Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ باب ١٠ / ح ٦٦١٣ كتاب القدر قوله: ((والفَرْجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبُه)) يشير إلى أنَّ التَّصديق هو الحُكم بمُطابقَة الخبر للواقع، والتكذيبَ عكسُه، فكأن الفَرْج هو الموقع أو الواقع فيكون تشبيهاً، ويحتمل أن يريد أنَّ الإيقاعِ يَستَلِزِمِ الحُكمَ بها عادةً، فيكون كِنايةً. قال الخطَّبيُّ: المراد باللَّمَم: ما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كُبَهِرَ اُلْإِثْمِ وَاَلْفَوَحِشَ إِلَّ ◌َلَّمَ﴾ [النجم: ٣٢] وهو المعفوُ عنه. وقال في الآية الأُخرى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فيُؤخَذ من الآيَتَيْنِ أنَّ اللَّمَم من الصَّغائر، وأنَّه يُكفَّر باجتنابِ الكبائر، وقد تقدَّم بيان ذلك في الكلام على حديث: ((مَن هَمَّ بِحَسنةٍ، ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ)) في وسَط كتاب الرِّقاق (٦٤٩٠). وقال ابن بَطّال: تَفَضَّلَ الله على عباده بغُفرانِ اللَّمَم إذا لم يكن للفَرْجِ تصديقٌ بها، فإذا صَدَّقَها الفَرْجُ كان ذلك كبيرة. ونَقَلَ الفَرّاءِ: أنَّ بعضهم زَعَمَ أنَّ((إلّا)) في قوله: ﴿إِلَّا اللََّ﴾ بمعنى الواو، وأنكَرَه، وقال: إلّا صَغائر الذُّنوب فإِنَّها تُكَفَّر باجتنابٍ كِبارِها، وإنَّما أطلقَ عليها زنىَ لأنَّها من دَوَاعِيه، فهو من إطلاق اسم المسبَّب على السَّبَب مجازاً. وفي قوله: ((والنّفْس تَشْتَهي، والفَرْجِ يُصدِّق أو يُكذِّب)) ما يُستَدَلّ به على أنَّ العَبد لا يَخْلُق فِعَلَ نفسه، لأنَّه قد يريد الزِّنى مثلاً ويَشْتَهيه فلا يُطاوِعُه العُضوُ الذي يريدُ أن يَزِنيَ به، ويُعِزُه الحيلةُ فيه ولا يَدْري لذلك سبباً، ولو كان خالقاً لِفِعِلِه لمَا عَجَزَ عن فِعلِ ما يريدُه مع وجود الطَّاعِيَة واستِحكام الشَّهوة، فدَلَّ على أنَّ ذلك فعلٌ مُقدَّرٌ يُقدِّرها إذا شاءَ، ويُعَطِّلها إذا شاءَ. ١٠ - باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِى أَرَبْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ٦٦١٣ - حدَّثْنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمْرٌو، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: هي رُؤْيا عينٍ أَرِيَهَا رسولُ اللهَ وَّه ليلةَ أُسْرِيَ به إلى بيتِ المقدِسِ، قال: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ الْقُرْءَانِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي شَجَرةُ الَّقْومِ. ٦٢ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّنْيَا الَّتِىِّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِّلنَّاسِ ﴾)» ذكَرَ فيه حديثَ ابن عبَّاس، وقد تقدَّم في تفسير سورة سبحان مُستَوفّى. ووجهُ دخوله في أبواب القَدَر من ذِكْر الفتنة، وأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي جَعَلَها، وقد قال موسى عليه السلام: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَنْكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ٥٠٥/١١ وأصلُ الفِتنة: الاختبار،/ ثمَّ استُعمِلَت فيما أخرَجَه الاختبارُ إلى المكروه، ثمَّ استُعمِلَت في المكروه؛ فتارةً في الكفر كقوله: ﴿ وَاَلْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، وتارةً في الإثم كقوله: ﴿أَلَا فِ اُلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [التوبة: ٤٩]، وتارةً في الإحراق كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠]، وتارةً في الإزالة عن الشَّيء كقوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، وتارةً في غير ذلك، والمرادُ بها في هذا الموضِعِ الاختيارُ على بابها الأصليّ، والله أعلم. قال ابنُ التِّين: وجهُ دخول هذا الحديث في كتاب القَدَر: الإشارةُ إلى أنَّ الله قَدَّرَ على المشرِكينَ التكذيبَ لِرُؤيا نبيِّه الصّادِقِ، فكان ذلك زيادةً في طُغيانِهِم حيثُ قالوا: كيف يَسِير إلى بيت المقدس في ليلةٍ واحدة ثمَّ يَرجِع فيها؟ وكذلك جَعَلَ الشَّجَرةَ الملعونةَ زيادةً فِي طُغيانِهِم حيثُ قالوا: كيف يكون في النار شَجَرةٌ، والنار تَحِرِق الشَّجَر؟ وفيه خلقُ الله الكفرَ ودَواعِي الكُفْر من الفِتنة، وسيأتي زيادةٌ في تقرير ذلك في الكلام على خَلْق أفعال العباد في كتاب التَّوحيد (٧٥٥٥) إن شاء الله تعالى. والجواب عن شُبهَتِهم: أنَّ الله خَلَقَ الشَّجَرة المذكورة من جَوهرٍ لا تأكُلُه النار، ومنها سَلاسِلُ أهل النار وأغلالهم، وخَزَنةُ النار من الملائكة، وحَيّاتها وعَقارِبُها، وليس ذلك من جِنْس ما في الدُّنيا، وأكثر ما وَقَعَ الغَلَط لمن قاسَ أحوالَ الآخرة على أحوال الدُّنيا، والله تعالى الموفِّق. ١١ - بابٌ تحاجّ آدم وموسى عند الله ٦٦١٤ - حدّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: حَفِظْناه من عَمْرٍو، عن طاووسٍ، سمعتُ أبا هريرةَ، عن النبيِّ وَّرَ قال: ((احتَجَّ آدمُ وموسى، فقال له موسى: يا آدمُ أَنتَ أبونا خَيَّتَنا، ٦٣ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م كتاب القدر وأخرَجْتَنَا مِنَ الجنَّةِ، قال له آدمُ: يا موسى اصْطَفَاكَ الله بكَلامِه، وخَطَّ لكَ بِيَدِهِ، أتلومُني على أمرٍ قَدَّرَ الله عليَّ قبلَ أن يَخْلُّقَني بأربعينَ سَنةً؟ فحَجَّ آدمُ موسى، فحَجَّ آدمُ موسى)) ثلاثاً. ٦٦١٤/م - وقال سفيانُ: حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ، مِثلَه. قوله: ((بابٌ تَحاجّ آدم وموسى عند الله)) أمَّا (نَحاجّ)) فهو بفتح أوَّله وتشديد آخره، وأصله: تَحَاجَجَ بجيمَين. وأما قوله(١): ((عند الله) فَزَعَمَ بعض شيوخنا أنَّه أراد: أنَّ ذلك يقَعُ منهما يوم القيامة، ثمَّ رَدَّه بما وَقَعَ في بعض طرقه، وذلك فيما أخرجه أبو داود (٤٧٠٢) من حديث عمر قال: ((قال موسى: يا رَبّ أرِنا آدم الذي أخرَجَنا ونفسَه من الجنَّة، فأراه الله آدَمَ، فقال: أنتَ أبونا ... )) الحديث، قال: وهذا ظاهره أنَّه وَقَعَ في الدُّنيا، انتهى. وفيه نظرٌ؛ فليس قول البخاريّ: ((عند الله)) صريحاً في أنَّ ذلك يقَعُ يوم القيامة، فإنَّ العِنديَّةَ عندَّةُ اختصاصٍ وتشريفٍ لا عنديَّةُ مكانٍ، فيُحتَمل وقوع ذلك في كلٍّ من الدَّارَين، وقد ورَدَتِ العِندِيَّة في القيامة بقوله تعالى: ﴿فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْنَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وفي الدُّنيا بقولِهِ وَّ: ((أبيتُ عند رَبّ يُطعِمُني ويَسْقِيني))(٢). وقد بيَّنت في كتاب الصيام (١٩٦٥) أنَّه بهذا اللَّفظ في ((مُسنَد أحمد)) (١٠٤٣٣) بسندٍ في ((صحيح مسلمٍ)) (٥٨/١١٠٣)، لكن لم يَسُق لفظ المتن. والذي ظَهَرَ لي أنَّ البخاريّ لَمَّحَ في التَرجمة بما وَقَعَ في بعض طرق الحديث، وهو ما أخرجه أحمد(٣) من طريق يزيد بن هُرمُز عن أبي هريرة بلفظ: ((احتَجَّ آدم وموسی عند رَبِّهما ... )) الحديث. قوله: ((سُفْيان)) هو ابنُ عُيَينَةَ. قوله: ((حَفِظْناه من عَمْرو)) يعني: ابنَ دينار، ووَقَعَ في ((مُسنَد / الحميديِّ)) (١١١٥) عن ٥٠٦/١١ سفيان: حدَّثنا عَمْرو بنُ دينار، وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق الحُميديّ. قوله: ((عن طاووسٍ)) في رواية أحمد (٧٣٨٧) عن سفيان عن عَمْرو: سَمِعَ طاووساً، وعند (١) في (أ) و(س): ولفظ قوله، والمثبت من (ع). (٢) عند الترمذي (٧٧٨)، وأصله عند البخاري دون لفظة: ((عند ربي)) سلف في الصيام برقم (١٩٦١). (٣) بل مسلم (٢٦٥٢) (١٥). ٦٤ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م فتح الباري بشرح البخاري الإسماعيليّ من طريق محمَّد بن منصور الجَوّاز(١) عن سفيان عن عَمْرو بن دينار: سَمِعتُ طاووساً. قوله في آخره: ((وقال سُفْيان: حدّثنا أبو الزِّناد)) هو موصول عطفاً على قوله: حَفِظناه من عَمْرو، ووَقَعَ في رواية الحميديِّ: قال: وحدَّثنا أبو الزِّناد، بإثبات الواو، وهي أظهَرُ في المراد، وأخطَاً مَن زَعَمَ أنَّ هذه الطَّريقَ مُعلَّقَةٌ، وقد أخرجها الإسماعيليّ مُنفَرِدةً بعد أن ساقَ طريقَ طاووسٍ عن جماعةٍ عن سفيان، فقال: أخبَرَنيه القاسمُ - يعني: ابنَ زكريّا - حدَّثنا إسحاق بنُ حاتم العَلَاف حدَّثنا سفيان عن عَمْرٍو، مِثلَه سواء، وزادَ: قال: وحدَّثني سفيان عن أبي الزِّناد به. قال ابن عبد البَرّ: هذا الحديث ثابتٌ بالاتّفاق، رواه عن أبي هريرة جماعةٌ من التابعين، ورُويَ عن النبيّ وَلِّ من وجوه أُخرى من رواية الأئمّة الثِّقات الأثبات. قلت: وَقَعَ لنا من طريق عشَرةٍ عن أبي هريرة: منهم: طاووس في ((الصحيحين))(٢). والأعرَج كما ذكرتُه، وهو عند مسلم (٢٦٥٢/ ١٥) من رواية الحارث بن أبي ذُباب، وعند النَّسائيّ (ك١٠٩١٨ و١٠٩٩٤) عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، كلاهما عن الأعرج. وأبو صالح السَّان عند التِّرمِذيّ (٢١٣٤)، والنَّسائيِّ (ك١١٠٦٥) وابن خُزَيمةَ(٣)، كلّهم من طريق الأعمَش عنه، والنَّسائيّ (ك١٠٩١٩) أيضاً من طريق القَعْقاع بن حَكِيم عنه. ومنهم: أبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن عند أحمد (٧٦٣٥) وأبي عَوَانة(٤) من رواية الزُّهْريِّ عنه، وقيل: عن الزُّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب، وقيل: عنه عن حُميدٍ بن عبد الرّحمن(٥) ومن رواية (١) الجوَّاز، ضبطه الحافظ في ((التقريب)) بالجيم وتشديد الواو ثم زاي، وتحرف في (س) إلى: الخراز. (٢) أما رواية البخاري فهي هذه التي بين أيدينا، ورواية مسلم برقم (٢٦٥٢) (١٣). (٣) في ((التوحيد)) ١/ ١٢٥. (٤) في القدر كما في ((إتحاف المهرة)) ١٦٧/١٦. (٥) عند أحمد (٧٥٨٩). ٦٥ باب ١١ / ح ٦٦١٤ -٦٦١٤م كتاب القدر أيوب بن النَّجّار [عن يحيى بن أبي كثير](١) عن أبي سَلَمة في ((الصحيحين)) أيضاً، وقد تقدَّم في تفسير سورة طه (٢)، ومن رواية محمَّد بن عَمْرو بن عَلْقمة عن أبي سَلَمة عند ابن خُزيمةَ وأبي عَوَانة (٣) وجعفر الفِرْيابيّ في ((القَدر)) (١١٣)، ومن روایة یحیی بن أبي کثیر عنه عند أبي عَوَانة(٤). ومنهم: حُميدُ بن عبد الرّحمن عن أبي هريرة كما تقدَّم في قصَّة موسى من أحاديث الأنبياء (٣٤٠٩)، ويأتي في التَّوحيد (٧٥١٥)، وأخرجه مسلم (١٥/٢٦٥٢). ومنهم: محمَّد بن سِيرِين كما مضى في تفسير طه (٤٧٣٦)، وأخرجه مسلم (١٥/٢٦٥٢). ومنهم: الشَّعبيّ أخرجه أبو عَوَانة والنَّسائيُّ (ك١١١٢٢). ومنهم: همَّام بن مُنِّه أخرجه مسلم(٥). ومنهم: عَّر بن أبي عَّار أخرجه أحمد (٩٩٨٩). وممن رواه عن النبيّ ◌َّ: عمر عند أبي داود (٤٧٠٢) وأبي عَوَانة (٦٤٧٠)(٦). وجُندَب بن عبد الله عند النَّسائيِّ (ك١١٢٥٦). وأبو سعيد عند البزَّار(٧)، وأخرجه ابن أبي شَيْبة وعبد الرَّزّاق والحارث(٨) من وجه آخر عنه. (١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س). (٢) تقدم برقم (٤٧٣٨) وهو عند مسلم (٢٦٥٢) (١٥). (٣) عند أبي خزيمة في ((التوحيد)) ١/ ١٢٢، وأبي عوانة في ((القدر)) كما في ((إتحاف المهرة)) ١٦٧/٦. (٤) في ((القدر)) كما سلف قريباً. (٥) أخرجه مسلم (٢٦٥٢) (١٥) ولم يسق لفظه، وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٦٨)، وأحمد (٨١٥٨) وساقا لفظه، وقد ذكرنا ذلك لأن الحافظ سیبین فیما بعد فرق رواية همام عن غيره دون التنبيه على مظانها. (٦) وأخرجه أيضاً البزار (١٧١)، وابن منده في ((الإيمان)) (١١) و(١٢)، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد)) (١٠٣٧)، والبيهقي في ((القضاء والقدر)) (١٨٦). (٧) كما في ((كشف الأستار)) (٢١٤٧). (٨) أما الحارث فكما في ((بغية الباحث)) للهيثمي (٧٣٩)، وأما المصنفان فلم نقع عليه في المطبوع منهما. ٦٦ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م فتح الباري بشرح البخاري وقد أشارَ إلى هذه الثلاثة التِّرمِذيّ(١). قوله: ((احتَجَّ آدم وموسى)) في رواية همَّام ومالكِ (٨٩٨/٢): ((تَحَاجَّ)) كما في التَّرجمة وهي أوضَح، وفي رواية أيوب بن النَّجّار [عن] يحيى بن أبي كثير(٢) ((حَجَّ آدم وموسى))، وعليها شَرَحَ الطِّييُّ فقال: معنى قوله: ((حَجَّ آدم موسى)): غَلَبَه بالحُجّة. وقوله بَعْد ذلك: ((قال موسى: أنتَ آدم ... )) إلى آخره، تَوضِيحٌ لذلك وتفسيرٌ لما أُجِلَ. وقوله في آخره: «فحَجَّ آدم موسی» تقریرٌ لما سَبَقَ وتأکید له. وفي رواية يزيد بن هُرمُز كما تقدَّمَتِ الإشارة إليه: ((عند رَبِّهما))، وفي رواية محمّد بن سِيرِين: ((التَّقَى آدمُ وموسى))، وفي رواية عمَّار والشَّعبيّ: (لَقيَ آدم موسى))، وفي حديث عمر: ((لَقيَ موسى آدم))، كذا عند أبي عَوَانة (٣)، وأمَّا أبو داود فلفظه كما تقدَّم ((قال موسى: يا رَبّ أرِني آدم)). وقد اختَلَفَ العلماء في وقت هذا اللِّقاء(٤)، فقيلَ: يحتمل أنَّه في زمان موسى فأحيا الله له آدم مُعجِزةً له فكَلَّمَه، أو كَشَفَ له عن قبره فتَحدَّثا، أو أراه الله رُوحَه كما أَرَى النبيّ وَّ ليلة المعراج أرواحَ الأنبياءِ، أو أراه الله له في المنام، ورُؤيا الأنبياء وحيٌ ولو كان يقع في بعضها ما يَقبلُ التَّعبیر کما في قصَّة الذَّبیح، أو كان ذلك بعد وفاة موسى، فالتَقَيا في البَرَزَخِ أوَّلَ ما ماتَ موسى فالتَّقَت أرواحُهما في السماء، وبذلك جَزَمَ ابن عبد البَرِّ والقابِسيّ. وقد وَقَعَ في حديث عمر(٥) لمَّا قال موسى: ((أنتَ آدم؟ ... قال: له مَن أنتَ؟ قال: أنا (١) بإثر الحديث (٢١٣٤). (٢) في الأصلين و(س): أيوب بن النجار ويحيى بن أبي كثير، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا كما في ((الصحيحين)) وقد سلف تخريجهما قبل قليل. وسقطت لفظة (أبي)) من (س). (٣) الرواية التي خرجناها من مطبوع أبي عوانة (٦٤٧٠)، لفظها: أنَّ آدم وموسى عليهما السلام اختصما إلى الله عزَّ وجلّ في ذلك، ورواية عمر عند البزار (١٧١) باللفظ الذي أورده، وعند أبي يعلى (٢٤٤) بلفظ: ((التقى آدم وموسی». (٤) تحرفت في (س) إلى: اللفظ. (٥) في رواية أبي داود (٤٧٠٢). ٦٧ باب ١١ / ح ٦٦١٤-٦٦١٤م كتاب القدر موسى))، وأنَّ ذلك لم يقع بعدُ وإنَّما يقع في الآخرة، والتَّعبير عنه في الحديث بلفظ الماضي لتَحقُّقِ/ وقوعه. ٥٠٧/١١ وذكر ابن الجَوْزيّ احتمال التِقائهما في البَرَزَخ، واحتمال أن يكون ذلك ضَرْبَ مَثَلِ، والمعنى: لو اجتَمَعا لَقالا ذلك، وخُصَّ موسى بالذِّكرِ لكَونِه أوَّلَ نبيٌّ بُعِثَ بالتكاليفِ الشَّديدة، قال: وهذا وإن احتُمِلَ لكنَّ الأوَّل أَولى، قال: وهذا ممَّا يَجِبُ الإيمانُ به لُبوتِه عن خَبَرَ الصّادِقِ وإن لم يُطَّلَع على كيفيَّة الحال، وليس هو بأوَّل ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نَقِف على حقيقة معناه، كَعذاب القبر ونَعيمِه، ومَتَى ضاقَتِ الحِيَل في كشف المشكِلات لم يَبقَ إلّ التَّسليم. ١٤٠ وقال ابن عبد البَرِّ: مِثلُ هذا عندي يجب فيه التَّسليم ولا يوقَفُ فيه على التَّحقيق، لأنّا لم نُؤتَ من جِنس هذا العلم إلّ قليلاً. قوله: ((أنتَ أبونا)) في رواية يحيى بن أبي كثير: ((أنتَ أبو الناس؟))(١)، وكذا في حديث عمر(٢)، وفي رواية الشَّعبيّ: ((أنتَ آدمُ أبو البشرِ)). قوله: (خَيَّبْتَنَا، وأخرَجْتنا من الجنَّة)) في رواية حُميدٍ بن عبد الرّحمن: ((أنتَ آدم الذي أخرجَتْك خطيئتُك من الجنَّة؟)) هكذا في أحاديث الأنبياء (٣٤٠٩) عنه، وفي التَّوحيد (٧٥١٥): ((أخرَجتَ ذُرْيَّتَك)). وفي رواية مالك: ((أنتَ الذي أغويتَ الناس وأخرَجْتَهم من الجنَّة؟))، ومثله في رواية همَّام، وكذا في رواية أبي صالح. (١) كذا العبارة في (أ) و(س)، وسقطت لفظة ((أبو)) من (س)، وفي (ع): ((أنت أبو البشر))، والمشهور في رواية يحيى ابن أبي كثير في ((الصحيحين)) وغيرهما: ((أنت الذي أخرجت الناس)) إلّا ما ورد في ((فوائد تمام)» (١٣٥٧) من رواية يحيى بن أبي كثير والزهري كلاهما عن أبي سلمة، وفيها: ((أنت أبو الناس)). (٢) حديث عمر عند أبي داود (٤٧٠٢) بلفظ: ((أنت أبونا آدم))، وعند البزار (١٧١): ((أنت الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك الجنة)). وعند الفريابي في ((القدر)) (١١٩)، وأبي يعلى (٢٤٤): ((أنت أبو الناس)). ٦٨ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م فتح الباري بشرح البخاري وفي رواية محمَّد بن سِيرِين: ((أشقَيتَ)) بدلَ ((أغويت))، ومعنى أغويت: كنتَ سبباً لغِواية مَن غَوى منهم، وهو سببٌ بعيدٌ، إذ لو لم يقع الأكلُ من الشَّجَرة لم يقع الإخراجُ من الجنَّة، ولو لم يقع الإخراجُ ما تَسَلَّطَ عليهم الشَّهَواتُ والشَّيطانُ المسبّب عنهما الإغواء، والغَيُّ ضِدُّ الرُّشِدِ، وهو: الانهماكُ في غير الطاعة، ويُطلَق أيضاً على مُجرَّد الخطأ، يقال: غَوى، أي: أخطأ صوابَ ما أُمِرَ به. وفي تفسير طه (٤٧٣٨) من رواية أبي سَلَمة: ((أنتَ الذي أخرَجتَ الناس من الجنَّة بذَنْبِك؟))، وعند أحمد (٧٦٣٥) من طريقه: ((أنتَ الذي أدخَلت ذُرِّيَّتَك النارَ؟)) والقول فيه كالقولِ في ((أغويت)). وزاد همَّام: ((إلى الأرض))، وكذا في رواية يزيد بن هُرمُز(١): ((فأهبَطتَ الناس بخَطِيئِك إلى الأرض))، وأوَّلُه عنده: ((أنتَ الذي خَلَقَك الله بَيَدِه، وأسجَدَ لك ملائكَتَه؟)). ومثله في رواية أبي صالح لكن قال: ((ونَفَخَ فيك من رُوحِه)) ولم يَقُل: ((وأسجَدَ لك ملائكته)). ومثله في رواية محمَّد بن عَمْرو، وزاد: ((وأسكَنَك جَنَّتَه)). ومثله في رواية محمَّد بن سِيرِين، وزاد: ((ثُمَّ صَنَعتَ مَا صَنَعت))(٢). وفي رواية عَمْرو بن أبي عَمْرو عن الأعرَجِ: ((يا آدمُ خَلَقَك الله بَيَدِه، ثمَّ نَفَخَ فيك من رُوحِهِ، ثمَّ قال لك: كُن، فكنتَ، ثمَّ أمَرَ الملائكةَ فسَجَدوا لك، ثمَّ قال لك: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ [البقرة: ٣٥] فَنَهاكَ عن شَجَرةٍ واحدةٍ فَعَصَيت))، وزاد الفِرْيابيّ(٣): ((وأكَلتَ منها)). وفي رواية ◌ِكْرمة بن عمَّر عن أبي سَلَمة: ((أنتَ آدمُ الذي خَلَقَك الله بَيَدِه؟)) فأعادَ الضَّمير في قوله: ((خَلَقَكَ)) إلى قوله: ((أنتَ)) والأكثر عَودُه إلى الموصول، فكأنَّه يقول: ((خَلَقَه الله))، ونحو ذلك ما وَقَعَ في رواية الأكثر: ((أنتَ الذي أخرجَتْك خَطِيئَتُك؟)). (١) عند مسلم (٢٦٥٢) (١٥). (٢) في روايته التي عند أحمد (٩٠٩٥). (٣) في ((القدر)) (١١٢). ٦٩ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م كتاب القدر وفي حديث عمر بعد قوله: ((أنتَ آدم)): ((قال: نعم، قال: أنتَ الذي نَفَخَ الله فيك من رُوحِه وعَلَّمَك الأسماءَ كلَّها، وأمَرَ الملائكةَ فسَجَدوا لك؟ قال: نعم، قال: فِلِمَ أخرَجتَنَا ونفسَك من الجنَّة؟)) وفي لفظ لأبي عَوَانة: ((فوالله لولا ما فعَلتَ ما دَخَلَ أحد من ذُرِّيَّتك النار)). ووَقَعَ في حديث أبي سعيد عند ابن أبي شَيْبة: «فأهلَكْتَنَا وأغويْتَنا وذكر ما شاءَ الله أن يَذكُر من هذا)) وهذا يُشعِر بأنَّ جميع ما ذُكِرَ في هذه الرِّوايات محفوظٌ، وأنَّ بعض الرُّواة حَفِظَ ما لم يحفظ الآخر. وقوله: ((أنتَ آدم؟)) استفهام تقرير، وإضافةُ الله خَلْقَ آدَمَ إلى يدِه في الآية إضافةُ تشريفٍ، وكذا إضافة رُوحِه إلى الله، و((من)) في قوله: ((من رُوحِه)) زائدة على رأي، والنَّفخ بمعنى الخَلْق، أي: خَلَقَ فیك الرّوح. ومعنى قوله: ((أخرَ جْتَنَا»: كنتَ سبباً لإخراجِنا، كما تقدَّم تقريره. وقوله: ((أغويتنا وأهلَكتَنَا)) من إطلاق الكلّ على البعض، بخِلَاف («أخرَجتَنَا))، فهو على عُمُومه. ٥٠٨/١١ ومعنى قوله: ((أخطَأْتَ)) و((عَصَيت)) ونحوهما: / فعَلتَ خِلاف ما أُمِرتَ به. وأمَّا قولُه: ((خَّبتَنَا)) بالخاءِ المعجَمة ثمَّ الموحّدة: من الخَيبة، فالمراد به: الحِرْمان، وقيل: هي كأغويتَنا من إطلاق الكلِّ على البعض، والمراد: مَن يجوز منه وُقوعُ المعصية، ولا مانع من حَمَلِه على عُمُومه. والمعنى: أنَّه لو استَمرَّ على تَرْكِ الأكل من الشَّجَرة لم يَخْرُج منها، ولو استَمرَّ فيها لَوُلِدَ له فيها وكان ولدُه سُكّان الجنَّة على الدَّوام، فلمَّا وَقَعَ الإخراج فاتَ أهلَ الطاعة من ولدِه استمرارُ الدَّوام في الجنَّة وإن كانوا إليها يَنْتَقِلونَ، وفاتَ أهلَ المعصية تأخّرَ الكَونِ في الجنَّة مُدّةَ الدُّنيا وما شاءَ الله من مُدّة العذابِ في الآخرة، إمّا مُؤَقَّاً في حَقّ الموحِّدِينَ وإمّا مُستَمِّاً في حَقّ الكفَّار، فهو حِرْمانٌ نِسبيٌّ. قوله: ((فقال له آدم: يا موسى، اصْطَفاك الله بكلامِهِ، وخَطَّ لك بيَدِه)) في رواية الأعرَج: ٧٠ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م فتح الباري بشرح البخاري ((أنتَ موسى الذي أعطاك الله عِلمَ كلّ شيء، واصطَفاك على الناس برسالَتِه؟»، وفي رواية هُمَّام نحوه لكن بلفظ: ((اصطفاه)) و ((أعطاه))(١). وزاد في رواية يزيد بن هُرِمُز(٢): ((وقَرَّبَك نَجيّاً، وأعطاك الألواحَ فيها بيانُ كلِّ شيءٍ؟)). وفي رواية ابن سِيرِين: ((اصطَفاك الله برسالَتِهِ، واصطَفاك لنفسِه، وأنْزَلَ عليك التَّوراةَ؟)). وفي رواية أبي سَلَمة: ((اصطَفاك الله برسالَتِه وكلامه)). ووَقَعَ في رواية الشَّعبيّ: ((فقال: نعم)). وفي حديث عمر: ((قال: أنا موسى، قال: نبيُّ بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أنتَ الذي كَلَّمَك الله من وَرَاء حِجاب ولم يجعل بينَك وبينَه رسولاً من خَلْقِه؟ قال: نعم)». قوله: ((أتلومُني على أمرٍ قَدَّرَ الله عليّ؟)) كذا للسَّرَخْسيِّ والمُستَمْلي بحذفِ المفعول، وللباقينَ: ((قَدَّرَه الله عليّ)). قوله: ((قبل أن يَخلُقَني بأربعينَ سَنةً)) في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة: ((فكيف تَلومُني على أمرٍ كَتَبَه الله - أو قَدَّرَه الله - عليَّ؟)) ولم يَذْكُر المدّة، وثَبَتَ ذِكْرُها في رواية طاووسٍ، وفي رواية محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة، ولفظه: ((فكَم تَجِد في التَّوراة أنَّ كَتَبَ عليَّ العملَ الذي عَمِلتُه قبل أن أُخلَقَ؟ قال: بأربعينَ سنة. قال: فكيف تَلومُني عليه؟». وفي رواية يزيد بن هُرُمُز نحوه وزاد: «فَهَل وَجدتَ فيها: وعَصَى آدمُ رَبَّه فغَوى؟ قال: نعم). وكلام ابن عبد البَرِّ قد يُوهِم تَفُرُّد ابن عُبَينَةَ عن أبي الزِّناد بزيادَتِها، لكنَّه بالنِّسبة لأبي الزِّناد، وإلّا فقد ذكر التَّقييدَ بالأربعينَ غيرُ ابن عُيَينةَ كما تَرَى. (١) كذا وقع التفصيل عند الحافظ رحمه الله، ولكن رواية الأعرج أخرجها الفريابي في ((القدر)) (١١٠)، والآجري في ((الشريعة)) (٣٥٥) بلفظ المخاطب كما ذكر الحافظ، وأخرجها مالك ٨٩٨/٢، ومسلم (٢٦٥٢) (١٤) وغيرهما بلفظ الغائب ((اصطفاه)) و((أعطاه))، ورواية همام أخرجها بلفظ المخاطب أحمد (٨١٥٨)، وعبد الرزاق (٢٠٠٦٨)، ويلفظ الغائب البغوي في ((شرح السنة)) (٦٩). (٢) عند أبي وهب في ((القدر)) (١)، ومسلم (٢٦٥٢) (١٥) وقرن في مسلم برواية يزيد بن هرمز رواية عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. ٧١ باب ١١ / ح ٦٦١٤ -٦٦١٤م كتاب القدر وفي رواية الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمة عند أحمد: ((فَهَل وَجدتَ فيها - يعني: الألواح أو التَّوراة - أنّ أُهْبَط؟». وفي رواية الشَّعبيّ: ((أفَليس تَجِد فيما أَنزَلَ الله عليك: أنَّه سَيُخرِجُني منها قبل أن يُدخِلَنیها؟ قال: بَلَى)). وفي رواية عنَّار بن أبي عمَّر: ((أنا أقدَمُ أم الذِّكْر؟ قال: بل الذِّكْر)). وفي رواية عَمْرو بن أبي عَمْرو عن الأعرَجِ: ((ألم تَعلَم أنَّ الله قَدَّرَ هذا عليَّ قبل أن يَخْلُقَني؟». وفي رواية ابن سِيرِين: ((فوجدتَه كُتِبَ عليَّ قبل أن يَخْلُقَني؟ قال: نعم)). وفي رواية أبي صالح: ((فتَلُومُني في شيءٍ كَتَبَه الله عليَّ قبل خَلْقِي؟))(١). وفي حديث عمر قال: ((فِلِمَ تَلومُني على شيءٍ سَبَقَ من الله تعالى فيه القضاء؟)). ووَقَعَ في حديث أبي سعيد الخُدْريِّ: ((أتلومُني على أمرٍ قَدَّرَه عليَّ قبل أن يَخْلُقُ السَّماوات والأرض؟))(٢). والجمع بينه وبين الرِّواية المقَيَّدة بأربعينَ سنة: حَملُها على ما يَتَعلَّق بالكتابة، وحَملُ الأُخرى على ما يَتَعلَّق بالعِلْم. وقال ابن التِّين: يحتمل أن يكون المراد بالأربعينَ سنة ما بين قوله تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] إلى نَفخ الرّوح في آدم. وأجابَ غيره: أنَّ ابتداء المدّة وقت الكتابة في الألواح، وآخرها ابتداء خَلْق آدم. وقال ابن الجَوْزيّ: المعلومات كلّها قد أحاطَ بها عِلمُ الله القديم قبل وجود المخلوقات كلّها، ولكنَّ كتابتَها وَقَعَت في أوقاتٍ مُتَعَاوِيةٍ، وقد ثَبَتَ في الصَّحيح - يعني ((صحيح مسلم)) (٢٦٥٣) -: ((أَنَّ الله قَدَّرَ المقاديرَ قبلَ أن يَخْلُقَ السَّماوات والأرضَ بخَمسِين ألفَ سنةٍ)) فيجوز أن تكون قصَّة آدم بخُصوصِها كُتِبَت قبل خَلْقِه بأربعين سنة، ويجوز أن يكون (١) كما في رواية النسائي (ك١٠٩١٩). (٢) وهي رواية أبي صالح عن أبي هريرة أيضاً كما في الترمذي (٢١٣٤) والنسائي (١١٠٦٥) و(١١٣٧٩). ٧٢ باب ١١ / ح ٦٦١٤ -٦٦١٤م فتح الباري بشرح البخاري ذلك القَدْرِ مُدّة لُبثِه طيناً إلى أن نُفِخَت فيه الرّوح، فقد ثَبَتَ في ((صحيح مسلم))(١): أنَّ بين ٥٠٩/١١ تَصْويره طيناً ونَفْخ الرّوح فيه كان مُدّةَ أربعينَ سنة، ولا يُخالف ذلك كتابة المقادير / عُموماً قبل خلق السَّماوات والأرض بخمسين ألفَ سنةٍ. وقال المازَرِيُّ: الأظهَر أنَّ المراد أنَّ كَتبَه قبل خلق آدم بأربعينَ عاماً، ويحتمل أن يكون المراد: أظهَرَه للملائكة أو فعل فعلاً ما أضافَ إليه هذا التاريخ، وإلّا فمشيئة الله وتقديرُه قديم، والأشبَه أنَّه أراد بقولِه: ((قَدَّرَه الله عليَّ قبلَ أن أُخْلَقَ)) أي: كَتَبَه في الثَّوراة؛ لقولِه في الرِّواية المشار إليها قبلُ: ((فَكَم وجدتَه كَتَبَ في التَّوراة قبل أن أُخَلَقَ؟)). وقال النَّوويّ: المراد بتقديرها: كَتَبُه في اللَّوح المحفوظ أو في التَّوراة أو في الألواح، ولا يجوز أن يُرادَ أصل القَدَر، لأَنَّه أزَلِيٌّ، ولم يزل الله سبحانه تعالى مُريداً لما يقع من خَلْقه، وكان بعض شيوخنا يَزِعُمْ أَنَّ المراد: إظهارُ ذلك عند تَصْوير آدم طيناً، فإنَّ آدم أقامَ في طِنَتَه أربعينَ سنة، والمرادُ على هذا بخَلْقِهِ: نَفخُ الرُّوح فيه. قلت: وقد يُعكِّر على هذا روايةُ الأعمش عن أبي صالح: (كَتَبَه الله عليَّ قبل أن يَخْلُق السَّماوات والأرض)) لكنَّه يُحِمَل قوله فيه: ((كَتَبَه الله عليَّ): قَدَّرَه، أو على تعدُّد الكتابة لتعدُّدِ المكتوب، والعلم عند الله تعالى. قوله: ((فحَجَّ آدم موسى، فحَجَّ آدم موسى، ثلاثاً)) كذا في هذه الطّرق، ولم يُكَرَّر في أكثر الطُّرق عن أبي هريرة. ففي رواية أيوب بن النَّجّار كالذي هنا، لكن بدون قوله: ثلاثاً، وكذا لمسلم من رواية ابن ◌ِيِرِين(٢)، وكذا في حديث جُندَبِ عند أبي عَوَانة. وثَبَتَ في حديث عمر بلفظ: ((فاحتَجًا إلى الله، فحَجَ آدم موسى)) قالها ثلاث مرَّات(٣). (١) لم نقع على شيء من ذلك في ((صحيح مسلم)) وإنما أخرجه الطبري في تفسيره)) ٢٠٣/١ - ٢٠٤، وفي ((تاريخه)) ١/ ٩٣، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٧٧٣)، وابن عساكر في ((تاريخه)) ٧/ ٣٧٧ -٣٧٨. (٢) مسلم لم يسق لفظها (٢٦٥٣) (١٥)، وقد سلفت عند البخاري برقم (٤٧٣٦) ولم يذكرها هناك إلا مرة واحدة دون تكرار. (٣) عند اللالكائي (١٠٣٧)، والبيهقي في ((القدر)) (١٨٦)، أما في رواية ابن منده (١١) فكررها مرتین، وفي (١٢)، والبزار (١٧١) فلم يذكرها إلا مرة واحدة، وأما أبو داود وأبو عوانة فلم يذكرا هذه اللفظة أصلاً. ٧٣ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م كتاب القدر وفي رواية عَمْرو بن أبي عَمْرو عن الأعرَج: «لقد حَجَّ آدم موسى، لقد حَجَّ آدم موسى، لقد حَجَّ آدم موسی». وفي حديث أبي سعيد عند الحارث: ((فحَجَّ آدم موسى)) ثلاثاً. وفي رواية الشَّعبيّ عند النَّسائيِّ (ك١١١٢٢): ((فخَصَمَ آدم موسى، فخَصَمَ آدم موسى))(١). واتَّفَقَ الرُّواة والنَّقَلة والشُّرّاح على أنَّ (آدم)) بالرّفع وهو الفاعل، وشَذَّ بعض الناس فقرأه بالنَّصبِ على أنَّه المفعول، و((موسى)) في مَحَلّ الرَّفع على أنَّه الفاعل، نَقَلَه الحافظ أبو بكر بن الخاضِبَة(٢) عن مسعود بن ناصر السِّجْزيّ الحافظ قال: سمعته يقرأ: ((فحَجَّ آدمَ)» بالنَّصب، قال: وكان قَدَريّاً. قلت: هو مَحَجُوج بالاتّفاق قبله على أنَّ((آدم)) بالرَّفع على أنَّه الفاعل، وقد أخرجه أحمد (٧٦٣٥) من رواية الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة بلفظ: ((فحَجَّه آدمُ)) وهذا يَرفَع الإشكال، فإنَّ رواتَه أئمّةٌ حُفّاظٌ، والزُّهْرُّ من كِبار الفقهاء الحُفّاظ فروايته هي المعتمَدة في ذلك. ومعنى ((حَجَّه)): غَلَبَه بالحُجّة، يقال: حاجَجْت فلاناً فحَجَجْته، مِثل: خاصَمْته فخَصَمْته. قال ابن عبد البَرّ: هذا الحديث أصلِّ جَسيمٌ لأهلِ الحقّ في إثبات القَدَر، وأنَّ الله قَضَى أعمال العباد، فكلُّ أحدٍ يصير لما قُدِّرَ له بما سَبَقَ في عِلم الله، قال: وليس فيه حُجّة للجَبْرِيَّة، وإن كان في بادِئ الرَّأي یُساعِدهم. وقال الخطَّبيُّ في ((معالم السُّنَن)): يَحَسَبُ كثير من الناس أنَّ معنى القضاء والقَدَر يَستَلِم الجَبْرِ وقَهْر العَبد، ويتوهّم أنَّ غَلَبة آدم كانت من هذا الوجه، وليس كذلك، وإنَّما معناه: الإخبار عن إثبات عِلم الله بما يكونُ من أفعال العباد، وصُدُورها عن تقديرٍ سابقٍ منه، فإنّ (١) في المطبوع منه قالها مرة واحدة، وكذا أخرجه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٣٩)، واللالكائي في ((شرح أصول الاعتقاد» (١٠٣٥) دون تكرار. (٢) تصحفت في (س) إلى: الخاصية، والصواب ما أثبتنا، وهو محمد بن أحمد بن عبد الباقي أبو بكر البغدادي المعروف بابن الخاضبة، توفي سنة ٤٨٩ هـ. له ترجمة في ((تاريخ دمشق)) ٦٩/٥١، و((معجم الأدباء)) لياقوت الحموي ٢٣٥٦/٥، و«سير أعلام النبلاء» ١٠٩/١٩. ٧٤ باب ١١ / ح ٦٦١٤- ٦٦١٤م فتح الباري بشرح البخاري القَدَر اسم لما صَدَرَ عن فعل القادِر، وإذا كان كذلك، فقد بَقِي عليهم (١) من وراء عِلم الله أفعالهم وأكسابهم ومُباشَرتُهم تلكَ الأُمورَ عن قصدٍ وتَعَمُّدٍ واختيار، فالحُجّة إنَّما تلزمهم بها واللّائمة إنَّما تَتَوجَّه عليها، وجِماع القول في ذلك: أنَّهما أمران لا يُبدَّل أحدهما عن الآخر، أحدهما بمَنزِلة الأساس، والآخر بمَنزِلة البناء ونَقضِه، وإنَّما جهة حُجّة آدم أنَّ الله علم منه أنَّه يَتناول من الشَّجَرة، فكيف يُمكِّنُهُ أن يَرُدَّ عِلمَ الله فيه، وإنَّما خُلِقَ للأرضِ وأنَّه لا يُترَك في الجنَّة، بل يُنقَل منها إلى الأرض، فكان تَناوُله من الشَّجَرة سبباً لإهباطِه واستِخلافِهِ في الأرض، كما قال تعالى قبل خَلْقه: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ [البقرة: ٣٠] ... قال: فلمَّا لامَه موسى عن نفسه قال له: أتلومُني على أمرٍ قَدَّرَه الله عليَّ؟ فاللَّومُ عليه من قِبَلِك ساقطٌ عنِّي، إذ ليس لأحدٍ أن يُعيِّرَ أحداً بذَنْبٍ كان منه، لأنَّ الخلق ٥١٠/١١ كلَّهم تحت العُبوديَّة/ سواء، وإنَّما يَتَّجِه اللّوَّم من قِبَل الله سبحانه وتعالى إذ كان نَهاه فباشَرَ ما نَهاه عنه ... قال: وقول موسى وإن كان في النَّفْس منه شُبهةٌ وفي ظاهره تَعلَّق لاحتجاجِه بالسَّبَبِ، لكنَّ تَعلَّق آدم بالقَدَرِ أرجَح، فلهذا غَلَبَه، والغَلَبة تقع مع المعارضة كما تقع مع البرهان. انتهى مُلخَّصاً. وقال في ((أعلام الحديث)) نحوه مُلخَّصاً، وزادَ: ومعنى قوله: ((فحَجَّ آدمُ موسى)): دفع حُجَّتَه التي ألزَمَه اللَّوم بها، قال: ولم يقع من آدم إنكارٌ لما صَدَرَ منه، بل عارَضَه بأمرٍ دَفَعَ به عنه اللّوَّمَ. قلت: ولم يَتَخَّص من كلامه مع تَطويله في الموضعينِ دفعٌ للشُّبهة، إلّا فِي دَعواهُ أَنَّه ليس للآدميِّ أن يَلوم آخَرَ مِثْلَه على فعلٍ ما قَدَّرَه الله عليه، وإنَّما يكون ذلك لله تعالى، لأنّه هو الذي أمَرَه وَهاه. ولِلمُعتَرِضِ أن يقول: وما المانع إذا كان ذلك لله أن يُباشرَه مَن تَلَقَّى عن الله مِن رُسُله، ومَن تَلَقَّى عن رُسُله ◌َمَّنْ أُمِرَ بالتَّبليغِ عنهم؟ وقال القُرطُبيّ: إِنَّمَا غَلَبَه بالْحُجّة، لأنَّه عَلِمٍ من التَّوراة أنَّ الله تابَ عليه، فكان لَومُه له على ذلك نوعَ جَفاءٍ، كما يقال: ذِكْرُ الجفاء بعد حصول الصَّفاء جَفاء، ولأنَّ أثر المخالَفة (١) تحرفت في (س) إلى: نفى عنهم. ٧٥ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م كتاب القدر بعد الصَّفح یَنمحي حتَّی کانَّه لم یکن، فلا يُصادِف اللَّوم من اللّائم حينئذٍ محلًا. انتھی، وهو مُحُصَّل ما أجابَ به المازَرِيُّ وغيره من المحَقِّقينَ، وهو المعتمَد. وقد أنكَرَ القَدَريَّة هذا الحديث لأنَّه صريح في إثبات القَدَر السابِقِ، وتقريرِ النبيّ ◌َّـ لآدَمَ على الاحتجاج به وشهادِتِهِ بأَنَّه غَلَبَ موسى، فقالوا: لا يَصِحّ، لأنَّ موسى لا يَلُوم على أمرٍ قد تابَ منه صاحبه، وقد قتل هو نفساً لم يُؤمَر بقتلها، ثمَّ قال: رَبِّ اغفر لي، فغَفَرَ له، فکیف يَلومُ آدم على أمرٍ قد غُفِرَ له؟ ثانيها: لو ساغَ اللَّوم على الذَّنب بالقَدَرِ الذي فُرِغَ من كتابته على العَبد، [و] لا يَصِحّ هذا، لكان مَن عُوتِبَ على معصيةٍ قد ارتَكَبَها فيَحتَجّ(١) بالقَدَرِ السابقِ، ولو ساغَ ذلك لانسَدَّ باب القِصاص والحدود، ولاحتَجَّ به كلَّ أحدٍ على ما يَرتَكِیه من الفواحش، وهذا يُفضي إلى لوازمَ فظيعة(٢)، فدَلَّ ذلك على أنَّ هذا الحديث لا أصل له. والجوابُ من أو جُهِ: أحدها: أنَّ آدم إنَّما احتَجَّ بالقَدَرِ على المعصية لا المخالفة، فإنَّ مُحصَّل لَومٍ موسى إنَّما هو على الإخراج، فكأنَّه قال: أنا لم أُخرِجْكم وإنَّما أخرجكم الذي رَتَّبَ الإخراج على الأكل من الشَّجَرة، والذي رَتَّبَ ذلك قَدَّرَه قبل أن أُخَلَقَ، فكيفَ تَلومُني على أمرٍ ليس لي فيه نِسبةٌ إلّا الأكل من الشَّجَرة؟ والإخراج المرتَّب عليها ليس من فِعْلي. قلت: وهذا الجوابُ لا يَدِفَعُ شُبهةَ الجَبْرِيَّة. ثانيها: إنَّما حَكَمَ النبيّ ◌َلِّ لآدم بالحُجّة في معنى خاصّ، وذلك لأنَّه لو كانت في المعنى العامّ لَمَا تقدَّم من الله تعالى لَومُه بقولِه: ﴿أَلَمَّ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولا واخَذَه بذلك حتَّى أخرجه من الجنَّة وأهبَطَه إلى الأرض، ولكن لمَّا أخَذَ موسى في لَومِه وقَدَّمَ قوله له: أنتَ الذي خَلَقَك الله بيَدِه، وأنتَ وأنتَ، لِمَ فعَلت كذا؟ عارَضَه آدم بقولِه: أنتَ الذي اصطَفاك الله، وأنتَ وأنتَ. وحاصل جوابه: إذا كنت بهذه المنزلة، كيف يخفى عليك أنَّه لا مَحَيدَ من القَدَر؟ (١) في (ع): يحتجّ، والمثبت من (أ) و(س)، وكلاهما صحيح. (٢) تحرفت في (س) إلى: قطعية. ٧٦ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م فتح الباري بشرح البخاري وإِنَّا وَقَعَتِ الغَلَبةُ لآدمَ من وجهَين: أحدهما: أنَّه ليس لمخلوقٍ أن يَلوم مخلوقاً في وقوع ما قُدِّرَ عليه إلّا بإذنٍ من الله تعالى، فيكون الشّارع هو اللّائمَ، فلمَّا أَخَذَ موسى في لَومِه من غير أن يُؤْذَنَ له في ذلك عارَضَه بالقَدَرِ فأسكَتَه. والثّاني: أنَّ الذي فعَلَه آدم اجتَمَعَ فيه القَدَر والكَسْب، والتَّوبةُ تَمحو أثرَ الكَسْب، وقد كان الله تابَ عليه فلم يَبقَ إلّ القَدَر، والقَدَر لا يَتَوجَّه عليه لَومٌ لأنَّه فِعْل الله ولا يُسأل عمَّ يفعل. ثالثها: قال ابن عبد البَرّ: هذا عندي مخصوصٌ بآدم، لأنَّ المناظرة بينهما وَقَعَت بعد أن تابَ الله على آدم قطعاً، كما قال تعالى: ﴿فَلَقََّ ءَدَمُ مِن زَبِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، فحَسُنَ منه أن يُنكِرِ على موسى لَومَه على الأكل من الشَّجرة، لأنَّہ کان قد تیبَ علیه من ذلك، وإلّا فلا يجوز لأحدٍ أن يقول لمن لامَه على ارتكاب معصيةٍ كما لو قَتَل أو زَنَى أو ٥١١/١١ سَرَقَ: هذا سَبَقَ في عِلْم الله وقَدَرِه عليَّ قبلَ أن يَخَلُّقَني، فليس لك أن تَلومَني عليه، فإنَّ/ الأُمّة أجمَعَت على جواز لَوم مَن وَقَعَ منه ذلك بل على استحباب ذلك، كما أجمعوا على استحباب مَحَمَدة مَن واظَبَ على الطاعة. قال: وقد حكى ابن وهب في كتاب ((القَدَر)) عن مالك عن یحی بن سعید: أنَّ ذلك کان من آدم بعد أن تیبَ علیه. رابِعها: إنَّما تَوجَّهَتِ الحُجّة لآدم لأنَّ موسى لامَه بعد أن ماتَ، واللَّوم إنَّما يُتوجَّه على المكلَّف ما دامَ في دار التكليف، فإنَّ الأحكام حينئذٍ جاريةٌ عليهم، فيُلام العاصي ويُقام عليه الحدُّ والقِصاصُ وغير ذلك، وأمَّا بعد أن يموت فقد ثَبَتَ النَّهي عن سَبِّ الأموات(١)، ((ولا تَذْكُرُوا موتاكم إلّا بخيرٍ))(٢) لأنَّ مَرجِعَ أمرهم إلى الله، وقد ثَبَتَ أنَّه لا تُثَنَّى العُقوبة على مَن أُقيم عليه الحدّ(٣)، بل وَرَدَ النَّهي عن التَّثريب على الأمة إذا زَنَت وأُقيم عليها (١) سلف ذلك برقم (١٣٩٣). (٢) أخرجه الطيالسي (١٥٩٧)، وعبد الرزاق (٦٠٤٢)، وابن أبي شيبة ٣٦٧/٣ من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. (٣) ثبت ذلك في ((مسند أحمد)) (٧٧٥)، و((سنن ابن ماجه)) (٢٦٠٤)، والترمذي (٢٦٢٦) وغيرهم من حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ولي: ((من أذنب في الدنيا ذنباً فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده)). ٧٧ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م كتاب القدر الحدُّ(١)، وإذا كان كذلك فلَومُ موسى لآدم إِنَّمَا وَقَعَ بعد انتقاله عن دار التكليف، وثَبَتَ أنَّ الله تابَ عليه فسَقَطَ عنه اللَّوم، فلذلك عَدَلَ إلى الاحتجاج بالقَدَرِ السابقِ، وأخبر النبيُّ وَّلـ بأنَّه غَلَبَ موسى بالحُجّة. قال المازَرِيُّ: لمَّ تابَ الله على آدم صارَ ذِكْر ما صَدَرَ منه إنَّما هو كالبحثِ عن السَّبَب الذي دَعاه إلى ذلك، فأخبر هو أنَّ الأصل في ذلك القضاءُ السابقُ، فلذلك غَلَبَ بالحُجّة. قال الدَّاوُودِيُّ فيما نَقَلَه ابن التِّين: إنَّما قامَت حُجّةُ آدم لأنَّ الله خَلَقَه ليجعلَه في الأرض خليفةً، فلم يَحَتَجَّ آدم في أكله من الشَّجَرة بسابِقِ العِلم، لأَنَّه كان عن اختيارٍ منه، وإنَّما احتَجَّ بالقَدَرِ لخروجِه، لأَنَّه لم یکن بُدُّمن ذلك. وقيل: إنَّ آدم أبٌّ وموسى ابنٌّ وليس للابنِ أن يَلومَ أباه، حكاه القُرطُبيّ وغيره، ومنهم مَن عَبَّرَ عنه بأنَّ آدم أكبرُ منه، وتَعقَّبَه بأنَّه بعيد من معنى الحديث، ثمَّ هو ليس على عُمُومِه، بل يجوز للابنِ أن يَلومَ أباه في عِدّة مَواطِنَ. وقيل: إنَّما غَلَبَه لأنَّهما في شريعتَينِ مُتَغايِرتَين، وتُعقّبَ بأنَّها دعوى لا دليل عليها، ومن أين يُعلَمُ أنَّه كان في شَرِيعَة آدم أنَّ المخالف يَحَتَجُّ بسابِقِ القَدَر، وفي شَرِيعَة موسى أنَّه لا يَحْتَجّ، أو أنَّه يُتوجَّه له اللَّوم على المخالف. وفي الجملة فأصُّ الأجوبة: الثّاني والثّالث، ولا تَنافيَ بينهما، فيُمكِن أن يَمْتَزِجَ منهما جوابٌ واحدٌ، وهو أنَّ التائب لا يُلامُ على ما تِيبَ عليه منه، ولا سيّما إذا انتَقَلَ عن دار التكليف. وقد سَلَكَ النَّوويّ هذا المسلَك فقال: معنى كلام آدم: أنَّك يا موسى تعلم أنَّ هذا كُتِبَ عليَّ قبل أن أُخَلَقَ، فلا بُدَّ من وقوعه، ولو حَرَصتُ أنا والخلقُ أجمَعونَ على رَدِّ مِثقال ذَرّةٍ منه لم نَقدِر، فلا تَلُمني، فإنَّ اللَّوم على المخالَفة شَرعيٌّ لا عقليٌّ، وإذا تابَ الله عليَّ وغَفَرَ لي زالَ اللَّومِ، فمَن لامَني كان محجوجاً بالشرع. فإن قيل: فالعاصي اليوم لو قال: هذه المعصية قُدِّرَت عليَّ فينبغي أن يَسقُط عنِّي اللَّوم. قلنا: الفَرق أنَّ هذا العاصي باقٍ (١) سلف برقم (٢١٥٢). ٧٨ باب ١١ / ح ٦٦١٤ - ٦٦١٤م فتح الباري بشرح البخاري في دار التكليف جاريةٌ عليه الأحكام من العُقوبة واللَّوم، وفي ذلك له ولغيره زَجرٌ وعِظَة، فأمَّا آدم فميِّت خارجٌ عن دار التكليف مُستَغنٍ عن الَّجْر، فلم يكن للَومِه فائدة بل فيه إيذاء وتخجيل، فلذلك كان الغلبة له. وقال التّورِبِشتيُّ: ليس معنى قوله: ((كَتَبَه الله عليَّ)): ألزَمَني به، وإنَّما معناه: أثبَتَه في أمّ الكتابِ قبلَ أن يَخْلُقَ آدم وحَكَمَ أنَّ ذلك كائن، ثمّ إنَّ هذه المحاججة إنَّما وَقَعَت في العالم العُلويِّ عند مُلتَّقَى الأرواح ولم تقع في عالم الأسباب، والفَرقُ بينهما أنَّ عالم الأسباب لا يجوز قَطْعُ النَّظَر فيه عن الوسائط والاكتِساب، بخِلَاف العالم العُلويّ بعد انقطاع موجِب الكَسْب(١) وارتفاع الأحكام التكليفيَّة، فلذلك احتَجَّ آدمُ بالقَدَرِ السابقِ. قلت: وهو مُصَّل بعض الأجوبة المتقدِّم ذِكرُها. وفيه استعمال التَّعريض بصيغة المدح، يُؤخَذ ذلك من قول آدم لموسى: ((أنتَ الذي اصطَفاك الله برسالَتِهِ)) إلى آخر ما خاطَبَه به، وذلك أنَّه أشارَ بذلك إلى أنَّه الطَّلَعَ على عُذْره وعَرَفَه بالوحي، فلو استَحضَرَ ذلك ما لامَه مع وُضُوحِ عُذْره. وأيضاً ففيه إشارة إلى شيءٍ آخرَ أعَمّ من ذلك، وإن كان لموسى فيه اختصاصٌ، فكأنَّه قال: لو لم يَقَعْ إخراجي الذي رُقِّبَ على أكلي من الشَّجَرة ما حَصَلَت لكَ هذه المناقبُ، ٥١٢/١١ لأنّ لو بقيتُ في الجنَّة واستَمرَّ نَسْلي فيها/ ما وُجِدَ مَن تَجَاهَرَ بالكفرِ الشَّنيع كما جاهَرَ به فِرعَون، حتَّى أُرسِلتَ أنتَ إليه وأُعطيتَ ما أُعطيت، فإذا كنتُ أنا السَّبَبَ في حصول هذه الفضائل لك، فكيفَ يَسُوغُ لك أن تَلومَني؟ قال الطِّييُّ: مذهب الجَبريَّة إثبات القُدْرة لله ونفيها عن العَبد أصلاً، ومذهب المعتَزِلة بخِلافه، وكلاهما من الإفراط والتَّفريط على شَفا جُرُفٍ هارٍ، والطَّريق المستقيمُ القَصْد، فلمَّا كان سِياقُ كلام موسى يَؤولُ إلى الثّاني؛ بأن صَدَّرَ الجملة بحرفِ الإنكار والتَّعَجُّب، وصَرَّحَ باسم آدم، ووَصَفَه بالصِّفات التي كلّ واحدة منها مُستَقِلّة في عِلَيَّة عَدَم ارتكابه (١) في (ع): موجب التكليف والكسب. ٧٩ باب ١١ / ح ٦٦١٤ -٦٦١٤م كتاب القدر المخالَفةَ، ثمَّ أسنَدَ الإهباطَ إليه، ونفسُ الإهباط مَنزِلة دون، فكأنَّه قال: ما أبعَدَ هذا الانحطاطَ من تلكَ المناصب العاليَة! فأجابَ آدمُ بما يُقابِلُها، بل أبلَغَ فصَدَّرَ الجملة بهمزة الإنكار أيضاً، وصَرَّحَ باسم موسى ووَصَفَه بصفاتٍ كلُّ واحدة مُستَقِلّة في عِلَيَّة عَدَم الإنكار عليه، ثمَّ رَتَّبَ العِلمَ الأزَلِيَّ على ذلك، ثمَّ أتى بهمزة الإنكار بدلَ كلمة الاستبعاد، فكأنَّه قال: تَجِد في الثَّوراة هذا ثمَّ تَلومُني؟! قال: وفي هذا التَّقرير تنبيه على تَحرّي قصد الأُمور. قال: وخَتَمَ النبيُّ وَّ الحديث بقولِه: ((فحَجَّ آدمُ موسى)) تنبيهاً على أنَّ بعض أمَّتِهِ كالمعتَزِلة يُنكِرِونَ القَدَر، فاهتَمَّ لذلك وبالَغَ في الإرشاد. قلت: ويَقرُب من هذا ما تقدَّم في كتاب الإيمان (٤٨) في الردّ على المرجِئة بحديثٍ ابن مسعود رَفَعَه: ((سِبابُ المسلم فُسوقٌ وقتاله كُفْر))، فلمَّا كان المقام مقامَ الردِّ على المرجِئة اكتَفَى به، مُعرِضاً عَّا يقتضيه ظاهره من تَقْويةِ مذهب الخوارج المكَفِّرِينَ بالذَّنبِ اعتماداً على ما تَقرَّرَ من دفعِه في مكانه، فكذلك هنا لمَّا كان المراد به الردَّ على القَدَريَّة الذينَ يُنكِرِونَ سَبْق القَدَر، اكتَفَى به مُعرِضاً عمَّا يوهمُه ظاهرُه من تَقويةِ مذهب الجَبرِيَّة لما تَقرَّرَ من دفعِه في مكانه، والله أعلم. وفي هذا الحديث عِدّةٌ من الفوائدِ غير ما تقدَّمَ: قال القاضي عِيَاضٌ: ففيه حُجّةٌ لأهلِ السُّنّة في أنَّ الجنَّة التي أُخرِجَ منها آدم هي جَنّة الخُلد التي وُعِدَ المَّقُونَ ويَدخُلوتَها في الآخرة، خلافاً لمن قال من المعتَزِلة وغيرهم: إنَّها جَنّةٌ أُخرى، ومنهم مَن زاد على ذلك فزَعَمَ أنَّها كانت في الأرض، وقد سَبَقَ الكلام على ذلك في أواخر كتاب الرِّقاق (٦٥٦٦). وفيه إطلاق العُمُوم وإرادةُ الْخُصُوص في قوله: ((أعطاكَ عِلمَ كلِّ شيءٍ))، والمراد به كتابُه المنزَلُ عليه وكلّ شيءٍ يَتَعلَّق به، وليس المراد عُمومَه، لأنَّه قد أقَرَّ الخَضِر على قوله: ((وإنّي على عِلمٍ من عِلم الله عَلَّمَنيه الله لا تَعلَمُه أنتَ))، وقد مضى واضحاً في تفسير سورة الکھف. ٨٠ باب ١٢ / ح ٦٦١٥ فتح الباري بشرح البخاري وفيه مشروعيَّة الحُجَج في المناظَرة لإظهار طلب الحقّ، وإباحةُ التَّوبيخ والتَّعريضِ في أثناء الحِجاجِ ليُتُوصَّل إلى ظُهور الحُجّة، وأنَّ اللَّوم على مَن أيقَنَ وعَلِمَ أشدُّ من اللّوم على مَن لم يحصُل له ذلك. وفيه مُناظَرةُ العالِ مَن هو أكبرُ منه، والابنِ أباه، ومحلُّ مشروعيَّة ذلك: إذا كان لإظهار الحقّ، أو الازدياد من العِلم والوقوفِ على حقائق الأُمور. وفيه حُجّة لأهلِ السُّنّة في إثبات القَدَر وخَلْق أفعال العباد. وفيه أنَّه يُغتَفَر للشَّخصِ في بعض الأحوال ما لا يُغتَفَر في بعضٍ، كحالة الغَضَب والأسَف، وخُصُوصاً ممَّن طُبعَ على حِدّة الْخُلُق وشِدّة الغَضَب، فإنَّ موسى عليه السلام لمَّا غَلَبَت عليه حالةُ الإنكار في المناظرة، خاطَبَ آدَمَ مع كَونِه والدَه باسمِهِ مُجرَّداً، وخاطَبَه بأشياءَ لم يكن ليُخاطِبَ بها في غير تلكَ الحالة، ومع ذلك فأقَرَّه على ذلك وعَدَلَ إلى مُعارَضَتِهِ فيما أبداه من الحُجّة في دفع شُبهَتِه. ١٢ - بابٌ لا مانع لما أعطى الله ٦٦١٥ - حدَّثْنا مَحَمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثْنَا فُلَيِحٌ، حدَّثْنَا عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ، عن ورّادٍ مولى المغِيرةِ بنِ شُعْبةَ، قال: كَتَبَ مُعاوِيةُ إلى المغِيرةِ: اكْتُب إليَّ ما سمعتَ النبيّ وَّ يقول خَلْفَ الصلاةِ. فأمَلَى عليّ ٥١٣/١١ المغِيرةُ، قال: / سمعتُ النبيَّ ◌َّهِ يقول خَلْفَ الصلاةِ: ((لا إلهَ إلّ الله وحده لا شَرِيكَ له، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطَيتَ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدّ)). وقال ابنُ جُرَيج: أخبرني عبدةُ: أنَّ ورّاداً أخبَرَه بهذا، ثمَّ وفَدْتُ بَعْدُ إلى مُعاوِيةَ، فسمعتُه يأمرُ الناسَ بذلك القولِ. قوله: ((بابٌ لا مانعَ لما أعْطَى الله)) هذا اللَّفظ مُنتَزَعٌ من معنى الحديث الذي أورَدَه. وأما لفظه فهو طَرَف من حديث معاوية أخرجه مالك (٢/ ٩٠٠- ٩٠١)، ولَمَّح المصنِّ بذلك إلى أنَّه بعضُ حديثِ البابِ، كما قَدَّمته عند شرحه في آخر صِفَة الصلاة (٨٤٤)، وأنَّ معاوية استثَبَتَ المغيرة في ذلك، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوَى هناك.