Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
باب ٤ / ح ٦٦٠١ - ٦٦٠٥
كتاب القدر
قوله في أول الحديث الثالث: ((أخبرنا إسحاق بن إبراهيم)) هو ابن راهويه، كما بيَّنته في
المقدّمة.
٤ - بابٌ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]
٦٦٠١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي
هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((لا تسألِ المرأةُ طلاقَ أُخْتِها لتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَها، ولْتَنكِحْ، فإنَّ
لها ما قُدِّرَ لها».
٦٦٠٢- حدَّثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن عاصم، عن أبي عثمانَ، عن
أُسامةَ، قال: كنتُ عندَ النبيِّ ◌َّةٍ إِذ جاءَه رسولُ إحدى بناتِهِ - وعندَه سَعْدٌ وأُبيُّ بِنُ كَعْبٍ ومعاذٌ:
أنَّ ابْنَها يَجودُ بنفسِهِ، فَبَعَثَ إليها: (الله ما أخَذَ، ولله ما أعطَى، كلٌّ بأجَلٍ، فَلْتَصْبِرِ ولْتحتَسِب)).
٦٦٠٣ - حدَّثنا حِبّانُ بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يُونسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني
عبدُ الله بنُ مُحَيِيزِ الجُمَحِيُّ: أنَّ أبا سعيدِ الخُدْرِيَّ أخبَرَه: أَنَّه بينَمَ هو جالسٌ عندَ النبيِّ وَّ، جاء
رجلٌ منَ الأنصار، فقال: يا رسولَ الله إنّا نُصِيبُ سَبْياً، ونُحِبُّ المالَ، كيفَ تَرَى في العَزْلِ؟
فقال رسولُ الله ◌َّ: ((أَوَإِنَّكمْ تَفْعَلونَ ذلك؟ لا علَيَكُمْ أن لا تَفْعَلوا، فإنَّه ليسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ الله أن
تَخْرُجَ، إلّا هي كائنةٌ)).
٦٦٠٤- حدَّثنا موسى بنُ مَسعُودٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن
حُذَيفَةَ عَلُه، قال: لقد خَطَبَنَا النبيُّ ◌َّ خُطْبَةً، ما تَرَكَ فيها شيئاً إلى قِيامِ الساعةِ إلا ذكره، عَلِمَه
مَن عَلِمَه وجَهِلَه مَن جَهِلَه، إن كنتُ لأَرَى الشَّيءَ قد نَسِيتُ، فأَعرِفُه كما يَعرِفُ الرّجلُ الرَّجلَ
إذا غابَ عنه، فرآه فعَرَفَه.
٦٦٠٥ - حدَّثنا عَبْدَانُ، عن أبي ◌َمزَةَ، عن الأعمَشِ، عن سَعْدِ بنِ عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ
السُّلَميِّ، عن عليٍّ ◌َّ، قال: كَّا جُلوساً معَ النبيِّ ◌َّ﴾، ومعه عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ في الأرضِ، فنكَّس،
فقال: ((ما مِنكُم من أحدٍ إلا قد كُتِبَ مَقْعَدُه منَ النّار، أو منَ الجنَّةِ)) فقال رجلٌ منَ القوم: ألا
نَتَّكِلُ يا رسولَ الله؟ قال: «لا، اعْمَلوا فكلِّ مُيَسٌَّ))، ثمَّ قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنَّقَى﴾ الآيةَ [الليل:٥]./٤٩٥/١١

٤٢
باب ٤ / ح ٦٦٠١ - ٦٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابٌ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا﴾)) أي: حُكماً مَقطُوعاً بوقوعِه، والمراد بالأمرِ:
واحدُ الأُمورِ المقدَّرة، ويحتمل أن يكون واحدَ الأوامِر، لأنَّ الكلَّ موجود بكُنْ.
ذکر فیه خمسة أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة: ((لا تَسألِ المرأةُ طلاق أُختها)) لِقولِه في آخره: «فإنَّ لها ما قُدِّرَ
لها)) وقد مضى شرحُه في ((باب الشُّروط التي لا تَحِلّ في النِّكاح)) من كتاب النِّكاح (٥١٥٢).
قال ابن العربيّ: في هذا الحديث من أُصول الدّين: السُّلوكُ في تجاري القَدَر، وذلك لا
يُناقِضُ العملَ في الطاعات، ولا يَمنَعِ التَّحَرُّف في الاكتِساب، والنَّظَرَ لقوتٍ غَدٍ وإن كان
لا يَتَحقَّقِ أنَّه يَبلُغُه.
وقال ابن عبد البَرّ: هذا الحديث من أحسَنِ أحاديث القَدَر عند أهل العلم، لما دَلَّ
عليه من أنَّ الَّوج لو أجابَها، وطَلَّقَ مَن تَظُنّ أنَّها تُزاحُها في رِزْقِها، فإنَّه لا يَحَصُلُ لها من
ذلك إلّا ما كَتَبَ الله لها، سواءٌ أجابَها أو لم يُحِبها، وهو كقولِ الله تعالى في الآية الأُخرى:
﴿قُل ◌َّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١].
الحديث الثاني: حديثُ أُسامة، وهو ابنُ زید.
قوله: ((عاصم)) هو الأحول، وأبو عثمان: هو النَّهْديّ.
قوله: ((وعندَه سَعْد)) هو ابن عُبادَة، ومعاذ: هو ابن جَبَل، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في
كتاب الجنائز (١٢٨٤)، وما قيل في تسمية الابن المذكور، وبيان الجمْع بين هذه الرِّواية
والرِّواية التي فيها: ((أَنَّ ابنَتَها)).
الحدیث الثالث: حديث أبي سعيد.
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك، ويُونُس: هو ابن یَزِيدَ.
قوله: ((جاء رجلٌ من الأنصار)) تقدَّم في غزوة المرَيْسِيع (٤١٣٨)، وفي عِشرة النِّساء من كتاب
النِّكاح (٥٢١٠) عن أبي سعيد قال: سألنا. وأخرجه النَّسائيُّ (ك٥٠٢٦) من طريق ابن مُحَيِرِيز

٤٣
باب ٤ / ح ٦٦٠٤ - ٦٦٠٥
كتاب القدر
أنَّ أبا سعيدٍ وأبا صِرْمةَ أخبَرَاهِ: أنَّهم أصابوا سَبايا، قال: فتَراجَعْنا في العَزْلِ، فَذَكَرنا ذلك
لرسولِ الله وَل﴾. فلعلَّ أبا سعيد باشَرَ السُّؤالَ، وإن كان الذينَ تَراجَعوا في ذلك جماعةً.
وقد وَقَعَ عند البخاريّ في ((تاريخه)) وابن السَّكَن وغيره(١) في الصحابة من حديث مجدي
الضَّمريِّ قال: غَزَونا مع النبيّ وَّر غزوة المَرَيْسِيعِ فَأَصَبْنا سَبياً، فسألنا النبيَّ وَّ عن
العَزْل، الحديث، وأبو صِرْمة مُخْتَلَفٌ في صُحبَتِه. وقد وَقَعَ في ((صحيح مسلم)) (١٤٣٨) من
طريق ابن مُحَيريز: دَخَلتُ أنا وأبو صِرْمةً على أبي سعيد، فقال: يا أبا سعيد هل سمعتَ
رسولَ اللهِ ◌ّه في العَزل ... الحديث، فالثّابِت أنَّ أبا صِرْمَةَ - وهو بكسر المهمَلة وسكون الرَّاء -
إِنَّمَا سألَ أبا سعيد، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوقَ في النِّكاح.
والغرض منه هنا: قولُه في آخره: ((وليست نَسَمَةٌ كَتَبَ الله أن تَخْرُج إلّا هي كائنةٌ)).
الحديث الرابع: قوله: ((حدَّثْنا موسى بن مسعودٍ)) هو أبو حُذَيفة النَّهْديّ، وسفيان: هو
الثَّوْريّ.
قوله: ((لقد خَطَبَنا)) في رواية جَرِير عن الأعمَش عند مسلم (٢٣/٢٨٩١): قامَ فينا
رسولَ اللهِوَّ مقاماً.
قوله: «إلّا ذکره» في روایة جَرِیر: إلّا حدَّث به.
قوله: ((عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه)) في رواية جَرِير: حَفِظَه مَن حَفِظَه وَسِيَه مَن نَسِیَه،
وزاد: قد علمَه أصحابي هؤلاءِ، أي: علموا وقوع ذلك المقام، وما وَقَعَ فيه من الكلام، وقد
سَمَّيتُ في أوّل بَدْء الخلق (٣١٩٢) مَن روى نحو حديث حُذَيفة هذا من الصحابة؛ كَعُمَرَ وأبي
زيد بن أخطَبَ وأبي سعيد وغيرهم، فلعلَّ حُذَيفة أشارَ إليهم أو إلى بعضهم.
وقد أخرج مسلم (٢٨٩١/ ٢٢) من طريق أبي إدريس الخولانيِّ عن حُذيفة قال: والله إنّي
لأعلمُ كلّ فتنةٍ كائنةٍ فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله وَلّه أَسَرَّ إليّ شيئاً لم يكن
(١) وأخرجه أيضاً أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٦٢٨٧)، ولم نقع على هذا الحديث في ترجمة مجدي الضمري من
(تاريخ)) البخاري ٨/ ٥٥، والله أعلم.

٤٤
باب ٤ / ح ٦٦٠٤ - ٦٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
يُحدِّثُ به غيري. وقال في آخره: فذهب أولئكَ الرَّهْط غيري، وهذا لا يُناقض الأوَّل، بل
يُجمَع بينَهما بأن يُحمَل على مَجلِسَين، أو المراد بالأوَّل أعَمّ من المراد بالثّاني.
قوله: ((إن كنتُ لَأَرَى الشَّيءَ قد نَسِيتُ)) كذا للأكثرِ بحذفِ المفعول، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ
بإثباته، ولفظُه: نَسِيتُه.
قوله: ((فأعْرِفُه کما یَعرِفُ الرجلُ الرجلَ إذا غاب عنه، فرآه فعَرَفَه» في روایة محمّد بن یوسُف
٤٩٦/١١ عن سُفيان عند الإسماعيليّ: كما يَعرِف الرجلُ، بحذفِ المفعول، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ:/
الرجلُ وجهَ الرجلِ غابَ عنه ثمَّ رآه فعَرَفَه.
قال عِيَاض: في هذا الكلام تَلفيقٌ، وكذا في رواية جَرِير: وأنَّه لَيكونُ منه الشَّيء قد
نَسِيتُه، فأراه فأذكره كما يَذكُر الرجلُ وجهَ الرجل إذا غابَ عنه، ثمَّ إذا رآه عَرَفَه. قال:
والصَّواب: كما يَنسَى الرجلُ وجهَ الرجل - أو كما لا يَذكُر الرجلُ وجهَ الرجل - إذا غابَ
عنه ثمَّ إذا رآه عَرَفَه. قلت: والذي يظهر لي أنَّ الرّواية في الأصلَينِ مُستَقيمة، وتقديرُ ما في
حديث سفيان: أنَّه يرى الشَّيء الذي كان نَسِيَه، فإذا رآه عَرَفَه.
وقوله ((كما يَعِرِف الرجلُ الرجلَ غابَ عنه)) أي: الذي كان غابَ عنه فَسَيَ صُورتَه ثمَّ
إذا راهَ عَرَفَه، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن المبارك عن سفيان بلفظ: إنّي لَأَرَى الشَّيءَ
نَسيتُهُ فأعرِفُه كما يَعرِف الرجل ... إلى آخره.
تنبيه: أخرج هذا الحديثَ القاضي عِيَاضٍ في ((الشِّفا)) (٣٣٦/١) من طريق أبي داود
بسندِه إلى قوله: ثمَّ إذا رآه عَرَفَه، ثمَّ قال حُذَيفة: ما أدري أنسيَ أصحابي أم تَناسَوه؟ والله
ما تَرَكَ رسولُ اللهِ وَّهَ من قائدِ فتنةٍ إلى أن تَنقَضِيَ الدُّنيا يَبلُغُ مَن معه ثلاثُ مئة إلّا قد سَمّاه
لنا. قلت: ولم أرَ هذه الزيادة في كتاب أبي داود، وإنَّما أخرجه أبو داود (٤٢٤٠) بسندٍ آخر
مُستَقِلّ(١) من وجهٍ آخرَ عن حُذَيفة.
الحديث الخامس: حديث عليٍّ.
(١) في (ع): متصل.

٤٥
باب ٤ / ح ٦٦٠٥
كتاب القدر
قوله: ((عن أبي حمزةَ)) بمُهمَلٍ وزايٍ: هو محمّد بن مَيمُون السُّكَّريّ.
قوله: ((عن سَعْد بن عُبيدة)) بضمِّ العين: هو السُّلَميُّ، الكوفيّ، يُكْنى أبا حمزةَ، وكان
صِهْرَ أبي عبد الرَّحمن شَيخِه في هذا الحديث. ووَقَعَ في تفسير ﴿وَالَتْلِ إِذَا يَفْثَى﴾ (٤٩٤٩) من
طريق شُعْبة عن الأعمَش: سمعتُ سعدَ بن عُبيدة.
وأبو عبد الرَّحمن السُّلَميُّ: اسمُه عبدُ الله بن حَبِيب، وهو من كبار التابعين، ووَقَعَ مُسَمَّى في
رواية مُعتَمِرٍ بن سُليمانَ عن منصورٍ عن سعد بن عُبيدةَ عند الفِرْیابيّ(١).
قوله: ((عن عليٍّ) في رواية مسلم البَطِين عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميِّ: أخَذَ بيَدي عليٌّ
فانطَلَقنا نَمشي حتَّى جَلَسنا على شاطِئِ الفُرات، فقال عليٌّ: قال رسول ◌َّ ... فذكر
الحديث مختصراً (٢).
قوله: ((كنّا جُلوساً)) في رواية عبد الواحد عن الأعمش: ((كنَّا قُعوداً))(٣)، وزاد في رواية
سفيان الثَّوْريِّ عن الأعمش: كنَّا مع النبيّ وَّهَ في بَقيع الغَرقَد - بفتح الغَين المعجَمة
والقاف بينهما راءٌ ساكنةٌ - في جِنازة(٤)، فظاهرُه أنَّهم كانوا جميعاً شَهِدوا الجِنازة، لكن
أخرجه في الجنائز (١٣٦٢) من طريق منصور عن سَعْد بن عُبيدة، فبيَّن أنَهم سَبقوا بالجِنازة
وأتاهم النبيُّ وَ له بعد ذلك، ولفظه: كنّا في جِنازة في بَقيع الغَرقَد، فأتانا رسول الله وَه
فَقَعَدَ وقَعدنا حولَه.
قوله: «ومعه عودٌ ینگُتُ بِه في الأرض» في روایة شُعْبة (٤٩٤٦): وبيده عودٌ فجعَلَ ینگُت به
في الأرض(٥)، وفي رواية منصور (٤٩٤٨): ومعه مخِصَرة، بكسر الميم وسكون المعجَمة وفتح
(١) في ((القدر)) (٤١).
(٢) أخرجه أحمد (١٣٤٩).
(٣) سلف بإثر الحديث (٤٩٤٥) في باب قوله: ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦].
(٤) سلف برقم (٤٩٤٥).
(٥) رواية شعبة وردت عند البخاري برقم (٤٩٤٩) بلفظ: فأخذ شيئاً فجعل ينكت به الأرض، وبرقم (٦٢١٧)
بلفظ: فجعل ينكت الأرض بعود، وبرقم (٧٥٥٢) بلفظ: فأخذ عوداً فجعل ينكت في الأرض. أما هذا اللفظ
الذي ذكره الحافظ فلم نقع عليه في رواية شعبة ولا في غيرها، والله أعلم.

٤٦
باب ٤ / ح ٦٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
الصّاد المهمَلة: هي عَصاً أو قَضيبٌ يُمسِكه الرَّئيس ليَتَوكَّأ علیه، ويَدفَع به عنه، ويُشيرَ به
لما يريد، وسُمّيَت بذلك لأنَّها تُحمَل تحت الخَصْرِ غالباً للاتِّكاءِ عليها، وفي اللُّغة: اختَصَرَ
الرجل: إذا أمسَكَ المِخصَرةَ.
قوله: ((فَتَكَّسَ)) بتشديد الكاف، أي: أطرَقَ.
قوله: ((فقال: ما منكم من أحد)) زاد في رواية منصور: ((ما من نفسٍ مَنْفُوسةٍ)) أي: مَصْنوعةٍ
مخلوقةٍ، واقتَصَرَ في رواية أبي حمزة والثَّوْريّ على الأوَّل.
قوله: «إلّا قد كُتِبَ مَفْعَدُه من النار أو من الجنَّة» أو للتَّويع، ووقَعَ في روایة سفیان ما قد
يُشعِر بأنَّها بمعنى الواو، ولفظه: ((إلّا وقد كُتِبَ مَقعَده من الجنَّة ومَفعَده من النار))، وكأنَّه
يشير إلى ما تقدَّم من حديث ابن عمر الدَّالّ على أنَّ لكلِّ أحد مَقعَدَينٍ(١).
وفي رواية منصور: ((إلّا كُتِبَ مكانُها من الجنَّة والنار))، وزاد فيها: ((وإلّا وقد كُتِبَت
شَفيَّةً أو سعيدةً)، وإعادة ((إلّا)) يحتمل أن يكون ((ما من نفس)) بَدَل ((ما منكم))، ((وإلّا))
الثّانية بَدَلاً من الأولى، وأن يكون من باب اللَّفّ والنَّشر فيكون فيه تعميم بعد تخصيص،
أو الثّاني في كلٌّ منهما أعَمُّ من الأوَّل، أشارَ إليه الكِرْمانيّ.
٤٩٧/١١
قوله: ((فقال رجل من القوم)) في رواية سفيان وشُعْبة: فقالوا: يا رسول الله. وهذا
الرجل وَقَعَ في حديث جابر عند مسلم (٢٦٤٨) أنَّه سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم، ولفظه:
جاء سُرَاقة فقال: يا رسول الله أَنَعمَلُ اليوم فيما جَفَّت به الأقلام وجَرَت به المقادير، أو فيما
يُستَقْبَل؟ قال: ((بل فيما جَفَّت به الأقلام وجَرَت به المقادير)) فقال: ففيمَ العمل؟ قال: ((اعمَلوا،
فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له)).
وأخرجه الطبرانيُّ (٦٥٦٥) وابن مَرْدويه نحوه وزادَ: ((وقرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ إلى قوله:
لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥-١٠])).
وأخرجه ابن ماجَهْ (٩١) من حديث سُرَاقَةَ نفسِه، لكن دونَ تلاوة الآية.
(١) انظر شرحه فيما سلف برقم (٦٥١٥).

٤٧
باب ٤ / ح ٦٦٠٥
كتاب القدر
ووَقَعَ هذا السُّؤال وجوابُه سوى تلاوة الآية لشُرَيح بن عامرِ الكِلابيّ، أخرجه أحمد
(١٦٦٣٠) والطبرانيُّ (٤٢٣٥)، ولفظه: قال: ففيمَ العمل إذاً؟ قال: ((اعملوا، فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما
خُلِقَ له)).
وأخرج التِّرمِذيّ (٢١٣٥) من حديث ابن عمر قال: قال عمرُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ
ما نَعمَل فيه، أمر مُبْتَدَع أو أمر قد فُرِغَ منه؟ قال: ((فيما قد فُرِغَ منه)) فذكر نحوه.
وأخرج البزَّارِ (٧٧٦٠) والفِرْيابيّ (٣١) من حديث أبي هريرة: أنَّ عمرَ قال: يا رسولَ الله،
فذكره.
وأخرجه أحمد (١٩) والبزَّار (٢٨) والطبرانيُّ (٤٧) من حديث أبي بكر الصِّدّيق: قلت
يا رسول الله نَعمَل على ما فُرِغَ منه، الحديثَ نحوه.
ووَقَعَ في حديث سعد بن أبي وقّاصٍ: فقال رجل من الأنصار(١).
والجمع بينها: تعدُّد السائلينَ عن ذلك، فقد وَقَعَ في حديث عبد الله بن عَمْرو: أنَّ
السائل عن ذلك جماعة، ولفظه: «فقال أصحابه: ففيمَ العمل إن كان قد فُرِغَ منه؟ فقال:
((سَدِّدوا وقارِبوا، فإنَّ صاحبَ الجنَّة يُخْتَم له بعَمَلِ أهل الجنَّة وإِن عَمِلَ أيَّ عملٍ)) الحديثَ،
أخرجه الفِرْیابيّ (٤٥).
قوله: ((ألا نَتَّكِل يا رسول الله؟)) في رواية سفيان: أفَلا، والفاء مُعَقِّبةٌ لشيءٍ محذوفٍ
تقديره: أفَإِذا كان كذلك ألا نَتَّكِل؟ وزاد في رواية منصور وكذا في رواية شُعْبة: أَفَلا نَّكِل
على كتابنا ونَدَعُ العمل؟ أي: نَعتَمِد على ما قُدِّرَ علينا، وزاد في رواية منصور: فمَن كان مِنّا
من أهل السَّعادة فيَصيرُ إلى عمل السَّعادة ومَن كان مِنّا من أهل الشَّقاوة، مِثله.
قوله: ((اعْمَلوا، فكلٌّ مُيَسٌَّ)) زاد شُعْبة: ((لِما خُلِقَ له، أمَّا مَن كان من أهل السَّعادة فيُيَسَّر
العَمَلِ السَّعادة)) الحديث، وفي رواية منصور: قال: ((أمَّا أهلُ السَّعادة فيُيَسَّرونَ لعَمَلِ أهل
السَّعادة)) الحديث.
(١) أخرجه خليفة بن خياط في («مسنده)) (٣٤)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٧٣)، والبيهقي في ((القضاء
والقدر)) (٥٤).

٤٨
باب ٤ / ح ٦٦٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
وحاصل السُّؤال: ألّا نَتَرُكُ مَشَقّة العمل؛ فإنّا سَنَصيرُ إلى ما قُدِّرَ علينا؟ وحاصل الجواب:
لا مَشَقّة، لأنَّ كلّ أحد مُيَسَّر لما خُلِقَ له، وهو يَسيرُ على مَن يَسَّرَه الله.
قال الطِّييُّ: الجواب من الأُسلوب الحكيم، مَنَعَهم عن تَرك العمل وأمَرَهم بالتزام ما يجب
على العَبد من العُبوديَّة، وزَجَرَهم عن التَّصَرُّف في الأُمورِ الغَيبيَّةِ، فلا يجعلوا العِبادةَ وتَرْكَها
سبباً مُستَقِلَّا لدخولِ الجنَّة والنار، بل هي علاماتٌ فقط.
قوله: ((ثمَّ قرأ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى﴾ الآية)) وساقَ في رواية سُفْيان ووكيع الآيات إلى
قوله: ﴿لِلْمُسْرَى﴾.
ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس عندَ الطبرانيِّ (١٠٨٩٩) نحو حديث عُمَر، وفي آخره:
قال: ((اعمَل فكلُّ مُيَسَر)). وفي آخره عند البزَّار (٥١٣٧): فقال القوم بعضُهم لبعضٍ:
فالجِدّ إذاً.
وأخرجه الطبرانيُّ (٦٥٩٣) في آخر حديث سُرَاقة، ولفظه: فقال: يا رسولَ الله، ففيمَ
العمل؟ قال: ((كلٌّ مُيَسَّرٌّ لعَمَلِه)) قال: الآن الجِدّ، الآن الجِدّ.
وفي آخر حديث عمر عند الفِرْيابيّ (٢٩): فقال عمر: ففيمَ العمل إذاً؟ قال: ((كلٌّ لا
يُنال إلّا بالعمل)) قال عمر: إذاً نَجتَهِد.
وأخرج الفِرْيابيّ (١٠١) بسندٍ صحيحٍ إلى بُشَير بن كَعْب أحد كِبار التابعين قال: سألَ
غلامان رسولَ الله ◌َّهَ فِيمَ العمل: فيما جَفَّت به الأقلام وجَرَت به المقادير أم شيء
نَستأنِفِه؟ قال: ((بل فيما جَفَّت به الأقلام)) قالا: ففيمَ العمل؟ قال: ((اعمَلوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما
هو عامل)) قالا: فالجِدّ الآن.
وفي الحديث جواز القُعُود عند القُبور، والتحدُّثِ عندها بالعلمِ والموعظة.
وقال المهلَّب: نَكتُهُ الأرضَ بالِخصَرة أصلٌ في تحريك الأُصبُعِ في الَّشَهُّد. نَقَلَه ابن
بَطّال، وهو بعيد، وإنَّما هي عادةٌ لمن يَتَفَكَّر في شيءٍ يَسْتَحِضِر معانيَه، فيحتمل أن يكون
٤٩٨/١١ ذلك تَفَكُّراً منه وَّ في أمر الآخرة، بقَرِينة حضور الجِنازة، ويحتمل أن يكون فيما / أبداه بعدَ ذلك

٤٩
باب ٤ / ح ٦٦٠٥
كتاب القدر
لأصحابِهِ من الحِكَم المذكورة، ومُناسَبتُه للقصَّة أنَّ فيه إشارةً إلى التَّسلية عن الميِّت بأنَّه
ماتَ بَفَرَاغِ أجَلِه.
وهذا الحديث أصلٌ لأهلِ السُّنّة في أنَّ السّعادة والشَّقاء بتقدير الله القديم، وفيه رَةٌّ
على الجَبَرِيَّة، لأَنَّ التَّيسير ضِدّ الجَبْ، لأنَّ الجَبر لا يكون إلّا عن كُرهٍ، ولا يأتي الإنسانُ الشَّيءَ
بطريق التَّيسير إلّا وهو غیر کارهِ له.
واستُدِلَّ به على إمكان مَعرِفة الشَّقيِّ من السَّعيد في الدُّنيا، كمَن اشتُهِرَ له لسانُ صِدْق
وعكسه، لأنَّ العمل أمارةٌ على الجزاء على ظاهر هذا الخبر، ورُدَّ بما تقدَّم في حديث ابن
مسعود (٦٥٩٤)، وأنَّ هذا العمل الظّاهر قد يَنقَلِب لعكسِه على وفق ما قُدِّرَ، والحقُّ أنَّ
العمل علامة وأمارَة، فيُحكَم بظاهرِ الأمر، وأمرُ الباطِن إلى الله تعالى.
قال الخطّبيُّ: لمَّا أخبر ◌َّهِ عن سَبْق الكِتَابِ(١)، رامَ مَن تَسَّكَ بالقَدَرِ أن يَتَّخِذَه حُجّة
في تَّرْك العمل، فأعلمَهم أنَّ هنا أمرَينِ لا يَبطُل أحدُهما بالآخر: باطِنٌ وهو العِلّة الموجِبة
في حُكم الرُّبوبيَّة، وظاهرٌ وهو العلامة اللّازِمة في حَقّ العُبودِيَّة، وإنَّما هي أمارةٌ مُخُيِّلة في
مُطالَعَة عِلم العَواقب غير مُفيدة حقيقةً، فبيَّن لهم أنَّ كلَّا مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له، وأنَّ عمَّلَه في
العاجِل دليلٌ على مَصِيره في الآجِل، ولذلك مَثَّلَ بالآيات. ونَظيرُ ذلك: الرِّزُ مع الأمرِ
بالكَسْب، والأجَلُ مع الإذنِ في المعالجة.
وقال في موضِعٍ آخر (٢): هذا الحديث إذا تأمّلتَه وجدتَ فيه الشِّفاء ممَّا يُتَخالَج في الضَّمير
من أمر القَدَر، وذلك أنَّ القائل: أفَلا ◌َتَّكِل ونَدَعُ العمل؟ لم يَدَع شيئاً مَّا يَدخُل في أبواب
المطالَبات والأسئلة إلّ وقد طالَبَ به وسألَ عنه، فأعلمَه رسولُ اللهِوَّهِ أَنَّ القياس في هذا
الباب متروك، والمطالبة ساقِطَة، وأَنَّه لا يُشبِهِ الأُمور التي عُقِلَت معانيها وجَرَت مُعامَلة البَشَر
(١) تحرفت هذه الكلمة في الأصلين و(س) إلى: الكائنات، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا، كما في ((أعلام الحديث))
للخطابي ١ / ٧٢٠.
(٢) في ((معالم السنن)) ٣١٨/٤.

٥٠
باب ٥ / ح ٦٦٠٦ -٦٦٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
فيما بينَهم عليها، بل طَوى الله عِلم الغَيب عن خَلْقه وحَجَبَهم عن دَركِه، كما أخفَى عنهم
أمرَ الساعة، فلا يعلم أحدٌ متى حينُ قيامِها، انتهى. وقد تقدَّم كلام ابن السَّمعانيّ في نحو
ذلك في أوَّل كتاب القَدَر.
وقال غيره: وجه الانفصال عن شُبهة القَدَريَّة: أنَّ الله أمَرَنا بالعملِ فوجَبَ علينا
الامتثال، وغَيَّبَ عَنّا المقادير لقيام الحُجّة، ونَصَبَ الأعمال علامةً على ما سَبَقَ في مَشیئتِهِ،
فمَن عَدَلَ عنه ضَلَّ وتاهَ، لأنَّ القَدَر سِرٌّ من أسرار الله لا يَطَّلِعِ عليه إلّا هو، فإذا أدخَلَ
أهلَ الجنَّة الجنَّة، كَشَفَ لهم عنه حينئذٍ.
وفي أحاديث هذا الباب أنَّ أفعال العباد وإن صَدَرَت عنهم، لكنَّها قد سَبَقَ عِلمُ الله
بوقوعِها بتقديرِه، ففيها بُطْلانُ قول القَدَريَّة صريحاً، والله أعلم.
٥- بابٌّ العملُ بالخواتيم
٦٦٠٦ - حدّثنا حِبّانُ بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدٍ
ابنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: شَهِدْنا معَ رسولِ اللهِ وَّ خَيِيرَ، فقالَ رسولُ الله ◌ِلَيه
لرجلٍ ممَّن معه يَدَّعي الإسلامَ: ((هذا من أهلِ النار)) فلمَّا حَضَرَ القتالُ قاتَلَ الرجلُ من أشَدِّ
القتال، وكَثُرَت به الجِراحُ، فأثْبَتَتْه، فجاء رجلٌ من أصحاب النبيِّ ◌َِّ، فقال: يا رسولَ الله،
أرأيتَ الَّذِيَ تَحَدَّثْتَ أَنَّه من أهلِ النار، قد قاتَلَ في سَبيلِ الله مِن أَشَدِّ القِتال، فكَثُرَت به
الجِراحُ، فقال النبيُّ وَّةِ: ((أما إنَّه من أهلِ النار)) فكادَ بعضُ المسلمينَ يَرْتابُ، فبينما هو على
ذلك إذ وجَدَ الرجلُ أَ الجِراح، فأهوَى بَيَدِه إلى كِنانَتِهِ، فانتَزَعَ منها سَهْماً، فانتَحَرَ بها، فاشتَّ
٤٩٩/١١ رجالٌ منَ المسلمينَ إلى رسولِ الله وَّةِ، فقالوا: يا رسولَ الله، صَدَّقَ الله حديثَكَ، قد/ انتَحَرَ
فلانٌ فقَتَلَ نفسَه، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((يا بلالُ قُم فأذِّن: لا يَدخُلُ الجنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ، وإنَّ اللهَ
لَيُؤْيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِرِ».
٦٦٠٧ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدّثنا أبو غَسّانَ، حدَّثني أبو حازم، عن سَهْلٍ: أنَّ رجلاً
من أعظَمِ المسلمينَ غَناءً عن المسلمينَ في غَزْوةٍ غَزَاها معَ النبيِّ وََّ، فَنَظَرَ النبيُّ وََّ، فقال: ((مَن

٥١
باب ٥ / ح ٦٦٠٦ -٦٦٠٧
كتاب القدر
أحبَّ أن يَنظُرَ إلى الرَّجُلِ من أهلِ النار، فلْيَنظُرُ إلى هذا»، فَاتَّبَعَه رجلٌ مِنَ القوم وهو على تلكَ
الحال من أشَدِّ الناسِ على المشركينَ، حتَّى جُرِحَ، فاستَعْجَلَ الموتَ، فجَعَلَ ذُبابةَ سَيفِهِ بينَ
ثَدْيَيهِ، حتَّى خَرَجَ من بينِ كَتِفَيْهِ، فَأقبَلَ الرجلُ إلى النبيِّ وَِّ مُسْرِعاً، فقال: أشهَدُ أَنَّكَ
رسولُ الله، فقال: ((وما ذاكَ))؟ قال: قلتَ لفلانٍ: «مَن أحبَّ أن يَنظُرَ إلى رجلٍ من أهلِ النّار،
فلْيَنظُر إليه)) وكان من أعظَمِنا غَناءً عن المسلمينَ، فعَرَفْتُ أَنَّه لا يموتُ على ذلك، فلمَّا ◌ُرِحَ
اسْتَعْجَلَ الموتَ، فقَتَلَ نفسَه، فقال النبيُّ وَّه عندَ ذلك: ((إنَّ العبدَ لَيَعمَلُ عملَ أهلِ النّار، وإنَّه من
أهلِ الجنَّةِ، ويَعمَلُ عملَ أهلِ الجنَّةِ وإِنَّه من أهلِ النّار، وإِنَّا الأعمالُ بالخَواتيمِ)).
قوله: ((بابٌ العملُ بالخواتيم)) لمَّا كان ظاهرُ حديث عليٍّ يقتضي اعتبارَ العمَلِ الظّاهر،
أردَفَه بهذه التَّرجمة الدَّالَّة على أنَّ الاعتبار بالخاتمة، وذَكَر فيه قصَّة الذي نَحَرَ نفسه في القتال
من حديث أبي هريرة، ومن حديث سَهْل بن سَعْد، وقد تقدَّم شرحُهما في غزوة خَيْبر من
كتاب المغازي (٤٢٠٢ -٤٢٠٤)، وذكرتُ هناك الاختلاف في اسم المذكور، وهل القِصَّتان
مُتَغَايِرَتان في مَوطِنَينِ لرجلَينٍ، أو هما قصَّة واحدة؟
وقوله في آخر حديث أبي هريرة: ((وإنَّما الأعمال بالخواتيم)) وقَعَ في حديث أنس عند
التِّرمِذيّ (٢١٤٢) وصَحَّحَه: ((إذا أرادَ الله بعَبدِ خيراً استعملَه)) قيلَ: كيف يستعملُه؟ قال:
((يوفِّقُه(١) لعَمَلِ صالح ثمَّ یَقِضُه علیه)).
وأخرجه أحمد (١٢٢١٤) من هذا الوجه مُطوَّلاً، وأوَّلُه: ((لا تَعجَبوا لعَمَلِ عاملٍ حَتَّى
تَنْظُرُوا بمَ ثُختم له))، فذكر نحو حديث ابن مسعود.
وأخرجه الطبرانيُّ (٨٠٢٥) من حديث أبي أمامةَ مختصراً.
وأخرج البزَّار (٥٧٩٣) من حديث ابن عمر حديثاً فيه ذِكْرِ الكِتابَينِ، وفي آخره: «العملُ
بِخَواتيمِهِ، العملُ بخَواتیمِه)).
(١) كذا في (س) وهو الموافق لما في ((سنن الترمذي))، ووقع في الأصلين: ((إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله فوفّقه لعمل
صالح ... )) وهذه رواية حديث أنس عند ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٣٩٣).

٥٢
باب ٦ / ح ٦٦٠٨ - ٦٦٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
٦ - بابُ إلقاءِ العبدِ النَّرُ إلى القَدَر
٦٦٠٨ - حدّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن عبدِ الله بنِ مُرّةَ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما، قال: نَهَى النبيُّ وَّه عن النَّذْرِ، قال: ((إنَّه لا يَرُدُّ شيئاً، وإنَّما يُسْتَخْرَجُ به منَ
البَخِیلِ».
٥٠٠/١١ [طرفاه في: ٦٦٩٢، ٦٦٩٣]/
٦٦٠٩ - حدَّثنا بِشرُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن هَّامِ بنِ مُنبِّهِ، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((لا يأت ابنَ آدمَ النَّذْرُ بشيءٍ لم يكن قد قَدَّرْتُه، ولكن يُلْقِيهِ القَدَرُ
وقد قَدَّرْتُه له، أستَخْرِجُ به منَ البَخِيلِ)).
[طرفه في: ٦٦٩٤]
قوله: ((باب إلْقاءِ العبدِ النَّذْرُ إلى القَدَرِ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((إلقاءَ النَّذْرِ العَبدَ إلى
القَدَر))، وفي الأُولى: النَّذر بالرَّفع وهو الفاعل، والإلقاء مُضافٌ إلى المفعول، وهو العَبد،
وفي الثّانية العَبد بالنَّصبِ، وهو المفعول، والإلقاء مُضافٌ إلى الفاعل وهو النَّذر، وسيأتي
في ((باب الوفاء بالنَّذْرِ)) من وجه آخر عن أبي هريرة على وفق رواية الكُشْمِيهنيّ.
وذكر فيه حديثَ ابن عُمَر وأبي هريرة في ذلك، وسيأتيان في ((باب الوفاء بالنَّذْرِ)) من
کتاب الأيمان والنُّذور مع شرحهما (٦٦٩٢ و٦٦٩٤). فأمَّا حديث أبي هريرة فهو صريح في
التَّرجمة لكنَّ لفظه: ((ولكن يُلقيه القَدَر)) كذا للأكثرِ، وللكُشْمِيهنيِّ: ((يُلقيه النَّذر)) بنونٍ ثمَّ
ذال مُعجَمة.
وقد اعتَرَضَ بعضُ شيوخنا على البخاريّ فقال: ليس في واحد من اللَّفْظَينِ المرويَّينِ
عنه في التَّرجمة مُطابقة للحديث، والمطابقُ أن يقول: إلقاء القَدَرِ العَبدَ إلى النَّذر، بتقديم
(القَدَر)) بالقاف على ((النَّذر)) بالنّون، لأنَّ لفظ الخبر: ((يُلقيه القَدَر)) بالقاف. كذا قال، وكأنَّه
لم يَشْعُرُ برواية الكُشْمِيهنيِّ في متن الحديث، ثمَّ اذَّعَى أنَّ التَّرجمة مع عَدَم مُطابَقَتها للخَبَرِ،
ليس المعنى فيها صحيحاً، انتهى. وما نَفاه مردود، بل المعنى بيِّنٌّ لمن له أدنى تأمُّل، وكأنَّه

٥٣
باب ٧ / ح ٦٦١٠
كتاب القدر
استَبعَدَ نِسبةَ الإلقاء إلى النَّذر، وجوابه أنَّ النِّسبة مجازيَّة، وسوَّغَ ذلك كَونُه سبباً إلى الإلقاء
فَنَسَبَ الإلقاء إليه، وأيضاً فهما مُتَلازِمان.
قال الكِرْمانيُّ: الظّاهر أنَّ التَّرجمة مقلوبة؛ إذ القَدَر هو الذي يُلقي إلى النَّذر، لقولِه في
الخبر: (يُلقيه القَدَر)) والجواب أنَّهما صادِقان؛ إذ الذي يُلقي في الحقيقة هو القَدَر، وهو
الموصِل، وبالظّاهِرِ هو النَّذر، قال: وكان الأولى أن يقول: يُلقيه القَدَر إلى النَّذر ليُطابِق الحديث،
إلّا أن يقال: إنَّها مُتَلازِمان. وكأنَّه أيضاً ما نظرَ إلى رواية الكُشْمِيهنيّ، وأيضاً فقد جَرَت عادةُ
البخاريّ أنَّه يُتَرجِم بما وَرَدَ في بعض طرق الحديث، وإن لم يَسُق ذلك اللَّفظ بعَينِهِ؛ لِيَبعَث
ذلك الناظِرَ في كتابه على تَتَبُّع الطّرق، وليقدَح الفِكر في التطبيق، ولغير ذلك من المقاصد
التي فاقَ بها غيرَه من المصنِّفِينَ كما تَقرَّرَ غيرَ مَرَّةٍ.
وأمَّا حديث ابن عمر فهو بلفظ: ((إنَّه - أي: النَّذر - لا يَرُدّ شيئا)) وهو يُعطي معنى الرِّواية
الأُخرى.
وقوله هنا: منصور)) هو ابن المعتمِر، ((عن عبدِ الله بن مُرّة)) يأتي في الباب المذكور بلفظ:
أخبرنا عبدُ الله بن مُرّة، وهو الهَمْدانيُّ - بسكونِ الميم - الخارِفيّ بمُعجَمةٍ وراءٍ مكسورة ثمَّ
فاءٍ: تابعيٌّ كبيرٌ كوفيٌّ، ولهم شيخٌ آخرُ في طَبَقَتِهِ يقال له: عبد الله بن مُرّة الَّوفيّ - بزايٍ
وواوٍ ساکنةٍ ثمَّ فاءٍ - مِصريٌّ، ویقال له: عبد الله بن أبي مُرّة، وهو بها أشهر.
٧ - بابٌ لا حولَ ولا قُوّةَ إلّا بالله
٦٦١٠ - حدَّثْنيَ محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن
أبي عثمانَ النَّهْدِيِّ، عن أبي موسى، قال: كنَّا معَ رسولِ الله وَفِي غَزاةٍ، فجَعَلْنا لا نَصْعَدُ شَرَفاً،
ولا نَعْلُو شَرَفاً، ولا نَهْبِطُ في وادٍ، إلا رَفَعْنا أصواتَنا بالتكْبِيرِ، قال: فَدَنا مِنّا رسولُ الله ◌َِِّ،
فقال: ((يا أيُّها الناسُ، اربَعوا على أنفُسِكم، فإِنَّكم لا تَدْعونَ أَصَمَّ ولا غائباً، إِنَّا تَدْعونَ سَمِيعاً
بَصِيراً) ثمَّ قال: ((يا عبد الله بنَ قيسٍ، ألا أُعَلِّمُكَ كلمةً هي من كُنوزِ الجنَّةِ: لا حَوْلَ ولا قوّةً
إلّا بالله)).

٥٤
باب ٧ / ح ٦٦١٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابٌ)) بالتَّنْوِينِ ((لا حَوْلَ ولا قوّةَ إلّا بالله)) تَرجَمَ في أواخر الدَّعَوات (٦٤٠٩):
((بابُ قولِ: لا حول ولا قوة إلا بالله)) بالإضافة، واقتَصَرَ هنا على لفظ الخبر، واستَغنى به
٥٠١/١١ لظُهوره في أبواب القَدَر، لأنَّ معنى لا حولَ: لا تحويلَ للعَبدِ عن مَعصِيةِ الله / إلّا بِعِصْمة الله،
ولا قوّةً له على طاعة الله إلّ بتوفيق الله، وقيل: معنى لا حول: لا حِيلة. وقال النَّوويّ: هي كلمة
استسلام وتَفويض، وأنَّ العَبد لا يَملِك من أمرهِ شيئاً، وليس له حِيلةٌ في دفع شَرّ ولا قوّةٌ في
جَلْب خير إلّا بإرادة الله تعالى.
وذكر فيه حديث أبي موسى، وقد تقدَّم في الدَّعَوات بهذا الإسناد بعينه، لكن فيه سُلَیمان
التَّيْمِيُّ بَدَل خالدِ الحَذّاء المذكور هنا، وهو محمول على أنَّ لِعبدِ الله - وهو ابن المبارَك -
فيه شيخَين، وقد أخرجه النَّسائيُّ من رواية سُوَيد بن نَصْر عن ابن المبارك عن خالد
الحَذّاء.
قوله: ((كنَّا مع رسول الله وَ فِي غَزاة)» تقدَّم في ((غزوة خَيْبر)) من كتاب المغازي (٤٢٠٥)
بیانُ أنَّها غزوةُ خيبر.
قوله: ((إلّا رَفَعْنا أصواتَنا بالتكْبِيرِ)) في رواية سليمان التَّيْميِّ المذكورة: فلمَّا عَلا عليها
رجلٌ نادَى فَرَفَعَ صوته: لا إلهَ إلّا الله والله أكبر. لم أقِفْ على اسم هذا الرجل، ويُجمَع بأنَّ
الكلّ كَبَّروا، وزادَ هذا عليهم بالتَّهليل، وتقدَّم في رواية عبد الواحد(١) ما يدلُّ على أنَّ المراد
بالتكبير: قول: لا إلهَ إلّا الله والله أكبر.
قوله: (اربَعوا)) بفتح الموحّدة، أي: ارفُقوا، وقد تقدَّم بيانه في أوائل الدُّعاء (٦٣٨٤)، قال
يعقوب بن السِّكّت: رَبَعَ الرجل يَرَبَع: إذا وَقَفَ وكَفَّ، وكذا بقيَّة ألفاظه.
قال ابن بَطّال: كان عليه السلام مُعلِّماً لأُمَّتِهِ، فلا يَرَاهُم على حالةٍ من الخير إلّ أحبَّ لهم
الزّيادة، فأحبَّ للَّذِينَ رَفَعوا أصواتَهم بكلمة الإخلاص والتكبير أن يُضِيفوا إليها التَّبَرّي
من الحول والقوّة، فيَجمَعوا بين التَّوحيد والإيمان بالقَدَر، وقد جاء في الحديث: ((إذا قال
(١) التي في المغازي.

٥٥
باب ٨ / ح ٦٦١١
كتاب القدر
العَبدُ: لا حولَ ولا قوّة إلّا بالله، قال الله: أسلَمَ عبدي واستَسلَم)). قلت: أخرجه الحاكم
(٥٠٧/١) من حديث أبي هريرة بسندٍ قويّ، وفي رواية له (٢١/١): قال لي: ((يا أبا هريرة،
ألا أدُلّك على كَنْز من كُنوزِ الجنَّة؟)) قلت: بلى يا رسول الله، قال: «تقول: لا حولَ ولا قوّةً
إلّا بالله. فيقول الله: أسلَمَ عبدي واستَسلَم))، وزاد في رواية له (١/ ٥١٧): ((ولا مَنجَى ولا
مَلجَأ من الله إلّا إليه)).
قوله: ((من كُنوز الجنَّة)) تقدَّم القول فيه، وحاصلُه: أنَّ المراد أنَّها من ذَخائِرِ الجنَّة أو
مُحُصِّلات نَفائس الجنَّة، قال النَّوويّ: المعنى: أنَّ قولها يُحصِّل ثواباً نفيساً يُدَّخَر لصاحبِهِ
في الجنَّة. وأخرج أحمد (٢٣٥٥٢) والِّرمِذيّ(١) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٨٢١) عن أبي أيوب:
أنَّ النبيَّ وََّ ليلة أُسرِيَ به مرَّ على إبراهيم - على نبيَّنَا وعليه الصلاةُ والسَّلام - فقال: يا
محمَّد مُر أمَّتَك أن يُكثِرِوا من غِرَاس الجنَّة، قال: ((وما غِراس الجنَّة؟)) قال: لا حولَ ولا
قوّةً إلا بالله.
قوله: ((لا تَدْعونَ)) كذا أطلقَ على التكبير ونحوِه دعاءً من جهة أنَّه بمعنى النِّداء، لگونِ
الذّاكِرِ يريدُ إسماعَ مَن ذَكَره والشَّهادة له.
٨ - بابٌ المعصومُ مَن عَصَمَ اللهُ
عاصِمٌ: مانعٌ.
قال مجاهدٌ: ﴿سَدًّا﴾ [يس: ٩]: عن الحقِّ يَترَدَّدونَ في الضَّلالةِ. ﴿رَسَّنَهَا﴾ [الشمس: ١٠]:
أغواها.
٦٦١١ - حدَّثْنَا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونُسُ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني أبو سَلَمَةَ،
عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((ما استُخْلِفَ خَلِيفةٌ إلّا له بطانَتان: بطانةٌ تَأْمُه
بالخيرِ ونَخُضُّه عليه، وبطانةٌ تَأْمُرُه بالشرِّ ونَحُضُّه عليه، والمعْصومُ مَن عَصَمَ اللهُ).
[طرفه في: ٧١٩٨]
(١) ليس في الترمذي.

٥٦
باب ٨ / ح ٦٦١١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوين (المعصومُ مَن عَصَمَ الله)) أي: مَن عَصَمَه الله؛ بأن حَمَاهُ من الوقوع في
الهلاك أو ما يَجُرُّ إليه، يقال: عَصَمَه الله من المكروه: وقاه وحَفِظَه، واعتَصَمتُ بالله: لجأت إليه،
٥٠٢/١١ وعِصْمة الأنبياء - على نبيّنا وعليهم/ الصلاة والسَّلام -: حِفظُهم من النَّقَائص وتخصِيصُهم
بالكَمالات النفسية، والنُّصرة والثّبات في الأُمور، وإنزال السَّكينة. والفرق بينهم وبين غيرهم أنّ
العِصْمة في حَقّهم بطريق الوجوب، وفي حَقّ غيرهم بطريق الجواز.
قوله: ((عاصِمٌ: مانعٌ)) يريد تفسير قوله تعالى في قصَّة نوح وابنه: ﴿قَالَ سَنَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ
يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَحِمَ﴾ [هود:٤٣]، وبذلك فَسَّرَه
عكرمة فيما أخرجه الطَّرُّ من طريق التگم بن أبان عنه.
وقال الرَّاغِب: المعنى بقولِه: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ أي: لا شيء يَعصِم منه، وفَسَّرَه
بعضُهم بمَعصومِ، ولم يُرِدِ أنَّ العاصِمَ بمعنى المعصوم، وإِنَّا نَبَّهَ على أنَهما مُتَلازِمان فأيُّهما
حَصَلَ حَصَلَ الآخر.
قوله: ((قال مجاهد: ﴿َسَدًّا﴾: عن الحقّ يَتَرَدَّدونَ في الضَّلالة)) كذا للأكثرِ ﴿سَدًّا﴾
بتشديد الدَّال بعدَها ألِفٌ، وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق وَرْقاء عن ابن أبي نَجِيح عنه في
قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] قال: عن الحقّ.
ووَصَلَه عبدُ بنُ حُميدٍ من طريق شِبْل عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿سَدًّا﴾
قال: عن الحقّ وقد يَتَرَدَّدونَ.
ورأيته في بعض نُسَخ البخاريّ ((سُدى)) بتخفيفِ الدَّال مقصور، وعليها شرح الكِرْمانيّ
فَزَعَمَ أَنَّه وَقَعَ هنا: ﴿أَيَخْسَبُ اَلْإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدِّى﴾ [القيامة: ٣٦]، أي: مُهمَلاَ مُتَرَدِّداً في الضَّلالة،
ولم أرَ في شيء من نُسَخ البخاريّ إلّا اللَّفظ الذي أورَدتُه: قال مجاهد: سَدّاً ... إلى آخره، ولم
أَرَ في شيء من التَّفاسير التي تُساقُ بالأسانيدِ لمجاهدٍ في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنْسَنُ أَنْ يُْرَكَ سُدَّى﴾
كلاماً، ولم أرَ قوله: في الضَّلالة، في شيء من النُّقُول بالسَّنَدِ عن مجاهد، ووَقَعَ في رواية النَّسَفيِّ:
(الضَلالةٍ)) بَدَل قوله: ((في الضَّلالة)).

٥٧
باب ٩
كتاب القدر
قوله: (﴿دَسَّنَهَا﴾: أغواها)) قال الفِرْيابيّ: حدَّثنا ورقاءُ عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا ﴾ قال: مَن أغواها(١) ..
وأخرج الطَّبَرِيُّ بسندٍ صحيحٍ عن حَبيبٍ بن أبي ثابت(٢) عن مَجَاهِدٍ وسعيد بن جُبَير في
قوله: ﴿رَسَّنْهَا﴾ قال: قال أحدهما: أغواها، وقال الآخر: أضَلَّها.
وقال أبو عبيدة ﴿رَسَّنَهَا﴾: أصله دَسَست، لكنَّ العرب تَقلِب الحرف المضاعَف إلى
الياء، مِثل تَظنَّنْت من الظَّنّ، فتقول: تَظنَّيتُ، بالتَّحتانيَّة بعد النّون.
ومُناسَبة هذا التَّفسير للتَّرجمة تُؤخَذ من المراد بفاعلٍ ﴿دَسَّنْهَا﴾ فقال قومٌ: هو الله،
أي: قد أفلَحَ صاحب النَّفْس التي زَكّاها الله، وخابَ صاحب النَّفْس التي أغواها الله،
وقال آخرونَ: هو صاحبُ النَّفْس إذا فَعَل الطاعات فقد زَكّاها، وإذا فَعَل المعاصيَ فقد
أغواها، والأوَّل هو المناسب للتَرجمة. وقال الكِرْمانيُّ: مُناسَبة التَّفسيرَينِ للتَّرجمة أنَّ مَن لم
یعصمه الله کان سدی و کان مُغوّى.
ثم ذَكَر المصنِّف حديث أبي سعيد الخُذْريِّ: ((ما استُخلِفَ من خَليفةٍ إلّا وله بِطانَتان ... ))
الحديث، وفيه: ((والمعصومُ مَن عَصَمَ الله))، وسيأتي شرحه في كتاب الأحكام (٧١٩٨) إن
شاء الله تعالى.
والبطانة - بكسر الموحّدة - اسم جِنْس يَشمَل الواحد والجماعة، والمراد: مَن يَطَّلِعِ على
باطِن حال الكبير من أتباعِه.
٩ - بابٌ ﴿وحِرْمٌ على قرية أهلكناها﴾ [الأنبياء: ٩٥]
﴿كَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]، ﴿وَلَا يَلِدُوَأَإِلَّا فَاجِرَّ كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧].
وقال منصورُ بنُّ النُّعْمان: عن ◌ِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسِ: ﴿وَحِرْمٌ﴾ بالحَبَشِيَّةِ: وَجَبَ.
(١) وأخرجه الحاكم ٥٢٤/٢، وعنه البيهقي في ((القدر)) (٣٥٣) من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن
ابن عباس.
(٢) كذا قال الحافظ ((حبيب بن أبي ثابت))، وتبعه على ذلك العيني، والذي في المطبوع من ((تفسير الطبري)) ٢١٢/٣٠،
وكذا في الطبعة المحققة في دار هجر ٤٤٥/٢٤: خصيف عن مجاهد وسعيد، وليس حبيباً، والله أعلم.

٥٨
باب ٩ / ح ٦٦١٢
فتح الباري بشرح البخاري
٦٦١٢ - حدَّثني محمودُ بنُ غَيْلانَ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاووسٍ،
عن أبيه، عن ابنِ عبّاسٍ قال: ما رأيتُ شيئاً أشبه باللَّمَم ممَّ قال أبو هريرةَ عن النبيِّ وَّ: ((إنَّ الله
٥٠٣/١١ كَتَبَ على ابنِ آدمَ حَظَّه/ منَ الزِّنِى أَدْرَكَ ذلك لا محالةَ؛ فِزِنى العينِ النَّظَرُّ، وزِنى اللِّسان المَنْطِقُ،
والنَّفْسُ تَنَّى وَتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبُه)).
وقال شَبابةُ: حدَّثْنا وَرْقَاءُ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِّ.
قوله: (بابٌ ﴿وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: ﴿ وَحَرَامٌ﴾
يفتح أوَّله وزيادة الألف، وزادوا بقيَّة الآية. والقراءتان مشهورتان؛ قرأ أهل الكوفة بكسر
أوَّله وسكون ثانيه، وقرأ أهل الحجاز والبصرة والشّام(١) بفتحَتَينِ وألِف، وهما بمعنَى،
كالحلال والحِلّ، وجاء في الشَّواذّ عن ابن عبّاس قراءاتٌ أُخرى بفتح أوَّله وتَثليث الرَّاء
وبالضَّمِّ أشهَر، ويضمٍّ أوَّله وتشديد الرَّاء المكسورة.
قال الرَّاغِب في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢]: هو تحريم تَسْخير،
وحَمَلَ بعضُهم عليه قوله: ﴿ وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
قوله: (﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْ ءَامَنَ﴾، ﴿وَلا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾)) كذا جَمَعَ
بين بعض كلٍّ من الآيتَينِ وهما من سورتَينِ؛ إشارةً إلى ما وَرَدَ في تفسير ذلك، وقد أخرج
الطَّبَرِيُّ (١٠١/٢٩) من طريق يزيد بن زُرَيع عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة قال: ما
قال نوح: ﴿رَِّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ إلى قوله: ﴿كَفَّارًا﴾)) إلّا بعد أن نزلَ
عليه: ﴿وَأُوحِى إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّ مَن قَدْ ءَامَنَ﴾. قلت: ودخول ذلك في
أبواب القَدَر ظاهرٌ، فإنَّه يقتضي سَبْق عِلمِ الله بما يقع من عَبيدِه.
قوله: ((وقال منصور بن النُّعْمان)) هو اليَشْكُريّ - بفتح التَّحتانيَّة وسكون المعجَمة وضمّ
الكاف - بصريٌّ سَكَنَ مَرْو ثمَّ بُخارَى، وما له في البخاريّ سوى هذا الموضع، وقد زَعَمَ
بعضُ المتأخِّرينَ أنَّ الصَّواب: منصور بن المعتمِر، والعلمُ عندَ الله.
(١) كسر الحاء وسكون الراء قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر من السبعة، وبفتح الحاء والراء بعدها
ألف قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم. انظر ((السبعة)) ص ٤٣١.

٥٩
باب ٩ / ح ٦٦١٢
كتاب القدر
قوله: ((عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس: ﴿وَحِرْمٌ﴾ بالحَبَشِيَّةِ: وَجَبَ)) لم أقِفْ على هذا التَّعليق
موصولاً، وقرأت بخَطِّ مُغَلْطاي وتَبِعَه شيخُنا ابن الملقِّن وغيره فقالوا: أخرجه أبو جعفر عن
ابن قُهْزاد(١) عن أبي عَوَانة عنه. قلت: ولم أقِفْ على ذلك في ((تفسير)) أبي جعفر الطَّبَريّ وإنّما
فيه وفي ((تفسير عبد بن حُميدٍ)) وابن أبي حاتم جميعاً من طريق داود بن أبي هند عن عِكْرمة عن
ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا﴾ قال: وجبَ. ومن طريق سعيد بن
جُبَيَر عن ابن عبّاس قال: وحِرْمٌ: عَزم(٢). ومن طريق عطاء عن عِكْرمة: ﴿وَحِرْمٌ﴾: وَجَبَ
بالحَبَشيّة.
وبالسَّنَدِ الأوَّل قال: وقوله: ﴿ أَنَّهُمْ لَا يَرَجِعُونَ﴾، أي: لا يتوب منهم تائبٌ(٣). قال
الطَّبَريُّ: معناه: أنَّهم أُهلِكوا بالطَّع على قلوبهم فهم لا يَرجِعونَ عن الكفر، وقيل: معناه:
يَمتَنع على الكفرة الهالِكِينَ أنَّهم لا يَرجِعونَ إلى عذاب الله. وقيل فيه أقوال أُخَر ليس هذا
موضع استيعابها، والأوَّل أقوى وهو مُرادُ المصنّف بالتَّرجمة، والمطابِق لما ذكر معه من
الآثار والحديث.
قوله: ((مَعْمَر، عن ابن طاووسٍ)) هو عبد الله.
قوله: ((عن ابن عبّاسٍ: ما رأيتُ شيئاً أشبه باللَّمَم ممَّا قال أبو هريرة ... )) فَذكر الحديث،
ثمّ قال: ((وقال شَبَابة: حدَّثنا(٤) وَرْقاء)) هو ابن عمر ((عن ابن طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة،
عن النبيّ وَّ) فكأنَّ طاووساً سمعَ القصَّة من ابن عبّاس عن أبي هريرة، وكان سمعَ الحديث
المرفوع من أبي هريرة، أو سمِعَه من أبي هريرة بعد أن سمِعَه من ابن عبّاس، وقد أشرتُ إلى
ذلك في أوائل كتاب الاستئذان (٦٢٤٣)، وبيَّنْتُ الاختلافَ في رفع الحدیث ووقفه.
(١) قُهْزاد بضم القاف وسكون الهاء وزاي وآخره ذال معجمة، قال القاضي عياض في ((المشارق)) ١٩٩/٢: كذا
قيدناه عن حفاظ شيوخنا ومتقنيهم. وقال النووي في ((شرح مسلم)) ٨٧/١: هذا هو الصحيح المشهور
المعروف في ضبطه.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٨٦/١٧.
(٣) ((تفسير الطبري)) ١٧/ ٨٦.
(٤) في الأصلين: ((عن))، والمثبت من (س)، وهي كذلك في نسخ اليونينية بلا خلاف بينها.

٦٠
باب ٩ / ح ٦٦١٢
فتح الباري بشرح البخاري
ولم أقِفْ على رواية شَبَابَ هذه موصولةً، وكنت قرأت بخَطِّ مُغَلْطاي وتَبِعَه شيخنا ابن
الملقِّن أنَّ الطبرانيَّ وَصَلَها في ((المعجم الأوسط)) عن عَمْرو بن عثمان عن ابن المنادي عنه،
وقَلَّدتُهما في ذلك في ((تغليق التَّعليق)) ثمَّ راجَعتُ ((المعجم الأوسط)) فلم أجِدها (١).
قوله: (باللَّمَمِ)) بفتح اللام والميم: هو ما يُلِمُّ به الشَّخص من شَهَوات النَّفْس، وقيل: هو
٥٠٤/١١ مُقارَفة الذُّنوب الصِّغار، وقال الرَّاغِب: / اللَّمَم: مُقارَفة المعصية ويُعبَّر به عن الصَّغِيرة.
ومُحصَّل كلام ابن عبّاس تخصِيصُه ببعضِها، ويحتمل أن يكون أراد أنَّ ذلك من جُملة
اللَّمَم، أو في حُكْمِ اللَّمَم.
قوله: ((إنَّ الله كَتَبَ على ابن آدم)) أي: قَدَّرَ ذلك عليه، وأمَرَ الملَك بكتابته، كما تقدَّم بیانُه
في شرح حديث ابن مسعودٍ الماضي قريباً (٦٥٩٤).
قوله: ((أدْرَكَ ذلك لا تَحالة)) بفتح الميم، أي: لا بدَّ له من عَمَلِ ما قُدِّرَ عليه أنَّه يعمله،
وبهذا تظهر مُطابقةُ الحديث للتَرجمة. قال ابن بَطّال(٢): كلّ ما كَتَبَه الله على الآدَميِّ فهو قد
سَبَقَ في عِلْم الله، ولا بُدَّ أن يُدرِكَه المكتوبُ عليه، وأنَّ الإنسان لا يَستَطيع أن يَدِفَعَ ذلك
عن نفسه، إلّا أنَّه يُلامُ إذا واقَعَ ما نُهي عنه بحَجبِ ذلك عنه، وتمكينِه من التَّمَسُّك بالطاعة،
فِذلك يَندَفِعِ قول القَدَريَّة والمجبرة، ويُؤْيِّدُه قولُه: ((والنَّفْس تَمنَّى وَتَشتَهي)) لأنَّ المشتَهي
بِخِلَاف المُلجَأ.
قوله: ((حَظّه من الزِّنى)) إطلاق الزِّنى على اللَّمس والنَّظَر وغيرهما بطريق المجاز، لأنَّ كلّ
ذلك من مُقدِّماته.
قوله: ((فِزِنَى العين النَّظَرُ)) أي: إلى ما لا يَحِلُّ للنّاظر. ((وزِنَى اللَّسان المنطِق)) في رواية
الكُشْمِيهنيِّ: ((النُّطْقِ)) بضمِّ النُّون بغير ميم في أوَّلِه.
قوله: ((والنَّفْس ◌َمنَى)) بفتح أوَّلِه على حذف إحدَى التاءَينِ، والأصلُ: تَتَمِنَّى.
(١) قلنا: وعلى أية حال فقد وصله البيهقي في ((القدر)) (٢١٦).
(٢) بل القائل هو المهلب بن أبي صفرة، كما في ((شرح ابن بطال)) ٢٣/٩.