Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨ كتاب الحدود ذلك، وأنَّ مَن قَذَفَ غيرَه لا يُقام عليه الحدّ إلّا إن طلبَه المقذوفُ، خِلَافاً لابن أبي ليلى فإنَّه قال: يجب ولو لم يَطلُبِ المقذوفُ. قلت: وفي الاستدلال به نَظَرّ، لأنَّ مَحَلّ الخِلاف إذا كان المقذوفُ حاضراً، وأمَّا إذا كان غائباً كَهذِه(١)، فالظاهر أنَّ التَّأخير لاستكشاف الحال. فإن ثَبَتَ في حَقّ المقذوف فلا حَدَّ على القاذِف كما في هذه القصَّة، وقد قال النَّوويّ تَبَعاً لغيره: إنَّ سببَ بَعْثِ النبيِّ وَلّ أُنيساً للمرأة ليُعلمَها بالقَذفِ المذكور لتُطالبَ بحَدٍّ قاذِفِها إن أنكَرَت، قال: هكذا أوَّلَه العلماء من أصحابنا وغيرهم، ولا بُدّ منه لأنَّ ظاهره أنَّه بَعَثَ يَطلُب إقامة حَدّ الزّنى وهو غير مُراد، لأنَّ حَدّ الزّنى لا يُحتاط له بالتَّجَسُّسِ والتَّقيب عنه، بل يُستَحَبّ تَلقين المُقِرّ به ليَرجِعَ كما تقدَّم في قصَّة ماعِزِ، وكأنَّ لقولِه: ((فإن اعتَرَفَت)) مُقابِلاً، أي: وإن أنكَرَت فأعْلِمْها أنَّ لها طَلَبَ حَدِّ القَذْف، فحُذِفَ لوُجُودِ الاحتمال. فلو أنكَرَت وطلبَت لَأُجيبَت. وقد أخرج أبو داود (٤٤٦٧) والنَّسائيُّ (ك ٧٣٠٨) من طريق سعيد بن المسيّب عن ابن عبّاس: أنَّ رجلاً أقَرَّ بأنَّه زَنَى بامرأةٍ، فَجَلَدَه النبيّ ◌َِّ مَّةً، ثمَّ سألَ المرأة فقالت: كَذَبَ، فجَلَدَه حَدَّ الفِرية ثمانينَ. وقد سَكَتَ عليه أبو داود وصَحَّحَه الحاكم (٤/ ٣٧٠) واستَنكَرَه النَّسائيّ. وفيه أنَّ المخَدَّرة التي لا تَعتاد البُرُوزَ لا تُكلّف الحضورَ لمَجلِسِ الحُكم، بل يجوز أن يُرسَلَ إليها مَن يَحكم لها وعليها، وقد تَرجَمَ النَّسائيُّ لذلك. وفيه أنَّ السائل يَذكُر كلَّ ما وَقَعَ في القصَّة لاحتمال أن يفهم المفتي أو الحاكمُ من ذلك ما يَستَدِلّ به على خُصوص الحُكم في المسألة لقولِ السائل: إنَّ ابني كان عَسيفاً على هذا، وهو إنَّما جاء يسأل عن حُكم الزّنى، والسُّّ في ذلك أنَّه أراد أن يُقيم لابنِهِ مَعِذِرةً ما، وأنَّه لم يكن مشهوراً بالعَهْرِ ولم يَهجُم على المرأة مثلاً ولا استَكرَهَها، وإِنَّا وَقَعَ له ذلك لطُولٍ الملازمة المقتَضية لمزيدِ التَّأنيس والإدلال، فيُستفاد منه الحثّ على إبعاد الأجنبيّ من الأجنبيَّة (١) تحرَّف في (س) إلى: كهذا، وإنما الذي كان غائباً المرأة لا الرجل. ٥٨٢ باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨ فتح الباري بشرح البخاري مهما أمكنَ، لأنَّ العِشْرةَ قد تُفضي إلى الفساد ويَتَسوَّر بها الشَّيطانُ إلى الإفساد. وفيه جواز استفتاء المَفْضُولِ مع وجود الفاضِلِ، والرَّدُّ على مَن مَنَعَ التابعيَّ أن يُفتيَ مع وجود الصحابيّ مثلاً. وفيه جواز الاكتفاء في الحُكم بالأمرِ الناشئ عن الظَّنّ مع القُدرة على اليقين، لكن إذا اختَلَفوا على المستَفتي يَرجِع إلى ما يفيد القَطْعَ وإن كان في ذلك العصر الشَريف مَن يُفتي بالظَّنِّ الذي لم يَنشَأ عن أصلٍ، ويحتمل أن يكون وَقَعَ ذلك من المنافقينَ، أو مَن قَرُبَ عهدُه بالجاهليّة فأقدَمَ على ذلك. وفيه أنَّ الصحابة كانوا يُفتونَ في عهد النبيِّ وَّهِ وفي بلده، وقد عَقَدَ محمّد بن سعد في ((الطَّقات)) باباً لذلك، وأخرج بأسانيد فيها الواقديّ أنَّ منهم: أبا بكر وعُمَرَ وعثمانَ وعليّاً وعبدَ الرَّحمن بن عَوْف وأُبيَّ بن كعب ومَعاذَ بن جبل وزيدَ بن ثابت. وفيه أنَّ الحُكم المبنيَّ على الظَّنّ يُنقَض بما يُفيد القَطْعَ. وفيه أنَّ الحدّ لا يقبلُ الفِداءَ، وهو مُجمَعٌ عليه في الزِّنى والسَّرِقة والحِرابة وشُرب المُسكِرِ، واختُلِفَ في القَذف، والصَّحيح أنَّه كغيره، وإنَّما يَجري الفِداءُ في البَدَن كالقِصاص في النَّفْس والأطراف. وأنَّ الصُّلح المبنيَّ على غير الشَّرع يُردّ ويُعاد المالُ المأخوذ فيه. قال ابن دقيق العيد: وبذلك يَتَبيَّن ضَعْفُ عُذرٍ مَنِ اعْتَذَرَ من الفقهاء عن بعض العُقود الفاسدة بأنَّ المتعاوِضَينِ تَراضَيا وأذِنَ كلّ منهما للآخرِ في التَّصَرُّف، والحقُّ أنَّ الإذن في التَّصَرُّف مُقِيَّدٌّ بالعُقودِ الصَّحيحة. ١٤٢/١٢ وفيه جواز الاستنابة في إقامة الحدّ، واستُدِلَّ به على وجُوب الإعذار والاكتفاء فيه بواحدٍ، وأجابَ عياضٌ باحتمال أن يكون ذلك ثَبَتَ عند النبيّ وَّهِ بشهادة هذَينِ الرَّجلینِ، کذا قال، والذي تُقبَل شهادتُه من الثلاثة والدُ العَسيفِ فقط، وأمَّ العَسِيفُ والَّوج فلا. وغَفَلَ بعض مَن تَبِعَ القاضي فقال: لا بدَّ من هذا الحمل، وإلّا لَزِمَ الاكتِفاءُ بشهادة واحدٍ في الإقرار بالزِّنى ولا قائلَ به، ويُمكِن الانفصال عن هذا بأنَّ أُنيساً بُعِثَ حاكماً فاستَوفَى شُروط ٥٨٣ باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨ كتاب الحدود الحَكَم، ثمَّ استأذَنَ في رَجْمِها فأذِنَ له في رَجْمها، وكيف يُتصوَّر من الصُّورة المذكورة إقامةٌ الشَّهادة عليها من غير تَقَدُّم دَعْوى عليها ولا على وكيلها مع خُضورها في البلد غيرَ مُتَواريةٍ، إلّا أن يُقال: إنَّها شهادة حِسْبَةٍ (١)، ويُجاب بأنَّه لم يقع هناك صيغة الشَّهادة المشروطة في ذلك. واستُدِلَّ به على جواز الحكم بإقرار الجاني من غير ضَبْطِهِ (٢) بشهادةٍ عليه، ولكنَّها واقعةُ عينٍ، فيحتمل أن يكون أُنیس أشھَدَ قبل رَجمها. قال عياض: احتَجَّ به قوم بجوازِ حُكم الحاكم في الحدود وغيرها بما أقَرَّ به الخَصمُ عنده، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، وبه قال أبو ثَور، وأبى ذلك الجمهور، والخِلاف في غير الحدود أقوى، قال: وقصَّة أُنيسِ يَطْرُقها احتمالُ معنى الإعذار كما مَضَى، وأنَّ قوله: ((فارجُها)) أي: بعد إعلامي، أو أنَّه فَوَّضَ الأمر إليه، فإذا اعتَرَفَت بحَضرة مَن يَتْبُت ذلك بقولهم تَحْكَمُ، وقد دَلَّ قوله: ((فأمَرَ بها رسولُ اللهِوَلَفِرُجِمَت)) أنَّ النبيَّ ◌َّهِ هو الذي حَكَمَ فيها بعد أن أعلمَه أُنْيَسٌ باعترافها، كذا قال، والذي يظهر أنَّ أَنيساً لمَّ اعتَرَفَت أعلمَ النبيَّ ◌َّهِ مُبالَغةً في الاستثبات، مع كَونه كان عَلَّقَ له رَجمَها على اعترافها. واستُدِلَّ به على أنَّ حضورَ الإمام الرَّجمَ ليس شرطاً، وفيه نظرٌ لاحتمال أنَّ أُنيساً كان حاكماً وقد حَضَرَ - بل باشَرَ - الرَّجْمَ لظاهرٍ قوله: ((فَرَجَمَهَا)). وفيه تَرْكُ الجَمْعِ بين الجلدِ والتَّغريبِ، وسيأتي في ((باب البِكْران ◌ُجِلَدان ويُنفَیان))(٣). وفيه الاكتفاءُ بالاعتراف بالمّة الواحدة؛ لأنَّه لم يُنقَل أنَّ المرأة تَكَرَّرَ اعترافُها، والاكتفاءُ بالَّجمِ من غير جَلِدٍ؛ لأنَّه لم يُنقَل في قِصَّتها أيضاً، وفيه نظرٌ لأنَّ الفعل لا عُمومَ له فالثَّرك أوْلى. وفيه جوازُ استئجار الحُرّ، وجوازُ إجارة الأب ولدَه الصَّغِيرَ لمَن يَستَخدِمه إذا احتاجَ لذلك. واستُدِلَّ به على صِحّة دَعوى الأب لمَحْجُوره، ولو كان بالغاً لكَونِ الولد كان (١) شهادةُ الحسبة: هي الشهادة المتعلِّقة بحقوق الله تعالى، فيأتي القاضي ويشهد بها، ولا تتعلَّق بحقوق الآدميِّين المختصّة بهم. انظر ((شرح النووي على مسلم)) ١٦/ ٨٧. (٢) في (س): ((ضبط)) بالتنكير. (٣) بعد باب، عند الحديث (٦٨٣١). ٥٨٤ باب ٣٠ / ح ٦٨٢٩ فتح الباري بشرح البخاري حاضراً ولم يتكلَّم إلّا أبوه، وتُعقّبَ باحتمال أن يكون وكيلَه، أو لأنَّ التَّداعيَ لم يقعْ إلّا بسببِ المال الذي وَقَعَ به الفِداءُ، فكأنَّ والد العَسيفِ ادَّعَى على زوج المرأة بما أخَذَه منه، إمّا لنفسِه، وإمّا لامرأتِه بسببٍ ذلك، حين أعلمَه أهلُ العلم بأنَّ ذلك الصُّلحَ فاسدٌ ليستعيدَه منه، سواءٌ كان من ماله أو من مال وَلِدِه، فأمَرَه النبيُّ وَِّ بَرَدِّ ذلك إليه. وأمَّا ما وَقَعَ في القصَّة من الحدّ فباعتراف العَسيف ثمَّ المرأة. وفيه أنَّ حالَ الزّانِيَينِ إذا اختَلَفا أُقيمَ على كلّ واحدٍ حَدَّه؛ لأنَّ العَسيف جُلِدَ والمرأةَ رُجِمَت، فكذا لو كان أحدهما حُرّاً والآخَرُ رَقيقاً، وكذا لو زَنَى بالغٌ بصبيَّةٍ، أو عاقلٌ بمَجنونةٍ: حُدَّ البالغُ والعاقلُ دونَهما، وكذا عكسُه. وفيه أنَّ مَن قَذَفَ ولدَه لا يُحُدُّ له؛ لأنَّ الرَّجلَ قال: إنَّ ابني زَنَى. ولم يَثْبُت عليه حَدُّ القَذف. الحديث الثاني: ٦٨٢٩ - حدّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال عمرُ: لقد خَشِيتُ أن يَطولَ بالناسِ زمانٌ، حتَّى يقولَ قائلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ في كتاب الله، فَيَضِلُّوا بتَرْكِ فِرِيضةٍ أَنزَلَهَا الله، ألا وإنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ على مَن زَنَّى وقد أحصَنَ إذا قامَتِ البيِّئَةُ، أو كان الحَملُ، أو الاعْتِرافُ - قال سفيانُ: كذا حَفِظْتُ - أَا وقد رَجَمَ رسولُ الله ◌َّةِ، وَرَجَمْنا بعدَه. قوله: ((عن الزُّهْرِيّ) صَرَّحَ الْحُميديُّ (٢٦) فيه بالتَّحديثِ عن سفيان قال: أتينا يعني: الزُّهْريّ، فقال: إن شِئْتُم حَدَّثُكم بعشرينَ حديثاً أو حَدَّثُكم بحديثِ السَّقيفة، فقالوا: حَدِّثنا بحديثِ السَّقيفة، فحدَّثهم به بطُولِهِ، فحَفِظت منه أشياءَ(١) ثمَّ حدَّثني بقَّتِه بعد ذلك مَعمَرٌ. قوله: ((عن عُبيد الله)) بالتَّصغير: هو المذكور في الحديث قبلَه. ووَقَعَ عند أبي عَوَانة (٦٢٥٥) في رواية یونس عن الزُّهْريّ: أخبرني ◌ُبيد الله. (١) تحرَّف في (س) إلى: شيئاً. ٥٨٥ باب ٣٠ / ح ٦٨٢٩ كتاب الحدود قوله: ((عن ابن عبّاس قال: قال عمرُ)) في / رواية محمَّد بن منصور عن سفيان عند ١٤٣/١٢ النَّسائيِّ (ك ٧١١٨): سمعتُ عمرَ. قوله: ((لقد خشيتُ ... )) إلى آخره، هو طَرَفُّ من الحديث، ويأتي بتمامه في الباب الذي يليه، والغرضُ منه هنا قوله: ((ألا وإنَّ الرَّجم حَقٌّ))، إلى آخره. قوله: ((قال سُفْيان)) هو موصول بالسَّنَدِ المذكور. قوله: ((كذا حَفِظْت)) هذه جُملة مُعتَرِضةٌ بين قوله: ((أو الاعتراف)) وبين قوله: ((وقد رَجَمَ)) وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية جعفر الفِرْيابيّ عن عليّ بن عبد الله شيخ البخاريّ فيه، فقال بعد قوله: أو الاعتراف: وقد قرأناها: ((الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زَنَيا فارُوهما البَنّةَ)) وقد رَجَمَ رسول الله وَ له وَرَجَمنا بعده. فسَقَطَ من رواية البخاريِّ من قوله: ((وقرأ)) إلى قوله: ((البَنَّ)) ولعلَّ البخاريَّ هو الذي حَذَفَ ذلك عمداً، فقد أخرجه النَّسائيُّ (ك ٧١١٨) عن محمَّد بن منصور عن سفيان كرواية جعفر ثمَّ قال: لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث: ((الشَّيخُ والشَّيخةُ)) غيرَ سفيانَ، وينبغي أن یکون وَهِمَ في ذلك. قلت: وقد أخرج الأئمّة هذا الحديث من رواية مالكٍ ويونسَ ومَعمَرٍ وصالح بن كَيْسانَ وعُقَيل وغيرهم من الحُفّاظ عن الزُّهْرِيّ فَلَمْ يَذكُروها(١)، وقد وَقَعَت هذه الزّيادة في هذا الحديث من رواية ((الموطَّأ)) (٨٢٤/٢) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: لمَّا صَدَرَ عمر من الحجّ وقَدِمَ المدينة خَطَبَ الناس فقال: أيّها الناس قد سُنَّت لكم السُّنَن، وفُرِضَت لكم الفرائضُ، وتُرِكِتُم على الواضِحَة، ثمَّ قال: إيّاكم أن تَهلِكوا عن آية الرَّجم أن يقولَ قائلٌ: لا نَجِد حَدَّينِ في كتاب الله، فقد رَجَمَ رسول الله وَّهِ وَرَجَمنا، والذي نفسي بيدِه لولا أن يقولَ الناسُ: زاد عمرُ في كتاب الله لكَتَبْتُها بيدي: ((الشَّيخ والشَّيخةُ إذا زَنَيَا (١) رواية مالك في ((موطئه)) ٨٢٣/٢، ومن طريقه أخرجه أحمد (٣٩١) ورواية مالك عند أحمد مطولة بذكر قصة آخر حجة حجّها عمر بن الخطاب، وفيها ذکر الرجم دون الزیادة المذكورة، کروایة صالح بن کیسان عند البخاري الآتية برقم (٦٨٣٠)، وأما رواية معمر فهي عند البخاري برقم (٧٣٢٣)، وأما رواية يونس فأخرجها مسلم (١٦٩١)، ورواية عُقيل عند النسائي في ((الكبرى)) (٧١٢٢)، ورواية يونس ومالك عند البخاري أيضاً (٢٤٦٢) لكن بذكر بعض قصة حجة عمر دون ذكر الرجم برُمَّته. ٥٨٦ باب ٣٠ / ح ٦٨٢٩ فتح الباري بشرح البخاري فارُجُوهما البَّةَ)). قال مالك: الشَّيخُ والشَّيخةُ: الثَّيِّبُ والنَّيّةُ. ووَقَعَ في ((الحِلية)) (٩٥/٣) في ترجمة داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيّب عن عمرَ: لَكَتَبتها في آخر القرآن. ووَقَعَت أيضاً في هذا الحديث في رواية أبي مَعشَر الآتي التَّنبيه عليها في الباب الذي يَليه(١)، فقال مُتَّصِلاً بقولِه: قد رَجَمَ رسول الله وَ لَّهِ وَرَجَمنا بعده: ولولا أن يقولوا: كَتَبَ عمرُ ما ليس في كتاب الله لكَتَبَتُه، قد قرأناها: الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زَنَيا فارُوهما البَّةَ، نَكالاً من الله واللهُ عَزيز حَكیم. وأخرج هذه الجملة النَّسائيُّ (ك ٧١١٢) وصَخَّحَه الحاكم (٤/ ٣٥٩) من حديث أبيّ بن كعب قال: ولقد كان فيها، أي: سورة الأحزاب آية الرَّجم: الشَّيخ، فذَكَر مِثْلَه. ومن حديث زيد بن ثابت (ك٧١٠٧): سمعتُ رسول الله وَ له يقول: ((الشَّيخ والشَّيخة)) مِثله إلى قوله: ((البَنّةَ)». ومن رواية أبي أمامةَ(٢) بن سهل (ك٧١٠٨)، أنَّ خالَته أخبَرَته قالت: لقد أقرأَناها(٣) رسول الله وَ ل﴿ آية الرَّجم. فَذَكَرَه إلى قوله: ((البَتَّةَ))، وزاد: ((بما قَضَيا من اللَّذّة)). وأخرج النَّسائيُّ أيضاً (ك ٧١١٠): أنَّ مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت: ألا تَكُبها في المصحَف؟ قال: لا، ألا تَرَى أنَّ الشّابَّينِ الثَّيِّينِ يُرجَان؟ ولقد ذَكَرنا ذلك، فقال عمرُ: أنا أكْفِيكُم، فقال: يا رسول الله أكتِبني آيَةَ الرَّجم، قال: ((لا أستطيعُ)). ورُوِّينا في ((فضائل القرآن)) لابنِ الضُّرَيْسِ من طريق يَعْلى - وهو ابن حَكيم - عن زيد بن أسلَمَ: أنَّ عمر خَطَبَ الناس فقال: لا تَشُكّوا في الرَّجم فإِنَّه حَقّ، ولقد هَمَمت أن أكتُبُه في المصحَف، فسألت أبيَّ بن كعب فقال: أليس أَتَني(٤) وأنا أستَقَرِتُها رسولَ الله ◌ِّهِ فِدَفَعتَ في (١) وهي عند البزار (٢٨٦). (٢) تحرَّف في (س) إلى: ((أسامة)). (٣) في (س) ((أقرأنا)). (٤) تحرَّف في (س) إلى: أنني. ٥٨٧ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود صَدري وقلت: أَتَسْتَقْرِتُه (١) آيَةَ الرَّجم وهم يَتَسافَدونَ تَسافُدَ الُمُرِ! ورجاله ثقات. وفيه إشارةٌ إلى بيان السَّبَب في رفع تِلاوتها وهو الاختلافُ، وأخرج الحاكم (٤/ ٣٦٠) من طريق كثير بن الصَّلت قال: كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يَكْتُبَانِ(٢) المصحَف فمَرًا على هذه الآية فقال زيد: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: الشَّيخ والشَّيخة فارجُوهما البَنَّةَ، فقال عمر: لمَّا نزلت أتيت النبيّ ◌َلّ فقلت: أكتُبها؟ فكأنَّ كَرِهَ ذلك، فقال عمر: ألا تَرَى أَنَّ الشَّيخ إذا زَنَّى ولم يُحِصَن جُلِدَ، وأنَّ الشّابَّ إذا زَنَى وقد أُحصِنَ رُجِمَ(٣). فُيُستَفاد من هذا الحديث السَّبَبُ في نَسخ تِلاوتها لكَونِ العملِ على غير الظّاهر من عُمومها. ٣١ - باب رَجْم الحُبْلى من الزّنا إذا أَحصَنَت ١٤٤/١٢ ٦٨٣٠- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: كنتُ أُقْرِئُ رجالاً منَ المهاجِرِينَ، منهم عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ، فبينما أنا في مَنْزِلِه بمِنّى وهو عندَ عمرَ بنِ الخطّاب في آخِرِ حَجّةٍ حَجَّها، إذ رَجَعَ إليَّ عبدُ الرَّحمنِ فقال: لو رأيتَ رجلاً أتى أمِيرَ المؤمنينَ اليومَ فقال: يا أمِيرَ المؤمنينَ، هل لكَ في فلانٍ يقول: لو قد ماتَ عمرُ لقد بايعتُ فلاناً، فوالله ما كانت بيعةُ أبي بكرٍ إلّا فَلْتَةً فَتَمَّت، فَغَضِبَ عمرُ ثمَّ قال: إنّ إن شاء الله لَقائمٌ العَشِيَّةَ في الناسِ، فمُحَذِّرُهُم هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدونَ أن يَغْصِبُوهم أُمورَهم، قال عبدُ الرَّحمنِ: فقلتُ: يا أمِيرَ المؤمنينَ لا تَفْعَلْ، فإنَّ الَوْسِمَ يَجِمَعُ رَعاعَ الناسِ وَوْغاءَهم، فإنَّهِم هُمُ الَّذِينَ يَغْلِونَ على قُرْبِكَ حينَ تقومُ في الناسِ، وأنا أخشَى أن تقومَ فتقولَ مقالةً يُطَيِّرُها عنكَ كلُّ مُطَيِّرٍ، وأن لا يَعُوها، وأن لا يَضَعُوها على مَواضعِها، فَأَمْهِلْ حتَّى تَقْدَمَ المدينةَ فإنَّهَا دارُ الحِجْرةِ والسُّنّةِ، فَتَخْلُصَ بأهلِ الفِقْه وأشرافِ الناسِ، فتقولَ ما قلتَ مُتَمَكِّناً، فيَعي أهلُ العِلْمِ مقالتَكَ، ويَضَعونَها على موَاضِعِها، فقال عمرُ: أما والله إن شاء اللهُ لأَقُومَنَّ بذلك أوَّلَ مقامِ أقومُه بالمدينةِ. (١) تحرَّف في (س) إلى («أستقرئه)). (٢) في (س) ((يكتبان في)) بإقحام ((في)). (٣) والحديث في («مسند أحمد)» (٢١٥٩٦) وقد فات الحافظ عزوه إليه، ورجاله ثقات. ٥٨٨ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قال ابنُ عبَّاسٍ: فقَدِمْنا المدينةَ في عَقِبٍ ذي الحجّةِ، فلمَّا كان يومُ الجُمُعةِ عَجَّلْتُ الرَّواحَ حينَ زاغَتِ الشمسُ، حتَّى أجِدَ سعيدَ بنَ زيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَلٍ جالساً إلى رُكْنِ المِنِْ، فَجَلَسْتُ حَوْلَه تَسُّ رُكْبَتَي رُكْبَتَه، فلمْ أنشَبْ أن خَرَجَ عمرُ بنُ الخطّاب، فلمَّا رأيتُه مُقِلاً قلتُ لسعيدِ بنِ زيدٍ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيلٍ: لَيقولَنَّ العَشِيَّةَ مقالةً لم يَقُلْها منذُ استُخْلِفَ، فأنكَرَ عليَّ وقال: ما عَسَيتَ أن يقولَ ما لم يَقُل قبلَه! فجَلَسَ عمرُ على المِثْبِ فلمَّا سَكَتَ المؤَذِّنُونَ قامَ، فأثْنَى على الله بما هو أهلُه، ثمّ قال: أمَّا بَعْدُ، فإنّي قائلٌ لكم مقالةً قد قُدِّرَ لي أن أقولهَا، لا أدري لعلّها بينَ يَدَي أجَلي، فمَن عَقَلَها ووَعاها فلْيُحدِّثْ بها حَيثُ انْتَهَت به راحلتُهُ، ومَن خَشِيَ أن لا يَعْقِلَها فلا أُحِلُّ لأحدٍ أن يَكذِبَ عليَّ، إنَّ الله بَعَثَ محمَّداً وَِّ بالحقِّ، وأنزَلَ عليه الكتابَ، فكان ممّاً أَنزَلَ اللهُ آيَةُ الرَّجْمِ فقرَ أْناها وعَقَلْناها ووَعْيناها، رَجَمَ رسولُ الله ◌َّهُ ورََمْنا بعدَه، فأخشَى إن طالَ بالناسِ زمانٌ أن يقولَ قائلٌ: والله ما نَجِدُ آيَةَ الرَّجْم في كتاب الله، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فِيضٍ أَنزَلَهَا الله، والرَّجْمُ في كتاب الله حَقٍّ على مَن زَنَى إذا أُحْصِنَ منَ الرِّجال والنِّساءِ إذا قامَتِ البيِّنَةُ، أو كان الحَبَلُ أو الاعْتِرَافُ، ثمَّ إنّا كنَّا نَقْرَأُ فيما نَقْرَأُ من كتاب الله: أن لا تَرْغَبوا عن آبائكُم، فإِنَّ كُفْرٌ بكم أن تَرْغَبوا عن آبائكُم، أو إنَّ كُفْراً بكم أن تَرْغَبوا عن آبائكُم، ألا ثمَّ إِنَّ رسولَ اللهَوَ لّ قال: ((لا تُطْرُوني كما أُطْرِيَ عيسى ابنُ مريمَ، وقولوا: عبدُ الله ورسولُهُ)). ثَّ إِنَّه بَلَغَني أنَّ قائلاً منكم يقول والله لو قد ماتَ عمرُ بايعتُ فلاناً، فلا يَغتَرَّنَّ امرُؤٌ أن ١٤٥/١٢ يقولَ: إنَّما كانت بيعةُ أبي بكرٍ فَلْتَةً/ وتَمَّت، ألا وإنَّها قد كانت كذلك، ولكنَّ الله وقَى شَرَّها، وليس فيكم مَن تُقْطَعُ الأعناقُ إليه مِثلُ أبي بكرٍ، مَن بايعَ رجلاً مِن غيرِ مَشورةٍ منَ المسلمينَ فلا يُبابَعُ هو ولا الذي تابَعَه تَغِرّةً أن يُقْتَلا. وإِنَّه قد كان من خَرِنا حينَ تَوَّى الله نبيَّهَ وَِّ أنَّ الأنصارَ خالَفونا، واجْتَمَعوا بأسرِهم في سَقِيفةِ بني ساعدةَ، وخالَفَ عَنّا عليٍّ والزُّبَيرُ ومَن معهما، واجْتَمَعَ المهاجِرونَ إلى أبي بكرٍ، فقلتُ لأبي بكرٍ: يا أبا بَكْرِ انطَلِقٍ بنا إلى إخْواننا هَؤُلاءِ منَ الأنصار، فانطَلَقْنا نُرِيدُهم، فلمَّاً دَنَوْنا منهم لَقِيَنا منهم رَجُلانِ صالحان، فَذَكَرا ما تَمالاً عليه القومُ، فقالا: أينَ تريدونَ يا مَعْشَرَ ٥٨٩ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود المهاجِرِينَ؟ فقُلْنا: نُرِيدُ إخْوانَنَا هَؤُلاءِ منَ الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تَقْرَبوهمُ اقضُوا أمرَكُم، فقلتُ: والله لَنأنيَنَّهم، فانطَلَقْنا حتَّى أتيناهم في سَقِيفة بني ساعدةَ، فإذا رجلٌ مُزَمَّلٌ بِينَ ظَهْرَانَيْهِم، فقلتُ: مَن هذا؟ فقالوا: هذا سَعْدُ بنُ عُبادةَ، فقلتُ: ما له؟ قالوا: يوعَكُ، فلمَّا جَلسنا قَلِيلاً تَشَهَّدَ خَطِيبُهم فأثْنَى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال: أمَّا بَعْدُ، فنحنُ أنصارُ الله، وكَتِبٌ الإسلامِ: وأنتم مَعْشَرَ المهاجِرِينَ رَهْطٌ، وقد دَقَّت دافٌّ من قومِكُم، فإذا هم يُرِيدونَ أن يَخْتَزِلُونا من أصلِنا، وأن يَخْضُنُونا منَ الأمرِ. فلمَّا سَكَتَ أرَدْتُ أن أتكلّمَ، وكنتُ قد زَوَّرْتُ مقالةً أعجَبَتْني أُرِيدُ أن أُقَدِّمَها بِينَ يَدَي أبي بكرٍ، وكنتُ أُداري منه بعضَ الحدِّ، فلمَّا أُرَدْتُ أن أتكلّمَ قال أبو بكرٍ: على رِسْلِكَ، فَكَرِهْتُ أن أُغْضِبَه فتكلَّمَ أبو بكرٍ، فكان هو أحلَمَ منّي وأوْقَرَ، والله ما تَرَكَ من كلمةٍ أعجَبَتْني في تَزْوِیري إلّا قال في بَدِيهَّهِ مِثْلَها، أو أفضلَ منها حتَّى سَكَتَ، فقال: ما ذَكَرْتُم فيكم من خيرٍ فأنتم له أهلٌ، ولن يُعرَفَ هذا الأمرُ إلّا لهذا الحيِّ من قُرَيشٍ، هم أوْسَطُ العربِ نَسَباً وداراً، وقد رَضِيتُ لكم أحدَ هذَينِ الرجلينِ، فبايعوا أيَّهما شئتُم، فَأَخَذَ بيَدي وبيَدِ أبي عُبيدةَ بنِ الجَرَّاحِ وهو جالسٌ بينَنَا، فلم أكرَه ممّاً قال غيرَها، كان والله أن أَقَدَّمَ فتُضْرَبَ عُنُقي لا يُقرِّبُني ذلك من إِثْمِ، أحَبَّ إليَّ من أن أنامَّرَ على قومٍ فيهم أبو بكرٍ ، اللّهمَّ إلّا أن تُسوِّلَ إليَّ نفسي عندَ الموتِ شيئاً لا أجِدُه الآنَ، فقال قائلُ الأنصارِ: أنا جُذَيلُها المحَكَّكُ، وعُذَيقُها المرجَّبُ، مِنّا أمِيرٌ ومِنْكم أمِيرٌ يا مَعْشَرَ قُرَيشٍ، فَكَثُرُ اللَّغَطُ، وارتَفَعَتِ الأصواتُ حتَّى فَرِقْتُ منَ الاختلاف، فقلتُ: ابْسُط يدَكَ يا أبا بَكْرٍ فَبَسَطَ يدَه فبايعتُهُ، وبايعَه المهاجِرونَ، ثُمَّ بايعَتْهُ الأنصارُ، وَزَوْنا على سَعْدِ بنِ عُبادةَ، فقال قائلٌ منهم: قَتَلْتُمْ سَعْدَ بنَ عُبادةَ، فقلتُ: قَتَلَ الله سَعْدَ بنَ عُبادةَ. قال عمرُ: وإنّا والله ما وَجَدْنا فیما حَضَرْنا من أمرِ أقوى من مُبایعة أبي بكرٍ، خَشِینا إن فارَقْنا القومَ ولم تكن بيعةٌ أن يُبابِعوا رجلاً منهم بعدَنا، فإمّا بايعْناهم على ما نَرْضَى، وإمّا نُخالفُهم فيكونُ فساداً، فمَن بايعَ رجلاً مِنْ غيرِ مَشورةٍ منَ المسلمينَ، فلا يُتَابَعُ هو ولا الذي بايعَه تَغِرّةً أن يُقْتَلا. ٥٩٠ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب رَجْم الحُبْلَى في الزِّنى)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((من الزّنى)). ١٤٦/١٢ قوله: ((إذا أحْصَنَت)) أي: تزوَّجَت، قال / الإسماعيليّ: يريد إذا حَبِلَت من زِنَّى على الإحصان ثمَّ وضَعَت، فأمَّا وهي حُبلَى فلا تُرجَم حتَّى تَضَعَ. وقال ابن بَطّال: معنى التَّرجمة: هل يجبُ على الحُبلَى رَجمٌ أو لا؟ وقد استَقَرَّ الإجماع على أنَّها لا تُرجَم حتَّى تَضَعَ. قال النَّوويّ: كذا لو كان حَدُّها الجَلدَ لا تُجُلَد حتَّى تَضَعَ، وكذا مَن وجَبَ عليها قِصاصُ وهي حامل لا يُقتَمُّ منها حتَّى تَضَع بالإجماع في كلّ ذلك، انتهى. وقد كان عمر أراد أن يَرجُم الحُبلَى فقال له مَعاذٌ: لا سبيلَ لك عليها حتَّى تَضَع ما في بطنها، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٨٨/١٠) ورجاله ثقات، واختُلِفَ بعد الوضع فقال مالك: إذا وضَعَت رُجِمَت ولا يُنْتَظَرِ أن يُكفَل ولدُها، وقال الكوفيّونَ: لا تُرجَم حين تَضَعَ حتَّى تَجِدَ مَن يَكفُل ولدَها، وهو قولُ الشافعيِّ وروايةٌ عن مالكِ، وزاد الشافعيّ: لا تُرجَم حتَّى تُرضِع اللِّباً(١). وقد أخرج مسلم (١٦٩٦) من حديث عمران بن حُصَينٍ: أنَّ امرأةٌ مِنْ جُهَينةَ أتتِ النبيَّ بَّهِ وهي حُبلَى من الزِّنى، فذكرت أنَّهَا زَنَت فأمَرَها أن تَقْعُد حتَّى تَضَع، فلمَّا وضَعَت أتته فأمَرَ بها فُرُجِمَت. وعنده (١٦٩٥ / ٢٢) من حديث بُرَيدة: أنَّ امرأةً من غامِدٍ قالت: يا رسول الله، طَهِّرني، فقالت: إنَّها حُبْلَى من الزّنى، فقال لها: ((حتَّى تَضَعي). فلمَّا وضَعَت قال: ((لا نَرُها ونَدَعَ(٢) ولدَها صغيراً ليس له مَن يُرضِعُه)) فقامَ رجل فقال: إليَّ رَضاعُه يا رسول الله، فَرَجَها. وفي رواية له (١٦٩٥ / ٢٣): فأرضَعَته حتَّى فطَمَته، فَدَفَعتْه إلى رجل من المسلمينَ وَرَجَها. وجُمِعَ بين روايتَي بُرَيدة بأنَّ في الثّانية زيادةً، فتُحمَل الأولى على أنَّ المراد بقولِه: ((إليَّ إرضاعهُ)) أي: تَربيّتُه. وجُمعَ بين حديثَي عِمران وبُرَيدة بأنَّ الْجُهَنَّةَ كان لولدِها مَن يُرضِعُه بخِلَاف الغامديَّة. (١) واللّبأُ: أوَّل اللَّبن عند الولادة. (٢) تحرَّف في (س) إلى: ((وتضع)). ٥٩١ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود قوله: ((عن صالح)) هو ابن كَيْسانَ، ووَقَعَ كذلك عند يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)) عن عبد العزيز شيخ البخاريّ فيه بسنده، وأخرجه الإسماعيليّ من طريقه. قوله: ((عن الزُّهْريّ عن عُبيد الله بن عبد الله)) في رواية مالك: عن الزُّهْريّ أنَّ عُبيد الله ابن عبد الله بن عُتبة أخبَرَه(١)، أخرجه أحمدُ (٣٩١) والدّارَ قُطنيّ في ((الغرائب)) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤١٤). قوله: ((عن ابن عبّاس)) في رواية مالك: أنَّ عبد الله بن عبَّاس أخبَرَه. قوله: ((كنت أُقْرِئ رجالاً من المهاجِرينَ منهم عبد الرّحمن بن عَوْف)» لم أقِفْ على اسم أحد منهم غيره، زاد مالكٌ في روايته(٢): في خِلَافة عمر، فلم أرَ رجلاً يَجِدٍ من الإِقْشَعْرِيرة(٣) ما تَجِد عبد الرَّحمن عند القراءةِ. قال الدَّاوُوديّ فيما نَقَلَه ابن التِّين: معنى قوله: (كنت أُقْرِئ رجالاً) أي: أتعَلَّم منهم القرآن، لأنَّ ابن عبّاس كان عند وفاة النبيِّ وَّهِ إِنَّمَا حَفِظَ المفضَّلَ من المهاجِرِينَ والأنصار، قال: وهذا الذي قاله خروجٌ عن الظّاهر بل عن النَّصّ، لأنَّ قوله: أُقِرِئ مَعناهُ: أُعَلِّم. قلت: ويُؤْيِّد التَّعَقُّبَ ما وَقَعَ في رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزُّهْريّ: كنت أختَلِف إلى عبد الرَّحمن بن عَوْف ونحنُ بمِنَّى مع عمر بن الخطّب أُعَلِّم عبدَ الرَّحمن بنَ عَوْف القرآنَ، أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٤ /٥٦٣ -٥٦٧)(٤). وكان ابنُ عبَّاس ذَكيّاً سريع الحفظ، وكان كثيرٌ من الصحابة لاشتغالهم بالجهاد لم يَستَوعِبوا القرآن حِفظاً، وكان مَنِ اتَّفَقَ له ذلك يَستَدرِكه بعد الوفاة النبويَّة وإقامَتهم بالمدينة، فكانوا يَعتَمِدونَ على نُجَباء الأبناء فيُقرِئونَهم تلقيناً للحفظ. (١) رواية مالك سلفت مختصرة برقم (٢٤٦٢) و(٣٩٢٨)، ولفظها: حدثني ابن وهب قال: حدثني مالك وأخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. وانظر ((التمهيد)) لابن عبد البر ٢٣ /٩٥ -٩٦. (٢) عند ابن حبان (٤١٤). (٣) يقال: اقشَعَرَّ الجِلْدُ اقشِعْراراً: أخذتْهُ رِعْدة. ((اللسان)) (قشعر). (٤) وهو أيضاً في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٢ / ٦٥٧ من طريق ابن إسحاق. ٥٩٢ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فبينما أنا بمَنْزِلِه بِمِنَّى وهو عند عمرَ)» في رواية ابن إسحاق: فأتيته في المنزل فلم أجِدْهُ فانتَظَرتُه حتَّى جاء. قوله: «في آخر حَجّة حَجّها)) يعني: عمرَ، كان ذلك سنةَ ثلاثٍ وعشرينَ. قوله: ((لو رأيت رجلاً أتى أميرَ المؤمنينَ اليومَ)) لم أقِفْ على اسمه. قوله: ((هل لك في فلان)) لم أقِفْ على اسمه أيضاً، ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق أنَّ مَن قال ذلك كان أكثرَ من واحدٍ، ولفظُه: أنَّ رجلَينٍ من الأنصار ذَكَرا بيعة أبي بكر. قوله: ((لقد بايعتُ فلاناً) هو طلحةُ بن عُبيد الله، أخرجه البزَّار (٢٨٦) من طريق أبي مَعشَر عن زيد بن أسلَمَ عن أبيه، وعن عُمر(١) مولى غُفْرَةَ - بضمِّ المعجَمة وسكون الفاء - قالا: قَدِمَ على أبي بكر مالٌ - فذكر قصَّة طويلة في قَسم الفَيء ثمَّ قال ـ: حتَّى إذا كان من ١٤٧/١٢ آخر السَّنة / التي حَجَّ فيها عمرُ قال بعض الناس: لو قد ماتَ أمير المؤمنينَ أَقَمنا فلاناً، يَعنونَ طلحةَ بنَ عُبيد الله. ونَقَلَ ابن بَطّال عن المهلَّب: أنَّ الذينَ عَنَوا أنَّهم يُبابِعونَه رجلاً من الأنصار، ولم يذكُر مُستَنَده في ذلك. قوله: «فوالله ما كانت بيعةُ أبي بكرٍ إلّا فَلْتَةً))، بفتح الفاء وسكون اللّام بعدها مُثنّاة ثمَّ تاء تأنيث، أي: فجأةً وزنُه ومعناه، وجاء عن سُحنون عن أشهَبَ أنَّه كان يقولها بضمِّ الفاء ويُفسِّرها بانِفِلات الشَّيء من الشَّيء ويقول: إنَّ الفتح غَلَطٌ، وإِنَّه إنَّما يقال: فيما يُندَم عليه، وبيعة أبي بكر ممَّا لا يَندَم عليه أحد، وتُعقِّبَ بِثُبُوتِ الرِّواية بفتح الفاء، ولا يَلزَم من وقوع الشَّيء بغتةً أن يَندَم عليه كلُّ أحدٍ، بل يُمكِنِ النَّدَمُ عليه من بعضٍ دونَ بعضٍ، وإنَّما أطلقوا على بيعة أبي بكر ذلك بالنِّسبة لمن لم يَحَضُرْها في الحال الأوَّلِ، ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق بعد قولِه: فَلْتَةً: فما يَمنَع امرأً إن هَلَكَ هذا أن يقوم إلى مَن يريدُ(٢) فيَضرِب على يده فتكون، - أي: البيعة - كما كانت، أي: في قصَّة أبي بكر، وسيأتي مزيدٌ في معنى الفَلْتَةِ بعدُ. (١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: عمير، والتصويب من مصادر ترجمته: ((التاريخ الكبير)) للبخاري ١٦٩/٦، و ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ١١٩/٦ وغيرهما. (٢) في المطبوع من ((المصنف)) لابن أبي شيبة ١٤ / ٥٦٤: ((إلى مَن يُحِبُّ)). ٥٩٣ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود قوله: ((فغَضِبَ عمرُ)) زاد ابنُ إسحاق: غَضَباً ما رأيته غَضِبَ مِثله مُنذُ كان. قوله: ((أن يَغْصِبوهم أُمورَهُم)) كذا في رواية الجميع بغَيْنِ مُعجَمة وصادٍ مُهمَلةٍ، وفي رواية مالك: يَغتَصِبوهم (١) بزيادة مُثنّاة بعد الغَين المعجمة. وحكى ابن التِّين أنَّه رويَ بالعين المهمَلة وضمٍّ أوَّله من أعضَبَ، أي: صارَ لا ناصِرَ له، والمَعْضُوبُ: الضَّعيفُ، وهو من عَضِبَتِ الشّاةُ: إذا انكَسَرَ أحدُ قَرنَيها أو قَرُها الدّاخل وهو المُشاشُ، والمعنى: أَّهم يَغْلِبونَ على الأمر فيَضعُف لضعِفِهم، والأوَّل أوْلى، والمراد أنَّهم يَثْبُتُونَ على الأمر بغير عهدٍ ولا مُشاورةٍ، وقد وَقَعَ ذلك بعد عليٍّ وَفْقَ مَا حَذَّرَه عمرُ ﴾. قوله: ((يَجِمَعْ رَعاعَ الناس وغَوْغاءَهم)) الزَّعاع بفتح الرَّاء وبمُهمَلَتَينِ: الْجَهَلةُ الرُّذَلَاءُ، وقيل: الشَّباب منهم. والغَوْغاءُ بمُعجَمَتَينِ بينهما واو ساكنةٌ، أصلُه صِغار الجَراد حين يَبْدَأ في الطَّيَران، ويُطلَق على السَّفِلَةِ المُتَسَرِّعينَ (٣) إلى الشرّ. قوله: ((يَغْلِبونَ على قُرْبِكَ)) بضمِّ القاف وسكون الرَّاء ثمَّ موحّدة، أي: المكان الذي يَقْرُب مِنْك، ووَقَعَ في رواية الكُثْمِيهنيّ وأبي زيد المروزيِّ بكسر القاف وبالنّونِ(٣)، وهو خطأ، وفي رواية ابن وهب عن مالك: على مَجَلِسك إذا قُمتَ في الناس(٤). قوله: (يُطَيِّرُها)) بضمٌّ أوَّله، من: أطارَ الشَّيءَ: إذا أطلقَه، وللسَّرَخسيِّ: يَطِيرُ بها، بفتح أوَّله، أي: يَحمِلونَها على غير وَجْهها، ومثله لابنِ وهب وقال: يَطِيرُ بها أولئكَ ولا يعونَها، أي: لا يَعرِفونَ المراد بها. قوله: ((فتَخْلُص)) بضمِّ اللّام بعدها مُهمَلة، أي: تَصِلُ. (١) عند ابن حبان (٤١٤)، ولفظه: ((هؤلاء الذين يغتصبون الأمّةَ أمرَهم)) (٢) كذا في (أ) ومثله في ((عمدة القاري)) ٨/٢٤، ووقع في (س): ((المسرعين)). (٣) يعني ((قِرْنِكَ))، وقال القاضي عياض في ((المشارق)) ٢/ ١٨٢ : والأوَّلُ الصحيح. يعني رواية الباء. (٤) رواية ابن وهب عن مالك تقدمت عند البخاري مختصرة برقم (٢٤٦٢) و(٣٩٢٨)، فلذلك لم يظهر هذا الحرفُ فيها، وهو ثابت باللفظ المذكور في رواية إسحاق بن عيسى عن مالك عند أحمد (٣٩١). ٥٩٤ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (لَأُقْومَنَّ) في رواية مالكِ: فقال: لَئِن قَدِمت المدينة صالحاً لَأُكلِّمَنَّ الناس بها (١). قوله: ((أقومه)) في رواية المُستمْلي(٢) والسَّرَخْسيّ: أقوم، بحذفِ الضَّمير. قوله: ((في عَقِبِ ذي الحِجّة)) بضمِّ المهمَلة وسكون القاف وبفتحِها وكَسْر القافِ وهو أولى، فإنَّ الأوَّل يقال لما بعد التكمِلة، والثّاني لما قَرُبَ منها، يقال: جاء عَقِبَ الشَّهر بالوجهَين، والواقع الثّاني؛ لأنَّ قُدومَ عُمَرَ كان قبلَ أن يَنسَلِخِ ذو الحِجّة في يوم الأربعاء. قوله: ((عَجَّلْت الرَّواحَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: بالرَّواح، زاد سفيان عند البزَّار (١٩٤): وجاءتِ الجمعةُ وذكرت ما حدَّثني عبد الرَّحمن بن عَوْف فهَجَّرت إلى المسجد. وفي رواية جويريةَ عن مالك عند ابن حِبّان (٤١٤) والدّارَ قُطْنيّ: لِمَا أخبرني. قوله: ((حين زاغَتِ الشَّمسُ)» في رواية مالك: حین کانت صَكّة عُمَيٍّ بفتح الصّاد وتشديد الكاف، وعُمَيّ بضمٌّ أوَّله وفتح الميم وتشديد التَّحتانيَّة، وقيل: بتشديد الميم وزن حُبلَى، زاد أحمدُ (٣٩١) عن إسحاقَ بن عيسى: قلت لمالكِ: ما صَكّة عُمَيٍّ؟ قال: الأعمَى قال: لا يُبالي أيَّ ساعةٍ خَرَجَ لا يَعرِف الخرّ من البرد أو نحو هذا. قلت: وهو تفسير معنّى، وقال أبو هلال العسكريّ: المراد به اشتداد الهاجِرة، والأصل فيه أنَّه اسمُ رجلٍ من العمالقة يقال له: عُمَيّ غَزَا قوماً في قائم الظَّهيرة فأوقَعَ بهم ١٤٨/١٢ فصارَ مثلاً لكلِّ مَن جاء في ذلك الوقت، وقيل: هو / رجلٌ من عَدْوانَ كان يُفيض بالحاجِ عند الهاجِرة فضُرِبَ به المثلُ، وقيل: المعنى: أنَّ الشَّخص في هذا الوقت يكون كالأعمَى لا يَقدِر على مُباشَرة الشَّمسِ بعَينِهِ، وقيل: أصلُه أنَّ الظَّبْيَ يَسْدَرُ(٣)، أي: يَدُوخ من شِدّة الحرّ فيَصُكّ برأسِه ما واجَهَه. وللدّارَ قُطْنيٍّ من طريق سعيد بن داود عن مالكٍ: صَكّة عُميّ ساعة من النَّهار تُسمّيها العرب، وهو نصف النَّهار أو قريباً منه. (١) عند أحمد (٣٩١)، وابن حبان (٤١٤)، ولفظ عقيل أيضاً عند النسائي في ((الكبرى)) (٧١٢٢). (٢) وقع في (س): الكُشميهني، وهو خطأ. (٣) تحرَّف في (س) إلى: یدور. ٥٩٥ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود قوله: ((فجَلَسْتِ حَوْلَه)) في رواية الإسماعيليّ: حَذْوَهُ، وکذا لمالكٍ، وفي رواية إسحاق الفَرْويِّ(١) عن مالك: حِذاءَه، وفي رواية مَعمَر: فجَلَسْت إلى جَنْبِه تَمَسُ رُكْبَتِي رُكْبَته(٢). قوله: ((فلم أنشَبْ)) بنونٍ ومُعجَمة وموحّدة، أي: لم أتعَلَّق بشيءٍ غير ما كنت فيه والمراد: سرعةُ خروجٍ عمرَ. قوله: ((أن خَرَجَ)) أي: من مكانه إلى جهة المِنْبَرَ، وفي رواية مالك(٣): أن طَلَعَ عمر - أي: ظَهَرَ - يَؤُمّ المِنْبَر، أي: يَقصِده. قوله: ((لَيقولَنَّ العَشِيَّةَ مقالةً)» أي: عمرُ. قوله: ((لم يَقُلْها منذُ اسْتُخْلِفَ)) في رواية مالك: لم يَقُلها أحد قَطُّ قبلَه. قوله: ((ما عَسَيتَ)) في رواية الإسماعيليّ: ما عَسَى. قوله: ((أن يقول ما لم يَقُل قبلَه)) زاد سفيان(٤): فغَضِبَ سعيد وقال: ما عَسَيتَ، قيل: أراد ابن عبّاس أن يُنَبِّهَ سعيداً مُعتَمِداً على ما أخبَرَه به عبدُ الرَّحمن ليكونَ على يَقَظةٍ فيُلقيَ بالَه لما يقوله عمرُ، فلم يقع ذلك من سعيد مَوقِعاً بل أنكَرَه، لأَنَّه لم يَعلمْ بما سَبَقَ لعمرَ، وبناءً على أنَّ الأُمور استَقَرَّت. قوله: ((لا أدْري لعلَّها بين يَدَي أجَلي)) أي: بقُربٍ موتي، وهو من الأُمور التي جَرَت على لسان عمرَ فوَقَعَت كما قال، ووَقَعَ في رواية أبي مَعشَر المشار إليها قبلُ ما يُؤخَذ منه سَببُ ذلك، وأنَّ عمرَ قال في خُطِبَتَه هذه: رأيت رؤيايَ وما ذاكَ إلّا عند اقترابٍ أجَلي، رأيت كأنَّ (١) تحرَّف في (س) إلى: ((الغروي)) بالغين، وأخرجه من روايته ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٩٥/٢٣ -٩٦ لكن لم يسق لفظ الحديث بتمامه، فيكون الحافظ وقف على روايته بطولها في بعض المصادر التي توفرت لديه، وقد وقع هذا اللفظ أيضاً عند أحمد في («المسند» (٣٩١) من رواية إسحاق بن عيسى عن مالك. (٢) رواية معمر بهذا اللفظ عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٥٨)، وأصله عند البخاري برقم (٧٣٢٣)، لكنه لم يسق لفظه بتمامه. (٣) عند ابن حبان في ((صحیحه)) (٤١٤). (٤) رواية سفيان عند البزار برقم (١٩٤)، وابن عساكر ٣٠/ ٢٨٣، وأصله عند البخاري (٦٨٢٩) لكنه لم یسق لفظه بتمامه. ٥٩٦ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري ديكاً نَقَرَني. وفي مُرسَل سعيد بن المسيّب في ((الموطَّأ)) (٢/ ٨٢٤): أنَّ عمر لمَّا صَدَرَ من الحجّ دَعَا اللهَ أن يَقْبِضَه إليه غير مُضَيِّع ولا مُفرِّطٍ، وقال في آخر القصَّة: فما انسَلَخَ ذو الِحِجّة حتَّى قُتِلَ عمرُ. قوله: ((إنَّ الله بَعَثَ محمَّداً وَِّ بالحقِّ)) قال الطِّييُّ: قَدَّمَ عمر هذا الكلام قبلَ ما أراد أن يقوله تَوطِئةً له ليَتَيَقَّظَ السامعُ لِمَا يقول. قوله: ((فکان ممّا)» في روایة الگُشْمِیھنیّ: فيما. قوله: ((آيَةُ الرَّجْمِ)) تقدَّم القول فيها في الباب الذي قبله. قال الطَّييُّ: آية الرَّجم بالرَّفع اسمُ ((كان)» وخَبَرُها ((مِنْ)) التَّبعيضيَّة في قوله: ((مَّا أَنزَلَ اللهُ) ففيه تقديمُ الخبر على الاسم وهو کثیر. قوله: ((وَعَيْناها، رَجَمَ رسولُ اللهِ وَّه)) في رواية الإسماعيليّ: ((ورَجَمَ)) بزيادة واوٍ، وكذا لمالكِ(١). قوله: ((فأخشَى)) في رواية مَعمَر: وإنّ خائفٌ. قوله: ((فِيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنزَلَهَا اللهُ) أي: في الآية المذكورة التي نُسِخَت تِلاوتها وبَقِيَ حُكمُها، وقد وَقَعَ ما خَشيَه عمرُ أيضاً، فأنكَرَ الرَّجم طائفةٌ من الخوارج أو مُعظَّمُهم وبعضُ المعتَزِلة، ويحتمل أن يكون استَنَدَ في ذلك إلى توقيفٍ، وقد أخرج عبد الرَّزّاق (١٣٣٦٤) والطََّريّ من وجهٍ آخَر عن ابن عبّاس أنَّ عمرَ قال: سَيَجيُ قوم يُكلِّبونَ بالرَّجمِ. الحديثَ. ووَقَعَ في رواية سَعْد(٢) بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة في حديث عمر عند النَّسائيِّ (ك ٧١١٦): وإِنَّ ناساً يقولون: ما بالُ الرَّجم وإنَّما في كتاب الله الجَلدُ؟ ألا قد (١) عند أحمد في ((المسند)) (٣٩١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧١١٩)، وابن حبّان في («صحيحه)) (٤١٣)، و کذا وقع في رواية هشیم عن الزهري عند أبي داود (٤٤١٨). (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: سعيد. وإنما هو سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. ٥٩٧ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود رَجَمَ رسول اللهِوََّ(١). وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عمرَ استَحضَرَ أنَّ ناساً قالوا ذلك فَرَدَّ عليهم. وفي (الموطأ) عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر: إيّاكم أن تَهِلِكُوا عن آية الرَّجم أن يقولَ قائلٌ: لا أجِدُ حَدَّينِ في كتاب الله، فقد رَجَمَ [رسولُ اللهِوَلَهُ وَرَجَمْنا](٢). قوله: ((والرَّجْم في كتاب الله حَقّ)) أي: في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ١٥] فبَيَّن النبيُّ وَّهِ أَنَّ المرادَ به رَجمُ الثَّيِّب وجَلدُ الِكْرِ كما تقدَّم التَّنبيه عليه في قصَّة العَسِيف قريباً(٣). قوله: ((إذا قامَتِ البيَّةُ)) أي: بشرطِها. قوله: ((إذا أُحصِنَ)) أي: كان بالغاً عاقلاً، قد تزوَّجَ حُرّةً تَزويجاً صحيحاً وجامَعَها. ? قوله: ((أو كان الحَبَلُ)) بفتح المهملة والموخَّدة، في رواية مَعمَر: الحَمْلُ، أي: وُجِدَتِ المرأة الخَليَّة من زوج أو سَيِّد حُبلَى ولم تَذكُر شُبهةً ولا إكراهاً(٤). قوله: ((أو الاغْتِرافُ)) أي: الإقرارُ بالزّنى والاستمرارُ عليه، وفي رواية سفيان: أو كان حَملاً أو ١٤٩/١٢ اعترافاً، ونُصِبَ على نَزع الخافض، أي: كان الزِّنى عن حَملِ أو عن اعترافٍ. قوله: ((ثمَّ إِنّا كنَّا نَقْرَأْ فيما نَقْرَأْ من كتاب الله)) أي: ممَّا نُسِخَت تِلاوتُه. قوله: ((لا تَرْغَبوا عن آبائكم)) أي: لا تَنَتَسِبُوا إلى غيرهم. قوله: ((فإِنَّه ◌ُفْرٌ بِكَم أن تَرْغَبوا عن آبائكُم، أو إنَّ كُفْراً بَكْم)) كذا هو بالشكّ، وكذا في رواية مَعمَر بالشكِّ لكن قال: لا تَرغَبوا عن آبائكم فإنَّه كفرٌ بكَم، أو إنَّ كفراً بكُم أن تَرغَبوا عن آبائگم. ووقع في رواية جُویریةً عن مالك(٥): فإنَّ کفراً گم أن تَرغبوا عن آبائكُم. (١) وهو في ((مسند أحمد)) (٣٥٢) من الطريق وباللفظ المذكورين. (٢) ((الموطأ)) ٢/ ٨٢٤، وما بين المعقوفين منه. (٣) عند الحديث (٦٨٢٧). (٤) وقع في (س): ((إكراه))، ويصُّ على أن يكون الفعل مبنياً للمجهول. (٥) عند ابن حبان (٤١٤). ٥٩٨ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ألا ثمَّ إنَّ رسول الله وَ لّ) في رواية مالكٍ: ألا وإنَّ، بالواو بَدَل: ثمَّ، وألَا بالتَّخفيفِ حرف افتتاح كلامٍ غيرِ الذي قبله. قوله: ((لا تُطْرُوني)) هذا القَدر مما سمعَه سفيان من الزُّهْريّ أَفَرَدَه الحميديّ في «مُسنَده)) (٢٧) عن ابن عُبَينَةَ سمعت الزُّهْريّ به. وقد تقدَّم مُفرَداً في ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥) عن الحميديّ بسندِه هذا وتقدَّم شرح الإطراءِ. قوله: ((كما أُطْرِيَ عيسى)) في رواية سفيان: ((كما أطرَتِ النَّصارَى عيسى)). قوله: ((وقولوا عبد الله)) في رواية مالكٍ: ((فإنَّما أنا عبدُ الله فقُولوا)) قال ابن الجَوْزيّ: لا يَلزَم من النَّهي عن الشَّيء وقوعُه؛ لأنَا لا نعلم أحداً اذَّعَى في نبيًِّا ما اذَّعَته النَّصَارَى في عيسى، وإِنَّا سبب النَّهي فيما يظهر ما وَقَعَ في حديث معاذ بن جبل لمَّا استأذَنَ في السُّجود له فامتَنَعَ ونَهَاهُ، فكأنَّه خَشِيَ أن يُبَالِغَ غيرُه بما هو فوقَ ذلك، فبادَرَ إلى النَّهي تأكيداً للأمر. وقال ابن التِّين: معنى قوله: ((لا تُطْرُوني)) لا تَدَحُوني كَمَدح النَّصارَى، حتَّى غَلا بعضُهم في عيسى فجعلَه إلهاً مع الله، وبعضُهم اذَّعَى أَنَّه هو الله، وبعضُهم ابنُ الله. ثمَّ أردَفَ النَّهيَ بقولِه: ((أنا عبدُ الله)) قال: والنُّكتة في إيراد عمرَ هذه القصَّةَ هنا أنَّه خَشِيَ عليهم الغُلوَّ، يعني: خَشِيَ على مَن لا قوّةً له في الفَهم أن يَظُنّ بشَخصِ استحقاقَه الْخِلَافَةَ فيقوم في ذلك مع أنَّ المذكور لا يَسْتَحِقّ، فَيُطْرِيه بما ليس فيه فيَدخُل فِي النَّهي. ويحتمل أن تكون المناسَبة أنَّ الذي وَقَعَ منه في مَدح أبي بكر ليس من الإطراء المنهيِّ عنه ومن ثَمَّ قال: وليس فيكم مِثل أبي بكر، ومُناسَبة إيراد عمرَ قصَّة الرَّجْمِ والزَّجْرِ عن الرَّغبة عن الآباء للقصَّة التي خَطَبَ بسببها وهي قولُ القائل: لو ماتَ عمر لَبايعتُ فلاناً، أنَّه أشارَ بقصَّة الرَّجم إلى زَجْر مَن يقول: لا أعمَل في الأحكام الشَّرعيَّة إلّا بما وجَدتُه في القرآن وليس في القرآن تصريحٌ باشتراطِ التَّشاور إذا ماتَ الخليفة، بل إنَّما يُؤخَذ ذلك من جهة السُّنّة كما أنَّ الرَّجم ليس فيما يُتْلَى من القرآن وهو مأخوذٌ من طريق السُّنّة، وأمَّا الَّجر عن الرَّغبة عن الآباء، فكأنَّه أشارَ إلى أنَّ الخليفة يتنزّل للرَّعيَّة مَنزِلَةَ الأب فلا يجوز ٥٩٩ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ كتاب الحدود لهم أن يَرغَبوا عنه(١) إلى غيره، بل يجب عليهم طاعَتُه بشرطِها كما تجب طاعة الأب، هذا الذي ظَهَرَ لي من المناسَبة والعلم عند الله تعالى. قوله: «ألا وإنَّها)» أي: بيعة أبي بكر. قوله: ((قد كانت كذلك)) أي: فَلْتَةً، وصَرَّحَ بذلك في رواية إسحاق بن عيسى عن مالكٍ، حكى تَعَلَب عن ابن الأعرابيّ، وأخرجه سيفٌ في ((الفُتوح)) بسَنِدِه عن سالم بن عبد الله بن عمر نحوَه قال: الفَلْتُ: اللَّيلة التي يُشَكّ فيها هل هي من رَجَبٍ أو شَعبان؟ وهل هي (٢) من المحرَّم أو صَفَرٍ، كان العرب لا يُشِهِرونَ السِّلاحِ في الأشهر الحُرُم، فكان مَن له ثَأْرٌ تَرَبَّصَ، فإذا جاءت تلكَ اللَّيلة انتَهَزَ الغُرصة من قبل أن يتحقّق انسلاخ الشّهر فیتمكَّن ممن يريد إيقاع الشرّ به وهو آمِنٌ، فَيَتَرتَّب على ذلك الشرُّ الكثيرُ، فشَبَّهَ عمرُ الحياةَ النبويَّة بالشَّهرِ الحرام، والفَلْتَةَ بما وَقَعَ من أهل الرِّة ووقَى اللهُ شَرَّ ذلك ببيعة أبي بكر لما وَقَعَ منه من النُّهوض في قتالهم وإخماد شَوكَتهم، كذا قال والأولى أن يقال: الجامعُ بينهما انتهازُ الفُرصة، لكن كان يَنشَأ عن أخْذِ الثَّار الشُرُّ الكثيرُ، فوقَى الله المسلمينَ شَرَّ ذلك، فلم يَنشَأ عن بيعة أبي بكر شَرّ، بل أطاعَه/ الناس كلّهم مَن حَضَرَ ١٥٠/١٢ البيعة ومَن غاب عنها. وفي قوله: ((وقَى اللهُ شَرَّها)) إيماءُ إلى التَّحذير من الوقوع في مِثل ذلك حيثُ لا يُؤْمَن من وُقوع الشرِّ والاختلاف. قوله: ((ولكنَّاللهَ وقَى شَرّها)) أي: وقاهُم ما في العَجَلة غالباً من الشّ، لأنَّ من العادة أنَّ مَن لم يَطَّلِعِ على الحكمة في الشَّيء الذي يُفعل بَغتَةً لا يَرضاه، وقد بيَّن عمرُ سبَبَ إسراعِهم ببيعة أبي بكر لما خَشوا أن يُبايع الأنصارُ سعدَ بنَ عُبادة، قال أبو عبيدة: عاجلوا ببيعة أبي بكر خِيفةً انتشار الأمر وأن يَتَعلَّق بهمَن لا يَستَحِقْه فیقع الشُّ. وقال الدَّاوُوديّ: معنى قوله: (كانت فَلْتَةً)) أنَّهَا وَقَعَت من غير مَشورة مع جميع مَن كان (١) قوله: ((عنه)) سقط من (س). (٢) قوله: ((هي)) سقط من (س). ٦٠٠ باب ٣١ / ح ٦٨٣٠ فتح الباري بشرح البخاري ينبغي أن يُشاوَرَ، وأَنكَرَ هذه الكرابيسيّ صاحبُ الشافعيّ وقال: بل المراد أنَّ أبا بكر ومَن معه تَفَلَّتوا في ذهَابهم إلى الأنصار، فبايعوا أبا بكر بحَضرَتِهِم، وفيهم مَن لا يَعرِف ما يجب عليه من بيعَته فقال: مِنّا أميرٌ ومِنكم أميرٌ، فالمراد بالفَلْتَةِ: ما وَقَعَ من مُخالَفة الأنصار، وما أرادوه من مُبايعة سعدٍ بن عُبادة . وقال ابن حِبّان: معنى قوله: ((كانت فَلْتَةً)) أنَّ ابتداءَها كان عن غيرِ مَلَأ كثيرٍ، والشَّيءُ إذا كان كذلك يقال له: الفَلتَةُ فيُتوقَّع فيه ما لعلَّه يَحدُث من الشرّ بمُخالَفة مَن يُخالف في ذلك عادةً، فكَفَى الله المسلمينَ الشرّ المتوقَّعَ في ذلك عادةً، لا أنَّ بيعة أبي بكر کان فيها شرٌّ . قوله: ((وليس فيكم مَن تُقْطَع الأعناقُ إليه مِثْلُ أبي بَكْر)) قال الخطَّبيُّ: يريد أنَّ السابق منكم الذي لا يُلحَق في الفضل لا يَصِل إلى مَنزِلة أبي بكر، فلا يَطمَع أحدٌ أن يقع له مِثل ما وَقَعَ لأبي بكر من المبايعة له أوَّلاً في الملأ اليسير، ثمَّ اجتماع الناس عليه وعَدَم اختلافِهم عليه لما تَحَقَّقوا من استحقاقه، فلم يحتاجوا في أمره إلى نَظَرٍ ولا إلى مُشاورةٍ أُخرى، ولیس غيره في ذلك مِثله. انتهى مُلخَّصاً. وفيه إشارةٌ إلى التَّحذير من المسارعة إلى مِثل ذلك حيثُ لا يكون هناك مِثل أبي بكر لِمَا اجتَمَعَ فيه من الصِّفات المحمودة من قُوَّتِهِ (١) في أمر الله، ولِين جانبِه للمسلمينَ، وحُسن خُلُقِهِ، ومَعرِفَته بالسّياسة، وورَعه التامّ، فمن لا يُوجَد فيه مِثل صفاته لا يُؤمَن من مُبايعَته عن غير مَشورة الاختلافُ الذي يَنشَأ عنه الشَّرُّ. وعَبَّرَ بقولِه: ((تُقطَع الأعناق)) لكَونِ الناظر إلى السابِقِ يُمُدُّ(٢) عُنُقَه لَيَنظُرُّ، فإذا لم يَحَصُل مَقصودُهُ مِنْ سَبْقِ مَن يريد سَبْقَه قيل: انقَطَعَت عُنُقُه، أو لأنَّ المتسابِقَيْنِ تَّ إلى رُؤْيَتهما الأعناقُ حتَّى يَغِيبَ السَابِقُ عن النَّظَرِ، فَعَبَّرَ عن امتناع نَظَرِه بانقطاع عُنُقِهِ. (١) في (س): قيامه. (٢) تحرَّف في (س) إلى: تمتد.