Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود سَرَّقَت، فعاذَت بأُسامة. وكأنَّها جاءت معَ قومِها فكَلَّموا أُسامةَ بعدَ أن استَجارَت بِأُمِّ سَلَمة، ووَقَعَ في مُرسَل حبيب بن أبي ثابت: فاستَشفَعوا على النبيّ ◌َّ بِغير واحد، فكَلَّموا أُسامة. قوله: ((ثُمَّ قَامَ فخَطَبَ)) في رواية قُتَيبة: فاختَطَبَ، وفي رواية يونس: فلمَّا كان العَشُّ قامَ رسول الله وَلّ خطيباً. قوله: ((فقال: يا أيها الناسُ)) في رواية قُتَيبة بحذفِ ((يا)) من أوَّله(١)، وفي رواية يونس: فقامَ خطيباً فأثنَى على الله بما هو أهلُه ثمّ قال: ((أمَّا بعد)). قوله: ((إنَّما ضَلَّ مَن كان قبلَكُمْ)) في رواية أبي الوليد (٢): ((هَلَكَ))، وكذا لمحمَّدٍ بن رُمح عند مسلم (٨/١٦٨٨)، وفي رواية سفيان عند النَّسائيِّ (٤٨٩٥): ((إنَّما هَلَكَ بنو إسرائيل»، وفي رواية قُتییة: ((أهلَكَ مَن کان قبلگُم)». قال ابن دقيق العيد: الظّاهر أنَّ هذا الحَصر ليس عاماً، فإنَّ بني إسرائيل كانت فيهم أمورٌ كثيرة تقتضي الإهلاك، فيُحمَلُ ذلك على حَصرِ مخصوص وهو الإهلاكُ بسببِ المحاباة في الحدود، فلا يَنحَصِرُ ذلك في حَدِّ السَّرِقة. قلت: يُؤيِّد هذا الاحتمالَ ما أخرجه أبو الشَّيخ في كتاب ((السَّرِقة)) من طريق زاذان عن عائشة مرفوعاً: ((أنَهم عَطَّلوا الحدودَ عن الأغنياء وأقاموها على الضُّعَفاء))، والأُمور التي أشارَ إليها الشَّيخ(٣) سَبَقَ منها في ذِكْر / بني إسرائيل حديث ابن عمر في قصَّة اليهودَّينِ اللَّذَينِ ٩٥/١٢ زَنَيَا(٤)، وسيأتي شرحُه بعدَ هذا(٥)، وفي التَّفسير حديثُ ابن عبّاس(٦) في أخذ الدّية من الشّريف (١) رواية قتيبة بحذف جملة ((يا أيها الناس)) كلها. (٢) رواية أبي الوليد وهو الطيالسي، سلفت في الباب قبل هذا (٦٧٨٧). (٣) يعني: ابن دقيق العيد. (٤) عند باب ﴿قُلٌّ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾. الحديث رقم (٤٥٥٦). (٥) بل عند الحديث الآتي برقم (٦٨٤٠) تحت ((باب أحكام أهل الذِّمَّة إذا زنوا)) من هذا الكتاب. (٦) سلف في الموضع المذكور برقم (٤٤٩٨) بلفظ: ((كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية ... )) دون ذكر الشريف والوضيع. ٤٨٢ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري إذا قتل عَمداً والقصاص من الضَّعيف، وغير ذلك. قوله: ((إنَّهم كانوا إذا سَرَقَ الشَّريف تَرَكُوه)) في رواية قُتَيبة: ((إذا سَرَقَ فيهم الشَّريف»، وفي رواية سفيان عند النَّسائيّ (٤٨٩٥): ((حين كانوا إذا أصاب فيهم الشَّريف الحدّ تَرَكُوه، ولم يُقيموه عليه))، وفي رواية إسماعيل بن أُميَّة(١): ((وإذا سَرَقَ فيهم الوضيع قَطَعوه)). قوله: ((وايْمُ الله)) تقدَّم ضبطُها في كتاب الأيمان والنُّذُور(٢)، ووَقَعَ مِثله في رواية إسحاق ابن راشد(٣)، ووَقَعَ في رواية أبي الوليد: ((والذي نَفْسي بَيَدِه)»، وفي رواية يونس :((والذي نفسُ محمَّدٍ بیَدِه)). قوله: (لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمَّد سَرَقَت)) هذا من الأمثلة التي صَحَّ فيها أنَّ(لَو)) حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ، وقد أتقَنَ القولَ في ذلك صاحبُ ((المغني))، وسيأتي بَسطُ ذلك في كتاب التَّمَنّي إن شاء الله تعالى (٤). وقد ذكر ابن ماجه (٢٥٤٧) عن محمَّد بن رُمح شيخِه في هذا الحديث: سمعت اللَّيث يقول عَقِبَ هذا الحديث: قد أعاذَها الله من أن تَسِرِق، وكلّ مسلم ينبغي له أن يقول هذا. ووَقَعَ للشّافعيِّ أنَّه لمَّا ذكر هذا الحديث قال: فذَكَر عُضواً شريفاً من امرأة شَريفة، واستَحسَنوا ذلك منه لِمَا فيه من الأدب البالغ، وإِنَّا خَصَّ ◌َِّ فاطمةَ ابنَتَه بالذِّكرِ لأَنَها أعَزُّ أهلِه عنده، ولأَنَّه لم يَبقَ من بناته حينئذٍ غيرُها، فأراد المبالَغةَ في تَثبيتِ إقامة الحدِّ على كلِّ مُكلَّفٍ وتَركِ المحاباة في ذلك، ولأنَّ اسمَ السارقة وافَقَ اسمَها عليها السَّلام، فناسَبَ أن يَضِرِبَ المثَلَ بها. قوله: (لَقَطَعَ محمَّدٌ يدَها)) في رواية أبي الوليد (٦٧٨٧) والأكثر: ((لَقَطَعت يدَها))، وفي الأوَّل تجريدٌ. زاد يونسُ في روايتِه من رواية ابن المبارك عنه كما مضى في غزوة الفتح (٤٣٠٤): (١) عند النسائي أيضاً برقم (٤٩٠٠). (٢) عند ((باب قول النبي وَّ: وايْمُ الله)) الحديث رقم (٦٦٢٧) باختصار، ولكنه استوفى الكلام عليها في المناقب في سياق شرحه للحديث (٣٥٨١). (٣) عند النسائي برقم (٤٩٠١). (٤) عند الحديث (٧٢٣٦). ٤٨٣ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ كتاب الحدود ثُمَّ أمَرَ بتلكَ المرأة التي سَرَقَت فقُطِعَتِ يَدُها. ووَقَعَ في حديث ابن عمر في رواية للنَّسائيّ (٤٨٨٩): ((قُم يا بلال فخُذْ بَيَدِها فاقطَعْها))، وفي أُخرى له (٤٨٩٠): فأمَرَ بها فقُطِعَت، وفي حديث جابر عند الحاكم (٤/ ٣٧٩): فقَطَعَها. وذكر أبو داود تعليقاً (١) عن محمّد بن عبد الرَّحمن بن غَنَج عن نافع عن صَفيَّة بنت أبي عُبيد نحوَ حديث المخزوميَّة، وزاد فيه: قال: فشَهِدَ عليها. وزاد يونس أيضاً في روايته: (٤٣٠٤) قالت عائشة: فحَسُنَت تَوبَتُها بعدُ وتزوَّجَت، وكانت تأتيني بعدَ ذلك فأرفَعُ حاجتَها إلى رسول الله وَله، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق نُعَيم بن حمَّد عن ابن المبارك وفيه: قال عُرْوة: قالت عائشة. ووَقَعَ في رواية شُعَيب عند الإسماعيليّ في الشَّهادات وفي رواية ابن أخي الزُّهْريّ عند أبي عَوَانة (٦٢٣٩) كلاهما عن الزّهْريّ قال: وأخبرني القاسم بن محمَّد أنَّ عائشة قالت: فَنَكَحَت تلكَ المرأةُ رجلاً من بني سُلَيم وتابَت، وكانت حَسنةَ التَّلُسِ وكانت تأتيني فأرفَعُ حاجتَها، الحديث. وكأنَّ هذه الزيادة كانت عند الزّهْريّ عن عُرْوة وعن القاسم جميعاً عن عائشة، وعند أحدهما(٢) زيادة على الآخَرِ، وفي آخِرٍ حديث مسعود بن الحَكَم عند الحاكم (٤/ ٣٨٠): قال ابن إسحاق: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكر: أنَّ النبيَّ ◌َّ كان بعد ذلك يرحُها ويَصِلُها. وفي حديث عبد الله بن عَمْرو عند أحمد (٦٦٥٧) أنَّها قالت: هل لي من تَوبة يا رسولَ الله؟ فقال: ((أنتِ اليومَ من خَطيئِك كَيومٍ ولدَتك أمُّكِ)). وفي هذا الحديث من الفوائد: مَنع الشَّفاعة في الحدود، وقد تقدَّمَت في التَّرجمة الدّلالةُ على تقييدِ المنع بما إذا انتهى ذلك إلى أُولي الأمرِ، واختَلَفَ العلماء في ذلك: فقال أبو عمر بن عبد البَرِّ: لا أعلمُ خِلَافاً أنَّ الشَّفاعة في ذَوي الذُّنوب حَسنةٌ جميلةٌ ما لم تَبلُغ السُّلطانَ، وأنَّ على السُّلطان أن يُقيمَها إذا بَلَغَته. وذَكَر الخطَّبيُّ وغيره عن مالك: أنَّه فَرَّقَ بين مَن عُرِفَ بأذَى الناس ومَن لم يُعرَف، فقال: لا يُشْفَعُ للأوَّل مُطلَقاً سواء بَلَغَ الإمامَ أم لا، وأمَّا (١) بإثر الحديث رقم (٤٣٩٥). (٢) عبارة: ((وعند أحدهما)) تحرَّفت في (س) إلى: وعندهما. ٤٨٤ باب ١٢ / ح ٦٧٨٨ فتح الباري بشرح البخاري مَن لم يُعرَف بذلك فلا بأسَ أن يُشفَع له ما لم يَبلُغِ الإمامَ. وتَسَّكَ بحديثِ الباب مَن أوجَبَ إقامةَ الحدِّ على القاذِفِ إذا بَلَغَ الإمامَ ولو عَفا المقذوفُ، وهو قولُ الحنفيَّة والثَّوْريِّ والأوزاعيّ، وقال مالكٌ والشافعيُّ وأبو يوسفَ: ٩٦/١٢ يجوز العفوُ مُطلَقاً ويُدرأُ بذلك الحدُّ، لأنَّ الإمامَ لو وَجَدَه بعد عَفو المقذوف،/ لَجَازَ أن يُقيم البَيِّئَةَ بصِدقِ القاذِف، فكانت تلكَ شُبهةً قويَّةً. وفيه دخول النِّساء مع الرِّجال في حَدِّ السَّرِقة. وفيه قَبُول تَوبة السارق، ومَنقَبَة لأُسامة. وفيه ما يدلُّ على أنَّ فاطمة عليها السَّلامُ عند أبيها وَّ في أعظَمِ المنازِلِ، فإنَّ في القصَّة إشارةً إلى أنَّها الغاية في ذلك عنده، ذكره ابن هُبَيرة، وقد تقدَّمَت مُناسَبة اختصاصِها بالذِّكرِ دونَ غيرها من رجال أهله، ولا يُؤخَذُ منه أنَّها أفضلُ من عائشة، لأنَّ من جُملة ما تقدَّم من المناسَبة كَونَ اسمِ صاحبة القصَّة وافَقَ اسمَها، ولا تَنْتَفي المساواةُ. وفيه تَركُ المُحاباة في إقامة الحدّ على مَن وجَبَ عليه، ولو كان ولداً أو قريباً أو كبيرَ القَدْرِ، والتَّشديد في ذلك والإنكار على مَن رَخَّصَ فيه، أو تَعرَّضَ للشَّفاعة فيمَن وجَبَ عليه. وفيه جواز ضَرْبِ المَثَلِ بالكبيرِ القَدْرِ للمُبالَغة في الَّجِرِ عن الفعل، ومراتبُ ذلك مُخْتَلِفِةٌ، ولا يَخْفِى(١) نَذْبُ الاحترازِ من ذلك حيثُ لا يَترجَّح التَّصريحُ بحَسَب المَقام، كما تقدَّم نَقلُه عن اللَّيث والشافعيّ. ويُؤخَذ منه جوازُ الإخبار عن أمر مُقدَّر يفيد القَطْعَ بأمرٍ مُحَقَّقٍ. وفيه أنَّ مَن حَلَفَ على أمرٍ لا يَتَحقَّقِ أَنَّه يفعلُه أو لا يفعلُه لا يَنَثُ، کمَن قال لمن خاصَمَ أخاه: والله لو كنت حاضراً لَهَشَمْتُ أنفَك، خلافاً من قال: يَحِنَثْ مُطلَقاً. وفيه جواز التَّوجُع لمن أُقيم عليه الحدُّ بعد إقامته عليه، وقد حكى ابن الكَلْبِيّ في قصَّة أمّ عَمْرو بنت سفيان: أنَّ امرأةً أُسَيد بن حُضَير أوَتْها بعد أن قُطِعَت وصَنَعَت لها طعاماً، وأنَّ أُسَيداً ذكر ذلك للنبيِّ وَّهِ كالمُنكِرِ على امرأتِه فقال: رَحِمَتْها رَحِمَها الله. وفيه الاعتبارُ بأحوال مَن مضى من الأُمَم ولا سيَّمَا مَن خالَفَ أمرَ الشَّرع، وتَسَّكَ به بعضُ (١) تحرَّفت في (س) إلى: ولا يَحِقّ. ٤٨٥ باب ١٣ كتاب الحدود مَن قال: إنَّ شَرعَ مَن قبلَنا شَرعٌ لنا، لأنَّ فيه إشارة إلى تَحْذيرنا من فعلِ الشَّيءِ الذي جَرَّ الهلاكَ إلى الذينَ من قبلِنا، لئلّا تَهلِكَ كما هَلَكوا، وفيه نظرٌ، وإنَّما يَتِمّ أن لو لم يَرِدْ قَطعُ السارقِ في شَرعِنا، وأمَّا اللَّفظُ العامُّ فلا دلالةَ فيه على المدَّعَى أصلاً. ١٣ - باب قول الله تعالى: وَاُلْسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوْ اْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وفي كم يُقْطَع؟ وَقَطَعَ عليٌّ منَ الكَفِّ. وقال قَتَادةُ في امرأةٍ سَرَقَت فقُطِعَت شِمائها: ليس إلّا ذلك. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ﴾)) [المائدة: ٣٨] كذا أطلقَ في الآية اليَدَ، وأجمعوا على أنَّ المراد اليُمنَى إن كانت موجودةً، واختَلَفوا فيما لو قُطِعَتِ الشِّمالُ عَمْداً أو خطأً هل يُجِئ؟ وقُدِّمَ السارقُ على السارقة، وقُدِّمَتِ الزّانيةُ على الزّاني لِوُجودِ السَّرقة غالباً في الذُّكوريَّة، ولأنَّ داعيةَ الزّنى في الإناثِ أكثرُ، ولأنَّ الأُنثَى سببٌ/ في وقوع الزِّنى إذ لا يَتَأَتَّى غالباً إلّا بطَواعيَّها. وقولُه بصيغة الجمع ثمَّ الَّثنية، إشارة إلى أنَّ المراد جِنس السارق فلُوحِظَ فيه المعنى فجُمِعَ، والتَّتْنية بالنَّظَرِ إلى الجِنْسَينِ المتَلَفَّظ بهما. ٩٨/١٢ والسَّرِقة بفتح السّين وكسر الرَّاءِ ويجوز إسكانُها، ويجوزُ كسرُ أوَّلِهِ وسكونُ ثانيه: الأخذُ خُفْيَةً، وعُرِّفَت في الشَّرع: بأخذِ شيءٍ خُفْيَةً ليس للآخِذِ أخْذُه، ومَن اشتَرَطَ الحِرْزَ - وهم الجمهورُ ۔ زاد فیه: من حِرْزِ مِثلِه. قال ابن بَطّال: الحِرِزُ مُستَفادٌ من معنى السَّرِقَةِ، يعني: في اللّغة، ويقال لسارقِ الإبل: الخارِبُ بخاءٍ مُعجَمةٍ، وللسارقِ في المكيال: مُطَفِّفٌ، وللسارقِ في الميزان: مُسِرٌ، في أشياء أُخری ذکرها ابن خالَویه في کتابِ «لَیْسَ». قال المازَرِيّ ومَن تَبِعَه: صانَ الله الأموالَ بإيجابٍ قَطْع سارِقِها، وخَصَّ السَّرِقةَ لِقِلّة ما عَداها بالنّسبة إليها من الانتهاب والغَصْب، ولسُهولة إقامة البيّنة على ما عَدا السَّرِقَةَ بخِلَافها، ٤٨٦ باب ١٣ فتح الباري بشرح البخاري وشَدَّدَ العُقوبةَ فيها ليكونَ أبلَغَ في الَّجرِ، ولم يجعل دِيَةَ الجِناية على العُضوِ المقطوع منها بقَدْرِ ما يُقطَعُ فيه حِمايَةً لليَد، ثمَّ لمَّا خانَتْ هانَتْ، وفي ذلك إشارةٌ إلى الشُّبهة التي نُسِبَت إلى أبي العلاء المعَرّيّ في قولِه: يَدِّ بِخَمسٍ مِئينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ما بالها قُطِعَتْ فِي رُبع دينارٍ؟ فأجابَه القاضي عبدُ الوهّاب المالكيُّ بقولِه: صِيانةُ العُضْوِ أَغلاها، وأَرخَصَها صيانةُ المالِ، فافهَمْ حِكمةَ الباري وشرحُ ذلك أنَّ الدِّیةَ لو كانت رُبعَ دینارٍ لگثُرَتِ الجنایاتُ على الأيدي، ولو كان نِصابُ القَطْعِ لخمسَ مئةٍ دينارٍ لكَثُرَتِ الجِناياتُ على الأموال، فظَهَرَتِ الحكمةُ في الجانبين، وكان في ذلك صيانةٌ من الطَّرَفَين. وقد عَسُرَ فهمُ المعنى المقدَّمِ ذِكرُه في الفَرقِ بين السَّرِقة وبين النَّهْب ونحوِه على بعض مُنكِرِي القياس، فقال: القطع في السَّرِقة دونَ الغَصْب وغيره غير معقول المعنى، فإنَّ الغَصبَ أكثُرُ هَتكاً للحُرْمة من السَّرِقة، فدَلَّ على عَدَمِ اعتبار القياس، لأَنَّه إذا لم يُعمَل به في الأعلى فلا يُعمَلُ به في المساوي، وجوابهُ أنَّ الأدلّة على العمل بالقياس أشهَرُ من أن يُتَكلَّفَ لإيرادِها، وستأتي الإشارةُ إلى شيءٍ من ذلك في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى(١). قوله: ((وَقَطَعَ عليٌّ من الكَفّ)) أشارَ بهذا الأثر إلى الاختلاف في مَحَلِّ القَطْع، وقد اختُلِفَ في حقيقة اليَدِ: فقيلَ: أوَّلُها من المَنكِب، وقيل: من المَرفِقِ، وقيل: من الكُوعِ، وقيل: من أُصول الأصابع. فحُجّةُ الأوَّل: أنَّ العرب تُطلِقُ اليَدَ على ذلك، ومن الثّاني: آية الوضوء ففيها: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ومن الثّالث: آية التيمُّم، ففي القرآن: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. وبيَّنَتِ السُّنّةُ كما تقدَّم في بابه أنَّه عليه الصلاة والسَّلام مَسَحَ على كَفَّيه فقط. وأخَذَ بظاهرِ الأَوَّل بعضُ الخوارجِ، ونُقِلَ عن سعيد بن المسيّب، واستَنَكَرَه جماعةٌ، والثّاني (١) بل في كتاب الاعتصام، عند الحديثين (٧٢٦٨) و(٧٣١٤). ٤٨٧ باب ١٣ كتاب الحدود لا نعلم مَن قال به في السَّرِقة، والثّالث قول الجمهور، ونَقَلَ بعضُهم فيه الإجماعَ، والرَّابِعُ نُقِلَ عن عليٍّ واستَحسَنَه أبو ثور، ورُدَّ بأنَّه لا يُسَمَّى مقطوعَ اليَدِ لُغةً ولا عُرفاً، بل مقطوع الأصابع، وبحَسَبِ هذا الاختلاف وَقَعَ الخُلْفُ في مَحَلِّ القطع. فقال بالأوَّل الخوارجُ وهم تَحَجوجونَ بإجماع السَّلَف على خِلاف قولهم. وألزَمَ ابنُ حَزْمِ الحنفيَّةَ بأن يقولوا بالقَطْع من المِرْفِقِ قياساً على الوضوء، وكذا التيمُّم عندهم، قال: وهو أوْلى من قياسهم قَدْرَ المهرِ على نِصابِ السَّرِقة، ونَقَلَه عياض قولاً شاذّاً. وحُجّةُ الجمهورِ: الأخْذُ بأقلِّ ما يَنطَلِقُ عليه الاسمُ، لأنَّ اليدَ قبلَ السَّرِقة كانت مُخْتَرَمةً، فلمَّا جاء النَّصُّ بقَطْع اليدِ وكانت تُطلَقُ على هذه المعاني، وجَبَ أن لا يُتْرَكَ المتَيَّقَّنُ - وهو تَحريمُها - إلّا بِمُتَقَّنٍ وهو القَطْعُ من الكَفّ. وأمَّا الأثرُ عن / عليٍّ فَوَصَلَه الدّارَقُطْنِيُّ (٣٤٩١) من طريق حُجَيَّةَ بن عَديّ: أنَّ عليّاً ٩٩/١٢ قَطَعَ من المَفصِل، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٢٩/١٠ -٣٠) من مُرسَل رجاء بن حَيْوةَ: أنَّ النبيَّ ◌ََّ قَطَعَ من المفصِل، وأورَدَه أبو الشَّيخ في كتاب ((حَدِّ السَّرِقة)) من وجه آخر عن رَجاء عن عَديّ رَفَعَه مِثْلَه، ومن طريق وَكِيع عن سفيانَ عن أبي الزُّبَيرِ عن جابر رَفَعَه مِثْلَه، وأخرج سعيد بن منصور عن حَمَّد بن زيد عن عَمْرو بن دينار قال: كان عمر يَقطَع من المَفْصِل، وعليّ يَقطَعُ من مُشط القَدَم. وأخرج ابن أبي شَيْبة من طريق أبي خَيْرةَ (١): أنَّ عليّاً قَطَعَه من المفصِل، وجاء عن عليّ: أنَّه قَطَعَ اليد من الأصابع والرِّجل من مُشط القَدَم، أخرجه عبد الرَّزّاق (١٨٧٦٠) عن مَعمَر (١) تحرَّف في (س) إلى: حيوة، وهذا الأثر ذكره الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٥/ ٢٣٠ من طريق ابن أبي شيبة عن وكيع عن عزة بن معبد أبي عبد الرحمن قال: رأيت أبا خيرة مقطوعاً من المفصل، فقلت: من قطعك؟ فقال: الرجل الصالح علي: أما إنه لم يظلمني. قلنا: والذي في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٠/ ٣٠ عن وكيع عن سمرة أبي عبد الرحمن قال: رأيت بالحيرة مقطوعاً من المفصل، فقلت: من قطعك؟ قال: قطعني الرجل الصالح عليٌّ، أما إنه لم يظلمني! هكذا جاء هذان الإسنادان، ولم نتبين وجههما، والله أعلم. ٤٨٨ باب ١٣ فتح الباري بشرح البخاري عن قَتَادة عنه، وهو مُنقَطِعٍ وإن كان رجال السَّنَد من رجال ((الصَّحيح))، وقد أخرج عبد الرَّزّاق من وجه آخر (١٨٧٦٢): أنَّ عليّاً كان يَقطَعِ الرَّجلَ من الكَعْب. وذكر الشافعيّ في كتاب ((اختلاف عليّ وابن مسعود)): أنَّ عليّاً كان يَقطَع من يَدِ السارق الخِنِصِرَ والبِنْصِرَ والوُسطَى خاصّةً، ويقول: أستَحبي من الله أن أترُكَه بلا عملٍ، وهذا يحتمل أن يكون بَقِيَ الإبهامُ والسَّابَةُ وَقَطَعَ الكَفَّ والأصابعَ الثلاثةَ، ويحتمل أن يكون بَقِيَ الكَفُّ أيضاً، والأوَّلُ الْيَقُ، لأَنَّه موافق لما نَقَلَ البخاريّ: أنَّه قَطَعَ من الكَفّ، وقد وَقَعَ في بعض النُّسَخ بحذفِ ((من)) بلفظ: وَقَطَعَ عليٌّ الكَفَّ. قوله: ((وقال قَتَادةُ في امرأة سَرَقَت فقُطِعَت شِمالها: ليس إلّا ذلك)) وَصَلَه أحمدُ في ((تاريخِه)) عن محمَّد بن الحسين الواسطيِّ عن عَوف الأعرابيّ عنه، هكذا قرأت بخَطِّ مُغَلْطاي في (شرحِه)) ولم يَسُق لفظَه، وقد أخرجه عبد الرَّزاق (١٨٧٧٨) عن مَعمَر عن قَتَادة فَذَكَر مِثلَ قول الشَّعبيّ: لا يُزاد على ذلك قد أُقيمَ عليه الحدُّ. وكان ساقَ بسندِه عن الشَّعبيّ: أنَّه سُئلَ عن سارق قُدِّمَ لِيُقْطَعَ فقَدَّمَ شِمالَه فقُطِعَت فقال: لا يُزادُ على ذلك، وأشارَ المصنِّف بذِكْره إلى أنَّ الأصل أنَّ أوَّل شيءٍ يُقْطَعُ من السارقِ اليَدُ اليُمنَى، وهو قولُ الجمهور، وقد قرأ ابن مسعود: ((فاقطَعُوا أيمانَهُما))(١). وأخرج سعيد بن منصور بسندٍ صحيحٍ عن إبراهيم قال: هي قراءتنا، يعني أصحاب ابن مسعود. ونَقَلَ فيه عياضُ الإجماع، وتُعقِّبَ، نعم قد شَذَّ مَن قال: إذا قُطِعَ الشِّمَالُ أجزأت مُطلَقاً، كما هو ظاهر النَّقْل عن قَتَادة، وقال مالكٌ: إن كان عَمداً وجَبَ القِصاصُ على القاطِعِ، ووجَبَ قطعُ اليمين، وإن كان خطأً وَجَبَتِ الدِّيةُ ويُجِزِئُ عن السارق، وكذا قال أبو حنيفةَ، وعن الشافعيِّ وأحمدَ قولان في السارق. (١) ذكرها الفرّاء في ((معاني القرآن)» ٢٥٨/١ و٣٠٦، وأخرج ابن جرير الطبري في تفسيره)) ٢٩٤/١٠ من طريق إبراهيم النخعي قال: في قراءتنا، وربما قال: في قراءة عبد الله ((والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم)) وهي من القراءات الشاذّة. ٤٨٩ باب ١٣ كتاب الحدود واختَلَفَ السَّلَف فيمَن سَرَّقَ فقُطِعَ ثمَّ سَرَقَ ثانياً، فقال الجمهور: تُقطَعُ رِجُه اليُسرَى، ثمَّ إن سَرَقَ فاليد اليُسرَى، ثمَّ إن سَرَقَ فالرِّجُلُ اليُمنَى، واحتُجَّ لهم بآية المحارَبةِ(١) ويفعلِ الصحابة، وبأَهم فَهِمُوا من الآية أنَّها في المرّة الواحدة، فإذا عادَ السارقُ وجَبَ عليه القطعُ ثانياً إلى أن لا يَبقَى له ما يُقطَع، ثمَّ إن سَرَقَ عُزّرَ وسُجِنَ. وقيل: يُقتَل في الخامسة، قاله أبو مُصعَب الزُّهْريّ المدنيّ صاحب مالك، وحُجَّتُه ما أخرجه أبو داود (٤٤١٠) والنَّسائيُّ (٤٩٧٨) من حديث جابر قال: جيءَ بسارقٍ إلى النبيِّ ◌َّ فقال: ((اقْتُلوه) فقالوا: يا رسول الله إنَّمَا سَرَقَ، قال: ((اقطَعوه)) ثمَّ جيءَ به الثّانيةَ فقال: ((اقتُلوه)) فذكر مِثْلَه إلى أن قال: فأُتيَ به الخامسةَ فقال: ((اقتُلوه). قال جابرٌ: فانطَلَقنا به فقَتلناه ورَمَيناه في بئر. قال النَّسائُّ: هذا حديث مُنگر، ومُصعب بن ثابت راویه ليس بالقويّ. وقد قال بعض أهل العلم كابنِ المنكَدِر والشافعيّ: إنَّ هذا منسوخٌ، وقال بعضُهم: هو خاصٌّ بالرجلِ المذكور، فكأنَّ النبيَّ وَِّ الطَّلَعَ على أنَّه واجبُ القتل، ولذلك أمَرَ بقتله من أوَّل مرَّةٍ، ويحتمل أنَّه کان من المفسدين في الأرض. قلت: وللحديثِ شاهدٌ من حديث الحارث بن حاطِب أخرجه النَّسائيُّ (٤٩٧٧) ولفظُه: أنَّ النبيَّ ◌َّ أُتيَ بلِصِّ فقال: ((اقتلوه)) فقالوا: إنَّما سَرَقَ، فذَكَر نحوَ حديث جابرٍ في قَطْع قوائمِه (٢) الأربع، إلّا أنَّه قال في آخره: ثمَّ سَرَقَ الخامسةَ في عهدِ أبي بكرٍ فقال أبو بَكر: كان رسول الله وَلا أعلمَ بهذا حينَ قال: ((اقْتُلوه)) ثمَّ دَفَعَه إلى فِتيةٍ من قُرَيشٍ فقَتَلُوه. قال/ النَّسائيُّ: لا أعلمُ في هذا البابِ حديثاً صحيحاً. ١٠٠/١٢ قلت: نَقَلَ المنذِرِيُّ تَبَعاً لغيره فيه الإجماعَ، ولعلَّهم أرادوا أنَّه استَقَرَّ على ذلك، وإلّا فقد (١) وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْ مِنَ اُلْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. (٢) في (س): أطرافه. ٤٩٠ باب ١٣ فتح الباري بشرح البخاري جَزَمَ السّاجيّ(١) في ((اختلاف العلماء)): أنَّه قول مالك، ثمَّ قال: وله قول آخر: لا يُقْتَل. وقال عياض: لا أعلمُ أحداً من أهلِ العلمِ قال به، إلّ ما ذكره أبو مُصعَب صاحب مالك في ((مختصره)) عن مالكِ وغيرِه من أهل المدينة، فقال: ومَن سَرَقَ ممَّن بَلَغَ الْحُلُمَ قُطِعَ يَمِينُهُ، ثمَّ إن عادَ فرِجلُه اليُسرَى، ثمَّ إن عادَ فيَدُه اليُسرَى، ثمَّ إن عادَ فِرِجْلُه اليُمنَى، فإن سَرَقَ في الخامسة قُتِلَ كما قال رسول الله وَ له وعمر بن عبد العزيز. انتھی. وفيه قولٌ ثالثٌ بقَطْع اليَدِ بعدَ اليدِ، ثمَّ الرِّجل بعدَ الرِّجل، نُقِلَ عن أبي بكر وعمرَ ولا يَصِحّ(٢)، وأخرج عبد الرَّزّاق (١٨٧٦٩) بسندٍ صحيح عن القاسم بن محمَّد: أنَّ أبا بكر قَطَعَ يد سارق في الثّالثة، ومن طريق سالم (١٨٧٧٠) بن عبد الله: أنَّ أبا بكر إنَّما قَطَعَ رِجْلَه وكان مَقْطوعَ اليَدِ. ورجال السَّنَدَينِ ثقاتٌ مع انقطاعِهما. وفيه قول رابع: تُقطَعُ الرِّجُلُ اليُسرَى بعد اليُمنَى ثمَّ لا قَطْعَ، أخرجه عبد الرَّزّاق (١٨٧٦٤) من طريق الشَّعبيّ عن عليّ، وسندُه ضعيفٌ، ومن طريق أبي الضُّحَى: أنَّ عليّاً نحوَه، ورجاله ثقات مع انقطاعه، ويسندٍ صحيح عن إبراهيم النَّخَعيِّ (١٨٧٦٥): كانوا يقولون: لا يُترَكُ ابنُ آدَمَ مِثل البهيمة ليس له يَدٌ يأكل بها ويَستنجي بها. وبسندٍ حسن عن عبد الرّحمن بن عائذ: أنَّ عمر أراد أن يَقطَع في الثّالثة فقال له عليٌّ: اضرِبْهُ واحبِسْهُ، ففَعَلَ (٣). وهذا قول النَّخَعيِّ والشَّعبيِّ والأوزاعيِّ والثَّوْريِّ وأبي حنيفة. (١) تحرَّف في (س) إلى: ((الباجيّ))، وما أثبتناه من الأصلين، وهو الصواب، والساجيُّ: هو زكريّا بن يحيى بن عبد الرحمن، محدّث البصرة ومفتيها، أخذ عن الرّبيع والمُزني، وله كتاب ((اختلاف العلماء)) قاله الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ١٤ / ١٩٧. (٢) ولكن قال ابن المنذر في ((الأوسط)» ٣٣٦/١٢: وقد ثبت عن أبي بكر وعمر أنهما قطعا اليد بعد اليد، ثم أخرج عنهما (٩٠٤٠ -٩٠٤٢) عدّة روايات في ذلك. (٣) لفظه في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٨٧٦٦): لا تَفعلْ، إنّما عليه يَدُ ورِجْلٌ، ولكنْ احبِسْهُ»، واللفظ المذكور عند ابن المنذر في ((الأوسط)) (٩٠٤٣). ٤٩١ باب ١٣ / ح ٦٧٨٩-٦٧٩١ كتاب الحدود وفيه قول خامس قاله عطاء: لا يُقطَعُ شيءٌ من الرِّجلَينِ أصلاً على ظاهر الآية، وهو قول الظّاهريَّة(١). قال ابن عبد البَرّ: حديثُ القَتْل في الخامسة مُنكَر، وقد ثَبَتَ: ((لا يَحِلّ دَمُ امرِئ مسلمٍ إلّا بإحدَى ثلاث))(٢)، وثَبَتَ: السَّرِقَةُ فاحشةٌ وفيها عُقوبة(٣)، وثَبَتَ عن الصحابة قطعُ الرِّجلِ بعد اليد وهم يقرؤونَ: ﴿ وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] كما اتَّفَقوا على الجزاء في الصَّيد وإن قُتِلَ خطأً وهم يقرؤونَ: ﴿وَمَنْ قَثَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ويَمسَحونَ على الْتُقَّينِ وهم يقرؤونَ غَسل الرِّجَلَين، وإنَّما قالوا جميع ذلك بالسُّنّة. ثُمَّ ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث عائشة من طريقَينِ: الأولى: ٦٧٨٩- حذَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قال النبيُّ ◌َّ: (تُقْطَعُ اليَدُ في رُبُعِ دِينارٍ فصاعداً)). تابَعَه عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالٍ وابنُ أخي الزُّهْرِيِّ ومَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ. [طرفاه في: ٦٧٩٠، ٦٧٩١] ٦٧٩٠ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسِ، عن ابنِ وَهْب، عن يُونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ وعَمْرةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ◌ََّ، قال: ((تُقْطَعُ بَدُ السارقِ فِي رُبُعِ دِينارٍ)). ٦٧٩١ - حدَّثْنَا عِمْرانُ بنُ مَيسَرةَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا الحسينُ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن محمَّدٍ بنِ عبدِ الرَّحْمنِ الأنصاريِّ، عن عَمْرةَ بنت عبدِ الَّحمنِ حدَّثْه: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها حدَّثْهم، عن النبيِّ وَّ، قال: ((يُقْطَعُ في ◌ُبُعِ دِینارٍ)). (١) وفي هذا قال ابن حزم في (المحلّ)) ١٢ / ٣٥٤: إنّما جاء القرآن والسُّنة بقَطْعِ يَدِ السارق لا بقَطْع ◌ِجْلِه، فلا يجوز قَطْعُ رِجْلِهِ أصلاً. (٢) سيأتي برقم (٦٨٧٨)، من حديث عبد الله بن مسعود . (٣) انظر ((الاستذكار)) ٥٤٩/٧. ٤٩٢ باب ١٣ / ح ٦٧٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن عَمْرَةَ)) قال الدّارَ قُطنيُّ في ((العِلَل)): اقتَصَرَ إبراهيم بن سعد وسائر مَن رواه عن ابن شِهاب على عَمْرة، ورواه يونس عنه، فزاد مع عَمْرة: عُرْوةَ. قلت: وحكى ابن عبد البَرِّ: أنَّ بعض الضُّعَفاء وهو إسحاق الحُنَيِنِيُّ - بمُهمَلٍ ونونَيْنِ مُصغَّر - رواه عن مالك عن الزُّهْريّ عن عُرْوة عن عَمْرة عن عائشةَ، وكذا روى عن الأوزاعيِّ عن الزُّهْريّ. قال ابن عبد البرّ: وهذان الإسنادان لَيسا صحيحَينٍ، وقول إبراهيم ومَن تابَعَه هو المعتمد، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية زكريّا بن يحيى وحَمُّويه عن إبراهيم بن سعد، وروایة یونسَ بجَمْعِھما صحیحةٌ. قلت: وقد صَرَّحَ ابن أخي ابنِ شِهاب عن عَمِّه بسماعِه له من عَمْرة، وبسماع عَمْرة له من عائشة، أخرجه أبو عَوَانة (٦٢١٠)، وكذا عند مسلم (٣/١٦٨٤) من وجهٍ آخَر عن عَمْرة: أنَّها سمعَت عائشةَ. قوله: (تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبْع دينار)) في رواية يونسَ: («تُقطَع يد السارق))، وفي رواية حَرمَلة عن ابن وهب عند مسلم (٢/١٦٨٤): ((لا تُقطَعُ يَدُ السارقِ إلّا فِي رُبع دينارٍ)) وكذا عنده (٣/١٦٨٤) من طريق سليمانَ بنِ يَسارٍ عن عَمْرةَ. قوله: ((فصاعِداً) قال صاحب ((المحكَم)»: يَخْتَصُّ هذا بالفاءِ، ويجوزُ ((ثُمَّ)) بَدَلها ولا تَجوز الواو، وقال ابن جِنّيٍّ: هو منصوبٌ على الحال المؤَكِّدة، أي: ولو زاد، ومن المعلوم أنَّه إذا زاد لم يكن إلّا صاعِداً (١). قلت: ووَقَعَ في رواية سليمان بن يسار عن عَمْرةَ عند مسلم: ((فما فَوقَه)) بدلَ: ((فصاعداً)) وهو بمعناه. قوله: ((وتابَعَه عبد الرّحمن بن خالد وابن أخي الزُّهْرِيّ ومَعْمَرٌ، عن الزُّهْريّ)) أي: في الاقتصار على عَمْرة، ثمَّ ساقَ رواية يونس وليس في آخره: ((فصاعداً))، وقد أخرجه مسلم (١٦٨٤/ ٢) (١) ويوضّح هذا كله قول سيبويه: قولك: أخذتُّه بدرهم فصاعداً؛ يعني: أخذتُه بدرهم فزائداً، حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إيّه، ولأنهم أَمِنُوا أن يكون على الباء، لو قلتَ: أخذته بصاعدٍ، كان قبيحاً، لأنه صفة ولا تكون في موضع الاسم. انظر ((الكتاب)) له ١/ ٢٩٠، و((المحكم)) لابن سيده ١/ ٤٢٣. ٤٩٣ باب ١٣ / ح ٦٧٩١ كتاب الحدود عن حَرمَلة والإسماعيليّ من طريق همَّام كلاهما عن ابن وهب بإثباتها. وأمَّا / مُتَابَعة عبد الرَّحمن بن خالد - وهو ابن مُسافر - فوصَلَها الذُّهْليُّ في ((الزُّهْريّات)) ١٠١/١٢ عن عبد الله بن صالح عن اللَّيث عنه نحوَ روايةِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، وقرأت بخَطِّ مُغَلْطاي وقَلَّدَه شيخنا ابن الملقِّن: أنَّ الذُّهْلِيَّ أخرجه في ((عِلَل حديث الزُّهْريّ)) عن محمَّد بن بكر ورَوْح ابن عُبادة جميعاً عن عبد الرَّحمن، وهذا الذي قاله لا وجودَ له، بل ليس لَرَوْحٍ ولا لمحمَّدِ بن بَكر عن عبد الرَّحمن هذا رواية أصلاً. وأمَّا مُتَابَعة ابن أخي الزّهْريّ - وهو محمَّد بن عبد الله بن مسلم - فوصَلَها أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٦٢٢١٠) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن ابن أخي ابن شهاب عن عَمّه، وقرأت بخَطِّ مُغَلْطاي وقَلَّدَه شيخنا أيضاً: أنَّ الذُّهْلِيَّ أخرجه عن رَوْح بن عُبادة عنه. قلت: ولا وجودَ له أيضاً، وإنَّما أخرجه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد. وأمَّا مُتَابَعة مَعمَر فوصَلَها أحمدُ (٢٥٣٠٤) عن عبد الرَّزّاق عنه، وأخرجه مسلم (١/١٦٨٤) من رواية عبد الرَّزّاق لكن لم يَسُق لفظَه، وساقَه النَّسائيُّ (٤٩١٨) ولفظُه: «تُقْطَع يد السارق في رُبع دينار فصاعداً))، ووصَلَها أيضاً هو (٤٩١٩) وأبو عَوَانة (بإثر ٦٢٠٨) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن مَعمَر، وقال أبو عَوَانة في آخره: قال سعيدٌ: نَبَلْنا مَعمَراً، رويناه عنه وهو شابٌّ - وهو بنونٍ وموخَّدة ثقيلة - أي: صَيَّرناه نَبِيلاً. قلت: وسعيدٌ أكبرُ من مَعمَر وقد شارَگه مَعْمٌ(١) في کثیر من شيوخه. ورواه ابن المبارَك عن مَعمَرٍ لكن لم يَرفَعُهُ، أخرجه النَّسائيُّ (٤٩٢٠)، وقد رواه عن الزُّهْرِيّ أيضاً سليمان بن كثير أخرجه مسلم (١/١٦٨٤) من رواية يزيد بن هارون عنه مقروناً برواية إبراهيم بنِ سعدٍ. قوله: ((عن يونسَ)) في رواية مسلم (١٦٨٤ / ٢) عن حَرمَلة، وأبي داود (٤٣٨٤) عن أحمد بن صالح كلاهما عن ابن وهب. (١) قوله: ((معمر)) سقط من (س). ٤٩٤ باب ١٣ / ح ٦٧٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثنا الحسين)) هو ابن ذَكْوانَ المعلِّم، وهو بصريٌّ ثقةٌ، وفي طَبقَتِهِ حُسَين بن واقد قاضي مرو، وهو دونه في الإتقان. قوله: ((عن محمَّد بن عبد الرَّحمن الأنصاريّ)) في رواية الإسماعيليّ من طريق عبد الصَّمَد ابن عبد الوارث: سمعت أبي يقول: حدّثنا الحسين المعلِّم عن يحيى، حدَّثني محمَّد بن عبد الرَّحمن الأنصاريّ، قال الإسماعيليّ: رواه حرب بن شدَّاد عن يحيى بن أبي كثير كذلك، وقال همَّام بن يحيى: عن يحيى بن أبي كثير عن محمَّد بن عبد الرّحمن بن زرارة، قلت: نَسَبَ عبدَ الرَّحمن إلى جَدِّه: وهو عبد الرّحمن بن سعد بن زرارة. قال الإسماعيليّ: ورواه إبراهيم القَنّاد عن يحيى عن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثوبان، كذا حدَّثناه ابن صاعِد عن لُوَيْنٍ عن القَنّاد، والذي قبله أصحُّ، وبه جَزَمَ البيهقيُّ، وأنَّ مَن قال فيه: ابن ثوبان فقد غَلِطَ. قلت: وأخرجه النَّسائيُّ (٤٩٣١) من رواية عبد الرّحمن بن أبي الرِّجال عن محمَّد بن عبد الرّحمن عن أبيه عن عَمْرة عن عائشة مرفوعاً، ولفظُه: «تُقطَعُ يد السارق في ثَمَن المِجَنّ، وثَمَن المِجَنّ رُبع دينار))، وأخرجه (٤٩٣٥) من طريق سليمان بن يسار عن عَمْرةَ بلفظ: ((لا تُقطَعُ يد السارق فيما دونَ ثَمَن المِجَنّ)) قيل لعائشة: ما ثَمَن المِجَنّ؟ قالت: رُبع دينار، وقد تُوبِعَ حُسَين المعلِّم عن يحيى، أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَجِ)) من طريق هِقْلِ بن زيادٍ عنه بلفظِهِ. قوله: ((عن عَمْرةَ بنتِ عبد الرَّحمن حدَّثْه)) أي: أنَّهَا حدَّثَتْهُ، وكذا في قوله: ((عن عائشة حدَّثتهم)) وقد جَرَت عادتُهم بحذْفِها في مثل هذا، كما أكثروا من حذفٍ ((قال» في مثل: حدَّثنا عثمان حدَّثنا عَبْدَةُ، وفي مِثل: سمعت أبي حدَّثنا فلان، وذكر ابن الصَّلاح أنَّه لا بدَّ من النُّطْقِ بقال، وفيه بحثٌ، ولم يُنبِّه على حذفِ ((أنَّ)) التي أشرت إليها. وفي رواية عبد الصَّمَد المذكورة: أنَّ عَمْرةَ حدَّثته أنَّ عائشة أمَّ المؤمنينَ حدَّثتها. قوله: ((تُقْطَع اليدُ في رُبْع دينارٍ)) كذا في هذه الرِّواية مختصراً، وكذا في رواية مسلم(١)، (١) لفظ رواية مسلم (١٦٨٤) (١): كان رسول الله وَلا يقطع في ربع دينار فصاعداً. ٤٩٥ باب ١٣ / ح ٦٧٩١ كتاب الحدود وأخرجه أبو داود (٤٣٨٤) عن أحمد بن صالح عن ابن وهب بلفظ: ((القطع في رُبع دینار فصاعداً)، وعن وهب بن بيان (٤٣٨٤) عن ابن وهب بلفظ: ((تُقطَع يد السارق في رُبع دينار فصاعداً)، وأخرجه النَّسائيُّ (٤٩١٦) من طريق عبد الله بن المبارك/ عن يونس بلفظ: ١٠٢/١٢ (تُقطَع يد السارق في رُبع دينار فصاعداً))، ورواه مالك في ((الموطَأ)) (٨٣٢/٢) عن يحيى بن سعيد عن عَمْرة عن عائشة: ما طالَ عليَّ ولا نَسيتُ، القطعُ في رُبع دينارٍ فصاعِداً، وهو إن لم يكن رفعُه صريحاً لكنَّه في معنى المرفوع. وأخرجه الطَّحاويُّ (١٦٥/٣) من رواية ابن عيينة عن یحیی كذلك، ومن رواية جماعة عن عَمْرة موقوفاً على عائشة، قال ابن عُيَينةَ: ورواية يحيى مُشعِرةٌ بالرَّفع، ورواية الزُّهْريّ صريحٌ فيه، وهو أحفَظُهم. وقد أخرجه مسلمٌ (٤/١٦٨٤) من طريق أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم عن عَمْرة مِثلَ رواية سليمانَ بنِ يَسار عنها التي أشرتُ إليها آنِفاً(١). وكذا أخرجه النَّسائيُّ (٤٩٢٨) من طريق ابن الهاد بلفظ: ((لا تُقطَعُ يد السارق إلّا في رُبع دينار فصاعداً))، وأخرجه (٤٩٣٠) من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم عن عَمْرة عن عائشة موقوفاً، وحاولَ الطَّحاويُّ تعليل رواية أبي بكر المرفوعة برواية ولده الموقوفةِ، وأبو بكر أتقَنُ وأعلمُ من ولده، على أنَّ الموقوف في مِثل هذا لا يُخالف المرفوعَ، لأنَّ الموقوف محمولٌ على طريق الفَتوى. والعَجَب أنَّ الطَّحاويّ ضَعَّفَ عبد الله بن أبي بكر في موضع آخَر، ورامَ هنا تضعيفَ الطَّريقَ القَويمةَ بروايتِهِ(٢)، وكأنَّ البخاريَّ أراد الاستظهارَ لرواية الزُّهْريّ عن عَمْرة بموافقة (١) رواية سليمان بن يسار التي أشار إليها الحافظ آنفاً وعزاها للنسائي بلفظ: ((لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن))، وهي عنده أيضاً (٤٩٣٦) بلفظ: ((لا تقطع يد السارق إلّا في ربع دينار فصاعداً)، وهي بنحو الرواية الثانية عند مسلم (١٦٨٤) (٣) من رواية سليمان بن يسار أيضاً، وبنحوهما رواية أبي بكر ابن محمد عند مسلم. (٢) انظر ((شرح معاني الآثار)) ١٦٦/٣. ٤٩٦ باب ١٣ / ح ٦٧٩١ فتح الباري بشرح البخاري محمَّد بن عبد الرَّحمن الأنصاريّ عنها، لما وَقَعَ في رواية ابن عُيَينةَ عن الزّهْريّ من الاختلاف في لفظ المتن: هل هو من قول النبيِّ ◌َّ أَو من فعلِه؟ وكذا رواه ابن عُيَيْنَةَ عن غيرِ الزُّهْريّ فيما أخرجه النَّسائيُّ (٤٩٢٦) عن قُتَيبة عنه عن يحيى بن سعيد وعبد رَبِّه بن سعيد وزُرَيِقِ(١) صاحبٍ أيلةَ أنَّهم سمعوا عَمْرة عن عائشة قالت: القطع في رُبع دينار فصاعِداً. ثمَّ أخرجه النَّسائيُّ من طرقٍ عن يحيى بن سعيد به مرفوعاً وموقوفاً(٢)، وقال: الصَّواب ما وَقَعَ في رواية مالك عن يحيى بن سعيد عن عَمْرة عن عائشة: ((ما طالَ عليَّ العهدُ ولا نَسيت، القطعُ في رُبع دينار فصاعداً) وفي هذا إشارة إلى الرَّفع، والله أعلم. وقد تَعلَّقَ بذلك بعض مَن لم يأخذ بهذا الحديث، فَذَكَره يحيى بن يحيى وجماعة عن ابن عُيَينة بلفظ: كان رسول الله وَل﴿ يَقطَع السارقَ في ربع دينار فصاعداً. ورواه الشافعيّ (٨٣/٢) والحُميديّ (٢٨٠) وجماعة عن ابن عُيَينة بلفظ: قال رسول الله وَّةِ: («تُقطَع اليَد)) الحديث. وعلى هذا التَّعليل عَوَّلَ الطَّحاويّ (١٦٣/٣) فأخرج الحديث عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن عُيَينة بلفظ: كان يَقطَع، وقال: هذا الحديث لا حُجّة فيه؛ لأنَّ عائشة إنَّما أخبَرَت عَمَّا قَطَعَ فيه، فَيَحتملُ أن يكون ذلك لكونها قَوَّمَت ما وَقَعَ القَطْعُ فيه إذ ذاكَ، فكان عندها رُبع دينار فقالت: كان النبيّ ◌َّهِ يَقطَع في رُبع دينار، مع احتمال أن تكون القيمةُ يومئذٍ أكثرَ. وتُعقِّبَ باستبعادِ أن تَجِزِمَ عائشةُ بذلك مُستَنِدةً إلى ظنِّها المجَرَّد، وأيضاً فاختلاف التَّقويم وإن كان تُمكِنّاً، لكن مُحالٌّ في العادة أن يَتَفاوت هذا التَّقاوُتَ الفاحشَ بحيثُ يكون عند قومٍ أربعة أضعافٍ قيمتِهِ عندَ آخرينَ، وإنَّما يَتَفاوت بزيادةٍ قليلة أو نقصٍ قليلٍ، ولا يبلُغ المِثِلَ غالباً. (١) كذا في أصولنا، ويقال في اسمه: رزيق، بتقديم الراء، ويقال: زريق، بتقديم الزاي، كما قال الحافظ في ((التقریب)). (٢) انظر ((المجتبى)) الأحاديث (٤٩٢٢-٤٩٢٧). ٤٩٧ باب ١٣ / ح ٦٧٩١ كتاب الحدود وادَّعَى الطَّحاويّ اضطِرابَ الزُّهْريِّ في هذا الحديث لاختلاف الرُّواة عنه في لفظه، ورُدَّ بأنَّ من شرطِ الاضطِرابِ أن تَتَساوى وجُوهُه، فأمَّا إذا رُجِّحَ بعضُها فلا، ويَتَعيَّن الأخذُ بالرَّاجح، وهو هنا كذلك، لأنَّ جُلَّ الرُّواة عن الزّهْريّ ذَكَروه عن لفظ النبيِّ وَلـ على تقرير قاعِدة شَرعيَّة في النِّصاب، وخالَفَهم ابن عُيَينة تارةً ووافَقَهم تارةً، فالأخْذُ بروايتِهِ الموافقةِ للجماعة أَوْلى، وعلى تقدير أن يكون ابن عُيَينة اضطَرَبَ فيه فلا يَقدَح ذلك في روایة مَن ضَبَطَه. وأمَّا نقل الطَّحاويّ عن المحدِّثينَ: أنَّهم يُقدِّمونَ ابن عُيَينة في الزُّهْريّ على يونسَ فليس مُنَّفَقاً عليه عندهم، بل أكثرُهم على العكس، وثمَّن جَزَمَ بتقديم يونسَ على سفيانَ في الزُّهْرِيّ يحيى بنُ مَعِين وأحمدُ بن صالح المِصريّ، وذكر أنَّ يونس صَحِبَ الزُّهْريّ أربعَ عشرةَ سنةً وكان يُزامِلُه في السَّفَرِ، ويَنْزِل عليه الزُّهْرِيّ إذا قَدِمَ أيلةَ، وكان يَذكُر أَنَّه كان يسمع الحديثَ الواحد من / الزُّهْريّ مِراراً. ١٠٣/١٢ وأمَّا ابن عُيَينة فإنَّما سمعَ منه سنةَ ثلاثٍ وعشرينَ ومئةٍ، وَرَجَعَ الزُّهْريّ فماتَ في التي بعدها، ولو سُلِّمَ أنَّ ابن عُبَينَ أرجَحُ في الزُّهْريّ من يونس، فلا مُعارضةَ بين روايَتَيهما، فتكون عائشة أخبَرَت بالفعلِ والقول معاً، وقد وافَقَ الزُّهْرِيَّ في الرّواية عن عَمْرة جماعةٌ كما سَبَقَ. وقد وَقَعَ الطَّحاويّ (٣/ ١٦٣) فیما عابَه على مَن احتَجَّ بحدیثِ الزُّهْريّ مع اضطِرابه على رأيه، فاحتَجَّ بحديثٍ محمَّد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عبَّاس قال: قَطَعَ رسول الله وَ﴿ رَجُلاً في مِجَنّ قيمته دينار، أو عشرة دراهم، أخرجه أبو داود (٤٣٨٧) واللَّفظ له، وأحمد(١)، والنَّسائيُّ (٤٩٥١) والحاكم (٣٧٨/٤ -٣٧٩)، ولفظ الطَّحاويّ: كان قيمة الِجَنّ الذي قَطَعَ فيه رسولُ اللهِ وََّ عشرةَ دَراهمَ. وهو أشدُّ في الاضطراب من (١) لكن الذي عند أحمد (٦٦٨٧) من رواية ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو أحد أوجه الاضطراب التي سيذكرها الحافظ بعد قليل. ٤٩٨ باب ١٣ / ح ٦٧٩١ فتح الباري بشرح البخاري حديث الزُّهْريّ، فقيلَ: عنه هكذا، وقيل: عنه عن عَمْرو بن شُعَيب عن عطاء عن ابن عبّاس(١)، وقيل: عنه عن عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه، ولفظه: كانت قيمة المِجَنّ على عهد رسول الله وَلّ عشرة دراهم وقيل: عنه عن عَمْرو عن عطاء مُرسَلاً(٢)، وقيل: عن عطاء عن أيمَنَ: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قَطَعَ في مِجَنٍّ قيمتُه دينارٌ. كذا قال منصور والحَكَم بن عُتَيبة عن عطاء، وقيل: عن منصور عن مجاهد وعطاء جميعاً عن أيمَنَ، وقيل: عن مجاهد عن أيمَنَ ابن أمِّ أيمَنَ عن أمِّ أيمَنَ قالت: لم يُقطَع في عهد رسول الله وَّهَ إلّا في ثَمَن المِجَنّ وثَمَنه يومئذٍ دينار، أخرجه النَّسائيُّ (٤٩٤٣-٤٩٤٩)، ولفظ الطَّحاويّ (١٦٣/٣): ((لا تُقطَعُ يد السارق إلّا في حَجَفة)) وقوِّمَت يومئذٍ على عهد رسول الله بِ ليل ديناراً أو عشرة دراهم، وفي لفظ له (١٦٣/٣): ((أدنَى ما يُقْطَع فيه السارق ثَمَن المِجَنّ)) وكان يُقَوَّم يومئذٍ بدینارٍ. واختُلِفَ في لفظه أيضاً على عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه، فقال حَجّاج بن أرطاةَ عنه بلفظ: ((لا قَطْعَ فيما دونَ عشرةِ دَراهمَ))(٣)، وهذه الرّواية لو ثَبَتَت لكانت نَصّاً في تحديد النِّصاب، إلّا أنَّ حَجّاج بن أرطاة ضعيف ومُدلِّس، حتَّى ولو ثَبَتَت روايته لم تكن مخالفةً لرواية الزُّهْريّ، بل يُجمَع بينهما بأنَّه كان أوَّلاً لا قَطْعَ فيما دونَ العشرةِ، ثمَّ شُرِعَ القطع في الثلاثة فما فوقَها، فِزِيدَ في تغليظ الحدّ كما زِيدَ في تغليظ حَدِّ الخمر كما تقدَّمَ. وأمَّا سائر الرِّوايات فليس فيها إلّا إخبار عن فعلٍ وَقَعَ في عَهْدە پێ، وليس فيه تحديد النِّصاب، فلا يُنافي رواية ابن عمر الآتية (٦٧٩٥): أنَّ قَطَعَ في مَجَنّ قیمتُه ثلاثةُ دَراهمَ، وهو مع كَونه حكايةً فعلٍ، فلا يُخالف حديثَ عائشةَ من رواية الزُّهْرِيِّ، فإنَّ رُبُعَ دینارِ صَرْفُه ثلاثةُ دَراهم. وقد أخرج البيهقيُّ (٢٥٦/٨) من طريق ابن إسحاقَ عن يزيد بن أبي حَبيبٍ [أن بُكَيرَ (١) أخرجه النسائي برقم (٤٩٥٠). (٢) أخرجه النسائي برقم (٤٩٥٢). (٣) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٦٩٠٠). وإسناده ضعيف أيضاً على ما سيبيِّنه الحافظ. ٤٩٩ باب ١٣ / ح ٦٧٩٢ - ٦٧٩٤ كتاب الحدود ابنَ عبدلله بن الأشَجِّ حدَّثه](١) عن سليمان بن يَسار عن عَمْرة قالت: قيلَ لعائشة: ما ثَمَنُ المِجَنّ؟ قالت: رُبُع دينار. وأخرج أيضاً (٨/ ٢٥٥) من طريق ابن إسحاق عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم قال: أُتيت بنَبَطيِّ قد سَرَقَ فَبَعَثتُ إلى عَمْرة فقالت: أي بُنيَّ، إن لم يكن بَلَغَ ما سَرَقَ رُبعَ دينار فلا تَقْطَعْهُ، فإنَّ رسول الله وَّهِ حدَّثتني عائشة أنَّه قال: ((لا قَطْعَ إلّا فِي رُبُع دینارٍ فصاعداً)). فهذا يُعارض حديثَ ابن إسحاق الذي اعتَمَدَه الطَّحاويّ، وهو من رواية ابن إسحاق أيضاً. وجَمَعَ البيهقيُّ بين ما اختُلِفَ في ذلك عن عائشة: بأنَّها كانت تُحدِّث به تارةً، وتارةً تُستَقْتَى فتُفتي، واستَنَدَ إلى ما أخرجه من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم عن عَمْرة: أنَّ جارية سَرَقَت، فسُئلَت عائشة فقالت: القطع في رُبع دينار فصاعداً. الطريق الثاني لحديث عائشة: ٦٧٩٢- حدَّثْنا عُثْمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثْنَا عَبْدَةُ، عن هشام، عن أبيه، قال: أخبرتْني عائشةُ: أنَّ يدَ السارقِ لم نُقْطَع على عَهْدِ رسول الله وَّة إلّا فِي ثَمَنِ مِجَنٌّ؛ حَجَفةِ أوْ تُرْسٍ. حدَّثنا عُثْمَانُ، حَدَّثْنا مُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ، مِثلَه. [طرفاه في: ٦٧٩٣، ٦٧٩٤] ٦٧٩٣ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لم تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السَارِقِ في أدْنَى من حَجَفةٍ أو تُرْسٍ، كلَّ واحدٍ منهما ذو ثَمَنٍ. رواه وكِيعٌ وابنُ إدْرِيسَ، عن هشام، عن أبيه مُرسَلاً. ٦٧٩٤ - حدَّثني يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: هشامُ بنُ عُرْوةَ أخبرنا، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: لم تُقْطَع يَدُ سارقٍ على عَهْدِ النبيِّ وَِّ فِي أَدْنَى من ثَمَنِ المِجَنِّ: تُرْسٍ أو حَجَفةٍ، وكان كلُّ واحدٍ منهما ذا ثَمَنٍ. (١) ما بين المعقوفين زيادة من ((السنن الكبرى))، وسقط من الأصلين و(س). ٥٠٠ باب ١٣ / ح ٦٧٩٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثنا عُثْمان بن أبي شَيْبة، حدَّثنا عَبْدَةُ)) هو ابن سليمان. ثمّ قال: ((حدَّثنا عُثْمان، حدَّثْنا مُميدُ بن عبد الرّحمن)) وقد أخرجه مسلم (٥/١٦٨٥) عن عثمان هذا قال: حدَّثْنَا عَبْدةُ بن سليمان وحُميدُ بن عبد الرَّحمن، جمعهما وضمَّهما إلى غيرهما فقال: كلّهم عن هشام. وحُميدُ بن عبد الرَّحمن هذا: هو الرُّؤاسِيّ، بضمِّ الرّاء ثمَّ همزة خفيفة ثمَّ سين مُهمَلة، وقد أخرجه مسلم (٥/١٦٨٥) عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَير عنه، ونَسَبَه كذلك. قوله: ((عن أبيه، أخبَرْني عائشةُ: أنَّ يَدَ السارقِ لم تُقْطَع ... )) إلى آخره، وَقَعَ عند الإسماعيليّ(١) ١٠٤/١٢ من طريق هارون بن إسحاقَ عن عَبْدةَ/بن سليمان فيه زيادة قصَّة في السَّنَد، ولفظُه عن هشام بن عُرْوة: أنَّ رجلاً سَرَقَ قَدَحاً، فأتيَ به عمر بن عبد العزيز، فقال هشام بن عُرْوة: قال أبي: إنَّ اليد لا تُقطَع في الشَّيء التافه، ثمَّ قال: حدَّثتني عائشة، وهكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في «مُسنَده)) (١٩٥) عن عَبْدةَ بن سليمان، وهكذا رواه و کیع وغيره عن هشام، لکن أرسَلَە کلّه. قوله: (لم تُقْطَع على عَهْد رسول الله ◌ِّهَإلّا فِي ثَمَن مِجَنٍّ؛ حَجَفة، أو تُرْس)) المِجَنّ بكسر الميم وفَتْح الجيمِ: مِفعَل من الاجْتِنان، وهو الاستِتَار ممّا يُحاذِرِه المُستَتِرِ، وكُسِرَت مِيْمُه لأنَّه آلهٌ في ذلك، والحَجَفة بفتح المهمَلة والجيم ثمَّ فاء: هي الدَّرَقة، وقد تكون من خَشَب أو عَظم، وتُغَلَّف بالجِلدِ أو غيره، والُّرس مِثْلُه، لكن يُطارَق فيه بين جِلدَينٍ، وقيل: هما بمعنَّى واحدٍ. وعلى الأوَّل ((أو)) في الخبر للشَّكِّ وهو المعتمَد، ويُؤيِّده رواية عبد الله بن المبارَك عن هشام التي تَلي رواية حُميد بن عبد الرَّحمن (٦٧٩٣) بلفظ: في أدنَى مِنْ(٢) حَجَفة أو تُرْسِ كلّ واحد منهما ذو ثَمَن. والتَّنوين في قوله: ((ثَمَن)) للتَّكثير، والمراد أنَّهِ ثَمَنٌ يُرغَب فيه، فأُخرِجَ الشَّيُ التافِهُ كما فَهِمَه عُرْوة راوي الخبر، وليس المراد تُرساً بعينِهِ ولا حَجَفةً بعينها، وإنَّما المراد الجِنس، وأنَّ القطع كان يقع في كلّ شيءٍ يَبلُغْ قَدر ثَمَن المِجَنّ، سواء كان ثَمَنُ المِجَنّ كثيراً أو قليلاً، والاعتماد إنَّما هو على الأقلّ فيكون نِصاباً ولا يُقطَع فيما دُونَه. (١) ومن طريق الإسماعيلي أخرجه البيهقي في (الكبرى)) ٢٥٦/٨ بالإسناد المذكور. (٢) تحرَّفت في (أ) و(س) إلى: ((ثمن))، والمثبت من (ع)، والنسخة اليونينية دون خلاف بين رواياتها.