Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ١٣ / ح ٦٧٩٤
كتاب الحدود
ورواية أبي أُسامة عن هشام جامعةٌ بين الرّوايتَينِ المذكورتَينِ أوَّلاً، وقوله فيها(١): ((كان
كلُّ واحدٍ منهما ذا ثَمَن)) كذا ثَبَتَ في الأُصول، وأفادَ الكِرْ مانيُّ أنَّه وَقَعَ في بعض النُّسَخِ:
((وكان كلَّ واحد منهما ذو ثَمَن)) بالرَّفع، وخَرَّجَه على تقدير ضمير الشَّأن في ((كان)).
قوله: ((رواه وكيعٌ وابن إدْرِيسَ، عن هشام، عن أبيه مُرسَلاً)) أمَّا رواية وكيع فأخرجها
ابن أبي شَيْبة في «مُصنَّفه)) (٩/ ٤٧٥) عنه ولفظه: عن هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: كان
السارق في عهد النبيِّ وَّ يُقْطَع في ثَمَن المِجَنّ، وكان المِجَنُّ يومئذٍ له ثَمَنٌّ، ولم يكن يُقْطَع
في الشّيء التافه، وأمَّا رواية ابن إدريس - وهو عبد الله الأوديّ الكوفيّ - فأخرجها الدّارَ قُطنيُّ
في «العِلَل)» (١٤ /٢٠٢)(٣) والبيهقيُّ (٢٥٥/٨) من طريق يوسف بن موسى عن جَرِیر
وعبد الله بن إدريس ووكيع ثلاثتهم عن هشام عن أبيه: أنَّ يد السارق لم تُقطَع، فذكر مِثل
سياق أبي أُسامة سواء، وزاد: ولم يكن يُقْطَع في الشَّيء التافِهِ.
وقرأت بخَطِّ مُغَلْطاي وتَبِعَه شيخُنا ابن الملقِّن: أنَّ رواية ابن إدريس عند عبد الرَّزّاق عنه،
فيما ذكره الطبرانيُّ في ((الأوسط)) كذا قال الإسماعيليّ، ووَصَلَه أيضاً عن هشامٍ: عمرُ ابنُ عليّ
المقدَّمَيّ وعثمان الغَطَفانيّ وعبد الله بن قبيصة الفَزَاريّ، وأرسَلَه أيضاً عبد الرحيم ابن سليمان
وحاتم بن إسماعيل وجَرِير. قلت: وقد ذكرت رواية جَرِير، وأمَّا عبد الرحيم فاختُلِفَ عليه،
فقيلَ: عنه مُرسَلاً، ووَصَلَه عنه أبو بكر بن أبي شَيْبة أخرجه مسلم (٥/١٦٨٥).
تنبيه: لم تختلف الزُّواة عن هشام بن عُرْوة عن أبيه في هذا المتن، وأمَّ الزُّهْريّ فاختُلِفَ عليه
في سنده، ولم يُخْتَلَف عليه في المتن أيضاً كما تقدَّم وهو حافظٌ، فيحتمل أن يكون عُرْوة حدَّثه به
على الوجهَينِ كما تقدَّمَ، ويحتمل أن يكون لفظ عُرْوة هو الذي حَفِظَه هشامٌ عنه، وحَلَ يونسُ
حديثَ عُرْوة على حديث عَمْرة فساقَه على لفظ عَمْرة، وهذا يقع لهم كثيراً.
(١) يعني في رواية أبي أسامة وليس في رواية ابن المبارك كما توهّم العيني في ((عمدة القاري)) ٢٨١/٢٣ وخطّاً الحافظ
ابنَ حجر والكِرِمانيَّ، فظنَّ أنهما أَفحما فيها لفظة ((كان))، وأنَّ هذا الإقحام من النساخ الجهلة! وقد ردًّ القسطلّاني
في "إرشاد الساري)) ٩/ ٤٦٠ على العيني قائلاً: هذا ذهول، لأنَّ الحافظ ابن حجر إنما قال ذلك في رواية أبي
أسامة لا في رواية عبده. انتهى، وقلنا: كذا قال ((في رواية عبدة)) والصواب: في رواية ابن المبارك، والله أعلم.
(٢) وقال: حديث عائشة صحیح، ويُشبه أن یکون هشام وصله مرةً، وأرسله أخرى.

٥٠٢
باب ١٣ / ح ٦٧٩٥ -٦٧٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
ويَشهَد للأوَّل أنَّ النَّسائيَّ (٤٩١٤) أخرجه من طريق حفص بن حسَّان عن يونس(١)
عن الزّهْريّ عن عُرْوة وحده عن عائشة بلفظ رواية ابن عُيَينةَ(٢)، ورواه أيضاً (٤٩١٥) من
رواية القاسم بن مَبرور عن يونس بهذا السَّنَد، لكنَّ لفظ المتن: أو نصف دينار فصاعداً،
وهي رواية شاذّة.
الحديث الثاني:
٦٧٩٥ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ مولى عبدِ الله بنِ عمَرَ، عن
عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌َّهُ قَطَعَ في مِجَنَّ ثَمَنُه ثلاثةُ دَراهم.
تَابَعَه محمَّدٌ بنُ إسحاقَ، وقال الليَّثُ: حدَّثَنِي نافعٌ: ((قِیمتُهُ)).
[أطرافه في: ٦٧٩٦، ٦٧٩٧، ٦٧٩٨]
٦٧٩٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قَطَعَ
النبيُّ وَلاَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثلاثةُ دَراهم.
٦٧٩٧ - حذَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله قال:
قَطَعَ النبيُّ ◌َلَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُه ثلاثةُ دَراهمَ.
٦٧٩٨ - حدَّثني إبراهيمُ بنُّ المنذِرِ، حدَّثنا أبو ضَمْرةَ، حدَّثنا موسى بنُ عُقْبَةَ، عن
نافعٍ، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: قَطَعَ النبيُّ نَّهِيَدَ سارقٍ في مِجَنَّ ثَمَنُه ثلاثةُ
دراهمَ.
حديثُ ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رسولَ الله ◌َّ قَطَعَ في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دَراهمَ.
أورَدَه من حديث مالك، قال ابن حَزْم: لم يَروِهِ عن ابن عمرَ إلّا نافعٌ، وقال ابن
عبد البرّ: هو أصحُ حديث رُويَ في ذلك.
(١) كذا ذكر الحافظ هنا يونس بين حفص والزهري، وليس هو في إسناد النسائي، وإنما يرويه حفص بن
حسان عن الزهري مباشرة.
(٢) عنده - يعني النسائي - برقم (٤٩٢٦) بلفظ: القطع في ربع دينار فصاعداً.

٥٠٣
باب ١٣ / ح ٦٧٩٨
كتاب الحدود
قوله: ((تابَعَه محمَّد بن إسحاق)) يعني عن نافع، أي: في قوله: ( ثَمَنُهُ))، وروايتُه موصولةٌ
عند الإسماعيليّ من / طريق عبد الله بن المبارك عن مالك ومحمَّد بن إسحاق وعُبيد الله بن ١٠٥/١٢
عمرَ، ثلاثتُهم عن نافع عن النبيّ وَّهِ أَنَّه قَطَعَ في مِجَنٌّ ثَمَنُه ثلاثةُ دَراهمَ. وقد أخرجه
المؤلِّف رَحِمَه الله من رواية جُوَيريةَ - وهو ابن أسماء - مِثل هذا السّياق سواء، ومن رواية
عُبيد الله - وهو ابن عمر، أي: العمريّ - مِثْلُه، ومن رواية موسى بن عُقْبة عن نافع بلفظ:
قَطَعَ النبيُّ ◌َِّيَدَ سارقٍ، مِثلَه.
قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني نافع: قِيَمتُه)) يعني أنَّ اللَّيث رواه عن نافع كالجماعة، لكن
قال: ((قِيمَتُه)) بَدَل قولهم: (ثَمَنُه))، ورواية اللَّيث وَصَلَها مسلم (٦/١٦٨٦) عن قُتَيبة
ومحمَّد بن رُمح عن اللَّيث عن نافع عن ابن عمر: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ قَطَعَ سارقاً في مِنّ قِيمَتُه
ثلاثةُ دَراهمَ، وأخرجه مسلم أيضاً (٦/١٦٨٦) من رواية سفيانَ الثَّوْريِّ عن أيوبَ
السَّختيانيِّ وأيوبَ بن موسى وإسماعيلَ بن أُميَّة، ومن رواية ابن وهب عن حَنظَلة بن أبي
سفيان ومالك وأُسامة بن زيد، كلُّهم عن نافع، قال بعضُهم: ((ثَمَنُه))، وقال بعضهم: ((قِيمَتُه))
هذا لفظُ مسلم، ولم يُميِّز.
وقد أخرجه أبو داود (٤٣٨٦) من رواية ابن جُرَيج أخبرني إسماعيل بن أُميَّة عن نافع
ولفظُه: أنَّ النبيَّ وََّ قَطَعَ يَدَ رجُلِ سَرَقَ تُرساً من صُفّةِ(١) النِّساءِ ثَمَنه ثلاثة دراهم، وأخرجه
النَّسائيُّ (٤٩٠٧) من رواية ابن وَهْبٍ عن حَنظَلة وحدَه بلفظ: ((ثَمَنُه))، ومن طريق تَخَلَد
ابن يزيد (٤٩٠٦) عن حَنظَلة بلفظ: ((قيمتُه))، فوافَقَ اللَّيثَ في قوله: ((قيمتُه))، لكن خالَفَ
الجميع فقال: ((خمسةٌ دَراهم))، وقول الجماعة: ((ثلاثةُ دَراهم)) هو المحفوظ، وقد أخرجه
الطَّحاويّ (١٦٢/٣) من طريق عُبيد الله بن عمر بلفظ: قَطَعَ في مِنّ قيمتُه. ومن رواية
أيوبَ، ومن رواية مالك قال: مِثله (١٦٢/٣)، ومن رواية ابن إسحاق (١٦٢/٣-١٦٣)
بلفظ: أُتْيَ برجلٍ سَرِّقَ حَجَفةً قيمتُها ثلاثةُ دَراهم فقطَعَه.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: ((صيغة)). وصُفَّةُ النساء: هو الموضع المختصّ بهنَّ في المسجد. انظر ((عون المعبود))
٣٥/١٢.

٥٠٤
باب ١٣ / ح ٦٧٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: قوله: ((قَطَعَ)) معناه أمَرَ، لأنَّه ◌َِِّ لم يكن يُباشر القطعَ بنفسِه، وقد تقدَّم في الباب
قبلَه أنَّ بلالاً هو الذي باشَرَ قَطْعَ يَدِ المخزوميَّة، فَيَحتمل أن يكون هو الذي كان موگَّلاً
بذلك ويحتملُ غيرَه.
وقولُهُ: ((قيمته): قيمةُ الشَّيء: ما تنتهي إليه الرَّغبةُ فيه، وأصله: قِوْمَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً
لوقوعِها بعدَ كسرةٍ، والثَّمَنُ: ما يُقابل به المَبيعُ عند البيع، والذي يظهر أنَّ المراد هنا: القِيمةُ،
وأنَّ مَن رواه بلفظ الثَّمَن إمّا تَّجُّزاً، وإمّا أنَّ القيمةَ والثَّمَنَ كانا حينئذٍ مُسْتَوَيَين.
قال ابن دقيق العيد: القيمة والثَّمَن قد يختلفان والمعتبَرَ إنَّما هو القيمةُ، ولعلَّ التَّعبير بالثَّمَنِ
الكَونِه صادَفَ القيمةَ في ذلك الوقتِ في ظنِّ الراوي، أو باعتبار الغَلَبة.
وقد تَسَّكَ مالكٌ بحديثِ ابن عمرَ في اعتبار النِّصاب بالفِضّة، وأجابَ الشافعيَّة وسائرُ
مَن خالَفَه بأنَّه ليس في طُرقه أنَّه لا يُقطَع في أقلّ من ذلك، وأورَدَ الطَّحاويّ (١٦٣/٣)
حديثَ سعدٍ الذي أخرجه مالكٌ أيضاً وسندُه ضعيفٌ، ولفظه: ((لا يُقطَع السارق إلّا في
ثَمَنِ(١) المِجَنّ)) قال: فعلمنا أنَّه لا يُقْطَع في أقلّ من ثَمَن المِجَنّ، ولكنِ اختُلِفَ فِي ثَمَن
الِجَنّ، ثمَّ ساقَ (١٦٣/٣) حديث ابن عبّاس قال: كان قيمة المِجَنّ الذي قَطَعَ فيه
رسولُ اللهِ وَال﴿ عشرةَ دَراهم، قال: فالاحتياط أن لا يُقطَع إلّ فيما اجتَمَعَت فيه هذه الآثار
وهو عشرةٌ، ولا يُقطَع فيما دُونَها لوجودِ الاختلاف فيه، وتُعقِّبَ بأنَّه لو سُلِّمَ في الدَّراهم لم
يُسَلَّم في النَّصّ الصَّريح في رُبع دينار كما تقدَّم إيضاحه، ودُفِعَ ما أعَلَّه به.
والجمعُ بين ما اختَلَفَتِ الرِّوايات في ثَمَن المِجَنّ مُمكِنٌ بالحَملِ على اختلاف الثَّمَن
والقيمة، أو على تعدُّد المَجَانّ التي قَطَعَ فيها، وهو أَوْلى.
وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بقولِه: ((قَطَعَ في مِجَنّ)) على اعتبار النِّصاب ضعيف
لأَنَّه حكايةُ فعلٍ، ولا يَلزَم من القطع في هذا المقدار عَدَمُ القَطعِ فيما دونَه، بخِلَاف قوله:
(يُقْطَع في رُبع دينار فصاعداً))، فإنَّه بمَنطوقِه يدلّ على أنَّه يُقْطَع فيما إذا بَلَغَه، وكذا فيما زاد
(١) لفظة ((ثمن)) سقطت من (س).

٥٠۵
باب ١٣ / ح ٦٧٩٨
كتاب الحدود
عليه، وبمفهومِه على أنَّه لا قطعَ فيما دونَ ذلك، قال: واعتماد الشافعيِّ على حديث عائشةً
- وهو قول - أقوى في الاستدلال من الفعل المجَرَّد، وهو قويّ في الدّلالة على الحنفيَّة، لأنَّه
صريح في القطع في / دونَ القَدْرِ الذي يقولون بجوازِ القَطْع فيه، ويدلّ على القَطْع فيما يقولون به ١٠٦/١٢
بطريق الفَحوى، وأمَّا دلالته على عَدَمِ القَطْعِ في دونَ رُبع دينارٍ فليس هو من حيثُ مَنطوقُه، بل
من حيثُ مفهومُه، فلا يكون حُجّةً على مَن لا يقول بالمفهوم.
قلت: وقَرَّرَ الباجيُّ طريقَ الأخْذِ بالمفهومِ هنا، فقال: دَلَّ التَّقويم على أنَّ القَطْعَ يَتَعلَّق
بقَدٍ معلوم، وإلّا فلا يكون لِذِكْره فائدةٌ، وحينئذٍ فالمعتمد ما وَرَدَ به النَّصّ صريحاً مرفوعاً
في اعتبار رُبع دينار، وقد خالَفَ من المالكيَّة في ذلك من القُدَماء: ابن عبد الحَكَم، ومَمَّن
بعدَهم ابنُ العربيّ، فقال: ذهب سفيانُ الثَّوْرِيُّ مع جَلالَته في الحديث إلى أنَّ القَطْعَ لا
يكون إلّا في عشرة دراهمَ (١)، وحُجَّته أنَّ اليد مُتَرَمة بالإجماع، فلا تُستَباح إلّا بما أُجَمِعَ
عليه، والعشرة مُتَّفَقٌ على القَطْع فيها عند الجميع، فيُتَمسَّك به ما لم يقع الاتّفاقُ على ما
دونَ ذلك، وتُعقِّبَ بأنَّ الآية دَلَّت على القَطْع في كلّ قليلٍ وكثيرٍ، وإذا اختَلَفَتِ الرِّوايات
في النِّصاب، أُخِذَ بأصحِّ ما وَرَدَ في الأقلّ، ولم يَصِحَّ أقلّ من رُبع دينارٍ أو ثلاثةِ دَراهمَ،
فکان اعتبار رُبع دینارٍ أقوی من و جھین:
أحدهما: أنَّه صريحٌ في الحَصْر، حيثُ وَرَدَ بلفظ: ((لا تُقطَع اليد إلّا في رُبع دینار فصاعداً))،
وسائر الأخبار الصَّحيحة الواردة حكايةُ فعلٍ لا عُمومَ فيها.
والثّاني: أنَّ المعوَّل عليه في القيمة الذَّهَبُ، لأَنَّه الأصلُ في جواهر الأرض كلِّها، ويُؤيِّده ما
نَقَلَ الخطَّبيُّ استدلالاً على أنَّ أصل النَّقد في ذلك الزّمان الدَّنانيرُ بأنَّ الصِّكاكَ القديمة كان
يُكتَب فيها: عَشرةُ دَراهمَ وَزْنُ سبعةِ مَثاقيلَ، فعُرِفَتِ الدَّراهمُ بالدَّنانير، وحُصِرَت بها، والله
أعلم.
(١) لما روي عن ابن مسعود له مرفوعاً: ((لا قَطْعَ إلا في عشرة دراهم)) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٧١٤٢)
وإسناده ضعيف، لانقطاعه. وقد أشار إليه الترمذي تحت الحديث (١٤٤٦) وضعَّفه، وقال: وهو قول سفيان
الثوريّ وأهل الكوفة.

٥٠٦
باب ١٣ / ح ٦٧٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
وحاصل المذاهب في القَدْر الذي يُقطَع السارق فيه يقرُب من عشرينَ مذهباً:
الأَوَّل: يُقْطَع في كلّ قليل وكثيرٍ، تافهاً كان أو غيرَ تافهٍ، نُقِلَ عن أهل الظّهر والخوارج،
ونُقِلَ عن الحسن البصريّ، وبه قال أبو عبد الرّحمن ابن بنت الشافعيّ.
ومُقابِل هذا القول في الشُّذوذ ما نَقَلَه عياضٌ ومَن تَبِعَه عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ: أنَّ القطع لا
يجب إلّا في أربعينَ دِرْهماً أو أربعة دنانير، وهذا هو القول الثاني.
الثّالث: مِثل الأوَّل إلّا إن كان المسروق شيئاً تافهاً، لحديثِ عُرْوةَ الماضي(١): لم يكن القطع
في شيء من التافه، ولأنَّ عثمان قَطَعَ في فُخّارة خَسيسة، وقال لمن يَسِرِق السِّياط: لَئِن عُدتُم
لَأَقْطَعَنَّ فيه، وقَطَعَ ابن الزُّبَير في نَعلَینِ، أخرجهما ابن أبي شيبة (٩/ ٤٧٢-٤٧٣)، وعن عمر بن
عبد العزيز: أنَّه قَطَعَ في مُدِّ أو مُدَّین.
الرَّابع: تُقطَع في دِرْهم فصاعِداً، وهو قول عثمانَ البَنِّيِّ - بفتح الموحّدة وتشديد المثنّاة -
من فقهاء البصرة، ورَبيعة من فقهاء المدينة، ونَسَبَه القُرطُبيُّ إلى عثمان فأطلقَ؛ ظنّاً منه أنَّه
الخلیفةُ، وليس كذلك.
الخامس: في دِرْهُمَينِ، وهو قول الحسن البصريّ، جَزَمَ به ابن المنذر عنه(٢).
السادس: فيما زاد على دِرْهَمَينِ ولو لم يَبلُغ الثلاثة، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٤٧٠/٩) بسندٍ قويٌّ
عن أنسٍ: أنَّ أبا بكر قَطَعَ في شيءٍ ما يُساوي دِرْهمَينٍ، وفي لفظ: لا يُساوي ثلاثة دراهم.
السابع: في ثلاثةِ دَراهمَ، ويُقَوَّم ما عَداها بها ولو كان ذَهَباً، وهي روايةٌ عن أحمدَ،
وحكاه اخطَّايُّ عن مالكٍ.
الثّامن: مِثله، لكن إن كان المسروق ذهباً فنِصابُهُ رُبع دينار، وإن كان غيرَهما فإن بَلَغَت قیمتُه
ثلاثةُ دَراهمَ قُطِعَ به، وإن لم تَبلُغ لم يُقْطَع ولو كان نصفَ دينارٍ، وهذا قول مالكِ المعروفُ عند
(١) في أثناء شرحه لأحاديث عائشة رضي الله عنها الواردة في أوّل هذا الباب.
(٢) قال ابن المنذر: روِّينا عن الحسن البصريّ في هذا الباب ثلاث روايات، الأولى: عن الأشعث عنه قوله: ما كنت
لأقطعه في أقلّ من خمسة. والثانية: عن منصور عنه: أنه كان لا يوقّت في السرقة شيئاً. والثالثة: عن قتادة عنه:
في درهمین. انظر «الأوسط» ٢٨٣/١٢.

٥٠٧
باب ١٣ / ح ٦٧٩٨
كتاب الحدود
أتباعِه، وهي روايةٌ عن أحمدَ، واحتُجَّ له بما أخرجه أحمدُ (٢٤٥١٥) من طريق محمَّد بن راشد عن
يحيى بن يحيى الغَسّانيّ عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم عن عَمْرة عن عائشة مرفوعاً:
(اقطَعوا في رُبع دينار، ولا تَقطَعوا في أدنَى من ذلك)) قالت: وكان رُبع الدّينار قيمتُه يومئذٍ ثلاثةُ
دَراهم. والمرفوع من هذه الرّواية نَصِّ في أنَّ المعتمَد والمعتَبَر في ذلك الذَّهَبُ، والموقوف منه
يقتضي أنَّ الذَّهَبِ يُقَوَّم بالفِضّة، وهذا يُمكِنُ تأويلُه، فلا يَرتَفِع به النَّصُّ الصَّريحُ.
التاسع: مِثْلُه، إلّا إن كان المسروقُ غيرَهما، قُطِعَ به إذا بَلَغَت قيمتُه أحدَهما، وهو المشهور
عن أحمدَ، وروايةٌ عن إسحاقَ.
العاشر: مِثْلُهُ/، لكن لا يُكتَفَى بأحدِهما إلّا إذا كانا غالبينٍ، فإن كان أحدُهما غالباً فهو ١٠٧/١٢
المعوَّل عليه، وهو قولُ جماعةٍ من المالكيَّة، وهو الحادي عشرَ.
الثّانيَ عشرَ: رُبع دينار أو ما يَبلُغ قيمتُه من فِضّة أو عَرَض، وهو مذهب الشافعيِّ وقد
تقدَّم تقريرُه، وهو قولُ عائشة وعَمْرة وأبي بكر بن حَزْم وعمر بن عبد العزيز والأوزاعيِّ
واللَّيث، ورواية عن إسحاقَ وعن داودَ، ونَقَلَه الخطَّبيُّ وغيره عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ، وقد
أخرجه ابن المنذر عن عمر بسندٍ مُنقَطِع(١) أنَّه قال: إذا أخَذَ السارق رُبع دينار قُطِعَ، ومن
طريق عَمْرة (٩٠٢٣): أَتَيَ عثمان بسارقٍ سَرَقَ أُتْرُجّة قوِّمَت بثلاثة دراهم من حِساب الدّينار
باثنَي عشرَ فَقُطِعَ(٢). ومن طريق جعفر بن محمَّد عن أبيه (٩٠١٢): أنَّ عليّاً قَطَعَ في رُبع دينار
كانت قيمته دِرْهمَينِ ونصفاً.
الثّالثَ عشرَ: أربعة دراهم، نَقَلَه عياضٌ عن بعض الصحابة، ونَقَلَه ابن المنذر (٩٠١٨)
عن أبي هريرة وأبي سعيد.
الرَّابعَ عشرَ: ثُلُث دينار، حكاه ابن المنذر (١٢/ ٢٨٢) عن أبي جعفر الباقر.
الخامسَ عشرَ: خمسة دراهم، وهو قول ابن شُبْرُمةَ وابن أبي ليلى من فقهاء الكوفة، ونُقِلَ
عن الحسن البصريّ وعن سليمان بن يسار، أخرجه النَّسائيُّ (ك ٧٣٨٦) وجاء عن عمر بن
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٨٩٦٢)، ومن طريقه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٩٠١٠).
(٢) أخرجه الشافعي في ((الأم)) ٦/ ١٤٠ و١٥٩، ومن طريقه ابن المنذر (٩٠٢٣).

٥٠٨
باب ١٣ / ح ٦٧٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
الخطّاب: لا تُقطَع الخمس إلّا في خمس، أخرجه ابن المنذر (٩٠١٤) من طريق منصور عن
مجاهد عن سعيد بن المسيّب عنه، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٩/ ٤٧١) عن أبي هريرة وأبي سعيد
مِثله(١) ، ونَقَلَه أبو زيد الدَّبوسيّ عن مالكِ، وشَذَّ بذلك.
السادس عشر: عشرة دراهم أو ما بَلَغَ قيمتها من ذَهَبٍ أو عَرَضٍ، وهو قول أبي حنيفة
والثَّوْريِّ وأصحابِهِما.
السابع عشر: دينار أو ما بَلَغَ قيمتَه من فِضّة أو عَرْضٍ. حكاه ابن حَزْم عن طائفة، وجَزَمَ
ابن المنذر (١٢ /٢٨٢) بأنَّه قول النَّخَعيّ.
الثّامن عشر: دينارٌ أو عشرةُ دَراهم، أو ما يُساوي أحدَهما، حكاه ابن حَزْم أيضاً، وأخرجه
ابن المنذر عن عليٍّ (٩٠١٦) بسندٍ ضعيف، وعن ابن مسعود (٩٠١٧) بسندٍ مُنْقَطِعٍ، قال: وبه
قال عطاء.
التاسع عشر: رُبع دينار فصاعداً من الذَّهَب، على ما دَلَّ عليه حديثُ عائشة، ويُقطَع
في القليل والكثير من الفِضّة والعُروض، وهو قول ابن حَزْم، ونَقَلَ ابنُ عبد البَرِّ نحوَه
عن داود، واحتَجَّ بأنَّ التَّحديد في الذَّهَب ثَبَتَ صريحاً في حديث عائشة، ولم يَثْبُت التَّحديد
صريحاً في غيره، فبَقِيَ عُموم الآية على حاله، فيُقْطَع فيما قَلَّ أو كَثُرَ إلّا إذا كان الشَّيء تافهاً،
وهو موافقٌ للشّافعيِّ إلّا في قياس أحد النَّقْدَينِ على الآخر، وقد أَيَّدَه الشافعيّ بأنَّ الصَّرف
يومئذٍ كان موافقاً لذلك، واستَدَلَّ بأنَّ الدّية على أهل الذَّهَب ألف دينار، وعلى أهل الفِضّة
اثنا عشرَ ألفِ دِرْهم، وتقدَّم في قصَّة الأُنْرُجّة قريباً ما يُؤْيِّده.
ويُخرَّج من تفصيل جماعة من المالكيَّة أنَّ اللَّقويم يكون بغالبِ نَقد البلد، إن ذهباً فبالذَّهَبِ
وإن فِضّةً فبالفِضّة، تمام العشرينَ مذهباً.
وقد ثَبَتَ في حديث ابن عمر: أنَّه ◌ِّلَ قَطَعَ في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثة دراهم. وثَبَتَ: لا قَطْعَ
في أقلّ من ثَمَن المِجَنّ، وأقلُّ ما وَرَدَ في ثَمَن المِجَنّ ثلاثة دراهم، وهي موافقة للنَّصِّ الصَّريح
(١) ولفظه عنده عنهما: لا تقطع اليد إلّا في أربعة دراهم فصاعداً.

٥٠٩
باب ١٣ / ح ٦٧٩٨
كتاب الحدود
في القَطْع في ربع دينار، وإِنَّا تُرِكَ القول بأنَّ الثلاثة دراهم نِصاب يُقطَع فيه مُطلَقاً، لأنَّ قيمة
الفِضّة بالذَّهَبِ تختلف، فَقِيَ الاعتبار بالذَّهَبِ كما تقدَّم، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على وُجوبٍ قَطْع السارق ولو لم يَسِرِق من حِرْزٍ، وهو قول الظّاهريَّة،
وأبي عبدِ الله(١) البصريّ من المعتَزِلة، وخالَفَهم الجمهور فقالوا: العامُّ إذا خُصَّ منه شيءٌ
بدليلٍ يَقِيَ ما عَداه على عُمومه وحُجَِّتِه، سواء كان لفظُه يُنِئِ عَّ ثَبَتَ في ذلك الحُكم بعدَ
التَّخصيص أم لا، لأَنَّ آيَة السَّرِقة عامّةٌ في كلّ مَن سَرَقَ، فخَصَّ الجمهور منها مَن سَرَقَ
من غير حِرْزٍ فقالوا: لا يُقْطَع، وليس في الآية ما يُنِئ عن اشتِراط الحِرْزِ، وطَرَدَ البصريّ
أصلَه في الاشتِراط المذكور، فلمْ يَشتَرِطِ الحِرْزَ ليَستَمِّرَّ الاحتجاج بالآية، نعم وزَعَمَ ابن
بَطّالِ: أنَّ شَرْطَ الِحِرْزِ مأخوذٌ من معنى السَّرِقة، فإن صَحَّ ما قال سَقَطَت حُجّة البصريِّ
أصلاً.
واستُدِلَّ به على أنَّ العِبرةَ بعُمومِ اللَّفظ لا بخُصوصِ السَّبَب، لأنَّ آيَة السَّرِقة نزلت في
سارق رِداء صفوانَ(٢)، أو سارق المِجَنّ(٣)، وعَمِلَ بها الصحابة في غيرهما من السارقينَ،
واستُدِلَّ/ بإطلاق رُبع دينار على أنَّ القَطْعَ يجبُ بما صَدَقَ عليه ذلك من الذَّهَب، سواء كان ١٠٨/١٢
مضروباً أو غير مَضروبٍ، جيِّداً كان أو رَديئاً، وقد اختَلَفَ فيه التَّرجيح عند الشافعيَّة، ونَصَّ
الشافعيُّ في الزكاة على ذلك، وأطلقَ في السَّرِقة، فجَزَمَ الشَّيخ أبو حامد وأتباعُه بالتَّعميمِ
هنا، وقال الإصطَخْريّ: لا يقع إلّا في المَضْرِوب، وَرَجَّحَه الرَّافعيّ، وقَيَّدَ الشَّيخ أبو حامد
النَّقْلَ عن الإصطَخريّ بالقَدرِ الذي يَنقُص بالطَّبع.
واستُدِلَّ بالقَطْع في المِجَنّ على مشروعيَّة القَطْع في كلّ ما يُتَمَوَّل قياساً، واستَثَنَى الحنفيَّة ما
(١) تحرَّف في (س) إلى: ((عبيد الله)) بالتصغير، وصوابه ما أثبتناه من الأصلين، له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) ٧٣/٨، ذكر
الخطيب البغدادي أنه كان ينتحل في الفروع مذهب أهل العراق.
(٢) وقصته أخرجها أحمد في ((المسند)) (١٥٣٠٣)، وأبو داود (٤٣٩٤)، وابن ماجه (٥٢٩٥)، والنسائي
(٤٨٧٩)، وهو صحیح بمجموع طرقه.
(٣) سلف تخريجه في أثناء شرح هذا الباب.

٥١٠
باب ١٤ / ح ٦٧٩٩-٦٨٠١
فتح الباري بشرح البخاري
يُسرع إليه الفسادُ وما أصلُه الإباحةُ، كالحجارة واللَّبَن والخَشَب والملح والُراب والكَلَأ
والطَّير، وفيه روايةُ عن الحنابلة، والرَّاجح عندهم في مِثل السِّرچِين (١) القطعُ تفريعاً على جواز
بَيْعِه، وفي هذا تَفاريعُ أُخرى مَلُّ بَسطها كُتُبُ الفقه، وبالله التَّوفيق.
الحديث الثالث: حديث أبي هريرة في لَعن السارقِ يَسِرِق البيضة فيُقْطَع.
٦٧٩٩ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حذَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: سمعتُ
أبا صالح، قال: سمعتُ أبا هريرةَ، قال: قال رسولُ الله وَّةَ: (لَعنَ اللهُ السارقَ، يَسْرِقُ البيضةَ
فَتُقْطَعُ يَدُه، ويَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُه)).
خَتَمَ به الباب إشارةً إلى أنَّ طريق الجمع بين الأخبار أن يُجُعَل حديث عَمْرة عن عائشة
أصلاً، فيُقطَع في رُبع دينار فصاعداً وكذا فيما بَلَغَت قيمتُه ذلك، فكأنَّه قال: المراد بالبَيضَة
ما يَبلُغ قيمتُها رُبع دينار فصاعداً، وكذا الحَبْلُ، ففيه إيماءٌ إلى تَرْجيحِه ما سَبَقَ من التَّأْويل
الذي نَقَلَه الأعمش، وقد تقدَّم البحث فیه.
١٤ - باب توبة السارقِ
٦٨٠٠ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ،
عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ نَّهَ قَطَعَ يَدَ امرأةٍ، قالت عائشةُ: وكانت تَأتي بعدَ ذلك فأرفَعُ
حاجَتَها إلى النبيِّ وَّهِ، فتابَتْ وحَسُنَت تَوْبَتُها.
٦٨٠١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدِ الجُعْفيُّ، حذَّثنا هشامُ بنُ يوسُفَ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
الزُّهْرِيِّ، عن أبي إدْرِيسَ، عن عُبادةَ بنِ الصّامِتِ بَثُ، قال: بايعتُ رسولَ الله وََّ فِي رَهْطٍ،
فقال: ((أُبايِعُكم على أن لا تُشِرِكوا بالله شيئاً، ولا تَسْرِقوا، ولا تَقْتُلوا أوْلادَكُم، ولا تَأْتوا
بُهْتَانٍ تَفْتَرونَه بينَ أيدِيكم وأرجُلِكُم، ولا تَعْصُوني في مَعْروفٍ، فمَن وَ منكم فأخْرُه على
الله، ومَن أصاب من ذلك شيئاً، فأُخِذَ به في الدُّنْيا فهو كفَّارةٌ له وطَهورٌ، ومَن سَتَرَه اللهُ فذلك
إلى الله، إن شاءَ عَذَّبَه، وإن شاءَ غَفَرَ لَه)).
(١) والسِّرجين: كلمة أعجمية أصلها سِرْكين فعُرِّبت إلى الجيم: وهو رَوْث الدواب أو الزِّبْل ((المصباح المنير))
(سرج).

٥١١
باب ١٤ / ح ٦٨٠١
كتاب الحدود
قال أبو عبد الله: إذا تابَ السارقُ وقُطِعَتْ يَدُه قُبِلَت شهادتُه، وكذلك كلُّ الحُدودِ إذا
تابَ أصحابها قُبِلَت شهادتُهم.
قوله: ((باب تَوْبة السارق)) أي: هل تُفيدُه في رَفْع اسمِ الفِسْق عنه حتَّى تُقبَلَ شهادتُه أو لا؟
وقد وَقَعَ في آخر هذا الباب: قال أبو عبد الله: إذا تابَ السارق وقُطِعَت يَدُه قُبِلَت
شهادتُه، وكذلك كلّ الحدود إذا تابَ أصحابُها قُبِلَت شهادتُهم، وهو في رواية أبي ذرِّ عن
الگُشْمِیهنيّ وحده.
وأبو عبد الله: هو البخاريّ المصنّف، وقد تقدَّمَت هذه المسألة في الشَّهادات(١) فيما
يَتَعلَّق بالقاذِفِ والسارق في شهادتهما.
ونَقَلَ البيهقيُّ(٢) عن الشافعيّ أنَّه قال: يحتمل أن يَسقُط كلُّ حَقٍّ لله بالتَّوبة، قال: وجَزَمَ به
في كتاب الحُدودِ، وروى الرَّبيع عنه: أنَّ حَدَّ الزّنى لا يَسقُط، وعن اللَّيث والحسن: لا
يَسقُط شيء من الحدود أبداً، قال: وهو قول مالكٍ، وعن الحنفيَّة: يَسقُط إلّا الشُّرب،
وقال / الطَّحاويّ: ولا يَسقُط إلّا قطع الطَّريق لوُرودِ النَّصّ فيه، والله أعلم (٣).
١٠٩/١٢
وذكر في الباب حديث عائشة في قصَّة التي سَرَقَت مختصراً.
ووَقَعَ في آخره: ((وتابَت وحَسُنَت تَوبَتُها)) وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى قُبَيلَ هذا (٦٧٨٨)،
ووجه مُناسَبته للتَّرجمة وصف الثَّوبة بالحُسنِ، فإنَّ ذلك يقتضي أنَّ هذا الوصفَ يَتْبُت للتّائبِ
المذكور، فيعود لحالَتِه التي كان عليها.
وحديث عُبادة بن الصّامت في البيعة، وفيه ذِكْر السَّرقة، وفي آخره: ((فمَن أصاب من
ذلك شيئاً فأُخِذَ به في الدُّنيا، فهو كفَّارةٌ له وطَهُورٌ)) ووجه الدّلالة منه أنَّ الذي أُقيمَ عليه
الحدُّ وُصِفَ بالتطهُّرِ، فإذا انضَمَّ إلى ذلك أنَّه تابَ، فإنَّه يعود إلى ما كان عليه قبلَ ذلك،
فتَضَمَّنَ ذلك قَبُولَ شهادتِه أيضاً، والله أعلم.
(١) عند ((باب شهادة القاذف والسارق والزاني)) قبل الحديث (٢٦٤٨) من كتاب الشهادات.
(٢) في ((السنن الصغرى)) ٢/ ٣٢٢.
(٣) وانظر ((الأوسط)) لابن المنذر ١٢ /٤٥٦.

٥١٢
باب ١٥ / ح ٦٨٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
١٥ - كتاب المحارِبين مِن أهل الكُفْرِ والرّدّة(١)
وقولِ الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَّ وُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [المائدة: ٣٣].
٦٨٠٢ - حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا الأوْزاعيُّ، حدَّثني يحيى
ابنُ أبي كثير، قال: حدَّثني أبو قِلابةَ الجَرْمِيُّ، عن أنسٍ ◌َّ، قال: قَدِمَ على النبِّ ◌َّ نَفَرِ من
عُكْلٍ، فأسلموا، فاجْتَوَوُا المدينةَ، فأمَرَهم أن يأتوا إبلَ الصَّدَقةِ، فَيَشْرَبوا من أبوالِها وألبانِها،
ففَعَلوا فصَخُوا، فارتَدّوا، وقَتَلوا رُعاتها، واستَاقُوا الإِلَ، فَبَعَثَ في آثارِهِم، فأَتِيَ بهم، فقطَعَ
أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعيُنَهم، ثمَّ لم يَحْسِمْهم حتَّى ماتوا.
قوله: ((كتاب المحاربين من أهل الكُفْر والرِّدّة)) كذا هذه التَّرجمة ثَبَتَت للجميع هنا،
وفي كَونها في هذا الموضع إشكالٌ، وأظنُّها ممَّا انقَلَبَ على الذينَ نَسَخوا كتاب البخاريِّ من
المُسَوَّدَةِ، والذي يظهر لي أنَّ مَحَلَّها بين كتاب الدّيات وبين استِتَابَةِ المرتدِّينَ، وذلك أنَّها
تَخلَّلَت بين أبواب الحدود، فإنَّ المصنِّ تَرجَمَ «كتاب الحدود)) وصَدَّرَه بحديث: ((لا يَزني
الزّاني وهو مُؤمِن)) (٦٧٧٢) وفيه ذِكْرُ السَّرِقة وشُربِ الخمرِ، ثمَّ بَدَأ بما يَتَعلَّق بحَدِّ الخمر
في أبوابٍ، ثمَّ بالسَّرِقة كذلك، فالذي يَلِيق أن يُثَلِّثَ بأبوابِ الزّنى على وَفْقِ ما جاء في
الحديث الذي صَدَّرَ به، ثمَّ بعد ذلك إمّا أن يُقدِّم كتاب المحاربينَ وإمّا أن يُؤَخِّرَه، والأوْلى
أن يُؤَخِّرَه لَيَعقُبَه ((بابُ استتابة المرتدِّينَ))، فإنَّه يَلِيق أن يكون من ◌ُملة أبوابه، ولم أرَ مَن نَبَّهَ
على ذلك إلّا الكِرْمانيّ فإنَّه تَعرَّضَ لشيءٍ من ذلك في «باب إثم الزُّناة)) (٦٨٠٨) ولم يَستَوفِه
کما سأُنبِّه علیه.
ووَقَعَ في رواية النَّسَفيّ زيادةٌ قد يَرتَفِعُ بها الإشكال، وذلك أنَّه قال بعد قوله: ((من
أهل الكُفر والرِّدّة)) فزاد: ((ومَن يَجِبُ عليه الحدُّ في الزّنى)) فإن كان محفوظاً فكأنَّه ضَمَّ حَدَّ
الزِّنى إلى المحاربين، لإفضائه إلى القتل في بعض صُوَرِه بخِلَاف الشُّرب والسَّرِقة، وعلى هذا
(١) ذُكرت البسملة قبل هذا العنوان في اليونينية دون الإشارة إلى سقوطها من شيء من روايات ((الصحيح)) إلّا
أنها لم ترد عندنا في الأصلين و(س)، ولم يشر إليها الحافظ هنا مما يعني عدم وجودها في نسخه، والله أعلم.

٥١٣
باب ١٥ / ح ٦٨٠٢
كتاب الحدود
فالأَّوْلى أن يُبدَل لفظ: ((كتاب)) بيابٍ، وتكون الأبواب كلّها داخلة في كتاب الحدود.
قوله: ((وقول الله: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ
في رواية كَرِيمة وغيرها إلى: ﴿أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
قال ابن بَطّال: ذهب البخاريّ إلى أنَّ آية المحاربة نزلت في أهل الكُفر والرِّدّة، وساقَ
حديث العُرَنِّينَ وليس فيه تصريحٌ بذلك، ولكن أخرج عبد الرَّزاق (١٨٥٣٨) عن مَعمَر عن
قَتَادة حديث العُرَنِيِّينَ، وفي آخره: قال: بَلَغَنا أنَّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ
الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، ووَقَعَ مِثله في حديث أبي هريرة (١٨٥٤١)، وممّن قال
ذلك الحسن وعطاء والضَّحّاك والزَّهريّ.
قال: وذهب/ ◌ُمهور الفقهاء إلى أنَّها نزلت فيمَن خَرَجَ من المسلمينَ يَسعَى في الأرض ١١٠/١٢
بالفسادِ ويَقطَعِ الطَّريق، وهو قول مالك والشافعيِّ والكوفيّينَ، ثمَّ قال: ليس هذا مُنافياً
للقولِ الأوَّل، لأنَّها وإن نزلت في العُرَنّينَ بأعيانِهِم، لكنَّ لفظها عامٌ، يَدخُل في معناه كلُّ
مَن فعل مِثل فِعْلِهم من المحارَبة والفساد.
قلت: بل هما مُتَغايران، والمرجِع إلى تفسير المراد بالمحارَبة: فمَن حَمَلَها على الكُفر خَصَّ
الآية بأهلِ الكفر، ومَن حَمَلَها على المعصية عَمَّمَ، ثمَّ نَقَلَ ابن بَطّال عن إسماعيل القاضي:
أنَّ ظاهر القرآن وما مضى عليه عملُ المسلمينَ يدلّ على أنَّ الحدود المذكورة في هذه الآية
نزلت في المسلمينَ، وأمَّا الكفَّار فقد نزلَ فيهم: ﴿ فَإِذَا لَفِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى آخر
الآية [محمد: ٤]، فكان حُكمُهم خارجاً عن ذلك، وقال تعالى في آية المحارَبة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، وهي دالةٌ على أنَّ مَن تابَ من المُحارَبَةِ(١)
يَسقُط عنه الطَّلَب بما ذُكِرَ بما جَناه فيها، ولو كانت الآية في الكافر لَنَفَعَتْهُ المحارَبةُ، وَلَكان
إذا أحدَثَ الِرابةَ مع كُفِرِه اكتَفَينا بما ذُكِرَ في الآية وسَلمَ من القتل، فتكون الحِرابة خَفَّفَت
عنه القتل.
(١) في (س): المحاربين.

٥١٤
باب ١٥ / ح ٦٨٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
وأُجيبَ عن هذا الإشكال بأنَّه لا يَلَم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتَدّ مثلاً أن
تَسقُط عنه المطالَبةُ بالعَودِ إلى الإسلام أو القتل، وقد تقدَّم في تفسير المائدة (٤٦١٠) ما نَقَلَه
المصنّف عن سعيد بن جُبِير: أنَّ معنى المحاربة لله: الكفرُ به. وأخرج الطَّبَريُّ (٢٠٦/٦) من
طريق رَوْح بن عُبادة عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة عن أنس في آخر قصَّة العُرَنِّينَ قال:
فذكر لنا أنَّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿ إِنَّمَا جَزَُّواْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ,﴾.
وأخرج نحوَه (٦/ ٢٠٧) من وجهٍ آخَر عن أنسٍ. وأخرج الإسماعيليّ هناك من طريق
مروان بن معاوية عن معاوية بن أبي العبّاس عن أيوب عن أبي قلابةً عن أنس عن النبيّ وَّ في
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَُّؤْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: ((هم من عُكْلِ))(١).
قلت: قد ثَبَتَ في ((الصحيحين))(٢): أنَّهم كانوا من عُكْلِ وعُرَينَةَ، فقد وُجِدَ التَّصريح
الذي نَفاه ابن بَطّال، والمعتمَد أنَّ الآية نزلت أوَّلاً فيهم، وهي تَتناول بعُمومِها مَن حارَبَ
من المسلمينَ بقَطْعِ الطَّريق، لكنَّ عُقوبةَ الفريقَينِ مُخْتَلِفِةٌ: فإن كانوا كفَّاراً يُخِيَّر الإمامُ فيهم
إذا ظَفِرَ بهم، وإن كانوا مسلمينَ فعلى قولَين:
أحدهما - وهو قول الشافعيِّ والكوفيّينَ -: يُنظَر في الجِناية. فمَن قَتَل قُتِلَ، ومَن أخَذَ
المال قُطِعَ، ومَن لم يقتل ولم يأخذ مالاً نُفِيَ، وجَعَلوا ((أو)) للتَّنويع، وقال مالك: بل هي
للتَّخيير، فَيَتَخَيَّر الإمام في المحارب المسلم بين الأُمور الثلاثة، ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الأوَّلَ.
واختَلَفوا في المراد بالنَّفي في الآية: فقال مالكٌ والشافعيُّ: يُخْرَج من بلد الجِناية إلى بَلدة
أُخرى، زاد مالكٌ: فيُحبَس فيها. وعن أبي حنيفة: بل يُحبَس في بَلده.
وتُعقّبَ بأنَّ الاستمرارَ في البلد ولو كان مع الحَبس إقامةٌ، فهو ضِدُّ النَّفي، فإنَّ حقيقةً
النَّفي الإخراجُ من البلد، وقد قُرِنَت مُفارَقة الوَطَنِ بالقتلِ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَنَبْنَا عَلَيْهِمْ
أَنِ أَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِنْ دِيَرِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، وحُجّة أبي حنيفة: أنَّه لا يُؤْمَنُ منه
(١) وأخرجه من الطريق المذكورة الطبراني في ((الأوسط)) (٥٧٣).
(٢) البخاري، وقد سلف برقم (٤١٩٢)، ومسلم (١٦٧١) (١١) من حديث أنس ﴾.

٥١٥
باب ١٦-١٧ / ح ٦٨٠٣ - ٦٨٠٤
كتاب الحدود
استمرارُ المحارَبة في البلدة الأُخرى، فانفَصَلَ عنه مالكٌ بأنَّه يُحبَس بها، وقال الشافعيّ:
يكفيه مُفارَقة الوطن والعَشيرة خِذلاناً وذُلًّا.
ثم ذكر المصنِّف حديثَ أنسٍ في قصَّة العُرَنّينَ، أورَدَه من طريق الوليد بن مسلم عن
الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابةَ مُصرِّحاً فيه بالتَّحديثِ في جميعه، فأُمِنَ فيه من
التَّدليس والتَّسوية، وقد تقدَّم شرحُه في ((باب أبوال الإبل)) (٢٣٣) من كتاب الطَّهارة. ووَقَعَ في
هذا الموضع: ففَعَلوا فصَحُوا فارتَدُّوا وقتلوا رُعاتها واستاقوا الإبلَ.
١٦ - باب لم يَحْسِمِ النبيُّ بَِّ المحارِبينَ من أهلِ الرِّدَّة حتّى هَلَكوا
٦٨٠٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ الصَّلْتِ أبو يَعْلَى، حدَّثنا الوليدُ، حذَّثني الأوْزاعيُّ، عن يحيى،
عن أبي قلابةَ، عن / أنسٍ: أَنَّ النبيَّ ◌ََّقَطَعَ العُرَنِينَ، ولم يَخْسِمْهُم حتَّى ماتوا.
١١١/١٢
قوله: ((باب لم يَحْسِم النبيُّ ◌َِّ المحارِبينَ ... )) إلى آخره، الحَسْم بفتح الحاء وسكون السّين
المهمَلتَينِ: الكَيُّ بالنار لقَطْعِ الدَّم، حَسَمْتُه فانحَسَمَ كَقَطَعتُه فانقَطَعَ، وحَسَمْتُ العِرْقَ معناه:
حَبَست دَم العِرق فمَنَعتُه أن يَسيلَ.
وقال الدَّاوُوديّ: الحَسْمُ هنا: أن تُوضَع اليدُ بعد القَطْع في زَيتٍ حارٍّ. قلت: وهذا من
صُور الحَسْم، وليس محصوراً فيه.
وأورَدَ فيه طُرَفاً من قصَّةِ العُرَنّينَ مُقْتَصِراً على قوله: قَطَعَ العُرَنِيّينَ ولم يَحِسِمْهُم .
قال ابن بَطّال: إِنَّمَا تَرَكَ حَسْمَهُم لأنَّه أراد إهلاكَهم، فأمَّا مَن قُطِعَ في سَرِقة مثلاً فإنَّه
يجب حَسْمُه، لأنَّه لا يُؤمَن معه التَّلَفُ غالباً بنَزَفِ الدَّم.
١٧ - باب لم يُسْقَ المرتدُّون المحارِبونَ حتّى ماتوا
٦٨٠٤ - حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، عن وُهَيبٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ ـ
قال: قَدِمَ رَهْطٌ من عُكْلٍ على النبيِّ وَِّكانوا في الصُّفّةِ، فَاجْتَوَوُا المدينةَ، فقالوا: يا رسولَ الله،
أَبَّغِنا رِسْلاً، فقال: ((ما أجِدُ لكم إلا أن تَلْحَقوا بإبلِ رسولِ الله)) فأتوْها، فشَرِبُوا من ألبانِها

٥١٦
باب ١٧ / ح ٦٨٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأبوالِها حتَّى صَحُوا وسَمِنُوا، وقَتَلُوا الرَّاعيَ واستاقُوا الذَوْدَ، فأتى النبيَّ ◌َةَ الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ
الطَّلَبَ في آثارهم، فما تَرَجَّلَ النَّهَارُ حتَّى أُتِيَ بهم، فأمَرَ بِمَسامِيرَ فَأُحْيَت فَكَحَلَهُم، وَقَطَعَ
أبدِيَهم وأرجُلَهم، وما حَسَمَهُم، ثمَّ أَلْقُوا فِي الحَرّةِ يَستَسْقونَ فما سُقوا، حتَّى ماتوا.
قال أبو قلابةَ: سَرَقوا، وقَتَلوا، وحارَبوا الله ورسوله.
قوله: ((باب لم يُسْقَ)) كذا لهم بضمٌّ أوَّله على البناء للمجهول، ولو كان بفتحِه لَنَصَبَ
المحاربينَ، وكان راجِعاً إلى فاعل ((يَحسِم)) في الباب الذي قبلَه. وأورَدَ فيه قصَّة العُرَنّينَ من
وجه آخَر عن أبي قلابةَ عن أنس تامّاً.
قوله: ((حتَّى صَخُوا وسَمِنُوا، وقَتَلُوا الرَّاعيَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: فقَتَلوا الرَّاعيَ، بالفاءِ
وهي أوجَهُ.
وحكى ابن بَطّال عن المهلَّب: أنَّ الحكمة في تَرك سَقْيِهِم كُفْرُهم نِعمةَ السَّقي التي
أنعَشَتهم من المرض الذي كان بهم، قال: وفيه وجهٌ آخر يُؤْخَذ ممّا أخرجه ابن وَهْبٍ (١) من
مُرسَل سعيد بن المسيّب: أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال لمَّا بَلَغَه ما صَنَعوا: ((عَطَّشَ الله مَن عَطَّشَ آلَ محمَّدٍ
اللَّيلةَ)) قال: فكان تَركُ سَقْيِهِم إجابةً لدَعوتِهِ وَلِّ.
قلت: وهذا لا يُنافي أنَّه عاقَبَهم بذلك، كما ثَبَتَ أَنَّه سَمَلهم لكَونِهِم سَمَلوا أعيُنّ
الرّعاة، وإِنَّمَا تَرَكَهم حتَّى ماتوا لأنَّه أراد إهلاكَهم كما مضى في الحَسْم.
وأبعَدَ مَن قال: إنَّ تَرْكَهم بلا سَفْي لم يكن بعِلمِ النبيِّ وَّ.
وقوله في هذه الطَّريق: «قالوا أَبْغِنا» بهمزة قطع ثمَّ موخَّدة ثمَّ مُعجَمة، أي: اطلُب لنا،
يقال: أبغاهُ كذا: طَلبَه له.
وقوله: ((رِسْلاً)) بكسر الرَّاء وسكون المهمَلة، أي: لَبناً.
وقوله: ((ما أجِدُ لكم إلّا أن تَلحَقوا بإبلِ رسول الله ◌َلاَ) فيه تجريدٌ، وسياقُ الكلام يقتضي
أن يقول: بإبلي، ولكنَّه كقولِ كَبيرِ القومِ: يقول لكم الأميرُ، مثلاً، ومنه قول الخليفة: يقول لكم
(١) أخرجه أيضاً ابن سعد في ((الطبقات)) ٤٩٥/١.

٥١٧
باب ١٨ / ح ٦٨٠٥
كتاب الحدود
أمير المؤمنينَ، وتقدَّم في غير هذه الطَّريق، وهو في الباب الأوَّل أيضاً (٦٨٠٢) بلفظ:
فأمَرَهم أن يأتوا إبلَ الصَّدَقة، فجَمَعَ بعضُهم بين الرِّوايتَينِ بأَنَّه وَّلِ كانت له إبلٌ تَرَعَى
وإبلُ الصَّدَقةِ في جهةٍ واحدةٍ، فدَلَّ كلٍّ من الصِّنفَينِ على الصِّنف الآخر، وقيل: بل الكلّ
إيلُ الصَّدَقة، وإضافَتُها إليه إضافة التَّبَعيَّة لِكَونِها تحت حُكْمه، ويُؤيِّد الأوَّلَ ما ذُكِرَ قريباً
من تَعطيش آلٍ محمَّد؛ لأنَّهم كانوا لا يَتَناولونَ الصَّدَقَةَ.
١١٢/١٢
١٨ - بابٌ سَمَر النبيُّ وَّهِ أعيُنَ المحارِبينَ
٦٨٠٥ - حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسِ بنِ
مالكٍ: أنَّ رَهْطاً من عُكْلٍ - أو قال: عُرَينَةَ، ولا أعلمُه إلا قال: من عُكْلٍ - قَدِموا المدينةَ فأمُرَ
لهمُ النبيُّ ◌َِّ بِلِقاحِ، وأمَرَهم أن يَخْرُجوا، فَيَشْرَبوا من أبوالِها وألبانها، فشَرِبوا حتَّى إذا بَرِئوا
فَتَلُوا الرَّاعِيَ، واستاقوا النَّعَمَ، فَبَلَغَ النبيَّ ◌َّهِ غُدْوةً، فَبَعَثَ الطَّلَبَ في إِثْرِهم، فما ارتَفَعَ النَّهارُ
حَتَّى جِيءَ بهم، فأمَرَ بهم فقَطَعَ أيدِيَهم وأرجُلَهم، وسَمَرَ أعيُنَهم، فَأَلَّقوا بالحَرّةِ يَسْتَسْقُونَ فلا
يُسْقَوْنَ.
قال أبو قِلابةَ: هَؤُلاءِ قومٌ سَرَقوا، وقَتَلوا، وكَفَروا بعدَ إِيمانِهِم، وحارَبوا اللهَ ورسولَه.
قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوين ((سَمَرَ النبيُّ ◌َّ) بفتح السّين المهمَلة والميم بالفعلِ الماضي، ويجوز
مُضافاً بغير تنوينٍ مع سُكون الميم، وأورَدَ فيه حديث العُرَنِيِّينَ من وجهٍ آخَر عن أيوبَ.
وقوله فيه: «حتَّى چيءَ بہم)) في رواية الگُشْمِيهنيّ : أُتي بهم.
وقوله: ((وسَمَرَ أعيُنَهم)) وَقَعَ في رواية الأوزاعيّ في أوَّل المحاربين (٦٨٠٢): وسَمَلَ،
باللّام وهما بمعنّى، قالَه ابنُ النِّین وغیرُه، وفيه نظرٌ.
قال عياضٌ: سَمَرَ العينَ بالتَّخفيفِ: كَحَلَها بالمِسْمار المُحمَّى فيُطابِقِ السَّمْلَ، فإنَّهِ فُسِّرَ
بأن يُدنَى من العين حديدةٌ مُحمّاةٌ حتَّى يذهبَ نظرُها، فيُطابِقُ الأوَّلَ بأن تكون الحديدةُ
مِسماراً، قال: وضَبطناه بالتَّشديدِ في بعض النُّسَخ والأوَّل أوجَه، وفَسَّروا السَّمْلَ أيضاً بأنَّه
فَقْءُ العَينِ بالشَّوكِ، وليس هو المراد هنا.

٥١٨
باب ١٩ / ح ٦٨٠٦- ٦٨٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: أشكَلَ قولُه في آية المحاربينَ: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الذُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ
عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣] مع حديث عُبادة الدّالّ على أنَّ مَن أُقيمَ عليه الحدُّ في الدُّنيا كان
له كفَّارة(١) فإنَّ ظاهر الآية أنَّ المحاربَ يُجمَع له الأمرانِ، والجوابُ: أنَّ حديث عُبادة
مخصوصٌ بالمسلمينَ، بدليلِ أنَّ فيه ذِكْرِ الشّرك مع ما انضَمَّ إليه من المعاصي، فلمَّا حَصَلَ
الإجماعُ على أنَّ الكافر إذا قُتِلَ على شِركه فماتَ مُشِرِكاً: أنَّ ذلك القتلَ لا يكون كفَّارةً له،
قامَ إجماع أهل السُّنّة على أنَّ مَن أُقيمَ عليه الحدُّ من أهل المعاصي، كان ذلك كفّارة لإثمِ
معصيَتِهِ، والذي يَضبِط ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن
كَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والله أعلم.
١٩ - بابُ فَضلٍ من تَرَك الفواحِشَ
٦٨٠٦ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عبدُ الله، عن عُبيدِ الله بنِ عمرَ، عن خُبَيبٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ،
عن حفصِ بنِ عاصمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((سَبْعةٌ يُظِلَّهمُ الله يومَ القيامةِ في
ظِلّهِ، يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأ في عبادةِ الله، ورجلٌ ذَكَرِ اللهَ في خَلاءٍ
ففاضَت عَيناهُ، ورجلٌ قَلْبُهُ مُعلَّقٌ في المسجدِ، وَرَجُلانِ تَحَابًا في الله، ورجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ
مَنْصِبٍ وجَمالٍ إلى نفسِها، قال: إنّ أخافُ اللهَ، ورجلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ فأخفاها، حتَّى لا تعلمَ
شِمالُهُ مَا صَنَعَت بَمِينُه)).
١١٣/١٢ ٦٨٠٧ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حدَّثنا عمرُ بنُ عليٍّ. وحذَّثني خَلِفةُ، حدَّثنا عمرُ بنُ
عليّ، حدَّثنا أبو حازم، عن سَهْلِ بنِ سعدِ الساعدِيِّ، قال النبيُّ ◌َّ: «مَن تَوَكَّلَ لي ما بينَ
رِجْلَيهِ وما بينَ لِحْيَيْهِ، تَوَكَّلْتُ له بالجنَّة».
قوله: ((بابُ فَضْلٍ مَن تَرَكَ الفواحشَ)) جمعُ فاحشةٍ، وهي كلُّ ما اشتَدَّ قُبحُه من الذُّنوب
فعلاً أو قولاً، وكذا الفَحشاء والفُحش، ومنه الكلام الفاحِشُ، ويُطلَق غالباً على الزِّنی فاحشةً،
ومنه قولُه تعالى: ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةٌ﴾ [الإسراء: ٣٣]، وأُطلِقَت على اللِّواط باللّام
(١) سلف برقم (٦٧٨٤).

٥١٩
باب ١٩ / ح ٦٨٠٧
كتاب الحدود
العَهْدِيَّة في قول لُوطٍ عليه السلام لقومه: ﴿أَتَأْتُنَ اٌلْفَحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] ومن ثَمَّ كان
حَدُّه حَدَّ الزّاني عند الأكثر، وزَعَمَ الحَلِيميّ: أنَّ الفاحشة أشدُّ من الكبيرة، وفيه نَظَرٌ.
ثم ذكر فيه حدیثین:
أحدهما: حديث أبي هريرة في السَّبعة الذينَ يُظِلّهم الله تعالى في ظِلِّه، والمقصود منه قولُه فيه:
((ورجلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ إلى نفسِها، فقال: إنّي أخاف الله تعالى))، وقد تقدَّم شرحُه
مُستَوَفَى في كتاب الزكاة (١٤٢٣)، ويَلْتَحِقِ بهذه الخَصْلة مَن وَقَعَ له نحوُها، كالذي دَعَا شاباً
جميلاً لأن يُزوِّجَه ابنةً له جميلةً كثيرةَ الجِهاز جدّاً ليَنالَ منه الفاحشةَ، فعَفَّ (١) الشّابُّ عن ذلك
وتَرَكَ المالَ والجَمَالَ، وقد شاهدت ذلك.
وقوله في أوَّل السَّنَد: ((حدَّثنا محمَّد)) غير منسوب، فقال أبو عليّ الغَسّانيّ: وَقَعَ في رواية
الأَصِيليّ: محمَّد بن مُقاتل، وفي رواية القابِسيّ: محمَّد بن سَلَام، والأوَّل هو الصَّواب؛ لأنَّ
عبد الله: هو ابن المبارك، وابن مُقاتل معروفٌ بالرِّواية عنه.
قلت: ولا يَلزَم من ذلك أن لا يكون هذا الحديث الخاصّ عند ابن سَلَام، والذي أشارَ
إليه الجَيّانِيُ(٢) قاعِدة في تفسير مَن أَبِهِمَ واستَمرَّ إبهامُه، فيكون كَثْرةُ أخذِه ومُلازَمَته قَرِينةً
في تَعیینِه، أمَّا إذا أورِدَ التَّنصیصَ علیه فلا.
وقد صَرَّحَ أيضاً بأنَّه محمَّد بن سَلَام أبو ذَرٍّ في روايته عن شيوخه الثلاثة، وكذا هو في
بعض النُّسَخ من رواية كَرِيمة وأبي الوَقْت.
الحديث الثاني:
قوله: ((عمر بن عليّ)) هو المقدَّمَيّ، نِسبةً إلى جَدِّ مُقدَّم بوزنٍ محمَّد، وهو عَمّ محمَّد بن أبي بكر
(١) كذا في الأصلين، ومعناه: فَكَفَّ، وتحرَّف في (س) إلى: ((فعفى)).
(٢) وقع في (س): ((الغساني))، والمثبت من الأصلين، وكلاهما صحيح، فهو أبو عليّ الحسين بن محمد بن أحمد
الغسّاني الجيّاني صاحب كتاب ((تقييد المهمل)) ضبط فيه كلَّ لفظٍ يقع فيه اللبس من رجال ((الصحيحين))
الذي ينقل منه الحافظ وغيره، فيسمّيه مرة الجيّاني ومرة الغسّاني. وجيّان مدينة بالأندلس. انظر ((وفيات
الأعيان)) ١٨٠/٢.

٥٢٠
باب ٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
الراوي عنه، وهو موصوف بالتَّدليسِ، لكنَّه صَرَّحَ بالتَّحديثِ في هذه الرّواية، وقد أورَدَه في
الرِّقاق (٦٤٧٤) عن محمَّد بن أبي بكر وحده وقَرَنَه هنا بخليفةَ، وساقَه على لفظ خليفة.
قوله: ((مَن تَوَّلَ لي)) أي: تَكَفَّلَ، وقد ذكرت في الرِّقاق(١) مَن رواه بلفظ: تَكَفَّلَ، وبلفظ:
((حَفِظَ))، وهو هناك بلفظ: ((يَضْمَنْ))(٢)، وأصل التَّوُّل: الاعتماد على الشَّيء والوُثوق به.
وقوله: ((تَوكَّلت له)) من باب المقابلة.
وقوله: ((ما بين رِجِلَيه)) أي: فَرْجه، ((ولَحْبَيْهِ)) بفتح اللّام، وهو مَنبَت اللِّحية والأسنان،
ويجوز كسر اللّم، وثُنّيَ لأنَّ له أعلى وأسفَلُ، والمراد به: اللِّسانُ، وقيل: النُّطْقُ، وقد تَرجَمَ
له في الرِّقاق: ((حِفظ اللِّسان)) وتقدَّم شرحُه مُستَوفِى هُناكَ.
وقوله في آخره: ((له بالجنَّة)) كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ
بحذفِ الباء، ويُقرأ بالنَّصبِ على نَزع الخافضِ، أو كأنَّه ضَمَّنَ ((تَوكَّلت)) معنى: ضَمِنتُ.
٢٠ - باب إثم الزُّناة وقولِ الله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]
﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزَّنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٣٢]
قوله: ((باب إِثْم الزُّناة)) بضمِّ أوَّله: جمع زانٍ كَرُماة ورامٍ.
قوله: (وقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾)) يشير إلى الآية التي في الفُرقان، وأوَّلها: ﴿وَالَّذِينَلَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ﴾، والمراد قوله في الآية التي بعدها (٣): ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾
[الفرقان: ٦٨]، وكأنَّ أشارَ بذلك إلى ما وَرَدَ في بعض طُرقه، وهو في آخر طريقٍ مُسَّدٍ عن يحيى
القَطّان (٤٧٦١) فقال مُتَّصِلاً بقولِه: ((حَليلة جارك)): قال: فنزلت هذه الآية تصديقاً لقولٍ
رسول الله ◌َّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾
(١) في سياق شرحه للحديث (٦٤٧٤).
(٢) كذا ضبطها هناك، فقال: بفتح أوّله وسكون الضاد المعجمة والجزم، من الضمان، بمعنى الوفاء بترك
المعصية، فأطلق الضَّمانَ وأراد لازِمَه.
(٣) بل في الآية نفسها.