Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
باب ٢٢ / ح ٦٧٥٨
كتاب الفرائض
((تاريخه)) (١٩٨/٥-١٩٩) وأبو داود (٢٩١٨)، وابن أبي عاصم(١)، والطبرانيُّ (١٢٧٣/٢)
والباغَنديّ في ((مُسنَد عمر بن عبد العزيز)) (٨٦) بالعَنعَنة، كلّهم من طريق عبد العزيز بن
عمر بن عبد العزيز قال: سمعت عبد الله(٢) بن مَوهَب يُحدِّث عمرَ بنَ عبد العزيز عن قَبِيصَةَ
ابن ذُؤَيب عن تَميم الدّاريّ قال: قلت: يا رسول الله، ما السُّنّة في الرَّجل يُسلم على يدي رجل
من المسلمينَ؟ قال: ((هو أوْلى الناسِ بمَحْياهُ وتَماتِه))، قال البخاريّ: قال بعضهم: عن ابن
مَوهَب سمعَ تَميماً، ولا يَصِحّ؛ لقولِ النبيّ وَّ: ((الولاء لمن أعتَقَ))، وقال الشافعيّ: هذا الحديث
ليس بثابِتٍ إِنَّما يَرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن مَوهَب، وابن مَوهَب ليس بالمعروفِ، ولا
نَعلَمِه لَقِيَ تَميماً، ومثل هذا لا يَثْبُت، وقال الخطَّبيُّ: ضَعَّفَ أحمد هذا الحديث.
وأخرجه أحمد (١٦٩٤٨) والدَّارِميُّ (٣٠٢٣) والتِّرمِذيّ (٢١١٢) والنَّسائيُّ (ك ٦٣٨٠)
من رواية وكيع وغيره عن عبد العزيز عن ابن مَوهَب عن تَميم. وصَرَّحَ بعضهم بسماع ابن
مَوهَب من تَيم(٣). وأمَّا التِّرمِذيّ فقال: ليس إسناده بمُتَّصِلٍ. قال: وأدخَلَ بعضهم بين
ابن مَوهَب وبين تَميم قَبيصة، رواه يحيى بن حمزة. قلت: ومن طريقه أخرجه مَن بَدَأت
بذِكْره، وقال بعضهم: إنَّه تفرَّد فيه بذِكْر قَبيصةَ، وقد رواه أبو إسحاق السَّبيعيُّ عن ابن
مَوْهَب بدون ذِكْر تَميم، أخرجه النَّسائيُّ أيضاً(٤).
وقال ابن المنذر: هذا الحديث مُضطَرِبٌ: هل هو عن ابن مَوهَب عن تَميم، أو بينهما
قَبيصة؟ وقال بعض الرُّواة فيه: عن عبد الله بن مَوهَب، وبعضهم: ابن مَوهَب، وعبد العزيز
راوِيه ليس بالحافظ.
قلت: هو من رجال البخاريّ كما تقدَّم/ في الأشربة ولكنَّه ليس بالمكثِر، وأمَّا ابن مَوهَب ٤٧/١٢
فلم يُدرِك تَميماً، وقد أشارَ النَّسائيُّ إلى أنَّ الرِّواية التي وَقَعَ التَّصريح فيها بسماعِه من تَميم
(١) في ((الآحاد والمثاني)) (٢٥٤٦).
(٢) تحرَّفت في الأصلين و(س) إلى: عبيد الله مصغراً.
(٣) كما عند أحمد في ((المسند)) برقم (١٦٩٤٨) و(١٦٩٥٣) وابن ماجه (٢٧٥٢).
(٤) جميع ما في مطبوع النسائي ((الكبرى)) فيه ذكر تميم الداري.

٣٨٢
باب ٢٢ / ح ٦٧٥٨
فتح الباري بشرح البخاري
خطأ، ولكن وثَّقه بعضهم، وكان عمر بن عبد العزيز ولّاه القضاء.
ونَقَلَ أبو زُرْعة الدِّمَشقيّ في ((تاريخه)) (٥٧١/١) بسندٍ له صحيح عن الأوزاعيِّ: أنَّه
كان يَدِفَع هذا الحديث، ولا يرى له وجهاً، وصَحَّحَ هذا الحديثَ أبو زُرْعة الدِّمَشقيّ
(١/ ٥٧١) وقال: هو حديث حسن المخرَج مُتَّصِل. وإلى ذلك أشارَ البخاريّ بقولِه: واختَلَفوا
في صِحّة هذا الخبر، وجَزَمَ في ((التاريخ)) (١٩٨/٥-١٩٩) بأنَّه لا يَصِحّ لمُعارَضَتِه حديث:
(إنَّمَا الولاء لمن أعتَقَ)).
ويُؤخَذ منه أنَّه لو صَحَّ سندُه لمَا قاومَ هذا الحديث، وعلى التنزّلِ فتُرُدِّدَ في الجمع: هل
يُخَصُّ عُموم الحديث المتَّفَق على صِحَّته بهذا، فيُستَئِنَى منه مَن أسلَمَ، أو تُؤَوَّل الأولَويَّة في
قوله: ((أوْلَى الناس)) بمعنى النُّصرة والمعاونة وما أشبه ذلك، لا بالميراثِ، ويَبقَى الحديث
المَتَّفَق على صِحَّته على عُمومه؟ جَنَحَ الجمهور إلى الثّاني، ورُجْحانُه ظاهرٌ، وبه جَزَمَ ابن القَصّار
فيما حكاه ابن بَطّال فقال: لو صَحَّ الحديث لكان تأويلُه أنَّه أحقّ بموالاته في النَّصر والإعانة،
والصلاة عليه إذا ماتَ ونحو ذلك، ولو جاء الحديث بلفظِ: أحقُّ بميراثِهِ، لَوجَبَ تخصيصُ
الأوَّل، والله أعلم.
قال ابن المنذر: قال الجمهور بقولِ الحسن في ذلك، وقال حمّاد وأبو حنيفةَ وأصحابُه،
ورويَ عن النَّخَعيِّ: أنَّه يَستَمِّرّ إن عُقْلَ عنه، وإن لم يُعقَل عنه فله أن يَتَحوَّل لغيره، واسْتَحقَّ
الثّاني، وهَلُمَّ جَرّاً، وعن النَّخَعيِّ قولٌ آخر: ليس له أن يَتَحوَّل، وعنه: إن استَمرَّ إلى أن ماتَ
تَحَوَّلَ عنه، وبه قال إسحاقُ وعمرُ بن عبد العزيز، ووَقَعَ ذلك في طريق الباغَنديّ التي
أسلَفتها، وفي غيرها: أنَّه أعطَى رجلاً أسلَمَ على يَدَيه رجلٌ، فماتَ وتَرَكَ مالاً وبنتاً، نصفَ
المال الذي بَقِيَ بعد نَصیبِ البنت.
ثم ذكر المصنِّف حديث ابن عمر في قصَّة بَريرة من أجل قوله فيه: «فإنَّ الولاء
لِمَن أعتَقَ)) لأنَّ اللّمَ فيه للاختصاص، أي: الولاء مُخْتَصِّ بمَن أعتَقَ، وقد تقدَّم
توجیهُه.
وقوله فيه: «لا يَمنَعُك)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لا يَمنَعَنَّكَ)) بالتَّأكید.

٣٨٣
باب ٢٣ / ح ٦٧٥٩ - ٦٧٦٠
كتاب الفرائض
ثمَّ ذكر حديث عائشة في ذلك مختصراً، وقال في آخره: قال: وكان زوجُها حُرّاً. وقد
تقدَّم قبل باب (٦٧٥٤) من وجه آخر عن منصور: أنَّ قائل ذلك: هو الأسود راوِیه عن
عائشة، وفي الباب الذي قبله (٦٧٥١) من طريق الحَكَم عن إبراهيم: أنَّه الْحَكَم، ومضى
الكلام على ذلك مُستَوفَّى بحَمدِ الله تعالى.
ومحمَّدٌ المذكور في أوَّل السَّنَد الثّاني، قال أبو عليّ الغَسّانيّ: هو ابن سَلام إن شاء الله،
وجَرِير: هو ابن عبد الحميد.
قلت: وقد وَقَعَ في الاستقراض (٢٣٨٥): حدَّثنا محمَّد حدَّثنا جَرِير، كذا عند الأكثر
غير منسوب، ووَقَعَ في رواية أبي عليّ بن شَبُّويه عن الفِرَبريّ: محمَّد بن سَلام، وفي رواية
أبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيِّ: محمَّد بن يوسف، يعني البيكنديّ، وليس في الكتاب ((محمَّد عن
جَرِير)) سوى هذَينِ الموضعينِ، والمرجَّح أنَّه ابن سَلام، وقد أغرَبَ أبو نُعَيم فأخرج الحديث
من طريق عثمان بن أبي شَيْبة عن جَرِير، ثمَّ قال: أخرجه البخاريّ عن عثمان، کذا وجدته،
وما أظنّه إلّا ذُهولاً.
٢٣ - باب ما يَرثُ النّساءُ من الوَلاء
٦٧٥٩ - حدّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا همَّامٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال:
أرادت عائشةُ أَن تَشْتَرِيَ بَرِيرةَ، فقالت للنبيِّ وَّةِ: إِنَّهم يَشْتَرِطونَ الولاءَ، فقال النبيُّ ◌َله
((اشتَرِيها، فإِنَّما الولاءُ لِمَن أعتَقَ)).
٦٧٦٠ - حدّثنا ابنُ سَلام، أخبرنا وكِيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ،
عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((الولاءُ لمن أعطَى الوَرِقَ، ووَلِيَ النِّعْمَةَ)).
قوله: ((باب ما يَرِثُ النِّساءُ منَ الولاء)) ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور في الباب قبلَه ٤٨/١٢
من وجهٍ آخَر عن نافع، وحديث عائشة من وجه آخر عن منصور مُقتَصِراً على قوله: ((الولاء
لِمَن أعطَى الوَرِقَ، ووليَ النِّعمةَ))، وهذا اللَّفظ لوكيع عن سفيان الثَّوْريِّ عن منصور، وقد
أخرجه التِّرمِذيّ (١٢٥٦ و٢١٢٥) من رواية عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن سفيان بلفظ: أنَّا
أرادت أن تَشتَريَ بَرِيرةَ فاشتَرَطوا الولاءَ، فقال النبيُّ ◌َ﴿، فَذَكَره.

٣٨٤
باب ٢٣ / ح ٦٧٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق وكيع أيضاً، ومن طريق عبد الرّحمن بن مَهديّ جميعاً
عن سفيان تامّاً، وقال: لفظهما واحد، فعُرِفَ أنَّ وكيعاً كان رُبَّما اختَصَرَه، وعُرِفَ أنَّه في
قصَّة بَريرة، وقد ذكره أصحاب منصور كأبي عَوَانة بلفظ: ((إنَّما الولاء لمن أعتَقَ))، وكذلك
ذكره أصحاب إبراهيم كالحكم والأعمش، وأصحاب الأسود وأصحاب عائشة وكلّها
في الكتب السِّة، وتفرَّد الثَّوْريُّ وتابَعَه جَرِير عن منصور بهذا اللَّفظ، فيحتمل أن يكون
منصور رواه لهما بالمعنى. وقد تفرَّد الثَّوْريُّ بزيادة قوله: ((ووليَ النِّعمة)).
ومعنى قوله: ((أعطَى الوَرِقَ)) أي: الثَّمَنَ، وإنَّما عَبَّرَ بالورِقِ لأَنَّه الغالبُ. ومعنى قولِه:
((ووليَ النِّعمة)»: أعتَقَ.
ومُطابَقَته لقولِه: ((الولاء لِمَن أعتَقَ)): أنَّ صِحّة العِتق تَستَدعي سَبْقَ مِلْكِ، والمِلكُ
يستدعي ثُبُوت العِوض.
قال ابن بَطّال: هذا الحديث يقتضي أنَّ الولاء لكلِّ مُعتِقٍ ذَكَراً كان أو أُنثَى، وهو مُجُمَعٌ
عليه، وأمَّا جَرّ الولاء فقال الأبهَريّ: ليس بين الفقهاء اختلاف أنَّه ليس للنِّساءِ من الولاء
إلّا ما أعتَقنَ أو أولاد مَن أعتَقنَ، إلّا ما جاء عن مسروقِ أنَّه قال: لا يَخْتَصّ الذُّكور بولاءٍ
مَن أَعتَقَ آبَاؤُهم، بل الذُّكور والإناث فيه سواءٌ كالميراث. ونَقَلَ ابن المنذر عن طاووسٍ مِثله(١)،
وعليه اقتَصَرَ سَحنون فيما نَقَلَه ابن التِّين.
وتعقَّبَ الخَصر الذي ذكره الأبهَريّ تَبَعاً لسَحنونٍ وغيره بأنَّه يَرِد عليه ولدُ الإناث من
وَلَد مَن أعتَقنَ، قال: والعِبارة السالمة أن يقال: إلّا ما أعتَقْنَ أو جَرَّه إليهنَّ مَن أعتَقنَ
بولادةٍ أو عِتقٍ، احترازاً ممّن لها ولد من زنَّى أو كانت مُلاعِنةً، أو كان زوجها عبداً، فإنَّ
ولاءَ ولِدِ هؤلاءِ كلِّمِنَّ لمُعِقِ الأُمّ.
والحُجّة للجُمهورِ: اتّفاقُ الصحابة، ومن حيثُ النَّظَرُّ أنَّ المرأة لا تَستَوعِب المال بالفَرضِ
الذي هو آكَدُ من التَّعصيب، فاختَصَّ بالولاءِ مَن يَستَوعِب المالَ وهو الذَّكَرُ، وإنَّما ورِثنَ مَن
(١) في ((الأوسط)) ٧/ ٥٤٠ قال: يرثُ النساءُ من الولاء. وكان يُورِّث البنتَ من ولاء موالي الأب.

٣٨٥
باب ٢٤ / ح ٦٧٦١ - ٦٧٦٢
كتاب الفرائض
أعتَقنَ، لأنَّه عن مُباشَرةٍ لا عن جَرِّ الإرث.
واستُدِلَّ بقولِه: ((الولاء لمن أعطَى الوَرِقَ)) على مَن قال فيمَن أعتَقَ عن غيره بوصيَّةٍ
من المعتَق عنه: إنَّ الولاء للمُعتِقِ، عملاً بعُمومٍ قوله: ((الولاء لمن أعتَقَ))، وموضع الدّلالة
منه قوله: ((الولاء لمن أعطَى الورِقَ))، فدَلَّ على أنَّ المراد بقولِه: ((لِمَن أعتَقَ)): لمن كان مَن
عَتَقَ (١) في مِلكِهِ حين العِتق، لا لمن باشَرَ العِتَقَ فقط.
٢٤ - بابٌ مولى القوم من أنفسهم، وابنُ الأختِ منهم
٦٧٦١ - حدّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، حدَّثنا مُعاوِيةُ بنُ قُرَّةَ وقَتَادةُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾،
عن النبيِّ نََّ، قال: ((مَوْلَى القومِ من أنفُسِهِم)) أو كما قال.
٦٧٦٢ - حدّثنا أبو الوليدِ، حدّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّوَِّ، قال: «ابنُ أُخْتِ
القومِ منهم - أو من أنفُسِهِمٍ)).
قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوين ((مَوْلَى القوم من أنفُسهم)) أي: عَتيقهم يُسَب نِسبَتَهم ويَرِثونَه.
قوله: ((وابن الأُخْت منهم)) أي: لأنَّه يَنتَسِب إلى بعضهم وهي أُمّه.
قوله: ((حدَّثْنَا شُعْبة، حدَّثنا معاوية بن قُرَة وقَتَادة، عن أنس)) هكذا/ وَقَعَ في رواية آدم عن ٤٩/١٢
شُعْبة مقروناً، وأكثرُ الزُّواة قالوا: عن شُعْبة عن قَتَادة وحدَه عن أنس، وقد تقدَّم بيان ذلك في
مناقب قُريش (٣٥٢٨) وأورَدَه من وجهِ مختصراً، ومن وجهٍ آخرَ عن شُعْبةَ عن قَتَادة مُطوَّلاً في
غزوة حُنَينٍ (٤٣٣٤)، وتقدَّمَت فوائدُه هناك وفي كتاب الجِزية (٣١٦٣).
وأخرجه الإسماعيليّ من طرق عن شُعْبة عن قَتَادة، وقال: المعروف عن شُعْبة في: ((مولى
القوم - منهم أو من أنفُسهم -)»: روايته عن قَتَادة وعن معاوية بن قُرّة، والمعروف عنه في:
((ابن أُخت القوم منهم - أو من أنفُسهم -)): روايته عن فَتَادة وحده، وانفَرَدَ عليّ بن الجَعْد
عن شُعْبة به عن معاوية بن قُرّة أيضاً.
(١) كذا في (أ) و(س)، ووقع في (ع): ((لمن كان المعتَق في ملكه))، وهما بمعنَّى.

٣٨٦
باب ٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وليس كما قال، بل تابَعَه أبو النَّضر(١) عن شُعْبة عن معاوية بن قُرّة أيضاً، أخرجه
أحمد في «مُسنَده)) (١٣٣٢١) عنه، وأفادَ فيه أنَّ المعنيّ بذلك التُّعمانُ بنُ مُقَرِّنِ المُزَنيُّ وكانت
أمّه أنصاريَّة، والله أعلم.
واستَدَلَّ بقولِه: ((ابن أُخت القوم منهم)) مَن قال: بأنَّ ذَوي الأرحام يَرِثونَ كما يَرِثُ
العَصَباتُ، وَلَه مَن لم يَقُل بذلك على ما تقدَّمَ، وكأنَّ البخاريّ رَمَزَ إلى الجواب بإيرادِ هذا
الحديث، لأَنَّه لو صَحَّ الاستدلال بقولِه: ((ابن أُخت القوم منهم)) على إرادة الميراث، لَصَحَّ
الاستدلال به على أنَّ العَتيقِ يَرِث ممَّن أعتَه، لوُرودِ مِثله في حَقِّه، فدَلَّ على أنَّ المراد بقوله: ((من
أنفُسهم))، وكذا ((منهم)) في المعاونة والانتصار والبِرّ والشَّفَقة، ونحو ذلك، لا في الميراث.
وقال ابن أبي جَمْرة: الحكمةُ في ذِكر ذلك إبطالُ ما كانوا عليه في الجاهليَّة من عَدَم
الالتفات إلى أولاد البنات، فَضْلاً عن أولاد الأخَوات، حتَّى قال قائلُهم:
بَنونا بنو أبنائنا وبناتنا بَنوهُنَّ أبناءُ الرِّجال الأباعِدِ(٢)
فأراد بهذا الكلام التَّحريض على الأُلفة بين الأقارب.
قلت: وأمَّا القول في الموالي فالحكمة فيه: ما تقدَّم ذِكرُه من جواز نِسبة العَبد إلى مولاه،
لا بلفظ البُنوّة، لما سيأتي قريباً (٦٧٦٦) من الوعيد الثّابِت لمن انتَسَبَ إلى غير أبيه، وجواز
نِسِبَتَه إلى نَسَب مولاه بلفظ النِّسبة، وفي ذلك جمعٌ بين الأدلّة، وبالله التَّوفيق.
٢٥ - باب میراث الأسير
قال: وكان شُرَيحٌ يوَرِّثُ الأسِيرَ في أيدي العدوِّ، ويقول: هو أحوجُ إلیه.
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: أَجِزْ وصِيَّةَ الأسِيرِ وعَتَاقَتَه، وما صَنَعَ في ماله، ما لم يَتغيَّرْ عن
دِينِهِ، فإنَّما هو مالُه يَصْنَعُ فيه ما يَشاءُ.
(١) تصحف في (س) إلى ((النصر)). بالصاد المهملة، وأبو النضر: هو هاشم بن القاسم الليثي شيخ الإمام أحمد في هذا
الحديث.
(٢) البيت في ((الفروق اللغوية)) لأبي هلال العسكري ص ٢٨٣، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص٣٦٩ دون
عزوٍ لقائل معيّن.

٣٨٧
باب ٢٥ / ح ٦٧٦٣
كتاب الفرائض
٦٧٦٣ - حدَّثَنا أبو الوليدِ، حدَّثَنَا شُعْبةُ، عن عَدِيٍّ، عن أبي حازم، عن أبي هريرةَ، عن
النبيِّ وَّةِ، قال: ((مَن تَرَكَ مالاً فِلِوَرَثَتِهِ، ومَن تَرَكَ كَلَّا فإلينا».
قوله: ((باب ميراث الأسير)) أي: سواء عُرِفَ خَبَرُه أم جُهِلَ.
قوله: ((وكان شُرَيح)) بمُعجَمةٍ أوَّلُه ومُهمَلةٍ آخِرُه، وهو ابن الحارث القاضي الكِنديّ
الکوفي المشهور.
قوله: ((يورِّث الأسيرَ في أيدي العدوّ ويقول: هو أخْوجُ إليه)) وَصَلَه ابن أبي شيبة (١١/ ٣٨٠
و٢٩٣/١٢) والدَّارِميُّ (٣٠٩٢) من طريق داود بن أبي هند عن الشَّعبيّ عن شُرَيح قال:
يورَّث الأسير إذا كان في أرض العدوّ، وزاد ابن أبي شَيْبة (١): قال شُرَيح: أحوج ما يكون
إلی میراثه وهو أسيرٌ.
قوله: ((وقال عمر بنُ عبدِ العزيزِ: أَجِزْ وصيَّةَ الأسيرِ وعَتاقَتَه، وما صَنَعَ في ماله ما لم يتغيّر
عن دِيْنِهِ، فإنَّما هو ماله يَصْنَع فيه ما يَشاء)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ما شاءَ)) وهذا وَصَلَه
عبد الرَّزّاق (١٠١٥٠) عن مَعمَر عن إسحاق بن راشد: أنَّ عمرَ كَتَبَ إليه: أن أَجِزْ وصيّةَ
الأسير. وأخرجه الدَّارِميُّ (٣٠٩١) من طريق ابن المبارك عن مَعمَر عن إسحاق بن راشد
عن عمرَ بن عبد/ العزيز في الأسير يوصي قال: أَخِزْ لي وصِيَّتَه ما دامَ على الإسلام لم يَتغيَّر ٥٠/١٢
عن دِیْنِهِ.
قال ابن بَطّال: ذهب الجمهور إلى أنَّ الأسير إذا وجَبَ له ميراثٌ أنَّه يوقَف له، وعن
سعيد بن المسيّب: أنَّه لم يورِّث الأسيرَ في أيدي العدوّ، قال: وقول الجماعة أَوْلى، لأنَّه إذا
كان مسلماً دَخَلَ تحت عُموم قوله ◌َّهِ: ((مَن تَرَكَ مالاً فِلِورَثَتِهِ))، وإلى هذا أشارَ البخاريّ
بإيرادِ حديث أبي هريرة، وقد تقدَّم شرحه قريباً (٦٧٤٥).
وأيضاً فهو مُسلِمٌ تجري عليه أحكامُ المسلمينَ، فلا يَخرُج عن ذلك إلّا بحُجّةٍ كما أشارَ
إليه عمرُ بن عبد العزيز، ولا يكفي أن يَثْبُتَ أنَّه ارتَدَّ حتَّى يَثْبُتَ أنَّ ذلك وَقَعَ منه طَوعاً،
(١) رواية ابن أبي شيبة مقتصرة على هذه الزيادة دون الشطر الأول.

٣٨٨
باب ٢٦ / ح ٦٧٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
فلا يُحكَمُ بخروج ماله عنه حتَّى يَثبُتَ أَنَّه ارتَدَّ طائعاً لا مُكرَهاً، وما ذكره ابن بَطّال عن سعيد
ابن المسيّب أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٨١/١١)، وأخرج عنه أيضاً رواية أُخرى: أنَّه يَرِثُ
(١١/ ٣٨٠)، وعن الزُّهْريّ روايتَينِ أيضاً (١١ /٣٨٠ ٣٨١)(١)، وعن النَّخَعيِّ: لا يَرِث.
تنبيه: تقدَّم في أواخر النِّكاح في ((باب حُكم المفقود في أهله وماله)(٢) أشياءُ تتعلَّق بالأسير
في حُكم زوجته وماله، وأنَّزوجته لا تَتزوَّج وماله لا يُقْسَم، ما تَحقَّقَت حياته وعُلمَ مكانه، فإذا
انْقَطَعَ خَبَرُه فهو مَفقودٌ، وتقدَّم بیان الاختلاف في حُكمه هُناكَ.
٢٦ - باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم،
وإذا أسلَمَ قبلَ أن يُقْسَمَ الميراثُ، فلا مِيراثَ له
٦٧٦٤ - حذَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج، عن ابنِ شِهابٍ، عن عليّ بنِ حُسَينٍ، عن عَمْرِو
ابنِ عُثْمانَ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا
الكافرُ المسلم».
قوله: ((باب لا يَرِث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ)) هكذا تَرجَمَ بلفظ الحديث، ثمَّ
قال: وإذا أسلَمَ قبل أن يُقْسَم الميراثُ، فلا ميراث له، فأشارَ إلى أنَّ عُمومَه يَتناول هذه
الصّورة، فمَن قَيَّدَ عَدَم التَّوارُث بالقِسْمة احتاجَ إلى دليل، وحُجّة الجماعة أنَّ الميراثَ يُستَحقُّ
بالموت، فإذا انتَقَلَ عن مِلك المِيِّت بموتِه لم يُنْتَظَر قسمَته، لأنَّه استُحِقَّ الذي انتَقَلَ عنه ولو
لم يُقْسَمِ المال.
قال ابن المنّيِّر: صورة المسألة إذا ماتَ مسلمٌ وله ولدانِ مثلاً: مسلمٌ وكافرٌ، فأسلَمَ
الكافر قبلَ قِسْمة المال، قال ابن المنذر: ذهب الجمهور إلى الأخذ بما دَلَّ عليه عُموم حديث
أسامة - يعني المذكورَ في هذا الباب - إلّا ما جاء عن مَعاذ قال: يَرِث المسلم من الكافر من
(١) الرواية الثانية في ((المصنف)) ١١/ ٣٨١ بلفظ: يورَّث مالُ الأسير وامرأتُه. وفي رواية عنه (١٢/ ٢٩٢) قال:
يُوقَف مالُ الأسیر وامراته حتى يُسلِما، أو يموتا.
(٢) هذا الباب وقع في كتاب الطلاق، قبل الحديث (٥٢٩٢).

٣٨٩
باب ٢٦ / ح ٦٧٦٤
كتاب الفرائض
غير عكس، واحتَجَّ بأنَّه سمعَ رسول الله ◌َله يقول: ((الإسلام يزيدُ ولا يَنقُص))، وهو
حديث أخرجه أبو داود (٢٩١٢ و٢٩١٣) وصَحَّحَه الحاكم (٣٤٥/٤) من طريق يحيى بن
يَعمُر عن أبي الأسود الدُّؤَليّ عنه، قال الحاكم: صحيح الإسناد، وتُعقّبَ بالانقطاع بين أبي
الأسود ومعاذ، ولكنَّ سماعه منه تُمكِنٌ، وقد زَعَمَ الْجَوزَقانيّ: أنَّه باطِل، وهي مُجازَفة، وقال
القُرطُبيّ في ((المفهم)): هو كلام مَحْكىٌّ ولا يُروى، كذا قال، وقد رواه مَن قَدَّمت ذِكْرَه،
فكأنَّه ما وقَفَ على ذلك(١).
وأخرج أحمد بن مَنيع (٢) بسندٍ قويٌّ عن معاذ: أنَّه كان يورِّثُ المسلمَ من الكافرِ بغير
عكس، وأخرج مُسدّد(٣) عنه: أنَّ أَخَوينِ اخْتَصَما إليه: مسلمٌ ويهوديٌّ ماتَ أبوهما يهوديّاً،
فحازَ ابنُه اليهوديُّ مالَه، فنازَعَه المسلم فورَّثَ مَعاذٌ المسلمَ. وأخرج ابن أبي شَيْبة (١١/ ٣٧٤)
من طريق عبد الله بن مَعقِل قال: ما رأيت قضاءً أحسنَ من قضاءٍ قَضَى به معاويةُ: نَرِث
أهل الكتاب ولا يَرِثونا، كما يَحِلّ النِّكاح فيهم ولا يَحِلّ لهم، وبه قال مسروق وسعيد بن
المسيّب وإبراهيم النَّخَعيُّ وإسحاق، وحُجّة الجمهور أنَّه قياسٌ في مُعارضة النَّصّ، وهو
صريحٌ في المراد ولا قياسَ مع وُجودِهِ، وأمَّا الحديث فليس نَصّاً في المراد، بل هو محمولٌ
على أنَّه يَفضُل غيره من الأديان ولا تَعلُّقَ له بالإرث.
وقد عارَضَه قياسٌ آخرُ: وهو أنَّ التَّوارُث يَتَعلَّق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر،
لقولِه/ تعالى: ﴿لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَهُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، وبأنَّ الذِّمّيّ ٥١/١٢
يَتَزوَّجِ الخَرْبيَّة ولا يَرِثها، وأيضاً فإنَّ الدَّليل يَنقَلِب فيما لو قال الذِّمّيّ: أرِتُ المسلمَ لأنَّه
(١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، لأن القرطبي (٤/ ٥٦٧) إنما أطلق هذا الحكم على حديث آخر، ساق جزءاً منه
وهو: ((إن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه))، وأما حديث ((الإسلام يزيد وينقص)) فقد عزاه القرطبي نفسه إلى أبي
داود بقوله: (وقد احتُجَّ للقول الثاني بما خرّجه أبو داود من حدیث یحیی بن یعمر، فذكره، بل قد حكم عليه
بالضعف فقال: إنَّ فيه مجهولاً. وحديث (الإسلام يعلو)) الذي عناه القرطبي أخرجه الدار قطني في (السنن))
(٣٦٢٠) بإسناد ضعيف من حديث عائذ بن عمرو المزني.
(٢) كما في («إتحاف الخيرة)) للبوصيري (٣/٣٠٣٤) و((المطالب العالية)) للحافظ نفسه (١٥٤٥).
(٣) وأيضاً ذكراه في «إتحاف الخيرة)) (١/٣٠٣٤)، و((المطالب العالية)) (١٥٤٦).

٣٩٠
باب ٢٦ / ح ٦٧٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
يَتزوَّج إلينا، وفيه قول ثالث: وهو الاعتبار بقسمة الميراث، جاء ذلك عن عمر وعثمان ضَعيفاً(١)
وعن عِكْرمة والحسن وجابر بن زيد، وهو رواية عن أحمد. قلت: ثَبَتَ عن عمر خِلَافُه کما مضى
في ((باب تَوريث دور مَكّة)) (١٥٨٨) من كتاب الحجّ، فإنَّ فيه بعد ذِكْر حديث الباب مُطوَّلاً في
ذِكْر عَقيل بن أبي طالب: فكان عمر يقول، فذَكَر المتنَ المذكورَ هنا سواءً.
قوله: ((عن ابن شِهاب)) هو الزُّهْريّ، وكذا وَقَعَ في رواية للإسماعيليِّ من وجه آخر عن
أبي عاصم.
قوله: ((عن عليّ بن حُسَين)) هو المعروف بزَينِ العابِدينَ.
و((عَمْرو بن عثمان)) أي: ابن عَفّان، وقد تقدَّم في الحجِّ (١٥٨٨) من هذا الشَّرح بيانُ مَن
رواه عن الزُّهْريّ مُصرِّحاً بالإخبار بينه وبين عليّ، وكذا بين عليّ وعَمْرو، واتَّفَقَ الرُّواة عن
الزُّهْريّ: أنَّ عَمْرو بن عثمان بفتح أوَّله وسُكون الميم، إلّا أنَّ مالكاً وحده قال: عُمرَ، بضمِّ
أوَّله وفتح الميم، وشَذَّت رواياتٌ عن غير مالك على وَفْقِهِ، ورواياتٌ عن مالك على وَفْقِ
الجمهور، وقد بيَّن ذلك ابن عبد البَرِّ وغيرُه، ولم يُرِّج البخاريُّ روايةَ مالك، وقد عَدَّ
ذلك ابن الصَّلاح في ((علوم الحديث)) له في أمثلة المنكَر، وفيه نظرٌ أوضَحَه شيخُنا في
(النُگت))، وزِدت عليه في ((الإفصاح)).
قوله: ((لا يَرِث المسلمُ الكافرَ ... )) إلى آخره، تقدَّم في المغازي (٤٢٨٣) بلفظ: ((المؤمن))
في الموضعينِ، وأخرجه النَّسائيُّ (ك ٦٣٤٨) من رواية هُشَيم عن الزُّهْريّ بلفظ: ((لا
يَتَوَارَث أهل مِلَّتَيْنِ))، وجاءت رواية شاذّة عن ابن عُيَينةَ عن الزُّهْريّ مِثلها، وله شاهد عند
التُّرمِذيّ (٢١٠٨) من حديث جابر، وآخر من حديث عائشة عند أبي يَعْلى، وثالث من
حديث عَمْرو ابن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه في ((السُّنَن)) الأربعة(٢)، وسند أبي داودَ فيه إلى
عَمْرو صحیحٌ.
(١) قوله: ((ضعيفاً)) سقط من (س).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩١١)، وابن ماجه (٢٧٣١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٣٥٠)، وأخرجه الترمذي
(٢١١٤) لكن لفظه: ((يرث الولاء من يرث المال))، وهو في ((مسند أحمد)) برقم (٦٦٦٤).

٣٩١
باب ٢٦ / ح ٦٧٦٤
كتاب الفرائض
وتَسَّكَ بها مَن قال: لا يَرِث أهلُ مِلّةٍ كافرةٍ من أهل مِلّةٍ أُخرى كافرةٍ، وحَلَها الجمهور
على أنَّ المراد بإحدَى الِلَّتَينِ الإسلام وبالأُخرى الكفرَ، فيكون مُساوياً للرِّواية التي بلفظ
حديث الباب، وهو أوْلى من حَملِها على ظاهر عُمومها، حتَّى يمتنعَ على اليهوديُّ مثلاً أن
يَرِثَ من النَّصرانيّ، والأصُّ عند الشافعيَّة: أنَّ الكافر يَرِث الكافر، وهو قول الحنفيَّة والأكثر،
ومُقابِلُه عن مالكٍ وأحمدَ، وعنه: التَّفْرِقة بين الذِّمّيّ والحَرْبيّ، وكذا عند الشافعيَّة، وعن أبي
حنيفة: لا يَتَوَارَث حَربيٌّ من ذِمّيٌّ، فإن كانا حَربَّينِ شُرِطَ أن يكونا من دار واحدة، وعند
الشافعيَّة: لا فَرْقَ، وعندهم وجهٍ كالحنفيَّة، وعن الثَّوْريّ ورَبيعة وطائفةٍ: الكفُر ثلاثُ
مِلَل: يهوديَّة ونَصرانيَّة وغيرهم، فلا تَرِث مِّةٌ من هذه من مِّةٍ من المِلَّتَين، وعن طائفة من
أهل المدينة والبصرة: كلّ فريق من الكفَّار ◌ِمِلّةٌ، فلم يورِّثوا مَجَوسيّاً من وثَنِيِّ، ولا يهوديّاً
من نَصرانيّ، وهو قول الأوزاعيّ، وبالَغَ فقال: ولا يَرِث أهلُ نِحْلةٍ من دينٍ واحدٍ أهلَ نِحْلةٍ
أُخرى منه كاليعقوبيَّة والمَلْكانيةَ من النَّصارَى.
واختُلِفَ في المرتَدّ، فقال الشافعيّ وأحمدُ: يصير ماله إذا ماتَ فَيْئاً للمسلمينَ، وقال مالكٌ:
يكون فَيْئاً إلّا إن قَصَدَ بِرِذَّتِهِ أن يَحِمَ ورَثَتَه المسلمينَ فیکون لهم، وکذا قال في الزنديق، وعن أبي
يوسف ومحمَّد: لورَثَتِهِ المسلمينَ، وعن أبي حنيفة: ما كَسَبَه قبل الرِّدّة لورَثَتِهِ المسلمينَ وبعد الرِّدّة
لبيتِ المال، وعن بعض التابعين كَعَلْقمةَ: يَستَحِقُّه أهلُ الدّين الذي انتَقَلَ إليه، وعن داودَ:
يَخْتَصّ بورَثَتِهِ من أهل الدّين الذي انتَقَلَ إليه، ولم يُفَصِّل، فالحاصلُ من ذلك ستّةُ مذاهبَ
حَرَّرَها الماورديّ.
واحتَجَّ القُرطُبيّ في ((المفهم)) لمذهبِه بقولِه تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا:
[المائدة: ٤٨]، فهي مِلَّلٌ متعدِّدةٌ وشَرائعُ مُخْتَلِفِةٌ، قال: وأمَّا ما احتَجّوا به من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ
تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَىُّ حَّى تَّعَ مِلَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] فوحَّدَ الِلّة، فلا حُجّة فيه، لأنَّ
الوحدة في اللَّفظ / وفي المعنى الكَثْرة، لأنَّه أضافَه إلى مُفيد (١) الكَثْرة، كقولِ القائل: أخَذَ عن ٥٢/١٢
(١) أي إلى ما يفيد الكثرة، وهو ضمير الجمع، ووقع في المطبوع من ((المفهم)) ٥٦٩/٤: ((ضمير الكثرة)، وهو أوضح.

٣٩٢
باب ٢٧ -٢٨ / ح ٦٧٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
عُلَماء الدّين عِلمَهم، يريد: عِلمَ كلٌّ منهم، قال: واحتَجْوا بقولِه: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
[الكافرون: ١] إلى آخرها، والجواب: أنَّ الخِطاب بذلك وَقَعَ لكفَّار قُرَيش وهم أهلُ وَنٍ،
وأمَّا ما أجابوا به عن حديث: ((لا يَتَوَارَث أهل مِلَّتَيْنِ)) بأنَّ المراد: مِلّة الكُفر ومِلّة الإسلام،
فالجواب عنه بأنّه إذا صحّ في حدیث أُسامة فمردودٌ في حديث غيره.
واستُدِلَّ بقولِه: ((لا يَرِث الكافرُ المسلمَ)) على جواز تخصيص عُموم الكتاب بالآحادِ، لأنَّ
قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ﴾ [النساء: ١١] عامٌّ في الأولاد، فخَصَّ منه الولد الكافر
فلا يَرِث من المسلم بالحديث المذكور، وأُجيبَ بأنَّ المنعَ حَصَلَ بالإجماع، وخَبَرُ الواحد إذا
حَصَلَ الإجماعُ على وَفْقه، كان التَّخصيص بالإجماع لا بالخيرِ فقط.
قلت: لكن يحتاج مَن احتَجَّ في الشِّقّ الثّاني به إلى جواب، وقد قال بعض الحُذّاق:
طريق العامّ هنا قطعيٌّ ودلالته على كلّ فردٍ ظنّةٌ، وطريقُ الخاصِّ هنا ظنيَّةٌ ودلالته عليه
قطعيَّةٌ، فَيَتَعادَلان، ثمَّ يَترجَّح الخاصُّ بأنَّ العمل به يَستَلِزِم الجمعَ بين الدَّليلَينِ المذكورَينِ،
بخلاف عکسِه.
٢٧ - باب ميراث العَبد النَّصرانيّ والمكاتَبِ النَّصرانيّ، وإثمُ مَنِ انتَفَى من وَلِدِه
٢٨ - بابُ من ادّعى أخاً أو ابن أخٍ
٦٧٦٥- حدَّثْنَا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةً
رضي الله عنها، أنَّها قالت: اختَصَمَ سَعْدُ بنُ أبي وَقّاصٍ وعبدُ بنُ زَمْعةً في غلامِ، فقال سَعْدٌ:
هذا يا رسولَ الله ابنُ أخي عُتْبَةَ بنِ أبي وَقّاصٍ، عَهِدَ إليَّ أَنَّه ابنُه، انظُر إلى شَبَهِه، وقال عبدُ بنُ
زَمْعةَ: هذا أخي يا رسولَ الله، وُلِدَ على فِراش أبي من وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رسولُ اللهِ وَِّ إلَى شَبَهِه،
فَرَأَى شَبَهاً بيِّناً بعُتْبةَ، فقال: ((هو لكَ يا عبدُ، الولدُ للْفِراش، وللعاهرِ الحجَرُ، واحتَجِبي منه يا
سَوْدةُ بنتَ زَمْعة)) قالت: فلم يَرَ سَوْدةَ بَعْدُ.
قوله: ((باب ميراث العبد النَّصْرانيّ، والمكاتب النَّضْرانيّ)» کذا للأکثرِ بغیر حدیث، ولأبي
ذرّ عن المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ: ((باب مَن ادَّعَى أخاً أو ابنَ أخ)) ولم يَذْكُر فيه حديثاً، ثمّ قال

٣٩٣
باب ٢٨ / ح ٦٧٦٥
كتاب الفرائض
عن الثلاثة: باب ميراث العبد النَّصرانيّ والمكاتَب النَّصرانيّ، ولم يَذكُر أيضاً فيه حديثاً، ثمَّ
قال عنهم: باب إثم مَن انتَفَى من ولده، وذكر قصَّة سعد وعبد بن زَمعةَ، فجَرَى ابن بَطّال
وابن التِّين على حذف: ((باب مَن انتَفَى من ولده))، وجَعَلَ قصَّة ابن زَمعةَ لبابٍ ((مَن اذَّعَى
أخاً))، ولم يَذْكُروا في ((باب ميراث العَبد)) حديثاً على ما وَقَعَ عند الأكثر.
وأمَّا الإسماعيليّ فلم يقع عنده: ((باب ميراث العبد النَّصرانيّ))، بَل وَقَعَ عنده: ((باب
إثم مَن انتَفَى من ولده))، وقال: ذَكَرِه بلا حديثٍ، ثمَّ قال: ((باب مَن ادَّعَى أخاً أو ابن أخٍ))،
وذكر قصَّةَ عبدٍ بن زَمعةَ، ووَقَعَ عند أبي نُعَيم: ((باب ميراث النَّصرانيّ ومَن انتَفَى من ولده
ومَن ادَّعَى أخاً أو ابن أخٍ))، وهذا كلّه راجع إلى رواية الفِرَبريّ عن البخاريّ، وأمَّا النَّسَفيّ
فَوَقَعَ عنده: ((باب ميراث العبد النَّصرانيّ والمكاتَب النَّصرانيّ))، وقال: لم يَكتُب فيه حديثاً،
وفي عَقِهِ: ((باب مَن انتَفَى من وَلده ومَنِ ادَّعَى أخاً أو ابن أخ))، وذَكَر فيه قصَّة ابن زَمعةً،
فتَلخَّصَ لنا من هذا كلّه: أنَّ الأكثرَ جَعَلوا قصَّة ابن زَمعةَ/ لترجمة: ((مَن اذَّعَى أخاً أو ابن ٥٣/١٢
أخ))، ولا إشكالَ فيه، وأمَّا التَرجَمَتَان فسَقَطَت إحداهما عند بعض وثَبَتَت عند بعض.
قال ابن بَطّال: لم يُدخِل البخاريُّ تحتَ هذا الرَّسم حديثاً، ومذهب العلماء أنَّ
العبدَ النَّصرانيَّ إذا ماتَ فمالُه لسَيِّدِه بالرِّقٌّ، لأنَّ مِلكَ العبد غيرُ صحيح ولا مُستَقِّ، فهو
مال السَّيِّد يَسْتَحِقّه، لا بطَريقِ الميراث وإنَّما يَستَحِقّ بطَريق الميراث ما يكون مِلكاً مُستَقِرّاً
لمَن يورث عنه. وعن ابن سِيرِين: مالُه لبيتِ المال وليس للسَّيِّدِ فيه شيءٌ لاختلاف دِينِهما،
وأمَّا المكانَبُ فإن ماتَ قبل أداء كتابته وكان في ماله وفاءٌ لباقي كتابته، أُخِذَ ذلك في كتابته
فما فضَلَ فهو لبيتِ المال.
قلت: وفي مسألة المكاتَب خِلَافٌ يَنشَأ من الخِلاف فيمَن أدَّى بعض كتابته: هل يُعتَقُ
منه بقدرِ ما أدَّى، أو يَستَمِّرّ على الرِّقّ ما بَقِيَ عليه شيء؟ وقد مضى الكلام على ذلك في
کتاب العتق (٢٥٢٦).
وقال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون البخاريّ أراد أن يُدرِجَ هذه التَّرجمةَ تحتَ الحديث الذي

٣٩٤
باب ٢٨ / ح ٦٧٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قبلَها، لأنَّ النَّظَر فيه مُتَمَل، كأن يقال: يأخُذ المال لأنَّ العَبد مِلكه وله انتزاعه منه حَيّاً،
فكيف لا يأخُذه ميِّاً؟ ويحتمل أن يقال: لا يأخذه لعُمومٍ: ((لا يَرِث المسلمُ الكافرَ)) والأوَّل
أو جه.
قلت: وتَوجيهُه ما تقدَّمَ، وجَرَى الكِرْمانيُّ على ما وَقَعَ عند أبي نُعَيم فقال: هاهُنا ثلاث
تَراجِم مُتَوالية، والحديث ظاهر للثّالثة، وهي: ((مَن ادَّعَى أخاً أو ابنَ أخ))، قال: وهذا يُؤْيِّد
ما ذَكَروا أنَّ البخاريّ تَرجَمَ لأبوابٍ وأراد أن يُلحِقَ بها الأحاديثَ، فلم يَتَّفِقِ له إتمامُ
ذلك، وكان أخلَى بين كلّ ترجمتَينِ بياضاً، فضَمَّ النَّقَلةُ بعضَ ذلك إلى بعضٍ.
قلت: ويحتمل أن يكون في الأصل ((ميراثُ العبدِ النَّصرانيّ والمكاتَب النَّصرانيّ)) كان
مضموماً إلى ((لا يَرِث المسلمُ الكافرَ ... )) إلى آخره، وليس بعد ذلك ما يُشكِل، إلّا ترجمة ((مَن
انْتَفَى من ولده)»، ولا سيّما على سياق أبي ذرِّ، وسأذكره في الباب الذي يليه.
تكميل: لم يَذْكُر البخاريّ ميراث النَّصرانيّ إذا أعتَقَه المسلمُ، وقد حكى فيه ابن الِّين ثمانية
أقوال: فقال عمر بن عبد العزيز واللَّيث والشافعيّ: هو كالمولَى المسلم إذا كانت له ورَثة وإلّا
فمالُه لسَيِّدِهِ، وقيل: يَرِثه الولد خاصّةً، وقيل: الولد والوالد خاصّة، وقيل: هما والإخوة، وقيل:
هم والعَصَبة، وقيل: ميراثه لذَوي رَحِه، وقيل: لبيتِ المال فَيئاً، وقيل: يوقَف فمَن ادَّعاه من
النَّصارَى كان له. انتهى مُلخَّصاً، وما نَقَلَه عن الشافعيّ لا يَعرِفه أصحابُه.
واختُلِفَ في عكسِهِ، فالجمهور أنَّ الكافر إذا أعتَقَ مسلماً لا يَرِثه بالولاء، وعن أحمد روايةً:
أنه يَرِئه، ونُقِلَ مِثْلُه عن عليّ، وأمَّا ما أخرج النَّسائيُّ (٦٣٥٦) والحاكم (٤/ ٣٤٥) من طريق أبي
الزُّبَير عن جابر مرفوعاً: ((لا يَرِث المسلمُ النَّصرانيَّ، إلّا أن يكون عبده أو أمَتَه)) وأعَلَّه ابن حَزْم
بتدليسِ أبي الزُّبَير، وهو مردودٌ، فقد أخرجه عبد الرَّزاق (٩٨٦٥) عن ابن جُرَيج عن أبي الزُّبَير:
أنَّه سمعَ جابراً. فلا حُجّة فيه لكلٍّ من المسألَتَينِ، لأَنَّه ظاهرٌ في الموقوف.
قوله: ((باب إِثْم مَن انتَفَی من ولدِه» أورَدَ فیه حديث عائشة في قصَّة مُاصَمة سعد بن
أبي وقّاص وعبدٍ بن زَمعةَ، وقد مضى شرحُه مُستَوقّى في ((باب الولد للفراش)) (٦٧٤٩)، وقد

٣٩٥
باب ٢٩ / ح ٦٧٦٦
كتاب الفرائض
خَفِيَ توجيهُ هذه التَّرجمة لهذا الحديث، ويحتمل أن يُرَّج على أنَّ عُتبةَ بن أبي وقّاص ماتَ
مسلماً، وأنَّ الذي حَمَلَه على أن يُوصِيَ أخاه بأخذٍ وَلَدٍ وَلِيدِ زَمعةَ خَشْبةَ أن يكون سُكوتُه
عن ذلك مع اعتقاده أنَّه وَلدُه، يتنزّل مَنزِلَةَ النَّفي، وكان سمعَ ما وَرَدَ في حَقِّ مَن انتَفَى من
وَلِدِه من الوعيد، فعَهِدَ إلى أخيه أنَّه ابنُه وأمَرَه باستِلْحَاقِه، وعلى تقدير أن يكون عُتبة ماتَ
كافراً، فيحتمل أن يكون ذلك هو الحامل لسعدٍ على استِلْحاق ابنِ أخيه، ويلحَقُ انتفاءُ
ولدِ الأَخِ بالانتفاءِ من الولدِ، لأنَّه قد يَرِث من عَمِّه كما يَرِثُ من أبيه.
وقد وَرَدَ الوعيد في حَقِّ مَن انتَفَى من ولده من رواية مجاهد عن ابن عمر رَفَعَه: ((مَن
انْتَفَى من وَلَدِه/ ليَفضَحَه في الدُّنيا فضَحَه الله يوم القيامة)) الحديثَ(١)، وفي سنده الجرّاح ٥٤/١٢
والد وكيع مُتَلَف فيه، وله طريق أُخرى عن ابن عمر أخرجه ابنُ عَديٍّ (٨٣/١ و٤٢٧/٧)
بلفظ: ((مَنْ انْتَفَى من ولدِه فليَتَبَوَّأْ مَقعَدَه من النار)) وفي سنده محمَّدُ بنُ أبي الزُّعَزِعة راويه عن
نافع، قال أبو حاتم: مُنگر الحدیث، وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه أبو داود (٢٢٦٣)
والنَّسائيُّ (٣٤٨١) وصَخَّحَه ابنُ حِبّان (٤١٠٨) والحاكم (٢٠٢/٢ -٢٠٣) بلفظ: ((وأيّما
رجلٍ جَحَدَ ولدَه وهو يَنظُر إليه، احْتَجَبَ الله منه)) الحديث، وفي سنده عبد الله بن يُونسَ(٢)،
حجازيّ، ما روی عنه سِوی یزیدِ بنِ الهاد.
٢٩ - باب مَن ادّعى إلى غير أبيه
٦٧٦٦ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا خالدٌ - هو ابنُ عبدِ الله -، حدَّثنا خالدٌ، عن أبي عثمانَ، عن
سعدٍ ﴾، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َّةِ، يقول: ((مَنِ اذَّعَى إلى غيرِ أبيه، وهو يَعْلَمُ أنَّه غيرُ أبيه،
فالجنَّةُ علیه حَرامٌ».
(١) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٤٧٩٥)، والطبراني في ((الكبير)) (١٣٤٧٨) ومن طريقه أبو نعيم في ((الحلية))
٢٢٣/٩.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: ((عبيد الله بن يوسف))، وعبد الله بن يونس حجازي، مجهول الحال. كذا ترجم له الحافظ في
(التقريب))، وقال المزري في ((تهذيب الكمال)) ٢٣٧/١٦: روى له أبو داود والنسائي حديثاً واحداً، وساق له هذا
الحدیث.

٣٩٦
باب ٢٩ / ح ٦٧٦٧ - ٦٧٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
٦٧٦٧ - فَذَكَرْتُه لأبي بَكْرةَ، فقال: وأنا سمعَتْهُ أُذُنَايَ ووَعاهُ قَلْبي من رسولِ الله ◌ِّ.
٦٧٦٨ - حدَّثْنا أصبَغُ بنُّ الفَرَج، حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبرني عَمْرٌو، عن جعفرِ بنِ رَبيعةَ، عن
عِراكٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ، قال: ((لا تَرْغَبوا عن آبائكُم، فمَن رَغِبَ عن أبيه فهو كُفْرٌ)).
قوله: ((باب مَن ادَّعى إلى غير أبيه)) لعلَّ المراد: إثم مَن اذَّعى كما صَرَّحَ به في الذي قبله، أَو
أَطَقَ لِوُقوع الوعيدِ فيه بالكفرِ وبتحريمِ الجنَّةِ، فوكَلَ ذلك إلى نَظَرِ مَن يَسعَى في تأويله.
قوله: ((خالد: هو ابن عبد الله)) يعني: الواسطيّ الطَّحّان، وخالدٌ شيخُه: هو ابنُ مِهرانَ
الحَذّاءِ، وأبو عثمان: هو النَّهْديّ، وسعدٌ: هو ابن أبي وقّاص، والسَّنَد إلى سعد كلّه بَصْرُّونَ،
والقائل: فذكرتُه لأبي بكرة: هو أبو عثمان، وقد وَقَعَ في رواية هُشَيم عن خالد الحَذّاء عند
مسلم (٦٣ / ١١٤) في أوَّله قصَّة، ولفظُه: عن أبي عثمان قال: لمَّ ادُّعيَ زيادٌ لَقيتُ أبا بكرةَ
فقلت: ما هذا الذي صَنَعتُم؟ إنّي سمعتُ سعدَ بنَ أبي وقّاص يقول، فذَكَر الحديثَ مرفوعاً،
فقال أبو بَكرةَ: وأنا سمعتُه من رسول الله وَلَ.
والمراد بزيادٍ الذي ادُّعيَ: زيادُ ابن سُميَّة وهي أمُّه، كانت أَمَةً للحارثِ بن كَلَدةً
زَوَّجَها لمولى عُبيدٍ، فأتتْ بزيادٍ على فِراشه وهُم بالطائفِ قبلَ أن يُسلمَ أهلُ الطائف، فلمَّا
كان في خِلَافة عمرَ سمعَ أبو سفيانَ بنُ حَربٍ كلامَ زيادٍ عند عمرَ وكان بليغاً، فأعجَبَه
فقال: إنّي لَأعرِفُ مَن وضَعَه في أمِّه ولو شِئت لَسَمَّيْتُه، ولكن أخافُ من عمرَ، فلمَّا وليَ
معاويةُ الخِلافَةَ كان زيادٌ على فارسَ من قِبَل عليٍّ، فأراد مُداراتَه فَأَطْمَعَه(١) في أنَّه يُلحِقُه
بأبي سفيانَ، فأصغَى زيادٌ إلى ذلك فجَرَت في ذلك خُطوبٌ، إلى أن ادَّعاه معاويةُ، وأمَّرَه
على البَصْرة ثمَّ على الكوفة وأكرَمَه، وسارَ زيادٌ سيرتَه المشهورةَ وسياسَتَه المذكورةَ، فكان
كثيرٌ من أصحابِه والتابعين يُنكِرِونَ ذلك على معاويةَ مُحْتَجّينَ بحديثٍ: ((الولدُ للِفِراش))(٣)،
وقد مضى قريباً شيءٌ من ذلك، وإنَّما خَصَّ أبو عثمانَ أبا بكرةَ بالإنكار لأنَّ زياداً كان أخاه من
(١) تحرَّفت في الأصلين إلى: فأطعمه، والمثبت من (س) وهامش (ع).
(٢) سلف برقم (٦٧٤٩).

٣٩٧
باب ٢٩ / ح ٦٧٦٨
كتاب الفرائض
أمِّه، ولأبي بكرةَ مع زيادٍ قصَّةٌ تقدَّمَتِ الإشارةُ إليها في كتاب الشَّهادات، وقد تقدَّم الحديث
في غزوة حُنَينٍ (٤٣٢٦ و٤٣٢٧) من رواية عاصم الأحول عن أبي عثمان قال: سمعتُ سعداً
وأبا بكرةَ، وتقدَّم هناك ما يَتَعلَّقُ بأبي بَكرَ.
قوله: ((مَنِ ادَّعى إلى غيرِ أبيه وهو يَعْلَمُ أنَّه غيرُ أبيه، فالجنَّةُ علیه حَرامٌ)) وفي رواية عاصم
المشار إليها عند مسلم (٦٣ / ١١٤): ((مَن ادَّعَى أباً في الإسلام غيرَ أبيه))، والثاني مِثله، وقد
تقدَّم شرحُه في مناقبٍ قُرَيش (٣٥٠٨) في الكلام على حديث أبي ذَرِّ، وفيه:/ ((ومَنِ ادَّعى ٥٥/١٢
لغير أبيه وهو يَعلَمُه إلّا كفرَ))، ووَقَعَ هناك: ((إلّا كفرَ بالله))، وتقدَّم القولُ فيه، وقد وَرَدَ في
حديث أبي بكر الصِّدّيق: ((كفرٌ بالله انتَفَاءٌ من نَسَبٍ وإن دَقَّ)) أخرجه الطبرانيُّ(١).
قوله: ((أخبرني عَمْرو)) هو ابن الحارث، وعِراكٌ بكسر المهمَلة وتخفيفِ الرَّاءِ وآخره كافٌ: هو
ابن مالك.
قوله: ((عن أبي هريرة)) في رواية مسلم (٦٢ / ١١٣) عن هارون بن سعيد عن ابن وَهْب بسندِهِ
إلى عِراك: أنَّه سمعَ أبا هريرة.
قوله: ((لا تَرْغَبوا عن آبائكم، فمَن رَغِبَ عن أبيه فهو كُفْر)) كذا للأكثرِ، وكذا لمسلمٍ، ووَقَعَ
للكُشْمِيهنيّ: ((فقد كفرَ))، وسيأتي في ((باب رَجم الحُبَى من الزِّنى)) (٦٨٣٠) في حديث عمرَ
الطَّويل: ((لا تَرَغَبوا عن آبائكم، فهو كفرٌ بكم(٢)».
قال ابنُ بَطّالٍ: ليس معنى هذَينِ الحديثَينِ أنَّ مَن اشتَهَرَ بالنّسبة إلى غير أبيه أن يَدخُلَ في
الوعيدِ كالمِقِدادِ بن الأسود، وإنَّما المراد به مَن تَحوَّلَ عن نِسَتِه لأبيه إلى غير أبيه عالماً عامداً مُتاراً،
وكانوا في الجاهليَّة لا يَسْتَنكِرِونَ أن يَتَبَّى الرجلُ ولدَ غيره، ويصيرَ الولدُ يُنسَب إلى الذي تَبَنّاه
(١) في ((الأوسط)) برقم (٢٨١٨) و(٨٥٧٥) من حديث أبي بكر مرفوعاً، بإسنادين ضعيفين، وكذا أخرجه
الدارمي (٢٨٦٣).
وأخرجه الدارمي (٢٨٦١) من حديث أبي بكر قوله، وإسناده صحيح. قال الدار قطني في ((العلل)) ١/ ٢٥٤:
والموقوف أشبه بالصواب، وانظر تعليقنا على ((مسند أحمد)) (٧٠١٩).
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: ((بربكم)).

٣٩٨
باب ٣٠ / ح ٦٧٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
حتَّى نزلَ قولُه تعالى: ﴿ آدْعُوهُمْ لَبَآِهِمْ هُوَ أَفْسَطُ عِندَ اللَّهِ ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقولُه سبحانه
وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فنُسِبَ كلّ واحدٍ منهم إلى أبيه الحقيقيِّ،
وتُركَ الانتسابَ إلى مَن تَبَّاه، لكن بَقِيَ بعضُهم مشهوراً بمَن تَبَنّاه، فيُذكَرُ به لِقَصْدِ التَّعريفِ لا
لقصدِ النَّسَبِ الحقيقيِّ كالمِقِدادِ بن الأسود، وليس الأسودُ أباه، وإنَّما كان تَبَنّاه، واسم أبيه
الحقيقيّ: عَمْرو بن ثَعْلبة بن مالك بن ربيعة البَهرانيّ، وكان أبوه حَليف كِندة، فقيلَ له: الكنديّ،
ثمَّ حالَفَ هو الأسود بن عبد يَغُوث الزُّهْرِيّ فتَبنَّى المِقِدادَ، فقيلَ له: ابن الأسود. انتهى مُلخَّصاً
موضّحاً.
قال: وليس المراد بالكُفرِ حقيقةُ الكُفرِ التي يَخَلُّدُ صاحبُها في النار، ويَسَطَ القول في ذلك،
وقد تقدَّم توجيهُه في مناقبٍ قُريش (٣٥٠٨)، وفي كتاب الإيمان في أوائل الكتاب (٤٨). وقال
بعض الشُّرَاحِ: سَببُ إطلاق الكُفر هنا أنَّه كذَبَ على الله، كأنَّه يقول: خَلَقَني الله من ماء فلانٍ،
وليس كذلك، لأَنَّه إنَّمَا خَلَقَه من غيره.
واستُدِلَّ به على أنَّ قوله في الحديث الماضي قريباً: ((ابنُ أُختِ القوم من أنفُسِهم)) (٦٧٦٢)
و («مولى القومِ من أنفُسِهم)) (٦٧٦١) ليس على عُمومه، إذلو كان على عُمومِه لَجَازَ أن يُنسَبَ إلى
خاله مثلاً، وكان مُعارِضاً لحديثِ الباب المصَرِّح بالوعيدِ الشَّديد لِمَن فعل ذلك، فعُرِفَ أنَّه
خاصٌّ، والمراد به أنَّه منهم في الشَّفَقة والبِرِّ والمُعاونة، ونحوِ ذلك.
٣٠- باب إذا ادّعتِ المرأةُ ابناً
٦٧٦٩ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، قال: حدَّثنا أبو الزّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ، عن
أبي هريرةَ عُ، أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((كانتِ امرأتانِ معَهما ابناهُما، جاء الذِّتْبُ فذَهَب بابنِ
إحداهما، فقالت لصاحبَتِها: إنَّما ذَهَب بابنِكِ، وقالت الأُخرى: إِنَّمَا ذَهَب بابنِكِ، فتَحاكَمَتا إلى
داودَ عليه السلام، فقَضَى به للْكُبْرِى، فخَرَجَتا على سليمانَ بنِ داودَ عليهما السَّلام فأخبَرَ تاهُ،
فقال: اثْتوني بالسِّكِّينِ أَشُقُّه بينَهما، فقالتِ الصُّغْرَى: لا تَفْعَل يَرِحُكَ الله، هو ابنُها، فقَضَی به
للصُّغْرَى)».

٣٩٩
باب ٣٠ / ح ٦٧٦٩
كتاب الفرائض
قال أبو هريرةَ: والله إنْ سمعتُ بالسِّكِّينِ قَطُّ إلّا يومَئذٍ، وما كنّاً نقولُ إلَّا: المُدْيَّةَ.
قوله: ((باب إذا اذَّعَتِ المرأةُ ابناً)) ذَكَر قصَّة المرأتينِ اللَّتَينِ كان مع كلٍّ منهما ابنٌ فأخَذَ
الذِّئبُ أحدَهما،/ فاختَلَفَتَا في أيِّهما الذّاهبُ، فَتَحاكَمَتا إلى داودَ، وفيه حُكم سليمانَ، وقد ٥٦/١٢
مضى شرحُه مُستَوفَّى في ترجمة سليمان من أحاديث الأنبياء (٣٤٢٧).
قال ابن بَطّال: أجمعوا على أنَّ الأُمَّ لا تَستَلحِقُ بالَّوج ما يُنكِرُه، فإن أقامَتِ البَِّةَ قُبِلَت
حيثُ تكون في عِصمَتِه، فلو لم تكن ذاتَ زوجٍ وقالت لِمَن لا يُعرَفُ له أبٌّ: هذا ابني، ولم
يُنازِعْها فيه أحدٌ فإنَّه يُعمَلُ بقولها، وتَرِثُه ويَرِثُها ويَرِثُه إخوتُه لأُمِّه، ونازَعَه ابن التِّين فحكى عن
ابن القاسم: لا يُقبَلُ قولها إذا ادَّعَتِ اللَّقيطَ.
وقد استنبَطَ النَّسائيُّ في ((السُّنَن الكُبرَى)) من هذا الحديث أشياءَ نفيسةً، فَتَرجَمَ: ((نَقْضُ
الحاكمِ ما حَكَمَ به غيرُهُ مَمَّن هو مِثْلُه أو أجَلُّ، إذا اقتَضَى الأمرُ ذلك)) ثمَّ ساقَ الحديث (٥٩٢١)
من طريق عليّ بن عيَّاش عن شُعَيب بسندِه المذكور هنا، وصَرَّحَ فيه بالتَّحديثِ بين أبي الزِّناد
وبين الأعرَج وأبي هريرة، وساقَ الحديث نحوَ أبي اليَمَان.
وتَرجَمَ أيضاً: ((الحُكْمُ بخِلَاف ما يَعتَرِف به المحكومُ له إذا تَبيَّن للحاكم أنَّ الحقّ غيرُ
ما اعتَرَفَ به))، وساقَ الحديث (٥٩٢٠) من طريق مِسْكين بن بُكَير عن شُعَيب وفيه:
((فقال: اقطَعوه نصفَينٍ: لهذه نصيبٌ ولهذه نصيب(١)، فقالت الكُبرَى: نعم اقطَعوه، فقالت
الصُّغْرَى: لا تَقطَعوه هو ولدُها، فقَضَى به للَّتي أبت أن تَقطَعَه)) فأشارَ إلى قول الصُّغَرَى:
((هو ولدُها))، ولم يعمل سليمانُ بهذا الإقرار، بل قَضَى به لها مع إقرارها بأنَّه لصاحبَتِها،
وتَرجَمَ له: ((التَّوسِعةُ للحاكمِ أن يقول للشَّيءِ الذي لا يفعله: أَفعَل، ليَستَبين له الحقّ)» (٥٩١٩)،
وساقَه من طريق محمّد بن عَجْلان عن أبي الزّناد وفيه: ((فقال: ائتوني بالسِّكّينِ أشُقُّ الغلامَ
بينهما، فقالت الصُّغرَى: أتشُقُّه؟ فقال: نعم، فقالت: لا تَفعَل، حَظّي منه لها))، وقد أخرجه
مسلمٌ (١٧٢٠/ ٢٠) من طريق أبي الزِّناد ولم يَسُقْ لفظَه، بل أحالَ به على رواية وَرْقاءَ عن أبي
(١) كذا في الأصلين، ووقع في (س) و((السنن الكبرى)): ((لهذه نصف ولهذه نصف)).

٤٠٠
باب ٣١ / ح ٦٧٧٠ -٦٧٧١
فتح الباري بشرح البخاري
الزِّناد، وقد ذكرت ما فيها في ترجمة سليمان (٣٤٢٧). ثمَّ تَرجَمَ: ((الفَهم في القضاء والتدبُّر
فيه، والحُكم بالاستدلال)) (٥٩١٨) ثمَّ ساقَه من طريق بَشير بن نَهِيك عن أبي هريرة،
وذكر الحديث مختصراً، وقال في آخره: ((فقال سليمان - يعني للكُبِرَى -: لو كان ابنَك لم
تَرضَيْ أن يُقْطَعَ)).
٣١ - باب القائف
٦٧٧٠- حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ
رضي الله عنها، قالت: إنَّ رسولَ اللهِ وَ لَدَخَلَ عليَّ مَسروراً تَبُْقُ أساريرُ وَجْهِه، فقال: ((أَلَمْ
تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزاً نَظَرَ آنِفاً إلى زيدِ بنِ حارثةَ وأُسامةَ بنِ زيدٍ، فقال: إنَّ هذه الأقدامَ بعضُها من
بعضٍ؟».
٦٧٧١- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوَ، عن عائشةَ،
قالت: دَخَلَ عليَّ رسولُ اللهِوَ لَ ذاتَ يومٍ وهو مسرورٌ، فقال: ((يا عائشةُ، ألم تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزاً
المدْلِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأى أسامةَ وزيداً وعليهما قَطِيفةٌ قد غَطّيا رؤوسَهُما، وبَدَت أقدامُهما، فقال:
إنَّ هذه الأقدامَ بعضُها من بعضٍ!».
قوله: ((بابُ القائفِ)) هو الذي يَعرِفِ الشَّبَهَ ويُميِّزُ الأثرَ، سُمّيَ بذلك لأنَّه يَقْفُو الأشياءَ،
أي: يَتْبَعُها، فكأنَّه مقلوبٌ من القافي، قال الأصمعيّ: هو الذي يَقْفُو الأثرَ، ويَقْتَافُه قَفْواً وقِيافةً،
والجمع: القافَةُ، كذا وَقَعَ في (الغريبينِ)) و((النِّهاية)).
قوله في الطريق الثانية: ((عن الزُّهْريّ)) في رواية الحميديّ (٢٣٩) عن سفيان: حدَّثنا
الزُّهْريّ، أخرجه أبو نُعَیم.
قوله: ((دَخَلَ عليَّ مسروراً تَبرُقُ أساريرُ وَجْهِه)) تقدَّم شرحُه في صِفَة النبيِّ وَلِّ (٣٥٥٥).
٥٧/١٢ قوله: ((فقال: أَلَمْ تَرَيْ إلى مُجَزِّز))/ في الرِّواية التي بعدها: ((ألم تَرَي أنَّ مُجَزِّزاً))، والمراد من
الرُّؤية هنا: الإخبارُ أو العلم، ومضى في مناقب زيد(١) من طريق ابن عُيَينةَ عن الزُّهْريّ:
(١) بل في باب صفة النبي ◌ُّ﴾ (٣٥٥٥) من طريق ابن جريج عن ابن شهاب.