Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
باب ٢٦ / ح ٦٨٢٢
كتاب الحدود
ويُؤيِّده قوله في حديث الباب: فاستَفْتَى رسولَ اللهِوَّه وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: مُستَعيناً،
وضُبِطَتْ بالمهمَلة وبالنّونِ قبل الألف، وبالمعجَمة ثمَّ المثلَّثة(١). والتَّقييدُ بدون الحدِّ يقتضي
أنَّ مَن كان ذَنبه يوجِب الحدّ أنَّ عليه العُقوبةَ ولو تابَ، وقد مَضَى الاختلاف في ذلك في
أوائل الحدود، وأمَّا النَّقييد الأخير فلا مفهومَ له، بل الذي يظهر أنَّه ذُكِرَ لدلالتِه على
تَوبته.
قوله: ((قال عطاء: لم يُعاقبْهُ النبيُّ ◌َّ)) يعني: الذي أخبر أنَّه وَقَعَ في معصية، بل أمهَلَه(٢)
حتَّى صَلَّى معه، ثمَّ أخبَرَه(٣) بأنَّ صلاته كَفَّرَت ذَنبه.
قوله: ((وقال ابن جُرَيج: لم يُعاقبِ النبيُّ وَِّ الذي جامَعَ في رمضانَ)) تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في
كتاب الصيام (١٩٣٦)، وليس في شيءٍ من طُرقه أنَّه عاقَبَه.
قوله: ((ولم يُعاقِب عمرُ صاحبَ الظَّنْي)) كأنَّه أشارَ بذلك إلى ما ذكره مالكٌ مُنقَطِعاً،
ووَصَلَه سعيد بن منصور بسندٍ صحيح عن قبيصةَ بن جابرٍ قال: خَرْجنا حُجّاجاً فسَنَحَ لي
ظَبْيٌ فَرَمَيته بحَجَرٍ فماتَ، فلمَّا قَدِمنا مَكّة سألنا عمرَ فسألَ عبد الرَّحمن بن عَوْف فحَكما
فيه بعَنزٍ، فقلت: إنَّ أمير المؤمنينَ لم يَدرِ ما يقول حتَّى سألَ غيرَه، قال: فعَلاني بالدِّرّة فقال:
أتقتُلُ الصَّيد في الحَرَم وتُسَفِّه الْحَكَم؟ قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]
وهذا عبد الرَّحمن بن عَوْف وأنا عمرُ(٤). ولا يعارض هذا المنفيَّ الذي في التَّرجمة لأنَّ عمر
إِنَّمَا عَلَاه بالدِّرّة لمَّا طَعَنَ في الْحَكَم، وإلّا لو وَجَبَت عنده عُقوبَتُه(٥) بمُجرَّدِ الفعل المذكور
لمَا أَخَّرَها.
(١) يعني من الاستغاثة والاستعانة، وقال العيني في ((عمدة القاري)) ٢٩٦/٢٣: ويروى: مُستعتباً، من الاستعتاب:
وهو طلب الرضا وطلب إزالة العتب، وفي بعض النسخ: مستقيلاً، من طلب الإقالة.
(٢) في (س): ((بلا مهلة)) وهو تحريف.
(٣) في (س): فأخبره.
(٤) وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في ((المصنف)) (٨٢٤٠)، والبيهقي في ((الكبرى) ١٨١/٥.
(٥) في (س): ((عليه عقوبة)).

٥٦٢
باب ٢٦ / ح ٦٨٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وفيه عن أبي عثمانَ، عن ابن مسعود [عن النبيِّ وَّه](١)) أي: في معنى الحُكم
المذكور في التَّرجمة حديث مَرويٌّ عن أبي عثمان عن ابن مسعود، وزاد الكُشْمِيهنيّ («مِثْلُه)).
وهي زيادة لا حاجة إليها، لأنَّه يصير ظاهره أنَّ النبيَّ وَّهِ لم يُعاقب صاحبَ الظَّبي، ووَقَعَ
في بعض النُّسَخِ: عن ((أبي مسعود))، وهو غَلَط والصَّواب: ابن مسعود، وقد وَصَلَه المؤلِّف
رَحِمَه الله في أوائل كتاب الصلاة في (باب الصلاة كفَّارة)) (٥٢٦) من رواية سليمان التَّيْمِيِّ
عن أبي عثمان به، وأوَّلُه: أنَّ رجلاً أصاب من امرأة قُبلة فأتى النبيِّ وَِّ فأخبَرَه، فنزلت:
﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] الآية. وقد ذكرت شرحه في تفسير سورة هود
(٤٦٨٧)، وأنَّ الأصحّ في تسمية هذا الرجل أنَّه أبو اليَسَرِ كعبُ بن عَمْرو الأنصاريّ، وأنَّ
نحوَ ذلك وَقَعَ لجماعةِ غيرِهِ.
١٣٣/١٢
قوله: ((عن مُميد بن عبد الرَّحمن)» هو ابن عَوْف الزّهْريّ، وقد/ تقدَّم شرحُ حديثه مُستَوفَّى
في كتاب الصيام (١٩٣٦).
قوله: ((وقال اللَّيث ... )) إلى آخره، وَصَلَه المصنِّف في ((التاريخ الصَّغير))(٢) قال: حدَّثني
عبد الله بن صالح حدَّثني اللَّيث به، ورُوِّيناه موصولاً أيضاً في ((الأوسط)) للطَّبَرانيّ (٨٦٥٥)،
((والمستخرج)) للإسماعيليّ.
قوله: ((عن عَمْرو بن الحارث) للَّيث فيه سندٌ آخرُ، أخرجه مسلم (١١١٢/ ٨٥) عن قُتَيبة
ومحمَّد بن رُمح(٣) كلاهما عن اللَّيث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ [عن عبد الرّحمن ابن
القاسم](٤) عن محمَّد بن جعفر بن الزُّبَير، وقد مَضَى في الصيام (١٩٣٥) من وجهٍ آخَر عن يحيى
(١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، وهو ثابت في اليونينية، دون حكاية خلاف في ثبوته لجميع
رواه البخاري، وسياق كلام الحافظ يقتضيه.
(٢) وهو في ((تاريخه الأوسط)) أيضاً برقم (٩٧٤)، و((تاريخه الكبير)) ١/ ٥٤.
(٣) بل عن محمد بن رمح دون قتيبة.
(٤) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، وأثبتناه من مسلم، والنسائي في ((الكبرى)) (٣٠٩٨) و(٣٠٩٩)،
وابن حبان (٣٥٢٨) وغيرهم.

٥٦٣
باب ٢٦ / ح ٦٨٢٢
كتاب الحدود
ابن سعيد موصولاً، وأخرجه مسلم (١١١٢ / ٨٧) من طريق عبد الله بن وهب عن عَمْرو
ابن الحارث.
قوله: (عن عبد الرّحمن بن القاسم) أي: ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدّيق ((عن محمَّد بن
جعفر بن الزُّبَير)) أي: ابن العَوّام ((عن عَبّاد)) وهو ابن عمِّه. ووَقَعَ في رواية ابن وهب: عن
عَمْرو بن الحارث أنَّ عبد الرَّحمن بن القاسم حدَّثه أنَّ محمَّد بن جعفر بن الزُّبَير حدَّثه أنَّ
عَبّاد بن عبد الله حدَّثه.
قوله: ((عن عائشة)) في رواية ابن وهب: أنَّه سمعَ عائشة.
قوله: ((أتى رجلٌ النبيَّ ◌َّ في المسجد)) زاد في رواية ابن وهب: في رمضان.
قوله: ((فقال: احتَرَقْت)) كَرَّرَها ابن وهب.
قوله: ((قال: مِمَّ ذاكَ؟)» في رواية ابن وهب: فسألَه عن شأنه.
قوله: ((قال: ما عندي شيء)) في رواية ابن وهب: فقال: يا نبيَّ الله، ما لي شيءٌ وما أقدر عليه.
قوله: ((فجَلَسَ، فأتاه إنسان)) في رواية ابن وهب: قال: ((اجلِس)) فجَلَسَ فبينما هو على
ذلك أقبَلَ رجلٌ.
قوله: ((ومعه طعامٌ، فقال عبد الرَّحمن)) هو ابن القاسم راوي الحديث ((ما أدْري ما هو؟))
مَقُولُ عبد الرَّحمن، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: قال، بغير فاءٍ، ولم يقع هذا في رواية اللَّيث(١)،
ووَقَعَ فيها عند الإسماعيليّ: عَرَقان فيهما طعام(٢)، وقال: قال أبو صالح عن اللَّيث(٣):
عَرَقٌّ. وكذا قال عبد الوهّاب - يعني الثَّقفيّ - ويزيدُ بن هارون (٤) عن يحيى بن سعيد، قال
الإسماعيليّ: وعَرَقانِ لیس بمحفوظٍ.
(١) يعني روايته عن يحيى بن سعيد عند مسلم وغيره.
(٢) وکذا وقع في رواية اللیث عن یحیی بن سعید.
(٣) يعني في روايته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد أخرجه من طريقه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٥٥/١.
(٤) أما رواية عبد الوهاب فأخرجها مسلم (١١١٢) (٨٦)، وأبو نعيم في ((مستخرجه على مسلم)) (٢٥١٧)،
وأما رواية يزيد بن هارون فهي عند أبي نعيم (٢٥١٧).

٥٦٤
باب ٢٧ / ح ٦٨٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أينَ المحْتَرِق؟)) زاد ابن وَهْبٍ: ((آَنِفاً)».
قوله: ((على أخْوجَ منِّي؟)) هو استفهام حُذِفَت أداته، ووَقَعَ في رواية ابن وهب: أغيرنا؟ أي:
أعلى غيرنا.
قوله: ((ما لأهلي طعام)) في رواية ابن وهب: إنّا لَجِياعٌ (١) ما لنا شيءٌ.
قوله: ((قال: فَكُلُوا)) في رواية ابن وهب: قال: ((فَكُلُوهُ)) وقد مَضَى شرحه في الصيام
(١٩٣٥).
٢٧ - باب إذا أقرَّ بالحدِّ ولم يُبيِّن، هل للإمام أن يَستُرَ عليه؟
٦٨٢٣ - حدّثنا عبدُ القُدّوسِ بنُ محمَّدٍ، حدَّثْنِي عَمْرو بنُ عاصمِ الكِلابِيُّ، حدَّثنَا هَمَّامُ بنُ يحيى،
حدّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ◌َُه، قال: كنتُ عندَ النبيِّ وَلاَ فِجاءَهُ
رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، إنّي أصَبتُ حَدّاً فأقِمْهُ عليَّ، قال: ولم يَسْألُهُ عنه، قال: وحَضَرَتِ
الصَّلاةُ فَصَلَّى مِعَ النبيِّ ◌َّه، فلمَّا قَضَى النبيُّ ◌َّهِ الصَّلاةَ قامَ إليه الرَّجلُ، فقال: يا رسولَ الله،
إنّي أصَبتُ حَدّاً فأقِمٍ فيَّ كتابَ الله، قال: ((أَليسَ قد صَلَّيْتَ مَعَنا؟)) قال: نعم، قال: ((فإنَّ اللهَ قد
غَفَرَ لكَ ذَنْبَكَ)) أو قال: ((حَدَّكَ)).
قوله: ((باب إذا أقَرَّ بالحدِّ ولم يُبيِّن)) أي: لم يُفسِّرِهُ(هل للإمامِ أن يَستُّرَ عليه؟)) تقدَّم في الباب
الذي قبلَه التَّنبيه على حديث أبي أُمامةَ في ذلك(٢) وهو يَدخُل في هذا المعنى.
قوله: ((حدَّثنا عبد القُدّوس بن محمَّد)) أي: ابن عبد الكبير بن شُعَيب بن الحبحاب،
بِمُهمَلَتَينِ مفتوحَتَينِ بينهما موخَّدةٌ ساكنةٌ وآخِرُه موخَّدٌ، وهو بصريّ صَدوق وما له في
البخاريّ إلّا هذا الحديثَ الواحدَ. وعَمْرو بن عاصم: هو الكِلابِيّ وهو من شيوخ البخاريّ
(١) في (س): ((الجياع)) معرَّفاً، وهو تحريف.
(٢) لم يُنَبِّ الحافظ على حديث أبي أمامة قبل ذلك، وإنما نبّه قبل بابٍ على حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف
في قصة رجم ماعز الأسلمي، وحديث أبي أمامة صُديّ بن عجلان الذي بنحو حديث الباب هنا
وأخرجه مسلم (٢٧٦٥) وغيره.

٥٦٥
باب ٢٧ / ح ٦٨٢٣
كتاب الحدود
أخرج عنه بغير واسطة في الأدب (٦١٦٧) وغيره، وقد طَعَنَ الحافظ أبو بكر البَرْدِيجي(١)
في صِحّة هذا الخبر مع كَون الشَّيخَينِ اتَّفَقا عليه، فقال: هو مُنكَر وَهِمَ فيه/ عَمْرو بن ١٣٤/١٢
عاصم مع أنَّ هَمَّاماً كان يحيى بن سعيد لا يَرضاه ويقول: أبانُ العَطّار أمثلُ منه.
قلت: لم يُبيِّ وجْهَ الوَهْمِ، وأمَّا إطلاقه كَونَه مُنكَراً فهو على (٢) طريقَته في تَسميتِهِ ما
يَنْفَرِد به الراوي مُنكَراً إذا لم يكن له مُتابع، لكن يُجاب بأنَّه وإن لم يُوجَد لهَّامٍ ولا لعَمِرِو بن
عاصم فيه مُتابع فشاهدُه حديث أبي أمامةَ الذي أشرتُ إليه، ومن ثَمَّ أخرجه مسلم (٢٧٦٥)
عَقِبَه، والله أعلم.
قوله: ((فجاءَهُ رجلٌ فقال: إنّي أَصَبْت حَدّاً فأقِمْه عليَّ)) لم أقِفْ على اسمه، ولكن مَن
وخَّدَ بينَ(٣) هذه القصَّة والتي في حديث ابن مسعود(٤) فَسَّرَه به، وليس بجيِّدٍ لاختلاف
القِصَّتَين، وعلى التعدُّد جَرَى البخاريّ في هاتَينِ التَّرجمَتَينِ، فحَمَلَ الأولى على مَن أقَرَّ
بذَنبِ دونَ الحدّ للتَّصريح بقولِه: غير أنّي لم أُجامِعْها، وحَمَلَ الثّانية على ما يوجِب الحدَّ
لأَنَّه ظاهر قول الرَّجل، وأمَّا مَن وخَّدَ بين القِصَّتَينِ فقال: لعلَّه ظنَّ ما ليس بحَدٍّ حَدّاً، أو
استَعظَمَ الذي فعَلَه فظنَّ أَنَّه يجب فيه الحدُّ. ولحديثٍ أنس شاهدٌ أيضاً من رواية الأوزاعيِّ
عن شدَّاد أبي عمَّر عن واثلة (٥).
قوله: ((ولم يَسْألُهُ عنه)) أي: لم يَستَفْسِرْهُ، وفي حديث أبي أمامةَ عند مسلم (٢٧٦٥): فسَكَتَ
عنه ثمّ عادَ.
(١) تحرَّف في (س) إلى: البرزَنجي.
(٢) في (س): فعلى طريقته.
(٣) قوله: ((بين)) سقط من (س).
(٤) سلف برقم (٥٢٦).
(٥) المحفوظ في هذا الحديث ذكر أبي أمامة لا واثلة، فقد انفرد الوليد بن مسلم من بين سائر أصحاب الأوزاعي
بذكر واثلة، وغيره يذكر أبا أمامة، وكذلك يرويه عكرمة بن عمار عن شداد، وروايته عند مسلم (٢٧٦٥)،
وانظر تمام تخريجه والكلام علیه في «مسند أحمد)» (١٦٠١٤) و(٢٢١٦٣).

٥٦٦
باب ٢٧ / ح ٦٨٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وحَضَرَتِ الَّصلاةُ)) في حديث أبي أُمامةَ: وأُقيمَتْ.
قوله: ((أليس قد صَلَّيْت مَعَنا؟)) في حديث أبي أُمامةَ: ((أليس حيثُ خَرَجت من بيتك
تَوضَّأت فأحسَنْتَ الوُضوءَ؟» قال: بَلَى. قال: ((ثمَّ شَهِدت مَعَنا الصَّلاة؟)) قال: نعم.
قوله: ((ذَنْبَكَ أو قال حَدَّكَ)) في رواية مسلم (٢٧٦٤) عن الحسن بن عليّ الحُلوانيّ عن
عَمْرو بن عاصم بسندِه فيه: ((قد غَفَرَ لك)) وفي حديث أبي أُمامةَ بالشكِّ ولفظه: ((فإنَّ الله
قد غَفَرَ لك ذنبك، أو قال: حَدّك)).
وقد اختَلَفَ نظر العلماء في هذا الحُكم، فظاهر ترجمة البخاريّ حَملُه على مَن أقَرَّ بحَدٍّ
ولم يُفسِّرِه، فإنَّه لا يجب على الإمام أن يُقيمَه عليه إذا تابَ، وحَمَلَه الخطَّبيُّ على أنَّه يجوز أن
يكون النبيّ وَّرَ اطَّلَعَ بالوحي على أنَّ اللهَ قد غَفَرَ له لكونها واقعةُ عينٍ، وإلّا لكان
يَسْتَفْسِرِه عن الحدّ ويُقيمه عليه، وقال أيضاً في هذا الحديث: إنَّه لا يَكشِف عن الحدود بل
يَدِفَع مهما أمكنَ، وهذا الرجل لم يُفْصِح بأمرٍ يَلزَمُه به إقامةُ الحدّ عليه، فلعلَّه أصاب
صغيرة ظنَّها كبيرةً تُوجِب الحدَّ فلم يَكشِفْهُ النبيُّ ◌َِّ عن ذلك؛ لأنَّ مُوجِبَ الحدِّ لا يَثْبُت
بالاحتمال، وإنَّما لم يَستَفْسِرِه إمّا لأنَّ ذلك قد يَدخُل في التَّجَسُّسِ(١) المنهيّ عنه، وإمّا إيثاراً
للسَّرِ، ورأى أنَّ في تَعرُّضه لإقامة الحدّ عليه نَدَماً ورُجوعاً.
وقد استَحَبَّ العلماء تلقينَ مَن أقَرَّ بِمُوجِبِ الحدّ بالرُّجوع عنه إمّا بالتَّعريضِ وإمّا
بأوضَحَ منه ليَدرأ عنه الحدَّ، وجَزَمَ النَّويّ وجماعة أنَّ الذَّنْبَ الذي فعَلَه كان من الصَّغائر
بدليلِ أنَّ في بقيَّة الخبر أنَّه كَفَّرَته الصلاةُ بناءً على أنَّ الذي تُكَفِّرُه الصَّلاةُ من الذُّنوبِ
الصَّغائر لا الكبائر، وهذا هو الأكثرُ الأغلَب، وقد تُكَفِّرُ الصلاةُ بعضَ الكَبائِرِ كمَن كَثُرَ
تَطَوُّعُه مثلاً بحيثُ صَلَحَ لأن يُكَفِّر عَدَداً كثيراً من الصَّغائر ولم يكن عليه من الصَّغائر
شيءٌ أصلاً أو شيءٌ يسيرٌ وعليه كبيرةٌ واحدةٌ مثلاً، فإنَّهَا تُكَفِّر عنه ذلك لأنَّ الله لا يُضيع
أجْرَ مَن أحسَنَ عملاً.
(١) في (س): التَّجسيس.

٥٦٧
باب ٢٨ / ح ٦٨٢٤
كتاب الحدود
قلت: وقد وَقَعَ في رواية أبي بكر البَرْدِيجِيِّ(١) عن محمَّد بن عبد الملِك الواسطيّ عن عَمْرو
بن عاصم بسندِ حديثِ الباب بلفظ: أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َّ فقال: يا رسولُ الله، إنّي زَنَيتُ فَقِمْ
عليَّ الحَدَّ، الحديثَ فحَمَلَه بعض العلماء على أنَّه ظنَّ ما ليس زِنِّى زِنِّى فلذلك كَفَّرَتْ ذَنْبَه
الصَّلاةُ، وقد يَتَمسَّك به مَن قال: إنَّه إذا جاء تائباً سَقَطَ عنه الحدُّ، ويحتمل أن يكون الراوي
عَبَّرَ بالزِّنى من قوله: أصَبتُ حَدّاً، فرواه بالمعنى الذي ظنَّه والأصلُ ما في (الصَّحيح))، فهو
الذي اتَّفَقَ عليه الحُفّاظ عن عَمْرو بن عاصم بسندِه المذكور.
ويحتمل أن يُخْتَصّ ذلك بالمذكورِ لإخبار النبيّ وَِّ: أنَّ الله قد كَفَّرَ عنه حَدَّه بصلاته،
فإِنَّ ذلك لا يُعرَف إلّا بطريق الوحي، فلا يَستَمِّ الْحُكم في غيره إلّا فيمَن عَلِمَ أنَّه مِثلُه في
ذلك وقد انقَطَعَ عِلمُ ذلك بانقطاع الوحي بعد النبيِّ نَّهِ، وقد تَمَسَّكَ بظاهره صاحبُ/ ١٣٥/١٢
((الهَدْي)) فقال للنّاس في حديث أبي أُمامةَ - يعني: المذكورَ قبلُ - ثلاثُ مَسالكَ: أحدها:
أنَّ الحدّ لا يجبُ إلّا بعدَ تَعبينِهِ والإصرارِ عليه من المُقِرّ به، والثّاني: أنَّ ذلك يَخْتَصّ بالرجلِ
المذكور في القصَّة، والثّالث: أنَّ الحدّ يَسقُط بالتَّوبة، قال: وهذا أصحُ المسالك، وقَوّاه بأنَّ
الحسَنَةَ التي جاء بها من اعترافه طَوعاً بخَشْية الله وحده تُقاوِمِ السَّيِّئَةَ التي عَمِلَها، لأنَّ
حِكمةَ الحُدودِ الرَّدعُ عن العَوْدِ، وصَنيعُه ذلك دالٌّ على ارتداعِه، فناسَبَ دَرْءَ(٢) الحدّ عنه
لذلك، والله أعلم.
٢٨ - باب هل يقول الإمام للمُقرّ: لعلّك لَمَسْتَ أو غَمَزْتَ
٦٨٢٤ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدِ الجُعْفيُّ، حدَّنا وَهْبُ بنُ جَرِير، حدَّثنا أبي، قال:
سمعتُ يَعْلَى بنَ حَكِيمٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لمَّا أتى ماعزُ بنُ
مالكِ النبيَّ ◌َّه قال له: ((لعلَّكَ قَبَّلْتَ، أو غَمَزْتَ، أَو نَظرْتَ؟)) قال: لا يا رسولَ الله، قال:
(أَنِكْتَها؟)) لا يَكْني، قال: فعندَ ذلك أمَرَ بَرَْمِهِ.
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((البرزنجيّ)).
(٢) في (س): ((رفع)).

٥٦٨
باب ٢٨ / ح ٦٨٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب هل يقول الإمام للمُقِرِّ)) أي: بالزِّنى ((لعلَّك لَسْتَ أو غَمَزْت)) هذه التَّرجمة
معقودةٌ لجوازِ تَلقين الإمام المقِرَّ بالحدِّ ما يَدفَعُه عنه، وقد خَصَّه بعضُهم بمَن يُظنّ به أنَّه
أخطأ أو جَهِلَ.
قوله: «سمعتُ یَعْلی بن حکیم)» في رواية موسى بن إسماعيل عند أبي داود (٤٤٢٧) عن
جَرِير بن حازم: حدَّنَا يَعْلِى، ولم يُسمِّ أباه في روايته، فظنَّ بعضُهم أنَّه ابنُ مسلم، وليس كذلك
للتَّصريحِ في إسناد هذا الباب بأنَّه ابنُ حَكيم.
قوله: ((عن ابن عبّاس)) لم يَذكُرُه موسى في روايته بل أرسَلَه وأشارَ إلى ذلك أبو داود، وكأنَّ
البخاريَّ لم يَعْتَبِ هذه العِلّة؛ لأنَّ وهب بن جَرِير وَصَلَه وهو أخبَرُ بحديثِ أبيه من غيره، ولأنَّه
ليس دونَ موسى في الحِفظ، ولأنَّ أصل الحديث معروفٌ عن ابن عبّاس فقد أخرجه أحمدُ(١)
وأبو داود (٤٤٢١) من رواية خالد الحَذّاء عن ◌ِكْرمة عن ابن عبّاس، وأخرجه مسلم (١٦٩٣)
من وجه آخر عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس.
قوله: ((لمَّا أتى ماعِزُ بنُ مالكِ)) في رواية خالد الخَذّاء: أنَّ ماعِز بن مالك أتى النبيّ وَّ
فقال: إنَّه زَنَى فأعرَضَ عنه، فأعادَ عليه مِراراً، فسألَ قومَه: ((أَجَنونٌ هو؟)) قالوا: ليس به
بَأسٌ. وسندُه على شرط البخاريّ، وذكر الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٤٥٥٣) أنَّ يزيد بن زُرَيِع
تفرَّد به عن خالد الحَذّاء.
قوله: ((قال له: لعلَّك قَبَّلْتَ)) حَذَفَ المفعول للعِلمِ به، أي: المرأةَ المذكورةَ، ولم يُعِّن ◌َحَلّ
التَّقبيل.
وقوله: ((أو غَمَزْتَ)) بالغَينِ المعجَمة والزّاي، أي: بعَينِك أو يَدك، أي: أشَرتَ، أو المراد
بِغَمَزْتَ بَيَدِك: الجَسُّ، أو وَضَعها على عُضو الغيرِ، وإلى ذلك الإشارة بقولِه: (لَسْتَ)) بَدَل
(١) هو في ((المسند)) (٢١٢٩) و(٢٤٣٣) من طريق جرير بن حازم بإسناد حديث هذا الباب، ولم يقع عنده
من الطريق المذكورة، ولم يذكره الحافظ في ((أطراف المسند)) في ترجمة خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن
عباس.

٥٦٩
باب ٢٩ / ح ٦٨٢٥
كتاب الحدود
((غَمَزت)) وقد وَقَعَ في رواية يزيد بن هارون عن جَرِير بن حازم عند الإسماعيليّ(١) بلفظ:
((لعلَّك قَبَّلت أو لَسْتَ)).
قوله: ((أو نَظَرْتَ)) أي: فأطلقت على أيِّ واحدةٍ فَعَلْتَ من الثلاثِ زِنَّى، ففيه إشارةٌ إلى
الحديث الآخر المخرَّج في ((الصَّحيحينِ)) من حديث أبي هريرة: ((العين تَزْنِي وزِناها النَّظَرُ))(٢) وفي
بعض طُرقه عندهما أو عند أحدِهِما ذِكْرُ اللِّسانِ واليَدِ والرّجلِ والأُذُن(٣)، زادَ أبو داود (٢١٥٣):
والفَم، وعندهم: ((والفَرجِ يَصدُق ذلك أو يُكذِّبه)، وفي التِّرمِذيّ (٢٧٨٦) وغيرُه(٤) عن أبي
موسى الأشعريّ رَفَعَه: ((كلُّ عَینِ زانیةٌ)).
قوله: ((أَنِكْتَها)) بالنّونِ والكافِ ((لا يَكْني)) أي: تَلَفَّظَ بالكلمة المذكورة ولم يَكْنِ عنها
بلفظٍ آخَر، وقد وَقَعَ في رواية خالد بلفظ: ((أفَعَلت بها؟))(٥) وكأنَّ هذه الكناية صَدَرت منه
أو من شيخه للتَّصريحِ في رواية الباب بأنَّه لم يكن، وقد تقدَّم في حديث أبي هريرة
الذي/ تقدَّمَتِ الإشارة إليه ((باب لا يُرجَم المجنون)) (٦٨١٥) أنَّ أبا داود أخرجه في ١٣٦/١٢
زيادات في هذه الألفاظ.
قوله: ((فعند ذلك أمَرَ بَرَْمِه)) زاد خالدٌ الحَذّاء في روايته: «فانطُلِقَ به فُرُجِمَ ولم يُصَلِّ عليه)).
٢٩ - باب سؤال الإمام المُقِرَّ: هل أَحْصَنْتَ؟
٦٨٢٥- حدَّثْنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، قال: حدَّثْني اللَّيثُ، حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالٍ، عن
ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ المسيّبٍ وأبي سَلَمَةَ، أنَّ أبا هريرةَ قال: أتى رسولَ الله وَلَ رجلٌ منَ الناسِ
(١) وهي أيضاً في ((مسند أحمد)) (٢١٢٩).
(٢) سلف برقم (٦٢٤٣) و(٦٦١٢)، وأخرجه مسلم (٢٦٥٧) (٢٠) و(٢١).
(٣) وقع ذكر اللسان عند البخاري (٦٢٤٣) و(٦٦١٢)، وعند مسلم (٢٦٥٧) (٢٠) و(٢١)، وأمّا ذكر الثلاثة
مجتمعةً فوقع عند مسلم (٢٦٥٧) (٢١).
(٤) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٩٥١٣)، والترمذي (٢٧٨٦)، والدارمي في ((السنن)) (٢٦٨٨)، والبزار في
«مسنده» (٣٠٣٤)، وإسناده جيّد.
(٥) ورواية خالدِ الحَذّاء عند أبي داود (٤٤٢١).

٥٧٠
باب ٢٩ / ح ٦٨٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
وهو في المسجدِ فناداه: يا رسولَ الله، إنّي زَنَيتُ، يُرِيدُ نفسَه، فأعرَضَ عنه النبيُّ نَّهِ فَتَتَخَّى لشِقٌّ
وَجْهِه الذي أعرَضَ قِبَلَه، فقال: يا رسولَ الله، إنّ زَنَيتُ، فأعرَضَ عنه فجاء لشِقِّ وَجْهِ النّبِيِّ ◌ِزَّل
الذي أعرَضَ عنه، فلمَّا شَهِدَ على نفسِه أربعَ شهاداتٍ دَعاه النبيُّ ◌ََّ، فقال: ((أبِكَ جُنونٌ؟)) قال:
لا يا رسولَ الله، فقال: ((أحصَنْتَ؟)) قال: نعم يا رسولَ الله، قال: ((اذهَبُوا فارُجُوهُ)).
٦٨٢٦ - قال ابنُ شِهابٍ: أخبرني مَن سمعَ جابراً، قال: فَكنتُ فيمَن رَجَه، فَرَجْناه
بالمصَلَّى، فلمَّا أذْلَقَتْهُ الحجارةُ جَمَزَ، حتَّى أدْرَ كْنَاهُ بالحَرّةِ فَرَجْناهُ.
قوله: ((باب سؤال الإمام المِقُرَّ هل أحْصَنْتَ؟)) أي: تزوَّجت ودَخَلت بها وأَصَبْتَها؟
قوله: ((رجلٌ من الناس)) أي: ليس من أكابِرِ الناس ولا بالمشهورِ فيهم.
قوله: ((زَنَيتَ، يريدُ نفسَه)) أي: أنَّه لم يَجِئ مُستَقتياً لنفسِه ولا لغيره، وإنَّما جاء مُقِرّاً
بالزّنى ليفعلَ معه ما يَجبُ عليه شَرعاً، وقد تقدَّمَت فوائدُ الحديث المذكور فيه في ((باب لا
يُرجَم المجنون)» (٦٨١٥).
قال ابن التِّين: مَحَلّ مشروعيَّة سؤال المُقِرِّ بالزِّنى عن ذلك إذا كان لم يُعلَمْ أنَّه تزوَّجَ
تَزويجاً صحيحاً ودَخَلَ بها، فأمَّا إذا عُلِمَ إِحصانُه فلا يسأل عن ذلك.
ثمَّ حكى عن المالكيَّة تفصيلاً فيما إذا عَلِمَ أنَّه تزوَّجَ ولم يَسمعْ منه إقراراً بالدُّخولِ فقيلَ: مَن
أقامَ مع الَّوجة ليلةً واحدةً لم يُقْبَل إنكارُه، وقيل: أكثرَ من ذلك. وهل يُحدّ حَدَّ الثَّيِّب أو الِكْرِ؟
الثّاني أرجَحُ، وكذا إذا اعتَرَفَ الَّوجِ بالإصابة. ثمّ قال: إنَّما اعتَرَفتُ بذلك لأملِكَ الرَّجعةَ، أو
اعتَرَفَتِ المرأةُ ثمَّ قالت: إنَّمَا فعَلتُ ذلك لأستَكمِلَ الصَّداقَ، فإنَّ كلَّ منهما يُحدّ حَدَّ البِكر.
انتهى، وعند غيرهم یُرفَع الحدُّ أصلاً.
ونَقَلَ الطَّحاويُّ(١) عن أصحابهم: أنَّ مَن قال لآخرَ: يا زاني فصَدَّقَه أنَّه يُحِلَدُ القائلُ
ولا يُحَدُّ المصَدِّقُ، وقال زُفَرُ: بل يُحدّ، قلت: وهو قول الجمهور، ورَجَّحَ الطَّحاويُّ قول
زُفَرَ وَاسْتَدَلَّ بحديثِ الباب، وأنَّ النبيَّي ◌َّه قال لماعِ ((أحقٌّ ما بَلَغَني عنك أَنَّك زَنَيت؟ قال:
(١) في ((شرح مشكل الآثار)) بإثر الحديث (٤٩٤٢).

٥٧١
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٧ -٦٨٢٨
كتاب الحدود
نعم، فحَذَّه))(١) قال: وباتِّفاقهم على أنَّ مَن قال لآخرَ: لي عليك ألفٌ، فقال: صَدَقتَ: أنَّه
يَلزَمُه المالُ.
٣٠- باب الاعتراف بالزّنی
٦٨٢٧، ٦٨٢٨ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ قال: حَفِظْناه مِنْ في الزُّهْريِّ، قال:
أخبرني عُبيدُ الله، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ وزيدَ بنَ خالٍ، قالا: كنَّا عندَ النبيِّ وَّهِ فِقامَ رجلٌ فقال:
أنْشُدُكَ اللهَ إلّا قَضَيتَ بِيتَنَا / بكتاب الله، فقامَ خَصْمُه وكان أفقَهَ منه، فقال: اقضٍ بيتنا بكتاب الله، ١٣٧/١٢
وائذن لي، قال: ((قُل)) قال: إنَّ ابني هذا كان عَسِيفاً على هذا فزَنَى بامرأتِه، فافتَدَيتُ منه بمئةِ
شاةٍ وخادِمٍ، ثمَّ سألتُ رجالاً من أهلِ العِلْمِ، فأخبَرَوني أنَّ على ابني جَلْدَ مئةٍ، وتَغْرِيبَ عامٍ،
وعلى امرأتِهِ الرَّجْمَ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((والذي نفسي بيَدِه لأقضِيَنَّ بينَكُما بكتاب الله جلَّ ذِكرُه،
المتةُ شاةٍ والخادِمُ رَدٌّ، وعلى ابنِكَ جَلْدُ مئةِ وتَغرِيبُ عام، واغدُ يا أَنيسُ على امرأةِ هذا، فإنِ
اعْتَرَفَت فارُمْها)» فغَدا عليها فاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَها.
قلتُ لسفيانَ: لم يَقُل: فأخبَروني أنَّ على ابني الرَّجْمَ؟ فقال: أشكُّ فيها منَ الزُّهْريِّ، فُبَما
قلتُها، ورُبّا سَكَتُ.
قوله: ((باب الاعْتِراف بالِّنی)» هكذا عبَّرَ بالاعتراف لوقوعه في حديثي البابِ، وقد تقدَّم في
شرح قصَّة ماعِز البحثُ في أنَّه هل يُشتَرَطُ في الإقرار بالزّنى التكريرُ أو لا؟ واحتَجَّ مَن اكتَفَى
بالمّة بإطلاق الاعتراف في الحديث، ولا يُعارضُ ما وَقَعَ في قصَّةِ ماعِزِ من تَكرار الاعترافِ،
لأنَّها واقعة حالٍ كما تقدَّمَ.
قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو ابن عُيَينَةَ.
قوله: ((حَفِظْناهُ من في الزُّهْرِيِّ)) في رواية الحُميديّ(٢) عن سفيان: حدَّثنا الزُّهْريّ، وفي
رواية عبد الجَّار بن العلاء عن سفيان عند الإسماعيليّ: سَمعتُ الزُّهْريَّ.
(١) أخرجه مسلم (١٦٩٣)، وأحمد في («المسند» (٢٢٠٢)، وأبو داود (٤٤٢٥)، والترمذي (١٤٢٧)،
والنسائي في «الكبرى» (٧١٣٣).
(٢) في («مسنده(( برقم (٨١١).

٥٧٢
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أخبَرَني عُبيدُ الله)) زاد الحُميديّ: ابن عبد الله بن عُتبةَ.
قوله: ((أنَّه سمعَ أبا هريرةَ وزيدَ بنَ خالٍ)) في رواية الحميديّ: عن زيد بن خالد الجُهَنيّ
وأبي هريرة وشِبْل، وكذا قال أحمدُ (١٧٠٤٢) وقُتَيبةٌ عند النَّسائيِّ (٥٤١١) وهشام بن عَّار
وأبو بكر بن أبي شَيْبة ومحمَّد بن الصَّاحِ عند ابن ماجَهْ (٢٥٤٩) وعَمْرو بن عليّ وعبد الجَبّار
ابن العلاء والوليد بن شُجاع وأبو خَيْئمةَ ويعقوب الدَّورَقيّ وإبراهيم بن سعيد الجَوْهريّ
عند الإسماعيليّ وآخرونَ عن سفيانَ.
وأخرجه التِّرمِذيّ (١٤٣٣) عن نَصر بن عليّ وغيرٍ واحدٍ عن سفيانَ، ولفظُه: سَمِعَه(١) من
أبي هريرةَ وزيدٍ بن خالدٍ وشِبْلِ: أنَّهم(٢) كانوا عند النبيِّ وَّةِ، قال التِّرمِذيّ: هذا وَهْمٌ من
سفيانَ، وإنَّما روى عن الزّهْريّ بهذا السَّنَدِ حديثَ: ((إذا زَنَتِ الأَمَةُ)) فذكر فيه شِبْلاً، وروى
حديثَ البابِ بهذا السَّنَدِ ليس فيه شِبْلٌ، فَوَهِمَ سفيانُ في تَسويَتِه بين الحديثَينِ.
١٣٨/١٢ قلت: وسَقَطَ ذِكْر شِبْلِ من رواية ((الصَّحيحينِ)) من طريقه لهذا الحديثِ(٣)، وكذا أخرَ جاه
طُرقِ من عن الزُّهْريّ: منها عن مالك واللَّيث وصالح بن كَيْسانَ(٤).
وللبخاريِّ(٥) من رواية ابن أبي ذِئْب (٢٦٩٥ و٢٦٩٦ و ٦٨٣٥ و ٦٨٣٦ و٧١٩٣و٧١٩٤)
وشُعَيب ابن أبي حمزة (٧٢٦٠)(٦)، ولمسلم (١٦٩٧ و٢٥/١٦٩٨) من رواية يونس بن يزيد
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((سمعت)).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: ((لأنهم)).
(٣) يعني حديث: ((إذا زنت الأمة)) ورواية سفيان لهذا الحديث تقدمت عند البخاري برقم (٢٥٥٥)، ولم
يخرجه مسلم من طريقه.
(٤) أما رواية مالك فتقدمت عند البخاري برقم (٢١٥٣)، وهي عند مسلم برقم (١٧٠٤)، وأما رواية
صالح بن كيسان فتقدمت عند البخاري برقم (٢٢٣٢)، وعند مسلم برقم (١٧٠٤)، وأما رواية الليث
- وهو ابن سعد - فليست عن الزهري، وإنما هي عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة وحدَه، وهي
عند البخاري برقم (٢١٥٢)، ومسلم برقم (١٧٠٣).
(٥) رجع الحافظ هنا للكلام على حديث الباب في قصة العسيف.
(٦) لکن لیس فیه ذکر لزید بن خالد.

٥٧٣
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨
كتاب الحدود
ومَعمَر كلّهم عن الزُّهْريّ ليس فيه شِبْلٌ، قال التِّرمِذيّ: وشِبْل لا صُحْبةَ له، والصَّحيحُ ما
روى الزُّبَيديّ ويونسُ وابنُ أخي الزّهْريّ فقالوا: عن الزُّهْريّ عن عُبيد الله عن شِبْل بن
خالد عن عبد الله بن مالك الأوسيّ عن النبيّ وَلاَ فِي الأَمَة إذا زَنَت. قلت: ورواية الزُّبَيديّ عند
النَّسائيِّ (ك ٧٢٢٣)، وكذا أخرجه من رواية يونس عن الزُّهْريّ (٧٢٢١)(١)، وليس هو في
الكتب السِّة من هذا الوجه إلّا عند النَّسائيّ(٢).
قوله: ((كنَّا عند النبيّ وَّ) في رواية شُعَيب (٧٢٦٠): بينما نحنُ عند النبيِّ ◌ََّ، وفي
رواية ابن أبي ذِئْب: وهو جالس في المسجد(٣).
قوله: ((فقامَ رجل)) في رواية ابن أبي ذِئْب الآتية قريباً (٦٨٣٥ و٦٨٣٦) وصالح بن كَيْسانَ
الآتية في الأحكام(٤)، واللَّيث الماضية في الشُّروط (٢٧٢٤ و٢٧٢٥): أنَّ رجلاً من الأعراب جاء
إلى النبيّ وَّل وهو جالس، وفي رواية شُعَيب في الأحكام (٧٢٦٠): إذ قامَ رجل من الأعراب،
وفي رواية مالك الآتية قريباً (٦٨٤٢ , ٦٨٤٣): أنَّ رجلَينِ اختَصَما.
قوله: (أنشُدُك اللهَ) في رواية اللَّيث: فقال: يا رسول الله، أنشُدُك الله(٥)، بفتح أوَّله ونونٍ ساكنة
وضمِّ الشّين المعجمة، أي: أسألُك بالله، وضمَّنَ (أنشُدك)) معنى: أُذكِّرك، فحَذَفَ الباءَ، أي:
أُذكِّرك رافعاً نَشِيدَتي، أي: صَوْتي، هذا أصلُه ثمّ استُعمِلَ في كلّ مطلوبٍ مُؤكَّدٍ ولو لم يكن هناك
رفعُ صوتٍ، وبهذا النَّقْرير يَندَفِعِ إيرادُ مَن استَشكَلَ رَفْعَ الرَّجل صوتَه عند النبيِّنَِِّّ مع النَّهي
عنه، ثمَّ أجابَ عنه بأنَّه لم يَبْلُغْهُ النَّهِيُّ لكَونِهِ أعرابياً، أو النَّهي لمن يَرفَعه حيثُ يتكلّم النبيّ ◌َّ على
ظاهر الآية. وذكر أبو عليّ الفارسيّ أنَّ بعضَهم رواه بضمٌّ الهمزة وكَسْرِ المعجَمة وغَلَّطَه.
(١) وكذا رواية ابن أخي الزهري، عند النسائي أيضاً في ((الكبرى)) برقم (٧٢٢٢).
(٢) أُقحم في (س) بعد هذا عبارة: وليس فيه: كنت عند النبي ◌َّ. ولا معنى لذكرها.
(٣) رواية ابن أبي ذئب ستأتي برقم (٦٨٣٥)، وفيها ((جاء إلى النبيِّ وَّ- وهو جالس)) دون ذكر المسجد،
وسيذكر الحافظ لفظها على الصواب بعد سطرين.
(٤) إنما وقع اللفظ المذكور في الأحكام في رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري. وأما ما سيأتي من طريق
صالح بن كيسان (٧٢٥٨) و(٧٢٥٩) فهو بلفظ: ((أن رجلين اختصما إلى النبي (وَلاتَ)).
(٥) عند مسلم (١٦٩٧) و(١٦٩٨) (٢٥).

٥٧٤
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إلّا قَضَيت بينَنَا بكتابِ الله)) في رواية اللَّيث: إلّا قَضَيت لي بكتابِ الله، قيلَ: فيه
استعمال الفعل بعد الاستثناء بتأويلِ المصدَر، وإن لم يكن فيه حرفٌ مصدَرِيٌّ لضَرُورة افتقار
المعنى إليه، وهو من المواضع التي يقع فيها الفعلُ مَوقِعَ الاسم ويُراد به النَّفيُ المحصورُ فيه
المفعولُ، والمعنى هنا: لا أسألك إلّا القضاءَ بكتابِ الله، ويحتمل أن تكون ((إلّا)) جوابَ القَسَمِ
لِمَا فيها من معنى الخَصْرِ، وتقديرُه: أسألك بالله لا تَفْعَلْ شيئاًإلّ القضاءَ، فالتَّأكيد إِنَّمَا وَفَعَ لعَدَمِ
التَّشْاغُل بغيره لا لأنَّ لقولِه: ((بكتابِ الله) مفهوماً.
وبهذا يَندَفِع إيرادُ مَن استَشكَلَ فقال: لم يكن النبيّ وَلّ يحكم إلّا بكتاب الله، فما فائدة
السُّؤال والتَّأكيد في ذلك؟ ثمَّ أجابَ بأنَّ ذلك من جُفاة الأعراب والمراد بكتابِ الله: ما
حَكَمَ به وكَتَبَ على عباده، وقيل: المراد القرآنُ وهو المتبادَرُ.
وقال ابن دقيق العيد: الأوَّل أوْلى؛ لأنَّ الرَّجم والتَّغريب لَيسا مذكورَينٍ في القرآن إلّا
بواسطة أمْرِ الله باتِّباع رسوله، قيل: وفيها قال نَظَرٌ لاحتمال أن يكون المراد ما تَضَمَّنَه قوله
تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ١٥] فبيَّن النبيّ ◌ََّ أَنَّ السَّبِيلِ جَلْدُ البِكر وَنْفيُهُ
ورَجْمُ النَّبِ.
قلت: وهذا أيضاً بواسطة التَّبين، ويحتمل أن يُرادَ بكتابِ الله الآيةُ التي نُسِخَت
تِلاوتُها وهي ((الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زَنَيا فارُجُوهما)) وسيأتي بيانُه في الحديث الذي يليه،
وبهذا أجابَ البَيْضاويّ ويَبقَى عليه التَّغريبُ، وقيل: المراد بكتاب الله ما فيه من النَّهي عن
أكل المال بالباطِلِ؛ لأنَّ خَصمَه كان أخَذَ منه الغنم والوليدة بغير حَقّ، فلذلك قال: ((الغَنَمُ
والوليدةُ رَدٌّ عليكَ))(١). والذي يَتَرَجَّح أنَّ المراد بكتابِ الله ما يَتَعلَّق بجميع أفراد القصَّة
ممَّا وَقَعَ به الجوابُ الآتي ذِكرُه، والعلمُ عند الله تعالى.
قوله: ((فقامَ خَصْمُه، وكان أفقَهَ منه)) في رواية مالك: فقال الآخَرُ، وهو أفقَهُهما.
قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): يحتمل أن يكون الراوي كان عارفاً بهما قبلَ أن يَتَحاكما
(١) سيأتي بهذا اللفظ برقم (٦٨٣٥)، وأما لفظ حديث الباب فهو ((المئةُ شاةٍ والخادم رةِّ».

٥٧٥
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨
كتاب الحدود
فَوَصَفَ الثّانيَ بأنَّه أفقَهُ من الأوَّل، إمّا مُطلَقاً وإمّا في هذه القصَّة الخاصّة، أو استَدَلَّ
بحُسنِ أدَبه في استئذانه وتَرْك رَفْع صوتِه إن كان الأوَّل رَفَعَه وتأكيده السُّؤال على فِقْهِه،
وقد وَرَدَ أنَّ حُسْنَ السُّؤالِ نصفُ العلمِ، وأورَدَه ابن السُّنّيّ في ((كتاب رياضة المتعلِّمينَ))
حديثاً مرفوعاً بسندٍ ضعيف.
قوله: ((فقال: اقضٍ بينَنا بكتاب الله وائذن لي» في رواية مالك: فقال: أجل. وفي رواية
اللَّيث: فقال: نعم فاقضٍ. وفي رواية ابن أبي ذِئْب (٦٨٣٥) وشُعَيب (٧٢٦٠): فقال:
صَدَقَ اقضٍ له یا رسول الله بكتابِ الله.
قوله: ((وائذن لي)) زاد ابن أبي شَيْبة(١) عن سفيان: حتَّى أقولَ. وفي رواية مالك: أن أتكلّم.
قوله: ((قُلْ)) في رواية محمَّد بن يوسف (٦٨٥٩): فقال النبيّ وَّ: ((قُل)»، وفي رواية
مالك: (٦٦٣٣): قال: ((تَكلَّم)».
قوله: ((قال)) ظاهر السّياق / أنَّ القائل هو الثّاني، وجَزَمَ الكِرْمانيُّ بأنَّ القائل هو الأوَّل، ١٣٩/١٢
واستَنَدَ في ذلك لما وَقَعَ في كتاب الصُّلح (٢٦٩٥ و٢٦٩٦) عن آدم عن ابن أبي ذِئْب هنا:
فقال الأعرابيّ: إنَّ ابني، بعد قوله في أوَّل الحديث: جاء أعرابيٌّ، وفيه: فقال خَصمُه، وهذه
الزّيادة شاذّةٌ، والمحفوظ ما في سائر الطّرق كما في رواية سفيان في هذا الباب، وكذا وَقَعَ في
الشُّروط(٢) عن عاصم بن عليّ عن ابن أبي ذِئْب موافقاً للجماعة، ولفظُه: فقال صَدَقَ،
اقضٍ له يا رسول الله بكتاب الله، إنَّ ابني ... إلى آخره. فالاختلاف فيه على ابن أبي ذِئْب،
وقد وافَقَ آدَمَ أبو بكرِ الحنفيُّ عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج))، ووافَقَ عاصماً يزيدُ بنُ هارونَ
عند الإسماعيليّ.
قوله: ((إنَّ ابني هذا)) فيه أنَّ الابنَ كان حاضراً فأشارَ إليه، وخَلا مُعظَمُ الرِّوايات عن
هذه الإشارة.
(١) في ((المصنف)) (١٠/ ٨٠-٨١)، وعنه أخرجه ابن ماجه (٢٥٤٩).
(٢) بل في الحدود (٦٨٣٥) و(٦٨٣٦).

٥٧٦
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((كان عَسِيفاً على هذا)) هذه الإشارة الثّانية لخَصم المتكلِّم وهو زوج المرأة، زاد
شُعَيب (٧٢٦٠) في روايته: والعَسِيفُ: الأجيرُ، وهذا التَّفسير مُدرَج في الخبر، وكأنَّه من
قول الزُّهْريّ لما عُرِفَ من عادته أنَّه كان يُدخِل كثيراً من التَّفسير في أثناء الحديث كما بيَّنته
في مُقدِّمة كتابي في المدرج.
وقد فضَّلَه مالك فوَقَعَ في سياقه: كان عَسيفاً على هذا. قال مالك: والعَسيف الأجير،
وحَذَفَها سائرُ الرُّواة، والعَسيف بمُهمَلَتَينِ الأجيرُ وزنُه ومعناه، والجمع عُسَفاءُ كأُجَراءَ،
ويُطلَق أيضاً على الخادِم وعلى العَبد وعلى السائل، وقيل: يُطلَق على مَن يُستَهان به، وفَسَّرَه
عبدُ الملِك بن حَبيبٍ بالغلام الذي لم يَحتَلم، وإن ثَبَتَ ذلك فإطلاقُه على صاحب هذه
القصّة باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار.
ووَقَعَ في رواية للنَّسائيِّ (ك ٧١٥٥) تعيين كَونه أجيراً، ولفظه من طريق عَمْرو بن
شُعَيب عن ابن شِهاب: كان ابني أجيراً لامرأتِه. وسُمّيَ الأجير عَسيفاً؛ لأنَّ المستأجِر
يَعسِفُه في العمل والعَسْفُ: الجَوْرُ، أو هو بمعنى الفاعل لكَونِهِ يَعسِفُ الأرضَ بالتردُّدِ
فيها، يقال: عَسَفَ اللَّيلَ عَسْفاً: إذا أكثرَ السَّير فيه، ويُطلَق العَسْفُ أيضاً على الكِفاية،
والأجيرُ يكفي المستأجِرَ الأمرَ الذي أقامَه فيه.
قوله: ((على هذا)) ضَمَّنَ ((على)) معنى: عند، بدليلٍ رواية عَمْرو بن شُعَيب، وفي رواية
محمَّد بن يُوسفَ: عَسيفاً في أهل هذا. وكأنَّ الرَّجلَ استَخدَمَه فيما تحتاج إليه امرأتُه من
الأُمور، فكان ذلك سبباً لما وَقَعَ له معها.
قوله: ((فَزَنَى بامرأتِه فافتَدَيتُ)) زاد الحميديّ (١) عن سفيان: فَزَنَى بامرأتِهِ فأخبَروني أنَّ على
ابني الرَّجَمَ فافتَدَيت. وقد ذكر عليّ بن المَدِينِيّ راويهِ في آخره هنا: أنَّ سفيان كان يَشُكّ في هذه
الزّيادة فُرُبَّمَا تَرَكَها، وغالب الرُّواة عنه كأحمَدَ ومحمَّد بن يوسف وابن أبي شَيْبة لم يَذكُروها،
وثَبَتَت عند مالك واللَّيث وابن أبي ذِئْب وشُعَيب وعَمْرو بن شُعَيب.
(١) في ((مسنده)) برقم (٨١١)، وكذلك زادها ليث عن ابن شهاب برقم (٢٧٢٤)، ومالك برقم (٦٦٣٣).

٥٧٧
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨
كتاب الحدود
ووَقَعَ في رواية آدم: فقالوا لي: على ابنك الرَّجم، وفي رواية الحميديّ: فأُخبِرِت، بضمِّ
الهمزة على البناء للمجهول، وفي رواية أبي بكر الحنفيّ: فقال لي، بالإفراد، و کذا عند أبي
عَوَانة من رواية ابن وهب عن يونس عن ابن شِهاب، فإن ثَبَتَت فالضَّمير في قوله:
((فافتَدَيت منه)) لَخَصِه، وكأنَّهم ظنّوا أنَّ ذلك حَقٌّ له يَستَحِقّ أن يَعْفوَ عنه على مال يأخُذه،
وهذا ظنٌّ باطِلٌ، ووَقَعَ في رواية عَمْرو بن شُعَيب: فسألت مَن لا يعلم، فأخبَروني أنَّ على
ابني الرَّجم، فافتَدَیت منه.
قوله: ((بمائةِ شاةٍ وخادِم)) المراد بالخادِمِ: الجاريةُ المعَدّةُ للخدمة، بدليل رواية مالك (٦٦٣٣)
بلفظ: وجاريةٍ لي. وفي رواية ابن أبي ذِئْب (٢٦٩٥) وشُعَيب (٧٢٦٠): بمئةٍ من الغَنَم ووليدةٍ.
وقد تقدَّم تفسيرُ الوليدة في أواخر الفرائض (٦٧٦٥).
قوله: ((ثُمَّ سألت رجالاً من أهل العِلْم فأخبَرَوني)» لم أقِفْ على أسمائهم ولا على عَدَدهم ولا
على اسم الخَصمَينِ ولا الابنِ، ولا المرأة، وفي رواية مالك وصالح بن كَيْسانَ(١) وشُعَيب: ثمّ إنّ
سألت أهل العلم فأخبروني. ومثله لابنِ أبي ذِئْب (٦٨٣٥) لكن قال: فَعَموا. وفي رواية
مَعمَر: ثمَّ أخبرني أهل العلم، وفي رواية عَمْرو بن شُعَيب: ثمَّ سألت مَن يَعلَم.
قوله: ((أنَّ على ابني)) في رواية مالك: إنَّما على ابني.
قوله: ((جَلْدُ مئةٍ)) بالإضافة للأكثر، وقرأه بعضُهم: / بتنوينِ ((جَلد)) مرفوع وتنوين (مئة)) ١٤٠/١٢
منصوبٌ على التَّمِيز، ولم يَنْبُت روایةً.
قوله: ((وعلى امرأة هذا الرَّجْمَ))(٢) في رواية مالك والأكثر: وإنَّما الرَّجم على امرأته. وفي رواية
(١) رواية صالح بن كيسان ستأتي عند البخاري برقم (٧٢٥٩)، وكذا هي عند مسلم (١٦٩٨)، ولكنهما لم يسوقا
لفظها، وإنما يُنبِّه الحافظ رحمه الله على لفظها من عند مَن أفصح عنها، كأبي عوانة (٦٣٠٣)، والطبراني (٥١٩٦)
وغيرهما، وهذا من بديع صنعه رحمه الله، وكذلك الحالُ في رواية معمر التي سيذكرها الحافظ قريباً، فإنَّ مسلماً
أخرجها (١٦٩٨)، ولم يسُق لفظها، وبيَّنها عبد الرزاق (١٣٣٠٩)، وأحمد (١٧٠٣٨) وغيرهما.
(٢) هذا لفظ رواية سفيان عند أحمد (١٧٠٤٢)، وأما لفظ روايته هنا فهو: وعلى امرأته الرجمَ. كذا في اليونينية دون
حكاية خلاف بين رواه البخاري في ذلك.

٥٧٨
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
عَمْرو بن شُعَيب: فأخبَروني أن ليس على ابني الرَّجمُ.
قوله: ((والذي نفسي بيده)) في رواية مالكٍ: ((أما والذي)).
قوله: (لَأَقْضِيَنَّ) بتشديد النُّون للتَّأكید.
قوله: ((بكتاب الله)) في رواية عَمْرو بن شُعَيب: ((بالحقِّ)) وهي تُرَجِّح أوَّلَ الاحتمالات
الماضي ذِكرُها.
قوله: ((المئةُ شاةٍ والخادِمِ رَدِّ» في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((عليك))، وكذا في رواية مالك
ولفظُه: ((أمَّا غَنَمك وجاريَتك فَرَدٌّ عليك)) أي: مردودٌ من إطلاق لفظ المصدر على اسم
المفعول، كقولهم: ثوبٌ نَسْجُ، أي: مَنْسُوجُ.
ووَقَعَ في رواية صالح بن كَيْسانَ: ((أمَّا الوليدة والغنم فُرُدُّوها)»(١)، وفي رواية عَمْرو بن
شُعَيب: ((أمَّا ما أعطَيته فَرَدٌّ عليك)) فإن كان الضَّمير في ((أعطَيته)) لَخَصمِه تأيَّدَتِ الرِّواية
الماضية، وإن کان للعطاءِ فلا.
قوله: ((وعلى ابنك جَلْدُ مئةٍ وَتَغْرِيبُ عام)) قال النَّوويّ: هو محمولٌ على أنَّه ◌ِوَّهِ علم أنَّ
الابنَ كان بِكْراً وأنَّه اعتَرَفَ بالزّنى، ويحتمل أن يكون أضمَرَ اعترافَه، والتَّقدير: وعلى
ابنك إن اعتَرَفَ، والأوَّل أليَقُ فإنَّه كان في مقام الحُكم، فلو كان في مقام الإفتاء لم يكن فيه
إشكالٌ؛ لأنَّ التَّقدير: إن كان زَنَی وهو بِكْرٌ، وقَرِینةُ اعترافه حضورُه مع أبيه وسُكوته علی
ما نَسَبَه (٢) إليه، وأمَّا العلم بكَونِه بِكْراً، فَوَقَعَ صريحاً من كلام أبيه في رواية عَمْرو بن شُعَيب
ولفظه: كان ابني أجيراً لامرأة هذا وابني لم يُصَن.
قوله: ((وعلى ابنك جَلْدُ مئة وتَغْرِيبُ عامِ)) وافَقَه الأكثر، ووَقَعَ في رواية عَمْرو بن شُعَيب:
((وأمَّا ابنك فنَجلِدُه مئةً ونُغَرِّبه سنةً))، وفي رواية مالك وصالح بن كَيْسانَ: ((وجَلَدَ ابنَه مئةً
(١) هذا اللفظ وقع في رواية شعيب عند البخاري (٧٢٦٠)، وأما لفظ رواية صالح بن كيسان فهو كلفظ
رواية مالك الذي أشار إليه الحافظ.
(٢) وقع في (س): عمّا نَسَبه.

٥٧٩
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨
كتاب الحدود
وغَرَّبَه عاماً)) وهذا ظاهرٌ في أنَّ الذي صَدَرَ حينئذٍ کان حُكماً لا فتوى، بخِلَاف رواية سفيان
ومَن وافَقَه.
قوله: ((واغدُ يا أَنيسُ)) بنونٍ ومُهمَلة مُصغَّر ((على امرأة هذا)) زاد محمّد بن يوسف: فسَلْهَا(١)،
قال ابن السَّكَن في ((كتاب الصحابة)»: لا أدري من هو ولا وجَدت له رواية ولا ذِكْراً إلّا في هذا
الحدیث.
وقال ابن عبد البَرّ: هو ابن الضَّحّاك الأسلَميّ، وقيل: ابن مَرَد، وقيل: ابن أبي مَرَد،
وزَيَّقُوا الأخيرَ بأنَّ أُنْيسَ بن أبي مَرَد صحابيّ مشهور، وهو غَنَويّ بالغَينِ المعجَمة والنُّون لا
أسلَميّ وهو بفتحَتَينِ لا التَّصغیر.
وغَلِطَ أيضاً مَن زَعَمَ أيضاً أنَّه أنس بن مالك، وصُغِّرَ كما صُغِّرَ في رواية أُخرى
عند مسلم(٢) لأنَّه أنصاريّ لا أسلَميّ، ووَقَعَ في رواية شُعَيب وابن أبي ذِئْب: ((وأمَّا
أنتَ يا أُنْيسُ - لرجلٍ من أسلَمَ - فاغْدُ))، وفي رواية مالك ويونس(٣) وصالح بن
كَيْسانَ: وأمَرَ أُنيساً الأسلَميّ أن يأتيَ امرأة الآخر، وفي رواية مَعمَر: ثمَّ قال لرجلٍ من
أسلَمَ يقال له أُنيس: ((قُم يا أُنْيس فسَل امرأة هذا)) وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بالغُدوِّ
الذَّهابُ والتَّوجُّه كما يُطلَق الرَّواح على ذلك، وليس المراد حقيقة الغُدوّ وهو التَّخير إلى
أوَّل النَّهار، كما لا يُراد بالرَّواح التَّوجّه نصفَ النَّهار، وقد حكى عياضٌ أنَّ بعضَهم
استَدَلَّ به على جواز تأخيرِ إقامة الحدّ عند ضِيْق الوقت واستَضعَفَه بأنَّه ليس في الخبر
أنَّ ذلك كان في آخر النَّهار.
(١) في (س): ((فاسألها)) مهموزاً.
(٢) وقع اسم أنس بن مالك ه مصغّراً عند مسلم في روايتين، الأولى برقم (٢٣١٠) في قصّة إرساله وَلـ
الأنسٍ في حاجة، وفي آخره قوله وَل﴾ له: ((يا أُنْيسُ أَذَهَبْتَ حيث أمرتُكَ؟))، والثانية برقم (٢٤٨١) وفيها
قول أمِّه: يا رسول الله، هذا أُنيسٌ ابني أتيتك به يخدمُك، فادعُ الله له.
(٣) رواية يونس - وهو ابن يزيد - أخرجها مسلم (١٦٩٨)، لكنه لم يسق لفظها، وينبه الحافظ على لفظها من
المصادر التي خرجت روايته وبيَّنتها كالنسائي في ((الكبرى)) (٥٩٣٢). وكذلك الحالُ في رواية صالح بن
کیسان کما قدَّمنا التنبيه عليه.

٥٨٠
باب ٣٠ / ح ٦٨٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فإن اعْتَرَفَت فارُها)» في رواية يُونس(١): وأمَرَ أُنيساً الأسلميّ أن يَرجُمَ امرأةَ الآخر
إذ اعتَرَفَت.
قوله: ((فغَدا عليها، فاعْتَرَفَت فَرَجَمَها)) كذا للأكثر، ووَقَعَ في رواية اللَّيث: فاعتَرَفَت فأمَرَ بها
رسول الله وَ ◌ّهِفُرُجِمَت. واختَصَرَه ابن أبي ذِئْب فقال: فَغَدا عليها فَرَجَمَها. ونحوه في رواية صالح
بن كَيْسانَ، وفي رواية عَمْرو بن شُعَيب: ((وأمَّا امرأة هذا فتُرجَم)) ورواية اللَّيث أتمُّها ؛لأنَّها
تُشعِر بأنَّ أُنيساً أعادَ جوابَها على النبيِّ وَِّ، فَأَمَرَ حينئذٍ بَرَجِها، ويحتمل أن يكون المراد أمرَه
الأوَّلَ المعلَّقَ على اعترافها، فيَتَّحِد مع رواية الأكثر وهو أوْلى.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: الرُّجوعُ إلى كتاب الله نَصّاً أو استنباطاً، وجواز
١٤١/١٢ القَسَم على الأمر لتأكيدِه، والحَلِف فيه (٢) بغير استحلاف، وحُسن خُلُق/ النبيّ ◌َّ وحِلمه على
مَن يُخَاطِبه بما الأوْلى خلَافُه، وأنَّ مَن تأسَّى به من الحُكّام في ذلك يُحمَد كمَن لا يَنْزَعِجِ لقولِ
الخَصم مثلاً: احكمْ بيننا بالحقّ.
وقال البَيْضاويّ: إنَّما تَوارَدا على سؤال الحُكم بكتاب الله مع أنََّما يَعلَمَان أنَّه لا يَحكم
إلّا بحُكمِ الله لِيَفْصِلَ (٣) بينهما بالحقِّ الصِّرف، لا بالمصالحة ولا الأخْذِ بالأرفَق، لأنَّ للحاكمِ
أن يفعل ذلك بِرِضا الخَصمين.
وفيه أنَّ حُسْنَ الأدب في مُخاطَبة الكبير يقتضي التَّقديمَ في الخُصومة، ولو كان المذكور
مَسبوقاً، وأنَّ للإمام أن يأذَن لمن شاءَ من الخَصمَينِ في الدَّعوى إذا جاءا معاً وأمكَنَ أن كلَّا
منهما يَدَّعي، واستحبابُ استئذان المدّعي والمستَفتي الحاكمَ والعالمَ في الكلام، ويتأكَّد ذلك
إذا ظنَّ أنَّ له عُذراً.
وفيه أنَّ مَن أقَرَّ بالحدِّ وجَبَ على الإمام إقامَتُه عليه، ولو لم يَعتَرِف مَنْ شَارَكَهُ(٤) في
(١) وكذلك هي رواية مالك عند البخاري (٦٦٣٣) وغيره.
(٢) قوله: ((فيه)) سقط من (س).
(٣) وقع في (س) ((لیحکم)).
(٤) في (س): ((ولو لم يعترف مُشارِكُه)).