Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
باب ١ / ح ٦٧٠٨
كتاب كفارات الأيمان
وأمَّا أثر عِكْرمة فوَصَلَه الطَّبَرِيُّ من طريق داود بن أبي هند عنه، قال: كلّ شيء في
القرآن ((أَوْ أَوْ)) فليَتَخَيَّر أيَّ الكفَّارات شاءَ، فإذا كان ﴿فَ لَّمْ يَجِدْ﴾ فالأوَّلَ الأوَّلَ.
قال ابن بَطّال: هذا مُتَّفَقٌّ عليه بين العلماء، وإنَّما اختَلَفوا في قَدر الإطعام، فقال
الجمهور: لِكلِّ إنسان مُدٌّ من طعام بمُدِّ الشّارعِّهِ، وفَرَّقَ مالكٌ في جِنس الطَّعام بين أهل
المدينة فاعتُبِرَ ذلك في حَقّهم، لأنَّه وسَط من عَيْشَتِهِم بخِلَاف سائر الأمصار، فالمعتَبَر في
حَقّ كلّ منهم ما هو وسَط من عَيشه، وخالَفَه ابن القاسم فوافَقَ الجمهور.
وذهب الكوفيّونَ إلى أنَّ الواجب إطعامُ نصفِ صاعٍ، والحُجّة لِلأوَّل أنَّه ◌ِ أَمَرَ في
كفَّارة المُواقِع في رمضان بإطعام مُدِّ لِكُلِّ مِسْكينٍ(١)، قال: وإنَّما ذكر البخاريّ حديث
كعبٍ هنا من أجل آية التَّخيير، فإنّها ورَدَت في كفَّارة اليمين كما ورَدَت في كفَّارة الأَذَى.
وتَعقَّبَه ابن المنّيِّر فقال: يحتمل أن يكون البخاريُّ وافَقَ الكوفيّينَ في هذه المسألة،
فأورَدَ حديث كعب بن عُجرة لأنَّه وَقَعَ التَّصيص في خَبَرَ كعبٍ على نصف صاع، ولم
يَثْبُت في قَدْر طعام الكفَّارة فحَمَلَ المطلَق على المقَيَّد.
قلت: / ويُؤيِّده أنَّ كفَّارة المواقِع ككفَّارة الظِّهار، وكفَّارة الظِّهار وَرَدَ النَّصّ فيها بالتَّرتيبِ ٥٩٥/١١
بِخِلاف كفَّارة الأَذَى، فإنَّ النَّصّ وَرَدَ فيها بالتَّخييرِ، وأيضاً فإنَّهما مُتَّفِقان في قَدْر الصيام
بخِلَاف الظِّهار، فكان حَمل كفَّارة اليمين عليها لموافَقَتِها لها في التَّخيير أولى من حَمْلها على
كفَّارة المُواقِع مع مُخَالَفَتِها، وإلى هذا أشارَ ابن المنِّر.
وقد يُستَدَلّ لذلك بما أخرجه ابن ماجَهْ (٢١١٢) عن ابن عبَّاس قال: كَفَّرَ النبيّ ◌َّ بصاع
من تمر وأمَرَ الناس بذلك، فمَن لم يَجِد فنِصْفُ صاعٍ من بُرِّ. وهذا لو ثَبَتَ لم يكن حُجّة، لأَنَّه لا
قائلَ به، وهو من رواية عمر بن عبد الله بن يَعْلى بن مُرّة، وهو ضعيفٌ جدّاً.
والذي يظهر لي أنَّ البخاريّ أراد الردّ على مَن أجازَ في كفَّارة اليمين أن تُبَعَّضَ الْخَصْلَةُ
من الثلاثة المخَيَّر فيها كمَن أطعَمَ خمسةً وكَساهُم، أو كَسا خمسةً غيرَهم، أو أعتَقَ نصفَ
رَقَّبة وأطعَمَ خمسةً أو كَساهُم، وقد نُقِلَ ذلك عن بعض الحنفيَّة والمالكيَّة.
(١) استوفى الحافظ الكلام على هذه المسألة في سياق شرحه لحديث أبي هريرة السالف برقم (١٩٣٦).

٢٤٢
باب ١ / ح ٦٧٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقد احتَجَّ مَن ألحقَها بكفَّارة الظِّهار بأنَّ شرطَ حَمَل المطلَق على المقَيَّد: أن لا يُعارضَه مُقِيَّدٌ
آخَر، فلمَّا عارَضَه هنا، والأصلُ براءة الذِّمّة أُخِذَ بالأقلّ، وأيَّدَه الماورديُّ من حيثُ النَّظَرِّ بأنَّه
في كفَّارة اليمين وُصِفَ بالأوسطِ، وهو محمولٌ على الجِنس، وأوسَط ما يُشبع الشّخص رِطْلان
من الخُبز، والمُّرِطِلٌ وثُلُثٌ من الحَبّ، فإذا خُبِزَ كان قَدْرَ رِطْلَيْنِ.
وأيضاً فكفَّارة اليمين وإن وافَقَت كفَّارة الأَذَى في التَّخيير، لكنَّها زادَت عليها بأنَّ فيها
ترتيباً، لأنَّ التَّخيير وَقَعَ بين الإطعام والكِسْوة والعِتق، والتَّرتيبُ وَقَعَ بين الثلاثة وصيامِ ثلاثةِ
أيام، وكفَّارَةُ الأذَى وَقَعَ الَّخيير فيها بين الصيامِ والإطعامِ والذَّبحِ حَسْبُ، قال ابن الصَّاغ:
ليس في الكفَّارات ما فيه تخييرٌ وترتيبٌ إلّا كفَّارة اليمين وما أُلِقَ بها.
قوله: ((أحمد بن يونس)) هو ابن عبد الله بن يونس نُسِبَ لِدِّه، وأبو شِهاب: هو الأصغَر
واسمه عبد ربِّه بن نافع، وابن عَوْن: هو عبدُ الله.
قوله: ((أَتِيتُه، يعني: النبيَّ ◌َّ) كذا في الأصل، وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من
طريق بِشْر بن المفضَّل عن ابن عَوْن بهذا السَّنَد عن كعب بن عُجْرة قال: فيَّ نزلت هذه الآية،
فأتيت النبيَّ وَِّ، فَذَكرَه.
وفي رواية مُعتَمِر بن سليمان عن ابن عَوْن عند الإسماعيليّ: نزلت فيَّ هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكٍ﴾ قال: فرآني النبيُّ نَّهِ فقال: ((ادْنُ».
قوله: ((قال: وأخبَرَني ابن عَوْن)» هو مَقُول أبي شِهاب، وهو موصولٌ بالأوَّل، وقد أخرجه
النَّسائيُّ (ك ٤٠٩٦) والإسماعيليّ من طريق أزهَر بن سعد عن ابن عَوْن به، وقال في آخره:
فَسَّرَه لي مجاهدٌ فلم أحفَظْهُ، فسألت أيوبَ فقال: الصيامُ: ثلاثةُ أيام، والصَّدَقَةُ: على ستّة
مساكين، والنُّسُك: ما استَسَرَ من الهَدْي.
قلت: وقد تقدَّم في الحجّ، وفي النَّفسير (١) من طرق أُخرى عن مجاهد، وفي الطِّبّ (٥٦٦٥
(١) سلف في الحج بالأرقام التالية: (١٨١٤) و(١٨١٥) و(١٨١٧) و(١٨١٨) من طرق عن مجاهد، وأما
الرواية التي في التفسير برقم (٤٥١٧) فهي عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن معقل، عن
كعب بن عجرة.

٢٤٣
باب ٢ / ح ٦٧٠٩
كتاب كفارات الأيمان
و٥٧٠٣) والمغازي (٤١٩٠) من طريق أيوب عن مجاهد به(١)، وسياقُها أتمٌّ، وتقدَّم شرحه
مُستَوقَى في كتاب الحجّ.
٢ - باب قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَنَّكٍُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
[التحريم: ٢] متى تجب الكفّارة على الغنيّ والفقير؟
٦٧٠٩ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، قال: سمعتُه مِن فِيْهِ، عن
مُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّةِ، فقال: هَلَكْتُ، قال: ((ما
شأنُكَ؟)) قال: وقَعْتُ على امرأتي في رمضانَ، قال: ((تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ رَقَبَةً))؟)) قال: لا، قال:
((فَهَل تَسْتَطِيعُ أن تَصومَ شَهْرَينِ مُتَتَابعينٍ؟)) قال: لا، قال: ((فَهَل تَسْتَطِيعُ أن تُطْعِمَ سِتِينَ
مِسْكيناً؟)) قال: لا، قال: ((اجْلِس)) فجَلَسَ، فأَتِيَ النبيُّ نَّهِ بِعَرَقِ فيه تَمْرٌ، والعَرَقُ:/ المِكْتَلُ ٥٩٦/١١
الضَّخْمُ، قال: ((خُذْ هذا فتَصَدَّق به)) قال: أَعَلى أَفقَرَ مِنّا؟ فضَحِكَ النبيُّ وَِّ حَتَّى بَدَت
نَواجِذُه، قال: «أَطْعِمْهُ عِيالَكَ)).
قوله: («باب متى تَجِب الكفَّارة على الغَنِيّ والفَقير؟ وقول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ
أَيْمَنِّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: باب قول الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ
لَكُمْ﴾ وساقوا الآيةَ، وبعدها: مَتَى تجبُ الكفَّارة على الغني والفقير؟ وسَقَطَ لِبعضِھم ذِكْر
الآية، وأشارَ الكِرْمانيُّ إلى تَصويبه فقال: قوله: ﴿تَجِلَّةَ أَتْمَنِكُمْ﴾ تَحِلّة أيمانكم، أي: تَحليلها
بالكفَّارة، والمناسب أن يذكُر هذه الآية في الباب الذي قبله.
ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصَّة المجامِع في نهار رمضان، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّی
في كتاب الصيام (١٩٣٦).
وقوله فيه: ((سُفْيان، عن الزُّهْرِيِّ)) وَقَعَ في رواية الحميديِّ: عن سفيان حدَّثنا الزُّهْريّ،
وتقدَّم أيضاً بيان الاختلاف فيمَن لا يَجِد ما يُكفِّر به ولا يَقدِر على الصيام، هل يَسقُط عنه
أو يَبقَى فِي ذِمَّته؟
(١) وسلف كذلك في كتاب المرضى برقم (٥٦٦٥) من هذه الطريق عن مجاهد، بسياق مختصر.

٢٤٤
باب ٣-٤ / ح ٦٧١٠-٦٧١١
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن المنيِّر: مقصودُه أن يُنّبِّه على أنَّ الكفَّارة إنَّما تجب بالحِنثِ، كما أنَّ كَفَّارةَ المُواقِعِ
إنَّما كانت تَجِبُ باقتحام الذَّنب، وأشار إلى أنَّ الفقير لا يَسقُط عنه إيجاب الكفَّارة، لأنَّ
النبيَّ ◌َّهِ عَلِمَ فقرَه وأعطاه مع ذلك ما يُكفِّرُ به، كما لو أعطَى الفقيرَ ما يقضي به دَينَه، قال:
ولعلَّه كما نَبَّهَ على احتجاج الكوفيّينَ بالفِدْية نَبَّهَ هنا على ما احتَجَّ به مَن خالَفَهم من
إلحاقها بكفَّارة المُواقِعِ وأنَّه مُدٌّ لِكلِّ مِسْكينٍ.
٣- باب من أعان المُعسِر في الكفّارة
٦٧١٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ تَحبوبٍ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن
محميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ عُ، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَّةِ، فقال: هَلَكْتُ!
فقال: ((وما ذاكَ)) قال: وقَعْتُ بأهلي في رمضانَ، قال: ((َجِدُ رَقَبَةً؟)) قال: لا، قال: ((هل تَسْتَطِيعُ
٥٩٧/١١ أن تصومَ شَهْرَينٍ مُتَتَابعينٍ؟)) قال: لا، قال: ((فَتَسْتَطِيعُ أن/ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكيناً؟)) قال: لا، قال:
فجاء رجلٌ منَ الأنصار، بعَرَقٍ، والعَرَقُ: المِكْتَلُ فيه تَمْرٌ، فقال: ((اذهبْ بهذا فتَصَدَّقْ به)) قال:
على أَحَوَجَ مِنّا يا رسولَ الله؟ والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، ما بينَ لابَيَها أهلُ بيتٍ أحوَجُ مِنّا، ثمَّ قال:
((اذهَبْ فأطْعِمْهُ أهلَكَ)).
قوله: ((باب مَن أعانَ المُعْسِر في الكفَّارة)» ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور قبلُ، وهو
ظاهرٌ فيما تَرجَمَ له، فكما جازَ إعانة المُعسِر بالكفَّارة عن ◌ِقاعِه في رمضان، كذلك تَجوز
إعانة المعسِرِ بالكفَّارة عن يمينه إذا حَنِثَ فيه.
٤- باب يُعطي في الكفّارة عشرة مساكين،
قريباً كان أو بعيداً
٦٧١١ - حدّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن مُميدٍ، عن أبي هريرةَ،
قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّةِ، فقال: هَلَكْتُ! قال: ((وما شأنُكَ؟)) قال: وقَعْتُ على امرأتي في
رمضانَ، قال: ((هل تَجِدُ ما تُعْتِقُ رَقَبَةً؟)) قال: لا، قال: ((فَهَل تَسْتَطِيعُ أن تصومَ شَهْرَينٍ مُتَتَابعينٍ؟))

٢٤٥
باب ٥ / ح ٦٧١٢.
كتاب كفارات الأيمان
و
قال: لا، قال: ((فَهَل تَسْتَطِيعُ أن تُطْعِمَ سِتِينَ مِسْكيناً؟)) قال: لا أجِدُ، فَأَتِيَ النبيُّ ◌َّ بِعَرَقِ فيه
تَمْرٌ، فقال: (خُذْ هذا فتَصَدَّقْ به)) فقال: أَعَلى أفقَرَ مِنّا؟ ما بينَ لابَتَيها أفقَرُ مِنّا، ثمَّ قال: ((خُذْه
فأطْعِمْهُ أهلَكَ».
قوله: ((باب يُعْطي في الكفَّارة عَشَرة مَساكين، قريباً كان)) أي: المِسْكينُ (أو بعيداً)) أمَّا العَدَد
فِنَصِّ القرآن في كفَّارة اليمين، وقد ذكرت الخِلاف فيه قريباً.
وأمَّا التَّسوية بين القريب والبعيد فقال ابن المنيِّر: ذَكر فيه حديث أبي هريرة المذكورَ قبلَه،
وليس فيه إلّا قوله: ((أطعِمْهُ أهلَك)) لكن إذا جازَ إعطاء الأقرباء فالبُعَداء أجوزُ، وقاسَ كَفَّارة
اليمين على كفَّارة الجماع في الصيام في إجازة الصَّرف إلى الأقرباء.
قلت: وهو على رأي مَن حَمَلَ قوله: ((أطعِمْهُ أهلَك)) على أنَّه في الكفَّارة، وأمَّا مَن حَلَه على
أنَّه أعطاه التَّمر المذكور في الحديث ليُنفِقَه عليهم وتَستَمِرُّ الكفَّرةُ في ذِمَّته إلى أن يَحَصُلَ له يُسْرةٌ،
فلا يَتَّجِه الإلحاق، وكذا على قول من يقول: تَسقُط عن المعسِر مُطلَقاً، وقد تقدَّم البحث في
ذلك وبيان الاختلاف فيه في كتاب الصيام (١٩٣٦)، ومذهب الشافعيّ جوازُ إعطاء الأقرِباء،
إلّا مَن تَلزَمُهُ نَفَقَتُه.
ومن فُروع المسألة اشتِراطُ الإيمان فيمَن يُعطيه، وهو قول الجمهور، وأجازَ أصحاب الرَّأي
إعطاءَ أهل الدِّمّة مِنه، ووافَقَهم أبو ثَور، وقال الثَّورِيُّ: يُجْزِئُ إن لم يَجِدِ المسلمينَ، وأخرج ابن
أبي شَيْبة عن النَّخَعيِّ والشَّعبيِّ مثله، وعن الحكم کالجمهور.
٥ - باب صاع المدينة ومُدّ النبيِّ وَّه وبَرَكته، وما توارَث أهلُ المدينة
من ذلك قَرْناً بعد قَرٍْ
٦٧١٢- حدَّثْنَا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثْنا القاسمُ بنُ مالكِ المُزَنيُّ، حدَّنا الجُعَيدُ بنُ
عبدِ الرَّحمنِ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، قال: كان الصّاعُ على عَهْدِ النبيِّ يََّ مُدّاً وثُلُثاً بمُدِّكمُ اليومَ، فِزِيدَ
فيه في زَمَنِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.

٢٤٦
باب ٥ / ح ٦٧١٣ -٦٧١٤
فتح الباري بشرح البخاري
٦٧١٣ - حدَّثْنا مُنْذِرُ بنُ الوليدِ الجارودِيُّ، حدَّثنا أبو قُتَيبةَ، وهو سَلْمٌّ، حدَّثنا مالكٌ، عن
نافعٍ، قال: كان ابنُ عمَرَ يُعْطِي زَكَاةَ رمضانَ بِمُدِّ النبيِّ ◌َِّ المِّ الأوَّلِ، وفي كفَّارَةِ الْيَمِينِ بمُّدِّ
النبيِّ ێ.
قال أبو قُتَيبةَ: قال لنا مالكٌ: مُدُّنا أعظَمُ من مُدِّكم، ولا نَرَى الفَضْلَ إلا في مُّدِّ النبيِّ وَلَّه.
وقال لي مالكٌ: لو جاءكم أمِيرٌ فضَرَبَ مُدّاً أصغَرَ من مُدِّ النبيِّ وَِّهِ بأَيِّ شيءٍ كنتُم
تُعْطونَ؟ قلتُ: كنَّا نُعْطِي بِمُدِّ النبيِّ ◌ِ، قال: أفَلا تَرَى أنَّ الأمرَ إنَّما يعودُ إلى مُدِّ النبيِّ ◌َ؟
٦٧١٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طَلْحةَ،
عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّه قال: ((اللهمَّ بارِكْ لهم في مِكْيالهم وصاعِهم ومُدِّهِم).
قوله: ((باب صاع المدينة ومُدّ النبيِّ وَّهِ وبَرَ كَتُه)) أشارَ في التَرجمة إلى وُجوب الإخراج في
٥٩٨/١١ الواجبات بصاع/ هل المدينة، لأنَّ التَّشريعَ وَقَعَ على ذلك أوَّلاً، وأكَّدَ ذلك بدعاءِ النبيِّ وَّ لهم
بالبر كة في ذلك.
قوله: ((وما تَوارَثَ أهلُ المدينة من ذلك قَرْناً بَعْد قَرْن)) أشارَ بذلك إلى أنَّ مِقدار المدِّ
والصّاعِ في المدينة لم يَتغيَّر، لِتَواتُره عندهم إلى زَمَنِهِ، وبهذا احتَجَّ مالكٌ على أبي يوسف في
القصّة المشهورة بينهما، فرَجَعَ أبو يوسف عن قول الكوفيّينَ في قَدْرِ الصّاعِ إلى قولِ أهلِ
المدينة.
ثم ذکر في الباب ثلاثة أحاديث:
الأول: حدیث السائب بن یزید.
قوله: «کان الصّاع علی عَهْد النبيّ ◌َِّ ے مُدّاً وذُلُثاً بمُدِّكم اليوم، فزِيدَ فيه في زمن عمر ابن
عبد العزيز)) قال ابن بَطّال: هذا يدلُّ على أنَّ مُدَّهم حينَ حدَّث به السائب كان أربعةً أرطال، فإذا
زِيدَ عليه ثُلُثُه، وهو رِطٌ وثُلُثٌ، قامَ مِنه خمسة أرطال وثُلُث وهو الصّاع، بدليلِ أنَّ مُدَّه ◌َليه
رِطْلٌ وثُلُثُ، وصاعُه أربعةُ أمدادٍ، ثمَّ قال: مِقدار ما زِيدَ فيه في زمن عمر بن عبد العزيز لا
نَعلَمُه، وإنَّما الحديث يدلّ على أنَّ مُدَّهم ثلاثةُ أمدادٍ بمُدِّه، انتهى.

٢٤٧
باب ٥ / ح ٦٧١٣ -٦٧١٤
كتاب كفارات الأيمان
ومِنْ لازِمِ ما قال أن يكون صاعُهم ستّةَ عشرَ رِطلاً، لكن لعلَّه لم يعلم مِقدار الرِّطل
عندهم إذ ذاكَ، وقد تقدَّم في ((باب الوضوء بالمدِّ)) من كتاب الطَّهارة (٢٠٢) بيان الاختلاف
في مِقدار المدِّ والصّاعِ، ومَن فَرَّقَ بين الماء وغيره من المَكِيلات فخَصَّ صاع الماء بكَونِه
ثمانية أرطال ومُدّه بِرِطلَينِ، فَقَصَرَ الخِلاف على غير الماء من المَكِيلات.
الحديث الثاني:
قوله: ((حدَّثنا أبو قُتَيبةَ، وهو سَلْم)) بفتح المهمَلة وسكون اللّام، وفي رواية الدَّارَ قُطنيِّ
من وجه آخر عن المنذر (١): حدَّثنا أبو قُتَيبة سَلمُ بنُ قُتَية.
قلت: وهو الشَّعيريّ بفتح الشّين المعجمة وكسر المهملة، بصريٌّ أصلُه من خُراسان،
أدرَكَه البخاريّ بالسِّنِّ وماتَ قبل أن يَلقاه، وهو غيرُ سَلْمٍ بن قُتَيبة الباهليّ ولِدِ أمير
خُراسانَ قُتَيبَةَ بنِ مسلم، وقد وَليَ هو إمرةَ البصرة وهو أكبر من الشَّعيريّ، وماتَ قبله
بأكثرَ من خمسين سنةً.
قوله: ((المدِّ الأوَّلِ)) هو نعتُ مُدِّ النبيِّنَّهِ وهي صِفَةٌ لازِمٌ له، وأراد نافع بذلك أنَّه
كان لا يُعطي بالمدِّ الذي أحدثَه هشامٌ.
قال ابن بَطّال: وهو أكبر من مُدِّ النبيِّ وَلَ بِثُلُثَي رِطلٍ، وهو كما قال، فإنَّ المدَّ الهشاميّ
رِطلان والصّاعُ مِنه ثمانيةُ أرطالٍ.
قوله: ((قال لنا مالكٌ)) هو مَقُولُ أبي قُتَيبةَ وهو موصول.
قوله: ((مُدُّنا أعْظَم من مُدِّكم)) يعني: في البَرَكة، أي: مُدّ المدينة، وإن كان دونَ مُدِّ هشام
في القَدرِ، لكنَّ مُدَّ المدينة مخصوصٌ بالبَرَكة الحاصلة بدعاءِ النبيِّ وَّ لها، فهو أعظَم من مُدِّ
هشام، ثمَّ فَسَّرَ مالكٌ مُرادَه بقولِه: ولا نرَى الفضلَ إلّا فِي مُّدِّ النبيِّ ◌َّ.
(١) كذا في (ع) و(س)، ووقع في (أ): ((ابن المنذر)) وهو خطأ. والمنذر هذا: هو ابن الوليد بن عبد الرحمن بن
حبيب العبدي الجارودي، أبو الحسن البصري يروي عن أبي قتيبة سَلْم بن قتيبة، وهو شيخ البخاري في
حدیث هذا الباب.

٢٤٨
باب ٥ / ح ٦٧١٣ - ٦٧١٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال لي مالكٌ: لو جاءكم أمير ... )) إلى آخره، أراد مالكٌ بذلك إلزام مخالفِه، إذ
لا فرقَ بين الزّيادة والنُّقصان في مُطلَق المخالفة، فلو احتَجَّ الذي تَمَسَّكَ بالمدِّ الهشاميّ في
إخراج زكاة الفِطْر وغيرها ممّا شُرِعَ إخراجُه بالمدِّ، كَإطعام المساكين في كفَّارة اليمين بأنَّ
الأخذ بالزّائدِ أَولى، قيلَ: كَفَى باتِّباع ما قَدَّرَه الشّارعِ بَرَكةً، فلو جازَتِ المخالفة بالزّيادة
لَجَازَت مُخَالَفَتُه بالنَّقْص، فلمَّا امتَنَعَ المخالف من الأخذ بالناقصِ قال له: أفَلا تَرَى أنَّ
الأمر إنَّما يَرجِع إلى مُدِّ النبيِّ ◌َّ؟ لأنَّه إذا تَعارَضَتِ الأمدادُ الثلاثةُ: الأوَّلُ، والحادثُ،
وهو الهشامي وهو زائدٌ عليه، والثّالثُ المفروض وقوعُه، وإن لم يقع وهو دونَ الأوَّل كان
الرُّجوع إلى الأوَّل أَولى، لأنَّه الذي تَحقَّقَت شَرعيَّتُه.
قال ابن بَطّال: والحُجّة فيه نقلُ أهل المدينة له قَرناً بعد قَرن وجيلاً بعد جيلٍ، قال: وقد
رَجَعَ أبو يوسف بمِثلِ هذا في تقدير المدّ والصّاع إلى مالك، وأخَذَ بقولِه.
تنبيه: هذا الحديث غريب لم يَروِهِ عن مالك إلّا أبو قُتَيبة ولا عنه إلّا المنذِرُ، وقد ضاقَ
تَخَرَجُه على الإسماعيليّ وعلى أبي نُعَيم فلم يَستَخرِ جاه، بل ذَكَراه من طريق البخاريّ، وقد
أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ في ((غرائب مالك)) من طريق البخاريّ، وأخرجه أيضاً عن ابن عُقدة
عن الحسين بن القاسم البَجَليِّ عن المنذِر، به. دونَ كلام مالكٍ، وقال: صحيح أخرجه
البخاريّ عن المنذِر به.
٥٩٩/١١ الحديث الثالث: حديث أنس في / دعاء النبيّ وَّ: ((اللهمَّ بارِكْ لهم في مِكيالهم وصاعِهم
ومُدِّهم)) وقد تقدَّم في البُيوع (٢١٣٠) عن القَعْنبيِّ عن مالكٍ وزاد في آخره: يعني أهل
المدينة، وكذا عند رواة ((الموطَّأ)) (٨٨٤/٢-٨٨٥) عن مالكٍ، قال ابن المنّيِّر: يحتمل أن تَخْتَصّ
هذه الدَّعوة بالمدِّ الذي كان حينئذٍ حتَّى لا يَدخُل المُدُّ الحادثُ بعدَه، ويحتمل أن تَعُمّ كلَّ
مِكيال لأهلِ المدينة إلى الأبد، قال: والظّاهر الثّاني.
كذا قال، وكلام مالكِ المذكور في الذي قبله يَجِنَح إلى الأوَّل، وهو المعتمَد. وقد تَغْيَّرَتِ
المكاييل في المدينة بعد عَصر مالك، وإلى هذا الزَّمان، وقد وُجِدَ مِصداق الدَّعوة بأن بُورِكَ

٢٤٩
باب ٦ / ح ٦٧١٥
كتاب كفارات الأيمان
في مُدِّهم وصاعِهم، بحيثُ اعتَبَرَ قَدَرَهما أكثرُ فقهاءِ الأمصار ومُقَلِّدوهم إلى اليوم في
غالب الكفَّارات، وإلى هذا أشارَ المهلَّب، والله أعلم.
٦ - باب قول الله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]
وأيُّ الرِّقاب أزكى؟
٦٧١٥ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيم، حدَّثنا داودُ بنُ رُشَيدٍ، حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن
أبي غَسّانَ محمَّدِ بنِ مُطرِّفٍ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عليٍّ بنِ حُسَينٍ، عن سعيدِ ابنِ مَرْجانةَ، عن
أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((مَن أعتَقَ رَقَبَةً مُسلِمَةً أَعتَقَ اللهُ بكلِّ عُضْوٍ منه عُضْواً منَ
النار، حتَّى فَرْجَه بفَرْجِهِ».
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾)) يشير إلى أنَّ الرَّقَبة في آية كفَّارة اليمين
مُطلَقَةٌ، بخِلَاف آية كفَّارة القتل فإنَّهَا قُيِّدَت بالإيمان.
قال ابن بَطّال: ◌َلَ الجمهور، ومنهم الأوزاعيُّ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ
المطلَقَ على المقَيَّد، كما حَمَلُوا المطلَق في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
على المقَيَّد في قوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وخالَفَ الكوفيّونَ فقالوا: يجوز
إعتاق الكافر، ووافَقَهم أبو ثور وابن المنذر، واحتَجَّ له في كتابه الكبير بأنَّ كفَّارة القتل مُغَلَّظَةٌ
بخِلَاف كفَّارة اليمين، ومن ثَمَّ اشتُرِطَ الَّتَابُعُ في صيام القتل دونَ اليمين.
قوله: ((وأيُّ الرِّقابِ أزْكَى؟)) يشير إلى الحديث الماضي في أوائل العِتق (٢٥١٨) عن أبي ذرِّ،
وفيه: قلت: فأيُّ الرِّقابِ أفضلُ؟ قال: ((أعلاها ثَمَناً وأنفَسُها عند أهلها)) وقد تقدَّم شرحُه
مُستَوقّى هناك، وكأنَّ البخاريّ رَمَزَ بذلك إلى موافقة الكوفيّينَ، لأنَّ أفعَلَ التَّفضيل يقتضي
الاشتراك في أصل الحُكم.
وقال ابن المنيِّر: لم يَبُتَّ البخاريّ الحُكم في ذلك، ولكنَّه ذكر الفضل في عِتق المؤمنة
ليُبِّهَ على مَجَال النَّظَرِ، فِلِقائلِ أن يقول: إذا وجَبَ عِتق الرَّقَبة في كفَّارة اليمين كان الأخذ
بالأفضلِ أحوطَ، وإلّا كان المكَفِّر بغير المؤمنة على شَكٍّ في براءة الذِّمّة. قال: وهذا أقوى من

i
٢٥٠
باب ٧ / ح ٦٧١٦
فتح الباري بشرح البخاري
الاستشهاد بحَمْلِ المطلَق على المقيَّد لِظُهورِ الفَرقِ بينهما.
ثم ذكر البخاري حديث أبي هريرة: ((مَن أعتَقَ رَقَبَةً مسلمةً))، وقد تقدَّم أيضاً في أوائل
العِتق (٢٥١٧) من وجه آخر عن سعيد ابن مُرجانةَ عن أبي هريرة، وذكر فيه قصَّةً لِسعيدِ ابن
مُرجانةَ مع عليّ بن حُسَين، أي: ابن عليّ بن أبي طالب الملَقَّب زَين العابِدينَ، وهو المذكور هنا
أيضاً، وكأنَّه بعد أن سمعَه من سعيد ابن مرجانةَ وعَمِلَ به حدَّث به عن سعيد، فسمعَه مِنه
زيد بن أسلَمَ.
وفي رواية الباب زيادة في آخره، وهي قوله: ((حتَّى فَرْجَه بفَرجِه))، و((حتَّى)) هنا عاطِفة
لوجودِ شَرائط العطف فيها فيكون فرجه بالنَّصب، وقد تقدَّمَت فوائد هذا الحدیث وبيان
ما وَرَدَ فیه من الزّيادة هناك.
وأخرج مسلم (١٥٠٩/ ٢٢) حديث الباب عن داود بن رُشَيد شيخ شيخ البخاريّ فیه، وقد
نزلَ البخاريّ في هذا الإسناد دَرَجَتَينٍ، فإنَّ بينه وبين أبي غسّان محمَّد بن مُطرِّف في عِدّة أحاديث
في كتابه راوياً واحداً، كَسعيد بن أبي مريم في الصيام (١٩١٧) والنِّكاح (٥١٢١ و٥١٨٢)
٦٠٠/١١ والأشربة (٥٦٣٧) وغيرها، وكَعليٍّ بن عيَّاش في البيوع/ (٢٠٧٥) والأدب (٦٠٢١).
ومحمّد بن عبد الرحيم شيخه فيه: هو المعروف بصاعِقةً وهو من أقرانه، وداود بن
رُشَيد بشينٍ ومُعجَمة مُصغَّر من طبقة شيوخه الوُسطَى، وفي السَّنَد ثلاثة من التابِعِينَ في
نَسَقِ: زيدٌ وعليٌّ وسعيدٌ، والثلاثة مَدَنّونَ، وزيدٌ وعليٌّ قَرِينان.
٧- باب عِتْق المدبَّر وأمّ الولد والمكاتب في الكفّارة،
وعِتق ولد الزّنی
وقال طاووسِ: يُخْزِئُ المدَبَّرُ وأُمُّ الولدِ.
٦٧١٦ - حدّثنا أبو التُّعْمان، أخبرنا حَمّدُ بنُ زيدٍ، عن عَمرٍو، عن جابٍ: أنَّ رجلاً منَ
الأنصار دَبَّرَ تَمْلُوكاً له، ولم يكن له مالٌ غيرُه، فبَلَغَ النبيَّ وَهَ، فقال: ((مَن يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟)) فاشتَراه
نُعَيِمُ بنُ النَّحَامِ بثمان مئةِ دِرْهَمٍ.

٢٥١
باب ٧ / ح ٦٧١٦
كتاب كفارات الأيمان
فسمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: عبداً قِبْطِيّاً ماتَ عامَ أوَّلَ.
قوله: ((باب عِثْق المدَبَّر وأُمّ الولد والمكاتب في الكفّارة، وعِنْق ولد الزِّنی)) ذکر فیه حدیث
جابر في عِتق المدَبَّرِ، وعَمْرٌو في السَّنَد: هو ابن دينار، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوقَى في كتاب
العِتق (٢٥٣٤)، وبيانُ الاختلاف فيه والاحتجاجُ لمَن قال بصِحّة بيعِه، وقضيَّة ذلك
صِحّة عِتقه في الكفَّارة، لأنَّ صِحّة بیعه فرعُ بقاءِ الملكِ فیه، فیصحّ تنجیز عتقه.
وأمَّا أمّ الولد فحُكمها حُكم الرَّقيق في أكثر الأحكام، كالجِناية والحدود واستِمتاعِ السَّيِّد،
وذهب كثيرٌ من العلماء إلى جواز بيعها، ولكنِ استَقَرَّ الأمر على عَدَم صِحَّته، وأجمعوا على جواز
تَنجيز عتقها، فتُجزِىُّ في الكفَّارة.
وأمَّا عِتَقُ المكاتَب فأجازَه مالكٌ والشافعيُّ والثَّورِيُّ، كذا حكاه ابن المنذر، وعن
مالك أيضاً: لا يُجْزِئُّ أصلاً، وقال أصحاب الرّأي: إن كان أدَّى بعض الكتابة لم يُحِزِئ،
لأَنَّه يكون أعتَقَ بعض الرَّقَبة، وبِه قال الأوزاعيُّ واللَّيث، وعن أحمد وإسحاق: إن أدَّى
الثُّلث فصاعِداً لم يُحِزِئ.
قوله: ((وقال طاووسٌ: يُجْزِئ المدَبَّر وأُمّ الولد)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٤١٣/٣) من طريقه
بلفظ: يُحِزِئِ عِتق المدَبَّر في الكفَّارة. ((وأُمّالولد)) في الظِّهار.
وقد اختَلَفَ السَّلَف: فوافَقَ طاووساً الحسنُ في المدَبَّرِ والنَّخَعيُّ في أمّ الولد، وخالَفَه
فيهما الزُّهْرِيُّ والشَّعبيّ(١)، وقال مالكٌ والأوزاعيُّ: لا يُجْزِئُ في الكفَّارة مُدبّرٌ ولا أمُّ ولد
ولا مُعلَّقٌ عِتقُه. وهو قول الكوفيّين.
وقال الشافعيّ: يُحِزِئ عِتق المكاتَبِ(٢)، وقال أبو ثور: يُحِزِئ عِتق المكاتب ما دامَ عليه شيء
من كتابته، واحتُجَّ لمالكِ بأنَّ هؤلاءِ ثَبَتَ لهم عَقد الحُرّيَّة لا سبيل إلى رفعها، والواجب في
الكفَّارة تحرير رَقَبة، وأجابَ الشافعيّ بأنَّه لو كانت في المدَبَّر شُعْبة من حُرِّيَّة ما جازَ بيعُه.
(١) أخرج هذه الآثار عنهم ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤١٣/٣.
(٢) كذا في الأصلين، ووقع في (س): المُدَّر.

٢٥٢
باب ٧ / ح ٦٧١٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا عِتقُ ولد الزِّنى فقال ابن المنيِّر: لا أعلم مُناسَبة بين عِتق ولد الزِّنى وبين ما
أدخَلَه في الباب إلّا أن يكون المخالف في عِتقه خالَفَ في عِتق ما تقدَّم ذِكرُه، فاستَدَلَّ عليه
بأنَّه لا قائلٌ بالفَرقِ، ثمّ قال: ويظهر أنَّه لمَّا جَوَّز عِتق المدَبَّرِ استَدَلَّ له ولم يأتِ في أمّ
الولد إلّا بقولِ طاووسٍ، ولا في ولد الزّنى بشيءٍ أشارَ إلى أنَّه قد تقدَّم الحَثَّ على عِتق
الرَّقَبة المؤمنة، فيَدخُل ما ذُكِرَ بعدَه في العُموم بل في الخُصوص، لأنَّ ولد الزِّنى مع إيمانه
أفضلُ من الكافر.
قلت: جاء المنع من ذلك في الحديث الذي أخرجه البيهقيُّ (٥٩/١٠) بسندٍ صحيح
عن الزُّهْريِّ أخبرني أبو حسن مولى عبد الله بن الحارث - وكان من أهل العلم والصَّلاح -
أنَّه سمعَ امرأة تقول لعبد الله بن نَوفَل تَستَفتيه في غلام لها ابنُ زَنْيَةٍ تُعِقُه في رَقَبة كانت
عليها فقال: لا أراه يُجِزِتُك، سمعت عمر يقول: لَأن أُحَمَلَ على نَعلَينِ في سبيلِ الله أحبُّ إليَّ
من أن أُعْتِقَ ابنَ زَنْيَةٍ.
٦٠١/١١ وصَحَّ عن / أبي هريرة قال: لَأن أَمَتِّعَ(١) بسَوطٍ في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن أُعتِقَ ولدَ
زَنْية، أخرجه ابن أبي شَيْبةٍ(٢).
نعم في ((الموطَّأ)) (٢/ ٧٧٧) عن أبي هريرة: أنَّه أفتَى بعِتِقٍ ولد الزِّنى، وعن ابن عمر
(٢/ ٧٨٠) أنَّه أعتَقَ ابن زِنِّى.
وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٤٥٤/٣) والبيهقيُّ (٥٩/١٠) بسندٍ صحيح عنه وزادَ: قد
أمَرَنا الله أن نَمُنَّ على مَن هو شَرٌّ مِنه، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ﴾ [ محمد: ٤].
وقال الجمهور: ◌ُجزئ عِتقُه.
(١) تحرف في (س) إلى: أتبع. ومعنى (أُمتِّع)) أي: أتصدَّق بشيءٍ يُستمتَع أو يُنْتَفع به، انظر: ((فيض القدير))
٢٥٦/٥.
(٢) الذي في ((المصنف)) له ٣/ ٤٥٥ عن عائشة رضي الله عنها، وأخرجه عن أبي هريرة أبو داود في ((سننه)»
بإثر الحديث (٣٩٦٣).

٢٥٣
باب ٧م-٨ / ح ٦٧١٧
كتاب كفارات الأيمان
وكَرِهَه عليٌّ وابن عبّاس وابن عَمْرو بن العاص أخرجه ابن أبي شَيْبة عنهم بأسانيدَ
لَيِّنةٍ، ومَنَعَ الشَّعبيُّ والنَّخَعَيّ والأوزاعيّ، وأخرج ابن أبي شَيْبة ذلك بسندٍ صحيحٍ عن
الأوَّلِين(١).
والحُجّة لِلجُمهورِ قولُه تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقد صَحَّ مِلكُ الحالفِ
له فيَصِحُّ إعتاقُه له، وقد أخرج ابن المنذر بسندٍ صحيحٍ عن أبي الخير عن عُقْبة بن عامر أنَّه
سُئِلَ عن ذلك فمَنَعَ، قال أبو الخير: فسألنا فَضالةَ بنَ عُبيد فقال: يَغْفِرِ الله لِعُقْبةَ، وهل هو
إلّا نَسَمة من النَّسَم؟
وذكر المصنّف حديث جابر في بيع المدَبَّر، فأشارَ في التَّرجمة إلى أنَّه إذا جازَ بيعه جازَ ما
ذُكِرَ معه بطريق الأَولى.
٧م- باب إذا أعتق عبداً بينه وبين آخر
قوله: (باب إذا أعتَقَ عَبداً بينَه وبينَ آخَر)) أي: في الكفَّارة، ثبتَت هذه الترجمةُ للمُسْتَمْلِي
وحدَه بغير حديث، فكأنَّ المصنفَ أراد أن يُثبِتَ فيها حديثَ الباب الذي بعده من وجه آخر،
فلم يَتَّفِقِ، أو تَردَّدَ في التَّرجمتين، فاقتَصَر الأكثرُ على الترجمة التي تلي هذه. وكتب المُستَمْلي
التَّرجمتين احتياطاً، والحديث في الباب الذي يليه صالحٌ لهما بضَرْبٍ من التأويل، وجمع
أبو نُعیم التَّرجمتینِ في باب واحد.
٨- باب إذا أعتَق في الكَفّارة لمن يكون وَلاُه
٦٧١٧ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن الحَكَم، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ،
عن عائشةَ: أنَّها أرادت أن تَشْتَرِيَ بَرِيرةَ، فاشتَرَطوا عليها الولاءَ، فَذَكَرت ذلك لِلنبيِّ لَّه
فقال: ((اشتَرِيها، إِنَّمَا الولاءُ لمن أعْتَقَ)).
قوله: ((باب إذا أَعْتَقَ في الكفَّارة لمن يكون ولاُه)) أي: العَتيق.
(١) انظر ((المصنف)) لابن أبي شيبة ٧٩/٥-٨٢ (طبعة الجمعة واللحيدان) ففيه عن بعض من ذكرهم.

٢٥٤
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
ذَكَر فيه حديث عائشة في قصَّة بَريرةَ مختصراً وفي آخره: «فإنَّما الولاء لمن أعتَقَ)) وقضيَّتُه
أنَّ كَلّ مَن أعتَقَ فصَحَّ عِتْقُه كان الولاء له، فيَدخُل في ذلك ما لو أعتَقَ العَبدَ المشتَرَكَ، فإنَّه
إن كان موسِراً صَحَّ وضَمِنَ لِشَرِيكِهِ حِصَّتَه، ولا فرقَ بين أن يُعْتِقَه مجّاناً، أو عن الكفَّارة،
وهذا قول الجمهور، ومنهم صاحبا أبي حنيفة.
وعن أبي حنيفةً: لا يُحِزِئه عِتقُ العبد المشتَرَك عن الكفَّارة، لأنَّه يكون أعتَقَ بعضَ عبد
لا جميعَه، لأنَّ الشَّريك عنده يُخِيَّر بين أن يُقَوَّم عليه نَصيبُه، وبين أن يُعْتِقَه هو، وبين أن
يَستَسِعِيَ العَبدُ في نصيبِ الشَّريك.
٩- باب الاستثناء في الأيمان
قوله: ((باب الاستثناء في الأيمان)) وَقَعَ في بعض الرِّوايات: ((اليمين)»(١) وعليها شرح ابن
٦٠٢/١١
بَطّال، والاستثناء استفعال من الثُّنيا بضمِّ المثلّثَة وسكون الُّون بعدها تحتانيَّةٌ ويقال لها:
الثَّنوى أيضاً بواوٍ بدلَ الياء مع فتح أوَّله، وهي من ثَنَيتُ الشَّيءَ: إذا عَطَفته، كأنَّ المستَثنيَ
عَطَفَ بعضَ ما ذَكَرِه، لأنَّها في الاصطلاح إخراج بعض ما يَتناولُه اللَّفظ. وأداتها ((إلّا))
وأخواتها، وتُطلَق أيضاً على التَّعاليق، ومنها التَّعليق على المشيئة، وهو المراد في هذه التَّرجمة،
فإذا قال: لَأَفعَلَنَّ كذا إن شاء الله تعالى استَثَنَى، وكذا إذا قال: لا أفعل كذا إن شاء الله،
ومثلُه في الحُكم أن يقول: إلّا أن يَشاء الله، أو إلّا إن شاء الله، ولو أتى بالإرادة والاختيار
بَدَل المشيئة جازَ، فلو لم يَفعل إذا أثبَتَ، أو فَعَل إذا نَفَى لم يَحَنَث، فلو قال: إلّا إنْ غَيَّرَ الله
نَيَّتِي أو بَدَّلَ، أو إلّا أن يَبْدُوَ لي أو يظهرَ، أو إلّا أن أشاءَ، أو أُريدَ، أو أختار فهو استثناءٌ
أيضاً، لكن يُشتَرَط وجودُ المشروطِ.
واتَّفَقَ العلماء كما حكاه ابن المنذر على أنَّ شَرطَ الْحُكم بالاستثناءِ أن يَتَلَفَّظَ المسْتَثْنَى به،
وأنَّه لا يكفي القصدُ إليه بغير لفظٍ.
(١) كذا ذكر الحافظ هنا عن ابن بطال، ولكن الذي في المطبوع من شرحه ٦/ ١٨٠: ((الأيمان))، وليس في اليونينية ذكر
أيِّ خلاف في هذا اللفظ!

٢٥٥
باب ٩
كتاب كفارات الأيمان
وذَكَر عِيَاضٌ أنَّ بعض المتأخِّرينَ منهم خَرَّجَ من قول مالكٍ: إنَّ اليمينَ تَنعَقِدُ بالنِّيَّة:
أنَّ الاستثناءَ يُجْزِئ بالنِّيَّة، لكن نُقِلَ في ((التَّهذيب)): أنَّ مالكاً نَصَّ على اشتراطِ التلفُّظِ
بالیمین.
وأجابَ الباجيّ بالفَرْقِ أنَّ اليمين عَقدٌ والاستثناءَ حَلٌّ، والعَقد أبلغ من الحَلّ، فلا
◌ُلتَحَق بالیمین.
قال ابن المنذر: واختَلَفوا في وقته: فالأكثر على أنَّه يُشتَرَط أن يَتَّصِل بالحَلِف، قال
مالكٌ: إذا سَكَتَ أو قَطَعَ كلامَه فلا تُنْيا.
وقال الشافعيّ: يُشتَرَط وَصْلُ الاستثناء بالكلام الأوَّل، ووصلُه أن يكون نَسَقاً، فإن
كان بينهما سُكوتٌ انقَطَعَ إلّا إن كانت سَكْتَةَ تَذكُّرٍ، أو تنفّسٍ، أو عِيِّ(١)، أو انقطاعٍ صوتٍ،
وكذا يَقطَعُه الأخذ في كلامٍ آخرَ.
ولَخَّصَه ابن الحاجب فقال: شَرطُه الاتّصالُ لفظاً أو ما في حُكمه كَقطعِه لِتَنَفَّسِ أو سُعالٍ
ونحوِه، ممّا لا يَمنَعِ الاتّصال عُرفاً.
واختُلِفَ هل يَقطَعُهُ ما يَقْطَعُ القَبُولَ عن الإيجاب؟ على وجهَينِ لِلشّافعيَّة، أصحّهما: أنَّه
يَنقَطِعِ بالكلام اليسير الأجنبيّ، وإن لم يَنقَطِعِ به الإيجابُ والقَبُولُ، وفي وجهٍ: لو تَخَلَّلَ
أسْتَغْفِرِ اللهُ لم يَنقَطِعِ، وتَوقَّفَ فيه النَّوويّ، ونَصُّ / الشافعيّ يُؤيِّده حيثُ قال: ((تَذكُّر)) ٦٠٣/١١
فإنَّه من صور التَّذَكُّر عُرفاً، ويَلتَحِقِ به لا إلهَ إلّا الله ونحوُها، وعن طاووسٍ والحسن:
له أن يَستَثنيَ (٢) ما دامَ في المجلس، وعن أحمد نحوه وقال: ما دامَ في ذلك الأمرِ، وعن
إسحاق مِثله وقال: إلّا أن يقع السُّكوت، وعن قَتَادة: إذا استَئِنَى قبل أن يقوم أو
يتكلّم، وعن عطاء: قَدْرَ حَلبٍ ناقة، وعن سعيد بن جُبَير: إلى أربعة أشهُر، وعن
مجاهد: بعد سنتين، وعن ابن عبَّاس أقوال منها. له ولو بعدَ حينٍ، وعنه: كقولٍ سعید،
(١) العِيُّ: عجزٌ يلحق مَن تولّى الأمرَ والكلام، قاله الراغب في ((المفردات في غريب القرآن)).
(٢) تحرف في (س) إلى: يقطعه.

٢٥٦
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
وعنه: شهر، وعنه: سنة، وعنه: أبداً.
قال أبو عُبيد: وهذا لا يُؤخَذ على ظاهره، لأنَّ يَلزَم مِنه أن لا يَحِنَث أحدٌ في يمينه، وأن
لا تُتَصَوَّر الكفَّارة التي أوجَبَها الله تعالى على الحالف، قال: ولكنَّ وجه الخبر سُقوط الإثم
عن الحالف لِتَركِهِ الاستثناءَ، لأنَّه مأمور به في قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّىِ فَاعِلٌ
ذَلِكَ غَدَّا الْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] فقال ابن عبّاس: إذا نَسيَ أن يقولَ:
إن شاء الله يَستَدرِكُه، ولم يَرِد أنَّ الحالف إذا قال ذلك بعد أن انقَضَى كلامُه: أنَّ ما عَقَدَه
باليمين يَنحَلُّ.
وحاصلُه حَملُ الاستثناءِ المنقولِ عنه على لفظ ((إن شاء الله)) فقط، وحَمَلُ ((إن شاء الله))
على التَّبرُّك. وعلى ذلك ◌ُلَ الحديث المرفوع الذي أخرجه أبو داود (٣٢٨٥-٣٢٨٦)
وغيره موصولاً ومُرسَلاً(١)، أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((والله لَأغزُوَنَّ قُرَيشاً)) ثلاثاً ثمَّ سَكَتَ، ثمَّ
قال: ((إن شاء الله))، أو على السُّكوت لِتَنَفُّسِ أو نحوه.
وكذا ما أخرجه ابن إسحاق في سؤال مَن سألَ النبيَّ ◌َّ عن قصَّة أصحاب الكهف:
غَداً أُجِيبُكم، فتأخّرَ الوحي فنزلت: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ا إِلَّ أَن
يَشَآءَ اللّهُ﴾ فقال: ((إن شاء الله)) مع أنَّ هذا لم يَرِد هكذا من وجهٍ ثابتٍ.
ومن الأدلّة على اشتراط اتّصال الاستثناء بالكلام قوله في حديث الباب: ((فليُكفِّر عن
يَمينه)) فإنَّه لو كان الاستثناء يفيد بعد قَطْعَ الكلام لَقال: فليَستَئِنِ، لأنَّه أسهَلُ من التكفير،
وكذا قوله تعالى لأيوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْفًا فَأَضْرِبِ بِهِ، وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فإنَّ قوله: استَئنِ
أسهَلُ من التَّحَيُّلِ لِحَلِّ اليمين بالضَّرب، ولَلَزِمَ مِنه بُطْلان الإقرارات والطَّلاق والعِتق
فِيُستَئِنَى مَن أَقَرَّ أو طَلَّقَ أو أعَتَقَ بعد زمان ويَرتَفِع حُكم ذلك، فالأَولى تأويل ما نُقِلَ عن
ابن عبّاس وغيره من السَّلَف في ذلك.
(١) ومدار هذا الحديث على سماك بن حرب، وقد اختلف عليه في وصله وإرساله، وفي رواية سماك عن عكرمة
اضطراب. وقد نقل ابن أبي حاتم في ((العلل)) ١٤٥/٤ عن أبيه: أن الأشبه إرساله.

٢٥٧
باب ٩
كتاب كفارات الأيمان
وإذا تَقرَّرَ ذلك فقد اختُلِفَ هل يُشتَرَط قَصْد الاستثناء من أوَّل الكلام أو لا، حكى
الرَّافعيّ فيه وجهَين، ونَقَلَ عن أبي بكر الفارسيّ أنَّه نَقَلَ الإجماع على اشتراط وقوعه قبلَ
فراغ الكلام، وعَلَّلَه بأنَّ الاستثناء بعد الانقضاءِ (١) يَنشَأ بعد وقوع الطَّلاق مثلاً وهو
واضح.
ونَقلُه مُعارَضٌ بما نَقَلَه ابن حَزْم أَنَّه لو وَقَعَ مُتَصِلاً به کَفَی، واستَدَلَّ بحدیثِ ابن عمر
رَفَعَه: ((مَن حَلَفَ فقال: إن شاء الله لم يَحِنَث))(٢)، واحتَجَّ بأنَّه عَقَّبَ الْحَلِفَ بالاستثناءِ
باللَّفظ، وحينئذٍ يَتَحَصَّل ثلاثُ صُوَر: أن يَقصِد من أوَّله، أو من أثنائه ولو قبلَ فَراغِه، أو
بعد تمامه، فيَختَصّ نقل الإجماع بأنَّه لا يفيد في الثّالث، وأبعَدَ مَن فهمَ أنَّه لا يفيد في الثّاني
أيضاً، والمراد بالإجماع المذكور إجماع مَن قال: يُشتَرَط الاتّصال، وإلّا فالخِلاف ثابت كما
تقدَّم، والله أعلم.
وقال ابن العربيّ: قال بعض عُلَمائنا: يُشتَرَط الاستثناء قبلَ تَمَام اليمين، قال: والذي
أقول: إنَّه لو نَوى الاستثناء مع اليمين لم يكن يميناً ولا استثناء، وإنَّما حقيقة الاستثناء: أن
يقعَ بعد عَقد اليمين فيَحُلُّها الاستثناءُ المتَّصِلُ باليمين.
واتَّفَقوا على أنَّ مَن قال: لا أفعَل كذا إن شاء الله، إذا قَصَدَ به التَبَرُّك فقط ففَعَلَ: يَحِنَثُ،
وإن قَصَدَ الاستثناء: فلا حِنثَ علیه.
واختَلَفوا إذا أطلقَ أو قَدَّمَ الاستثناء على الحَلِفِ أو أخَّرَه، هل يَفتَرِق الحُكم؟ وقد تقدَّم
في كتاب الطَّلاق.
واتَّفَقوا على دخول الاستثناء في كلِّ ما يُحِلَفُ به إلّ الأوزاعيّ فقال: لا يَدخُل في
الطَّلاق والعِتق والمشي إلى بيت الله، وكذا جاء عن طاووسٍ وعن مالكٍ مِثلُه، وعنه: إلّا
المشي، وقال الحسن وقَتَادةُ وابن أبي ليلى واللَّيث: يَدخُل في الجميع إلّ الطَّلاق، وعن
(١) في (س): ((الانفصال))، والمثبت من الأصلين.
(٢) سيأتي تخريجه وكلام الحافظ عليه في سياق شرحه لهذا الباب.

٢٥٨.
باب ٩ / ح ٦٧١٨ -٦٧١٩
فتح الباري بشرح البخاري
٦٠٤/١١ أحمد: يَدخُل الجميع إلّ العِتق، / واحتَجَّ بتَشَوُّفِ الشّارع له، وورَدَ فيه حديث عن معاذ
رَفَعَه: ((إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالق إن شاء الله لم تَطلُق، وإن قال لعبده: أنتَ حُرٌّ إن
شاء الله، فإنَّه حُرّ))(١)، قال البيهقيُّ: تفرَّد به حُميدُ بن مالك وهو مجهول، واختُلِفَ عليه
في إسناده.
واحتَجَّ مَن قال: لا يَدخُل في الطَّلاق بأنَّه لا تَحِلُّه الكفَّارة، وهي أغلَظُ على الحالف من
النُّطْقِ بالاستثناءِ. فلمَّا لم يَحُلَّ الأقوى لم يَجُلَّه الأضعَفُ.
وقال ابن العربيّ: الاستثناء أخو الكفَّارة وقد قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا
حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فلا يَدخُل في ذلك إلّا اليمينُ الشَّرعيَّةُ وهي الَلِفُ بالله.
٦٧١٨ - حدَّثْنَا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا حَمّدٌ، عن غَيْلانَ بنِ جَرِير، عن أبي بُرْدةَ بنِ أبي
موسى، عن أبي موسى الأشعَرِيِّ، قال: أتيتُ رسولَ الله وَّهِ فِي رَهْطٍ منَ الأشعَرِيِّينَ
أستَحمِلُه، فقال: ((والله لا أحِلُكم، ما عندي ما أحِلُكم)) ثمَّ لَبِثْنَا ما شاءَ اللهِ، فَأُتِيَ بإِلٍ فَأَمَرَ لنا
بَثَلاثِ ذَوْدٍ، فلمَّا انطَلَقْنا قال بعضُنا لبعضٍ: لا يُباركُ الله لَنا! أتَينا رسولَ الله ◌َِّ نَسْتَحمِلُه،
فحَلَفَ أن لا يَحْمِلَنا فحَمَلَنا، فقال أبو موسى: فأتَينا النبيَّ ◌َّ فَذَكَرْنا ذلك له، فقال: ((ما أنا
حَلْتُكُم، بَلِ اللهُ حَمَلَكم، إنّ والله إن شاء الله لا أحلِفُ على يَمِينٍ فأرَى غيرَها خيراً منها، إلّا
كَفَّرْتُ عن يَمِيني، وأتيتُ الذي هو خيرٌّ وكَفَّرتُ)).
٦٧١٩- حدَّثنا أبو الثُّعْمَان، حذَّثنا حَمَّادٌ، وقال: «إلا كَفَّرْتُ عن يَمِيني، وأتيتُ الذي هو
خيرٌ، أو أتيتُ الذي هو خيرٌ وكَفَّرْت)).
قوله: ((حَمَّاد)» هو ابن زيدٍ، لأنَّ قُتَيبةً لم يُدرِك حَمَّد بن سَلَمة، وغَيْلانُ بفتحِ المعجَمة
وسكون التَّحتائِيَّة.
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) برقم (١١٣٣١)، وابن عدي في ((الكامل)) في ترجمة حميد بن مالك اللخمي
٨٦/٣ و٨٧، والدار قطني في ((السنن)) برقم (٣٩٨٤)، والبيهقي في «السنن)) ٣٦١/٧ و٤٧/١٠.

٢٥٩
باب ٩ / ح ٦٧١٨ -٦٧١٩
كتاب كفارات الأيمان
قوله: ((فأَتيَ بإبلٍ)) كذا للأكثرِ، ووَقَعَ هنا في رواية الأَصِيلِيّ، وكذا لأبي ذرِّ عن
السَّرَخْسِّ والمُستَمْلي: ((بشائلِ)) بعد الموخَّدة شينٌ مُعجَمَةٌ، وبعد الألف تحتانيَّة مهموزة
ثمَّ لامُ.
قال ابن بَطّال: إن صَحَّت فأظنُّها شوائلَ، كأنَّه ظنَّ أنَّ لفظ شائل خاصّ بالمفرَد، وليس
کذلك بل هو اسم چنس.
وقال ابن التِّين: جاء هكذا بلفظ الواحد، والمراد به: الجمع كالسامرِ.
وقال صاحب ((العين)): ناقةٌ شائلةٌ، ونوقٌ شائلٌ: التي جَفَّ لَبَنُها، وشَوَّلَتِ الإبلُ
بالتَّشديدِ: لَصِقَت بُطونها بظُهورها.
وقال الخطّابُّ: ناقةٌ شائلٌ: قَلَّ لَبَنُها، وأصله من: شال الشَّيء: إذا ارتَفَعَ كالميزان،
والجمع شَوْلٌ كَصاحبٍ وصَحْبٍ، وجاء شَوائلُ جمع شائلٍ.
وفيما نُقِلَ من خَطّ الدِّمياطيّ الحافظ: الشّائل الناقة التي تَشُول بذَنَبها اللِّقاح، وليس
ها لَبن، والجمع شُوَّلٌ بالَّشدید کراکِعٍ ورُگَّعٍ.
وحكى قاسم بن ثابت في ((الدَّلائل)) عن الأصمعيّ: إذا أتى على الناقة من يوم حَملها
سبعة أشهُر جَفَّ لبنُها، فهي شائلة، والجمع شَوْلٌ بالتَّخفيف، وإذا شالَت بذَنَبها بعد
اللّقاح فهي شائل والجمع شُوَّل بالتَّشديدِ (١).
وهذا تحقيق بالغ. وأمَّا ما وَقَعَ في ((المطالع)) أنَّ شائل جمع شائلة فليس بجيِّدٍ.
قوله: ((فأمَرَ لَنا)) أي: أمَرَ أَنّا نُعطَى ذلك.
قوله: ((بثلاثِ ذَوْدٍ)) كذا لأبي ذرِّ، ولغيره: بثلاثة ذَودٍ، وقيل: الصَّواب الأوَّل؛ لأنَّ الذَّود
(١) وهذا نقله الأزهري في ((تهذيب اللغة)) ١١/ ٢٨٢ وردَّه فقال: وهو غلط لا أدري أهو من أبي عبيد أو
الأصمعي، والصواب: إذا أتى عليها من يوم نتاجها سبعة أشهر، لا من يوم حَمْلها، اللهم إلّا أن تحمل
الناقة كِشافاً، وهو أن يضربها الفحل بعد نتاجها بأيام قلائل، وهي كَشُوفٌ حينئذٍ، وهو أرداً نتاج عند
العرب.

٢٦٠
باب ٩ / ح ٦٧١٨ -٦٧١٩
فتح الباري بشرح البخاري
مؤنَّثٌ، وقد وَقَعَ في رواية أبي السَّليل عن زَهدَم كذلك، أخرجه البيهقيُّ (٣١/١٠)،
وأخرجه مسلم بسنده (١٦٤٩/ ١٠)، وتوجيه الأُخرى أنَّه ذُكِرَ باعتبار لفظ الذَّود، أو أنَّه
يُطلَق على الذُّكور والإناث، أو الرِّواية بالتَّنوين، وذَود إمّا بَدَل فيكون مجروراً وإمّا
مُستَأنَفٌ فيكون مرفوعاً.
والذَّوْدُ بفتح المعجَمة وسكون الواو بعدها مُهمَلة من الثلاث إلى العشر، وقيل: إلى السَّبع،
وقيل: من الاثنينِ إلى التِّسع من النُّوق، قال في ((الصِّحاح)): لا واحدَ له من لفظه، والكثير أذوادٌ
والأكثر على أنَّه خاصٌّ بالإناثِ وقد يُطلَق على الذُّكور أو على أعَمَّ من ذلك كما في قوله: (وليس
فيما دونَ خمسٍ ذَوْدٍ من الإبل صَدَقةٌ)(١)، ويُؤخَذ من هذا الحديث أيضاً أنَّ الذَّود يُطلَق على
الواحد بخلاف ما أطلقَ الجَوْهريّ.
وتقدَّم في المغازي (٤٣٨٥) بلفظ: ((خَمس ذَوْد)) وقال ابن التِّين: الله أعلم أيّهما يَصِحّ.
قلت: لعلَّ الجمع بينهما يَحصُل من الرِّواية التي تقدَّمَت في غزوة تَبُوك بلفظ: ((خُذ
هذَينِ القَرِينَينِ)) فلعلَّ رواية الثلاث باعتبار ثلاثة أزواج، ورواية الخمس باعتبار أنَّ أحد
الأزواج كان قَرِينَه تَبَعاً فاعتَّ به تارةً ولم يَعتَدّ به أُخرى، ويُمكِن أن يُجمَع بأنَّه أمَرَ لهم
بثلاثِ ذَود أوَّلاً، ثمَّ زادَهم اثنَيْنِ فإِنَّ لفظ زَهدَم: ثمَّ أُتيَ بنَهبِ ذَودٍ غُرِّ الذُّرَى فأعطانا
خمس ذَود(٢)، فوَقَعَت في رواية زَهدَم ◌ُملةُ ما أعطاهم، وفي رواية غَيْلان عن أبي بُرْدة مَبدَأُ
ما أمَرَ لهم به ولم يَذْكُر الزّيادة، وأمَّا رواية: ((خُذ هذَينِ القَرِينَينِ)) ثلاث مِرار، وقد مضى في
المغازي (٤٤١٥) بلفظِ أصرَحَ منه، وهو قوله: ((ستّة أبعِرة)) فعلى ما تقدَّم أن تكون السادسة
كانت تَبَعاً، ولم تكن ذُروتها موصوفة بذلك.
قوله: ((إنّ والله إن شاء الله)) قال أبو موسى المدينيُّ في كتابه ((الثَّمين في استثناء اليمين)) لم
يقع قوله: ((إن شاء الله)) في أكثر الطّرق لحديثِ أبي موسى.
(١) سلف عند البخاري برقم (١٤٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(٢) هذا لفظ البيهقي ١٠/ ٥٠، وقد سلفت رواية زهدم عند البخاري برقم (٥٥١٨) ولفظها: ثم أتي رسول الله وَ ل
بنهب من إبل فأعطانا خمس ذود غُرّ الذُّرى.