Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ باب ٣/ح ٦٩٢٥ كتاب استتابة المرتدين والزكاة، إذ لو سمعَه عمر لم يَحَتَجَّ على أبي بكر ولو سمعَه أبو بكر لَرَدَّ به على عمر، ولم يَحْتَجْ إلى الاحتجاج بعمومٍ قوله: ((إلّا بحَقِّه)). قلت: إن كان الضَّمير في قوله: ((بحَقِّه)) للإسلام، فمهما ثَبَتَ أنَّه من حَقّ الإسلام تناولَه، ولذلك اتَّفَقَ الصحابة على قتال مَن جَحَدَ الزكاة. ٠٤ قوله: (لَأُقاتلَنَّ مَن فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة)) يجوز تشديد ((فَرَّقَ)) وتخفيفه، والمراد بالفَرق: مَن أقَرَّ بالصلاة وأنكَرَ الزكاة جاحداً، أو مانعاً مع الاعتراف، وإِنَّا أُطلِقَ في أَوَّل القصَّة الكفرُ ليَشمَلِ الصِّنفَين، فهو في حَقّ مَن جَحَدَ حقيقةٌ، وفي حَقّ الآخرينَ مَجَازٌ تغليباً، وإنَّما قاتَلهم الصِّيق ولم يَعْذِرهم بالجهلِ لأنَّهِم نَصَبوا القتال فجَهَّزَ إليهم مَن دَعاهم إلى الرُّجوع، فلمَّا أصَرّوا قاتَلهم. قال المازَرِيّ: ظاهر السّياق أنَّ عمر كان موافقاً على قتال مَن جَحَدَ الصلاة، فألزَمَه الصِّدّيق بمِثلِه في الزكاة لوُرودِهما في الكتاب والسُّنّة مَورِداً واحداً. قوله: ((فإنَّ الزكاة حَقّ المال)) يشيرُ إلى دليل مَنع / التَّفْرِقة التي ذكرها: أنَّ حَقّ النَّفْس الصلاة ٢٧٨/١٢ وحَقّ المال الزكاة، فمَن صَلَّى عَصَمَ نفسه، ومَن زَكَّى عَصَمَ ماله، فإن لم يُصَلِّ قُوتِلَ على تَرك الصلاة، ومَن لم يُزَكِّ أُخِذَت الزكاة من ماله قَهراً، وإن نَصَبَ الحرب لذلك قويِلَ، وهذا يوضِّح أنَّه لو كان سمعَ في الحديث: ((ويُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة)) لمَا احتاجَ إلى هذا الاستنباط، لكنَّه يحتمل أن يكون سمعَه واستظهرَ بهذا الدَّليل النَّظَريّ. قوله: ((والله لو مَنَعوني عَناقاً)) تقدَّم ضبطها في ((باب أخذ العَناق في الصَّدَقة)) من كتاب الزكاة (١٤٥٦)، ووَقَعَ في رواية قُتَيبة عن اللَّيث عند مسلم (٣٢/٢١): ((عِقالاً))، وأخرجه البخاريّ في كتاب الاعتصام (٧٢٨٤ , ٧٢٨٥) عن قُتَيبة، فكَنَى بهذه اللَّفظة فقال: ((لو مَنَعوني كذا)»(١)، واختُلِفَ في هذه اللَّفظة، فقال قوم: هي وهم، وإلى ذلك أشارَ البخاريّ (١) كذلك جاءت في رواية أبي ذرِّ الهروي دون غيره من رواة البخاري، كما في اليونينية، وجاءت عند الباقين: عقالاً، کرواية مسلم. ٢٠٢ باب ٣/ح ٦٩٢٤-٦٩٢٥ فتح الباري بشرح البخاري بقولِه في ((الاعتصام)) عَقِب إيراده: قال لي(١) ابن بُكَير - يعني شيخَه فيه هنا - وعبد الله - يعني ابنَ صالح - عن اللَيث: عَناقاً. وهو أصحّ. ووَقَعَ في روايةٍ ذكرها أبو عُبيد(٢): لو مَنَعوني جَدْياً أذْوَطَ، وهو يُؤْيِّد أنَّ الرّواية: عَناقاً، والأذْوَطِ الصَّغِيرِ الفَكّ والذَّقَن، قال عِيَاض: واحتَجَّ بذلك مَن يُحيز أخذَ العَناق في زكاة الغنم إذا كانت كلّها سِخالاً، وهو أحد الأقوال، وقيل: إنَّما ذكر العَناق مُبالَغة في التَّقليل لا العَناق نفسها، قلت: والعَناق، بفتح المهمَلة والنُّون: الأُنثَى من ولد المَعْزِ. قال النَّوويّ: المراد أنَّها كانت صِغاراً، فماتت أمَّهاتها في بعض الحول، فتُزَّی بحَولِ الأُمَّهات، ولو لم يَبقَ من الأُمَّهات شيء على الصَّحيح، ويُتصوَّر فيما إذا ماتت مُعظَم الكِبار وحدثت صِغارٌ، فحالَ الحول في الكِبار على بقيّتها وعلى الصِّغار. وقال بعض المالكيَّة: العَناق والجَذَعة تُّجُزِئ في زكاة الإبل القليلة التي تُزَكَّى بالغنم، وفي الغنم أيضاً إذا كانت جَذَعة، ويُؤيِّده أنَّ في حديث أبي بُرْدة في الأُضحيَّة (٩٥٥): فإنَّ عندي عناقاً جَذَعة، وقد تقدَّم البحث في ذلك في كتاب الزكاة (١٤٥٦). وقال قوم: الرِّواية محفوظة، ولها معنَى مُتَّجِه، وجَرَى النَّوويّ على طريقته، فقال: هو محمول على أنَّه قالها مرَّتَين: مرَّة عَناقاً ومرَّة عِقالاً، قلت: وهو بعيد مع اتّحاد المخرَج والقصَّة. وقيل: العِقالُ يُطلَق على صَدَقة عامٍ، يقال: أُخِذَ منه عِقال هذا العام، يعني: صَدَقَته، حكاه المازَرِيّ عن الكِسائيّ، واسْتَشْهَدَ بقولِ الشّاعر(٣): سَعَى عِقالاً فلم يَترُك لنا سَبَداً فكيف لو قد سَعَى عَمرٌو عِقَالَينٍ (٤) (١) كذا وقع للحافظ رحمه الله متصلاً، خلافاً للذي جاء في اليونينية دون حكاية اختلاف بين رواه البخاري أنه معلَّق، يعني دون لفظة (لي))، وكذلك جاء في الأصل الخطي الذي عندنا برواية أبي ذر الهرويّ. (٢) تحرف في (س) إلى: أبو عبيدة. وإنما هو أبو عُبيد أحمد بن محمد الهرويّ صاحب ((الغريبين)). وكلامه هذا في كتابه ٢/ ٦٨٧، وقد نقله عنه ابن سِيدَه في «المحكم)) ٢٣١/٩. (٣) هو عمرو بن العَدّاء الكلبي. انظر ((العين)) ١٥٩/١، وكذا ((الفائق)) للزمخشري ١٤/٣. (٤) نصب عقالاً على الظرفية، أراد: مدةَ عقالٍ. والسَّبَد، بالتحريك: القليل من الشَّعَر. ٢٠٣ باب ٣/ح ٦٩٢٤-٦٩٢٥ كتاب استتابة المرتدين وعَمْرو المشار إليه: هو ابن عُتبةَ بن أبي سفيان، وكان عمّه معاوية بعثه ساعياً على الصَّدَقات، فقيلَ فیه ذلك. ونَقَلَ عِيَاض عن ابن وهب: أَنَّه الفريضة من الإبل، ونحوه عن النَّضر بن شُمَيلٍ، وعن أبي سعيد الضَّرير: العِقال: ما يُؤخَذ في الزكاة من أنعام وثمار، لأنَّه عُقِل عن مالكها. وقال المبرِّد: العِقال: ما أخَذَه العامل من صَدَقة بعَيْنِها، فإن تَعَوَّضَ عن شيء منها قيل: أخَذَ نَقْداً، وعلى هذا فلا إشكال فيه. وذهب الأكثر إلى حَمل العِقال على حقيقته، وأنَّ المراد به: الحبل الذي يُعقَل به البعير، نَقَلَه عِيَاض عن الواقديّ عن مالك وابن أبي ذِئْب قالا: العِقال: عِقال الناقة. وقال أبو عُبيد: العِقال: اسمٌ لما يُعقَل به البعير، وقد بَعَثَ النبيّ ◌َّ محمَّد بن مَسلَمَةَ على الصَّدَقة، فكان يأخُذ مع كلّ فريضة عِقالاً(١). وقال النَّوويّ: ذهب إلى هذا كثير من المحَقِّقينَ. وقال ابن التَّيميّ في ((التَّحرير)): قولُ مَن فَسَّرَ العِقال بفَريضة العام تَعَشُّف، وهو نحو تأويل مَن حَمَلَ البيضة والحبل في حديث لَعن السارق على بيضة الحديد وحَبْل السَّفينة - قلت: وقد تقدَّم بيان ذلك في (باب حَدّ السَّرِقة))(٢) - إلى أن قال: وكلّ ما كان في هذا السّياق أحقَرَ كان أبلَغَ، قال: والصَّحيح أنَّ المراد بالعِقال: ما يُعقَل به البعير، قال: والدَّليل على أنَّ المراد به المبالَغة قوله في الرّواية الأُخرى: ((عَناقاً))، وفي الأُخرى: ((جَدْياً))، قال: فعلى هذا فالمراد بالعِقال قَدْرُ قیمته، قال النووي: وهذا هو الصَّحیح الذي/ لا ينبغي غيره. وقال عِيَاض: احتَجَّ به بعضُهم على جواز أخذ الزكاة في عُروض التِّجارة، وفيه بُعْدٌ، والرَّاجح أنَّ العِقال لا يُؤخَذ في الزكاة لوجوبِهِ بعَينِهِ، وإنَّما يُؤْخَذ تَبَعاً للفَريضة التي تُعقَل ٢٧٩/١٢ (١) حكاه أبو عُبيد في ((غريب الحديث)) ٣/ ١٢٠ عن شيخه الواقدي، ولم يُسنده، لكن لفظه: أنَّ محمد بن مسلمة كان يعمل على الصدقة في عهد رسول الله وسير، فكان يأمر الرجل إذا جاء بفريضتين أن يأتي بعِقالَيهما وقِرانيهما، ويروي أنَّ عمر بن الخطاب كان يأخذ مع كل فريضة عقالاً ورٍواءً ... (٢) بل أحال الحافظ في الباب المذكور على بيانه في باب سابق. يعني في باب لعن السارق عند شرح الحديث (٦٧٨٣). ٢٠٤ باب ٣/ح ٦٩٢٤-٦٩٢٥ فتح الباري بشرح البخاري به، أو أنَّه قال ذلك مُبالَغة على تقدير أن لو كانوا يُؤَدّونَه إلى النبيّ وََّ، وقال النَّوويّ: يَصِحّ قَدْر قيمة العِقال في زكاة النَّقد وفي المعدِن والرِّكاز والمعَشَرات وزكاة الفِطْر، وفيما لو وَجَبَت سِنٌّ فَأَخَذَ الساعي دونه، وفيما إذا كانت الغنم سِخالاً، فمَنَعَ واحدةً وقيمتُها عِقالٌ. قال: وقد رأيتُ كثيراً ممّن يَتَعانَى الفقه يَظُنّ أنَّه لا يُتصوَّر، وإنَّما هو للمُبالَغة، وهو غلط منه. وقد قال الخطَّابيّ: حَلَه بعضهم على زكاة العِقال إذا كان من عُروض التِّجارة، وعلى الحَبْل نفسه عند مَن يُجيز أخذ القِيَم، وللشّافعيِّ قول: أنَّه يَتَخَيَّر بين العَرْض والنَّقْد، قال: وأظهَرُ من ذلك كلّه قول مَن قال: إنَّه يجب أخذ العِقال مع الفريضة كما جاء عن عائشة (١): كان من عادة المُصَدِّق(٢) أن يَعمِد إلى قَرَن - بفتح القاف والرَّاء، وهو الحبل - فيَقْرُن به بين بعيرَينِ لئلّا تَشرُد الإبل، وهكذا جاء عن الزُّهْريّ. وقال غيره: في قول أبي بكر: لو مَنَعوني عِقالاً كانوا يُؤَدّونَه إلى رسول الله وَّهِ، غُنْيَةٌ عن حَمله على المبالَغة. وحاصله أنَّهم متى مَنَعوا شيئاً كانوا يُؤَدّونَه إلى رسول الله ◌ُله ولو قَلَّ، فقد مَنَعوا شيئاً واجباً، إذ لا فرق في مَنع الواجب وجَحده بين القليل والكثير، قال: وهذا يُغني عن جميع التَّقادير والتَّأويلات التي لا يَسْبِقِ الفَهْم إليها، ولا يُظنّ بالصِّدّيق أنَّه یقصِد إلى مثلها. قلت: الحامل لمن حَمَلَه على المبالَغة أنَّ الذي تَمَّل به في هذا المقام لا بدّ وأن یکون من چِنس ما يَدخُل في الحُكم المذكور، فلذلك حَلوه على المبالَغة، والله أعلم. قوله: ((فوالله ما هو إلّا أن رأيتُ أنَّ الله قد شَرَحَ صَدْر أبي بكر للقتال، فعَرَفْت أنَّه الحقّ)) أي: ظَهَرَ له من صِحّة احتجاجه، لا أنَّه قَلَّدَه في ذلك. (١) كذا وقع في (أ) و(س)، وسقط من (ع) فلم نتبيّن ما فيها، وهو خطأً، صوابه: ابن عائشة كذلك نقله عنه الخطابي في ((معالم السنن)) ٢/ ١٢، والبغوي في ((شرح السنة)) ٤٩٤/٥، والنووي في (شرح مسلم)) ٢٠٩/١ وهو عُبيد الله ابن محمد بن حفص، وسمي بابن عائشة لأنه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد الله. (٢) تحرف في (س) إلى: المتصدق، والمصدَّق هو عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها. ٢٠٥ باب ٣/ح ٦٩٢٤-٦٩٢٥ كتاب استتابة المرتدين وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم في كتاب الإيمان: الاجتهاد في النَّوازِل، ورَدّها إلى الأُصول، والمناظَرة على ذلك، والُّجوع إلى الرَّاجح، والأدب في المناظَرة بتَركِ التَّصريح بالتَّخطِئَة، والعُدول إلى التَّلَطَّف، والأخذ في إقامة الحُجّة إلى أن يظهر للمُناظر، فلو عانَدَ بعد ظُهورها فحينئذٍ يَستَحِقّ الإغلاظ بحَسَبٍ حاله. وفيه الخَلِف على الشَّيء لتأكيدِه. وفيه مَنعُ قتل مَن قال: لا إله إلّا الله ولو لم يَزِد عليها، وهو كذلك، لكن هل يصير بمُجرَّدٍ ذلك مسلماً؟ الرَّاجح: لا، بل يجب الكَفّ عن قتله حتَّى يُخْتَبَر، فإن شَهِدَ بالرِّسالة والتَزَمَ أحكام الإسلام حُكِمَ بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناءِ به بقوله: ((إلّا بحَقِّ الإسلام))(١). قال البَغَويُّ: الكافر إذا كان وثَّاً أو ثَنَويّاً لا يُقِرّ بالوَحدانيَّة، فإذا قال: لا إله إلّا الله، حُكِمَ بإسلامه، ثمَّ يُحِبَر على قَبُول جميع أحكام الإسلام، ويَبْرأ من كلّ دين خالَفَ الإسلام، وأمَّا مَن كان مُقِرّاً بالوحدانيَّة مُنكِراً للنُّبّة، فإنَّه لا يُحكَم بإسلامه حتَّى يقول: محمَّد رسول الله، فإن كان يَعْتَقِّد أنَّ الرِّسالة المحمَّديَّة إلى العرب خاصّة، فلا بُدَّ أن يقول: إلى جميع الخلق، فإن كان كفرَ بجُحودٍ واجبٍ أو استباحة مُحَّمِ، فيحتاج أن يَرجِع عَّ اعتَقَدَه. ومُقتَضى قوله: ((يُحبَ)) أنَّه إذا لم يَلْتَزِمِ تُّجْرَى عليه أحكامُ المرتَدّ، وبه صَرَّحَ القَفّل، واستَدَلَّ بحديثِ الباب، فادَّعَى أنَّه لم يَرِد في خبر من الأخبار: ((أُمِرت أن أُقاتل الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلّا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، أو أنّي رسول الله)) كذا قال، وهي غَفلة عظيمة، فالحديث في ((صحيحَي)) البخاريّ (٢٥) ومسلم (٢٢) في كتاب الإيمان من كلّ منهما من رواية ابن عمر بلفظ: ((حتَّى يَشْهَدوا أن لا إله إلّ الله وأنَّ محمَّداً رسول الله)). ويحتمل أن يكون المراد بقولِه: لا إله إلّا الله هنا: التلفُّظ بالشَّهادَتَينِ، لكونها صارت عَلَماً على ذلك، ويُؤْيِّده وُرودُهما صريحاً في الطُرق الأُخرى. واستُدِلَّ به على أنَّ الزكاة لا تَسقُط عن المرتَدّ. وتُعقّبَ بأنَّ المرتَدّ كافر والكافرَ لا يُطالَب (١) هذا لفظ رواية ابن عمر المتقدمة برقم (٢٥)، وأما لفظ رواية حديث الباب فهي: ((إلا بحقه)). ٢٠٦ باب ٤/ ح ٦٩٢٦ فتح الباري بشرح البخاري ٢٨٠/١٢ بالزكاة، وإِنَّمَا يُطالَب بالإيمان، وليس في فعل / الصِّدّيقِ حُجّةٌ لما ذُكِرَ، وإنَّما فيه قتال مَن مَنَعَ الزكاة، والذينَ تَمَسَّكوا بأصلِ الإسلام ومَنَعوا الزكاة بالشُّبهة التي ذَكَروها، لم يُحكَم عليهم بالكفرِ قبل إقامة الحُجّة. وقد اختَلَفَ الصحابة فيهم بعد الغَلَبة عليهم: هل تُغَم أموالهم وتُسبَى ذَرارِيِّهم كالكفّار، أو لا کالبُغاة؟ فرأى أبو بكر الأوَّل وعَمِلَ به، وناظَرَه عمر في ذلك كما سيأتي بيانه في کتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، وذهب إلى الثّاني، ووافَقَه غيره في خِلَافَته على ذلك، واستَقرَّ الإجماع عليه في حَقّ مَن جَحَدَ شيئاً من الفرائض بشُبهةٍ، فيُطالَب بالرُّجوع، فإِن نَصَبَ القتال قُوتِلَ وأُقيمت عليه الحُجّة، فإن رَجَعَ وإلّا عُومِلَ مُعامَلة الكافر حينئذٍ، ويقال: إنَّ أصبَغَ من المالكيَّة استَقَرَّ على القول الأوَّل، فعُدَّ من نُدْرة المخالف. وقال القاضي عياض: يُستَفاد من هذه القصَّة أنَّ الحاكم إذا أدّاه اجتهادُه في أمرٍ لا نَصَّ فيه إلى شيءٍ، تجب طاعته فيه، ولو اعتَقَدَ بعضُ المجتَهِدينَ خِلَافَه، فإن صارَ ذلك المجتَهِدُ المعتَقِدُ خِلَافَه حاكماً وجَبَ عليه العمل بما أدّاه إليه اجتهادُه، وتَسُوغُ له مُخالَفة الذي قبله في ذلك، لأنَّ عمر أطاعَ أبا بكر فيما رأى من حَقّ مانعي الزكاة مع اعتقاده خِلافه، ثمَّ عَمِلَ في خِلَافَته بما أدّاه إليه اجتهادُه، ووافَقَه أهلُ عَصرِه من الصحابة وغيرهم، وهذا ممّا يُنَبَّه عليه في الاحتجاج بالإجماع السُّكوتيّ، فَيُشْتَرَط في الاحتجاج به انتفاءُ مَوانع الإنكار، وهذا منها. وقال الخطّابِيّ: في الحديث أنَّ مَن أظهَرَ الإسلام أُجِيَت عليه أحكامُه الظّاهرةُ، ولو أسَرَّ الكفرَ في نفس الأمر. ومحلّ الِلَاف إنَّما هو فيمَن الطُّلِعَ على مُعتَقَدِهِ الفاسد، فأظهَرَ الرُّجوعَ، هل يُقْبَل منه أو لا؟ وأمَّا مَن جُهِلَ أمرُه فلا خِلاف في إجراء الأحكام الظّاهرة عليه. ٤- بابٌ إذا عرَّض الذّمّيُّ وغيرُه بسب النبيّ وَّه ولم يصرّح، نحو قوله: السَّام علیکم ٦٩٢٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلِ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبةُ، عن هشامِ بنِ زيدِ بنِ أنسِ بنِ مالكٍ، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقول: مرَّ يهوديٌّ برسولِ الله وَلِّ، فقال: ٢٠٧ باب ٤/ح ٦٩٢٦ -٦٩٢٨ كتاب استتابة المرتدين السَّامُ عليكَ، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وعليكَ))، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: «أتذْرُونَ ماذا يقول؟ قال: السَّامُ عليكَ)) قالوا: يا رسولَ الله، ألا نَقْتُلُه؟ قال: ((لا، إذا سَلَّمَ عليكم أهلُ الكتاب، فقولوا: وعلیکم)). ٦٩٢٧ - حدّثنا أبو نُعَيم، عن ابنِ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ منَ اليهودِ على النبيِّ وَّهِ، فقالوا: السامُ عَلَيكُم، فقلتُ: بل عليكمُ السامُ واللَّعْنَةُ، فقال: ((يا عائشةٌ، إنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمرِ كلِّه)) قلتُ: أوَلم تَسْمَع ما قالوا؟ قال: «قلتُ: وعلیکم)). ٦٩٢٨- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ ومالكِ بنِ أنسٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِينارٍ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما يقول: قال رسولُ الله ◌َّةَ: ((إنَّ اليهودَ إذا سَلَّموا على أحدِكم، إنَّما يقولون: سامٌ عَلَيكُم، فقُل: عَلَيْكُم)). قوله: ((باب إذا عَرَّضَ الذِّمَيُّ أو غيره)) أي: المعاهَد، ومَن يُظهِر الإسلام. قوله: ((بسَبِّ النبيّ ◌َّ)) أي:/ وتنقيصِه. ٢٨١/١٢ وقوله: ((ولم يُصرِّح)) تأكيدٌ، فإنَّ التَّعريض خِلَافُ التَّصريح، وقد تقدَّم بيانه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. قوله: ((نحو قوله: السَّام عليكم)) في رواية الكُشمِيهنيّ: ((السَّامُ عليك)) بالإفراد، وكذا وَقَعَ في حديثَي عائشة وابن عمر في الباب، ولم يُخْتَلَف في حديث أنس في لفظ: ((عليك)) بالإفراد، وتقدَّمَت الأحاديث الثلاثة مع شرحها في كتاب الاستئذان (٦٢٥٦-٦٢٥٨). واعتُرِضَ بأنَّ هذا اللَّفظ ليس فيه تعريض بالسَّبّ، والجواب أنَّه أطلقَ التَّعريضَ على ما يُخالف النَّصريحَ، ولم يُرِدِ التَّعريضَ المصطَلَحَ، وهو أن يستعمل لفظاً في حقيقته يُلَوِّحُ به إلى معنَى آخرَ يَقصِده. وقال ابن المنّيِّر: حديث الباب يُطابِقِ التَّرجمة بطريق الأَولى، لأنَّ الجَرح أشدُّ من السَّبّ، فكأنَّ البخاريّ يختار مذهب الكوفيّينَ في هذه المسألة. انتهى ملخَّصاً، وفيه نظر، لأنَّه لم يَبْتَّ(١) (١) تحرَّف في (س) إلى: يبيت. ٢٠٨ باب ٤/ ح ٦٩٢٦ -٦٩٢٨ فتح الباري بشرح البخاري الحُكم، ولا يَلزَم من تَركه قَتْلَ مَن قال ذلك لمَصلَحة التَّأليف أن لا يجبَ قتلُه حيثُ لا مَصلَحة في تركه، وقد نَقَلَ ابن المنذر الاتِّفاقَ على أنَّ مَن سَبَّ النبيّ وَّ صريحاً وجَبَ قتلُه. ونَقَلَ أبو بكر الفارسيّ أحد أئمَّة الشافعيَّة في كتاب ((الإجماع)) أنَّ مَن سَبَّ النبيّ ◌َل مَّا هو قَذْفٌ صريحٌ كَفرَ باتِّفاق العلماء، فلو تابَ لم يَسقُط عنه القتل، لأنَّ حَدَّ قَذفه القتلُ، وحَدّ القَذف لا يَسقُط بالتَّوبة، وخاَفَه القَفّال فقال: كفرَ بالسَّبّ، فَيَسقُط القتلُ بالإسلام. وقال الصَّيدَلانيّ: يَزول القتل ويجب حَدّ القَذف، وضَعَّفَه الإمام. فإن عَرَّضَ فقال الخطّابِيّ: لا أعلمُ خِلَافاً في وجوب قتله إذا كان مسلماً. وقال ابن بَطّال: اختَلَفَ العلماء فيمَن سَبَّ النبيّ وَّهُ فأمَّا أهل العهد والدِّمّة كاليهود، فقال ابن القاسم عن مالك: يُقتَل إلّا أن يُسلم، وأمَّا المسلم فيُقتَل بغير استتابة. ونَقَلَ ابن المنذر عن اللَّيث والشافعيّ وأحمد وإسحاق مِثله في حَقّ اليهوديّ ونحوه، ومن طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعيِّ ومالك في المسلم: هي رِدّة يُستَتّاب منها، وعن الكوفيّينَ: إن كان ذِمّاً عُزِّرَ، وإن كان مسلماً فهي رِدّة. وحكى عِيَاض خِلَافاً: هل كان تَركُ قَتْلِ (١) مَن وَقَعَ منه ذلك لعَدَمِ التَّصريح أو لمَصلَحة التَّأليف؟ ونَقَل عن بعض المالكيَّة: أنَّه إنَّما لم يَقتُل اليهود في هذه القصَّة لأنَّهم لم تَقُم عليهم البيَِّةُ بذلك، ولا أقَرُّوا به فلم يَقضِ فيهم بعِلْمِه، وقيل: إنَّهم لمَّا لم يُظهِروه ولَوَوْه بألسِنَتِهِم تَرَكَ قتلَهم. وقيل: إنَّه لم يَحمِل ذلك منهم على السَّبّ، بل على الدُّعاء بالموت الذي لا بدَّ منه، ولذلك قال في الردّ عليهم: ((وعليكم)) أي: الموتُ نازِلٌ علينا وعليكم، فلا معنى للدُّعاءِ به، أشارَ إلى ذلك القاضي عِيَاض، وتقدَّمَت الإشارة إليه في الاستئذان، وكذا مَن قال: ((السَّأم)) بالهمز بمعنى السَّآمة، هو دعاء بأن يَمَلُّوا الدِّين، وليس بصريحٍ في السَّبّ، والله أعلم. (١) لفظة ((قتل)) سقطت من (س). ٢٠٩ باب ٥/ح ٦٩٢٩ كتاب استتابة المرتدين وعلى القول بوجوبٍ قَتْل مَن وَقَعَ منه ذلك من ذِمّيّ أو مُعاهَد، فتُرِكَ لمَصلَحة التَّأليف هل يَنْتَقِض بذلك عَهْدُه؟ مَحَلّ تأمُّل. واحتَجَّ الطَّحَاويُّ لأصحابِهِم بحديثِ الباب، وأَيَّدَه بأنَّ هذا الكلام لو صَدَرَ من مسلم لكان رِدّةً، وأمَّا صُدوره من اليهود، فالذي هم عليه من الكفر أشدُّ منه، فلذلك لم يقتلهم النبيُّ وَله. وتُعقّبَ بأنَّ دِماءَهم لم تُحقَن إلّا بالعهد، وليس في العهد أنَّهم يَسُبّونَ النبيّ ◌ََّ، فمَن سَبَّه منهم تَعَدَّى العهدَ فيَنتَقِض، فيصير كافراً بلا عهْدٍ، فيَهدُر دمُه إلّا أن يُسلم، ويُؤَيِّده أنَّه لو كان كلّ ما يَعتَقِدونَه لا يُؤاخَذونَ به، لكانوا لو قتلوا مسلماً لم يُقتَلوا، لأنَّ من مُعتَقَدهم حِلَّ دِماء المسلمين، ومع ذلك لو قَتل أحدٌ منهم مسلماً قُتِلَ، فإن قيل: إنَّما يُقتَل بالمسلم قِصاصاً بدليلٍ أَّه يُقتَل به ولو أسلَمَ، ولو سَبَّ ثمَّ أسلَمَ لم يُقتَل. قلنا: الفَرق بينهما أنَّ قتل المسلم يَتَعلَّق بحَقِّ آدميٍّ فلا يُهدَر، وأمَّا السَّبّ فإنَّ وجوب القتل به يَرجِع إلى حَقٌّ الدِّين، فيَهدِمه الإسلامُ، والذي يظهر أنَّ تَرك قتل اليهود إنَّما كان لمَصلَحة التَّأليف، أو الكَونِهِم لم يُعْلِنوا به، أو لهما جميعاً، وهو أَولى، والله أعلم. ٥- باب ٦٩٢٩ - حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثْنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني شَقِيقٌ، قال: قال ٢٨٢/١٢ عبدُ الله: كأنِّي أَنظُرُّ إلى النبيِّ ◌َّه يَحْكي نبيّاً منَ الأنبياءِ ضَرَبَه قومُه، فأدمَوْه، فهو يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجهِهِ، ويقول: ((رَبِّ اغْفِر لقومي، فإنَّهم لا يَعلَمونَ». قوله: ((باب)) كذا للأكثر بغير ترجمة، وحَذَفَه ابن بَطّال فصارَ حديثُ ابن مسعود المذكور فيه من جملة الباب الذي قبله، واعتُّرِضَ بأنَّه إنَّما وَرَدَ في قوم كفَّارِ أهلِ حرْبٍ، والنبيّ ◌َِّ مأمور بالصَّيرِ على الأَذَى منهم، فلذلك امتَثَّلَ أمر رَبّه. قلت: فهذا يقتضي ترجيح صنيع الأكثر مِن جَعله في ترجمة مُستَقِّة، لكن تقدَّم التَّنبيه على أنَّ مِثل ذلك وَقَعَ كالفَصلِ من الباب الذي قبله، فلا بُدَّله من تَعلَّق به في الجملة، والذي يظهر أنَّه أشارَ بإيرادِه إلى ترجيح القول: بأنَّ تَرك قتل اليهود لمَصلَحة التَّأليف، لأنَّه إذا لم ٢١٠ باب ٥/ح ٦٩٢٩ فتح الباري بشرح البخاري يُؤاخِذِ الذي ضَرَبَه حتَّى جَرَحَه بالدُّعاءِ عليه ليَهلِك، بل صَبَرَ على أذاه، وزاد فدَعَا له، فلأن يَصبِر على الأذى بالقولِ أَولى، ويُؤخَذ منه تَرك القتل بالتَّعريضِ بطريق الأَولى. وقد تقدَّم شرحُ حديث ابن مسعود المذكور في غزوة أُحُد من كتاب المغازي(١)، وحفص المذكور في السَّند: هو ابن غياث، وشَقِيق: هو ابن سَلَمة أبو وائل، والسَّند كلّه كوفيّونَ. وقوله: ((قال عبد الله)) يعني: ابن مسعود، ووَقَعَ في رواية مسلم (١٧٩٢) من طريق وكيع عن الأعمش عن أبي وائل: عن عبد الله. قوله: ((يَخْكي نبيّاً من الأنبياء)» تقدَّم في ذِكْر بني إسرائيل من أحاديث الأنبياء (٣٤٧٧) هذا الحديث بهذا السَّند، وذكرت فيه من طريق مُرسَلة - وفي سنِدِها مَن لم يُسمَّ - مَن سَمَّی النبيَّ المذكورَ نوحاً عليه السلام، ثمَّ وَقَعَ لي من رواية الأعمَش بسندٍ له مضموماً إلى روايته بسندٍ حديث الباب، أخرجه ابن عساكر في ترجمة نوح عليه السلام من «تاريخ دِمَشق)) (٢٤٧/٦٢) (٢) من رواية يعقوب بن عبد الله الأشعَريّ عن الأعمَش عن مجاهد عن عُبيد بن عُمَير قال: إن كان نوعٌ لَيَضرِبُه قومُه حتَّى يُغمَى عليه، ثمَّ يُفيق فيقول: اهدِ قومي فإنَّهم لا يعلمونَ، وبه عن الأعمش عن شَقِيق عن عبد الله، فذكر نحو حديث الباب، وتقدَّم هناك أيضاً قول القُرطُبيّ: إنَّ النبيّ ◌َّ هو الحاكي والمحكيّ عنه، ووجه الردّ علیه. وتقدَّم في غزوة أُحُد بيان ما وَقَعَ له ◌َّرَ من الجِراحة في وجهه يوم أُحُد، وأنَّه ◌ِّ قال أوَّلاً: (كيف يُفْلِحِ قومٌ دَمُّوْا وجه نبيّهم؟)) فإنه قال أيضاً: ((اللهمَّ اغْفِرْ لقومي فإنَّهم لا يعلمونَ))، وأنَّ عند أحمدَ (٤٠٥٧) من رواية عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود: أنَّه وَلَلـ قال نحو ذلك يوم حُنَينٍ لمَّا ازدَحَموا عليه عند قِسْمة الغنائم. (١) يعني الكلام على شجة النبي وَي﴿ وإصابته يوم أحد، وذلك بين يدي الحديث (٤٠٦٩)، وعند شرح الأحاديث (٤٠٧٣ - ٤٠٧٦) عن عدة من الصحابة. (٢) ومن قَبْلِ ابن عساكر أخرجه ابنُ أبي شيبة ٤٤٣/١٣، وأحمد بن حنبل في ((الزهد)) ص ٥٠ عن أبي معاوية عن الأعمش، وأحمد ص ٥٠ من طريق سفيان الثوري، عن الأعمش. ٢١١ باب ٦ كتاب استتابة المرتدين قوله: ((فهو يَمْسَح الدَّم عن وَجْهه)) في رواية عبد الله بن نُمَير عن الأعمَش(١) عند مسلم في هذا الحديث: عن جَبينه، وقد تقدَّم في غزوة أُحُد بيانُ أنَّه شُجَّ ◌َّهِ وَكُسِرَت رَباعِيَتُه، وشرحُ ما وَقَعَ في ذلك مبسوطاً، ولله الحمد. ٦ - باب قتلِ الخوارج والملحِدين بعد إقامة الحجّة عليهم وقولِ الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وكان ابنُ عمَرَ يراهم شِرارَ خلقِ الله، وقال: إنَِّمُ انطَلَقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفَّار، فجَعَلوها على المؤمنينَ. قوله: ((باب قتلِ الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وقول الله تعالى: ﴿ وَمَا ٢٨٣/١٢ كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَنهُمْ حَتَّى يُبَيْنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾)) أما الخوارج فهم جمع خارِجة، أي: طائفة، وهم قومٌ مُبتدِعُون، سُمّوا بذلك لخروجهم عن الدِّين، وخُروجِهم على خِيار المسلمين، وأصلُ بِدْعتهم فيما حكاه الرافعي في ((الشرح الكبير)): أنهم خرجوا على عليٍّ ◌َّ حيث اعتقدوا أنه يعرفُ قَتَلَةَ عثمانَ عَ﴾، ويقدِرُ عليهم ولا يَقتصُّ منهم، لِرِضاه بقَتْلِه، أو مُواطأتِه إياهم. كذا قال، وهو خلافُ ما أطبقَ عليه أهلُ الأخبار، فإنه لا نِزَاع عندهم أن الخوارج لم يُطلَبُوا بِدَم عثمانَ، بل كانوا يُنكِرون عليه أشياءَ ويتبرَّؤون منه، وأصلُ ذلك أنَّ بعضَ أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان، فطَعَنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم: القُرَّاء لشدة اجتهادِهم في التِّلاوة والعِبادة، إلا أنهم كانوا يتأوَّلون القرآنَ على غير المراد منه، ويَسْتبِدُّون برأيهم ويَتنطَّعون في الزُّهد والخشوع وغيرِ ذلك، فلما قُتْل عثمان قاتَلُوا مع عليٍّ، واعتقدوا كُفر عثمانَ ومن تابَعه، واعتقدوا إمامة عليٍّ وكفرَ من قاتله من أهل الجمل الذين كان (١) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله، لأنَّ مسلماً روى الحديث (١٧٩٢) عن محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع عن الأعمش، وليس هو من رواية عبد الله بن نمير الأب، ورواه مسلم أيضاً عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن وكيع ومحمد بن بشر عن الأعمش، ولفظة ((جبينه)) في رواية ابن أبي شيبة. ٢١٢ باب ٦ فتح الباري بشرح البخاري رئيسُهم طلحةَ والزبيرَ، فإنهما خرجا إلى مكةَ بعد أن بايعا عليّاً فلقيا عائشةَ، وكانت حجَّتْ تلك السنة، فاتفقوا على طلب قَتَلَة عثمان، وخرجوا إلى البصرة يَدعُون الناسَ إلى ذلك، فبلغ عليّاً فخرجَ إليهم فوقَعتْ بينهم وَقعةُ الجمل المشهورة، وانتصر عليٌّ وقُتل طلحةُ في المعركة، وقُتل الزبير بعد أن انصرَفَ من الوقعة. فهذه الطائفةُ هي التي كانت تطلبُ بدم عثمان بالاتفاق، ثم قام معاويةُ بالشام في مثل ٢٨٤/١٢ ذلك، وكان أميرَ الشام إذ ذاك، وكان عليٌّ أرسلَ إليه لأنْ/ يُبايع له أهلُ الشام، فاعتلَّ بأن عُثمان قُتِل مظلوماً، وتجبُ المبادرةُ إلى الاقتصاص من قَلَتِهِ، وأنه أقوى الناس على الطَّلب بذلك، ويلتَمِس من عليٍّ أن يُمكِّنَه منهم ثم يُبابِع له بعد ذلك، وعليٌّ يقول: ادخُلْ فيما دخَلَ فيه الناسُ وحاكمْهم إليّ، أحكمْ فيهم بالحقّ. فلما طال الأمرُ خرج عليٌّ في أهل العراق طالباً قتالَ أهل الشام، فخرج معاويةُ في أهل الشام قاصداً إلى قتاله، فالْتَقيا بصِفِّين، فدامت الحربُ بينهما أشهراً، وكادَ أهلُ الشام أن ینکسِروا، فرفعوا المصاحِفَ على الرِّماح، ونادَوْا: ندعو کم إلی کتاب الله تعالى، وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاويةَ، فترك جمعٌ كثيرٌ ممن كان مع عليٍّ وخصوصاً القُرَّاء القتالَ بسبب ذلك تديُّناً، واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿أَلَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَبِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [آل عمران:٢٣]، فراسَلُوا أهلَ الشام في ذلك، فقالوا: ابعثوا حَكَماً منكم وحَكَماً منا، ويحضُرُ معهما من لم يُباشِر القتال، فمن رأوا الحقَّ معه أطاعُوه، فأجاب عليٌّ ومن معه إلى ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطائفةُ التي صاروا خوارجَ، وكتب عليٌّ بينه وبين معاوية كتابَ الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قاضَى عليه أميرُ المؤمنين عليٌّ معاويةً. فامتنع أهلُ الشام من ذلك وقالوا: اكتبوا اسمه واسمَ أبيه، فأجاب عليٌّ إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضاً، ثم انفصل الفريقان على أن يحضُرَ الْحَكَمان ومَن معهما بعد مدةٍ عَيَّوها في مكانٍ وَسَطٍ بين الشام والعراق، ويرجعَ العَسْكران إلى بلادهم إلى أن يقعَ الحكم، فرجع معاويةٌ ٢١٣ باب ٦ كتاب استتابة المرتدين إلى الشام، ورجع عليٌّ إلى الكوفة، ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف، وقيل: كانوا أكثرَ من عَشَرة آلاف، وقيل: ستة آلافٍ، ونزلوا مكاناً يقال له: حَرُورَاء - بفتح المهملة وراءين الأولى مضمومة - ومن ثَمَّ قیل لهم: الحَرُوريَّة، وکان کبیرُهم عبد الله بن الكوَّاء - بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد - الْيَشْكُري، وشَبَث - بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة - التَّمِيمي. فأرسل إليهم عليٌّ ابنَ عباسٍ فناظَرَهم، فرجع كثيرٌ منهم معه، ثم خرج إليهم عليٌّ فأطاعُوه ودخلوا معه الكوفةَ معهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن عليّاً تاب من الحكومة، ولذلك رجعُوا معه فبلغ ذلك عليّاً، فخطب وأنكر ذلك، فتنادَوْا من جوانب المسجد: لا حُكْم إلّا لله، فقال: كلمةُ حقِّ يُراد بها باطلٌ، فقال لهم: لكم علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا مِن رِزْقِكم من الفَيْء، ولا نبدؤكم بقتالٍ ما لم تُحدِثوا فساداً، وخرجوا شيئاً بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم عليٌّ في الرُّجوع، فأصرُّوا على الامتناع حتى يشهَدَ على نفسه بالكفر لرضاهُ بالتحکیم ویتوب، ثم راسَلهم أيضاً، فأرادُوا قتلَ رسوله. ثم اجتمعُوا على أن من لا يعتقِدُ معتقَدَهم يَكفُر، ويُباح دمُه ومالُه وأهلُه، وانتقلوا إلى الفعل فاستعْرَضُوا الناسَ، فقتَلُوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومرَّ بهم عبدُ الله بن خبَّاب ابن الأرتِّ وكان والياً لعليٍّ على بعض تلك البلاد، ومعه سُرِّية وهي حاملٌ، فقتلوه وبَقَرُوا بطنَ سُرِّيَّته عن ولد، فبلغ عليّاً، فخرج إليهم في الجيش الذي كان مَيّه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بالنَّهْرَوان، ولم ينجُ منهم إلَّ دونَ العَشَرة، ولا قُتْل ممن معه إلَّ نحوُ العَشَرة، فهذا ملخَّص أولِ أمرهم. ثم انضمَّ إلى مَن بقي منهم مَن مَال إلى رأيهم، فكانوا مُتَفِين في خلافة عليٍّ، حتى كان منهم عبد الرحمن بن مُلْجِمٍ الذي قتل عليّاً بعد أن دخل عليٌّ في صلاة الصبح. ثم لمَا وقع صُلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفةٌ، فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له: النُّخَيْلة(١)، ثم كانوا مُنقَمِعِينَ في إمارة زيادٍ وابنه عُبيدِ الله على العراق طولَ مُدَّةٍ (١) النُّخَيْلة: تصغير نخلة، موضع قريب من الكوفة. ٢١٤ باب ٦ فتح الباري بشرح البخاري معاوية وولدِه يزيد، وظَفِرَ زيادٌ وابنُه منهم بجماعة فأبادهم بين قَتْلِ وحَبْسٍ طويلٍ، فلما مات يزيد ووقع الافتراق، ووَلِيَ الخلافةَ عبدُ الله بن الزُّبير، وأطاعه أهلُ الأمصارِ إلَّا بعضَ أهل الشام، ثار مروانُ فاذَّعى الخلافةَ وغلب على جميع الشام إلى مصر، فظهر الخوارجُ حينئذٍ ٢٨٥/١٢ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليَمامة مع نَجْدَةَ بنِ عامر،/ وزاد نجدَة على معتقد الخوارج: أن من لم يخرُجْ ويُحارِبِ المسلمين فهو كافرٌ، ولو اعتقد معتقَدَهم. وعَظُم البلاءُ بهم وتوسَّعوا في معتقدِهم الفاسد، فأبطَلُوا رجمَ المحصَن، وقطعوا يدَ السارق من الإبْط، وأوجبوا الصلاةَ على الحائض في حال حَيْضها، وكَفَّروا من ترك الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادراً، وإن لم يكن قادراً فقد ارتكب كبيرةً، وحكمُ مرتكبٍ الكبيرة عندهم حُكْم الكافر، وكَفُّوا عن أموال أهل الذِّمة، وعن التعرُّض لهم مطلقاً، وفَتَكُوا فيمن يُنسب إلى الإسلام بالقَتْل والسَّبي والنَّهْب، فمنهم من يفعلُ ذلك مطلقاً بغير دعوةٍ منهم، ومنهم من يدعو أولاً ثم يفتِك، ولم يَزلِ البلاءُ بهم يزيدُ إلى أن أُمَّرَ المهلَّب ابنُ أبي صُفْرَةَ على قتالهم، فطاولهَم حتى ظفر بهم، وتقلَّل جمعُهم، ثم لم يَزل منهم بقايا في طول الدولة الأُمويَّة وصَدْر الدولة العبّاسية، ودخلت طائفةٌ منهم المغرب. وقد صنَّف في أخبارهم أبو مِخنَف - بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء واسمه: لوط بن يحيى - كتاباً لخَّصه الطبري في ((تاريخه)). وصنَّفَ في أخبارهم أيضاً الهيثمُ بن عديٍّ كتاباً، ومحمد بن قُدَامة الجوْهَري أحد شيوخ البخاري خارج ((الصحيح)) كتاباً كبيراً، وجمع أخبارَهم أبو العباس المبرِّد في كتابه ((الكامل))، لکن بغیر أسانید بخلاف المذکورین قبله. قال القاضي أبو بكر بن العربي: الخوارج صنفان: أحدهما: يزعُم أنَّ عثمانَ وعلياً وأصحاب الجمل وصِفِّين، وكلّ من رَضِيَ بالتحكيم كُفّار، والآخر: يزعُم أنَّ كلَّ مَن أتى كبيرةً فهو كافر مخلَّد في النار أبداً. وقال غيره: بل الصنف الأول مفرَّع عن الصِّنف الثاني، لأنَّ الحاملَ لهم على تكفير أولئك كونُهم أذنبوا فیما فعلُوه بزغْمِهم. ٢١٥ باب ٦ كتاب استتابة المرتدين وقال ابن حَزْم: ذهب نَجْدة بن عامر من الخوارج إلى أن مَن أتى صغيرةً عُذِّب بغير النار، ومن أدمَن على صغيرة، فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النار، وذكَرَ أن منهم من غلا في معتقَدِهم الفاسد، فأنكر الصَّلوات الخمس، وقال: الواجب صلاةٌ بالغداة وصلاةٌ بالعَشِيّ، ومنهم من جوَّز نكاحَ بنت الابن، وبنت ابن(١) الأخ والأُخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورةُ يوسف من القرآن، وأن من قال: لا إله إلّا الله، فهو مؤمنٌ عند الله، ولو اعتقد الكفرَ بقلبه. وقال أبو منصور البغدادي في ((المقالات)): عِدَّة فِرقِ الخوارج عشرون فِرقة، وقال ابن حزم: أسوَؤُهم حالاً الغُلاة المذكورون، وأقربهم إلى قول أهل الحقِّ الإباضِيَّة، وقد بقيتْ منهم بقيّةٌ بالمغرب. وقد وَردَت بما ذكرتُه من أصل حالِ الخوارج أخبارٌ جيادٌ: منها ما أخرجه عبد الرزاق عن مَعْمر، وأخرجه الطَبريُّ(٢) من طريق يونس، كلاهما عن الزهري قال: لمَا نشَر أهلُ الشام المصاحفَ بمَشورةٍ عمرو بن العاص حين كادَ أهلُ العراق أن يَغلِبوهم، هاب أهلُ العراق(٣) ذلك إلى أن آلَ الأمرُ إلى التحكيم، ورجع كلَّ إلى بلده، إلى أن اجتمع الحكمان في العام المقبل بدُومَة الجَنْدَل، وافتَرَقا عن غيرِ شيءٍ، فلما رجعوا خالفت الحرُورية عليّاً، وقالوا: لا حُكمَ إلَّا لله. وأخرج ابنُ أبي شيبة (٣١٢/١٥-٣١٣) من طريق أبي رزين قال: لمَا وقع الرِّضا بالتحكيم ورجع عليٌّ إلى الكوفة، اعتزلت الخوارجُ بحَرُورَاءَ، فبعث لهم عليٌّ عبدَ الله بن عباس فناظَرَهم، فلما رجعُوا جاء رجلٌ إلى عليٍّ فقال: إنهم يتحدثون أنك أقرَرْت لهم بالكفر (١) لفظة ((ابن)) سقطت من (ع) و(س)، والمثبت من (أ)، وعبارة ابن حزم في ((الفصل)) ١٤٥/٤: وقالت الميمونية وهم فرقة من العجاردة، والعجاردة فرقة من الصُّفْرية، بإجازة نكاح بنات البنات وبنات البنين وبنات بني الإخوة والأخوات. (٢) في ((تاريخه)) ٥٧/٥. (٣) في (س): أهل الشام، وهو خطأ. وإنما هاب أهلُ العراق من استمرار القتال لما رُفعت المصاحف، كما توضحه رواية الطبري. ٢١٦ باب ٦ فتح الباري بشرح البخاري لرضاك بالتحكيم، فخطَبَ وأنكر ذلك، فتنادَوْا من جوانب المسجد: لا حُكْم إلَّا لله. ومن وجه آخر أن رؤوسَهم حينئذٍ الذين اجتمعوا بالنَّهْرَوان: عبدُ الله بن وَهْب الرَاسِيِيّ، وزيد بن حِصْنٍ الطائي، وحُرْقُوص بن زهير السَّعْدي، فاتفقوا على تأمیر عبد الله بن وهب، وسيأتي كثيرٌ من أسانيد ما أشرتُ إليه بعدُ في كتاب الفِتَن إن شاء الله تعالى. وقال الغزالي في ((الوسيط)) تبعاً لغيره: في حكم الخوارج وجهان: أحدهما: أنه كحُكْم أهلِ الرِّدَّة. والثاني: أنه كحُكْم أهل البَغْي، ورجَّح الرافعيُّ الأولَ. وليس الذي قاله مطَّرِّداً في كلِّ خارجيٍّ، فإنّهم على قسمين: أحدهما: مَن تقدَّم ذِكْره، ٢٨٦/١٢ والثاني: من خرج في طلب الملك/ لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضاً: قسم خرجوا غضباً للدِّين من أجل جَوْر الوُلاة، وتَرْك عملِهم بالسيرة النبوية، فهؤلاء أهل حقّ، ومنهم الحسين (١) بن عليّ، وأهلُ المدينة في الحرّة، والقرَّاء الذين خرجوا على الحجّاج، وقسمٌ خرجوا لطلب الملك فقط، سواءٌ كانت لهم فيهم شُبهة أم لا، وهم البُغاة، وسيأتي بيان حکمهم في كتاب الفتن، وبالله التوفيق. قوله: ((وكان ابن عمر يراهم شِرَار خلقِ الله ... )) إلى آخره، وصله الطَّبري في مسند عليّ من (تهذيب الآثار))(٢) من طريق بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، أنه سأل نافعاً: كيف كان رأيُ ابنِ عُمر في الحَرُورِيَّةِ؟ قال: كان يَراهم شِرارَ خلق الله، انطلقوا إلى آيَاتِ الكفّار، فجعلوها في المؤمنین. قلت: وسنده صحيح. وقد ثبت في الحديث الصحيح المرفوع عند مسلم (١٠٦٧) من حديث أبي ذَرٍّ في وصف الخوارج: ((هم شَرُّ الْخَلْق والخَلِيقة)) وعند أحمد (١٣٣٣٨) بسند جيد عن أنس مرفوعاً مثله. (١) تحرف في (س) إلى: الحسن، والحسنُ بن علي نزل عن الخلافة لمعاوية ولم يخرج عليه، وأما الحسين بن علي فهو الذي لم يَرْض بخلافة یزید بن معاوية، وقتله عاملُه على العراق عبيد الله بن زياد بن أبيه. (٢) لم نقف عليه فيما عُثر عليه من ((تهذيب الآثار)) كما يظهر من خلال ما طُبع منه، وقد أخرجه أيضاً ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٣٤/٢٣ و ٣٣٥ من طريقين عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ. ٢١٧ باب ٦ كتاب استتابة المرتدين وعند البزار(١) من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة، قالت: ذكر رسولُ الله ◌َّ الخوارجَ، فقال: ((هم شِرارُ أمَّتي، يقتلُهم خِيارُ أمَّتي)) وسنده حسن. وعند الطبري(٢) من هذا الوجه مرفوعاً: ((هم شرُّ الخلقِ والخَلِيقة، يقتلُهم خيرُ الخَلقِ والخَلِيقة)). وفي حديث أبي سعيد عند أحمد (١١٠١٨): ((هم شَرُّ البَرِيَّة)). وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن عليّ عند مسلم (١٠٦٦/ ١٥٧): ((من أبغَض خلقِ الله إليه))، وفي حديث عبد الله بن خَبَّاب، يعنى عن أبيه عند الطبراني(١٣): (شرٌّ قَتْلى أظلَّتْهم السماءُ وأقلّتهم الأرضُ)). وفي حديث أبي أمامة (٧٥٥٣) نحوه(٤)، وعند أحمد (١٩٧٨٣) وابن أبي شيبة (٣٢١/١٥) من حديث أبي بَرْزة مرفوعاً في ذكر الخوارج: ((شرُّ الخَلقِ والخليقة)) يقولها ثلاثاً، وعند ابن أبي شيبة (٣٠٥/١٥) من طريق عمير بن إسحاق عن أبي هريرة (٥): هم شرُّ الخلق. وهذا مما يؤيد قول من قال بكفرهم. (١) وكذلك عزاهُ للبزار ابنُ كثير في («البداية والنهاية)) ٦٢٩/١٠، وذكر ابن كثير أنَّ البزار رواه أيضاً من طريق أبي الضحى مسلم بن صُبَيح عن مسروق عن عائشة، ولم نقف على كلا الطريقين فيما طبع من ((مسند البزار))، وقد ذكر الهيثمي في ((كشف الأستار)) (١٨٥٧) طريق أبي الضحى، دون طريق الشعبي، فالله تعالى أعلم. (٢) تحرف في (س) إلى: الطبراني، وهو في القسم الذي لم يُعثر عليه من ((تهذيب الآثار)) للطبري. (٣) لم نقف عليه فيما عثر عليه من ((المعجم الكبير)) للطبراني وقد رواه عنه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٠٩٩)، وقول الحافظ فيه: يعني عن أبيه، كذا جزم به مع أنه ليس في الحدیث ذکر خباب، بل ظاهر سياقه أنَّ عبد الله بن خباب سمعه من النبي وَِّ، وإنما قال الحافظ ذلك لأنَّ أحداً من أصحاب التراجم وكتب الصحابة لم يذكر لعبدالله بن خباب رواية عن النبي وَّ﴾، وقالوا: له رؤية، وذكروا أنه يروي عن أبيه وعن أبيّ بن كعب عن النبي ◌ّ، ومما يؤید أنَّ هذا مما سمعه عبد الله بن خباب عن أبيه حديث آخر لعبد الله بن خباب أخرجه ابن سعد ٥/ ٢٤٥ وغيره من طريق حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس، کان مع الخوارج ثم فارقهم ذکر فیه سؤال الخوارج لعبد الله بن خباب عن حدیث يحدثه عن أبيه عن رسول الله وَ ﴾، فحدثهم بحديث في الفتنة، ثم ذبحوه بعد أن حدَّثهم به، كالذي حصل في هذا الحديث تماماً، إذ سأله الخوارج عن حديث سمعه من رسول الله صل# فيهم، فقال: أما فيكم بأعيانكم فلا، ولكني سمعت رسول الله ( 80# يقول ... فذكره. (٤) فات الحافظ رحمه الله أنه عند أحمد (٢٢١٥١)، وابن ماجه (١٧٦). (٥) هو من قول أبي هريرة موقوفاً عليه. ٢١٨ باب ٦/ح ٦٩٣٠ فتح الباري بشرح البخاري ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث: ٦٩٣٠ - حدَّثنا عمرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِیاثٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا خَيْئمةُ، حدَّثنا سُوَيدُ بنُ غَفَلَةَ، قال عليٌّ ◌َه: إذا حَدَّثْتُكُم عن رسولِ اللهِوَّ حديثاً، فوالله لأن أخِرَّ منَ السماءِ أحَبُّ إليَّ من أن أكذِبَ عليه، وإذا حَدَّثْتُكم فيما بيني وبينَكم، فإنَّ الحَرْبَ خِذْعةٌ، وإنّ سمعتُ رسولَ الله وَلَّ يقول: ((سَيَخرُجُ قومٌ في آخِرِ الزَّمان أحداثُ الأسنان، سُفَهاءُ الأحلام، يقولون من خيرِ قولِ التِيَّةِ، لا يُحاوِزُ إِبمائُهُم حَناجِرَهم، يَمْرُقونَ منَ الدِّينِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الَّمِيَّةِ، فأينَمَا لَقِيتُموهم فاقتلوهم، فإنَّ في قَتلِهِم أجراً لمن قَتَلهم يومَ القيامةِ)). الحديث الأول: حديث عليّ. قوله: ((حدَّثْنا خَيْئمة)) بفتح الخاء المعجَمة والمثلَّثة بينهما تحتانيَّة ساكنة: هو ابن عبد الرَّحمن بن أبي سَبْرة - بفتح المهمَلة وسكون الموخَّدة - الجُعْفيّ، لأبيه وجَدِّه صُحْبة، ووَقَعَ في رواية سهل بن بَحْر عن عمر بن حفص بهذا السَّند: حدَّثني بالإفرادِ، أخرجه أبو نُعَيم، ولم يُصرِّح بالتَّحديث فيه إلّا حفص بن غياث، فقد أخرجه مسلم (١٠٦٦) من رواية وكيع وعيسى بن يونس والثّوْريِّ وجَرِير وأبي معاوية، وتقدَّم في علامات النُّبَّة (٣٦١١) وفضائل القرآن (٥٠٥٧) من رواية سفيان الثَّوْريّ، وهو عند أبي داود (٤٧٦٧) والنَّسائيِّ (٤١٠٢) من رواية الثَّوْريّ أيضاً، وعند أبي عَوَانة (٦٥٣٣) من رواية يَعْلى بن عُبيد، وعند الطَّبَريّ أيضاً(١) من رواية يحيى بن عيسى الرَّمْليّ وعليّ بن هاشم(٢)، كلّهم عن الأعمَش بالعَنعَنة. وذكر الإسماعيليّ أنَّ عيسى بن يونس زاد فيه رجلاً، فقال: عن الأعمَش حدَّثني عَمْرو بن مُرّة عن خَيْثمةَ. قلت: لم أرَ في رواية عيسى عند مسلم ذِكْر عَمْرو بن مُرّة، وهو من المزيد في مُتَّصِل الأسانيد، لأنَّ أبا معاوية هو الميزان في حديث الأعمَش. (١) في (تهذيب الآثار)) قسم مسند علي ص ١٢٠، لكن من رواية يحيى بن عيسى الرملي، ولم نقف عليه من رواية علي بن هاشم، وقد أخرجه من طريقه النسائي في ((الكبرى)) (٨٥١٠). (٢) تحرَّف في (س) إلى: هشام. ٢١٩ باب ٦/ح ٦٩٣٠ كتاب استتابة المرتدين قوله: ((سُويد بن غَفَلة)) بفتح المعجَمة والفاء، مُضرَم من كِبار التابعين، وقد قيل: إنَّ له صُحْبة، وقد تقدَّم بيان ذلك في أواخر فضائل القرآن. قوله: ((قال عليّ)) هو على حذف ((قال))، وهو كثير في الخطّ، والأَولى أن يُنطَق به، وقد مضى في آخر فضائل القرآن من رواية الثَّوْريّ عن الأعمَش بهذا السَّند: قال: قال عليّ، وعند النَّسائيِّ من هذا الوجه: عن عليّ(١)، قال الدّارَ قُطنيُّ: لم يَصِحّ لسُوَيد بن غَفَلة عن عليّ مرفوع إلّ هذا. قلت: وما له عنه (٢) في الكتب السِّة ولا عند أحمدَ غيره، وله في ((المستدرَك)) (١٥٨/٣ - ١٥٩) من طريق الشَّعْبيّ عنه قال: خَطَبَ عليٌّ بنتَ أبي جهل، أخرجه من طريق أحمدَ عن يحيى ابن أبي زائدة عن زكريّا عن الشَّعْبيّ، وسنده جيِّد، لكنَّه مُرسَل لم يَقُل فيه: عن عليّ. قوله: ((إذا حَدَّثتُكم)) في رواية يحيى بن عيسى سبب لهذا الكلام، فأوَّل الحديث عنده: عن سُوَيد بن غَفَلة قال: كان عليّ يَمُرّ بالنَّهَرِ وبالساقية، فيقول: صَدَقَ الله ورسوله، فقلنا: يا أمير المؤمنينَ، ما تَزال تقول هذا، قال: إذا حَدَّثْتُكم ... إلى آخره، وكأنّ عليّاً كان/ في حال ٢٨٧/١٢ المحارَبة يقول ذلك إذا وَقَعَ له أمر يُوهم أنَّ عنده في ذلك أثراً، فخَشِيَ في هذه الكائنة أن يَظُنّوا أنَّ قصَّة ذي الثُّدَيَّة من ذلك القبيل، فأوضَحَ أنَّ عنده في أمره نَصّاً صريحاً، وبيَّن لهم أنَّه إذا حدَّث عن النبيّ ◌َّهَ لا يُكنِّي ولا يُعرِّض ولا يُورِّي، وإذا لم يُحدِّث عنه فعل ذلك ليَخدَع بذلك مَن يُحاربه، ولذلك استَدَلَّ بقولِه: ((الحرب خَدْعة))(٣). قوله: ((فوالله لَأن أخِرَّ)) بكسر الخاء المعجَمة، أي: أسقُط. قوله: ((من السماء)) زاد أبو معاوية والثَّوْريُّ في روايتهما: إلى الأرض، أخرجه أحمدُ (١) بل وقع في رواية علي بن هشام عند النسائي في ((الكبرى)) (٨٥١٠): سمعت علياً. (٢) لفظة ((عنه)) سقطت من (س). (٣) وفَعَلَ ذلك أيضاً لما حرَّق الذين ارتدوا عن الإسلام فيما رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١٤١/١٠ و١٢/ ٣٩١، وكذا أحمد بن منيع في ((مسنده)) كما في ((المطالب العالية)) للحافظ (٢٠٨٧). ٢٢٠ باب ٦/ح ٦٩٣٠ فتح الباري بشرح البخاري عنهما (١)، وسَقَطَت للمصنّف في علامات النُّبوّة (٣٦١١)، ولم يَسُق مسلم (١٥٤/١٠٦٦) لفظهما. ووَقَعَ في رواية يحيى بن عيسى: أخِرُّ من السماء فتَخْطَفُني الطَّير أو تَهْوي بي الرّيح في مکان سچِیق. قوله: ((فيما بيني وبينكم)) في رواية يحيى بن عيسى: عن نفسي، وفي رواية الأعمش عن زيد بن وهب عن عليّ(٢): قامَ فينا عليّ عند أصحاب النَّهَر، فقال: ما سمعتُموني أُحدِّثكم عن رسول الله وَّ﴿ فخُذُوني(٣) به، وما سمعتُموني أُحدِّث في غير ذلك. ويُستَفاد من هذه الرِّواية مَعرِفة الوقت الذي حدَّث فيه عليّ بذلك والسَّبب أيضاً. قوله: ((فإنَّ الحرب خَذْعة)) في رواية يحيى بن عيسى: فإنَّما الحرب خَذْعة، وقد تقدَّم في كتاب الجهاد (٣٠٣٠) أنَّ هذا - أعْنِي: ((الحرب خَذْعة)) - حديث مرفوع، وتقدَّم ضبط (خَذْعة)) هناك، ومعناها. قوله: ((سيَخرُجُ قومٌ في آخر الزَّمان)) كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية، وفي حديث أبي بَرْزة عند النَّسائيِّ (٤١٠٣): يَخرُج في آخر الزّمان قومٌ، وهذا قد يُخالف حديث أبي سعيد المذكور في الباب بعده، فإنَّ مُقتَضاه أنَّهم خَرَجوا في خِلَافة عليّ، وكذا أكثرُ الأحاديث الواردة في أمرهم، وأجابَ ابن التِّين بأنَّ المراد زمان الصحابة، وفيه نظر، لأنَّ آخر زمان الصحابة كان على رأس المئة، وهم قد خَرَجوا قبل ذلك بأكثرَ من ستّينَ سنة. ويُمكِن الجمع بأنَّ المراد بآخِرِ الزَّمان زمان خِلَافة النُّبوّة، فإنَّ في حديث سَفِينة المخرَّج في السُّنَنْ(٤) و((صحيح ابن حِبّان)) (٦٦٥٧) وغيره (٥) مرفوعاً: «الخلافةُ بعدي ثلاثونَ سنة، (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، بأنَّ أبا معاوية والثوري زادا في روايتهما عند أحمد: إلى الأرض، وقد أخرج أحمد طريق أبي معاوية برقم (٦١٦) و(٩١٢)، وطريق الثوري برقم (١٠٨٦) دون ذكر الزيادة، لكن أخرجه البيهقي ٨/ ١٧٠ من طريق أبي معاوية بذكرها! (٢) عند البزار في «مسنده» (٥٧٩). (٣) تحرف في (س) إلى: فحدثوا. (٤) أخرجه أبو داود (٤٦٤٦)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٠٩٩). (٥) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢١٩١٩).