Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب ٩ / ح ٦٧٢٠
كتاب كفارات الأيمان
وسَقَطَ لفظ: ((والله)) من نُسخة ابن المنيِّر فاعتُرِضَ بأَنَّه ليس/ في حديث أبي موسى يمينٌ، ٦٠٥/١١
وليس كما ظنَّ بل هي ثابتة في الأُصول.
وإنَّما أراد البخاريّ بإيرادِه بيان صيغة الاستثناء بالمشيئة، وأشارَ أبو موسى المدينيّ في
الكتاب المذكور إلى أنَّه وَ له قالها لِلتَبرُّكِ لا لِلاستثناءِ وهو خِلَاف الظّاهر.
قوله: ((إلّا كَفَّرْت عن يميني وأتيتُ الذي خير وكَفَّرْت)» كذا وَقَعَ لفظ: ((وكَفَّرت))
مُكرَّراً في رواية السَّرَخْسيِّ.
قوله: ((حدَّثنا أبو النُّعْمان)) هو محمَّد بن الفضل، وحَمَّادٌ أيضاً: هو ابن زيدٍ.
قوله: ((وقال: إلّا كَفَّرْت)) يعني: ساقَ الحديث كلّه بالإسناد المذكور، ولكنَّه قال:
((كَفَّرت عن يميني وأتيت الذي هو خير، أو أتيت الذي هو خير وكَفَّرت)) فزاد فيه التردُّدَ
في تقديم الكفَّارة وتأخيرها، وكذا أخرجه أبو داود (٣٢٧٦) عن سليمان بن حَرْب عن
حمّاد بن زيد بالتَّرديدِ فيه أيضاً.
٦٧٢٠ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا سفيانُ، عن هشامِ بنِ حُجَيرٍ، عن طاووسٍ، سمعَ أبا
هريرةَ، قال: قال سليمانُ: لأطوفَنَّ اللَّيلةَ على تسعينَ امرأةً، كلٌّ تَلِدُ غلاماً يقاتلُ في سبيلِ الله،
فقال له صاحبُه ـ قال سفيانُ، يعني: الملَكَ - قلْ: إن شاء اللهُ، فتَسِيَ، فطافَ بِهِنَّ فلم تَأْتِ امرأةٌ
منهنَّ بوَلَدٍ، إلا واحدةٌ بشِقٌّ غلامٍ)) فقال أبو هريرةَ يَرْوِيِهِ: ((قال: لو قال: إن شاء اللهُ لم يَحْنَث،
وكان دَرَكاً في حاجَتِهِ».
وقال مرَّةً: قال رسولُ الله وَّةِ: ((لَوِ استَثْنِى)).
وحدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، مِثلَ حديثٍ أبي هريرةَ.
ثمَّ ذكر البخاريّ حديث أبي هريرة في قصَّة سليمان وفيه: ((فقال له صاحبه: قل إن شاء الله
فَتَسِيَ)) وفيه: قال رسول الله وَّه: ((لو قال: إن شاء الله)) قال: وقال مرَّةً: ((لو استَثْنَى)).
وقد استَدَلَّ به مَن جَوَّزَ الاستثناء بعد انفصال اليمين بزَمَنٍ يسيرٍ کما تقدَّم تفصیلُه.
وأجابَ القُرطُبيّ عن ذلك بأنَّ يمين سليمان طالَت كلماتُها، فيجوز أن يكون قول صاحبه

٢٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
له: ((قُل إن شاء الله)) وَقَعَ في أثنائه فلا يَبْقَى فيه حُجّة، ولو عَقَّبَه بالرِّواية بالفاءِ فلا يَبقَى
الاحتمال.
وقال ابن التِّين: ليس الاستثناء في قصَّة سليمان الذي يَرفَع حُكم اليمين ويَحُلّ عَقْده،
وإنَّما هو بمعنى الإقرار لله بالمشيئة والتَّسليم لِحُكمِه، فهو نحو قوله: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ
إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، وقال أبو موسى في كتابه
المذكور نحوَ ذلك، ثمَّ قال بعد ذلك: وإنَّما أخرج مسلم من رواية عبد الرَّزاق عن مَعمَر
عن عبد الله بن طاووسٍ عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ رسول الله وَ لَ قال: ((مَن حَلَفَ فقال:
إن شاء الله لم يحنَث)).
كذا قال: وليس هو عند مسلم بهذا اللَّفظ، وإنَّما أخرج قصَّة سليمان (١٦٥٤/ ٢٣) وفي
آخره: «لو قال: إن شاء الله لم يَحَنَث))، نعم أخرجه التِّرمِذيّ (١٥٣٢) والنَّسائيُّ (٣٨٥٦)
من هذا الوجه بلفظ ((مَن قال ... )) إلى آخره، قال التِّرمِذيّ: سألت محمَّداً عنه فقال: هذا
خطأٌ، أخطأ فيه عبد الرَّزّاق فاختَصَرَه من حديث مَعمَر بهذا الإسناد في قصَّة سليمانَ بنِ
داود(١).
قلت: وقد أخرجه البخاريّ في كتاب النِّكاح (٥٢٤٢) عن محمود بن غَيْلان عن
عبد الرَّزّاق بتمامه، وأشرتُ إلى ما فيه من فائدة(٣)، وكذا أخرجه مسلم (٢٤/١٦٥٤).
(١) وهذا يردُّه أوّلاً: ما وقع في ((مسند أحمد)» (٨٠٨٨)، فقد أخرجه عن عبد الرزاق عن معمر بإسناد حديث
الترمذي (١٥٣٢) ومتنه مختصراً، وفي آخره: ((قال عبد الرزاق: هو اختصره؛ يعني: معمراً) وهذا ينفي قول
البخاري من أن عبد الرزاق اختصره من حديث معمر. وثانياً: إن البخاري أخرجه فيما سلف في النكاح
(٥٢٤٢) عن محمود - وهو ابن غيلان - عند عبد الرزاق عن معمر تامّاً، وهذا ينفي قول عبد الرزاق أيضاً من
أنَّ معمراً اختصره. وفي هذا قال الشيخ العلامة أحمد شاكر في تعليقه على حديث الترمذي (١٥٣٢): وقد
أخطأ عبد الرزاق وأخطأ البخاري تبعاً له في تعليل هذا الحديث، والزعم بأنه اختصار من قصة سليمان، لأن
الحديثين مختلفا المعنى تماماً وإن تشابهت بعض الألفاظ فيهما.
(٢) إنما تعرّض له في الموضع المذكور باختصار، وليس فيه ما ذكر، وأحال بقيّة شرحه إلى ما سلف في أحاديث
الأنبياء (٣٤٢٤)، وإلى هذا الموضع!

٢٦٣
باب ٩ / ح ٦٧٢٠
كتاب كفارات الأيمان
وقد اعتَرَضَ ابن العربيّ بأنَّ ما جاء به عبد الرَّزّاق في هذه الرِّواية لا يُناقض غيرها،
لأنَّ ألفاظ الحديث تختلف باختلاف أقوال النبيِّ وَّهِ فِي التَّعبير عنها لِتَبَيُّنِ الأحكام
بألفاظٍ، أي: فيُخاطِب كلّ قوم بما يكون أوصَلَ لأفهامهم، وإمّا بنَقلِ الحديث على المعنى
على أحد القولينِ.
وأجابَ شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): بأنَّ الذي جاء به عبد الرَّزّاق في هذه الرّواية ليس وافياً
بالمعنى الذي تَضَمَّتَتَه الرِّواية التي اختَصَرَه منها، فإنَّه لا يَلزَم من قوله ◌َّ: ((لو قال سليمان إن
شاء الله لم يَجِنَث)) أن يكون الحُكم كذلك في حَقّ كلّ أحد غير سليمان، وشرط الرِّواية بالمعنى
عَدَمِ التَّخالُف، وهُنا تَخْلُف بالخُصوصِ والعُموم.
قلت: وإذا كان مَخَرَج الحديث واحداً فالأصل عَدَم التعدُّد، لكن قد جاء لِرواية
عبد الرَّزّاق المختصرة شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) الأربعة(١)،
وحَسَّنَهَ التِّرمِذيّ وصَخَّحَه الحاكم (٣٠٣/٤) من طريق عبد الوارث عن أيوب - وهو
السَّختيانيّ - عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: «مَن حَلَفَ على يمين فقال: إن شاء الله فلا
حِنْثَ عليه)) قال التِّرمِذيّ: رواه غير واحد عن نافع موقوفاً، وكذا رواه سالم بن عبد الله بن
عمر عن أبيه، ولا نعلم أحداً رَفَعَه غير أيوب. وقال إسماعيل بن إبراهيم: كان أيوب
أحياناً يَرِفَعُه وأحياناً لا يَرفَعُه.
وذكر في ((العِلَل)) أنَّه سألَ محمَّداً عنه فقال: أصحاب نافع رَووه موقوفاً إلّا أيوبَ،
ويقولون: إنَّ أيوبَ في آخر الأمر وقَفَه.
وأسنَدَ البيهقيُّ (٦٠٦/١١) عن حَمَّاد بن زيد قال: كان أيوب يَرفَعه ثمَّ تَرَكَه. وذكر البيهقيُّ
أنَّه جاء من رواية / أيوب بن موسى وكثير بن فَرَقَد وموسى بن عُقْبة وعبد الله العُمَريّ المكبَّر ٦٠٦/١١
وأبي عَمْرو بن العلاء وحسَّان بن عَطيَّة كلّهم عن نافع مرفوعاً، انتهى.
ورواية أيوب بن موسى أخرجها ابن حِبّان في («صحيحه)) (٤٣٣٩ و٤٣٤٠ و٤٣٤٢)،
(١) أبو داود (٣٢٦١) و(٣٢٦٢)، والترمذي (١٥٣١)، وابن ماجه (٢١٠٥)، والنسائي (٣٨٢٨).

٢٦٤
باب ٩ / ح ٦٧٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
ورواية كثير أخرجها النَّسائيُّ (٣٧٩٣) والحاكم في ((مُستَدرَكه)) (٣٠٣/٤).
ورواية موسى بن عُقْبة أخرجها ابن عَديّ (٨٦/٣) في ترجمة داود بن عطاء أحد الضُّعَفاء
عنه، وكذا أخرج رواية أبي عَمْرو بن العلاء.
وأخرج البيهقيُّ رواية حسَّان بن عَطيَّة ورواية العمريّ.
وأخرجه ابن أبي شَيْبة وسعيد بن منصور والبيهقيُّ (٤٦/١٠) من طريق مالك وغيره
عن نافع موقوفاً.
وكذا أخرج سعيد والبيهقيُّ من طريقه رواية سالم، والله أعلم.
وتَعقَّبَ بعض الشُّرّاح كلام التِّرمِذيّ في قوله: ((لم يَرفَعه غيرَ أيوبَ)) وكذا: رواه سالم عن
أبيه موقوفاً، قال شيخنا: قلت: قد رواه هو من طريق موسى بن عُقْبة مرفوعاً ولفظه: ((مَن
حَلَفَ على يمين فاستَثَنَى على أثره، ثمَّ لم يفعل ما قال لم يَحِنَث)) انتهى، ولم أرَ هذا في التِّرمِذيّ،
ولا ذكره المِّيُّ في ترجمة موسى بن عُقْبة عن نافع في ((الأطراف)).
وقد جَزَمَ جماعة أنَّ سليمان عليه السلام كان قد حَلَفَ كما سأُبَيِّنُهُ، والحقّ أنَّ مُراد البخاريِّ
من إيراد قصَّة سليمان في هذا الباب أن يُبيِّنَ أنَّ الاستثناء في اليمين يقع بصيغة ((إن شاء الله)) فذكر
حديث أبي موسى المصرِّح بذِكْرها مع اليمين، ثمَّ ذكر قصَّة سليمان لمَجيءٍ قوله ◌ِّ فيها تارةً
بلفظ: ((لو قال إن شاء الله))، وتارةً بلفظ: (لو استَثَنَى))، فأطلقَ على لفظ: ((إن شاء الله)) أنَّه
استثناء، فلا يُعتَرَض عليه بأنَّه ليس في قصَّة سليمان يمينٌ.
وقال ابن المنّيِّر في ((الحاشية)): وكأنَّ البخاريّ يقول: إذا استُثنيَ من الأخبار فكيف لا
يُستَثَنَى من الأخبار المؤَكَّد بالقَسَمِ، وهو أحوج في التَّفويض إلى المشيئة.
قوله: ((عن هشام بن حُجَير)) بمُهمَلةٍ ثمَّ جيمٍ مُصغَّرٌ: هو المكِّيّ، ووَقَعَ في رواية الحميديِّ
(١١٧٥) عن سفيان بن عُيَينةَ: حدَّثنا هشام بن حُجَیر.
قوله: (لَأَطُوفَنَّ)) اللّام جواب القَسَم كأنَّه قال مثلاً: والله لَأَطُوفَنَّ، ويُرشِد إليه ذِكْر
الحِنث في قوله: ((لم يَحِنَث)) لأنَّ ◌ُبوته ونفيَه يدلُّ على سَبْق اليمين.

٢٦٥
باب ٩ / ح ٦٧٢٠
كتاب كفارات الأيمان
وقال بعضهم: اللام ابتدائيَّة، والمراد بعَدَمِ الحِنثِ: وُقوعُ ما أرادَ، وقد مَشَى ابن المنذر على
هذا في كتابه الكبير فقال: ((باب استحباب الاستثناء في غير اليمين لمن قال: سَأَفعَلُ كذا)) وساقَ
هذا الحديث، وجَزَمَ النَّوويّ بأنَّ الذي جَرَى مِنه ليس بيمينٍ، لأنَّه ليس في الحديث تصريحٌ
بيمينٍ، كذا قال، وقد ثَبَتَ ذلك في بعض طرق الحديث(١).
واختُلِفَ في الذي حَلَفَ عليه هل هو جميع ما ذُكِرَ أو دورانُه على النِّساء فقط دونَ ما بعدَه
من الحمل والوضع وغيرهما، والثّاني أوجَه، لأنَّه الذي يَقدِر عليه، بخلاف ما بعده فإنَّه ليس
إليه، وإنَّما هو مُجَّد تَمنّي حُصولِ ما يَسْتَلِزِمِ جَلْبَ الخيرِ له، وإلّا فلو كان حَلَفَ على جميع ذلك لم
يكن إلّا بوحيٍ، ولو كان بوحي لم يَتَخَلَّف، ولو كان بغير وحِي لَزِمَ أنَّه حَلَفَ على غير مَقدور
له وذلك لا يَلیق بجنابِه.
قلت: وما المانع من جواز ذلك ويكون لِشِدّة وُثوقِه بحُصُولِ مقصودِهِ وجَزَمَ بذلك وأكَّدَهُ
بالحَلِف، فقد ثَبَتَ في الحديث الصَّحيح: ((إنَّ من عباد الله مَن لو أقسَمَ على الله لَأَبَرَّه)) وقد مضى
شرحُه في غزوة أُحُدٍ(٢).
قوله: (تسعينَ)) تقدَّم بيان الاختلاف في العَدَد المذكور في ترجمة سليمان عليه السلام من
أحاديث الأنبياء (٣٤٢٤)، وذكر أبو موسى المدينيّ في كتابه المذكور أنَّ في بعض نُسَخ مسلم
عَقِبَ قصَّة سليمان هذا الاختلاف في هذا العَدَد، وليس هو من قول النبيّ وَِّ وإنَّما هو من
الناقلينَ.
ونَقَلَ الكِرْمانيُّ أنَّه ليس في ((الصَّحيح)) أكثر اختلافاً في العَدَد من هذه القصَّة.
قلت: وغابَ عن هذا القائل حديث جابر في قَدر ثَمَن الجَمَل وقد مضی بیان الاختلاف
فيه في الشُّروط (٢٧١٨).
(١) كما في طريقي الأعرج وطاووس عن أبي هريرة، أخرجهما الحميدي في ((مسنده)) (١٢٠٨) و(١٢٠٩)،
وأبو عوانة (٥٩٩٩) و(٦٠٠٠)، وابن حبان (٤٣٣٨) بلفظ: ((حلف سليمان بن داود ليطوفنَّ ... ))
الحديث.
(٢) بل مضى شرحه في الأيمان والنذور (٦٦٥٧)، والله أعلم.

٢٦٦
باب ٩ / ح ٦٧٢٠
فتح الباري بشرح البخاري
وتقدَّم جواب النَّوويّ ومَن وافَقَه في الجواب عن اختلاف العَدَد في قصَّة سليمان بأنَّ
٦٠٧/١١ مفهوم العَدَد ليس بحُجّة عند الجمهور، فذِكْر القليل لا يَنفي ذِكْر / الكثير.
وقد تُعقّبَ بأنَّ الشافعيّ نَصَّ على أنَّ مفهوم العَدَد حُجّة، وجَزَمَ بنَقلِه عنه الشَّيخ أبو
حامد والماورديّ وغيرهما، ولكنَّ شرطه أن لا يُخْالفَه المنطوقُ.
قلت: والذي يظهر مع كون تَخَرَج الحديث عن أبي هريرة واختلاف الرُّواة عنه أنَّ الحُكم
لزّائِدِ لأنَّ الجميع ثقاتٌ، وتقدَّم هناك توجيه آخر.
قوله: (تَلِد)» فيه حذفٍ تقديره: فتَعلَق فَتَحمِل فتَلِد، وكذا في قوله: ((يقاتل)) تقديره:
فيَنشَأ فيَتَعَلَّم الفُروسيَّة فيقاتل، وساغَ الحذف لأنَّ كلّ فِعل منها مُسَبَّب عن الذي قبله،
وسببُ السَّبَبِ سببٌ.
قوله: ((فقال له صاحبه - قال سُفْيان: يعني المَلَك )) هكذا فَسَّرَ سفيان بن عُبَينَةَ في هذه الرّواية
أنَّ صاحب سليمانَ الملَكُ، وتقدَّم في النِّكاح (٥٢٤٢) من وجه آخر الجزم بأنَّه الملَك.
قوله: ((فَتَسِيَ)) زاد في النِّكاح: ((فلم يَقُل))(١)، قيل: الحكمة في ذلك أنَّه صُرِفَ عن الاستثناء
لِسَابِقِ القَدَرِ، وأبعَدَ مَن قال: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، والتَّقدير: فلم يَقُل: إن شاء الله، فقيلَ له
قل: إن شاء الله، وهذا إن كان سَبُهُ أنَّ قوله: ((فَسِيَ)) يُغني عن قوله: فلم يَقُل، فكذا يقال: إنَّ
قوله: ((فقال له صاحبه: قل إن شاء الله)) فيَستَلِزِم أنَّه كان لم يَقُلها، فالأَولِى عَدَم ادِّعاء التَّقديم
والتَّأخير، ومن هنا يَتَبَّن أنَّ تجويز مَنِ اذَّعَى أَنَّه تَعَمَّدَ الحِنث مع كَونه معصيةً لِكَونِها صغيرةً لا
يُؤَاخَذُ بها، لم يُصِبْ دَعوَى ولا دليلاً.
وقال القُرطُبيّ: قوله ((فلم يَقُل)) أي: لم يَنطِق بلفظ: إن شاء الله بلسانه، وليس المراد أنَّه غَفَلَ
عن التَّفويض إلى الله بقلبِهِ، والتَّحقيق أنَّ اعتقاد التَّفويض مُستَمِرٌّ له، لكنَّ المراد بقوله: ((فَسَيَ))
أَنَّه نَسِيَ أن يَقصِد الاستثناءَ الذي يَرفَع حُكمَ اليمين، ففيه تَعقُّبٌ على مَن استَدَلَّ به لاشتِراطِ
النُّطْق في الاستثناء.
(١) أي: قبل هذا القول، يعني: فلم يَقُل ونسي.

٢٦٧
باب ٩ / ح ٦٧٢٠
كتاب كفارات الأيمان
قوله: ((فقال أبو هريرة)) هو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور أوَّلاً.
قوله: ((پرویهِ)) هو کِنایةٌ عن رفع الحدیث، وهو کما لو قال مثلاً: قال رسول الله
وقد وَقَعَ في رواية الحميديِّ التَّصريح بذلك ولفظه: قال رسول الله وَّةِ، وكذا أخرجه
مسلم (١٦٥٤/ ٢٣) عن ابن أبي عمر عن سفيان.
قوله: (لو قال: إن شاء الله، لم يَحْنَث)) تقدَّم المراد بمعنى الحِنْث، وقد قيل: هو خاصٌّ
بسليمانَ عليه السلام، وأنَّه لو قال في هذه الواقعة: إن شاء الله حَصَلَ مقصودُه، ولیس
المراد أنَّ كلّ مَن قالها وَقَعَ ما أرادَ، ويُؤْيِّد ذلك أنَّ موسى عليه السلام قالها عندَما وعَدَ
الخَضِرَ أنَّه يَصبِرِ عَّا يراه مِنه، ولا يسأله عنه، ومع ذلك فلم يَصبِرِ كما أشارَ إلى ذلك في
الحديث الصَّحيح: ((رَحِمَ الله موسى، لَودِدنا لو صَبَرَ حتَّى يَقُصَّ الله علينا من أمرهما))
وقد مضى ذلك مبسوطاً في تفسير سورة الكَهْف(١)، وقد قالها الذَّبيحُ، فوَقَعَ ما ذُكِرَ في قوله
عليه السلام: ﴿سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللهُ مِنَ الصَِّينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فصَبَرَ حتَّى فداه الله
بالذِّبح، وقد سُئلَ بعضهم عن الفَرق بين الكَليم والذَّبيح في ذلك، فأشارَ إلى أنَّ الذَّبيح
بالَغَ في التَّواضُع في قوله: ﴿مِنَ الصَِّينَ﴾ حيثُ جَعَلَ نفسَه واحداً من جماعةٍ، فَرَزَقَه الله
الصَّبرَ.
قلت: وقد وَقَعَ لموسى عليه السلام أيضاً نَظيرُ ذلك مع شُعَيب حيثُ قال له: ﴿سَتَجِدُنِىّ
إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] فَرَزَقَه الله ذلك.
قوله: ((وكان دَرَكاً)) بفتح المهمَلة والرّاء (٢)، أي: لَاقاً، يقال: أدرَكَه إدراكاً ودَرَكاً، وهو
تأكيد لقوله: ((لم يحنَث)).
قوله: ((قال: وحدَّثنا أبو الزِّناد)) القائل هو سفيان بن عيينةً، وقد أفصحَ به مسلم في روايته
(١) تحرَّف في (س) إلى: طه.
(٢) ويقال بتسكين الراء أيضاً، ومنه قوله وَ له: ((أعوذ بك من دَرْك الشَّقاء)) أخرجه البخاري (٦٣٤٧) وقال الحافظ
في شرحه له: بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز سكون الراء: وهو الإدراك واللَّحاق. وانظر ((عمدة القاري)»
٢٢٥/٢٣، و((النهاية في غريب الحديث)) و((اللسان)) (درك).

٢٦٨
باب ١٠ / ح ٦٧٢١
فتح الباري بشرح البخاري
(٢٣/١٦٥٤)، وهو موصول بالسَّنَدِ الأوَّل أيضاً، وفَرَّقَه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق
الحميديِّ عن سفيان بهما.
قوله: ((مِثْل حديث أبي هريرة)) أي: الذي ساقَه من طريق طاووسٍ عنه. والحاصل أنَّ لِسفيانَ
فيه سندَينِ إلى أبي هريرة: هشام عن طاووسٍ، وأبو الزِّناد عن الأعرج.
ووَقَعَ في رواية مسلم (١٦٥٤) بَدَل قوله: مِثل حديث أبي هريرة، بلفظ: عن الأعرج
عن أبي هريرة عن النبيّ وَ ل﴿ مِثْلَه أو نحوَه. ويُستَفاد مِنه نَفيُ احتمال الإرسال في سياق
البخاريّ لِكَونِهِ اقتَصَرَ على قوله: عن الأعرَج مِثلَ حديث أبي هريرة، ويُستَفاد مِنه أيضاً
٦٠٨/١١ احتمال المغايرة بين الرِّوايتَينِ في / السِّياق لقولِه: مِثلَه أو نحوَه. وهو كذلك، فبين الرِّوايتَينِ
مُغايرةٌ في مواضع تقدَّم بيانُها عند شرحه في أحاديث الأنبياء (٣٤٢٤)، وبالله التَّوفيق.
١٠ - باب الكفّارة قبل الحِنْث وبعدَه
٦٧٢١ - حدَّثنا عليٌّ بنُ حُجْرٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن أيوبَ، عن القاسمِ
التَّمِيمِيِّ، عن زَهْدَمِ الجَرْمِيِّ، قال: كنَّا عندَ أبي موسى، وكان بيننا وبينَ هذا الحيِّ من جَرْمِ
إخاءٌ ومَعْروفٌ، قال: فَقُدِّمَ طَعامُه، قال: وقُدِّمَ في طعامِه لحمُ دَجاجٍ، قال: وفي القومِ رجلٌ من
بني تَيمِ الله أحمرُ كأَنَّه مَوْلَّى، قال: فلم يَدْنُ، فقال له أبو موسى: ادْنُ، فإنّ قد رأيتُ رسولَ الله وَيّ
يأكلُ منه، قال: إنّ رأيتُه يأكلُ شيئاً قَذِرْتُه، فحَلَفْتُ أن لا أطْعَمَه أبداً، فقال: اذْنُ، أُخْبِكَ عن
ذلك، أتينا رسولَ الله وَِّ فِي رَهْطٍ منَ الأشعَرِيِّينَ أستَحمِلُه وهو يَقْسِمُ نَعَماً من نَعَمِ الصَّدَقةِ -
قال أيوبُ: أحسِبُه قال: وهو غَضْبانُ - قال: ((والله لا أَحِلُكُم، وما عندي ما أحمِلُكم)) قال:
فانطَلَقْنا.
فأُتِيَ رسولُ الله وَّه بِنَهْبِ إِبلِ، فِقِيلَ: ((أينَ هُؤُلاءِ الأشعَرِيّونَ؟)) فأتينا فأمَرَ لنا بخمسٍ
ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى، قال: فاندَفَعْنا، فقلتُ لأصحابي: أتينا رسولَ الله وَّ نَسْتَحمِلُهُ فَحَلَفَ أن لا
تَحْمِلَنا، ثمَّ أرسَلَ إِلينا فحَمَلَنا، نَسِيَ رسولُ اللهِ وَّهِ يَمِينَه، والله لَئِن تَغَفَّلْنا رسولَ اللهِنَّهِ يَمِينَه
لا نُفْلِحُ أبداً! ارجِعوا بنا إلى رسولِ اللهِ وَّةِ فَلْنُذَكِّرْهُ يَمِينَه، فَرَجَعْنا فقُلْنا: يا رسولَ الله، أتيناكَ

٢٦٩
باب ١٠ / ح ٦٧٢١- ٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
نَسْتَحمِلُكَ فَحَلَفْتَ أن لا تَحمِلَنا، ثمَّ ◌َلْتَنَا، فَظَنَّا أو فعَرَفْنَا أَنَّكَ نَسِيتَ يَمِينَكَ، قال:
((انطَلِقوا، فإِنَّا حَلَكُمُ اللهُ، إنّ والله، إن شاء اللهُ لا أحلِفُ على يَمِينٍ فأرَى غيرَها خيراً منها، إلا
أتيتُ الذي هو خيرٌ، وَلَّلْتُها)).
تابَعَه حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ والقاسمِ بنِ عاصمِ الكُلَبِيِّ.
حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ والقاسمِ التَّمِيمِيِّ، عن زَهْدَمِ،
بهذا.
حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حذَّثنا عبدُ الوارثِ، حَدَّثنا أيوبُ، عن القاسمِ، عن زَهْدَمٍ، بهذا.
٦٧٢٢ - حدَّثَني محمَّدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عمرَ بنِ فارسٍ، أخبرنا ابنُ عَوْنٍ، عن
الحسنِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرةَ، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((لا تسألِ الإمارةَ، فإنَّكَ إن أُعْطِيتَها
من غيرِ مَسْألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإن أُعْطِيتَها عن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إليها، وإذا حَلَفْتَ على يَمِينٍ فرأيتَ
غيرَها خيراً منها فأتِ الذي هو خيرٌّ، وكَفِّر عن يَمِينِكَ)).
تابَعَه أشهَلُ، عن ابنِ عَوْنٍ.
وتابَعَه يونسُ، وسِماكُ بنُ عَطِيَّةَ، وسِماكُ بنُ حَرْبٍ، ومُميدٌ، وقَتَادةُ، ومنصورٌ، وهشامٌ
والرَّبيع.
قوله: ((باب الكفَّارة قبل الحِنْث وبَعْده)» ذكر فيه حديث أبي موسى في قصَّة سؤالهم الحُمْلانَ، ٦٠٩/١١
وفيه: ((إلّا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتَحلَّلتها))، وقد مضى في الباب الذي قبله بلفظ: ((إلّا كَفَّرت عن
یميني وأتيتُ الذي هو خیر)).
وحديث عبد الرّحمن بن سَمُرة في النَّهي عن سؤال الإمارة، وفيه: ((وإذا حَلَفت علی یمینٍ
فرأيت غيرها خيراً منها، فأتِ الذي هو خير وكَفِّر عن يمينك)).
قال ابن المنذر: رأى رَبيعةُ والأوزاعيُّ ومالكٌ واللَّيْثُ وسائرُ فقهاء الأمصار غير أهل
الرَّأي: أنَّ الكفَّرة تُجْزِئُ قبل الحِنث، إلّا أنَّ الشافعيَّ اسَنَى الصيام فقال: لا يُحِزِئ إلّا بعد
الحِنث، وقال أصحاب الرَّأي: لا تُجزِئ الكفّارة قبل الحِنث.

٢٧٠
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: ونَقَلَ الباجيّ عن مالكِ وغيره روايتين، واستَثْنَى بعضُهم عن مالكِ الصَّدَقةَ
والعِيقَ، ووافَقَ الحنفيَّةَ أَشهَبُ من المالكيَّة وداودُ الظّاهريّ، وخالَفَه ابن حَزْم.
واحتَجَّ لهم الطَّحاويُّ بقولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]،
فإنَّ المراد: إذا حَلَفْتُم فحَنِثُم، ورَدَّه مخالفوه، فقالوا: بل التَّقدير: فأردتُم الحِنث، وأولَى من
ذلك أن يقال: التَّقَدير أعَمّ من ذلك، فليس أحد التَّقديرَينِ بأولَى من الآخر.
واحتَجّوا أيضاً بأنَّ ظاهر الآية أنَّ الكفَّارة وَجَبَت بنفسِ اليمين، ورَدَّه مَن أجازَ بأنَّها
لو كانت بنفسِ اليمين لم تَسقُط عمَّن لم يَحَنَث اتِّفاقاً. واحتَجّوا أيضاً بأنَّ الكفَّارة بعد الحِنث
فرضٌ، وإخراجَها قبلَه تَطَوٌُّ، فلا يقوم التطوُّع مقامَ الفَرض. وانفَصَلَ عنه مَن أجازَ بأنَّه
يُشتَرَط إرادة الحِنث، وإلّا فلا يُجْزِئُ كما في تقديم الزكاة(١).
قال عِيَاض: ومَنَعَ بعض المالكيَّة تقديم كفَّارة حِنث المعصية، لأنَّ فيه إعانة على المعصية،
ورده الجمهور.
قال ابن المنذر: واحتُجَّ لِلجُمهورِ بأنَّ اختلاف ألفاظ حديثَي أبي موسى وعبد الرَّحمن لا
يدلّ على تعيين أحد الأمرَين، وإنَّما أمَرَ الحالف بأمرَينِ فإذا أتى بهما جميعاً فقد فعل ما أُمِرَ به، وإذا
لم يدلّ الخبر على المنع فلم يَبَقَ إلّا طريق النَّظَر. فاحتُجَّ لِلجُمهورِ بأنَّ عَقد اليمين لمَّا كان يحُلُهُ
الاستثناء، وهو كلامٌ، فَلَأَن تَحُلَّه الكفَّارة وهو فِعلٌ مالِيٍّ أو بَدَنيُّ أَولى.
ويُرجَّح قولهم أيضاً بالكَثْرة، وذكر أبو الحسن بن القَصّار وتَبِعَه عِيَاضُ وجماعة: أنَّ
عِدّة مَن قال بجوازٍ تقديم الكفَّارة أربعةَ عشرَ صحابيّاً، وتَبِعَهم فقهاء الأمصار إلّا أبا
حنيفة، مع أنَّه قال فيمَن أخرج ظَبيةً من الحَرَم إلى الحِلّ فولدَت أولاداً، ثمَّ ماتت في يدِه
هي وأولادُها: أنَّ عليه جزاءَها وجزاءً أولادِها، لكن إن كان حين إخراجِها أدَّى جزاءَها
لم يكن عليه في أولادِها شيءٌ، مع أنَّ الجزاء الذي أخرجه عنها كان قبلَ أن تَلِد أولادَها، فيُحتاج
(١) زاد بعد هذا في (س) عبارة: ((وقال عياض: اتفقوا على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وأنه يجوز تأخيرها
بعد الحنث، واستحب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري تأخيرها بعد الحنث))، وهذه العبارة لم ترد في
الأصلین.

٢٧١
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
إلى الفَرق، بل الجواز في كفَّارة اليمين أَولِى.
وقال ابن حَزْم: أجازَ الحنفيَّة تعجيلَ الزكاة قبلَ الحَوْلِ، وتقديمَ زكاة الَّرع، وأجازوا
تقديم كفَّارة القتل قبلَ موت المجنيِّ عليه.
واحتُجَّ لِلشّافعيِّ بأنَّ الصيامَ من حُقوق الأبدانِ، ولا يجوز تقديمُها قبلَ وقتها كالصَّلاة
والصِّيام، بخِلَاف العِتق والكِسوة والإطعام، فإنّها من حقوق الأموال، فيجوز تقديمُها
كالزكاة.
ولفظ الشافعيّ في ((الأُمّ)) (٧/ ٦٦): إن كَفَّرَ بالإطعام قبل الحِنث رَجَوت أن يُحِزِئ عنه، وأمَّا
الصَّوم فلا، لأنَّ حُقوقَ المال يجوز تقديمها بخِلَاف العبادات، فإنَّها لا تُقَدَّمُ على وقتها كالصلاة
والصوم، وكذا لو حَجَّ الصَّغيرِ والعَبد لا يُجْزِئ عنهما إذا بَلَغَ أو عَتَقَ.
وقال في موضع آخر: مَن حَلَفَ فأراد أن يَحِنَث فأحبُّ إليَّ أن لا يُكفِّرَ حتَّى يَحَنَث، فإِن كَفَّرَ
قبل الحِنث أجزا، وساقَ نحوه مبسوطاً(١).
واذَّعَى الطَّحاويُّ أنَّ إلحاق الكفَّارة بالكفَّارة أوْلى من إلحاق الإطعام بالَّكاة، وأُجيبَ
بالمنعِ. وأيضاً فالفَرقُ الذي أشارَ إليه الشافعيّ بين حَقّ المال وحَقّ البَدَن ظاهرٌ جدّاً، وإنَّما
خَصَّ مِنه الشافعيُّ الصيامَ بالدَّليلِ المذكور.
ويُؤخَذ من نَصِّ الشافعيِّ أنَّ الأَوْلى تقديمُ الحِنث على الكفَّارة، وفي مذهبِه وجهٌ اختَلَفَ فيه ٦١٠/١١
التَّرجيحُ: أنَّ كفَّارة المعصية يُستَحَبّ تقديمُها.
قال القاضي عِيَاض: الخِلاف في جواز تقديم الكفَّارة مَبنيٍّ على أنَّ الكفَّارة رُخصة لِحَلِّ
اليمينِ، أو لِتكفير مأثَمِها بالحِنث، فعند الجمهور أنَّها رُخصة شَرَعَها الله لِحَلِّ ما عُقِدَ من
اليمين، فلذلك تُجزِئ قبلُ وبعدُ.
قال المازَرِيُّ: لِلكفَّارة ثلاثُ حالاتٍ: أحدها: قبل الحَلِفِ فلا تُجزِئ اتِّفاقاً. ثانيها: بعدَ
الحَلِفِ والحِنث فتُجزِئ اتِّفاقاً. ثالثها: بعد الحَلِفِ وقبلَ الحِنث ففيها الخِلَافُ. وقد اختَلَفَ لفظ
(١) ((الأُمْ)) ٦٦/٧.

٢٧٢
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث فقَدَّمَ الكفَّارةَ مرَّةً وأخّرَها أُخرى، لكن بحرفِ الواو الذي لا يوجِب رُتبةً، ومَن مَنع
رأى أنَّها لم تَجِبْ (١) فصارت كالتطوُّع، والتطوُّع لا يُجْزِئ عن الواجب.
وقال الباجيّ وابن التِّين وجماعة: الرّوايتان دالَّتان على الجواز لأنَّ الواوَ لا تُرَتِّب.
قال ابن التِّين: فلو كان تقديم الكفَّارة لا يُجْزِئ لَأبانَه ولَقال: فليأتِ ثمَّ ليُكفِّر، لأنَّ
تأخيرَ البيان عن الحاجة لا يجوز، فلمَّا تَرَكَهم على مُقْتَضَى اللِّسان دلَّ على الجواز. قال:
وأمَّا الفاءُ في قوله: ((فأتِ الذي هو خيرٌ وكَفِّر عن يمينك)) فهي كالفاءِ الذي في قوله:
((فكَفِّر عن يَمينك وأُتِ الذي هو خيرٌ))، ولو لم تأتِ الثّانيةُ لَمَا دَلَّتِ الفاءُ على التَرتيب،
لأنَّها أبانَت ما يفعله بعد الحَلِفِ، وهما شيئان: كفَّارةٌ وحِنثٌ، ولا ترتيبَ فيهما، وهو کمَن
قال: إذا دَخَلتَ الدَّارَ فَكُلْ واشرَبْ.
قلت: قد وَرَدَ في بعض الطُّرق بلفظ: (ثُمَّ) التي تقتضي التَّرتيب عند أبي داود (٣٢٧٨)
والنَّسائيِّ (٣٧٨٣) في حديث الباب، ولفظ أبي داود من طريق سعيد بن أبي عَرُوبةَ عن قَتَادة
عن الحسن به: ((كَفِّر عن يمينك، ثمَّ ائتِ الذي هو خيرٌ)).
وقد أخرجه مسلم (١٦٥٢) من هذا الوجه، لكن أحالَ بلفظ المتن على ما قبلَه.
وأخرجه أبو عَوَانة (٥٩١٨) في ((صحیحه)) من طريق سعید کأبي داود.
وأخرجه النَّسائيُّ من رواية جَرِير بن حازم عن الحسن مثله.
لکن أخرجه البخاريّ (٦٦٢٢) ومسلم من روایة جَرِیر بالواو.
وهو في حديث عائشة عند الحاكم أيضاً (٤/ ٣٠١) بلفظ: ((ثمَّ)).
وفي حديث أمّ سَلَمة عند الطبرانيّ (٦٩٤/٢٣) نحوه، ولفظُه: «فليُكفِّر عن يمينه ثمَّ
لِيَفعلِ الذي هو خيرٌ».
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم)) هو المعروف بابنِ عُليَّةً، وأيوب: هو السَّختيانيّ،
والقاسم التَّميميُّ: هو ابن عاصم.
(١) تحرَّف في (س) إلى: تجز.

٢٧٣
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
وقد تقدَّم في ((باب اليمين فيما لا يَملِك)) (٦٦٨٠) من طريق عبد الوارث عن أيوبَ
عن القاسم وحده أيضاً، واقتَصَرَ على بعضه، ومضى في ((باب لا تَحلِفوا بآبائكم)) (٦٦٤٩)
من طريق عبد الوهّاب الثَّقفيّ عن أيوب عن أبي قِلابةَ والقاسم التَّميميّ جميعاً عن زَهدَم،
وتقدَّم في المغازي (٤٣٨٥) من طريق عبد السَّلام بن حَرْب عن أيوبَ عن أبي قِلابةً
وحدَه، وقد تقدَّم في فرض الخُمُس (٣١٣٣) عن عبد الله بن عبد الوهّاب عن حمّاد: وهو
ابن زيد، وكذا أخرجه مسلم (٩/١٦٤٩) عن أبي الرَّبيع العَتَكيّ عن حمَّد قال: وحدَّثني
القاسم بن عاصم الكُلَيبيّ، بموخَّدةٍ مُصغَّر نسبة إلى بني كُلَيبٍ بن يَربوع بن حَنظَلة بن
مالك بن زيد مَناةَ بن تَميم، وهو القاسم التَّميميّ المذكور قبلُ، قال: وأنا لحديثِ القاسم
أحفَظُ عن زَهدَم، وفي رواية العَتَكيّ وعن القاسم بن عاصم كلاهما عن زَهدَم، قال
أيوب: وأنا لحديثِ القاسم أحفَظُ.
قوله: ((كنَّا عند أبي موسى)) أي: الأشعَريّ، ونُسِبَ كذلك في رواية عبد الوارث (٥٥١٨).
قوله: ((وكان بيننا وبين هذا الحيّ من جَرْمِ إخاءٌ ومَعْروفٌ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: وكان
بيننا وبينهم هذا الحيّ ... إلى آخره، وهو كالأوَّل لكن زاد الضَّميرَ وقَدَّمَه على ما يعود
علیه.
قال الكِرْمانيُّ: كان حَقّ العِبارة أن يقول: بيننا وبينَه، أي: أبي موسى، يعني: لأنَّ
زَهْدَماً من جَرْم، فلو كان من الأشعَرِيّينَ لاستَقامَ الكلام، قال: وقد تقدَّم على الصَّواب في
((باب لا تَحِلِفُوا بآبائكم)) (٦٦٤٩) حيثُ قال: كان بين هذا الحيّ من جَرم وبين الأشعَرِيّينَ.
ثُمَّ ◌َ ما وَقَعَ هنا على أنَّه جَعَلَ نفسَه من قوم أبي موسى لِگونِه من أتباعه، فصارَ گَواحدٍ
من الأشعَرِيّينَ، فأراد/ بقولِه: ((بينَنَا)): أبا موسى وأتباعَه، وأنَّ بينهم وبين الجَرميّينَ ما ذُكِرَ ٦١١/١١
من الإخاء وغيرِهِ، وتقدَّم بيان ذلك أيضاً في كتاب الذَّبائح.
قلت: وقد تقدَّم في رواية عبد الوارث في الذَّبائح (٥٥١٨) بلفظ هذا الباب إلى قوله:
((إخاءً)، وقد أخرجه أحمد وإسحاق في ((مُسنَدَيهما)) عن إسماعيل ابن عُليَّةَ الذي أخرجه

٢٧٤
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
البخاريّ من طريقه، ولم يَذكُر هذا الكلام بل اقتَصَرَ على قوله: كنَّا عند أبي موسى فَقُدِّمَ
طعامُهُ(١). نعم أخرجه النَّسائيُّ (٤٣٤٧) عن عليّ بن حُجْرِ شيخ البخاري فيه بقصَّة الدَّجاج
وقولِ الرَّجلِ، ولم يَسُق بَقِيَّتَه.
وقوله: ((إخاءٌ)) بكسر أوَّله وبالخاءِ المعجَمة والمدّ، أي: صَداقة.
وقوله: ((ومعروفٌ)) أي: إحسانٌ. ووَقَعَ في رواية عبد الوهّاب الثَّقفيّ الماضية قريباً: ((وُدُّ
وإخاءٌ))، وقد ذكر بيانَ سببٍ ذلك في ((باب قُدوم الأشعَريّينَ)) من أواخر المغازي (٤٣٨٥) من
طريق عبد السَّلام بن حَرْب عن أيوب، وأوَّلُ الحديث عنده: لمَّا قَدِمَ أبو موسى الكوفة (٢) أكرَم
هذا الحيّ من جَرمِ، وذكرت هناك نَسَبَ جَرمِ إلى قُضاعة.
قوله: «فقُدِّمَ طعامه)) أي: وُضِعَ بين يديه، في روایة الگُشْمِهنيِّ: طعام، بغیر ضميرٍ، ومضى
في «باب قُدوم الأشعَرِّينَ» (٤٣٨٥) بلفظ: وهو يَتَغَدَّى لحم دجاج.
ويُستَفاد من الحديث: جوازُ أكل الطيِّيات على الموائد، واستخدامُ الكبير مَن يُباشر له نَقْلَ
طعامِه ووضعَه بین یَدَیه.
قال القُرطُبيّ: ولا يُناقض ذلك الزُّهد ولا يُنقِصُه، خِلَافاً لِبعضِ المتقَشِّفة.
قلت: والجواز ظاهرٌ، وأمَّا كَونُه لا يُنقِصُ الزُّهدَ ففيه وقفةٌ.
قوله: ((وقُدِّمَ في طعامه لحم دجاج)) ذُكِرَ ضبطه في ((باب لحم الدَّجاج)) من كتاب الذَّبائح
وأنَّه اسم جِنس، وكلام الحَرْبيّ في ذلك، ووَقَعَ في فرض الخُمُس (٣١٣٣) بلفظ: دَجاجة،
وزَعَمَ الدَّاوُودِيُّ أَنَّه يقال لِلذَّكَرِ والأُنْثَى، واستَغْرَبَه ابن التِّين.
(١) إنما وقع هذا في رواية من إحدى الروايتين اللتين أخرجهما الإمام أحمد عن إسماعيل ابن عُليّة، الأولى: برقم
(١٩٥٩١) بإسناد حديث الباب ومتنه، وفيها ما في حديث عليّ بن حُجر بقصّة الدَّجاج وقول الرّجل،
وساق بقيّته؛ على خلاف ما ذكر الحافظ. والثانية: برقم (١٩٦٣٧) وهي التي اقتصر فيها على قوله: ((كنّا عند
أبي موسى فقدَّم طعامه)) فحسب؛ وعلى هذا يظهر أن الحافظ رحمه الله وقف عليها وعناها ولم يقف على
الرواية الأولى المذكورة.
(٢) لفظة ((الكوفة)) ليست من أصل الحديث، بل هي تفسيرية، فتقدير الكلام: أي: إلى الكوفة، والله أعلم.

٢٧٥
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
قوله: ((وفي القوم رجلٌ من بني تَيمِ الله)) هو اسم قبيلةٍ يقال لهم أيضاً: تَّيْم اللّات وهم من
قُضاعة، وقد تقدَّم الكلام على ما قيل في تسمية هذا الرجل مُستَوفَّى في كتاب الذَّبائح.
قوله: ((أحْمَر كأَنَّه مَوْلَى)) تقدَّم في فرض الخُمُس: كأنَّه من الموالي.
قال الدَّاوُودِيُّ: يعني أنَّه من سَبْي الرُّوم، كذا قال، فإن كان اطَلَعَ على نَقلِ في ذلك، وإلّا فلا
اختصاصَ لذلك بالرّومِ دونَ الفُرس أو النَبط أو الدَّيلَم.
قوله: ((فلم يَلْنُ)) أي: لم يَقرَب من الطّعام فيأكل مِنه، زاد عبد الوارث في روايته في الذَّبائح:
فلم يَدنُ من طعامه.
قوله: ((ادْنُ)) بِصيغة فِعل الأمر، وفي رواية عبد السَّلام (٤٣٨٥): هَلُمَّ، في الموضعين، وهو
يَرجِع إلى معنى ادْنُ، كذا في رواية حمّاد عن أيوب (٣١٣٣)، ولمسلم (٩/١٦٤٩) من هذا الوجه:
فقال له: هَلُمَّ فتَلَكَّأ، بُمُثّةٍ ولامِ مفتوحَتَينِ وتشديدٍ، أي: تَمَّعَ وتَوقَّفَ وزنُه ومعناه.
قوله: ((يأكل شيئاً قَذِرْتُه)) بكسر الذّال المعجَمة، وقد تقدَّم بيان ذلك، وحُكم أكْلٍ لحم
الْجَلّالة والخِلَاف فيه في كتاب الذَّبائح (٥٥١٨) مُستَوفَّى.
قوله: ((أُخْبِرُك عن ذلك)) أي: عن الطَّريق في حَلِّ اليمين، فقَصَّ قصَّةَ طلِهِم الحُمْلانَ،
والمراد مِنه ما في آخره من قوله وَلّ: ((لا أحلِفُ على يمين فأرَى غيرها خيراً منها، إلّا أتيتُ
الذي هو خيرٌ ونَحلَّلتُها».
ومعنى تَحَلَّلْتُها: فَعَلت ما يَنْقُل المنعَ الذي يقتضيه إلى الإذن فيصير حلالاً، وإنَّما يَحَصُل ذلك
بالكفَّارة، وأمَّا ما زَعَمَ بعضُهم أنَّ اليمين تَتَحلَّل بأحدٍ أمَرَينِ: إمّا الاستثناء وإمّا الكفَّارة، فهو
بالنّسبة إلى مُطلَق اليمين، لكنَّ الاستثناء إنَّما يُعتبَر في أثناء اليمين قبل كمالها وانعِقادها، والكفَّارة
تَحصُل بعد ذلك، ويُؤيِّد أنَّ المراد بقوله: تَحَلَّلْتُها: كَفَّرت عن يميني، وقوعُ التَّصريح به في رواية
حمّاد بن زيد (٣١٣٣) وعبد السَّلام(١) وعبد الوارث (٥٥١٨) وغيرهم.
(١) رواية عبد السلام سلفت برقم (٤٣٨٥) ليس فيها التصريح بقوله: ((تحللتها)) وإنما وقع ذلك - بالإضافة إلى
روايتي حماد وعبد الوارث - في رواية عبد الوهاب الثقفي (٦٦٤٩) و(٧٥٥٥)، فلعله سبق قلم من الحافظ
رحمه الله، والله أعلم.

٢٧٦
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أتينا رسولَ اللهِ وَّ فِي رَهْطٍ من الأشعَرِيّينَ)) ووَقَعَ في رواية عبد السَّلام بن
حَرْب عن أيوب بلفظ: إنّا أتينا النبيّ وَّ نَفَرٌ من الأشعَرِيِّينَ، فاستَدَلَّ به ابن مالك لِصِحّة
قول الأخفَش: يجوز أن يُبدَل من ضمير الحاضر بدلَ كلٍّ من كلٍّ، وحَمَلَ عليه قوله تعالى:
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾(١) [الأنعام: ١٢]. قال ابن
٦١٢/١١ مالك: واحتَرَزت بقولي: بدلَ كلٍّ من كلِّ عن البعض والاشتِمال، فذلك جائز/ اتَّفاقاً، ولَمّا
حكاه الطِّييُّ أَقَرَّه وقال: هو عند عُلَماء البَديع يُسَمَّى التَّجريد.
قلت: وهذا لا يَحِسُنُ الاستشهادُ به إلّا لو اتَّفَقَتِ الرّواة، والواقع أنَّه بهذا اللَّفظ انفَرَدَ
به عبدُ السَّلام، وقد أخرجه البخاريّ في مواضعَ أُخرى بإثبات ((في)) فقال في مُعظَمِها: ((في
رَهْطٍ)) كما هي رواية ابن عُليَّةَ عن أيوب هنا، وفي بعضها: ((في نَفَر)) كما هي رواية حمّاد عن
أيوب في فرض الخُمُس.
قوله: (يَستَحمِلُه)) أي: يَطلُبُ مِنه ما يَركَبُه، ووَقَعَ عند مسلم (١٠/١٦٤٩) من
طريق أبي السَّليل - بفتحِ المهمَلة ولامَينِ الأولى مكسورةٌ - عن زَهْدَمِ عن أبي موسى:
كنَّا مُشاةً فَأَتَينا رسولَ اللهِ وَّ نَستَحمِلُه. وكان ذلك في غزوة تَبُوك كما تقدَّم في أواخر
المغازي.
قوله: ((وهو يَقْسِم نَعَم) بفتحِ النّونِ والمهمَلة.
قوله: ((قال أيوبُ: أحْسَبُه قال: وهو غَضْبانُ)) هو موصول بالسَّنَدِ المذكور، ووَقَعَ في
رواية عبد الوارث عن أيوب (٥٥١٨): فوافَقتُه وهو غَضبانُ وهو يَقسِم نَعَماً من نَعَمِ
الصَّدَقةِ، وفي رواية وُهَيب عن أيوب عند أبي عَوَانة في ((صحيحه) (٥٩٢٨): وهو يَقسِم
ذَوْداً من إبل الصَّدَقة، وفي رواية بُرَيد بن أبي بُرْدة الماضية قريباً في ((باب اليمين فيما لا
(١) حيث جعل قوله: ((الذين)) في موضع نصبٍ على البَدَل من الكاف والميم في قوله: ((ليجمعنَّكم)) على معنى:
ليجمَعَنَّ هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم إلى هذا اليوم الذي يجحدونه ويكفرونه، وذهب الزّجاج إلى أن
قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ﴾ في موضع رفع على الابتداء، وخبرُهُ ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. انظر: ((معاني القرآن)»
للأخفش ٢٩٣/١، و((معاني القرآن وإعرابه)) للزّجاج ٢٣٢/٢.

٢٧٧
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
يَملِك)) (٦٦٧٨) عن أبي موسى: أرسَلَني أصحابي إلى النبيّ وَّ أسألُهُ الْحُمْلانَ فقال: (( لا
أحِلُكم على شيءٍ)) فوافَقتُه وهو غَضبانُ. ويُجمَعُ بأنَّ أبا موسى حَضَرَ هو والرَّهط، فباشَرَ
الكلام بنفسِه عنهم.
قوله: ((والله لا أحِلُكم)) قال القُرطُبيُّ: فيه جواز اليمين عند المنع، ورَدُّ السائل المُلْحِف(١)
عند تَعذُّر الإسعاف، وتأديبُه بنوعٍ من الإغلاظِ بالقولِ.
قوله: ((فَأَنيَ رسولُ اللهِ وَّه بِنَهْبِ إبل)) بفتح النُّون وسكون الهاء بعدها موحّدة، أي:
غَنيمة، وأصلُه ما يُؤخَذ اختطافاً بحَسَبِ السَّبْق إليه على غير تسويةٍ بين الآخِذِينَ، وتقدَّم
في الباب الذي قبله (٦٧١٨) من طريق غَيْلان بن جَرِير عن أبي بُرْدة عن أبي موسى بلفظ:
فأتيَ بإبلٍ، وفي رواية: بشائلٍ، وتقدَّم الكلام عليها، وفي رواية بُرَيد عن أبي بُرْدة (٤٤١٥):
أَنَّهِ وَه ابتاعَ الإبل التي حَمَلَ عليها الأشْعَريّينَ من سعد. وفي الجمع بينها وبين رواية الباب
عُسرٌّ، لكن يحتمل أن تكون الغَنيمة لمَّا حَصَلَت حَصَلَ لِسعدٍ منها القَدرُ المذكورُ، فابتاعَ
النبيُّ وَ ◌ُّمِنه نَصِيبَه فحَمَلهم عليه.
قوله: ((فقيلَ: أينَ هؤلاءِ الأشعَرّونَ؟ فأتَينا فأمَرَ لَنا)) في رواية عبد السَّلام عن أيوبَ:
ثَّ لم نَلَث أن أُتِيَ النبيُّ نَّه بِنَهبِ إِبلِ فأمَرَ لَنا، وفي رواية حَمَّاد: وأَتيَ بنَهبِ إِيلِ فسألَ عَنّا
فقال: ((أين النَّفَر الأشعَرِيّونَ؟)) فأمَرَ لَنا، ومثله في رواية عبد الوهّاب الثَّقفيّ، وفي رواية
غَيْلان بن جَرِير عن أبي بُرْدة: ثمَّ لَبِثنا ما شاءَ الله فأتى، وفي رواية بُرَيد(٣): فلم ألبث إلّا
سُوَيعةً إذ سمعت بلالاً ينادي: أين عبدُ الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجِب رسولَ الله وَلِّل
يدعوك، فلمَّا أتيتُه قال: ((خُذ ... )).
قوله: ((فأمَرَ لنا بخَمسٍ ذَوْدٍ)) تقدَّم بيانُ الاختلاف في الباب الذي قبله، وطريقُ الجمع
بين مُتَلِفِ الرِّوايات في ذلك.
(١) المُلْحِف: المُلِحُّ، ألحَفَ في المسألة: أَلَخَّ وهو مُستَغْنٍ عنها. قاله الزجاج في ((معاني القرآن)) ٣٥٧/١.
(٢) تصحف في (س) إلى: یزید.

٢٧٨
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فاندَفَعْنا)) أي: سِرْنا مُسرِعينَ، والدَّفع: السَّير بسُرعةٍ، وفي رواية عبد الوارث
(٥٥١٨): فلَبِثنا غيرَ بعيدٍ، وفي رواية عبد الوهّاب (٦٦٤٩و ٧٥٥٥): ثمَّ انطَلَقنا.
قوله: ((فقلت لأصحابي)) في رواية حمّاد (٣١٣٣) وعبد الوهّاب: قلنا: ما صَنَعنا؟ وفي رواية
غَيْلان عن أبي بُرْدة: فلمَّا انطَلَقنا قال بعضُنا لبعضٍ، وقد عُرِفَ من رواية البابِ البادِئُ بالمقالة
المذكورة.
قوله: (نَسِيَ رسولُ اللهِ وَ لَهِ يمِينَه، والله لَئِنْ تَغَفَّلْنا رسولَ الله ◌َّهِ يمِينَه لا نُفْلِحُ أبداً» في
رواية عبد السَّلام (٤٣٨٥): فلمَّا قَبَضناها قلنا: تَغَفَّلنا رسولَ اللهِوَّهِ يمِينَه لا نُفْلِحُ أبداً،
ونحوه في رواية عبد الوهّاب، ومعنى تَغَفَّلْنا: أخَذنا مِنه ما أعطانا في حال غَفلَتِهِ عن يَمينه
من غير أن نُذكِّرَه بها، ولذلك خَشَوا، وفي رواية حمّاد: فلمَّا انطَلَقنا قلنا: ما صَنَعنا؟ لا
يُبارَك لَنا. ولم يَذكُر النِّسيانَ أيضاً. وفي رواية غَيْلان: لا يُبارك الله لَنا، وخَلَت رواية بُرَيد(١)
(٤٤١٥) عن هذه الزّيادة كما خَلَت عمَّا بعدها إلى آخر الحديث، ووَقَعَ في روايته من الزّيادة
٦١٣/١١ قول أبي موسى لأصحابه: لا أدَعُكم حتَّى يَنطَلِقَ معي بعضُكم/ إلى مَن سمعَ مقالةَ
رسولِ الله وَّة، يعني: في مَنعِهم أوَّلاً وإعطائهم ثانياً إلى آخر القصَّة المذكورة، ولم يَذكُر
حديثَ: ((لا أحلِفُ على يمين ... )) إلى آخره.
قال القُرطُبيُّ: فيه استدراكُ جَيرِ خاطِرِ السائلِ الذي يُؤَدَّب على الحاجة بمطلوبِه إذا
تيسّر، وأنَّ مَن أخذ شيئاً يعلم أنَّ المعطي لم یکن راضياً بإعطائه لا يُبارَك له فيه.
قوله: «فظَنَّا أو فعَرَفْنا أنَّك نسيتَ يمينَك، قال: انطَلِقوا فإنََّا خَلَكُمُ اللهُ» في رواية
حمّاد: أَفَسِيتَ؟ قال: ((لست أنا أحمِلُكم ولكنَّ الله ◌َلَكم))، وفي رواية عبد السَّلام
(٤٣٨٥): فأتيتُه فقلت: يا رسولَ الله، إنَّك حَلَفت أن لا تَحمِلَنا وقد حَمَلتَنا، قال:
((أجَل)) ولم يَذكُر: ((ما أنا حَمَلتكم ... )) إلى آخره، وفي رواية غَيْلان (٦٦٢٣ و ٦٧١٨): ((ما
أنا حَمَلتكم بل الله حَمَلَكم))، ولأبي يَعْلى من طريق مَطَر (٢) عن زَهدَمْ: فَكَرِهْنا أن
(١) تحرّف في (س) إلى: یزید.
(٢) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: فطر، وفي (ع) إلى: قطر، والصواب ما أثبتنا، ومطر: هو ابن طَهمان الورّاق، =

٢٧٩
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
كتاب كفارات الأيمان
نُنسِّيكَها(١)، فقال: ((إنّي والله ما نَسِيتها))، وأخرجه مسلم (٩/١٦٤٩) عن الشَّيخ الذي
أخرجه عنه أبو يَعْلى ولم يَسُق منه إلّا قوله: قال: (( والله ما نَسِيتُها».
قوله: ((إنّي والله إن شاء الله ... ) إلى آخره، تقدَّم بيانُه في البابِ الذي قبله.
قوله: ((لا أحْلِفُ على يمينٍ) أي: محلوف يمينٍ، فأطلقَ عليه لفظَ يمينٍ لِلمُلابسة،
والمراد ما شأنه أن يكون محلوفاً عليه، فهو من مجاز الاستعارة، ويجوز أن يكون فيه تَضمين
فقد وَقَعَ في روايةٍ لمسلم: ((على أمر))(٢)، ويحتمل أن تكون ((على)) بمعنى الباء، فقد وَقَعَ في
رواية النَّسائيِّ(٣): ((إذا حَلَفتَ بيمينٍ))، ورُجِّحَ الأوَّل بقولِه: «فرأيتَ غيرَها خيراً منها»،
لأنَّ الضَّمير في ((غيرها)) لا يَصِحّ عَودُه على اليمين، وأُجيبَ بأنَّه يعود على معناها المجازيِّ
للمُلاَبَسة أيضاً.
وقال ابن الأثير في ((النِّهاية)): الخَلِف هو اليمين، فقوله: أحلِف، أي: أعقِد شيئاً بالعَزمِ
والنّيَّة، وقوله: ((على يمين)) تأكيدٌ لِعَقدِه وإعلام بأنَّه ليست لَغواً.
قال الطِّييُّ: ويُؤدِّده رواية النَّسائيِّ (٣٧٧٩) بلفظ: ((ما على الأرض يمين أحلِف
عليها)) الحديث، قال: فقوله: ((أحلِف عليها)) صِفَةٌ مُؤكِّدة لليمين، قال: والمعنى لا أحلِف
يميناً جَزماً لا لَغوَ فيها ثمَّ يظهر لي أمرٌ آخرُ، يكون فِعلُه أفضلَ من المضيِّ في اليمين
المذكورة إلّا فعَلته وكَفَّرت عن يميني، قال: فعلى هذا يكون قوله: ((على يمينٍ)) مصدراً
مُؤكِّداً لقولِه: أحلِف.
تكملة: اختُلِفَ هل كَفَّرَ النبيُّ نَِّ عن يمينه المذكور، كما اختُلِفَ هل کَفَّرَ في قصَّة حَلِفِه علی
= أبو رجاء الخراساني يروي عن زهدم: وهو الجَرْميّ. ورواية أبي يعلى هذه في («مسنده)) الكبير.
(١) تحرف في (س) إلى: نمسکها.
(٢) لم نقف عليها في المطبوع من ((صحيحه))، وقد ذكرها القسطلّاني وعزاها لمسلم في ثلاثة مواضع متفرقة
من شرحه ٢١٦/٥ و٣٦٣/٩ و٤٧٦/١٠، فلعلها في إحدى روايات مسلم، والله أعلم.
(٣) يعني في حديث عبد الرحمن بن سمرة، والذي في روايات النسائي كما في المطبوع من ((سننه)) (٣٧٨٣ -
٣٧٨٤) و(٣٧٩٠-٣٧٩١): (علی یمین)».

٢٨٠
باب ١٠ / ح ٦٧٢١ - ٦٧٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
شُرب العَسَل أو على غشيان ماريةً(١)، فرويَ عن الحسن البصريّ أنَّه قال: لم يُكفِّر أصلاً، لأنَّه
مَغفورٌ له، وإنَّما نزلت كفَّارة اليمين تعليماً لِلأُمّة.
وتُعقّبَ بما أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣١٨) من حديث عمرَ في قصَّة حَلِفِه على العَسَل أو
ماريّةً، فعاتَبَه الله وجَعَلَ له كفَّارة يمين، وهذا ظاهر في أنَّه كَفَّرَ، وإن كان ليس نَصّاً في رَدِّ
ما ادَّعاه الحسن، وظاهرٌ أيضاً في حديثِ البابِ: ((وكَفَّرت عن يميني)) أنَّه لا يَترُك ذلك،
ودَعوى أنَّ ذلك كلَّه لِلتَّشريع بعيدٌ.
قوله: ((وَحلَّلْتُها)) كذا في رواية حمَّد وعبد الوارث وعبد الوهّاب كلّهم عن أيوب، ولم
يَذْكُر في رواية عبد السَّلام: ((وَحلَّلتها)) وكذا لم يَذكُرها أبو السَّليل عن زَهدَم عند مسلم
(١٦٤٩).
ووَقَعَ في رواية غَيْلان عن أبي بُرْدة (٦٦٢٣): ((إلّا كَفَّرت عن يميني)) بَدَل: ((وتَحلَّلتها)) وهو
يُرجِّح أحد احتمالَينِ أبداهما ابن دقيق العيد، ثانيهما: إتيان ما يقتضي الحِنثَ، فإنَّ التَّحَلَّل يقتضي
سَبْقَ العَقدِ، والعَقدُ: هو ما دلَّت عليه اليمين من موافقة مُقتَضاها، فيكون التَّحَلُّل الإتيان
بِخِلَاف مُقتَضاها، لكن يَلزَم على هذا أن يكون فيه تَكرارٌ لِوجودِ قوله: ((أتيت الذي هو خيرٌ))
فإنَّ إتيانَ الذي هو خيرٌ تَحصُلُ به مُخالَفةُ اليمين والشَّحَلُّل منها، لكن يُمكِن أن تكون فائدتُه
التَّصريحَ بِالتَّحَلَّل، وذكره بلفظٍ يناسبُ الجواز صريحاً ليكونَ أَبلَغَ ممّا لو ذَكرَه بالاستلزام، وقد
يقال: إنَّ الثّاني أقوى لأنَّالتَّأسيسَ أولى من التّأكيد.
وقيل: معنى ((تَحَلَّلتها)): خَرَجت من حُرمَتِها إلى ما يَحِلُّ منها وذلك يكون بالكفَّارة،
وقد يكون بالاستثناءِ بشرطِه السابق، لكن لا يَتَّجِه في هذه القصّة إلّا إن كان وَقَعَ مِنه
استثناءٌ لم يَشعُروا به، كأن يكون قال: إن شاء الله مثلاً، أو قال: والله لا أحِلُكم إلّا إن
٦١٤/١١ حَصَلَ / شيءٌ، ولذلك قال: ((وما عندي ما أحِلُكم)).
(١) قصة حلفه وَ ﴿ على شُرب العسل سلفت برقم (٥٢٦٧) و(٦٦٩١)، وأما قصة تحريمه مارية على نفسه
فأخرجها النسائي (٣٩٥٩) من حديث أنس.