَه سنينَ ٣٤٦/١٢ واحتال في ذلك)) أي: بأن تواطأ مع الموهوب له على ذلك،/ وإلّا فالهبة لا تتمُّ إلا بالقَبض، وإذا قَبَض كان بالخِيار في التصرُّف فيها، ولا يتهيّأ للواهب الرجوعُ فيها بعد التصرُّف، فلا بدّ من المواطأة بأن لا يتصرّف فيها لَتِمَّ الِحِيلةُ. قوله: ((ثم رَجَع الواهبُ فيها فلا زكاة على واحدٍ منهما، فخالف الرسولَ وَله في الهبة وأسقطَ الزكاة)) قال ابن بطّال: إذا قبض الموهوب له هبةً فهو مالكٌ لها، فإذا حال عليها الحولُ عندَه وجبت عليه الزكاةُ فيها عند الجميع، وأما الرجوعُ فلا يكون عند الجمهور إلا فيما يُوهَب للولد، فإن رجع فيها الأبُ بعد الحولِ وجبت فيها الزكاة على الابن. قلت: فإن رجعَ فيها قبلَ الخَوْلِ صِحَّ الرجوعُ ويَستأنف الحَولَ، فإن كان فعَلَ ذلك ليريدَ إسقاطَ الزكاةِ سقطَتْ وهو آئِمٌّ مع ذلك، وعلى طريقة من يُبطِل الحِيَل مُطلقاً لا يصحُ ٣٤٩ باب ١٤/ ح ٦٩٧٥ -٦٩٧٨ كتاب الحيل رُجوعُه، لِثُبوت النهي عن الرجوع في الهبة، ولا سيما إذا قارن ذلك التحيُّلُ في إسقاط الزكاة. وقوله: ((فخالَف الرسولَ وَ﴿)) يعني: خالف ظاهرَ حديثِ الرسولِ، وهو النهي عن العَوْدِ في الهبة. وقال ابن التِّين: مُراده أن مذهب أبي حنيفة أنَّ مَن سِوَى الوالدين يرجع في هِبته، ولا يرجع الوالد فيما وَهَبَ لوَلِدِه، وهو خلافُ قولِهِ وَِّ: ((لا يحلُّ لرجلٍ أن يُعطيَ عَطيَّةً فيرجعَ فيها، إلّا الوالد فيما يُعطي ولَدَه، ومِثْلُ الذي يرجع في عَطيَّتَه كالكلب يُعُود في قَيْه))(١). قلت: فعلى هذا إنما أخرج البخاري حديث ابن عباس للإشارة إلى ما ورد في بعض طُرُقِ الحديث، وهو مخرَّجُ عند أبي داود (٣٥٣٩) عن ابن عباس من وجهٍ آخر كما تقدَّم بيانه في كتاب الهبة(٢)، وذهب الجمهور ومنهم الشافعي إلى أن الزكاة تجب على المُتَّهِب مدةَ مُكْث المال عنده. ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوْريّ، وقد تقدَّم شرحُ حديث ابن عبّاس في كتاب الهبة (٢٥٨٩). الحديث الثاني: حديث جابر في الشُّفعة، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الشُّفعة (٢٢٥٧)، وظاهره أنَّه لا شُفعة للجارٍ، لأنَّه نَفَى الشُّفعة في كلّ مَقسومٍ كما تقدَّم تقریرُه. قوله: ((وقال بعضُ الناس: الشُّفْعة للجِوار)) بكسر الجيم من المجاورة، أي: تُشرَع الشُّفعة للجار كما تُشرَع للشَّريك. قوله: ((ثُمَّ عَمَدَ إلى ما شَدَّدَه)) بالشّينِ المعجَمة ولبعضِهم بالمهمَلة. قوله: ((فأبطَلَه)) أي: حيثُ قال: لا شُفعةً للجار في هذه الصّورة ((وقال: إنِ اشتَرَى داراً)) (١) أخرجه أبو داود (٣٥٣٩)، وابن ماجه (٢٣٧٧)، والترمذي (٢١٣٢)، والنسائي (٣٦٩٠) من حديث ابن عمر وابن عباس، والنسائي (٣٦٨٩) بنحوه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. (٢) بین یدي الحديث (٢٥٨٦). ٣٥٠ باب ١٤/ ح ٦٩٧٥-٦٩٧٨ فتح الباري بشرح البخاري أي: أراد شِراءَها كاملةً ((فخافَ أن يأخُذَ الجارُ بالشُّفعة، فاشتَرَى سهماً من مئة سهمٍ، ثمَّ اشتَرَى الباقي، كان للجار الشُّفعةُ في السَّهم الأوَّل، ولا شُفْعَةَ له في باقي الدّار)». قال ابن بَطّال: أصلُ هذه المسألة أنَّ رجلاً أراد شِراءَ دارٍ فخافَ أن يأخُذَها جارُه بالشُّفعة، فسألَ أبا حنيفة: كيف الحيلةُ في إسقاط الشُّفعة؟ فقال له: اشتَرِ منها سهماً واحداً شائعاً من مئةٍ سهمٍ، فتصيرُ شَرِيكاً لمالكِها، ثمَّ اشتَرِ منه الباقي، فتصير أنتَ أحقَّ بالشُّفعة من الجار، لأنَّ الشَّريك في المَشاع أحقُّ من الجار، وإنَّما أمَرَه بأن يشتريَ سهماً من مئة سهم لَعَدَمِ رَغبة الجار في شِراء السَّهم الواحدِ لحَقارَتِه وقِلّة انتفاعه به. قال: وهذا ليس فيه شيءٌ مِن خِلَاف السُّنّة، وإنَّما أراد البخاريّ إلزامَهم التَّنَاقُضَ، لأنَّهم احتَجّوا في شُفعة الجارِ بحديث: ((الجارُ أحقُّ بسَقَبِهِ))، ثمَّ تَحَيَّلوا في إسقاطِها بما يقتضي أن يكونَ غيرُ الجار أحقَّ بالشُّفعة من الجار، انتهى. والمعروف عند الحنفيَّة أنَّ الحيلة المذكورة لأبي يوسف، وأمَّا محمَّد بن الحسن فقال: يُكرَه ذلك أشدَّ الكراهية، لأنَّ الشُّفعةَ شُرِعَت لدفع الضَّرَرِ عن الشَّفيع، فالذي يحتال الإسقاطِها بمَنزِلة القاصدِ إلى الإضرار بالغير، وذلك مكروه، ولا سِيَّما إن كان بين المشتري وبين الشَّفيعِ عَدَاوةٌ وَيَتَضَرَّر من مُشارَكَته، ثمَّ إِنَّ مَحَلّ هذا إنَّما هو فيمَن احتالَ قبل وُجوبٍ الشُّفعة، أمَّا بعدَه كمَن قال للشَّفيع: خُذ هذا المال ولا تُطالبني بالشُّفعة، فَرَضِيَ وأخَذَ، فإنَّ شُفعَته تَبطُل اتفاقاً. انتهى. الحديث الثالث: قوله: ((سفيان)) هو ابن عُيَينة. قوله: ((عن إبراهيم بن مَيسَرة)» في رواية الحميدي (٥٥٢) عن سفيان: حدثنا إبراهيم. ٣٤٧/١٢ قوله: ((جاء المِسِورُ بن مَخْرَمَة فَوَضَع ◌ِدَهُ عَلى مَنكِيي)) في رواية/ الحميدي (٥٥٢): أخذ المِسورُ ابن ◌َرَمَة بيدي فقال: انطلق بنا إلى سعد بن أبي وقّاص، فخرجتُ معه وإن يدَه لعَلَى مَنْكِبي، فانطلقت معه إلى سعد بن أبي وقاص، وهو خال المِسوَر. وتقدم في كتاب الشفعة (٢٢٥٨) من طريق ابن جريج عن إبراهيم بن مَيْسرة بسياقٍ ٣٥١ باب ١٤/ح ٦٩٧٥-٦٩٧٨ كتاب الحيل مخالفٍ لهذا، فإنه قال: عن عمرو بن الشَّريد قال: وقفتُ على سعد بن أبي وَقّاص فجاء المسورُ ابن مخرمة، فوضع يده على إحدى مَنكِبيَّ. ويجمع بأن المِسور إنما وضع يده على مَنكِب عمرو بعد أن وصَل معه إلى مَنزل سعدٍ، كما هو ظاهرُ في رواية الحميدي، ويحتمل أن يكون وَضَعها أولاً، ثم اتفق دخولُ عَمِرٍو قَبله، ثم دخل المسورُ فأعاد وَضْعَ يدِه على مَنكِبه. قوله: ((فقال أبو رافع)) زاد في رواية ابن جريج (٢٢٥٨): مولى رسول الله وَله. قوله: ((ألا تأمر هذا)) يعني: سعد بن أبي وقّاص، والمراد أن يسأله أو يشير عليه. قوله: «بيتي الذي» کذا لهم بالإفراد، وللگُشمِیھنیّ: بيتيَّ اللذين، بالتَّثْنیة، ورواية ابن جُريج جازمةٌ بالثاني، فإن عنده فقال سعد: والله ما أبتاعُهما. قوله: ((إما مُقطّعة وإما مُنَّجمة)) شكٍّ من الراوي، والمراد أنها مُؤجَّة(١) على نقداتٍ مُفرَّقة، والنَّجْم: الوقت المعين. قوله: ((قال: أُعطيت)) بضم أوله على البناء للمجهول، والقائل هو أبو رافع. قوله: ((ما بِعْتُكه))، أي: الشيء، وفي رواية المستمليْ: ما بعثُ، بحذف المفعول. وقوله: ((أو قال: ما أعطيتُكَه)) هو شكٌّ من سفيان، وجزم بهذا الثاني في رواية سفيان الثوري المذكورة في آخر الباب، ووقع في رواية غير الكُشمِيهنيّ فيها: أعطيتُك، بحذف الضمير. قوله: ((قلت لسفيان)) القائل: هو علي بن المَدِينيّ. قوله: ((إن معمراً لم يقل هكذا)) يشير إلى ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمر عن إبراهيم ابن مَيسَرة عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه بالحديث دون القصة، أخرجه النسائي (٢)، والمراد على هذا بالمخالفة إبدالُ الصحابي بصحابيٍّ آخر، وهذا هو المعتمد. وقال الكِرْمانيُّ: يريد أن معمراً لم يقل هكذا، أي: بأن الجارَ أحقُّ، بل قال: الشفعة، بزيادة لفظ ((الشفعة)). انتهى، ولفظ معمر الذي أشرتُ إليه: الجارُ أحقُّ بسَقَبِهِ، كرواية أبي رافع سواء، (١) تحرَّفت في (س) إلى: منجّمة. (٢) هو في كتاب الشروط من ((سننه الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)» (٤٨٤٠). ٣٥٢ باب ١٤/ح ٦٩٧٥ - ٦٩٧٨ فتح الباري بشرح البخاري والذي قاله الکِرْماني لا أصلَ له، وما أدري ما مُستَندُه فيه. قوله: ((قال: لكنه)) يعني: إبراهيم بن ميسرة ((قاله لي هكذا)) وفي رواية الكُشمِيهنيّ: قال، بحذف الهاء، وقد تقدم في كتاب الشفعة ما حكاه الترمذي عن البخاري أن الطريقين صحيحان، وإنما صححهما لأن الثوريَّ وغيره تابعوا سفيانَ بن عُيَينة على هذا الإسناد، ولأنَّ عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي وعمرو بن شُعيب روياه عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه. وتقدم أنَّ ابنَ جُريج رواه عن إبراهيم بن مَيْسرة كما في هذا الباب، ورواه ابنُ جُرَيج أيضاً عن عمرو بن شُعَيب عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه، أخرجه النسائي(١)، ولعلَّ ابن جُريج إنما أخذه عن عمرو بن شُعيب بواسطة إبراهيم بن ميسرة، فإنه ذكره عن عمرو بن شُعيب بالعنعنة، ولم يقفِ الكِرْماني على شيءٍ من هذا، فقال ما تقدم. قال المهلَّبُ: مناسبةُ ذِكر حديثِ أبي رافع أنَّ كلَّ ما جعله النبي وَلِّ حقّاً لشخصٍ لا يجِلُّ لأحدٍ إبطالُه بحيلةٍ ولا غيرِها. قوله: ((وقال بعضُ الناس: إذا أرادَ أن يبيعَ الشُّفعةَ)) كذا للأصِيلي ولأبي ذرِّ عن غير الكُشمِيهَنيّ، وللآخرين: يمنع(٢)، ورجَّح عِيَاضٌ الأول، وقال: هو تغييرٌ مِن الناسخ، وقال الكِرماني: يجوز أن يكون المراد لازمُ المنع، وهو الإزالة عن المِلك. قوله: ((فيَھبُ البائعُ للمشتري الدارَ ويُحُدُّها)» بمهملتين وتشديد، أي: يصف حُدودَها التي تميِّزها، وقال الكِرْماني في بعض النسخ: ونحوها. وهو أظهر. قوله: ((ويدفعها إليه ويُعوِّضُه المشتري ألفَ درهم)) يعني: مثلاً «فلا يكون للشفيعِ فيها شُفعةٌ)) أي: ويُشترط أن لا يكون العِوض المذكور مشروطاً، فلو كان، أخَذَها الشفيعُ بقيمتِهِ، وإنما سَقطت الشُّفعة في هذه الصورة، لأنَّ الهبة ليست مُعاوضةً مَحَضةً، فأشبهتِ الإرثَ. (١) هو في كتاب الشروط أيضاً. (٢) وللكُشمِيهَنيّ: يقطع. كذا في هامش اليونينية. ٣٥٣ باب ١٥/ ح ٦٩٧٩ كتاب الحيل ٣٤٨/١٢ قال/ ابن التين: أراد البخاري أن يُبيِّن أن ما جَعَله النبيِ وَّلِ حقّاً للجارِ لا يحلُّ له إبطالُه. ثم ذكر البخاريّ حديث أبي رافع مختصراً من طريق سفيان، وهو الثَّوْريّ، عن إبراهيم ابن مَيسَرة، وساقَه في آخر كتاب الحيَل (٦٩٨١) أتمَّ منه، وفيه تصریحُ سفيان بتحديثٍ إبراهيمَ له به. قوله: «وقال بعض الناس: إن اشتَرَى نَصيبَ دارٍ، فأرادَ أن يُبطِلِ الشُّفْعة وهَبَ)) أي: ما اشتَراهُ ((لابنِهِ الصَّغير، ولا يكون عليه يَمينٌ)) أي: لأنَّ الهِبة لو كانت للكبير وجَبَ عليه اليمينُ، فتَحَيَّلَ في إسقاطها بجَعْلِها للصَّغیر. قال ابن بَطّال: إِنَّما قال ذلك لأنَّ مَن وهَبَ لابنِهِ شيئاً فعَلَ ما يُباح له فعْلُه، والهِبة للابنِ الصَّغير يقبلُها الأبُ لولدِه من نفسه، وأشارَ باليمين إلى ما لو وهَبَ لأجنبيٍّ، فإنَّ للشَّفيع أن يُحِلِفَ الأجنبيَّ أنَّ الِبة حقيقيَّةٌ، وأنَّهَا جَرَت بشروطِها، والصَّغير لا يَحِلِف، لكن عند المالكيَّة أنَّ أباه الذي يَقبَلُ له يَحِلِفُ، بخِلَاف ما إذا وهَبَ للقريب(١)، وعن مالك: لا تَدخُل الشُّفعة في الموهوب مُطلَقاً، وهو الذي في ((المدَوَّنة)). ١٥ - باب احتیال العامِل لُهدَی له ٦٩٧٩- حدَّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن أبي محُميدٍ الساعِدِيِّ، قال: استَعمَلَ رسولُ الله ◌ََّ رجلاً على صَدَقات بني سُلَيم يُدْعَى ابنَ اللُّنْبيَّة، فلمَّا جاء حاسَبَه، قال: هذا مالُكم وهذا هديّةٌ، فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((فَهَلَّا جَلَسْتَ في بيتِ أبِيكَ وَأُمُّكَ، حَتَّى تَأْيَكَ هَدِيَّتُكَ إن كنتَ صادِقاً))، ثمَّ خَطَبنا فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، ثمَّ قال: ((أمَّا بَعْدُ، فإنّ أستَعمِلُ الرجلَ منكم على العملِ مََّ وَلّني اللهُ، فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَت لي، أَفَلَا جَلَسَ في بيتِ أبيه وأُّه حتَّى تأتيَه هَدِيَّتُه! والله لا يأخُّذُ أحدٌ منكم شيئاً بغير حَقِّه إلّا لَقِيَ الله يَحْمِلُهُ يومَ القيامةِ، فَلَأَعِ فَنَّ أحداً منكم لَقِيَ اللهَ يَحمِلُ بَعِيراً له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوارٌ، أو شاةً تَيْعَرُ)) ثمَّ رَفَعَ يدَه حتَّى رِيءَ بياضُ إِيْطَيِهِ، يقول: ((اللهمَّ هل بَلَّغْتُ))، بَصُرَ عَيْنِي وسَمِعَ أُذُنِي. (١) تصحف في (س) إلى: للغريب. ٣٥٤ باب ١٥/ ح ٦٩٧٩ -٦٩٨١ فتح الباري بشرح البخاري ٦٩٨٠- حدّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مَيسَرةَ، عن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ، عن أبي رافعٍ، قال: قال لَنا النبيُّ ◌َ: ((الجارُ أحقُّ بَسَقَبِهِ)). وقال بعضُ الناسِ: إنِ اشْتَرَى داراً بعشرينَ ألفَ دِرْهَمِ، فلا بَأْسَ أن يحتالَ حَتَّى يَشتَرِيَ الدّارَ بعشرينَ ألفَ دِرْهَمِ، ويَنْقُدَه تسعةَ آلاف دِرْهَمٍ وتسعَ مئةٍ دِرْهَم وتسعةً وتسعينَ، ويَنْقُدَهِ دِيناراً بما بَقِيَ منَ العشرينَ أَلْفَ، فإن طالَبَهِ الشَّفِيعُ أَخَذَها بعشرينَ ألفَ دِرْهَمِ، وإلا فلا سبيلَ له على الدّار، فإنِ اسْتُحِقَّتِ الدّارُ رَجَعَ المشْتَري على البائعِ بما دَفَعَ إليه، وهو تسعةُ آلاف دِرْهَمِ وتسعُ مثّةٍ وتسعةٌ وتسعونَ دِرْهَماً ودينارٌ، لأَنَّ المَبِيعِ حينَ اسْتُحِقَّ انَقَضَ الصَّرْفُ في الدَّارِ، فإن وَجَدَ بهذِه الدّار عَيباً ولم تُسْتَحَقَّ، فإِنَّه يَرُدُّها عليه بعشرينَ ألْفاً. قال: فأجازَ هذا الخِداعَ بينَ المسلمين. قال النبيُّ ◌َّ: ((بيعُ المسلم لا داءَ ولا خِبْئَةَ ولا غائلةَ)). ٣٤٩/١٢ ٦٩٨١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ مَيسَرةَ، عن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ: أنَّ أبا رافعٍ ساوَمَ سَعْدَ بنَ مالكٍ بيتاً بأربعِ مئةِ مِثْقالٍ، قال: وقال: لولا أنّي سمعتُ النبيَّ ◌َ ◌َّ يقول: ((الجارُ أحقُّ بِسَقَبِهِ)) ما أعطَيتُكَ. قوله: ((باب احتيال العامِل لِيُهْدَى له)) ذكر فيه حديث أبي حُميد الساعديّ في قصَّة ابن الُّتْبِيَّة، وقد تقدَّم بعض شرحه في الهِبة (٢٥٩٧) وتقدَّمَت تسميتُه وضبط اللُّتْبِيَّة في كتاب الزكاة (١٥٠٠)، ويأتي استيفاء شرحه في كتاب الأحكام (٧١٧٤) إن شاء الله تعالى. ومُطابَقَته للتَّرجمة من جهة أنَّ تَلُّكه ما أُهديَ له إنَّما كان لعِلّة كَونه عاملاً، فاعتَقَدَ أنَّ الذي أُهديَ له يَستَِدّ به دونَ أصحاب الحقوق التي عَمِلَ فيها، فبيَّن له النبيّ وَّهِ أَنَّ الحقوق التي عَمِلَ لأجلِها هي السَّب في الإهداء له، وأنَّه لو أقامَ في مَنِزِله لم يُهدَ له شيء، فلا ينبغي له أن يَسْتَحِلّها بمُجرَّدٍ كونها وَصَلَت إليه على طريق الهديَّة، فإنَّ ذاكَ إنَّما يكون حيثُ يَتَمَخَّضُ الحقُّ له. وقوله في آخره: ((بَصُرَ عيني وسَمِعَ أَنُني)) بفتح الموخَّدة وضمّ الصّاد المهمَلة، وفتح السِّين المهمَلة وكسر الميم. ٣٥٥ باب ١٥/ ح ٦٩٧٩-٦٩٨١ كتاب الحيل قال المهلَّب: حيلةُ العامل ليُهدَى له تقع بأن يُسامِح بعضَ مَن عليه الحقّ، فلذلك قال: ((هَلّا جَلَسَ في بيت أبيه ليَنظُر هل يُهدَى له)) فأشارَ إلى أنَّه لولا الطَّمَعُ في وَضْعِه من الحقّ ما أُهديَ له، قال: فأوجَبَ النبيّ ◌ََّ أخْذَ الهديَّة وضَمَّها إلى أموال المسلمين. كذا قال، ولم أقِف على أخْذِ ذلك منه صريحاً. قال ابن بَطّال: دَلَّ الحديث على أنَّ الهديَّة للعاملِ تكون لشُكرِ معروفه، أو للتَّحَبُّبِ إليه، أو للطَّمَع في وضعِه مِن الحقّ، فأشارَ النبيّ وَ لَه إلى أنَّه فيما يُهدَى له من ذلك کأحدٍ المسلمين لا فضلَ له عليهم فيه، وأنَّه لا يجوز الاستئثار به، انتهى. والذي يظهر أنَّ الصّورة الثّالثة إن وَقَعَت لم تَحِلَّ للعاملِ جَزْماً وما قبلها في طَرَف الاحتمال، وسيأتي مزيدٌ لهذا في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى. قوله: ((حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سُفْيان .. )) إلى آخره، كذا وَقَعَ للأكثر هذا الحديث وما بعده مُتَّصِلاً بابٍ احتيال العامل، وأظنّه وَقَعَ هنا تقديم وتأخير، فإنَّ الحديث وما بعده يَتَعلَّق ببابٍ الحِبة والشُّفعة، فلمَّا جَعَلَ التَّرجمة مُشتَرَكَةً جَمَعَ مَسائلها، ومن ثَمَّ قال الكِرْمانيُّ: إنَّه من نَصُّف النَّقَلة، وقد وَقَعَ عند ابن بطّال هنا ((باب)) بلا ترجمة، ثمَّ ذکر الحديث وما بعده، ثمَّ ذکر اباب احتيال العامل)) وعلى هذا فلا إشكال لأنَّه حينئذٍ كالفَصلِ من الباب، ويُحتمل أن يكون في الأصل بعد قصَّة ابن اللُّتْبِيَّة (باب)) بلا ترجمة فسَقَطَت التَّرجمة فقط، أو بيَّضَ لها في الأصل. قوله: ((وقال بعض الناس: إن اشتَرَى داراً) أي: أراد شِراءَ دار «بعِشْرِينَ ألفَ دِرْهَمِ فلا بأس أن يحتال)) أي: على إسقاطِ الشَّفعة ((حتَّى يَشتَرَي الدّار بعِشْرِينَ ألفَ دِرْهَم ويَنْقُدَه)) أي: يَنْقُد البائعَ «تسعةَ آلاف دِرْهَم وتسعَ مئةٍ وتِسْعةً وتسعينَ، ويَنقُده ديناراً بما بَقِيَ من العِشْرِينَ ألفَ)) أي: مُصارَفَةً عنه «فإن طالَبَه الشَّفيعُ أَخَذَها(١) بعِشْرِينَ ألفَ دِرْهَم)) أي: إن رَضِيَ بالثَّمَنِ الذي وَقَعَ عليه العَقْد ((وإلّا فلا سبيلَ له على الدّار)) أي: لسُقوطِ الشُّفعة، لكَونِه امتَنَعَ من بَدَل الثَّمَن الذي وَقَّعَ به العقدَ. (١) كذا وقعت الروايةُ للحافظ رحمه الله، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري: طلبَ الشفيعُ أخْذَها. فالله تعالى أعلم. ٣٥٦ باب ١٥/ح ٦٩٧٩-٦٩٨١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فإن استُحِقَّتِ الدّار)) بِلفظ المجهول، أي: ظَهَرَت مُستَحَقّةً لغير البائع ((رَجَعَ المشْتَري على البائع بما دَفَعَ إليه وهو تسعة آلاف)) إلى آخره، أي: لكونه القَدْرَ الذي تَسَلَّمَه منه، ولا يَرجِعُ عليه بما وَقَّعَ عليه العَقدَ («لأنَّ المَبِيعَ(١) حين استُحِقَّ)) أي: للغيرِ («انتَقَضَ الصَّرْف)) أي: الذي وَقَعَ بين البائع والمشتري ((في الدّار)) المذكورة بالدّينار، ووَفَعَ في رواية الكُشمِيهَنيّ: في الدّينار، وهو أوجَهُ. قوله: ((فإن وَجَدَ بهذه الدّار عَيباً ولم تُستَحقّ)) أي: لم تَخْرُج مُستَحقّةً. ٣٥٠/١٢ ((فإنّه يَرُدّها عليه بِعِشْرِينَ ألفاً)) أي: وهذا تَنَاقُضُ بيِّنٌ/ ومن ثَمَّ عَقَّبَه قوله: ((فأجازَ هذا الخِداعَ بين المسلمين)) والفَرق عندهم أنَّ البيع في الأوَّل كان مَبنيّاً على شِراء الدّار، وهو مُنَفَسِخ، ويَلَزَم عَدَمُ الَّقَابُض في المجلِس، فليس له أن يأخُذ إلّا ما أعطاهُ، وهو الدَّراهم والدّينار، بخِلَاف الردّ بالعَيب، فإنَّ البيع صحيح، وإنَّما يَنْفَسِخ باختيار المشتَري. وأمَّا بيع الصَّرْف فكان وَقَعَ صحيحاً، فلا يَلزَم من فسخ هذا بُطْلانُ هذا. وقال ابن بَطّال: إنَّما خُصَّ القَدر من الذَّهَب والفِضّة بالمثال، لأنَّ بيع الفِضّة بالذَّهَبِ مُتَفاضلاً إذا كان يداً بيدٍ جائزٌ بالإجماع، فبَنَى القائلُ أصلَه على ذلك، فأجازَ صَرف عشرة دراهم ودينار بأحدَ عشرَ دِرْهماً، جَعَلَ العشرة دراهم بعشرة دراهم، وجَعَلَ الدّينار بدِرْهمٍ، ومِن ثَمَّ (٢) جَعَلَ في الصّورة المذكورة الدّينارَ بعشرة آلاف، ليَستَعظِمِ الشَّفيعُ الثَّمَن الذي انعَقَدَت عليه الصّيغة، فيَتْرُكُ الأخذَ بالشُّفعة فتَسقُط ◌ُفعَتُه، ولا التِفاتَ إلى ما أنقَدَه، لأنَّ المشتَري تَجاوزَ للبائع عند النَّقْد. وخالَفَ مالكٌ في ذلك، فقال: المراعَى في ذلك النَّقَدُ الذي حَصَلَ في يدِ البائع، فِهِ يأْخُذِ الشَّفيعُ بدليلِ الإجماع على أنَّه في الاستحقاق والردّ بالعَيبِ لا يَرجِع إلّ بما نَقَدَه. وإلى ذلك أشارَ البخاريّ إلى تَناقُض الذي احتالَ في إسقاط الشُّفعة حيثُ قال: ((فإن استُحِقَّت الدّار)» (١) كذا وقعت الرواية للحافظ رحمه الله، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف: البيع، وفسَّره العيني بالمبيع. (٢) لفظة ((ثَمَّ)) سقطت من (س). ٣٥٧ باب ١٥/ح ٦٩٧٩-٦٩٨١ كتاب الحيل أي: إن ظَهَرَ أنَّهَا مُستَحقّة لغير البائع إلى آخره، فدَلَّ على أنَّه موافق للجماعة في أنَّ المشتَري(١) عند الاستحقاق لا يَرُدّ إلّا مَا قَبَضَه، وكذلك الحكمُ في الردِّبالعَيبِ، انتهى ملخَّصاً موضّحاً. وقال الكِرْمانيُّ: النُّكتة في جَعِلِه الدّينار في مُقابلة عشرة آلافٍ ودِرْهم، ولم يجعله في مُقابلة العشرة آلاف فقط، لأنَّ الثَّمَن في الحقيقة عشرة آلاف بقَرِينة نَقدِه هذا المقدارَ، فلو جَعَلَ العشرة والدّينار في مُقَابَلة الثَّمَن الحقيقيّ لَلَزِمَ الرِّبا، بخِلَاف ما إذا نَقَصَ دِرْهماً، فإنَّ الدّينار في مُقابلة ذلك الواحد، والألف إلّا واحداً في مقابلة الألف إلّا واحداً بغير تَفاضُل. وقال المهلَّب: مُناسَبة هذا الحديث لهذه المسألة أنَّ الخبر لمَّ دَلَّ على أنَّ الجار أحقُّ بالمبيع من غيره مُراعاةً لِحَقِّه، لَزِمَ أن يكون أحقّ أن يُرِفَق به في الثَّمَن، ولا يُقام عليه عُروضٌ بأكثرَ من قيمتها، وقد فهمَ الصحابيّ راوي الخبرِ هذا القَدرَ، فقَدَّمَ الجار في العَقد بالثَّمَنِ الذي دَفَعَه إليه، على مَن دَفَعَ إليه أكثرَ منه بقَدرِ رُبعِه، مُراعاةً لحقِّ الجار الذي أمَرَ الشّارع بمُراعاته. قوله: ((فأجازَ هذا الخِداعَ)) أي: الحيلةَ في إيقاع الشَّريك في الغَبنِ الشَّديد إن أخَذَ بالشُّفعة، أو إبطال حَقّه إن تَرَكَ خَشْيَةً من الغَبن في الثَّمَن بالزّيادة الفاحشة. وإنَّما أورَدَ البخاريّ مسألة الاستحقاق التي مَضَت ليَستَدِلّ بها على أنَّه كان قاصداً للحيلة في إبطال الشُّفعة، وعَقَّبَ بذِكْر مسألة الردّ بالعَيبِ ليُبيِّن أنَّه تَحُّمٌ، وكان مُقتَضاه أنَّه لا يَرُدُّ إلّا ما قَبَضَه، لا زائداً عليه. قوله: ((قال النبيّ وَّ: بيعُ المُسلم لا داءَ لا خِبْةَ)) قال ابن التِّين: ضَبطناه بكسر الخاء المعجَمة وسكون الموحّدة بعدها مُثَلَّثة، وقيل: هو بضمٍّ أوَّله، لُغَتان. قال أبو عُبيد(٢): هو أن (١) كذا قال الحافظُ، وهو سبقُ قلم منه رحمه الله، لأنَّ المناسب ذكره هنا البائع لا المشتري، وبه تستقيم العبارة، وكذلك هي عبارة ابن بطّال إذ قال ما نصّه: الأمّة مُجمعة وأبو حنيفة معهم على أنَّ البائع لا يردُّ في الاستحقاق والردِّبالعيبِ إلّا مَا قَضَ. (٢) يعني أبا عُبيد أحمد بن محمد الهَرَويّ صاحب ((الغريبين))، وليس أبا عبيد القاسم بن سلّام، كما يسبق إليه الفهم، لما جرت به العادة من إرادته عند إطلاق کنیته، بخلاف صاحب ((الغریبین، فإنما يعرف بإطلاق نسبته، وكلامه هذا في ((الغریبین)) ٥٢٧/٢. ٣٥٨ باب ١٥/ح ٦٩٧٩-٦٩٨١ فتح الباري بشرح البخاري يكون البيع غيرَ طيِّب، كأن يكون من قوم لم يَحِلَّ سَبيُهم لعهدٍ تقدَّم لهم، قال ابن التِّين: وهذا في عُهدة الرَّقيق. قلت: إنَّما خَصَّه بذلك لأنَّ الخبر إنَّما وَرَدَ فيه. قال: والغائلة أن يأتي أمراً سِرّاً كالتَّدليسِ ونحوه. قلت: والحديث المذكور طَرَف تقدَّم بكماله في أوائل كتاب البيوع(١) من حديث العَدّاء - بفتح العين وتشديد الدّال المهمَلتَينِ مهموزاً - بن خالد: أنَّه اشتَرَى من النبيّ ◌َّ عبداً أو أَمَةً وكَتَبَ له العُهْدة: «هذا ما اشتَرَى العَدّاء من محمَّد رسول الله وَلِّ عبداً أو أمةً لا داءَ ولا غائلةَ ولا خِبْثَةَ، بيع المسلم للمسلم)). وسنده حسن، وله طرق إلى العَدّاء، وذُكِرَ هناك تفسير الغائلة بالسَّرقة والإبَاق ونحوهما من قول قَتَادة. قال ابن بَطّال: فيُستَفاد من هذا الخبر أنَّه لا يجوز الاحتيال في شيء من بُيوع المسلمين ٣٥١/١٢ بالصَّرْفِ المذكور ولا غيره. قلت: ووجهه أنَّ الحديث وإن كان لفظه لفظَ الخبر لكنَّ معناه/ النَّهي، ويُؤخَذ من عمومه أنَّ الاحتيال في كلّ بيع من بُوع المسلمين لا تَحِلّ، فيَدخُل فيه صَرْف دینار بأكثر من قيمته ونحو ذلك. قوله في آخر الباب: ((حدَّثْنا مُسَّد حدَّثنا يحيى)) هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوْريّ. وقوله: ((أنَّ أبا رافع ساومَ سعدَ بنَ مالكِ)) هو ابن أبي وقّاص، وعند أحمدَ (٢٣٨٧١) عن عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن سفيان الثَّوْريّ، بالشكِّ أنَّ سعداً ساوَمَ أبا رافع، أو أبو رافع ساومَ سعداً. ولا أثرَ لهذا الشكّ. وقوله: ((بيتاً بأربع مئة مِثقال)) فيه بيان الثَّمَن المذكور. قوله: ((قال (٢): وقال: لولا أنّ سمعتُ ... )) إلى آخره، القائل الأوَّل عَمْرو بن الشَّريد والثّاني أبو رافع، وقد بَيَّنْه عبد الرَّحمن بن مَهديّ في روايته، ولفظه: فقال أبو رافع: لولا أنّ (١) بين يدي (٢٠٧٩). (٢) كذا وقعت الروايةُ للحافظ بتكرار ذكر القول، مع أنَّ الذي في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري بذكر القول مرةً، ويعود الضمير فيه على أبي رافع. ٣٥٩ كتاب الحيل سمعت ... إلى آخره، وقد تقدَّمَت مباحثه (٢٢٥٨) ولله الحمد. خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الحِيَل من الأحاديث المرفوعة على أحدٍ وثلاثينَ حديثاً، المعلَّق منها واحد وسائرها موصولٌ، وكلّها مُكرَّرة فيه وفيما تقدَّمَ. وفيه أثر واحد عن أيوب، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٦٠ فتح الباري بشرح البخاري