Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٢ كتاب الرقاق الأوَّل فقط (١)، وفي رواية مسلم والإسماعيليّ بالواو في الجميع، وعلى الرِّوايتَينِ فهي الطَّريقةُ الثّانية. قوله: ((وتَحَثُرُ بَقِيَّتَهم النارُ)) هذه هي النارُ المذكورةُ في حديث حُذَيفةَ بن أَسيدٍ - بفتح الهمزة - عند مسلم في حديثٍ فيه ذِكرُ الآيات الكائنة قبلَ قيام الساعة، كطلوع الشمس من مغربها ففيه: ((وآخِرِ ذلك نارٌ تَّخْرُج من قَعْر عَدَن تُرحِّلُ الناسَ))، وفي روايةٍ له: «تَطُرُدُ الناسَ إلى حَشْرِهم))(٢). قوله: (تَقيلُ معهم حيثُ قالوا ... )) إلى آخره، فيه إشارةٌ إلى مُلازَمة النار لهم إلى أن يَصِلوا إلى مكان الحَشر. وهذه الطَّريقةُ الثّالثة. قال الخطَّبيُّ: هذا الحَشْر يكون قبل قيام الساعة تَحَشُر الناسَ أحياءً إلى الشّام، وأمَّا الحَشر من القُبُور إلى الموقِف فهو على خِلاف هذه الصّورة من الرُّكوب على الإبل والتَّعاقُبِ عليها، وإنَّما هو على ما وَرَدَ في حديث ابن عبّاس في الباب: ((حُفَاةً عُرَاةً مُشاةً). قال: وقوله: ((واثنان على بعيرٍ وثلاثةٌ على بعيرٍ ... )) إلى آخره، يريدُ أنَّهم يَعتَقِبونَ البعيرَ الواحدَ، يَركَبُ بعضٌ ويَمشي بعضٌ. قلت: وإنَّما لم يَذكُر الخمسةَ والسِّةَ إلى العشرة إيجازاً، واكتِفاءً بما ذُكِرَ من الأعدادِ مع أنَّ الاعتقابَ ليس مجزوماً به، ولا مانعَ أن يجعل الله في البعير ما يَقْوَى به على حَملِ العشرة، ومالَ الحَلِيميّ إلى أنَّ هذا الحَشَرَ يكونُ عندَ الخروج من القُبور، وجَزَمَ به الغَزاليّ. وقال الإسماعيليّ: ظاهر حديث أبي هريرة يُخالف حديث ابن عبّاس المذكور بعدُ أنَّهم يُحِشَرونَ حُفاةً عُراةً مُشاةً، قال: ويُجمَع بينهما بأنَّ الحَشر يُعبَّرُ به عن النَّشِرِ لاتِّصاله به، وهو إخراجُ الخَلْق من القُبُورِ حُفاةً عُراةً، فيُساقُونَ وَيُجْمَعونَ إلى الموقِف للحِساب، (١) كذا وقعت رواية البخاري للحافظ بالواو في الأول فقط، مع أنَّ الذي في الیونینیة دون حكاية خلاف بثبوت الواو في الجميع. (٢) كذا في الأصلين و(س)، والذي في رواية مسلم وغيره ممن خرَّج هذا الحديث: محشرهم. ٣٢٢ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٢ فتح الباري بشرح البخاري فحينئذٍ يُشَر المتَّقونَ رُكْباناً على الإبل. وَمَعَ غيره بأنَّهم يَخْرُجونَ من القُبورِ بالوصفِ الذي في حديث ابن عبّاس، ثمَّ یَفتَرِقُ حالُم مِن ثَمَّ إلى الموقِف على ما في حديث أبي هريرة، ويُؤيِّده ما أخرجه أحمد (٢١٤٥٦) والنَّسائيُّ (٢٠٨٦) والبيهقيُّ من حديث أبي ذرٍّ: حدَّثني الصّادِقُ المصدوقُ: ((أنَّ الناس يُحِشَرونَ يوم القيامة على ثلاثة أفواجٍ: فوج طاعِمينِ كاسِينَ راكِبينَ، وفَوج يَمشونَ، وفَوج تَسحَبُهم الملائكةُ على وجوهِهم)) الحديثَ. وصَوَّبَ عِيَاضْ ما ذهب إليه الخطَّابيُّ، وقَوّاه بحديثٍ حُذَيفة بن أَسيدٍ، وبقوله في ٣٨٠/١١ آخر حديث الباب: ((تَقِيل معهم وتَبِيت وتُصبحُ وتُسي)) / فإنَّ هذه الأوصافَ مُخْتَصّةٌ بالدُّنيا. وقال بعضُ شُرّاح ((المصابيح)): حَمْلُه على الحَشْرِ من القُبورِ أقوى من أوجُهٍ: أحدها: أنَّ الحَشر إذا أُطلِقَ في عُرفِ الشَّرع إنَّما يُراد به الحَشرُ من القُبُورِ ما لم يُخُصَّه دليلٌ. ثانيها: أنَّ هذا التَّقسيمَ المذكورَ في الخبرِ لا يَستَقيمُ في الحَشِرِ إلى أرضِ الشّام، لأنَّ المهاجِرَ لا بُدَّ أن يكون راغِباً أو راهباً أو جامعاً بين الصِّفَتَين، فأمّا أن يكون راغِباً راهباً فقط، وتكون هذه طريقةً واحدةً لا ثاني لها من چِنسِها فلا. ثالثها: حَشر البقيَّة على ما ذُكِرَ وإلجاء النار لهم إلى تلكَ الجهة ومُلازَمَتُها حتَّى لا تُفارقهم، قولٌ لم يَرِد به التَّوقيفُ، وليس لنا أن نَحكم بتسليطِ النار في الدُّنيا على أهلِ الشِّقْوة(١) من غير توقيفٍ. رابعها: أنَّ الحديث يُفسِّر بعضُه بعضاً. وقد وَقَعَ في الحِسان من حديث أبي هريرة (٢)، وأخرجه البيهقيُّ من وجه آخر عن عليّ بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة، بلفظ: ((ثلاثاً على الدَّواب، وثلاثاً يَنسِلونَ على أقدامهم، وثلاثاً على وجوههم)). (١) تحرَّف في (س) إلى: الشنوة. (٢) هو عند أحمد (٨٦٤٧)، والترمذي في (٣١٤٢) وحسَّنَه. ٣٢٣ كتاب الرقاق قال: ونرى أنَّ هذا التَّقسيم الذي وَقَعَ في هذا الحديث نَظير التَّقسيم الذي وَقَعَ في تفسير الواقعة في قوله تعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أَزْوَجَا ثَلَاثَةً﴾ الآيات [الواقعة: ٧]، فقوله في الحديث: ((راغِبين راهبينَ)) يريد به عَوامَّ المؤمنينَ وهم مَن خَلَطَ عملاً صالحاً وآخرَ سَيِّئاً، فيَتَرَدَّدونَ بين الخوف والرَّجاء، يخافونَ عاقبة سَيِّئاتهم، ويرجُونَ رحمةَ الله بإيمانهم، وهؤلاء أصحاب الميمَنة، وقوله: ((واثنان على بعير ... )) إلى آخره، يريدُ به (١) السابِقِينَ وهم أفاضل المؤمنينَ يُحِشَرونَ رُكباناً. وقوله: ((وتَحَشُر بَقيَّتَهم النارُ)) يريد به أصحاب المشأمة، ورُكوب السابِقِينَ في الحديث يحتمل الحَمْل دفعةً واحدةً تنبيهاً على أنَّ البعير(٢) المذكور يكون من بدائع فِطرة الله تعالى، حتَّى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من البُعران. ويحتمل أن يُراد به التَّعاقُب، كما قال الخطَّبيُّ، وإنَّما سَكَتَ عن الواحد إشارةً إلى أنَّه يكون لمن فوقهم في المرتبة كالأنبياء، ليقع الامتياز بين النبيّ ومَن دونه من السابِقِينَ في المراكب كما وَقَعَ في المراتب، انتهى مُلخَّصاً. وتَعقَّبَه الطِّييُّ ورَجَّحَ ما ذهب إليه الخطَّبيُّ، وأجابَ عن الأوَّل: بأنَّ الدَّليل ثابت، فقد وَرَدَ في عِدّة أحاديث وقوع الحَشر في الدُّنيا إلى جهة الشّام، وذكر حديث حُذيفة بن أَسيد الذي نَبَّهت عليه قبلُ، وحديث معاوية بن حَيدة جَدّ بَهْزِ بن حَكِيم رَفَعَه: ((إنَّكم مَحَشورونَ - ونَحا بيَدِه نحو الشّام - رجالاً ورُكباناً، وتُجَرّونَ(٣) على وجوهكم)) أخرجه التِّرمِذيّ (٢٤٢٤ و٣١٤٣) والنَّسائيّ (ك١١٣٦٧)، وسنده قويّ. وحديث: ((سَتكونُ هِجرة بعد هِجرة، ويَنحازُ الناس إلى مُهاجَر إبراهيم، ولا يبقى في الأرض إلّا شِرارُها تَلِفِظهم أرَضُوهم، وتَحَشُرهم النار مع القِرَدة والخنازير، تَبِيتُ معهم إذا باتوا وتقیل معهم إذا قالوا)) أخرجه أحمد (٥٥٦٢م و ٦٨٧١) وسنده لا بأس به. (١) عبارة (يريد به)) سقطت من (س). (٢) تحرَّف في (أ) إلى: التعبير. (٣) تصحفت في الأصلين إلى: وتخرون. ٣٢٤ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٢ فتح الباري بشرح البخاري وأخرج عبد الرَّزّاق عن النُّعمان بن المنذر(١) عن وهب بن مُنَبِّه قال: قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس: لَاضَعَنَّ عليك عَرشي، ولَأحشُرَنَّ عليك خلقي. وفي ((تفسير ابن عُيَينة)) عن ابن عبّاس: مَن شَكّ أنَّ المحشَر هاهنا - يعني الشّام - فليقرأ أوَّل سورة الحشر، قال لهم رسول الله وَلَه يومئذٍ: ((اخرُجوا)) قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى أرض المحشر)). وحديث: ((ستَخرُجُ نار من حضرَ موت تَحَشُر الناس)) قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((عليكم بالشّام))(٢). ثمَّ حكى خِلافاً هل المراد بالنار نار على الحقيقة، أو هو كِناية عن الفتنة الشَّديدة، كما يقال: نار الحرب، لشِدّة ما يقع في الحرب، قال تعالى: ﴿كُلَّمَاً أَوَقَدُوْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَلْفَأَهَا الَهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وعلى كلّ حال فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نارَ الآخرة، ولو أُريدَ المعنى الذي زَعَمَه المعتَرِض لَقيلَ: تَحْشُرُ بَقيَّتَهم إلى النار، وقد أضافَ الحَشر إلى النار لگونِها هي التي تَشُرُهم وتَخْتَطِف مَن تَخلَّفَ منهم، كما وَرَدَ في حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد عند أحمد وغيره. وعلى تقدير أنَّ تكون النار كِنايةً على الفتنة فنسبة الحَشر إليها سببيَّة، كأنَّها تَفشو في كلّ جهة، وتكون في جهة الشّام أخَفّ منها في غيرها، فكلّ مَن عَرَفَ ازديادها في الجهة التي ٣٨١/١١ هو فيها أحبَّ التَّحَوُّل منها إلى المكان/ الذي ليست فيه شديدةً، فَتَتَوفَّر الدَّواعي على الرَّحيل إلى الشّام، ولا يمتنع اجتماع الأمرَين، وإطلاق النار على الحقيقية التي تَخْرُج من قَعْر عَدَن، وعلى المجازيَّة وهي الفتنة، إذ لا تَنافيَ بينهما، ويُؤيِّد الحَمْلَ على الحقيقة ظاهرُ الحدیث الأخیر. (١) كذا وقع مسمّى في الأصلين و(س)، وهو مقلوب، لأنَّ المعروف في الرواة عن وهب بن مُنَبِّه المنذر بن النعمان الأفطس، وقد روى له عبد الرزاق في ((التفسير)) عدة روايات عن وهب بن منِّه. (٢) تقدم تخريج الحافظ له أوَّلَ هذا الباب. ٣٢٥ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٢ كتاب الرقاق والجواب عن الاعتراض الثّاني: أنَّ الَّقسيم المذكور في آيات سورة الواقعة لا يَستَلِزِم أن يكون هو النَّقسيمَ المذكورَ في الحديث، فإنَّ الذي في الحديث وَرَدَ على القصد من الخلاص من الفتنة، فمَن اغتَنَمَ الفُرصة سارَ على فُسحة من الظَّهْر ويُسْرة في الزّاد، راغِباً فيما يَستَقِبِله راهباً فيما يَسْتَدِره، وهؤلاءِ هم الصِّنف الأوَّل في الحديث. ومَن تَوانى حتَّى قَلَّ الظَّهر وضاقَ عن أن يَسعَهم لُرُكوِهِم اشتَرَكوا وَرَكِبوا عُقْبَةً، فَيَحصُل اشتَراك الاثنَينِ في البعير الواحد وكذا الثلاثة، ويُمكِنِهم كلَّ من الأمرَين. وأمَّا الأربعة في الواحد فالظّاهر من حالهم التَّعاقُب، وقد يُمكِنِهم إذا كانوا خِفافاً أو أطفالاً، وأمَّا العشرة فبالتَّعاقُب، وسَكَتَ عمَّا فوقها إشارة إلى أنَّها المنتَهَى في ذلك، وعمّا بينها وبين الأربعة إيجازاً واختصاراً، وهؤلاء هم الصِّنف الثّاني في الحديث. وأمَّا الصِّنف الثّالث فعَبَّر عنه بقوله: ((تَحِشُر بَقِيَّتَهم النار)) إشارة إلى أنَّهم عَجَزوا عن تحصيل ما يَركَبونَه، ولم يقع في الحديث بيانُ حالهم، بل يحتمل أنَّهم يَمشونَ أو يُسحَبونَ فِراراً من النار التي تَحَشُرُهم. ويُؤيِّد ذلك ما وَقَعَ في آخر حديث أبي ذرِّ الذي تقدَّمَتِ الإشارة إليه في كلام المعتَرِض، وفيه أنَّهم سألوا عن السَّبَب في مَشي المذكورينَ فقال: ((يُلقي الله الآفةَ على الظَّهْر، حتَّى لا يبقى ذاتُ ظَهْر، حتَّى إنَّ الرجل ليُعطي الحديقة المعجِبة بالشّارِفِ ذات القَتَب)) أي: يشتري الناقة المسِنّ لأجلِ كَونِها تَحمِله على القَتَب بالبُستان الكريم لهَوان العَقار الذي عَزَمَ على الرَّحيل عنه، وعِزّة الظَّهْر الذي يُوصِله إلى مقصوده، وهذا لائق بأحوال الدُّنيا ومُؤكِّد لما ذهب إليه الخطَّبيُّ، ويتنزّل على وَفِقِ حديث الباب، يعني من (المصابيح))، وهو أنَّ قوله: ((فوج طاعِمينِ كاسينَ راكِبِينَ)) موافق لقولِه: ((راغِبین راهبينَ))، وقوله: ((وفَوجِ يَمشونَ)) موافق للصِّنفِ الذينَ يَتَعاقَبونَ على البعير، فإنَّ صِفَة المشي لازِمة لهم، وأمَّا الصِّنف الذينَ تَحَشُرهم النار فهم الذينَ تَسحَبهم الملائكة. والجواب عن الاعتراض الثّالث: أنَّه تَبيَّن من شواهد الحديث أنَّه ليس المراد بالنار نارَ ٣٢٦ فتح الباري بشرح البخاري الآخرة، وإنَّما هي نارٌ تَخْرُج في الدُّنيا أنذَرَ النبيّ وَّ بخروجِها، وذكر كيفيَّة ما تَفْعَل في الأحاديث المذكورة. والجواب عن الاعتراض الرَّابع: أنَّ حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد - مع ضعفه - لا يُخالف حديث الباب لأنَّه موافق لحديث أبي ذرٍّ في لفظه، وقد تَبيَّن من حديث أبي ذرّ ما دلَّ على أنَّه في الدُّنيا لا بعد البعث في الحَشر إلى الموقِف، إذ لا حديقةَ هناك ولا آفةَ تُلقَى على الظَّهر حتَّى يَعِزْ ويَقِلَّ، وَوَقَعَ في حديث عليّ بن زيد المذكور عند أحمد (٨٦٤٧): ((أنَّهم يَتَّقُونَ بوجوهِهم كلّ حَدَب وشَوْكٌ)) وقد سَبَقَ أنَّ أرض الموقِف أرض مُستَوية لا يعِوجَ فيها ولا أكَمَة ولا حَدَبَ ولا شَوْكَ(١). وأشارَ الطِّييّ إلى أنَّ الأَوْلى أن يُحمَل الحديث الذي من رواية عليّ بن زيد على مَن يُحُشَر من الموقف إلى مكان الاستقرار من الجنَّة أو النار، ويكون المراد بالرُّكبان السابِقِينَ المَّقِينَ، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [ مريم: ٨٥]، أي: رُكباناً كما تقدَّم في تفسير سورة مريم، وأخرج الطَّبَريّ عن عليّ في تفسير هذه الآية فقال: أما والله ما يُحِشَر الوفدُ على أرجُلهم ولا يُساقُونَ سَوْقاً، ولكن يُؤْتَونَ بُوقِ لم تَرَ الخَلائقُ مِثلَها، عليها رِحال الذَّهَب وأزِمَّتُها النَّبَرْ جَد، فيَركَبونَ عليها حتَّى يَضرِبوا أبواب الجنَّة. والمراد سَوق مَراكبهم(٢) إسراعاً بهم إلى دار الكرامة، كما يُفعَل في العادة بمَن يُشرَّف ويُكرَّم من الوافدينَ على الملوك. قال: ويُستَبَعَد أن يقال: يَجيء وفدُ الله عشرٌ على بعير جميعاً أو مُتَعاقِين، وعلى هذا فقد روى أبو هريرة حالَ المحشورينَ عند انقراض الدُّنيا إلى جهة أرض المحشَر، وهم ثلاثة ٣٨٢/١١ أصناف،/ وحال المحشورينَ في الأُخرى إلى مَحِلّ الاستقرار. انتهى كلام الطيِّي عن جواب المعتَرِض مُلخَّصاً موضّحاً بزياداتٍ فيه، لكن تقدَّم ممَّا قَرَّرته أنَّ حديث أبي هريرة من (١) في الباب السابق. (٢) في (س): ركائبهم. ٣٢٧ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٢ كتاب الرقاق رواية عليّ بن زيد ليس في المحشورينَ من الموقِف إلى محلّ الاستقرار. ثمَّ خَتَمَ كلامه بأن قال: هذا ما سَنَحَ لي على سبيل الاجتهاد، ثمَّ رأيت في ((صحيح البخاريّ) في ((باب المحشَر: يُحْشَرُ الناس يوم القيامة على ثلاث طَرائق)) فعلمت من ذلك أنَّ الذي ذهب إليه الإمام التُّوْرِبِشْتِيّ هو الحقّ الذي لا تَحَيدَ عنه. قلت: ولم أقِفْ في شيء من طرق الحديث الذي أخرجه البخاريّ على لفظ: يوم القيامة، لا في ((صحيحه)) ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم والإسماعيليّ وغيرهما، ليس فيه يوم القيامة، نعم ثَبَتَ بلفظ: يوم القيامة في حديث أبي ذرِّ المنَبَّه عليه قبلُ، وهو مُؤَوَّل بأنَّ المراد بذلك أنَّ يوم القيامة يَعقُبُ ذلك، فيكون من مَجاز المجاورة، ويَتَعيَّن ذلك لما وَقَعَ فيه أنَّ الظَّهْر يَقِلُّ لما يُلقَى عليه من الآفة، وأنَّ الرجل يشتري الشّارف الواحد بالحديقة المعجِبة، فإنَّ ذلك ظاهر جدّاً في أنَّه من أحوال الدُّنيا لا بعد المبعَث. وقد أبدَى البيهقيّ في حديث الباب احتمالَينِ، فقال: قوله: ((راغِبِينَ)) يحتمل أن يكون إشارةً إلى الأبرار، وقوله: ((راهبينَ)) إشارةً إلى المخلِّطينَ الذينَ هم بين الخوف والرَّجاء، والذينَ تَحْشُرُهم النار هم الكفّار. وتُعُقِّبَ بأَنَّه حَذَفَ ذِكْرَ قوله: ((واثنان على بعير .. )) إلى آخره. وأُجيبَ بأنَّ الرَّغبة والرَّهبة صِفَتَان للصِّنفَينِ الأبرار والمخلِّطينَ، وكلاهما يُحُشَر اثنان على بعير ... إلى آخره. قال: ويحتمل أن يكون ذلك في وقت حَشرهم إلى الجنَّة بعد الفراغ. ثمَّ قال بعد إيراد حديث أبي ذرٍّ: يحتمل أن يكون المراد بالفَوج الأوَّل: الأبرار، وبالفَوجِ الثّاني: الذينَ خَلَطوا، فيكونونَ مُشاةً، والأبرارُ رُكباناً، وقد يكون بعض الكفَّار أعيا مِن بعض، فأولئكَ يُسحَبونَ على وجوههم، ومَن دونَهم يَمِشُونَ ويَسعَونَ مع مَن شاءَ اللهُ من الفُسّاق وقتَ حَشرهم إلى الموقِف، وأمَّا الظَّهر فلعلَّ المراد به ما يُحييه الله بعد الموت من الذَّوابّ فيَرَكَبها الأبرار ومَن شاءَ اللهُ، ويُلقي الله الآفةَ على بَقيَّتِها حتَّى يبقى جماعةٌ من المخلِّطينَ بلا ظَهْر. ٣٢٨ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٣ فتح الباري بشرح البخاري قلت: ولا يخفى ضعفُ هذا التََّويل مع قوله في بقيّة الحديث: ((حتَّى إنَّ الرجل ليُعطي الحديقة المعجِبة بالشّارِفِ)) ومن أين يكون للَّذِينَ يُبعَثونَ بعد الموت عُراةً حُفاةً حَدائقُ حتَّى يَدْفَعوها في الشَّوارفِ؟ فالرَّاجح ما تقدَّمَ. وكذا يَبعُدُ غايةَ البُعد أن يحتاج مَن يُساق من الموقِف إلى الجنَّة إلى التَّعاقُب على الأبعِرة، فَرَجَحَ أنَّ ذلك إنَّما يكون قبل المبعَث، والله أعلم. الحديث الثاني: ٦٥٢٣- حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يونسُ بنُ محمَّدِ البَغْدادِيُّ، حدَّثْنا شَيْبانُ، عن قَتَادة، حدَّثْنا أنسُ بنُ مالكٍ عَ﴾: أنَّ رجلاً قال: يا نبيَّ الله، يُحْشَرُ الكافرُ على وجهه؟ قال: ((أليسَ الذي أمشَاهُ على الرِّجْلَينِ في الدُّنيا قادراً على أن يُمْشِيَه على وجهِهِ يومَ القيامةِ؟)) قال قَتَادُ: بلی وعِزَّةِ رَبِّنا. قوله: ((حذَّثني عبد الله بن محمَّد)) هو الجُعْفيُّ، ويونس: هو المؤَدِّب، وشَيْبان: هو ابن عبد الرّحمن. قوله: ((أنَّ رجلاً)) لم أقِفْ على اسمِه. قوله: ((قال: يا نبيَّ الله، يُحِشَرُ الكافرُ على وَجْهه؟)) كأنَّه استفهامٌ حُذِفَ أداته، ووَقَعَ في عِدّة نُسَخٍ: كيف يُحِشَر؟ وكذا هو عند مسلم (٢٨٠٦) وغيره (١)، والكافرُ اسمُ جِنسٍ يَشْمَل الجميع، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُودِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَغَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ الآيةَ [الإسراء:٩٧]، وقد تقدَّم في التَّفسير (٤٧٦٠) أنَّ الحاكم (٢/ ٤٠٢) أخرجه من وجهٍ آخر عن أنسٍ بلفظ: كيف يُشَرُ أهلُ النار على وُجوهِهم؟ قوله: ((أليس الذي أمشاهُ ... )) إلى آخره، ظاهرٌ في أنَّ المراد بالمشي حقيقَتُه، فلذلك اسْتَغْرَبوه حتَّى سألوا عن كيفيَّتِهِ، وزَعَمَ بعض المفسِّرِينَ أنَّه مَثَلٌ، وأنَّه كقوله: ﴿أَفَنْ يَمْشِى (١) أحمد (١٢٧٠٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٣٠٣)، وابن حبان (٧٣٢٣). ٣٢٩ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٤ -٦٥٢٦ كتاب الرقاق مُكِتَّا عَلَى وَجْهِهِ، أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِبًا﴾ [الملك: ٢٢]. قال مجاهد: هذا مَثَلُ المؤمن والكافر، قلت: ولا يَلْزَمُ من تفسير مجاهدٍ لهذه الآية بهذا أن يُفَسَّر به الآيَةُ الأُخرى، فالجواب الصّادِرُ عن النبيّ ◌ٌَّ ظاهرٌ في تقرير المشي على حقيقتِه. قوله: ((قال قَتَادةُ: بلى وعِزّةِ رَبِّنا» هو موصولٌ بالسَّنَدِ المذكور، والحكمة في حشر الكافر على وجهه أنَّه عُوقِبَ على عَدَمِ السُّجودِ لله في الدُّنيا بأن يُسحَبَ على وجهه في القيامة، إظهاراً هَوَانِهِ بحيثُ صارَ وجهُه مكانَ/ يدِه ورِجْله في التَّوقّي عن المؤذيات. ٣٨٣/١١ ٦٥٢٤- حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: سمعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ، سمعتُ ابنَ عَّاسٍ، سمعتُ النّبِيَّنََّ يقول: ((إنَّكم مُلاقُو اللّهِ حُفاةَ عُرَاةً مُشاةً غُزْلاً)). قال سفيانُ: هذا ممَّا نَعُدُّ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ سمعَه منَ النبيِّ ◌َّ. ٦٥٢٥ - حدَّثنا قُتَيبةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، عن سعيدِ بنِ مُبَیٍ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِّه يَخْطُبُ على المِنْبِ يقول: ((إنَّكم مُلاقُو اللَّهِ حُفاةً عُراةً غُزْلاً)). ٦٥٢٦ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن المغيرةِ بنِ النُّعْمان، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: قامَ فينا النبيُّ ◌َّهِ يَخْطُبُ، فقال: ((إنَّكم تُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ﴾ الآيةَ [الأنبياء: ١٠٤]، وإِنَّ أَوَّلَ الخَلَائِقِ يُكْسَى يومَ القيامةِ إبراهيمُ الخليل، وإنَّ سَيُجاءُ برجالٍ من أمَّتي، فيُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشِّمال، فأقولُ: يا رَبِّ أَصحَابي، فيقول: إنَّكَ لا تَدْري ما أَحدَثُوا بعدَكَ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ -١١٨])) قال: ((فيقال: إنَّهم لم يزالُوا مُرْتَدِّينَ على أعقابِهِم)). الحديث الثالث: ذكره من طريقَينِ عن سعيد بن جُبَيٍ. قوله: ((عليّ)) هو ابن المَدِينِيّ، وسفيان: هو ابن عُيَينَةَ. قوله: (قال عَمْرو)) القائل هو سفيان، وحاكي ذلك عنه هو عليٌّ، وكان سفيانُ كثيراً ما ٣٣٠ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٦ فتح الباري بشرح البخاري يَحِذِف الصّيغة فيَقتَصِر على اسم الراوي، ووَقَعَ في رواية قتيبة(١) التي بعدها: عن عَمرِو، وكذا لمسلم (٢٨٦٠) عن قُتَيبةً(٢) وغيره عن سفيانَ، وعَمرٌو: هو ابنُ دینارٍ. قوله: ((سمعت رسول الله (وَلَ﴾) زاد قُتَيبةُ في روايتِهِ: يَخْطُبُ على المِنْبَرَ، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في إيرادِه لرواية قُتَيبةَ بعدَ رواية عليٍّ بن المَدِينيّ. قوله في آخر رواية عليّ بن المَدِينيّ: ((قال سُفْيان ... )) إلى آخره، هو موصول كالذي قبله، ولم يُصِب مَن قال: إنَّه مُعلَّق عن سفيان. قوله: ((هذا ممَّا نَعُدّ أنَّ ابن عبّاس سمعَه من النبيّ ◌َ)) يريد أنَّ ابن عبّاس من صِغار الصحابة، وهو من المكثِرِينَ، لكنَّه كان كثيراً ما يُرسِل ما يسمعه من أكابر الصحابة ولا يَذكُر الواسطة، وتارة يَذْكُره باسمِه وتارة مُبهَماً، كقوله في أوقات الكراهة: حدَّثني رجالٌ مَرْضيّونَ أرضاهم عندي عمر(٣)، فأمَّا ما صَرَّحَ بسماعِه له فقليلٌ، ولهذا كانوا يَعتَنُونَ بعدِّه، فجاء عن محمَّد بن جعفر غُندَرِ أنَّ هذه الأحاديثَ التي صَرَّحَ ابن عبّاس بسماعِها من النبيّ ◌َّل عشرةٌ، وعن يحيى القطان(٤) ويحيى بن مَعِين وأبي داود صاحب ((السُّنَن)) تِسعةٌ. وأغرَبَ الغَزاليُّ في ((المستَصفَى)) وقَلَّدَه جماعة تأخّروا عنه، فقال: لم يسمع ابنُ عَّاسٍ من النبيّ وَّهَ إلّا أربعةً أحاديثَ، وقال بعضُ شيوخ شيوخِنا: سمعَ من النبيِّ نَّهِ دونَ العشرينَ من وجوهِ صِحَاحٍ. قلت: وقد اعتَنَتُ بجَمْعِها، فزاد على الأربعينَ ما بين صحيحٍ وحسنٍ، خارجاً عن الضَّعيف، وزائداً أيضاً على ما هو في حُكمِ السَّماع، كحكايتِهِ حضورَ شيءٍ فُعِلَ بحَضْرة (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: صدقة. (٢) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، وسيتكرر منه بعد قليل، لأنَّ مسلماً لم يرو هذا الحديث عن قتيبة، وإنما رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، جميعهم عن سفيان. (٣) تقدم برقم (٥٨١). (٤) سقط ذِكرُ يحيى القطان من (س). ٣٣١ كتاب الرقاق النبيِّ وَّةِ، فكأنَّ الغَزاليَّ الْتبسَ عليه ما قالوا: إنَّ أبا العاليَة سمعَه من ابن عبّاسٍ، وقيل: خمسة، وقيل: أربعة. قوله: ((إنَّكم مُلاقو الله)) أي: في الموقف بعدَ البَعْث. قوله: ((حُفاةً)) بضمِّ المهمَلة وتخفيف الفاء، جمع حافٍ، أي: بلا خُفّ ولا نَعْل، وقوله: ((مُشاة)) لم أرَ في رواية قُتَيبة هنا «مُشاة))، وثبتت في رواية مسلم عنه وعن غيره، ولیس عنده عنهم قوله: على المنبر. قوله في الطريق الثانية: ((قامَ فينا النبيُّ ◌َّه يَخْطُبُ)) وَقَعَ لمسلمِ بدلَ قولِه: (يَخْطُب)): بمَوعِظةٍ؛ أخرجه عن محمّد بن بشَّار - شيخ البخاريّ فيه - ومحمَّد بن المثنَّى، قال: واللَّفظ لابنِ المثنَّى قالا: حدَّثنا محمَّد بن جعفر، بسندِه المذكور هنا، وكذا أخرجه أحمد (٢٠٩٦) عن محمّد بن جعفر. قوله: ((فقال: إنَّكم)) زاد ابنُ المثنَّى: ((يا أيُّها الناسُ إِنَّكم)). قوله: ((تُحْشَرونَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مَحَشورونَ))، وهي روايةُ ابنِ المثنَّى. قوله: ((حُفاة)) لم يقع فيه أيضاً: ((مُشاة)). قوله: ((عُراة)) قال البيهقيُّ: وَقَعَ في حديث أبي سعيد- يعني الذي أخرجه أبو داود (٣١١٤) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٣١٦) -: أنَّه لمَّا حَضَرَه الموت دَعَا بثيابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَها، وقال: سمعت رسولَ الله ◌َّه يقول: ((إنَّ المِيِّت يُبعَث في ثيابِه التي يموتُ فيها))، ويُجمَعُ بينهما بأنَّ بعضَهم يُشَرُ عارياً وبعضَهم كاسِياً، أو يُحِشَرونَ كلُّهم عُراةً ثمَّ يُكسَى الأنبياءُ، فأوَّلُ مَن يُكسَى إبراهيمُ عليه الصلاة والسَّلام، أو يَخْرُجونَ من القُبور بالثّيابِ التي ماتوا فيها، ثمَّ تَتَنَاثَرُ عنهم عند ابتداءِ الحَشر، فيُحشَرونَ عُراةً، ثمَّ يكون أوَّلُ مَن يُكسَى إبراهيمَ. وَمَلَ بعضهم حديث أبي سعيد على الشُّهَداء، لأَّهم الذينَ أُمِرَ أن يُزَمَّلُوا في ثيابِهِم ويُدفَنُوا فيها(١)، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعَه في الشَّهيد فحَمَلَه على العموم. (١) كما في حديث عبد الله بن ثعلبة عند أحمد (٢٣٦٥٩)، والنسائي (٢٠٠٢) قال: قال رسول الله وَله لقتلى = ٣٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ومَمَّن ◌َمَلَه على عُمومه معاذ بن جبلٍ، فأخرج ابن أبي الدُّنيا(١) بسندٍ حسنٍ عن عَمْرو ابن الأسود قال: دَفَّا أَمَّ معاذ بن جبل، فأمَرَ بها فكُفِّنَت في ثيابٍ جُدُدٍ، وقال: أحسِنوا أكفانَ موتاكم، فإنَّهم يُحْشَرونَ فيها. قال: وحَمَلَه بعضُ أهلِ العلمِ على العمل، وإطلاق الثّياب على العملِ وَقَعَ في مِثلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلِيَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] على ٣٨٤/١١ أحدِ الأقوال، وهو قولُ قَتَادة، قال: معناه: وعَمَلَك فأخِلِصْه، ويُؤَكِّد/ ذلك حديث جابر رَفَعَه: (ُبْعَث كلُّ عبدٍ على ما ماتَ عليه)) أخرجه مسلم (٢٨٧٨) وحديث فَضالة بن عُبيد: ((مَن ماتَ على مَرتَبةٍ من هذه المراتب بُعِثَ عليها يوم القيامة)) الحديثَ. أخرجه أحمد. ورَجَّحَ القُرطُبيُّ الحَمْلَ على ظاهرِ الخبر، ويَتأَيَّدُ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وإلى ذلك الإشارة في حديث الباب بذِكْر قولِه تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] عَقِبَ قوله: ((حُفاةً عُراةً)). قال: فيُحمَلُ ما دَلَّ عليه حديث أبي سعيد على الشُّهَداء لأنَّهم يُدفَنونَ بثيابِهِم، فيُبعَثُونَ فيها تمييزاً لهم عن غيرهم. وقد نَقَلَه ابن عبد البَرِّ عن أكثر العلماء. ومن حيثُ النَّظَرُ إِنَّ الملابِسَ في الدُّنيا أموالٌ ولا مالَ في الآخرة ممَّا كان في الدُّنيا، ولأنَّ الذي يَقي النَّفْسَ ممَّا تكره في الآخرة ثوابٌ بحُسْنِ عملها، أو رحمةٌ مُبتَدَأةٌ من الله، وأمَّا مَلابِس الدُّنيا فلا تُغني عنها شيئاً. قاله الحليميّ. وذهب الغَزاليُّ إلى ظاهر حديث أبي سعيد، وأورَدَه بزيادةٍ لم أجِدْ لها أصلاً، وهي: فإنَّ أمَّتِي تُحُشَر في أكفانها وسائر الأُمَم عُراة. قال القُرطُبيُّ: إن ثَبَتَ مُلَ على الشُّهَداءِ = أُحد: «زملوهم بدمائهم)». (١) أخرجه في «الأهوال)) (٢٢٤)، وفي ((النفقة على العيال)) (٥١٥)، لكن الذي جاء فيهما أنَّ الميتة امرأته، لا أُمّه. ٣٣٣ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٦ كتاب الرقاق من أمَّتِهِ حتَّى لا تَتَنَاقَضَ الأخبار. قوله: ((غُرْلاً) بضمِّ المعجَمة وسكونِ الرَّاء: جمع أغرَلَ، وهو الأقلَفُ وزنه ومعناه، وهو مَن بَقِيَت غُرْلَتُه، وهي الجِددةُ التي يَقطَعُها الخاتنُ من الذَّكَر. قال أبو هلال العسكريُّ: لا تَلْتَفي اللّمُ مع الرَّاءِ في كلمةٍ إلّا في أربعٍ: أُل: اسم جبلٍ، وورَلٌ: اسمُ حيوانٍ معروفٍ، وحَرَل: ضربٌ من الحجارة، والغُزْلة. واستُدرِكَ عليه كَلمَتان: حَرَل: ولد الزَّوجة، وبَرَل: الدّيك الذي يَسْتَدِيرُ بعُنُقِه. والسِّتَّةُ حُوْشِيَّةٌ، إلّا الغُرلة. قال ابن عبد البَرّ: يُحِشَرُ الآدميُّ عارياً ولكلٍّ من الأعضاءِ ما كان له يومَ وُلِدَ، فمَن قُطِعَ منه شيءٌ يُردُّ حتَّى الأقلَف. وقال أبو الوفاءِ بنُ عَقيلِ: حَشَفةُ الأقلَفِ مُوقاةٌ بالقُلْفة فتكون أرَقَّ، فلمَّا أزالوا تلكَ القِطعةَ في الدُّنيا أعادَها الله تعالى ليُذيقَها من حَلاوة فضلِهِ. قوله: ((﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُهُ﴾ الآيةَ)) ساقَ ابن المثنَّى الآيةَ كلَّها إلى قوله: ﴿فَعِلِينَ﴾ ومثلُه: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ومنه: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. ووَقَعَ في حديثِ أمّ سَلَمة عند ابن أبي الدُّنيا (١): ((يُحِشَرُ الناسُ حُفاةً عُراةً كما بُدِئوا)). قوله: ((وإنَّ أوَّل الخَلائق يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم الخليل)) تقدَّم بعض الكلام عليه في أحاديث الأنبياء (٣٣٤٩). قال القُرطُبيّ في ((شرح مسلمٍ)): يجوز أن يُراد بالخَلائقِ مَن عَدا نبيِّنا ێ، فلم يدخل هو في عُمومٍ خطابٍ نفسِه. وتَعقَّبَه تلميذه القُرطُبيُّ أيضاً في ((التَّذكِرة)) فقال: هذا حسنٌ لولا ما جاء من حديثٍ عليٍّ، يعني الذي أخرجه ابن المبارك في ((الزّهد))(٢) من طريق عبد الله بن الحارث عن عليٍّ قال: أوَّل مَن يُكسَى يومَ القيامة خليلُ الله عليه السلام قِبْطِيَّتَينِ، ثمَّ يُكسَى محمَّدٌ وَّلِ حُلّةً حِبَرَةً عن يمين العَرْش. (١) في ((الأهوال)) (٢٣٣)، وفي ((القبور)) (٧٠). (٢) في رواية نعيم بن حماد (٣٦٤). ٣٣٤ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٦ فتح الباري بشرح البخاري قلت: كذا أورَدَه مختصراً موقوفاً، وأخرجه أبو يَعْلى (١) مُطوَّلاً مرفوعاً، وأخرج البيهقيُّ(٢) من طريق ابن عبّاس نحو حديث الباب وزاد: ((وأوَّل مَن يُكسَى من الجنَّة إبراهيم، يُكسَى حُلّة من الجنَّة، ويُؤْتَى بكُرسِيٍّ فيُطرَح عن يمين العَرش، ثمَّ يُؤتَى بي فأُكسَى حُلّةً من الجنَّة لا يقوم لها البشر، ثمَّ يُؤتَى بكُرسِيٍّ فيُطرَح على ساق العَرش، وهو عن يمين العَرش))، وفي مُرسَل عُبيد بن عُمَيرٍ عند جعفر الفِرْيابيّ(٣): يُحِشَر الناس حُفاة عُراة، فيقول الله تعالى: ألا أرَى خليلي عُرياناً؟ فيُكسَى إبراهيمُ ثوباً أبيضَ، فهو أوَّل مَن يُکسی. قيلَ: الحكمةُ في كَون إبراهيمَ أوَّلَ مَن يُكسَى أنَّه جُرِّدَ حين أُلقيَ في النار، وقيل: لأنَّه أوَّلُ مَن استَنَّ السَّتْر بالسَّراويل، وقيل: إنَّه لم يكن في الأرضِ أخوفَ لله منه، فعُجِّلَت له الكِسوة أماناً له ليَطْمَئِنَّ قلبُه. وهذا اختيارُ الْحَلِيمَيّ والأوَّل اختيارُ القُرطُبيّ. قلت: وقد أخرج ابن مَنْدَهُ(٤) من حديث حَيْدة - بفتح المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة - رَفَعَه قال: ((أوَّلُ مَن يُكسَى إبراهيمٌ، يقول الله: اكسوا خليلي ليَعلَمَ الناسُ اليومَ فَضْلَه عليهم))(٥). ٣٨٥/١١ قلت: وقد تقدَّم شيءٌ من هذا في ترجمة إبراهيمَ من / بَدْءِ الخلق(٦)، وأَنَّه لا يَلْزَمُ من تخصيصِ إبراهيمَ عليه السلام بأنَّه أوَّلُ مَن يُكسَى أن يكون أفضلَ من نبيِّنا عليه الصلاة والسَّلام مُطلَقاً. (١) لم نقف عليه في ((مسنده)) المطبوع الذي برواية ابن حمدان، فالظاهر أنه في ((مسنده الكبير)) الذي برواية ابن المقرئ، لأنَّ الهيثمي اقتصر في عزوه في ((مجمع الزوائد» ١٣٥/٩ -١٣٦ للطبراني في «الأوسط))، وقال: فيه عمران بن ميثم، وهو كذاب. قلنا: وهو في ((المعجم الأوسط)) برقم (٣٨٩١). (٢) أخرجه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٨٣٩). (٣) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣/ ٢٧٠، وهو من قول عبيد بن عمير وليس من مرسَلِه. (٤) في ((معرفة الصحابة)) ٤٥٠/١. (٥) لفظة ((عليهم)) ليست في الرواية. (٦) بل في أحاديث الأنبياء كما ذكره الحافظُ على الصواب قريباً. ٣٣٥ كتاب الرقاق وقد ظَهَرَ لي الآنَ أنَّه يحتمل أن يكون نبيُّنا عليه الصلاةُ والسَّلامُ خَرَجَ من قبره في ثيابِهِ التي ماتَ فيها، والحُلّةُ التي يُكسَاها حينئذٍ من حُلَلِ الجنَّة خِلْعُ الكَرامة، بقَرِينة إجلاسه على الكُرسِّ عندَ ساق العَرش، فتكونُ أوَّلِيَّةُ إبراهيمَ في الكِسوة بالنّسبة لبقيّة الخلق. وأجابَ الحَلِيميّ بأنَّه يُكسَى أوَّلاً ثمَّ يُكسَى نِبُّنَا وَّل على ظاهرِ الخبر، لكنَّ حُلّةَ نبَيِّنَا وَل أعلى وأكمَلُ فَتَجبُرُ نَفاسَتُها ما فاتَ من الأوَّلَيَّة، والله أعلم. قوله: ((وإِنَّه سَيُجاءُ برجالٍ من أمَّتي فيُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشِّمال)) أي: إلى جهة النار، ووَقَعَ ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة في آخر (باب صِفَة النار))(١) من طريق عطاء بن يسارٍ عنه ولفظه: ((فإذا زُمرةٌ حَتَّى إذا عَرَفْتهم خَرَجَ رجلٌ من بيني وبينِهم، فقال: هَلُمَّ، فقلت: أينَ؟ قال: إلى النار)) الحديثَ. وبيَّن في حديث أنسِ الموضعَ (٦٥٨٢) ولفظُه: ((ولَيَرِدَنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ حتَّى إذا عَرَفْتُهم اختُلِجُوا دوني)) الحديثَ. وفي حديث سهل (٦٥٨٣): ((ولَيَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويَعِرِفونَني، ثمَّ يُحالُ بيني وبینھم)). وفي حديث أبي هريرة عند مسلم (٢٤٩): ((لَيُذادَنَّ رجالٌ عن حَوضي كما يُذادُ البعيرُ الضّالّ، أُناديهم: ألا هَلُمَّ). قوله: ((فأقولُ: يا رَبِّ، أصحابٍ)) في رواية أحمد (٢٢٨١): ((فَلَأَقولَنَّ)، وفي رواية أحاديث الأنبياء: ((أُصَيحابي)» بالتَّصغير، وكذا هو في حديثِ أنسٍ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأْ محذوفٍ تقديره: هؤلاء. قوله: ((فيقول: إنَّك لا تَذْري ما أحْدَثُوا بَعْدك)) في حديث أبي هريرة المذكور: ((إِنَهم ارتَدّوا على أدبارهم القَهْقَرَى))، وزاد في رواية سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة أيضاً(٢): ((فيقول: (١) بل في ((باب في الحوض)) (٦٥٨٧). (٢) في الباب المشار إليه سابقاً (٦٥٨٥). ٣٣٦ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٦ فتح الباري بشرح البخاري إنَّك لا عِلمَ لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنَّهم قد بَدَّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سُحقاً)(١) أي: بُعْداً بُعْداً، والتَّأكيد للمُبالَغة. وفي حديث أبي سعيد في ((باب صِفَة النار))(٢) أيضاً: ((فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحْقاً سُحْقاً لمن غَيَّرَ بعدي))، وزاد في رواية عطاء بن يسار (٦٥٨٧): ((فلا أُراه يَخلُصُ منهم إلّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ)). ولأحمدَ (٢٠٤٩٤) والطبرانيِّ(٣) من حديث أبي بَكْرَةَ رَفَعَه: ((لَيَرِدَنَّ عليَّ الحوضِ رجالٌ مَمَّن صَحِبني ورآني)) وسنده حسنٌ. وللطََّرانيِّ(٤) من حديث أبي الدَّرداءِ نحوه، وزاد: فقلت: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ أن لا يجعلني منهم قال: ((لستَ منهم) وسندُه حسنٌّ. قوله: ((فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿اٌلْحَكِيمُ ﴾)) كذا لأبي ذرِّ، وفي رواية غيره زيادةُ ﴿مَا دُمْتُ فِهِمْ﴾ والباقي سواءٌ. قوله: ((قال: فيقال: إنَّهم لم يزالوا مُرْتَدّينَ على أعْقابِهِم)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لن يزالُوا))، ووَقَعَ في ترجمة مريمَ من أحاديث الأنبياءِ (٣٤٤٧): قال الفِرَبْريّ: ذُكِرَ عن أبي عبد الله البخاريِّ عن قَبِيصةَ قال: هم الذينَ ارتَدّوا على عهدٍ أبي بكرٍ فقاتلهم أبو بكر، يعني: حتَّى قُتِلوا وماتوا على الكفر. وقد وَصَلَه الإسماعيليّ من وجهٍ آخرَ عن قَبِيصةَ. وقال الخطَّبيُّ: لم يَرتَدَّ من الصحابة أحدٌ، وإنَّما ارتَدَّ قومٌ من جُفاة الأعرابِ مَمَّن لا نُصْرةَ له في الدّين، وذلك لا يُوجِبُ قَدْحاً في الصحابة المشهورينَ، ويدلُّ قولُه: (١) من قوله: فيقال: إنهم، إلى هنا ليس في حديث الباب، ولكنه في حديث عبد الرحمن الحُرَقيّ عن أبي هريرة عند مسلم (٢٤٩)، فلعلَّ الحافظ أراد أن يقول: وفي رواية عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي عن أبي هريرة: فيقال ... فسقط من قلمه سهواً، والله أعلم. (٢) بل في ((باب في الحوض)) كما تقدم التنبيه عليه (٦٥٨٤). (٣) سقط مسند أبي بكرة من مطبوع ((المعجم الكبير))، والحديث عند الطبراني أيضاً في ((مسند الشاميين)) (٢٦٦٠)، لکن بلفظ: «ناس من أصحابي». (٤) سقط مسند أبي الدرداء أيضاً من ((المعجم الكبير)) المطبوع، والحديث عند الطبراني أيضاً في (المعجم الأوسط» (٣٩٧). ٣٣٧ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٦ كتاب الرقاق (أُصَيْحابي) بالتَّصغير على قِلّة عَدَدِهم. وقال غيرُه: قيل: هو على ظاهره من الكفر، والمرادُ بأُمَّتي: أمّةُ الدَّعوة لا أمّةُ الإجابة. ورُجِّحَ بقوله في حديث أبي هريرة: «فأقولُ: بُعْداً لهم وسُحْقاً)). ويُؤيِّدُه كَونُهم خَفِيَ عليه حالهُم، ولو كانوا من أمّة الإجابة لَعَرَفَ حالهم بكَونِ أعمالهم تُعرَضُ عليه (١). وهذا يَرُدُّه قولُه في حديث أنس: ((حتَّى إذا عَرَفْتُهم))، وكذا في حديث أبي هريرة. وقال ابن التِّين: يحتمل أن يكونوا مُنافقينَ أو من مُرتَكِبي الكبائر. وقيل: هم قومٌ من جُفاة الأعرابِ دخلوا في الإسلام رَغبةً ورَهبةً. وقال الدَّاوُوديُّ: لا يمتنعُ دخولُ أصحابِ الكبائرِ والبِدَع في ذلك. وقال النَّوويّ: قيل: هم المنافقونَ والمرتَدّونَ، فيجوزُ أن يُحُشَروا بالغُرّة والتَّحجيل لگَونِم من ◌ُملة الأُمّة، فيناديهم من أجل السِّيما التي عليهم، فيقال: إنَّهم بَدَّلوا بعدَك / أي: لم يموتوا ٣٨٦/١١ علی ظاهرٍ ما فارَقتَھم علیه. قال عِيَاضٌ وغيره: وعلى هذا فيذهبُ عنهم الغُرَةُ والتَّحجيلُ ويُطفَأُ نورُهم. وقيل: لا يَلزَمُ أن تكون عليهم السِّيما، بل يناديهم لما كان يَعِرِفُ من إسلامهم، وقيل: هم أصحاب الكبائر والبِدَعِ الذينَ ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يُقطَعُ بدخولِ هؤلاءِ النارَ، لجوازٍ أن يُذادُوا عن الحوضِ أوَّلاً عُقوبةً لهم ثمَّ يُرحَموا. ولا يَمتنعُ أن يكون لهم غُرّةٌ وتَحجيلٌ فعَرَفَهم بالسِّيما سواءٌ كانوا في زَمَنِهِ أو بعده . وَرَجَّحَ عِيَاضْ والباجيّ وغيرهما ما قال قبيصة راوي الخبر: إِنَّهم مَن ارتَدَّ بعدَه وَلِّ، ولا (١) يُشير إلى حديث: ((حياتي خير لكم تُحدِثُون ويُحدَثُ لكم، فإذا أنا متُّ كانت وفاتي خيراً لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالكم، فإذا رأيتُ خيراً حَمِدتُ اللهَ، وإن رأيتُ شَرّاً استغفرتُ اللهَ لكم))، وأحسن طرقه مرسلُ بكر بن عبد الله المُزَني عند ابن سعد في ((الطبقات)) ١٩٤/٢، والقاضي إسماعيل في ((فضائل الصلاة على النبي وَِّهَ)) (٢٥)، ورواه البزار (١٩٢٥) من حديث عبد الله بن مسعود، لكن في إسناده مقال. ٣٣٨ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٦ فتح الباري بشرح البخاري يَلْزَمُ من مَعرِفَتِهِ لهم أن يكون عليهم السِّيما، لأنَّهَا كَرامةٌ يظهرُ بها عملُ المسلم، والمرتَدُّ قد حَبِطَ عملُه، فقد يكونُ عَرَفَهم بأعيانهم لا بصِفَتِهِم باعتبار ما كانوا عليه قبلَ ارتدادِهم. ولا يَبعُدُ أن يَدخُلَ في ذلك أيضاً مَن كان في زَمَنه من المنافقينَ، وسيأتي في حديث الشَّفاعة (٦٥٧٣): ((وتَبقَى هذه الأُمّة فيها مُنافقوها))، فدَلَّ على أنَّهم يُحُشَرونَ مع المؤمنينَ فَيَعرِف أعيانَهم، ولو لم يكن لهم تلكَ السّيما، فمَن عَرَفَ صورته ناداه مُستصحِباً لحاله التي فارَقَه عليها في الدُّنيا، وأمَّا دخولُ أصحابِ البِدَع في ذلك فاستُبعِدَ لتعبيره في الخيرِ بقوله: ((أصحابي)) وأصحابُ البِدَع إنَّمَا حَدَثوا بعدَه. وأُجِيبَ بحَمْلِ الصُّحبة على المعنى الأعَمّ، واستُبعِدَ أيضاً أنَّه لا يقال للمسلم ولو كان مُبتَدِعاً: سُحْقاً، وأُجيبَ بأنَّه لا يمتنعُ أن يقال ذلك لمن عُلِم أنَّه قُضى عليه بالتَّعذيبِ على معصيةٍ، ثمَّ يَنجو بالشَّفاعة، فيكون قوله: سُحْقاً، تسليماً لأمرِ الله مع بقاء الرَّجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر. وقال البَيْضاويّ: ليس قوله: ((مُرتَدّينَ)) نَصّاً في كَونهم ارتَدّوا عن الإسلام، بل يُحتمل ذلك، ويُحتمل أن يُراد أنَّهم عُصاةٌ مُرتَدُّون عن الاستقامة، يُبدِّلونَ الأعمالَ الصالحةَ بالسَّيِّئَة. انتھی. وقد أخرج أبو يَعْلى (١٢٣٨) بسندٍ حسنٍ (١) عن أبي سعيد: سمعت رسول الله وَّه فذكر حديثاً، فقال: ((يا أيُّها الناسُ إنّ فَرَطُكم على الحوض، فإذا جِئْتُم قال رجلٌ: یا رسولَ الله، أنا فلانُ ابنُ فلانٍ، وقال آخرُ: أنا فلانُ ابنُ فلانٍ، فأقولُ: أمَّا النَّسَبُ فقد عَرَفْتُه، ولعلَّكم أحدثتُم بعدي وارتَدَدُم)). ولأحمد (١٥١٢١) والبزَّار(٢) نحوه من حديث جابر، وسأذكر في آخر ((باب صِفَة (١) وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) (١١١٣٨)، ولكن تحسين إسناده غير حسنٍ لما بيناه هناك مفصَّلاً، وقد وقع عند جميع من خرَّجه بلفظ: ((لكنكم))، وليس بلفظ: ((لعلكم)). (٢) كما في ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) للهيثمي (٣٤٧٩). ٣٣٩ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٧ كتاب الرقاق النار))(١) ما يحتاج إلى شرحه من ألفاظ الأحاديث التي أشرت إليها إن شاء الله تعالى. ٦٥٢٧ - حدَّثنا قيسُ بنُ حفْصٍ، حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، حدَّثنا حاتمُ بنُ أبي صَغِيرةَ، عن عبدِ الله بنِ أبي مُلَيكةً، قال: حدَّثني القاسمُ بنُّ محمَّدِ بنِ أبي بكرٍ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله ◌َّ: ((تُحْشَرونَ حُفاةً عُراةً غُرْلاً))، قالت عائشةُ رضي الله عنها: فقلتُ: يا رسولَ الله، الرِّجالُ والنِّساءُ ینظُر بعضهم إلى بعض؟ فقال: «الأمرُ أَشَدُّ من أن يُهِمَّھم ذلكَ)). الحديث الرابع: قوله: ((حدَّثنا حاتم بن أبي صَغيرة)) هو القُشَيريُّ، يُكْنی أبا يونس، وأبوه بصادٍ مُهمَلةٍ مفتوحةٍ وغَينٍ مُعجَمةٍ مكسورةٍ، وزن كبيرةٍ وضِدُّها، واسمُه مسلمٌ. قوله: ((تُحْشَرونَ حُفاةً عُراً)) كذا فيه أيضاً ليس فيه ((مُشاً))، ووَقَعَ في حديث عبد الله بن أُنيس عند أحمد (١٦٠٤٢)، والحاكم (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨) بلفظ: ((يَحِشُّرُ الله العبادَ - وأومأْ بَيَدِه نحو الشّام(٢) - عُراةً حُفاةً غُرْلاً بُهما)) - بضمِّ الموخَّدة وسكون الهاءِ - قلنا: وما بُهماً؟ قال: «لیس معهم شيءٌ». ووقَعَ عند ابن ماجه (٤٢٧٦) زيادة في أوَّل حديث عائشة من روايته عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن أبي خالد الأحمر - واسمه سليمانُ بنُ حَيّان - عن حاتم بسندِه المذكور عن عائشة: قلت: يا رسولَ الله، كيفَ يُحِشَرُ الناسُ يومَ القيامة؟ قال: «حُفاً عُراً». وقد أخرج مسلمٌ (٢٨٥٩) بسنده عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، ولم يَسُقِ المتنَ. قوله: ((فقلت: يا رسولَ الله، الرِّجالُ والنِّساءُ يَنظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟» فيه أنَّ النِّساءَ يَدخُلْنَ في الضَّمير المذَكَّرِّ الآتي بالواو، وكأنَّه بالتَّغليبِ، كما في قولها: بعضُهم. (١) بل في ((باب في الحوض)) (٦٥٧٥) وما بعده. (٢) عبارة: ((وأومأ بيده نحو الشام)) لم ترد في رواية أحمد والحاكم، ولكنها وردت في رواية الطبراني (١٤٩١٤)، وابن عبد البر في ((التمهيد)» ٢٣٢/٢٣. ٣٤٠ باب ٤٥ / ح ٦٥٢٧ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ في رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة المذكورة بعد قوله: ((حُفاةً عُراةً)): قلت: والنِّساء؟ قال: ((والنِّساء)). قوله: ((قال: الأمرُ أشَدُّ من أن يُهمَّهم ذلك)) بضمٌّ أوَّله وكسر الهاءِ من الرُّباعيّ، يقال: أهمّه الأمرُ، وجَوَّزَ ابن النِّين فتحَ أوَّله وضمَّ ثانيه من هَّه الشَّيُ إذا آذاه، والأوَّلُ أَوْلِى. ووَقَعَ في رواية يحيى بن سعيد عن حاتم عند مسلم: قال: ((يا عائشُ، الأمرُ أشدُّ من أن يَنظُرَ بعضُهم إلى بعضٍ)). وفي رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة: قلت: يا رسولَ الله، فما نَستَحْيِي؟ قال: ((يا عائشةُ، ٣٨٧/١١ الأمرُ أهمُّ من أن يَنظُرَ بعضُهم إلى بعضٍ))،/ وللنَّسائيِّ (٢٠٨٣) والحاكم (٤/ ٥٦٥) من طريق الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة: قلت: يا رسول الله، فكيف بالعَوْرات؟ قال: ﴿لِكُلِّ آمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغْنِهِ﴾. ولِلِّمِذيِّ(١) والحاكم (٤/ ٥٦٥) من طريق عثمان بن عبد الرَّحمن القُرَظيّ: قرأت عائشةُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُؤَدَىْ كُمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] فقالت: واسَوْأتاهْ! الرِّجالُ والنِّساءُ يُحِشَرونَ جميعاً يَنظُرُ بعضُهم إلى سَوْأة بعضٍ؟ فقال: ﴿لِكُلِّ آْرٍِ ... ﴾ الآيةَ [عبس: ٣٧]، وزادَ: ((لا يَنظُرُ الرِّجالُ إلى النِّساءِ ولا النِّساءُ إلى الرِّجال، شُغِلَ بعضُهم عن بعضٍ)». ولابنِ أبي الدُّنيا (٢) من حديث أنس قال: سألت عائشةُ النبيَّ وَّةِ، كيف يُحْشَرُ النساء(٣)؟ قال: ((حُفاةً عُراةً))، قالت: واسَوأتاهُ، قال: ((قد نزلت عليَّ آيَةٌ لا يَضُرُّك كان عليك ثياب أو لا: ﴿لِكُلِّ امْرِيٍ﴾ الآيَةَ)). (١) كذا عزاه الحافظ للترمذي، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، فليس الحديث عند الترمذي، ولم يذكره صاحب (تحفة الأشراف))، وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) عند تفسير الآية المذكورة، وعزاه لابن أبي حاتم والحاكم. لكن أخرجه الترمذي بنحو اللفظ المذكور والآية المذكورة من حديث ابن عباس، إلّا أنه جاء فيه: فقالت امرأةٌ، وكأن الحافظ أراد أن يقول: وللترمذي من حديث ابن عباس، والحاكم من طريق عثمان بن عبد الرحمن ... فسقط ذكر ابن عباس من قلمه سهواً، والله أعلم. (٢) في ((الأهوال)) (٢٣١). (٣) تحرَّف في (س) إلى: الناس.