Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
باب ٣/ح ٦٩٥٥ -٦٩٥٩
كتاب الحيل
بشهرٍ أو نحوه لَزِمَته الزكاة عند الحول لقولِهِ وَلّ: ((خَشْية الصَّدَقة)»، وقال أبو حنيفة: إن
نَوى بتَفويتِهِ الفِرارَ من الزكاة قبل الحول بيوم لا تَضُرّه النّيَّة، لأنَّ ذلك لا يَلزَمُه إلّا بتمام الحول،
ولا يَتوجَّه إليه معنى قوله: ((خَشْية الصَّدَقة)) إلّا حينئذٍ.
قال: وقال المهلَّب: قَصَدَ البخاريّ أنَّ كلّ حيلةٍ يَتَحَيَّل بها أحدٌ في إسقاط الزكاة فإنَّ إثمَ
ذلك عليه، لأنَّ النبيَّ ◌َّه لمَّا مَنَعَ من جمع الغنم أو تَفِرِقَتها خَشْية الصَّدَقة فُهمَ منه هذا المعنى،
وفُهمَ من حديث طلحة في قوله: ((أفلَحَ إِن صَدَقَ)) أنَّ مَن رامَ أن يَنْقُصَ شيئاً من فرائض الله
بحيلةٍ يَحَتالها أنَّه لا يُفلِح، قال: وما أجاز(١) الفقهاء من تَصُّف ذي المال في ماله قُرب حُلول
الحول، لم (٢) يريد بذلك الفِرارَ من الزكاة، ومَن نَوى ذلك فالإثم عنه غير ساقطٍ، وهو كمَن فَّ
عن صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيومٍ، واستعملَ سَفَراً لا يحتاج إليه ليُفطِرِ، فالوعيد إليه
یتوجّه.
وقال بعض الحنفيَّة: هذا الذي ذكره البخاريّ يُنسَب لأبي يوسف، وقال محمَّد: يُكرَه لما فيه
من القَصد إلى إبطال حَقّ الفُقراء بعد وجود سببه وهو النِّصاب، واحتَجَّ أبو يوسف بأنَّه
امتناعٌ من الوجوب لا إسقاطٌ للواجب. واستَدَلَّ بأنَّه لو كان له مئتا دِرْهم، فلمَّا كان قبلَ
الحولِ بيومٍ تَصَدَّقَ بدِرْهمٍ منها لم يُكرَه، ولو نَوى بتَصَدُّقِهِ بالدِّرهَمِ أن يَتِمّ الحول وليس في
مِلكه نِصابٌ، فلا يَلزَمه الزكاةُ. وتُعقِّبَ بأنَّ مِن أصل أبي يوسف أنَّ الحُرْمة تُّجامع الفَرضَ
كَطواف المحدِث أو العاري، فكيف لا يكون القصدُ مكروهاً في هذه الحالة؟
وقوله: امتناعٌ من الوجوب، مُعتَرَض، فإنَّ الوجوب قد تَقرَّرَ من أوَّل الحَوْل، ولذلك
جازَ التَّعجيلُ قبل الحول، وقد اتَّفَقوا على أنَّ الاحتيال لإسقاطِ الشُّفعة بعد وُجوبها
مكروهٌ، وإنَّما الخِلاف فيما قبل الوجوب، فقياسُه أن يكون في الزكاة مكروهاً أيضاً. والأشبه
أن يكون أبو يوسف رَجَعَ عن ذلك، فإنَّه قال في كتاب ((الخَراج)) بعد إيراد حديث: ((لا
يُفرّق بين مُجْتَمِع)): ولا يَحِلّ لرجلٍ يُؤْمِن بالله واليومِ الآخِرِ مَنعُ الصَّدَقة، ولا إخراجُها عن
(١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: أجاب به، والتصويب من شرحَي ابن بطال ٣١٥/٨، والكرماني ٢٤/ ٧٧.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: ثم.

٣٢٢
باب ٣/ح ٦٩٥٥ -٦٩٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
مِلكه لِلكِ غيره، ليُفرِّقها بذلك، فيُبطِلَ الصَّدَقة عنها، بأن يصير لكلِّ واحد منهما ما لا
تجب فيه الزكاة، ولا يُحتال في إبطال الصَّدَقة بوجهٍ، انتھی.
ونَقَلَ أبو حفص الكبير راوي كتاب ((الحيَل)) عن محمَّد بن الحسن أنَّ محمَّداً قال: ما
احتالَ به المسلم حتَّى يَتَخلَّص به من الحرام أو يَتَوَصَّل به إلى الحلال فلا بأس به، وما
احتالَ به حتَّى يُبطِل حقّاً أو يُحِقّ باطلاً أو ليُدخِل به شُبهةً في حَقّ فهو مكروه، والمكروه
عنده إلى الحرام أقرَب.
٣٣٢/١٢
وذكر الشافعيّ أنَّه ناظَرَ / محمَّداً في امرأةٍ كَرِهَت زوجَها، وامتَنَعَ من فِراقها، فمَكَّنَت ابنَ
زوجها من نَفسِها، فإنَّها تَحُرُم عندهم على زوجها، بناءً على قولهم: إنَّ حُرْمة المصاهرة تَثْبُت
بالزِّنى، قال: فقلت لمحمَّدٍ: الزنى لا يُحرِّمُ الحلالَ، لأنَّه ضِدُّه، ولا يُقاس شيءٌ على ضِدّه،
فقال: يجمعُهما الجِماع، فقلت: الفَرق بينهما أنَّ الأوَّل مُدَت به وحَصَّنَت فرْجَها، والآخر
ذُمَّت به ووجَبَ عليها الرَّجم، ويَلزَم أنَّ المطلّقة ثلاثاً إذا زَنَت حَلَّت لزوجِها، ومَن كان عنده
أربع نِسوة فزَنَى بخامسةٍ أن تَحُم عليه إحدى الأربع، إلى آخر المناظرة.
وقد أشكَلَ قولُ البخاريّ في التَرجمة: فإن أهلَكَها، بأنَّ الإهلاك ليس من الحِيل بل هو من
إضاعة المال، فإنَّ الحيلة إنَّما هي لدفع ضَرَرٍ أو جَلب مَنفَعة، وليس كلّ واحد منهما موجوداً في
ذلك، ويظهر لي أنَّه يُتصوَّر بأن يَذْبَح الحِقَّتَيْنِ مثلاً ويَنتَفِعِ بلحمِهما، فتَسقُط الزكاة بالحِقَّتَين،
ويَنتَقِل إلى ما دونهما.
الحديث الثالث:
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه كما جَزَمَ به أبو نُعَيم في ((المستخرَجِ))(١).
قوله: ((يكون كَنْز أحدكم يوم القيامة شُجاعاً أقرَعَ)) المراد بالكَنِ المالُ الذي يُحبّاً من غير
أن تُؤدّى زَكاتُه، كما تقدَّم تقريره في كتاب الزكاة (١٤٠٣)، ووَقَعَ هناك في رواية أبي صالح
(١) لكن جزم المهلَّبُ الشارح في ((المختصر النَّصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح)) ٢/ ٢٢٣ أنه إسحاق بن
نَصْر. قلنا: وقال الحافظ في المقدمة في فضل تبيين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها: القاعدة أنَّ مثل هذا المهمل
إنما يُحمل على الأكثر، وأما الأقل فينسب، فيتعيَّن حمل ذلك على إسحاق بن نَصْر.

٣٢٣
باب ٣/ح ٦٩٥٥ -٦٩٥٩
كتاب الحيل
عن أبي هريرة بلفظ: ((مَن آتاهُ الله مالاً فلم يُؤَدِّ زَكاته مُثِّلَ له يومَ القيامة شُجاعاً أقرَعَ))
فذكر نحوه، وبه تظهر مُناسبة ذِكْره في هذا الباب.
قوله: ((أنا كنزُك)) هذا زائد في هذه الطَّريق(١).
قوله: «والله لن یزال)» في رواية الگُشمِیھنیّ: ((لا)) بَدَل ((لَن)).
قوله: «حتَّى يَبْسُط يده» أي: صاحب المال.
قوله: ((فِيُلْقِمَها فاهُ» يحتمل أن يكون فاعل يُلقِمها الكانز أو الشِّجاع، ووَقَعَ في رواية
أبي صالح: ((فيأْخُذُ بِهْزِمََّه)) أي: يأخذ الشُّجاعُ يدَ الكانز بشِدْقَيه، وهما اللّهزِمَتان كما أو ضحتُه
هناك.
قوله: ((وقال رسولُ اللهِ وَّ)) هو موصول بالسَّندِ المذكور، وهو من نسخة همَّام عن أبي
هريرة، وقد أخرجه أحمدُ (٨١٨٤و ٨١٨٥) عن عبد الرَّزّاق فقدَّم هذا على الذي قبله.
قوله: ((إذا ما رَبّ النَّعَم)) ((ما)) زائدةٌ، والرَّبّ: المالك، والنَّعَم بفتحَتَين: الإبل والغَنَم والبقر،
وقيل: الإبل والغنم فقط، حكاه في ((المُحكَم))، وقيل: الإبل فقط، ويُؤيِّد الأوَّل قوله تعالى:
﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، ثمَّ فَسَّرَه بالإبلِ والبقر والغنم، ويُؤيِّد
الثّالثَ اقتصارُه هنا على الأخفاف، فإنَّها للإبلِ خاصّة.
والمراد بقولِه: ((حَقّها) زَكاتُها، وصَرَّحَ به في حديث أبي ذرٍّ، كما تقدَّم في الزكاة(٢) أتمَّ منه.
قوله: ((وقال بعض الناس: في رجلٍ له إبلٌّ فخافَ أن تَجِبَ عليه الصَّدَقَةُ فباعَها بإبلٍ مِثْلِها
أو بغَنَمِ أو ببقرٍ أو بدراهم فِراراً من الصَّدَقة بيومٍ، احتيالاً فلا شيءَ عليه، وهو يقول: إن زَلَّى
إِلَهُ قبل أن يَحولَ الحَوْلُ بيومٍ أو سنةٍ جازَت عنه)) في رواية الكُشمِيهنيّ: أجزَأْت عنه، ويُعرَف
(١) بل هو أيضاً في طريق أبي صالح التي ذكرها الحافظ وأنها تقدمت في كتاب الزكاة، وكذلك هو في طريق
عبد الرحمن الحُرَقي عن أبي هريرة عند ابن ماجه (١٧٨٦)، وكذا في طريق الأعرج عن أبي هريرة عند
النسائي (٢٤٤٨).
(٢) عند شرح الحديث (١٤٦٠) حيث ذكر الحافظ أنَّ رواية مسلم: ((لا يؤدي زكاتها)).

٣٢٤
باب ٣/ح ٦٩٥٥ -٦٩٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
تقريرُ مذهب الحنفيَّة ممَّا مَضَى، وقد تأكَّدَ المنعُ بمسألة التَّعجيل قبل توجيه إلزامِهم التَّناقُض:
أنَّ مَن أجازَ التَّقديم لم يُراع دخول الحول من كلّ جهة، فإذا كان التَّقديم على الحول مُجُزِئاً،
فليكنِ التَّصَرُّف فيها قبل الحول غير مُسقِطٍ.
وأجابَ عنهم ابن بَطّال بأنَّ أبا حنيفة لم يَتَنَاقَض في ذلك، لأنّه لا يُوجِب الزكاة إلّا بتمام
الحول، ويجعل مَن قَدَّمَها كمَن قَدَّمَ دَیناً مُؤَجَّلاً قبل أن يَحِلَّ، انتھی.
والتَّناقضُ لازمٌّ لأبي يوسف، لأنَّه يقول: إنَّ الحُزْمة تُجامع الفرضَ كطواف العاري(١)،
ولو لم يَتَقَرَّرِ الوجوبُ لم يَجْزُ التَّعجيلُ قبل الحول.
وقد اختَلَفَ العلماء فيمَن باعَ إِيلاً بمِثلِها في أثناء الحول: فذهب الجمهور إلى أنَّ البِناء
على حَولِ الأُولى لاتِّحادِ الجِنس والنِّصاب والمأخوذ، وعن (٢) الشافعيّ قولان، واختَلَفوا في
بيعها بغير چِنسها، فقال الجمهور: يَستأنف لاختلاف النِّصاب، وإذا فعل ذلك فِراراً من
الزكاة أثِمَ، ولو قلنا: يَستأنِف.
وعن أحمدَ: إذا مَلَكَها ستّة أشهرٍ، ثمَّ باعَها بنَقدٍ زَكَّى الدَّراهم عن ستّة أشهر من يوم
البيع.
ونَقَلَ شيخُنا ابن الملقِّن عن ابن التِّين أنَّه قال: إنَّ البخاريّ إنَّما أتى بقولِه: مانع الزكاة،
٣٣٣/١٢ ليدلّ على أنَّ الفِرار من الزكاة/ لا يَحِلّ، فهو مُطالَب بذلك في الآخرة، قال شيخنا: وهذا لم
نَرَه في البخاريّ. قلت: بل هو فيه بالمعنى في قوله: ((إذا ما رَبُّ النَّعَم لم يُعطِ حَقَّها)) فهذا
هو مانع الزكاة.
الحديث الرابع: حديث ابن عبّاس قال: استَفْتَى سعدُ بن عُبادة ... إلى آخره، تقدَّم شرحه
قريباً في كتاب الأيمان والنُّدور (٦٦٩٨).
(١) يعني أنه مع كونه حراماً يُعتدُّ به عنده.
(٢) وقع في (س): والمأخوذ عن الشافعي، بإسقاط حرف الواو، فأوهم أن تعلُّق الجار والمجرور بالمأخوذ،
وإنما هو استئناف يتعلق بقوله: قولان، والمأخوذ معطوف على الجنس والنصاب.

٣٢٥
باب ٣/ح ٦٩٥٥- ٦٩٥٩
كتاب الحيل
وقال المهلَّب: فيه حُجّةٌ على أنَّ الزكاة لا تَسقُط بالحِيلة ولا بالموت، لأنَّ النَّذر لمَّا لم يَسقُط
بالموت، والزكاة أوكَدُ منه، كانت لَأنْ(١) لا تَسقُط بالموتِ أولى، لأنَّه لمَّا ألزَمَ الوليّ بقضاءِ
النَّذر عن أمّه كان قضاءُ الزكاة التي فرَضَها الله أشدَّ لُزوماً.
قوله: ((وقال بعضُ الناس: إذا بَلَغَتِ الإبل عِشْرِينَ ففيها أربعُ شياه، فإن وَهَبَها قبل
الحَوْل أو باعَها فِراراً أو احتيالاً لإسقاطِ الزكاة فلا شيء عليه، وكذلك إن أتلَفَها فماتَ فلا
شيء عليه(٢) في ماله)) تقدَّمَت المنازَعة في صورة الإتلاف قريباً.
وأجابَ بعض الحنفيَّة بأنَّ المال إنَّما تجب فيه الزكاةُ ما دامَ واجباً في الذِّمّة، أو ما تعلَّق به مِن
الحقوق، وهذا الذي ماتَ لم يَبَقَ في ذِمَّته شيء يجب على وَرَثَته وفاؤُه، والكلام إنّما هو في حِلّ
الحِيلة لا في لُزوم الزكاة إذا فرَّ.
قلت: وحرفُ المسألة أنَّه إذا قَصَدَ ببيعِها الفِرارَ من الزكاة، أو بِهِبَتِها الحِيلةَ على إسقاط
الزكاة، ومِن قَصدِه أن يَستَرجِعها بعدُ كما تقدَّم، فهو آثِمٌّ بهذا القصد، لكن هل يُؤَثِّر هذا
القصدُ في إبقاء الزكاة في ذِمَّته أو يُعمَل به مع الإثم؟ هذا مَحَزّ الخِلاف.
قال الكِرْمانيُّ: ذكر البخاريّ في هذا الباب ثلاثةَ فُرُوعٍ يجمعها حُكمٌ واحدٌ، وهو أنَّه إذا
زالَ مُلكِهِ عمَّا تجب فيه الزكاة قبل الحول سَقَطَت الزكاة، سواء كان لقصدِ الفِرار من الزكاة أم
لا، ثمَّ أراد بتفريقها عَقِب كلّ حديث التَّشنيعَ بأنَّ مَن أجازَ ذلك خالَفَ ثلاثةَ أحاديثَ
صحیحةٍ. انتھی.
ومن الحِيَل في إسقاط الزكاة أن يَنوي بعُروضِ التِّجارة القِنيةَ قبل الحول، فإذا دَخَلَ
الحول الآخر استأنَفَ التِّجارة حتَّى إذا قَرُبَ الحولُ أبطَلَ النجارة ونوى القِنْيَةَ، وهذا يأَم
جزماً، والذي يَقْوَى أَنَّه لا تَسقُط الزكاةُ عنه، والعلم عند الله تعالى.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: لازمة.
(٢) لفظة ((عليه)) ثبتت للحافظ رحمه الله، وهي ثابتة في الأصل الخطي الذي عندنا برواية أبي ذر الهروي، ولم
ترد في اليونينية.

٣٢٦
باب ٤/ح ٦٩٦٠ - ٦٩٦١
فتح الباري بشرح البخاري
٤ - بابُ الحِيلةِ في النكاح
٦٩٦٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن
عبدِ الله ◌ِ﴾: أنَّ رسولَ الله وَّلْ نَهَى عن الشِّغار.
قلتُ لنافع: ما الشِّغار؟ قال: يَنكِحُ ابنةَ الرجلِ ويُنكِحُه ابنتَه بغیر صَداقٍ، ویَنكِحُ أُختَ
الرجلِ وُنكِحُه ◌ُختَه بغیر صَداقٍ.
وقال بعضُ الناسِ: إنِ احتالَ حتَّى تزوَّجَ على الشِّغار فهو جائزٌّ، والشَّرْطُ باطلٌ، وقال في المتْعةِ:
النِّكَاحُ فاسِدٌ، والشَّرْطُ باطلٌ. وقال بعضُهمُ: المتْعةُ والشِّغارُ جائِزانٍ، والشَّرْطُ باطلٌ.
٦٩٦١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله بنِ عمرَ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن الحسنِ
وعبدِ الله ابنَي محمَّدٍ بنِ عليٍّ، عن أبيهما: أنَّ عليّاً ع قيل له: إنَّ ابنَ عبَّاسٍ لا يَرَى بِمُتْعِةِ النِّساءِ
بأساً! فقال: إنَّ رسولَ الله وَّلِ نَهَى عنها يومَ خَيِيرَ، وعن لُحُومِ الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ.
وقال بعضُ الناسِ: إنِ احتالَ حتَّى تَمَنَّعَ فالنِّكاحُ فاسِدٌ. وقال بعضُهمُ: النِّكاحُ جائزٌ،
والشَّرْطُ باطلٌ.
٣٣٤/١٢
قوله: ((باب الحيلة في النِّكاح)) ذكر فيه حديثَ ابن عمر في النَّهي عن الشِّغار، وفيه
تفسيره عن نافع، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوقَى في كتاب النِّكاح (٥١١٢)، وتقرير كَون
التَّفسير مرفوعاً.
قال ابن المنّيِّر: إدخالُ البخاريّ الشِّغارَ في باب الحِيَل مع أنَّ القائل بالجوازِ يُبطِل
الشِّغار ويوجِب مَهر المِثْلِ مُشكِلٌ، ويُمكِن أن يقال: إنَّه أخَذَه مَّا نُقِلَ أنَّ العرب كانت
تأنَف من التلفُّظ بالنِّكاح من جانبِ المرأة، فرجعوا إلى التلفّظ بالشِّغار لوجودِ المساواة
التي تَدفَع الأنَفة، فمَحا الشَّرعُ رَسْمَ الجاهليَّة، فحَرَّمَ الشِّغار وشَدَّدَ فيه ما لم يُشَدِّد في
النِّكاح الخالي عن ذِكْر الصَّداق، فلو صَخَّحنا النِّكاح بلفظ الشِّغار، وأوجَبنا مَهر المثل
أبقَينا غَرَض الجاهليَّة بهذه الحيلة. انتهى، وفيه نظر، لأنَّ الذي نَقَلَه عن العربِ لا أصلَ
له، لأنَّ الشِّغارَ في العرب بالنّسبة إلى غيرِه قليل، وقضيَّةُ ما ذكره أن تكون أنكِحَتُهم كلُّها

٣٢٧
باب ٤/ح ٦٩٦٠-٦٩٦١
كتاب الحيل
كانت شِغاراً لوجودِ الأَنَفة في جميعهم.
والذي يظهر لي أنَّ الِحِيلة في الشِّغار تُتَصَوَّر في مُوسِر أراد تَزويج بنت فقيرٍ فامتَنَعَ أو
اشتَطَّ في المهر فخَدَعَه، بأن قال له: زَوِّجنيها وأنا أُزَوِّجُك ابنتي، فَرَغِبَ الفقيرُ في ذلك لسُهولة
ذلك عليه، فلمَّا وَقَعَ العَقدُ على ذلك وقيل له: إنَّ العَقد يَصِحُ ويَلزَم لكلٍّ منهما مَهرُ المِثل، فإنَّه
يَندَم إذ لا قُدرةَ له على مَهر المثل لبنت الموسِر، وحَصَلَ للموسِرِ مقصودُه بالتَّزويجِ لسُهولة
مَهرِ المثل عليه، فإذا أُبطِلَ الشِّغارَ مِن أصله بَطَلَت هذه الحيلةُ.
قوله: ((وقال بعض الناس: إن احتالَ حتَّى تزوَّجَ على الشِّغار، فهو جائز والشَّرْطُ باطلٌ،
وقال في المتعة: النِّكاحُ فاسدٌ والشَّرطُ باطِلٌ)) قلت: وهذا بناءً على قاعدة الحنفيّة أنَّ ما لم
يُشرَع بأصلِه باطلٌ، وما شُرِعَ بأصلِهِ دونَ وصفِه فاسدٌ، فالنِّكاح مشروعٌ بأصلِه وجَعَلُ
البُضْعِ صَداقاً وصفٌ فيه، فيَفسُد الصَّداقُ ويَصِحّ النِّكاح، بخِلَاف المتعة فإنَّها لمَّا ثَبَتَ
أنَّها منسوخة صارت غير مشروعةٍ بأصلِها.
قوله: ((وقال بعضُهم: المتْعة والشِّغار جائزان(١) والشَّرْطُ باطلٌ)) أي: في كلٍّ منهما، كأنَّه يشير
إلى ما نُقِلَ عن زُقَرَ أَنَّه أجازَ النِّكاح المؤَقَّت، وألغَى الوقت لأنَّه شرطٌ فاسدٌ، والنِّكاح لا
يَبطُل بالشُّروطِ الفاسدة، ورَدّوا عليه بالفَرقِ المذكور.
قال ابن بَطّال: لا يكون البُضْعُ صَداقاً عند أحد من العلماء، وإنَّما قالوا: يَنعَقِد النِّكاح
بمَهرِ المِثْل إذا اجتَمَعَت شُروطه، والصَّداق ليس برُكنٍ فيه، فهو كما لو عُقِدَ بغير صَداق ثمَّ
ذُكِرَ الصَّداق، فصارَ ذِكْر البُضْع گلا ذِكْرٍ. انتھی.
وهذا مُحُصَّل ما قاله أبو زيد وغيرُه من أئمّة الحنفيَّة، وتَعقَّبَه ابن السَّمعانيّ، فقال: ليس
الشِّغار إلّا النِّكاح الذي اختَلَفنا فيه، وقد ثَبَتَ النَّهي عنه، والنَّهي يقتضي فساد المنهيّ عنه،
لأَنَّ العَقد الشَّرعيّ إنَّما يجوزُ بالشَّرع، وإذا كان مَنهيّاً لم يكن مشروعاً، ومن جهة المعنى أنَّه
(١) كذا وقعت الرواية للحافظ بالتثنية، وهو واضح، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف: جائز، بالإفراد،
أي كلٌّ منهما.

٣٢٨
باب ٤/ ح ٦٩٦٠-٦٩٦١
فتح الباري بشرح البخاري
يَمنَع تمامَ الإيجابِ في البُضْعِ للَّوجِ، والنِّكاحُ لا يَنعَقِد إلّا بإيجابٍ كامل، ووجه قولنا
(يَمنَعِ)) أنَّ الذي أوجَبَه للَّوجِ نِكاحاً هو الذي أوجَبَه للمرأة صَداقاً، وإذا لم يَحصُل كمالُ
الإيجاب لا يَصِحُّ، فإنَّه جَعَلَ عينَ ما أوجَبَه للَّوجِ صَداقاً للمرأة، فهو كمَن جَعَلَ الشَّيء
لشخصٍ في عَقد، ثمَّ جَعَلَ عينَه لشخصٍ آخرَ، فإنَّه لا يَكمُلِ الْجَعْلِ الأوَّل، قال: ولا
يعارض هذا ما لو زَوَّجَ أمَتَه آخرَ، فإنَّ الَّوجِ يَملِك التَّمَتُّع بالفَرْجِ والسَّيِّدُ يَمِلِكُ رَقَبَةَ
الفَرْجِ، بدليلِ أنَّها لو وُطِئَت بعدُ بشُبهةٍ يكون المهرُ للسَّيِّد، والفَرق أنَّ الذي جعله السَّيِّدُ
للزَّوجِ لم يُبقِه لنفسِه، لأنَّه جعل مِلك التَّمَتُّع بالأمة للَّوج وما عَدَا ذلك باقٍ له، وفي مسألة
الشِّغار جَعَلَ مِلك التَّمَتُّع الذي جعله للَّوجِ بعينِهِ صَداقاً للمرأة الأُخرى، ورَقَبَةُ الْبُضع لا
تَدخُلُ تحتَ مِلك اليمين، حتَّى يَصِحَ جَعلُهُ صَداقاً.
قوله: ((يحيى)) هو القَطّان، وعُبيد الله بن عمر: هو العُمَريّ، ومحمَّد بن عليّ: هو المعروف
بابنِ الحنفيّة، وعليّ: هو ابن أبي طالب.
قوله: ((قيلَ له: إنَّ ابن عبّاس لا يَرَى بمُْعةِ النِّساءِ بأساً) لم أقِفْ على اسم القائل، وزاد
عَمْرو بن عليّ الفَلّاس في روايته لهذا الحديث عن يحيى القَطّان(١): فقال له: إنَّك تايِهٌ،
٣٣٥/١٢ بمُثنّةٍ فوقائيَّة وياء/ آخر الحروف، بوزنِ فاعل، من التّيه، وهو الخَيْرة، وإنَّما وَصَفَه بذلك
إشارةً إلى أنَّه تَمَسَّكَ بالمنسوخِ وغَفَلَ عن الناسخ، وقد تقدَّم بيانُ مذهب ابن عبّاس في
ذلك في كتاب النِّكاح مُستَوقَى (٥١١٦).
قوله: ((وقال بعضُ الناس: إن احتالَ حتَّى تَمَتَّعَ فالنِّكاح فاسد)» أي: إن عَقَدَ عَقْدَ نكاح
مُتعةٍ، والفساد لا يَستَلِزِمِ البُطْلان، لإمكان إصلاحه بإلغاءِ الشَّرْط، فيُتحيَّل في تصحيحه
بذلك، كما قال في رِبا الفضل إن حُذِفَت منه الزّيادة صَحَّ البيع.
قوله: ((وقال بعضهم ... )) إلى آخره، تقدَّم أنَّه قول زُفَرَ، وقيل: إنَّه لم يُجِزِ إلّا النِّكاح
المؤَقَّت وألغَى الشَّرط. وأُجيبَ بأنَّ نَسخ المتعة ثابت والنِّكاح المؤَقَّت في معنى المتعة، والاعتبار
عندهم في العقود بالمعاني.
(١) أخرجه من هذه الطريق النسائي (٣٣٦٥)، لکنہ أبهم فیه ذکر ابن عباس.

٣٢٩
باب ٥/ ح ٦٩٦٢
كتاب الحيل
٥- باب ما يُكره من الاحتيال في البيوع
((ولا يُمنعُ فضلُ الماء ليُمنَع به فضلُ الكلأ)
٦٩٦٢ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ
رسولَ الله وَّم قال: «لا يُمنَعُ فضلُ الماءِ ليُمنَعَ به فضلُ الكَلأ».
قوله: ((باب ما يُكره من الاحتيال في البيوع، ولا يُمنع فضلُ الماء ليُمنع به فضلُ الكلا» ذكر فيه
حديث أبي هريرة: ((لا يمنع ... )) إلى آخره، وإسماعيل شيخه فيه: هو ابن أبي أويس، وقد تقدم
شرحُ الحديث مستوفَى في كتاب الشِّرب (٢٣٥٣).
قال المهلب: المرادُ رجلٌ كان له بئرٌ وحَوْها كلاً مباح، وهو بفتح الكاف واللام مهموز:
ما يُرعَى، فأراد الاختصاص به، فيَمنع فَضْلَ ماءِ بئره أن ترِدَه نَعَم غيرِه للشرب، وهو لا
حاجة به إلى الماء الذي يمنعُه، وإنما حاجته إلى الكلأ وهو لا يقدر على منعه لكونه غيرَ مملوك
له، فيَمنعُ الماء فيتوفّر له الكلأ، لأن النعم لا تستغني عن الماء، بل إذا رعَتِ الكلأ عطِشت،
ويكون ماءُ غيرِ البئر بعيداً عنها، فيرغب صاحبها عن ذلك الكلأ، فيتوفّر لصاحب البئر بهذه
الحيلة. انتهى موضحاً.
قال: وفيه معنى آخر، وهو أنه قد يُخُصُّ أحدَ معاني الحديث ويسكت عن البقية، لأنَّ
ظاهرَ الحديث اختصاصُ النهي بما إذا أُريد به منعُ الكلأ، فإذا لم يُرَدْ به ذلك فلا نهي عن منعِ
الكلأ، والحديث معناه: لا يُمنع فضلُ الماء بوجهٍ من الوُجوه، لأنه إذا لم يُمنع بسببٍ غيرِه
فأحرى أن لا يُمنع بسببٍ نَفسه، وفي تسميته فضلاً إشارةٌ إلى أنه إذا لم تكن زيادةٌ عن حاجة
صاحبِ البئر جاز لصاحب البئر مَنعُه، والله أعلم.
وقال ابن المنيِر: وجه مطابقة الترجمة أن الآبار التي في البوادي لمحتفِرها أن يختصَّ بما
عدا فضلها مِن الماء، بخلاف الكلا المباح فلا اختصاص له به، فلو تحیّل صاحبُ البئر فادعی
أنه لا فضلَ في ماء البئر عن حاجَتِهِ ليتوفّر له الكلأ الذي بقُربه - لأن صاحبَ الماشية حينئذٍ
يحتاجُ أن يحوِّلها إلى ماءٍ آخر، لأنها لا تستطيع الرعي على الظمأ - لدخلَ في النهي. ثم قال: ولا

٣٣٠
باب ٦-٧/ ح ٦٩٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
يلزم من كون دعواه كذباً محضاً أن لا يكون في كلامه تحيُّلٌ على منع المباح، فحجتُه ظاهرةٌ
فيما له فيه مقال، وهو الماء، تحيُّلاً على ما لا حقَّ له فيه ولا حُجَّةَ، وهو الكلا.
قلت: وهذا جوابٌ عن أصل التحيُّل لا عن خُصوص التحيُّل في البيع، ومِن ثمَّ قال
الكِرْماني: هو مِن قَبِيل ما ترجَم به وبَيَّض له، فلم يذكر فيه حديثاً، يريد أنه ترجم بالتحيُّل بالبيع
وعَطَف علیه (ولا یمنع فضل الماء»، وذكر الحديث المتعلق بالثاني دون الأول، لكن لا يدفع
هذا القدرُ السؤالَ عن حِكمةٍ إيراد منع فضلِ الماء في كتاب ترك الحيل.
ثم قال الكِرماني: يمكن أن يكون المنعُ أعمَّ من أن يكون بطريق عدم البيع أو بغيره،
انتھی.
ويظهر أن المناسبة بينهما ما أشار إليه ابن المنيِّرِ، لكن تمامَه أن يُقال: إن صاحب البئر
يدَّعي أنه لا فضلَ في ماء البئر ليحتاج من احتاج إلى الكلأ أن يبتاع منه ماءَ بئرِه ليسقي
٣٣٦/١٢ ماشيَتَه، فيظهر / حينئذٍ أنه تحيَّل بالجَحدِ على حصولِ البيع ليتم مُرادُه في أخذ ثمن ماءِ
البئر، وفي توفير الكلأ علیه.
وأما ابن بطَّال فأدخل في هذه الترجمة حديثَ النهي عن النَّجْش، فلو كان كذلك لبَطَل
الاعتراض، لكن ترجمة النَّجْش موجودةٌ في جميع الروايات بين الحديثين.
٦ - باب ما يُكرَهُ من التّناجش
٦٩٦٣ - حذَّثنا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، عن مالك، عن نافع، عن ابنِ عمرَ: أَنَّ رسولَ الله ◌ِێ﴿ نھی عن
النَّجْشِ.
قوله: ((باب ما يُكرَه من التَّنَاجُش)» أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث المذكور في
الباب بلفظ: نَهَى عن النَّجش، من حديث أبي هريرة بلفظ: ((لا تَناجَشوا)»، وقد تقدَّم
شرحه مُستَوفَّى في كتاب البيوع (٢١٤٠)، والمراد بالكراهة في التَّرجمة كراهة التَّحريم.
٧- باب ما يُنهى من الخداع في البيع
وقال أيوبُ: يُخادِعونَ الله كأنّما يُخادِعونَ آدَمِيّاً، لو أتَوا الأمرَ عِياناً كان أهوَنَ عليّ.

٣٣١
باب ٧/ح ٦٩٦٤
كتاب الحيل
٦٩٦٤ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله
عنهما: أنَّ رجلاً ذَكَر للنبيِّ وَّ أَنَّه يُخْدَعُ في المُيُوعِ، فقال: ((إذا بايعتَ فقُل: لا خِلابةَ)).
قوله: ((باب ما يُنْهَى من الخِداع)) في رواية الكُشمِيهنيّ: عن الخِداع، ويقال له: الخذع
بالفتح والكسر، ورجل خادِعٍ، وفي المبالَغة خَدُوعٍ وخَّاعٍ.
قوله: ((وقال أيوب)) هو السَّختيانيّ ((يُخادِعونَ الله كأنَّما يُخادِعونَ آدميّاً لو أتَوُا الأمرَ عِياناً
كان أهونَ عليَّ) وَصَلَه وكيعٌ في ((مُصنَّفَه)) عن سفيان بن عُبَينَةَ عن أيوب وهو السَّختيانيّ.
قال الكِرْمانيُّ: قوله: (عِياناً)) أي: لو أعلَنوا بأخذِ الزّائد على الثَّمَن مُعاينةً بلا تَدليس لكان
أسهَلَ، لأنَّه ما جَعَلَ الدِّينَ آلةَّ للخداعِ. انتهى.
ومن ثَمَّ كان سالك المكر والخديعة حتَّى يفعل المعصية أبغَضَ عند الناس ممَّن يَتَظاهَر بها،
وفي قلوبهم أوضَعَ، وهم عنه أشدُّ نُفرةً.
وحديث ابن عمر: ((إذا بايعتَ فقل: لا خِلابة)) بكسر المعجمة وتخفيف اللام ثم موحدة،
تقدم شرحُه مستوفی في كتاب البيوع (٢١١٧).
قال المهلَّب: معنى قوله: ((لا خِلابة)) لا تَخْلُبُوني، أي: لا تَخْدَعوني، فإن ذلك لا يَحِلّ.
و
قلت: والذي يظهر أنه وارِدٌ مَوردَ الشرط، أي: إن ظهر في العَقد خِداٌ فهو غير صحيح،
كأنه قال: بشرطِ أن لا يكون فيه خديعة، أو قال: لا تلزمُني خديعتُك.
قال المهلَّب: ولا يدخل في الخِداع المحرّم الثناءُ على السلعةِ والإطناب في مَدحِها، فإنه
متجاوزٌ عنه، ولا يُنقَضُ به البيعُ.
وقال ابن القيم في ((الإعلام)): أحدثَ بعض المتأخرين حِيلاً لم يصحَّ القولُ بها عن
أحدٍ من الأئمة، ومن عَرَف سِيرة الشافعي وفضلَه علم أنه لم يكن يأمر بفعل الحِيل التي
تُبنى على الخِداع، وإن كان يُجري العُقودَ على ظاهرها، ولا يَنظُر إلى قصد العاقد إذا خالفَ
لفْظَه، فحاشاه أن يُبيح للناس المكرَ والخديعة، فإن الفرق بين إجراء العقد على ظاهرِه فلا
يُعتبر القصدُ في العقد، وبين تجويزِ عَقدٍ قد عُلِم بناؤه على المكر، مع العلم بأن باطنه بخلافٍ

٣٣٢
باب ٨/ح ٦٩٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
ظاهره، ظاهرٌ، ومَن نَسَب حِلَّ الثاني إلى الشافعي فهو خَصمُه عند الله، فإنَّ الذي جوَّزَه بمنزلة
٣٣٧/١٢ الحاكم يُجري / الحُكم على ظاهرِه في عدالة الشهود، فيحكُم بظاهر عدالتهم، وإن كانوا في الباطن
◌ُهودَ زُورٍ.
وكذا في مسألة العِينة إنما جَوَّز أن يبيعَ السلعةَ ممن يشتريها جرياً منه على أن ظاهر عقود
المسلمين سلامَتُها من المكر والخَديعة، ولم يُجُوِّز قطُّ أن المتعاقدين يتواطآن على ألفٍ بألفٍ
ومئتين، ثم يُحِضِران سلعةً تُحلِّل الربا، ولا سيما إن لم يقصد البائعُ بيعَها ولا المشتري شراءها،
ويتأكد ذلك إذا كانت ليست مِلْكاً للبائع، كأن يكون عنده سلعةٌ لغيره، فيوقِّع العقد
ويدّعي أنها مِلْكُه ويصدِّقُه المشتري، فيوقِّعان العَقدَ على الأكثر، ثم يستعيدها البائعُ بالأقلّ،
ويترتب الأكثرُ في ذمة المشتري في الظاهر، ولو عَلِم الذي جَوَّزَ ذلك بذلك لَبادَر إلى
إنكاره، لأن لازمَ المذهب ليس بمذهبٍ، فقد يذكر العالم الشيءَ ولا يستحضِرُ لازِمَه، حتى
إذا عَرَفه أنکره.
وأطال في ذلك جداً، وهذا ملخَّصُه، والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانُه في
ظاهر الحكم، فالشافعية يُجُرُونَ العُقودَ على ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إنَّ مَن عَمِلَ الحيَلَ
بالمكر والخديعة يأثم في الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله، وبالله التوفيق.
٨- باب ما يُنهى عن الاحتيال للوليّ في اليتيمة المرغوبة،
وأن لا يُكمّل لها صَدَاقها
٦٩٦٥ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرَنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: كان عُرْوةُ يُحدِّثُ أَنَّه سألَ
عائشةَ: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الْيَى فَأَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]؟ قالت:
هي اليَتِيمةُ في حَجْرٍ وليِّها، فيَرَغَبُ في مالها وتجمالها، فيُرِيدُ أَن يَتزوَّجَها بأدنَى من سُنّةِ نسائها،
فنُهُوا عن نِكاحِهِنَّ إلا أن يُقِطوا لهنَّ في إْمال الصَّداق، ثمَّ اسْتَفْتَى الناسُ رسولَ الله ◌َِه
بَعْدُ، فَأَنزَلَ الله: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، فذكر الحديثَ.
قوله: «باب ما يُنْهَى عن الاحتيال للوليِّ في اليتيمة المرغوبة، وأن لا يُكَمِّل لها صَدَاقَها)» ذکر فیه

٣٣٣
باب ٩/ح ٦٩٦٦
كتاب الحيل
حديث عائشة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ﴾ ولم يَسُقه بتمامِه، وقد
تقدَّم بهذا السَّند في النِّكاح تامّاً(١).
قال ابن بطّال: فیه أنّه لا يجوز للوليّ أن يتزوَّج یتیمةً بأقلّ من صداقها، ولا أن يُعطيها من
العُروض في صَداقها ما لا يَفي بقيمة صَداق مِثلها، واختُلِفَ في سبب نزول الآية المذكورة، كما
تقدَّم عند شرح الحديث المذكور في تفسير سورة النِّساء (٤٥٧٣).
وفي قوله: ﴿فِ اٌلْيَ﴾ حذفٌ تقديرُه: في نِكاح اليَتَامَى.
وقوله: ((﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ اُلْنِسَآءِ﴾)) أي: مِن سواهُنَّ، قال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب:
معنى الآية: وإن خِفتُم أن لا تَعدِلوا في اليَتَامَى الأطفال، اللّتي لا أولياء لهنَّ يُطالبونكم
بحقوقِهنَّ، ولا تأمَنوا من تَرْك القيام بحقوقهنَّ لِعَجزِهِنَّ عن ذلك، فتزوَّجوا من النِّساء
القادرات على تدبير أُمورهنَّ، أو مَن لهنَّ أولياء يَمنَعونكم من الحَيْف عليهنَّ.
وقوله: ((ثُمَّ اسْتَفْتَى الناسُ رسولَ الله وَّهِ فَأَنزَلَ الله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ﴾ فذكر
الحديث)) كذا في الأصل، وقد تقدَّم سياقه.
٩ - باب إذا غَصَب جاريةً فزعَم أنّها ماتت، فقُضي بقيمة
الجارية الميّتة، ثمّ وجدَها صاحبُها فهي له ويرُدُّ القيمة، ولا تكونُ القِيمةُ ثَمَناً
وقال بعضُ الناسِ: الجاريةُ للغاصبِ، لأخذِهِ القِيمةَ. وفي هذا احتيالٌ لمنِ اشتَهَى جاريةَ
رجلٍ لا يَبِيعُها، فغَصَبَها، واعتَلَّ بأنَّها ماتت حتَّى يأخُذَ رَبُّهَا قِيمَتَها، فيَطِيبُ للغاصبِ جاريةٌ
غيره.
قال النبيُّ ◌ََّ: ((أموالكم عليكم حرامٌ، ولكلٍّ غادِرٍ لِواءٌ يومَ القيامةِ».
٦٩٦٦ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بن عمر رضي الله ٣٣٨/١٢
عنهما، عن النبيِّ وَطِّ، قال: ((لِكلِّ غادِرٍ لِواءٌ يومَ القيامةِ يُعرَفُ به)).
(١) بل في الوصايا (٢٧٦٣).

٣٣٤
باب ٩/ح ٦٩٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب إذا غَصَبَ جاريةً، فَزَعَمَ أنَّها ماتت، فقُضيَ)) بالضَّمِّ على البناء للمجهول، أي:
حُكِمَ، ويجوز بناؤُه للمعلوم، أي: حَكَمَ القاضي على الغاصب.
قوله: ((بقيمةِ الجارية الميَِّة، ثمَّ وَجَدَها صاحبُها)) أي: الطَّلَعَ على أنَّها لم تمت ((فهي له)) أي:
لصاحبها المغصوبة منهُ ((ويَرُدُّ القيمةَ)) أي: على الغاصب ((ولا تكون القيمة ثَمَنا) أي: لعَدَمِ
جَرَيان بيعٍ بينهما، وإنَّما أخَذَ القيمةَ بناء على عَدَم الجارية، فإذا زالَ ذلك وجَبَ الرُّجوع إلى
الأصل.
قوله: ((وقال بعض الناس: الجاريةُ للغاصبِ لأخذِه القيمةَ)) منه، أي: من الغاصب.
قوله: ((وفي هذا احتيال لمن اشتَهَى جاريةَ رجلٍ لا يبيعُها، فغَصَبَها، واعتَلَّ)) أي: احتَجَّ،
أي: وكذلك لو كانت الصّورة في غير الجارية من مأكول أو غَيرِهِ وادَّعَى فسادَه، وكذا لو
غَصَبَ حيواناً مأكولاً فذَبَحَه.
قوله: ((فيَطِيبُ للغاصبِ جاريةُ غيره)) أي: وكذا مالُ غيره.
قوله: ((قال النبيّ ◌َّ: أموالكم عليكم حرام)) هذا طَرَف من حديثٍ وَصَلَه من حديث أبي
بَكْرة مُطوَّلاً في أواخر الحجّ (١٧٤١)، وأحلتُ بشرحِه على كتاب الفتن(١).
قال الكِرْمانيُّ: ظاهر قوله: ((أموالُكم عليكم)) مُقابلة الجمع بالجمع، فيفيد التَّوزيع، فيلزم
أن يكون مالُ كلّ شخص على كلّ شخص حَراماً، فيلزم أن يكون ماله عليه حَراماً، وليس
كذلك، وإنَّما هو مِثل قولهم: قتل بنو فلانٍ أنفُسهم، أي: قتل بعضُهم بعضاً، ففيه مَجَازٌّ، للقَرِينة
الصّارفة عن الظّاهر.
قوله: ((ولِكلِّ غادِرٍ لِواءٌ)) أي: وقال النبيّ وَالّ: ((لِكلِّ غادِرٍ لِواءٌ ... )) إلى آخره، وقد وَصَلَه
في الباب عن ابن عمر، وسفيان في سنده: هو الثَّوْريّ، ومَضَى شرحه مُستَوفَى في الجهاد
(٣١٨٦ و٣١٨٧)، والاحتجاج به ظاهر، لأنَّ دَعوى الغاصب أنَّها ماتت خِيانةٌ وغَدرٌ في حَقّ
أخيه المسلم.
(١) لم يتقدم من الحافظ رحمه الله إحالة بشرح الحديث على كتاب الفتن، وإن كان الحديث فيه برقم (٧٠٧٨).

٣٣٥
باب ٩/ح ٦٩٦٦
كتاب الحيل
قال ابن بَطّال: خالَفَ أبا حنيفة الجمهورُ في ذلك، فاحتَجَّ هو بأنَّه لا يَجِتَمِع الشَّيء
وبَدَلُه في مِلك شخص واحد، واحتُجَّ للجُمهورِ بأنَّه لا يَحِلّ مالُ المسلم إلّا عن طيب
نَفْسِه، ولأنَّ القيمة إنَّمَا وَجَبَت بناءً على صِدق دَعوى الغاصب أنَّ الجارية ماتت، فلمَّا تَبيَّن
أنَّها لم تَمُت فهي باقية على مِلك المغصوبة منه، لأنَّه لم يَجِرِ بينهما عَقدٌ صحيحٌ، فوجَبَ أن
تُرَدّ إلى صاحبها. قال: وفَرَّقوا بين الثَّمَن والقيمة بأنَّ الثَّمَن في مُقابلة الشَّيء القائم،
والقيمة في الشّيء المستَهلَك، وكذا في البيع الفاسد، والفرق بين الغَصب والبيع الفاسد أنَّ
البائع رَضِيَ بأخذِ الثَّمَن ◌ِوضاً عن سِلعَته، وأذِنَ للمُشتَري بالتَّصَرُّفِ فيها، فإصلاح هذا
البيع أن يأخُذ قيمة السِّلعة إن فاتَت، والغاصب لم يأذن له المالك فلا يَحِلّ له أن يَتَمَلَّكه
الغاصب إلّا إن رضي المغصوب منه بقیمتِه.
قلت: ومحلُّ الصّورة المذكورة أوَّلاً عند الحنفيّة أن يَدَّعي المستَحِقّ على الغاصب
بالجارية، فيُجيب بأنَها ماتت فيُصدِّقه أو يُكذِّبه، فيُقيم الغاصب البيّنة أو يَستحلِفه، فيَنكُل
عن اليمين، فيكون للمُستحِقِّ حينئذٍ على الغاصب القيمةُ، لرِضا المدَّعي بالمبادَلة بهذا
القَدر حيثُ ادَّعاه، أمَّا لو أخَذَ القيمة بقولِ الغاصب مع حَلِفِه أنَّها ماتت، فالمدَّعي حينئذٍ
بالخِيار إذا ظَهَرَ كذِب الغاصب، إن شاءَ أمضَى الضَّمان وإن شاءَ استَعادَ الجارية ورَدَّ
العِوض، واستَدَلّوا بأنَّ المالك مَلَكَ بَدَل المغصوب رَقَبَةً وبَدَناً، فزالَ مِلكه عن المبدَل
الكَونِه قابِلاً للنَّقْلِ، فلم يقع الحُكم للتعدّي مَحَضاً، بل للضَّمان المشروط ولو نَشَأ منه فَوات
الجارية على صاحبها بالحِيلة، ولو تَرَتَّبَ الإثم على الغاصب بذلك، لأنَّه لا يُنافي صِحّة
العَقد، والله أعلمُ.
وقال ابن المنيِّر ما ملخَّصه: ألزَمَ بعض الحنفيَّة مالكاً بأنَّه يقول في الآبِقِ إذا أخَذَ
المالكُ قيمتَه مَمَّن وَجَدَه فغَصَبَهِ: أنَّ الغاصب يَملِكه، فلو مَوَّهَ الغاصِب بأنَّه مُستَمِرُّ الإباق
أو أوهَمَ موتَه، ثمَّ ظَهَرَ خِلاف ذلك فللمالكِ أخذُه،/ والحديث يَتَناول التَّمويه وغيره، ٣٣٩/١٢
ويقتضي أن يعودَ العَبد للمالك، والقيمة إن كانت ثَمَناً لم يَعُدِ العَبدُ مُطلَقاً، وإن لم تكن ثَمَناً
عادَ العَبد مُطلَقاً، وأُجيبَ بأنَّ معنى قوله: ((أموالُكم عليكم حرام)) إذا لم يقع التَّراضي، ومع

٣٣٦
باب ١٠/ ح ٦٩٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
وجود التَّمويه لم يَحصُل الرِّضا بالعِوض، بخِلَاف ما إذا لم يكن هناك تَمويه، فإنَّه يدلّ على الرِّضا
بالعِوض، وتُقَدَّر القيمة ثَمَناً.
١٠ - بابٌ
٦٩٦٧- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ كَثير، عن سفيانَ، عن هشام، عن عُرْوةَ، عن زينبَ بنتِ أمِّ سَلَمةَ،
عن أمِّ سَلَمَةَ، عن النبيِّ ◌َ، قال: ((إنَّما أنا بَشَرٌ، وإِنَّكم تَخْتَصِمون إليّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ
أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ من بعضٍ، فأقضيَ له على نحوٍ مِمّا أسمَعُ، فمَن قَضَيتُ له من أخيه شيئاً فلا يأخُذْ، فإنّما
أُقطَعُ له قِطْعٌ منَ النار)).
قوله: ((بابٌ)) كذا للأكثر بغير ترجمة، وحَذَفَه ابن بَطّال والنَّسَفيّ والإسماعيليّ، وأضافَ ابن
بَطّال حديث أمّ سَلَمة للبابِ الذي قبله، وتَعلَّقُه به ظاهرٌ جدّاً لدلالِتِه على أنَّ حُكم الحاكم لا
يُحِلُّ ما حَرَّمَه الله ورسوله، ولنَهيِهِ عن أخذه إذا كان يَعلم أنَّه في نفس الأمر لغريمِه، وعلى
الأوَّل هو كالفَصلِ من الباب الذي قبله، وإنَّما أفرَدَه لأنَّه يَشمَل الحُكمَ المذكور وغيره، وسيأتي
شرحه مُستَوفَّى في كتاب الأحكام (٧١٨١) إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((سفيان)) هو الشّوْريّ.
وقوله: ((عن هشام)) هو ابن عُزْوة، ووَقَعَ في رواية أبي داود (٣٥٨٣) عن محمَّد بن کثیر
شيخ البخاريّ فيه: حدَّثنا سفيان حدَّثنا هشام(١).
و قوله: ((عن عُزْوة)) وَقَعَ في رواية أبي داود: عن أبيه(٢).
وقوله: ((عن زينب بنت أبي سَلَمة عن أمّ سَلَمة)) هي أمّها، ووَقَعَ في ((شرح ابن بَطّال)):
(١) كذا ذكر الحافظ رحمه الله أنَّ سفيان الثوري صرّح بتحديث هشام بن عروة له في رواية أبي داود، مع أنَّ الذي
في نسخة الحافظ التي بخطه من ((سنن أبي داود)» أنه بصيغة العنعنة، وكذلك وقع في سائر الأصول الخطية
التي عندنا من ((السنن)) بصيغة العنعنة، فالله أعلم.
(٢) الذي في نسخة الحافظ التي بخطه من ((السنن)): عن عروة، لكن وقع في الأصل الخطي الذي عندنا برواية ابن
داسة كما قال الحافظ: عن أبيه، وكذلك وقع في رواية مالك عن هشام بن عروة ٧١٩/٢. وتقدمت برقم
(٢٦٨٠).

٣٣٧
باب ١١/ح ٦٩٦٨ -٦٩٦٩
كتاب الحيل
حديث زينب، فأوهَمَ أنَّه من مُسنَدها على ما جَرَت به عادتُه من الاقتصار على صحابيّ
الحدیث.
قوله: ((إنَّما أنا بَشَر)) أي: كَواحدٍ من البشر في عَدَم عِلم الغيب.
وقوله: (ولعلَّ)) هي هنا بمعنی عسى.
وقوله: ((أَلْحَنَ)) تقدَّم في المظالم بلفظ: ((أبلَغَ)) وهو بمعناه، لأنَّه من لَحَنَ بمعنى فطِنَ،
وزنه ومعناه، والمراد أنَّه إذا كان أفطَنَ كان قادراً على أن يكون أبلَغَ في حُجَّتِه من الآخَر.
وقوله: ((على نحوٍ مما أسمَع)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((ما أسمَع)) وهي موصولة.
وقوله: ((من أخيه)) أي: من حَقّ أخيه، وثَبَتَ كذلك في الطَّريق الآتي في الأحكام.
وقوله: ((فلا يأخُذ)) كذا للأكثر بحذفِ المفعول، وللكُشمِيهنيّ: ((فلا يأخُذْه)).
وقوله: ((فأَّا أَقْطَعُ له قِطعةً من النار)) أي: إن أخَذَها مع عِلمه بأنَّهَا حَرام عليه، دَخَلَ النارَ.
1
١١ - بابٌ في النّکاح
٦٩٦٨ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي سَلَمةَ،
عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لا تُنْكَحُ البِكْرُ حتَّى تُستَأْذَنَ، ولا الثَِّّبُ حتَّى تُستَأْمَرَ))
فِقِيلَ: يا رسولَ الله، کیفَ إذنُها؟ قال: ((إذا سَكَتَت)).
وقال بعضُ الناسِ: إذا لم تُستَأذَنِ البِكْرُ ولم تُزَوَّجِ، فاحتالَ رجلٌ فأقامَ شاهِدَينِ زُوراً أنَّه
تزوَّجَها بِرِضاها، فأثبتَ القاضي نِكاحَها، والزَّوْجُ يَعلَمُ أنَّ الشَّهادةَ باطلٌ، فلا بَأسَ أن يَطَأها،
وهو تَزْوِیجٌ صَحِيحٌ.
٦٩٦٩ - حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن القاسم: أنَّ امرأةً من ولدِ/ ٣٤٠/١٢
جعفرٍ تَخَوَّفَت أن يُزْوِّجَها وليُّها وهي كارهةٌ، فأرسَلَت إلى شيخَينٍ منَ الأنصار: عبدِ الرَّحمنِ
وُجُمِّعٍ ابنَي جاريةَ، قالا: فلا تَخْشَينَ، فإنَّ خَنْساءَ بنتَ خِدام أنكَحَها أبوها وهي كارهةٌ، فَرَدَّ
النبيُّ ◌َِّ ذلك.
۔

٣٣٨
باب ١١/ح ٦٩٦٨-٦٩٧١
فتح الباري بشرح البخاري
قال سفيانُ: فأما عبدُ الرَّحمنِ فسمعتُه يقول عن أبيه: أنَّ خَنْساءَ ...
٦٩٧٠ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، قال:
قال رسولُ الله وَّةِ: ((لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حتَّى تُستَأمَرَ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حتَّى تُستَأَذَنَ)) قالوا: كيفَ
إذنُها؟ قال: ((أن تَسْكُتَ)).
وقال بعضُ الناسِ : إنِ احتالَ إنسانٌ بشاهدَي زُورٍ على تَزْوِيجِ امرأةٍ تَيِّبٍ بأمرِها، فأثبتَ القاضي
نِكَاحَها إيّاه والزَّوْجُ يَعلَمُ أَنَّه لم يَتَزوَّجْها قَطُّ، فإِنَّ يَسَعُه هذا النِّكاح، ولا بَأْسَ بالمُقام له مَعها.
٦٩٧١ - حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جُرَيج، عن ابنِ أبي مُلَيكةً، عن ذَكْوانَ، عن عائشةَ
رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله وَّةِ: ((البِكْرُ تُستَأْذَنُ)) قلتُ: إنَّ الِكْرَ تَستَحْبي؟ قال:
((إذنُها صُماتُها)).
وقال بعضُ الناسِ: إِن هَوِيَ إنسانٌ جاريةً يَتِيمةً أو بِكْراً، فأبت، فاحتالَ فجاء بشاهدي
زُورٍ على أنَّه تزوَّجَها، فأدرَكَت فَرَضِيَتِ اليَتِيمةُ، فَقَبِلَ القاضي بِشَهَادِ الزّورِ، والزَّوْجُ يَعلَمُ
بُطْلان ذلك، حَلَّ له الوَطْء.
قوله: (باب في النِّكاح)) تقدَّم قريباً ((باب الحيلة في النِّكاح)) وذكر فيه الشِّغار والمتعة،
وذكر هنا ما يَتَعلَّق بشهادة الزّور في النِّكاح، وأورَدَ فيه حديث أبي هريرة واستئذان
المخطوبة من وجهَين، وقد مضى شرحُه مُستَوفَّى في كتاب النِّكاح (٥١٣٦)، ثمَّ أَوَرَدَ بعده
حديثَ خَنساء بذِكْر البِكر والثَّيِّب جميعاً، وقد تقدَّما في باب لا يجوز نِكاحُ المكرَه)) (٦٩٤٥)
قریباً، وحديث عائشة نحو حديث أبي هريرة.
الحديث الأول: قوله: ((هشام)) هو الدَّستُوائيّ.
قوله: ((لا تُنْكَح البِكْر)) أي: لا تُزوَّج.
قوله: ((وقال بعض الناس: إذا لم تُستَأذَن)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((إن)) بَدَل: ((إذا)).
قوله: ((فأقامَ شاهدَينِ زوراً) أي: شَهِدا زوراً، أو زوراً مُتعلِّق بأقام.
قوله: «فأثبتَ القاضي نكاحها» في روایة الگُشمِيهنيّ: نِكاحه، أي: بشهادتهما.

٣٣٩
باب ١١/ح ٦٩٦٨-٦٩٧١
كتاب الحيل
قوله: ((فلا بأس أن يَطَأْها)» أي: لا يأثَم بذلك مع عِلمه بأنَّ شاهدَیه كذبا.
الحديث الثاني:
قوله: ((عليّ)) هو ابن المَدِينِيّ، وسفيان: هو ابن عُيَينَةَ، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريّ.
قوله: ((عن القاسم)) في رواية محمّد بن فُضَيلٍ عن يحيى بن سعيد: حدَّثنا القاسم، أخرجه
الإسماعيليّ، والقاسم: هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدّيق.
قوله: ((أنَّ امرأةٌ من ولدِ جعفرٍ)) في رواية ابن أبي عمر عن سفيان: أنَّ امرأةً من آل جعفر،
أخرجه الإسماعيليّ، ولم أقِف على اسمها ولا على المراد بجعفرٍ، ويَغلِب على الظَّنّ أنَّه جعفر بن
أبي طالب، وَجَاسَرَ الكِرْمانيُّ فقال: المراد به جعفر الصّادِقِ بن محمَّد الباقر، وكان القاسم بن
محمَّد جَدّ جعفر الصّادِقِ لُمِّه. انتهى. وخَفيَ عليه أنَّ القصّة المذكورة وَقَعَت وجعفر الصّادِقِ
صغير، لأنَّ مَولِده سنة ثمانينَ وكانت وفاة عبد الرَّحمن بن يزيد بن جارية في سنة ثلاث وتسعينَ
من الهجرة، وقد وَقَعَ في نفس(١) الحديث أنَّه أخبر المرأةَ بحديثٍ خنساء بنت خدام، فكيف
تكون المرأة المذكورة في مثل تلك الحالة وأبوها ابن ثلاث عشرة سنة أو دونها؟
قوله: ((فأرسَلَت إلى شيخَينٍ من الأنصار)) زاد ابن أبي عمر: تُخبِرهما أنَّه ليس لأحدٍ من أمري
شيء.
قوله: (ابنَي جارية)) كذا نَسَبَهما في هذه/ الرِّواية إلى جَدِّهما، وتقدَّم في النِّكاح (٥١٣٨): ٣٤١/١٢
عن عبد الرَّحمن وُجُمِّع ابنَي يزيد بن جارية، وهو بجيمٍ وراء، ووَفَعَ هنا لبعضِهم بمُهمَلِتَينِ
ومثلَّثة، وهو تصحيف.
قوله: ((قالا: فلا تَخْشَينَ)) كذا لهم على أنَّ خِطاب للمرأة ومَن معها، وظنَّ ابن التِّين أنَّه
خطاب للمرأة وحدها، فقال: الصَّواب: فلا تَخْشَيِنَّ بكسر الياء وتشديد النّون، قال: ولو
كان بلا تأكيد لَحُذِفَتِ النّون. قلت: ووَقَعَ في رواية ابن أبي عمر: فأرسَلا إليها أن لا تَخافي،
فدَلَّ على أنَّهما خاطَبًا مَن كانت أرسَلَته إليهما، أو مَن أَرْسَلا، وعلى الحالَينِ فكان مَن أُرسِلا
في ذلك جماعة نِسوة.
(١) تحرَّف في (س) إلى: تفسير.

٣٤٠
باب ١١/ح ٦٩٦٨-٦٩٧١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فإنَّ خَنْساء بنت خِدام)) بكسر المعجَمة ودال مُهمَلة خفيفة(١)، تقدَّم في كتاب النِّكاح
بیان نَسبها وحالها.
قوله: ((قال سُفْيان: فأمَّا عبد الرَّحمن)) يعني: ابن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر.
قوله: ((فسمعته يقول عن أبيه: أنَّ خَنْساء)) يعني: أنَّه أرسَلَه، فلم يَذكُر فيه عبد الرَّحمن
ابن يزيد ولا أخاه. قلت: وأخرجه ابن أبي عمر في «مُسنَدِه)) ومن طريقه الإسماعيليّ فقال:
عن سفيان عن يحيى بن سعيد وعبد الرَّحمن بن القاسم: أنَّ خَنساء، فذكره، وقَصَّرَ في
سنده، وقد تقدَّم في النِّكاح من رواية مالك عن يحيى موصولاً، وبيان مَن أرسَلَه
والاختلاف فيه، وشرحُ الحديث مُستَوفَّى، ورواية مَن قال فيه: إنَّها كانت بِكْراً، وبيان
الصّواب من ذلك.
الحديث الثالث: تقدم التنبيه عليه.
قوله: ((وقال بعض الناس: إن احتالَ إنسانٌ بشاهدَي زُورٌ على تزويج امرأة ثَيِّب بأمرِها ... ))
إلى آخره، قال المهلَّب: اتَّفَقَ العلماء على وجوب استئذان الثَّيِّب، والأصل فيه قوله تعالى:
﴿فَلَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فدَلَّ على أنَّ النِّكَاحِ يَتَوقَّف على
الرِّضا من الزَّوجَين، وأمَرَ النبيّ ◌َِّ باستئذان الثَّيِّب، ورَدَّ نكاحَ مَن زُوِّجَت وهي كارهة،
فقول الحنفيَّة خارج عن هذا كلّه. انتهى ملخَّصاً.
الحديث الرابع: قوله: ((البِكْر تُستَأَذَن)) تقدَّم في الإكراه (٦٩٤٦) من طريق سفيان عن
ابن جُرَيج بهذا الإسناد: قلت: يا رسول الله، البِكر تُستأمَر؟ قال: ((نعم)(٢).
قوله: ((وقال بعض الناس: إن ھَويَ)) بكسر الواو، أي: أحَبَّ ((إنسانٌ)) في رواية الكُشمِيهنيّ:
رجلٌ.
(١) قدَّمْنا عند شرح الحديث (٦٩٤٥) أنَّ أصحاب كتب المشتبه ضبطوه بالذال المعجمة.
(٢) تقدم بلفظ: قلت: يا رسول الله، يُستأمَرُ النساء في أبضاعِهن؟ قال: ((نعم))، قلت: فإن البكر تُستأمَر فتستَحْبي
فتسكت ...