Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب الرقاق ووَقَعَ في رواية مَعبَد بن هلال بعد روايته عن أنس من روايته عن الحسن البصريّ عن أنس قال: ((ثمَّ أقوم الرَّابِعة فأقول: أي رَبِّ، ائذَنْ لي فيمَن قال: لا إله إلّا الله، فيقال لي: ليس ذلك لك))(١) فذكر بقيَّة الحديث في إخراجهم. وقد تَسَّكَ به بعض المبتَدِعة في دَعْواهم أنَّ مَن دَخَلَ النار من العُصاة لا يَخْرُج منها لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّلَهُ, نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، وأجابَ أهل السُّنّة بأنّها نزلت في الكفَّار، وعلى تسليم أنَّها في أعَمَّ من ذلك فقد ثَبَتَ تخصيص الموحِّدينَ بالإخراج، ولعلَّ التّأبيدَ في حَقِّ مَن يَتَأخَّر بعد شفاعة الشافعينَ حتَّى يَخْرُجوا بقَبْضة أرحَم الرَّاحمينَ، كما سيأتي بيانُه في شرح حديث الباب الذي يليه، فيكون التّأبيدُ مُؤْقَّتاً. وقال عِيَاض: استَدَلَّ بهذا الحديث مَن جَوَّزَ الخَطايا على الأنبياء، لقولٍ(٢) كلّ مَن ذُكِرَ فيه ما ذُكِرَ، وأجابَ عن أصل المسألة بأنَّه لا خِلاف في عِصمَتِهِم من الكفر بعد النُّة وكذا قبلها على الصَّحيح، وكذا القول في الكبيرة على التَّفصيل المذكور، ويَلْتَحِقُ بها ما يُزْرِي بفاعلِه من الصَّغائر، وكذا القول في كلّ ما يَقدَح في الإبلاغ من جهة القول، واختَلَفوا في الفعل: فمَنَعَه بعضهم حتَّى في النِّسيان، وأجازَ الجمهور السَّهو لكن لا يَحَصُّل التَّمادي، واختلفوا فيما عَدا ذلك كلّه من الصَّغائر: فذهب جماعة من أهل النَّظَر إلى عِصمَتهم منها مُطلَقاً، وأوَّلوا الأحاديث والآيات الواردة في ذلك بضُروبٍ من التَّأويل، ومَن جُملة ذلك أنَّ الصّادِرِ عنهم إمّا أن يكون بتأويلٍ من بعضهم أو بسَهوٍ أو بإذنٍ، لكن خَشُوا أن لا يكون ذلك موافقاً لمقامهم فأشفَقوا من المؤاخذة أو المعاتَبة، قال: وهذا أرجَح المقالات، وليس هو مذهب المعتَزِلة وإن كانوا قالوا بعِصمَتِهِم مُطلَقاً، لأنَّ مَنزِعهم في ذلك التَّكفير بالذُّنوبِ مُطلَقاً ولا يجوز على النبيّ الكفر، ومَنزِعُنا أنَّ أمّة النبيّ مأمورةٌ بالاقتداءِ (١) هذا لفظ رواية مسلم، وأما البخاري فلم يقل في روايته: ((ليس ذلك لك)). (٢) تحرف في (س) إلى: کقول. ٤٦٢ باب ٥١ / ح ٦٥٦٥ فتح الباري بشرح البخاري ٤٤١/١١ به في أفعاله، فلو جازَ منه وقوع المعصية لَلَزِمَ الأمر بالشَّيءِ الواحد/ والنَّهي عنه في حالة واحدة، وهو باطل. ثَّ قال عِيَاض: وجميع ما ذُكِرَ في حديث الباب لا يَخْرُج عمَّا قلناه، لأنَّ أكل آدم من الشَّجَرة كان عن سَهو، وطلبَ نوحِ نَجاة ولدِه كان عن تأويل، ومقالاتِ إبراهيم كانت مَعاريضَ وأراد بها الخيرَ، وقتيلَ موسى كان كافراً كما تقدَّم بسطُ ذلك، والله أعلم. وفيه جواز إطلاق الغضب على الله، والمراد به ما يُظهِرُ من انتقامه ممَّن عَصاه، وما يُشاهده أهل الموقف من الأهوال التي لم يكن مثلُها ولا يكون، كذا قَرَّرَه النَّوويّ. وقال غيره: المراد بالغضبِ لازِمُه، وهو إرادة إيصال السّوء للبعض(١). وقول آدم ومَن بعده: ((نفسي نفسي نفسي)) أي: نفسي هي التي تَستَحِقّ أن يُشفَعَ لها، لأنَّ المبتَدَأ والخبر إذا كانا مُتَّحِدَينٍ فالمراد به بعض اللَّوازِم، ويحتمل أن يكون أحدهما محذوفاً. وفيه تفضيل محمَّد بَّهِ على جميع الخلق، لأنَّ الرُّسُل والأنبياء والملائكة أفضل ممَّن سواهم، وقد ظَهَرَ فضله في هذا المقام عليهم، قال القُرطُبيّ: ولو لم يكن في ذلك إلّ الفَرق بين مَن يقول: نفسي نفسي، وبين مَن يقول: أمَّتي أمَّتي، لكان كافياً. وفيه تفضيل الأنبياء المذكورينَ فيه على مَن لم يُذكَر فيه، لتأهُّلِهم لذلك المقام العظيم دونَ مَن سواهم، وقد قيل: إنَّما اختُصَّ المذكورونَ بذلك لمَزايا أُخرى لا تتعلَّق بالتَّفضيل، فآدم لكَونِه والدَ الجميع، ونوح لكَونِهِ الأبَ الثّانيَ، وإبراهيم للأمرِ باتِباع مَِّّتِهِ، وموسى لأنَّه أكثر الأنبياءِ تَبَعاً، وعيسى لأنَّه أولى الناس بنبيِّنا محمَّد نَّه كما تَبَتَ في الحديث (١) الأصل في مثل هذه الصفات إثباتها لله تعالى من غير تكييف ولا تعطيل ولا تأويل، كما نبّهنا عليه مراراً، وقال الطحاويّ: والله يغضب ويرضى، لا كأحدٍ في الوَرَى، وقال ابن أبي العز: ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى. ٤٦٣ باب ٥١ / ح ٦٥٦٥ كتاب الرقاق الصَّحيح(١). ويحتمل أن يكونوا اختُصّوا بذلك لأنَّهم أصحاب شَرائعَ عَمِلَ بها مَن بَيْنَ مَن ذُكِرَ أَوَّلاً ومَن بعدَه. وفي الحديث من الفوائد غير ما ذُكِرَ أنَّ مَن طلبَ من كبيرِ أمراً مهماً أن يُقدِّمَ بين يَدَي سؤاله وصف المسؤول بأحسنٍ صفاته وأشرَفِ مَزاياه، ليكونَ ذلك أدعَى لإجابتِه لسؤاله. وفيه أنَّ المسؤول إذا لم يَقدِر على تحصيل ما سُئِلَ يَعْتَذِرُ بما يُقبَل منه، ويدلُّ على مَن يَظُنُّ أنَّه يَكمُلُ في القيام بذلك فالدَّالٌ على الخير كفاعلِه، وأنَّه يُثني على المدلول عليه بأوصافه المقتَضية لأهلَتِه، ويكون أدعَى لقَبُولِ عُذره في الامتناع. وفيه استعمال ظَرف المكان في الزَّمان لقولِه: ((لست هُناكم)) لأنَّ هنا ظَرف مكان فاستُعمِلَت في ظَرف الزَّمان، لأنَّ المعنى لست في ذلك المقام. كذا قاله بعض الأئمّة، وفيه نظرٌّ، وإنَّما هو ظرف مكان على بابه لكنَّه المعنَويُّ لا الحِسّ، مع أنَّه يُمكِن حَمَلُه على الحِسِّّ لما تقدَّم من أنَّه وَ يُباشر السُّؤال بعدَ أن يَستأذِن في دخول الجنَّة، وعلى قول مَن يُفسِّر المقام المحمود بالقُعودِ على العَرش يَتَحقَّق ذلك أيضاً. وفيه العمل بالعامّ قبل البحث عن المخَصِّص، أخذاً من قصَّة نوح في طلبه نَجاة ابنِهِ، وقد يَتَمسّك به من یری بعکسِه. وفيه أنَّ الناس يوم القيامة يَستصحِبونَ حالهم في الدُّنيا من التَّوسُّل إلى الله تعالى في حوائجهم بأنبيائهم، والباعِث على ذلك الإلهام كما تقدَّم في صَدر الحديث. وفيه أنَّهم يَستَشير بعضُهم بعضاً ويُجمِعونَ على الشَّيء المطلوب. وأنَّهم يُغَطَّى عنهم بعضُ ما علِموه في الدُّنيا، لأنَّ في السائلينَ مَن سمعَ هذا الحديث، ومع ذلك فلا يَستَحِضِرُ أحد منهم أنَّ ذلك المقام يَخْتَصُ به نبيّنا وَّهِ، إذ لو استَحضَروا ذلك لَسألوه من أوَّل وَهْلة، ولمَا احتاجوا إلى التردُّد من نبيّ إلى نبيّ، ولعلَّ الله تعالى أنساهم ذلك للحِكمة التي تَتَرَتَّب عليه من إظهار فضل نبيّنا وَّ كما تقدَّم تقريرُه. (١) سلف برقم (٣٤٤٢). ٤٦٤ باب ٥١ / ح ٦٥٦٦ -٦٥٧١ فتح الباري بشرح البخاري ٦٥٦٦- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن الحسنِ بنِ ذَكْوانَ، حدَّثنا أبو رَجاءٍ، حدَّثني عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((يَخْرُجُ قومٌ منَ النار بشفاعةٍ محمَّدٍ، فيَدخُلُونَ الجنَّةَ يُسمَّوْنَ الجَهَنَّمِّينَ)). ٦٥٦٧- حدَّثنا قُتَيبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ: أنَّ أَمَّ حارثةَ أتت النبيَّ ◌َّهِ وقد هَلَكَ حارثةُ يومَ بَدْرٍ، أصابه سهمٌ غَرْبٌ، فقالت: يا رسولَ الله، قد علمْتَ مَوْقِعَ حارثةَ من قَلْبِي، فإن كان في الجنَّةِ لم أبكِ عليه، وإلا سوْفَ تَرَى ما أصنَعُ، فقال لها: «هَبِلْتِ؟! أجَنَّةٌ واحدةٌ هي؟ إنَّها جِنانٌ كثيرةٌ، وإِنَّه لَفِي الْفِرْدَوْسِ الأعلى)). ٦٥٦٨ - وقال: ((غَذْوةٌ في سبيلِ الله أو رَوْحةٌ خيرٌ منَ الدُّنْيا وما فيها، ولَقابُ قَوْسِ أحدِكم، أو موضعُ قَدَم منَ الجنَّةِ، خيرٌ منَ الدُّنْيا وما فيها، ولو أنَّ امرأةً من نساءِ أهلِ الجنَّةِ الطَّلَعَت إلى الأرضِ لأضاءَت ما بينَهما، ولَمَلأَت ما بينَهما رِيحاً، ولَنَصِيفُها - يعني الخِمَارَ - خيرٌ منَ الدُّنْيا وما فيها». ٦٥٦٩ - حدّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا يَدخُلُ أحدٌ الجنَّةَ إلا أُرِيَ مَفْعَدَه منَ النار لو أساءَ، لَيَزْدادَ شُكْراً، ولا يَدخُلُ النارَ أحدٌ إلا أُرِيَ مَقْعَدَه منَ الجنَّةِ لو أحسنَ، ليكونَ عليه حَسْرةً)». ٦٥٧٠- حدّثنا قُتَيَبةُ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن عَمرٍو، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ ﴾ أنَّه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، مَن أسعَدُ الناسِ بِشَفَاعَتِكَ يومَ القيامةِ؟ فقال: «لقد ظَنَنْتُ يا أبا هريرةَ أن لا يَسْألَني عن هذا الحديثِ أحدٌ أوَّلَ منكَ، لما رأيتُ من حِرْصِكَ على الحديثِ، أسعَدُ الناسِ بشَفاعَتي يومَ القيامةِ مَن قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قِبَلِ نفسِهِ)). ٦٥٧١ - حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله ◌َ﴾ قال النبيُّ بِّهِ: ((إنّ لأعلمُ آخِرَ أهلِ النار خروجاً منها، وآخِرَ أهلِ الجنَّةِ دخولاً، رجلٌ يَخْرُجُ منَ النار حَبْواً، فيقول الله: اذهب فادْخُلِ الجنَّةَ، فيأتيها فيُخيّلُ إليه أنََّا ٤٦٥ باب ٥١ / ح ٦٥٧٢ كتاب الرقاق مَلأى، فَيَرَجِعُ فيقول: يا رَبِّ: وَجَدْتُها مَلْأى، فيقول: اذهب فادْخُلِ الجنَّةَ، فيأتيها فيُخيَّلُ إليه أنَّهَا مَلْأَى، فَيَرجِعُ فيقول: يا رَبِّ، وَجَدْتُها مَلْأى، فيقول: اذهب فادْخُلِ الجنَّةَ، فإنَّ لكَ مِثلَ الدُّنْيَا وعَشَرَةَ أمثالها - أو إنَّ لكَ مِثلَ عَشَرةٍ أمثال الدُّنْيا - فيقول: تَسْخَرُ منّي - أو تَضْحَكُ منّي - وأنتَ الملِك))، فلقد رأيتُ رسولَ اللهَوَّهِ ضَحِكَ حتَّى بَدَت نَواجِذُه. وكان يقال: ذلك أَدْنَى أهلِ الجنَّةِ مَنْزِلةً. [طرفه في: ٧٥١١] ٦٥٧٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن عبدِ الملِكِ بن عمير، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ ابن نَوْفَلٍ، عن العِبَّاسِ وَثُ، أَنَّه قال للنبيِّ وَّهِ: هل نَفَعْتَ أبا طالبٍ بشيءٍ؟ الحديث الثامن عشر: حديث عمران بن حُصَين. قوله: (يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، والحسن بن ذَكْوانَ: هو أبو سَلَمة البصريّ، تَكلَّمَ فيه أحمد وابن مَعِين وغيرهما، لكنَّه ليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث من رواية يحيى القَطّان عنه مع تَعَنَّتِهِ في الرِّجال، ومع ذلك فهو مُتَابَعةٌ، وفي طَبَقَتِهِ الحسين بن ذَكْوانَ - وهو بضمِّ الحاء وفتح السّين وآخره نون - بصريٌّ أيضاً يُعرَف بالمعلِّم وبالمُكْتِب، وهو أوثَق من أبي سَلَمة، وتقدَّم شرحُ حديث الباب في الحادي عشر (٦٨٥٨). الحديث التاسع / عشر: حديث أنس في قصَّة أمّ حارثةَ، تقدَّم في الخامس (٦٥٥٠) من ٤٤٢/١١ وجه آخر عن مُمیدٍ عنه. وفيه: ((ولَقابُ قَوسِ أحدِكم)) تقدَّم شرحه. وفيه: ((ولو أنَّ امرأة من نساء أهل الجنَّة اطَّلَعَت إلى الأرض)). قوله: (لأضاءَت ما بينهما) وَقَعَ في حديث سعيد بن عامر الجُمَحِيِّ عند البزار بلفظ: ((تُشِرِف على الأرض لَذهب ضوء الشمس والقمر))(١). (١) هذا لفظ حديث سعيد بن عامر عند أبي داود في ((البعث)) (٨٠)، والطبراني في ((الكبير)) (٥٥١٢)، وأما لفظ البزار فكما ذكره الهيثمي في ((كشف الأستار)) (٣٥٢٨): «لو أنَّ امرأةً من الحور العين اطلعت إلى أهل الدنيا لغلب ضوؤها على ضوء الشمس)). ٤٦٦ باب ٥١ / ح ٦٥٧٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وَمَلَأَت ما بينهما ريحاً)) أي: طيِّةً، وفي حديث سعيد بن عامر المذكور: (لَلَأَتِ الأرض ريحَ مِسكٍ))، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد (١١٧١٥) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٧٣٩٧): ((وإنَّ أدنَى لُؤْلُؤة عليها لَتُضيءُ ما بين المشرق والمغرب)). قوله: ((ولَنَصيفُها)) بفتح النُّون وكسر الصّاد المهمَلة بعدها تحتانيَّة ثمَّ فاء، فُسِّرَ في الحديث بالخِمار، بكسر المعجمة وتخفيف الميم، وهذا التَّفسير من قُتَيبة، فقد أخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر عن إسماعيل بن جعفر بدونِه، وقال الأزهَريّ: النَّصيف: الخِمار، ويقال أيضاً للخادم. قلت: والمراد هنا الأوَّل جَزْماً. وقد وَقَعَ في رواية الطبرانيّ(١): ((وَتاجُها على رأسها))، وحكى أبو عُبيد الهَرَويُّ أنَّ النَّصيف المِعجَرُ - بكسر الميم وسكون المهمَلة وفتح الجيم - وهو ما تَلْويه المرأة على رأسها، وقال الأزهَريّ: هو كالعِصابة تَلُفُّها المرأة على استدارة رأسها، واعتَجَرَ الرجلُ بعِمَامَتِهِ: لَفَّها على رأسه ورَدَّ طَرَفَها على وجهه وشيئاً منها تحت ذَقِهِ، وقيل: المِعجَرُ: ثوبٌ تَلبَسُه المرأةُ أصغَر من الرِّداء. ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس (٢) عند ابن أبي الدُّنيا: ولو أخرجت نَصيفَها لكانت الشمسُ عند حُسنِها مِثل الفَتيلة من الشمس لا ضَوء لها، ولو أطلَعَت(٣) وجهها لَأضاءَ حُسنها ما بين السماء والأرض، ولو أخرجت كَفّها لافتَتَنَ الخلائق بحُسنِها. الحديث العشرون: حديث أبي هريرة من طريق الأعرجِ عنه. قوله: ((لا يَدخُل أحدٌ الجنَّةَ إلّا أُرِيَ مَفْعَدَه من النار)) وَقَعَ عند ابن ماجَهْ (٤٢٦٨) بسندٍ صحيح من طريقٍ أُخرى عن أبي هريرة أنَّ ذلك يقع عند المسألة في القبر، وفيه: ((فُيُفْرَج له فُرجةٌ قِبَلَ النار فيَنظُر إليها، فيقال له: انظُر إلى ما وقاكَ الله))، وفي حديث أنس الماضي في أواخر (١) قيَّده الهيثمي في (مجمع الزوائد)) ١٠/ ٤١٨ بالأوسط، قلنا: وهو فيه برقم (٣١٤٨). (٢) هو موقوف علیه كما قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ٥٣٥/٤. (٣) لفظ الرواية: ولو أخرجت. ٤٦٧ ٢٠ كتاب الرقاق الجنائز (١٣٣٨ و١٣٧٤): ((فيقال له: انظُر إلى مَقعَدِك من النار))، زاد أبو داود (٤٧٥١) في روايته: «هذا بيتُك كان في النار، ولكنَّ الله عَصَمَك ورَحِمَك))، وفي حديث أبي سعيد: ((كان هذا مَنزِلَك لو كفرتَ بَرَبِّك))(١). قوله: ((لو أساءَ لِيَزْدادَ شُكْراً)) أي: لو كان عَمِلَ عملاً سَيِّئاً وهو الكفر، فصارَ من أهل النار. وقوله: (لَيَزْدادَ شُكْرًا) أي: فرحاً ورِضاً، فعَبَّرَ عنه بلازِمِه، لأنَّ الرَّاضِيَ بالشَّيءٍ يَشكُر مَن فعل له ذلك. قوله: ((ولا يَدخُل النارَ أحدٌ)) قَدَّمَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ الفاعل على المفعول، وقوله: ((إلّا أُريَ)) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء. قوله: (لو أحْسَنَ)) أي: لو عَمِلَ عملاً حسناً، وهو الإسلام. قوله: (ليكونَ عليه حَسْرةً)) أي: للزّيادة في تعذيبه، ووَقَعَ عند ابن ماجَهْ أيضاً (٤٣٤١) وأحمد (٢) بسندٍ صحيح عن أبي هريرة بلفظ: ((ما منكم من أحدٍ إلّا وله مَنزِلان: مَنزِلٌ في الجنَّة، ومَنزِلٌ في النار. فإذا ماتَ ودَخَلَ النار ورِثَ أهل الجنَّة مَنْزِلَه)) وذلك قوله تعالى: ﴿هُمُ الْوَرِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠]. وقال ◌ُمهور المفسِّرِينَ في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا اُلْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] الآيةَ: المراد أرض الجنَّة التي كانت لأهلِ النار لو دخلوا الجنَّةَ، وهو موافق لهذا الحديث، وقيل: المراد أرض الدُّنيا لأنَّها صارت خُبزةً فأكَلُوها، كما تقدَّم (٦٥٢٠). وقال القُرطُبيّ: يحتمل أن يُسمَّى الحصولُ في الجنَّة وِراثةً من حيثُ اختصاصُهم (١) أخرجه أحمد (١١٠٠٠). (٢) ليس الحديث في ((مسند أحمد))، ولا ذكره الحافظُ نفسه في ((أطراف المسند))، ولا في («إتحاف المهرة))، ولم يعزُه إليه السيوطي في ((الدر المنثور)) عند تفسير الآية المذكورة، حيث خرَّجه من عدة مصادر ليس فيها أحمد. ٤٦٨ باب ٥١ / ح ٦٥٧٢ فتح الباري بشرح البخاري بذلك دونَ غيرهم، فهو إرثٌ بطريق الاستعارة، والله أعلم. الحديث الحادي والعشرون: قوله: ((عن عَمْرو)) هو ابن أبي عَمْرو مولى المطَّلِب بن عبد الله بن حَنْطَبٍ، وقد وَقَعَ لنا هذا الحديث في ((نسخة إسماعيل بن جعفر))(١) حدَّثنا عَمْرو ابن أبي عَمْرو، وأخرجه أبو نُعَيم من طريق عليّ بن حجر عن إسماعيل، وكذا تقدَّم في العلم (٩٩) من رواية سليمان بن بلال عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، وتقدَّم أنَّ اسمَ أبي ٤٤٣/١١ عَمْرو والد عَمْرو: ميسرة./ قوله: ((مَن أسعَدُ الناس بشَفاعَتِك؟)) لعلَّ أبا هريرة سألَ عن ذلك عند تحديثه وَّه بقوله: ((وأُريدُ أن أختَبِئَ دَعوتي شَفاعةً لأُمَّتي في الآخرة))، وقد تقدَّم سياقُه وبيان ألفاظه في أوَّل كتاب الدَّعَوات (٦٣٠٤)، ومِن طُرقِه: ((شَفَاعَتِي لأهلِ الكبائر من أمَّتي))(٢)، وتقدَّم شرح حديث الباب في ((باب الحِرص على الحديث)) من كتاب العلم. وقوله: ((مَن قال: لا إلهَ إلّ الله، خالصاً مِن قِبَلِ نفسه)) بكسر القاف وفتح الموحّدة، أي: قال ذلك باختياره، ووَقَعَ في رواية أحمد (١٠٧١٣) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٦٤٦٦) من طريق أُخرى عن أبي هريرة نحو هذا الحديث، وفيه: ((لقد ظَنَنت أنَّك أوَّلُ مَن يسألُني عن ذلك من أمَّتي، وشَفاعَتي لمن شَهِدَ أن لا إلهَ إلّا الله مُخُلِصاً، يُصدِّقُ قلبُه لسانَه ولسانُه قلبَه)). والمراد بهذه الشَّفاعة المسؤولِ عنها هنا بعضُ أنواع الشَّفاعة، وهي التي يقول وَّ: (أُمَّتي أمَّتي، فيقال له: أخرج من النار مَن في قلبه وزن كذا من الإيمان))، فأسعَد الناس بهذه الشَّفاعة مَن يكون إيمانه أكمَلَ مَمَّن دونه، وأمَّا الشَّفاعة العُظمى في الإراحة من گَرْب الموقِف فأسعَد الناس بها مَن يَسْبِقِ إلى الجنَّة، وهم الذينَ يَدخُلوَها بغير حِسابٍ، ثمَّ الذينَ (١) وهو في ((حديث علي بن حُجْر السَّعْدي عن إسماعيل بن جعفر)) (٣٥٤)، وهو جزء من ((فوائد علي بن حجر)). (٢) أخرجه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥) من حديث أنس بن مالك، وابن ماجه (٤٣١٠)، والترمذي (٢٤٣٦) من حديث جابر بن عبد الله. ٤٦٩ باب ٥١ / ح ٦٥٧٢ كتاب الرقاق يَلُونَهم وهو مَن يَدخُلها بغير عذاب بعدَ أن يُحاسَب ويَسْتَحِقّ العذابَ، ثمَّ مَن يُصيبُهُ لَفْحٌ من النار ولا يَسقُط. والحاصل أنَّ في قوله: ((أسعَد)) إشارةً إلى اختلاف مراتبهم في السَّبْق إلى الدُّخول باختلاف مراتبهم في الإخلاص، ولذلك أكَّدَه بقوله: ((مِن قلبه)» مع أنَّ الإخلاص مَحَلُّه القلبُ، لكنَّ إسنادَ الفعلِ إلى الجارحة أبلَغُ في التَّأكيد، وبهذا التَّقرير يظهر مَوقِع قوله: ((أسعَد)) وأنَّها على بابها من التَّفضيل، ولا حاجة إلى قول بعض الشُّرّاح: الأسعَد هنا بمعنى السَّعيد لكَونِ الكلّ يَشتَرِكونَ في شرطيَّة الإخلاص، لأنّا نقول: يَشتَرِكونَ فيه لكنَّ مراتبَهم فيه مُتَفَاوِتَةٌ. وقال البَيْضاويّ: يحتمل أن يكون المراد مَن ليس له عملٌ يَستَحِقّ به الرّحمة والخَلاص، لأنَّ احتياجه إلى الشَّفاعة أكثرُ، وانتفاعَه بها أوفَرُ(١)، والله أعلم. الحديث الثاني والعشرون: قوله: ((جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المعتمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعَيّ، وعَبيدة، بفتح أوَّله: هو ابن عَمْرو، وهذا السَّنَد كلّه كوفيّونَ. قوله: ((إنّي لَأَعْلَمُ آخرَ أهل النار خروجاً منها، وآخِرَ أهل الجنَّة دخولاً فيها» قال عِيَاض: جاء نحو هذا في آخر مَن يجوز على الصِّراط، يعني كما يأتي في آخر الباب الذي يليه، قال: فيحتمل أنَّهما اثنان: إمّا شَخصان، وإمّا نوعان أو جِنسان، وعُبِّرَ فيه بالواحدِ عن الجماعة لاشتراكهم في الحُكم الذي كان سببَ ذلك، ويحتمل أن يكون الخروج هنا بمعنى الوُرُود، وهو الجَواز على الصِّراط، فيَتَّحِد المعنى إمّا في شخص واحد أو أكثر. قلت: وَقَعَ عند مسلم (١٨٧) من رواية أنس عن ابن مسعود ما يُقوِّي الاحتمالَ الثّانيَ، ولفظه: ((آخِرِ مَن يَدخُل الجنَّة رجل، فهو يَمشي مرَّة، ويَكْبُو مرَّة، وتَسْفَعُه النار مرَّة، فإذا ما جاوزَها التَفَتَ إليها، فقال: تَبَارَكَ الذي نَجّاني منك)»، وعند الحاكم (٣٧٦/٢ -٣٧٧) (١) تحرَّف في (س) إلى: أوفى. ٤٧٠ فتح الباري بشرح البخاري من طريق مسروق عن ابن مسعود ما يقتضي الجمْعَ. قوله: ((حَبْواً) بمُهمَلة وموخَّدة، أي: زَحفاً، وزنه ومعناه، ووَقَعَ بلفظ: ((زَحفاً» في رواية الأعمَش عن إبراهيم عند مسلم (٣٠٩/١٨٦). قوله: ((فإنَّ لك مِثلَ الدُّنْيا وعَشَرَةَ أمثالها أو إنَّ لك مِثلَ عَشْرة أمثال الدُّنْيا)» في رواية الأعمَش: ((فيقال له: أتذكُرُ الزَّمانَ الذي كنت فيه - أي: الدُّنيا - فيقول: نعم، فيقال له: تَنَّ، فَتَمِنَّی)». قوله: ((أتسْخَرُ مِنِّي أو تَضْحَك مِنِّي؟)) في رواية الأعمَش: ((أتسخَرُ بي)) ولم يَشُكّ، وكذا لمسلمٍ (٣٠٨/١٨٦) من رواية منصور(١)، وله من رواية أنس عن ابن مسعود: «أتستَهزِئُ منّي وأنتَ رَبُّ العالمِينَ)). وقال المازَرِيُّ: هذا مُشكِل، وتفسير الضَّحِك بالرِّضا لا يَتَأَتَّى هنا، ولكن لمَّا كانت عادة المستَهْزِئِ أن يَضحَك مِن الذي استَهزَأ به ذُكِر معه. وأمَّا نِسبة السُّخرية إلى الله تعالى فهي على سبيل المقابلة وإن لم يَذكُره في الجانب الآخر لفظاً، لكنَّه لمَّا ذَكَر أَنَّه عاهَدَ مِراراً وغَدَرَ حَلَّ فعلُه ٤٤٤/١١ مَحَلّ / المستَهْزِئ، وظنَّ أنَّ في قول الله له: ((ادخُل الجنَّة، وتَردُِّه إليها، وظنِّه أنَّها مَلْأى نوعاً من السُّخرية به جزاءً على فعلِه، فسَمَّى الجزاءَ على السُّخرية سُخريةً. ونَقَلَ عِيَاض عن بعضهم أنَّ ألِفَ ((أتسخَرُ مِنِّي)) ألِفُ النَّفي، كَهي في قوله تعالى: ﴿أَسُهْلِكُنَا ◌ِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ﴾ [الأعراف: ١٥٥] على أحد الأقوال، قال: وهو كلامُ مُتَدَلِّلٍ عَلمَ مكانَه من رَبّه وبَسْطَه له بالإعطاء. وجَوَّزَ عِيَاض أنَّ الرجل قال ذلك وهو غير ضابط لما قال، إذ وَلِهَ عقلُه من السُّرور بما لم يَخْطُر بباله، ويُؤيِّده أنَّه قال في بعض طرقه عند مسلم لمَّا خَلَصَ من النار: ((لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأوَّلينَ والآخِرِينَ))(٢). (١) رواية منصور على الشك أيضاً: ((أتسخر بي أو أتضحك بي)). (٢) هي رواية أنس عن ابن مسعود التي خرّجها قبل قليل (١٨٧). ٤٧١ باب ٥١ / ح ٦٥٧٢ كتاب الرقاق وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): أكثروا في تأويله، وأشبَهَ ما قيل فيه: أنَّه استَخَفَّه الفَرَح وأدهَشَه. فقال ذلك، وقيل: قال ذلك لكَونِه خافَ أن يُجازَى على ما كان منه في الدُّنيا من التَّساهُل في الطاعات وارتكاب المعاصي كفعلِ الساخِرينَ، فكأنَّه قال: أتُّجازيني على ما كان منِّي؟ فهو كقوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وقوله: ﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، أي: يُنزِلُ بهم جزاءَ سُخريَتِهم واستهزائهم. وسيأتي بيان الاختلاف في اسم هذا الرجلِ في آخِرِ شرحٍ حدیثِ البابِ الذي یلیه. قوله: (ضَحِكَ حتَّى بَدَت نَواجِذُه)) بنونٍ وجيمٍ وذالٍ مُعجَمةٍ، جمع ناجِذٍ، تقدَّم ضبطُه في كتاب الصيام(١)، وفي رواية ابن مسعود: فضَحِكَ ابن مسعود فقالوا: مِمَّ تَضحَك؟ فقال: هكذا فعل رسول الله وَل﴿ من ضَحِكِ رَبِّ العالمينَ حين قال الرجل: «أتستَهزِئُ منِّي؟ قال: إنّي لا أستَهزِئ مِنك ولكنّي على ما أشاء قادِر)). قال البَيْضاويّ: نسبة الضَّحِك إلى الله تعالى مجاز بمعنى الرِّضا(٢)، وضَحِكُ النبيّ وَّ على حقيقته، وضَحِكُ ابن مسعود على سبيل النَّسّي. قوله: ((وكان يقال: ذلك أدْنَى أهل الجنَّة مَنْزِلَةً)) قال الكِرْمانيُّ: ليس هذا من تَتِمّة كلام رسول الله وثيقة، بل هو من كلام الراوي نَقلاً عن الصحابة أو عن غيرهم من أهل العلم. قلت: قائل: ((وكان يقال)) هو الراوي كما أشارَ إليه، وأمَّا قائل المقالة المذكورة فهو النبيّ وَّهِ، ثَبَتَ ذلك في أوَّل حديث أبي سعيد عند مسلم (١٨٨) ولفظه: ((أدنى أهل الجنَّة مَنْزِلة رجل صَرَفَ الله وجهه عن النار)) وساقَ القصّة، وفي رواية له (١٨٩) من حديث المغيرة أنَّ موسى عليه السلام سألَ رَبّه عن ذلك، ولمسلم أيضاً (١٨٢/ ٣٠١) من طريق هَمَّام عن أبي هريرة عن النبيّ ◌َِّ: ((أدنَى مَقعَد أحدكم من الجنَّة أن يقال له: ثَنَّ، فيَتَمِنَّى (١) بل في هذا الكتاب عند شرح الحديث (٦٥٢٠). وقد تعرَّض لذلك في كتاب الصيام في معرض بيان الروايات، لكنه لم يضبطه عند شرح الحديث (١٩٣٦). (٢) قدَّمنا قريباً كما قدّمنا غير مرة أنَّ الأصل إثبات مثل هذه الصفات على حقيقتها دون تأويل أو تمثيل. ٤٧٢ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٣ فتح الباري بشرح البخاري ويَتَمِنَّى، فيقولُ: إنَّ لك ما تَمنَّيِتَ ومثله معه)). قوله: ((عبد الَلِك)) هو ابن عُمَير، ونَوفَل جَدّ عبد الله بن الحارث: هو ابن الحارث بن عبد المطَّلِب، والعبَّاس: هو ابن عبد المطَّلِّب، وهو عَمُّ جَدّ عبد الله بن الحارث الراوي عنه، وللحارثِ بن نَوفَل ولأبيه صُحْبة، ويقال: إنَّ لعبد الله رُؤيةً، وهو الذي كان يُلقَّب بَيّةَ، بموخَّدتَينِ مفتوحَتَينِ الثّانية ثقيلة ثمَّ هاءِ تأنيثٍ. قوله: ((هل نَفَعْت أبا طالب بشيءٍ؟)) هكذا ثَبَتَ في جميع النَّسَخ بحذفِ الجواب، وهو اختصارٌ من المصنّف، وقد رواه مُسدَّد في ((مُسنَده)) بتمامه، وقد تقدَّم في كتاب الأدب (٦٢٠٨) عن موسى بن إسماعيل عن أبي عَوَانة بالسَّنَدِ المذكور هنا بلفظ: فإنَّه كان يحوطُك ويَغضَبُ لك، قال: ((نعم، هو في ضَحضاحٍ من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدَّرَك الأسفَل من النار))، ووَقَعَ في رواية المقدَّمَيّ عن أبي عَوَانة عند الإسماعيليّ: ((الدَّرَكة)) بزيادة هاء، وقد تقدَّم شرح ما يَتَعلَّق بذلك في شرح الحديث الرَّابعَ عشرَ (٦٥٦١)، ومضى أيضاً في قصّة أبي طالب في المبعَث النبويّ (٣٨٨٣) لُسدَّدٍ فيه سند آخر إلى عبد الملك بن عُمَير المذكور، والله أعلم. ٥٢ - باب الصّراط جسْرُ جهنّم ٦٥٧٣ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني سعيدٌ وعطاءُ بنُ یزیدَ: أنَّ أبا هريرةَ أخبَرَهما، عن النبيِّ وََّ. وحذَّثني محمودٌ، حذَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزّهْريِّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ اللَّيْثِيِّ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال أُناسٌ: يا رسولَ الله، هل نَرَى رَبَّنَا يومَ القيامةِ؟ فقال: ((هل تُضارّونَ في الشمس ليس دونها سَحابٌ؟)) قالوا: لا يا رسولَ الله، قال: «هل تُضارّونَ في القمرِ ليلةَ البَدْرِ، ليس دونَه سَحابٌ؟)) قالوا: لا يا رسولَ الله، قال: ((فإنّكم تَرَوْنَه يومَ القيامةِ كذلك، يَجمَعُ الله الناسَ فيقول: مَن كان يَعبُّدُ شيئاً فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَبَعُ مَن كان يَعِبُّدُ الشمسَ، ويَتَبَعُ مَن كان يَعْبُدُ القمرَ، ويَتَبَعُ مَن كان يَعْبُدُ الطَّواغِيتَ، وتَبْقَى هذه الأُمَّةُ فيها مُنافقوها، فيأتيهمُ اللهُ في غيرِ الصّورةِ التي يَعرِفونَ، فيقول: أنا رَبُّكم، فيقولون: نعوذُ بالله منكَ، هذا ٤٧٣ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق مكانُنا حتَّى يأتيَنَا رَبُّنا، فإذا أتانا رَبُّنَا عَرَفْناه، فيأتيهمُ الله في الصّورةِ التي يَعرِفونَ، فيقول: أنا رَبُّكُم، فيقولون: أنتَ رَبُّنا فيَبَعونَه، ويُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ))، قال رسولُ الله ◌َّهِ: «فأكونُ أوَّلَ مَن يُجِيزُ، ودعاءُ الرُّسُلِ يومَئذٍ: اللّهمَّ سَلِّم سَلِّم، وبه كَلاليبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدان، أما رأيتُم شَوْكَ السَّعْدان؟)) قالوا: نعم يا رسولَ الله، قال: ((فإنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدان، غيرَ أنَّهَا لا يَعلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إلّا الله، فتَخْطَفُ الناسَ بأعمالهم، منهمُ المُوبَقُ بِعَمَلِهِ، ومنهمُ المُخَرْدَلُ، ثمّ ینْجُو. حتَّى إِذا فَرَغَ الله منَ القضاءِ بينَ عبادِهِ، وأرادَ أن يُخْرِجَ مِنَ النار مَن أرادَ أن يُخْرِجَه مَمَّن كان يَشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله، أمُرَ الملائكةَ أن يُخْرِجوهم، فَيَعرِفوَهم بعلامةِ آثَار السُّجودِ، وحَرَّمَ الله على النار أن تَأْكُلَ مِنِ ابنِ آدمَ أثَرَ السُّجودِ، فيُخرِجونَهم قد امتُحِشوا، فيُصَبُّ عليهم ماءٌ يقال له: ماءُ الحياةِ، فَيَبُتُونَ نَبَاتَ الِحِبّةِ في ◌َمِيلِ السَّيلِ، ويَبْقَى رجلٌ مُقبِلٌ بوَجْهِه على النار، فيقول: يا رَبِّ، قد قَشَبَنِي رِيحُها، وأحرَقَنِي ذَكَاؤُها، فاصْرِف وجهي عن النار، فلا يزالُ يَدْعو اللهَ فيقول: لعلَّكَ إن أعطَيْتُكَ أن تسألَني غيرَه، فيقول: لا، وعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غيرَه، فيُصْرَفُ وجهُه عن النار، ثَمَّ يقول بعدَ ذلك: يا رَبِّ، قَرِّبْني إلى باب الجنَّةِ، فيقول: أليس قد زَعَمْتَ أن لا تسألَني غيرَه؟ ويَلَكَ يا ابنَ آدمَ ما أغدَرَكَ! فلا يزالُ يَدْعو فيقول: لعلّي إن أعطَتُكَ ذلك تسألُني غيرَه؟ فيقول: لا، وعِزَّتِكَ لا أسألُكَ غيرَه، فيُعْطِي اللهَ من عَهْدٍ ومِيثَاقٍ أن لا يَسْألَه غيرَه، فيُقرِّبُه إلى باب الجنَّةِ، فإذا رَأى ما فيها سَكَتَ ما شاءَ الله أن يَسْكُتَ، ثمّ قال: رَبِّ أدْخِلْني الجنَّةَ، ثُمَّ يقول: أَوْ لَسْتَ قد زَعَمْتَ أن لا تسألَّني غيرَه، ويلَكَ يا ابنَ آدمَ ما أغدَرَكَ! فيقول: يا رَبِّ، لا تَجْعَلْني أشقَى خلقِكَ، فلا يزالُ يَدْعو حتَّى يَضْحَكَ، فإذا ضَحِكَ منه أذِنَ له بالدُّخولِ فيها، فإذا دَخَلَ فيها قيلَ لَهُ: ثَمنَّ مِن كذا، فِيَتَمِنَّى ثمَّ يقال له: ثَمَنَّ مِن كذا، فَيَتَمِنَّى، حتَّى تَنْقَطِعَ به الأمانيُّ فيقول: هذا لكَ ومثلُه معه)) قال أبو هريرةَ: وذلك الرجلُ آخِرُ أهلِ الجنَّةِ دخولاً. ٦٥٧٤- قال: وأبو سعیدٍ جالس معَ أبي هريرةَ لا يُغيّر علیه شيئاً من حديثه، حتَّی انتھی إلى قوله: ((هذا لكَ ومثلُه معه))، فقال أبو سعيدٍ: سمعتُ رسولَ الله وَ لَ يقول: «هذا لكَ وعَشَرةُ ٤٧٤ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري أمثاله)) قال أبو هريرةَ: حَفِظْتُ: مِثلُه معه. ٤٤٦/١١ قوله: ((باب الصِّراط جِسْر جَهَنَّم)) أي: الجِسر المنصوب على جَهَنَّم لعُبورِ المسلمينَ عليه إلى الجنَّة، وهو بفتح الجيم ويجوز كسرُها، وقد وَقَعَ في حديث الباب لفظ الجِسر، وفي رواية شُعَيب الماضية في ((باب فضل السُّجود)) (٨٠٦) بلفظ: ((ثُمَّ يُضرَبُ (١) الصِّراط)) فكأنَّه أشارَ في التّرجمة إلى ذلك. قوله: ((عن الزُّهْريِّ قال: قال(٢) سعيد وعطاء بن يزيد: إنَّ أبا هريرة أخبَرهما)» في رواية شُعَيب عن الزُّهْريّ(٣): ((أخبرني سعيد بن المسيّب وعطاء بن يزيدَ اللَّيْثِيّ)). قوله: «وحدّثني محمود)) هو ابن غَيْلان، وساقه هنا على لفظ مَعمَر، وليس في سنده ذِكْر سعيد، وكذا يأتي في التَّوحيد (٧٤٣٧) من رواية إبراهيم بن سَعْدٍ عن الزُّهْريِّ، ليس فيه ذِكْر سعيد، ووَقَعَ في ((تفسير عبد الرَّزّاق))(٤) عن مَعمَر عن الزّهْرِيِّ في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسٍِ بِإِمَمِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] عن عطاء بن يزيد، فذكر الحديثَ. قوله ((قال أُناسٌّ: يا رسول الله)) في رواية شُعَيب: ((إنَّ الناس قالوا))، ويأتي في التَّوحيد بلفظ: «قلنا)». قوله: ((هل نَرَى رَبَّنا يومَ القيامةِ)) في التَّقييد بيومِ القيامة إشارة إلى أنَّ السُّؤال لم يقع عن الرّؤية في الدُّنيا، وقد أخرج مسلم من حديث أبي أُمامةَ: ((واعلَموا أنَّكم لن تَرَوا رَبَّكم حتَّى تموتوا))(٥). (١) بل هو بلفظ: ((ويُضرب)). (٢) كذا وقع للحافظ رحمه الله، والذي في اليونينية دون خلاف بين رواه البخاري: أخبرني سعيد وعطاء بن یزید. (٣) يعني المتقدمة برقم (٨٠٦)، وهي الرواية التي يريدها بقوله: في رواية شعيب، في موضع الخلاف في ألفاظ هذا الحديث. (٤) لم نقف عليه في المطبوع من ((تفسير عبد الرزاق)) الذي برواية الحسن بن يحيى الجُرجاني، فلعله وقع في رواية محمد بن حماد الطُّهراني، إذ هي التي وقعت للحافظ منه، والحديث في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٠٨٥٦). (٥) ليس هو في مسلم، كما بيّنا ذلك عند شرح الحديث (٦٥٠٧). ٤٧٥ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق وسيأتي الكلام على الرُّؤية في كتاب التَّوحيد (٧٤٣٤)، لأنَّه مَحَلّ البحث فيه. وقد وَفَعَ في رواية العلاء بن عبد الرَّحمن(١) عند التِّرمِذيّ (٢٥٥٧) أنَّ هذا السُّؤال وَقَعَ على سببٍ. وذلك أنَّه ذكر الحَشر والقول: (لِتَبَعْ كلُّ أمّة ما كانت تَعبُّد)) وقول المسلمينَ: ((هذا مكانُنا حتَّى نَرَى رَبَّنا. قالوا: وهل نَراه؟)) فذكره، ومضى في الصلاة (٥٥٤) وغيرها ويأتي في النَّوحيد (٧٤٣٤) من رواية جَرِير قال: كنَّا عند رسول الله وَّهِ فَنَظَرَ إلى القمر ليلة البدر فقال: ((إنَّكم سَتُعرَضونَ على رَبّكم فَتَرَونَه كما تَرَونَ هذا القمر)) الحديث مختصر، ويحتمل أن يكون هذا الكلام وَقَعَ عند سؤالهم المذكور. قوله: ((هل تُضارّونَ)) بضمٍّ أوَّله وبالضّادِ المعجَمة وتشديد الرَّاء، بصيغة المفاعلة من الضَّرَر، وأصله: تُضارِرُونَ بكسر الرَّاء وبفتحِها، أي: لا تَضُرّونَ أحداً ولا يَضُرُّكم بمُنازَعةٍ ولا مُجَادَلةٍ ولا مُضايقةٍ، وجاء بتخفيفِ الرَّاء من الضَّيْرِ، وهو لُغة في الضُّ، أي: لا يُخالف بعضٌ بعضاً فيُكذِّبه ويُنازِعه فيَضِيره بذلك، يقال: ضارَه يَضِيره، وقيل: المعنى لا تَضايقَونَ، أي: لا تَزاحَمونَ كما جاء في الرِّواية الأُخرى: «لا تَضامّونَ» بتشدید المیم مع فتح أوَّله، وقيل: المعنى: لا يَحجُب بعضكم بعضاً عن الرُّؤية فيُضِرُّ به، وحكى الجَوْهريّ أضَرَّني(٢) فلانٌ: إذا دَنا مِنِّي دُنوّاً شديداً. قال ابن الأثير: فالمراد المُضارّة بازدِحامٍ. وقال النَّوويّ: أوَّله مضموم مُثقَّلاً ومُفَّفاً، قال: ورُوي ((تَضامّونَ)) بالتَّشديدِ مع فتح أوَّله، وهو بحذفِ إحدَى التّاءَينِ، وهو من الضَّمّ، وبالتَّخفيفِ مع ضَمّ أوَّله من الضَّيم، والمراد: المشَقّة والتَّعَب. قال: وقال عِيَاض: قاله بعضهم في الذي بالرَّاءِ وبالميم: بفتح أوَّله والتَّشديد، وأشارَ بذلك إلى أنَّ الرِّواية بضمِّ أوَّله ◌ُفَّفاً ومُثقَّلاً، وكلَّه صحيح ظاهر المعنى، ووَقَعَ في رواية للبخاريّ: ((لا تُضامُّونَ أو (١) روايته عن أبيه عن أبي هريرة. (٢) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: ضرّني، ولم نقف على ما جاء في (ع) لفقدان الورقة التي فيها هذه اللفظة، والمثبت هو الصواب، لأنَّ المعنى المذكور جاء في ((صحاح الجوهري)) وغيره من كتب اللغة للفعل أضرَّ، ليس للفعل ضرَّ، وجاء على الصواب في ((عمدة القاري)) ١٢٥/٢٥. ٤٧٦ فتح الباري بشرح البخاري تُضاهُونَ)) بالشكِّ كما مضى في فضل صلاة الفجر (٥٧٣). ومعنى الذي بالهاءِ لا يَشْتَبِهِ عليكم ولا ترتابونَ فيه فيعارضَ بعضُكم بعضاً، ومعنى الضَّيم: الغَلَبة على الحقّ والاستبداد به، أي: لا يظلم بعضكم بعضاً، وتقدَّم في (باب فضل السُّجود)) من رواية شُعَيب: «هل تُمارونَ)) بضمٍّ أوَّله وتخفيف الرَّاء، أي: تُجَادِلونَ في ذلك أو يَدخُلكم فيه شَكٍّ، من المِرْية، وهو الشكّ، وجاء بفتح أوَّله وفتح الرَّاء على حذف ٤٤٧/١١ إحدَى التاءَين، وفي روايةٍ للبيهقيّ: ((تَتَمَارَونَ)) بإثباتهما(١)./ قوله: ((تَرَوْنَه كذلك)) المراد تشبيه الرُّؤية بالرُّؤية في الوُضوح وزَوال الشكّ، ورفع المشَقّة والاختلاف. وقال البيهقيُّ: سمعت الشَّيخ أبا الطيِّب الصُّعْلوكيّ يقول: ((تُضامّونَ)) بضمِّ أوَّله وتشديد الميم، يريد لا تَجْتَمِعونَ لِرُؤيَتِه في جهة، ولا يَنضَمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، فإنَّه لا يُرَى في جهة، ومعناه بفتح أوَّله: لا تَتَضامُّونَ في رُؤيته بالاجتماع في جهة، وهو بغیر تشديدٍ من الضَّيم، معناه: لا تُظلَمونَ فيه برُؤية بعضكم دونَ بعض، فإنَّكم تَرَونَه في جِهاتكم كلِّها، وهو مُتَعالٍ عن الجهة، قال: والتَّشبيه بُرُؤية القمر ليقين(٢) الرُّؤية دونَ تشبيه المرئيِّ سبحانه وتعالى. وقال الزَّين بن المنيِّر: إنَّما خَصَّ الشمسَ والقمرَ بالذِّكرِ مع أنَّ رُؤية السماء بغير سَحاب أكبرُ آيَةً وأعظَمُ خلقاً من مُجرَّد الشمس والقمر، لما خُصّا به من عظيم النّور والضّياء بحيثُ صارَ التَّشبيه بهما فيمَن يُوصَف بالجمال والكمال سائغاً شائعاً في الاستعمال. وقال ابن الأثير: قد يَتَخَيَّل بعض الناس أنَّ الكاف كاف التَّشبيه للمَرئيِّ، وهو غَلَطٌ، (١) وكذلك جاء في رواية لابن ماجه (٤٣٣٦)، والترمذي (٢٥٤٩). (٢) تحرف في (س) إلى: لتعيين، والمثبت على الصواب من (أ)، وهو الموافق لما نقله البيهقي في ((الاعتقاد)) ص١٢٨. ٤٧٧ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ كتاب الرقاق وإنَّما هي كاف التَّشبيه للرُّؤية وهو فعل الرَّائي، ومعناه: أنَّه رُؤيةٌ مُزاحٌ عنها الشكُّ مِثل رُؤيتكم القمر. وقال الشَّيخُ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: في الابتداء بذِكْر القمر قبل الشمس مُتَابَعةٌ للخليل، فكما أُمِرَ باتِّبَاعِه في الِلّةِ اتَّبَعَه في الدَّليل، فاستَدَلَّ به الخليلُ على إثبات الوَحْدانيَّة، واستَدَلَّ به الحبيبُ على إثبات الرُّؤية، فاستَدَلَّ كلٌّ منهما بمُقتَضَى حاله؛ لأنَّ الخُلّة تَصِحّ بِمُجرَّدِ الوجود، والمحبّة لا تقع غالباً إلّا بالرُّؤية، وفي عطْفِهِ الشمسَ على القمر مع أنَّ تحصيل الرُّؤية بذِكْره كافٍ، لأنَّ القمر لا يُدرِك وصفَه الأعمَى حِسّاً بل تَقليداً، والشمس يُدرِكها الأعمَى حِسّاً بوجودٍ حَرّها إذا قابَلَها وقت الظَّهيرة مثلاً فحَسُنَ التَّأكيد بها، قال: والتَّمثيل واقع في تحقيق الرُّؤية لا في الكيفيَّة، لأنَّ الشمس والقمر مُتَحيِّزان والحقّ سبحانَه مُنَّه عن ذلك. قلت: وليس في عطف الشمس على القمر إبطال لقولِ مَن قال في شرح حديث جَرِير(١): الحكمة في التَّمثيل بالقمرِ أنَّه تَتَيسَّرِ رُؤيَتُه للرَّائي بغير تكلُّف ولا تحديق يَضُرُّ بالبَصَر، بخِلَاف الشمس، فإنَّهَا حِكمةُ الاقتصار عليه، ولا يَمنَع ذلك وُرودِ ذِكْر الشمس بعده في وقتٍ آخر، فإن ثَبَتَ أنَّ المجلِس واحدٌ خَدَشَ في ذلك، ووَقَعَ في رواية العلاء بن عبد الرَّحمن: ((لا تَمَارونَ(٢) فِي رُؤْيَته تلكَ الساعة ثمَّ يَتَوارَى)). قال النَّوويّ: مذهب أهل السُّنّة أنَّ رُؤية المؤمنينَ رَبَّهم مُمكِنَةٌ، ونَفَتْها المبتَدِعة من المعتَزِلة والخوارج، وهو جهلٌ منهم، فقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسُّنّة وإجماع الصحابة وسَلَف الأمة على إثباتها في الآخرة للمؤمنينَ، وأجابَ الأئمَّة عن اعتراضات المبتَدِعة بأجوبةٍ مشهورةٍ، (١) يعني حديثَه المتقدم برقم (٥٥٤). (٢) هذا لفظ رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند ابن خزيمة في ((التوحيد)) ٤٢٧/٢، وابن منده في ((الإيمان)) (٨١٥)، ولفظه عند أحمد (٨٨١٧)، والترمذي (٢٥٥٧): ((تُضارُّون)). ٤٧٨ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري ولا يُشتَرَط في الرُّؤية تَقابُل الأشِعّة ولا مُقابلة المرئيّ(١) وإن جَرَتِ العادة بذلك فيما بين المخلوقينَ، والله أعلم. واعتَرَضَ ابن العربيّ على رواية العلاء، وأنكَرَ هذه الزّيادة، وزَعَمَ أنَّ المراجَعة الواقعة في حديث الباب تكون بين الناس وبين الواسطة، لأَنَّه لا يُكلِّم الكفَّار ولا يَرَونَه البَّةَ، وأمَّا المؤمنونَ فلا يَرَونَه إلّا بعد دخول الجنَّة بالإجماع. قوله: ((يَجمَع اللهُ الناسَ)) في رواية شُعَيب: ((يَحِشُر)) وهو بمعنى الجمع، وقوله في رواية شُعَيب: ((في مكان))، زاد في رواية العلاء: «في صعیدٍ واحدٍ»، ومثله في رواية أبي زُرْعة عن أبي هريرة بلفظ: ((يجمع الله يوم القيامة الأوَّلينَ والآخِرِينَ في صعيدٍ واحدٍ، فيُسمِعُهم الدَّاعي ويَنفُذُهم البَصَر))، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في شرح الحديث الطّويل في الباب قبله. قال النَّوويّ: الصَّعيد: الأرض الواسعة المستوية، و((يَنفُذهم)) بفتح أوَّله وسكون النُّون وضمّ الفاء بعدها ذال مُعجَمة، أي: يَخِرِقهم بمُعجَمةٍ وقاف حتَّى يَجُوزَهم. وقيل: بالدَّال المهمَلة، أي: يَستَوعِبُهم. قال أبو عُبيد(٢): معناه: يَنفُذهم بَصَرُ الرَّحمن حتَّى يأتي عليهم كلّهم، وقال غيره: المراد بَصَر الناظرينَ وهو أولى. وقال القُرطُبِيّ: المعنى: أنَّهم يُجمَعونَ في مكان واحد بحيثُ لا يخفى منهم أحدٌ، بحيثُ لو (١) نفيُ المقابلة والجهة في قول من تقدَّم نقلُ الحافظ عنهم فرعٌ عن نفيهم علوَّ الله تعالى على عرشه في السماء، ويقتضي قولهم هذا نفيَ الرؤية لا إثباتها، وإلّا وقعوا في التناقض، لأنه يستحيل في العقل أن تكون رؤيةٌ بالأبصار كما دلت عليه النصوص المتظافرة عن غير مقابلة ولا جهة، فبقي أنَّ إثبات الرؤية يقتضي إثباتَ المقابلة والجهة. انظر ((رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت)) ص١٧٣، وتشرح العقيدة الطحاوية)) ٢١٩/١. (٢) تحرَّف في (س) إلى: أبو عُبيدة، وإنما هو أبو عُبيدِ القاسم بن سلّام، وكلامه هذا في ((غريب الحديث)) له ٤/ ٥٢. ٤٧٩ كتاب الرقاق دَعاهم داعٍ لَسَمعوه، ولو نظرَ إليهم ناظِرٌ لَأدرَكَهم. قال: / ويحتمل أن يكون المراد بالدَّاعي ٤٤٨/١١ هنا مَن يَدعوهم إلى العَرض والحِساب لقولِه: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦]، وقد تقدَّم بيان حال الموقِف في ((باب الحَشر)) (٦٥٢٢). وزاد العلاء بن عبد الرَّحمن في روايته: ((فَيَطَّلِعِ عليهم رَبّ العالمينَ)) قال ابن العربيّ: لم يزَلِ الله مُطَّلِعاً على خلقه، وإنَّما المراد إعلامه باطِّلاعِه عليهم حينئذٍ. ووَقَعَ في حديث ابن مسعود عند البيهقيِّ في ((البعث)) وأصله في النَّسائيّ(١): ((إذا حُشِرَ الناس قاموا أربعينَ عاماً شاخصةً أبصارهم إلى السماء، لا يُكلِّمُهم، والشمس على رُؤوسهم حتَّى يُلچِم العَرَقُ كلَّ بَرِّ منهم وفاچِر)). ووَقَعَ في حديث أبي سعيد عند أحمد (١١٧١٧) أنَّه: يُحُفَّف الوقوف عن المؤمن حتَّى یکون کصلاة مكتوبةٍ. وسنده حسن(٢). ولأبي يَغْلى (٦٠٢٥) عن أبي هريرة: (كتَدَلّي الشمس للغُروبِ إلى أن تَغْرُب)). وللطَّبَرانيّ (١٤٤٤٥) من حديث عبد الله بن عمرو: «يكون ذلك اليوم أقصَرَ على المؤمن من ساعة من نهارٍ)). قوله: ((فَيَتَبَع مَن كان يَعبُد الشمسَ الشمسَ، ومَن كان يَعبُد القمرَ القمرَ)»(٣) قال ابن أبي (١) لم نقف عليه عند البيهقي في ((البعث)) فلعله فيما سقط من النسخة التي اعتُمدت في تحقيقه، وكذا لم نقف على أصله عند النسائي في كتابيه، وقد ذكره الحافظ في ((المطالب العالية)) (٤٥٣٩) معزوّاً لإسحاق بن راهويه وذکر إسناده وصححه، وأخرجه أيضاً محمد بن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢٧٩) و(٢٨١)، والطبري في «تفسيره)» ٤٠/٢٩ و٩٣/٣٠، والدار قطني في «رؤية الله)) (١٦٤). (٢) ويشهد له حديث أبي هريرة عند البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٦٢). (٣) كذا وقع للحافظ ذكرُ مفعول ((يتبع)) في المعبودات الثلاثة المذكورات الشمس والقمر والطواغيت، ولم يختلف رواه البخاري في ترك ذكرها في رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، ويؤيد ذلك أنَّ البغوي في ((شرح السنة)) (٣٣٤٦) أخرج الحديث من طريق البخاري عن أبي اليمان بالسند المذكور، ولم يذكر مفاعيل ((يتبع)). على أنه قد جاء ذكرها من رواية معمر عن الزهري عند عبد الرزاق (٢٠٨٥٦)، وأحمد (٧٧١٧)، وكذا في رواية إبراهيم ابن سعد عن الزهري عند البخاري فيما سيأتي برقم (٧٤٣٧). ٤٨٠ باب ٥٢ / ح ٦٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري جَمْرةَ: في التَّصيص على ذِكْر الشمس والقمر مع دخولهما فيمَن عُبِدَ دونَ الله التَّويهُ بذِكْرِ هما لِعِظَمِ خَلْقهما. وَوَقَع في حديث ابن مسعود: ((ثمَّ ينادي مُنادٍ من السماء: أيّها الناس أليس عَدْلاً من رَبّكم الذي خَلَقَكم وصَوَّرَكم ورَزَقَكم، ثمَّ تَولَّيْتُم غيرَه أن يولّ كلّ عبْدٍ منكم ما كان تَولَّ؟ قال: فيقولون: بَلَى. ثمَّ يقول: لَنَطَلِقِ كلّ أمّة إلى مَن كانت تَعْبُد)). وفي رواية العلاء بن عبد الرّحمن: ((ألا لِيَتَبَع كلّ إنسان ما كان يَعبُد)). ووَقَعَ في رواية سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة في ((مُسنَد الْحُميديِّ)) (١١٧٨) ((وصحيح ابن خُزَيمةَ))(١) وأصله في مسلم (٢٩٦٨) بعد قوله: ((إلّا كما تُضارّونَ في رُؤْيَته)): «فيَلقَى العَبد فيقول: ألم أُكرِمك وأُزَوِّجك وأُسَخِّر لك؟ فيقول: بلى فيقول: أَظَنَنت أنَّك مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: إنّي أنساك كما نَسيتني)) الحديثَ، وفيه: ((ويَلقَى الثّالث فيقول: آمَنت بك وبكتابِك وبرسولِك وصَلَّيتُ وصُمتُ، فيقول: ألا نَبعَث عليك شاهداً؟ فيَختِمُ على فِيه وتَنطِقُ جَوارِحُه، وذلك المنافق، ثمَّ ينادي مُنادٍ: ألا لِتَتَبَع كلّ أمّة ما كانت تَعبُد)). قوله: ((ومَن(٢) كان يَعبُد الطَّواغيتَ الطَّواغيتَ) جمع طاغوت، وهو الشَّيطان والصَّنَم، ويكون جمعاً ومُفرَداً ومُذكَّراً ومؤنَّئاً، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إلى شيء من ذلك في تفسير سورة النِّساء(٣). وقال الطَّبَرُّ: الصَّواب عندي أنَّه كلّ طاع طَغَى على الله، فعُبِدَ من دونه، إمّا بقَهرٍ منه لمن عَبَدَ، وإمّا بطاعةٍ مَمَّن عَبَدَ، إنساناً كان أو شيطاناً أو حيواناً أو جَماداً، قال: فاتِّباعُهم لهم (١) هو في كتاب ((التوحيد)) لابن خزيمة ٣٦٩/١ و٣٧١، والحافظ رحمه الله يعُدُّ كتاب ((التوحيد)) لابن خزيمة من جملة كتابه ((الصحيح)) كما نصَّ عليه في ((المعجم المفهرس)) (١٩)، وكما نصّ عليه عند شرح الحدیث (٢٨٠٩) وغيره. (٢) في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري: ((ويتبع من)) بإعادة الفعل. (٣) بین یدي الحديث (٤٥٨٣).