Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب ١٤ / ح ٦٤٤٤
كتاب الرقاق
الدَّرداء مُرسَل، فساقَه إلى آخره.
ورواية عطاء بن يَسَار التي أشارَ إليها أخرجها النَّسائيُّ (ك١١٤٩٦) من رواية محمَّد
ابن أبي حَرمَلة عن عطاء بن يسار عن أبي الدَّرداء: أنَّه سمعَ النبيَّ ◌َّل وهو يَقُصّ على
الِنْبَرَ يقول: ((﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّثَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٦])) فقلت: وإن زَنَى وإن سَرَقَ یا
رسول الله؟ قال: ((وإن زَنَى وإن سَرَقَ))، فأعَدتُ فأعادَ، فقال في الثّالثة: قال: ((نعم،
وإن رَغِمَ أنفُ أبي الدَّرداء))، وقد وَقَعَ التَّصريح بسماع عطاء بن يسار له من أبي الدَّرداء
في رواية ابن أبي حاتم في «التَّفسير))، والطبرانيّ في ((المعجم))، والبيهقيِّ في (البعث))(١)
(٢٨)، قال البيهقيُّ: حديث أبي الدَّرداء هذا غير حديث أبي ذرٍّ، وإن كان فيه بعضُ
معناه.
قلت: وهما قِصَّتان مُتَغايِرَتان، وإن اشتَرَكتا في المعنى الأخير وهو سؤال الصحابيّ
بقوله: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ واشتَرَكتا أيضاً في قوله: ((وإن رَغِمَ))، ومن المغايرة بينهما أيضاً
وقوع المراجَعة المذكورة بين النبيّ وَّه وجِبْريل في رواية أبي ذرِّ دونَ أبي الدَّرداء.
وله عن أبي الدَّرداء طرق أُخرى، منها للنَّسائيِّ (ك١١٤٩٧) من رواية محمَّد بن سعد
ابن أبي وقّاص عن أبي الدَّرداء، نحو رواية عطاء بن يسار.
ومنها للطَّبَرانيِّ من طريق أمّ الدَّرداء عن أبي الدَّرداء رَفَعَه بلفظ: ((مَن قال: لا إله إلّ الله
دَخَلَ الجنَّة))، فقال أبو الدَّرداء: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ فقال النبيّ ◌َّهِ: ((وإن زَنَى وإن
سَرَّقَ، على رَغْم أنفِ أبي الدَّرداء))، ومن طريق أبي مريم عن أبي الدَّرداء نحوه، ومن طريق
كعب بن ذُهْلِ: سمعتُ أبا الدَّرداء رَفَعَه: ((أتاني آتٍ من رَبّ فقال: / ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ ٢٦٨/١١
يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]))، فقلت: يا رسول الله،
وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ قال: ((نعم)) ثمَّ ثَلَّثتُ، فقال: ((على رَغْم أَنفِ عُوَيمِر)) فَرَدَّدَها، قال:
(١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: الشعب، وليس هو في ((شعب الإيمان)) للبيهقي وإنما في ((البعث والنشور))
له. وهذا الحديث غير موجود في القسم المطبوع من ((تفسير ابن أبي حاتم)) و((معجم الطبراني الكبير)).

٨٢
باب ١٤ / ح ٦٤٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
فأنا رأيت أبا الدَّرداء يَضرِب أنفه بإصبعِه(١).
ومنها لأحمد (٢٧٤٩١) من طريق واهب بن عبد الله المَعَافِريّ عن أبي الدَّرداء رَفَعَه:
((مَن قال: لا إله إلّا الله وحده لا شَرِيك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير،
دَخَلَ الجنَّة)) قلت: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ قال: ((وإن زَنَى وإن سَرَّقَ)). قلت: وإن زَنَى وإن
سَرَقَ؟ قال: ((وإن زَنَى وإن سَرَقَ، على رَغْم أنفِ أبي الدَّرداء))، قال: فخرجت لأُناديَ بها
في الناس، فَلَقِيَني عمرُ فقال: ارجِعْ، فإنَّ الناس إن يعلموا بهذا اتَّكَلوا عليها، فرجعتُ فأخبَرتُ
النبيّ وََّ، فقال: ((صَدَقَ عمر)).
قلت: وقد وَقَعَت هذه الزّيادة الأخيرة لأبي هريرة، ويأتي بَسطُ ذلك في ((باب مَن جاهَدَ
[نفسه] في طاعة الله تعالى)) قريباً (٦٥٠٠).
الحديث الثاني:
٦٤٤٥ - حدَّثني أحمدُ بنُ شَبِيبٍ، حدَّثنا أَبي، عن يونُسَ. وقال اللَّيْثُ: حذَّثني يونسُ، عن
ابنِ شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُثْبَةَ، قال أبو هريرةَ عُه: قال رسولُ الله وَّ: ((لو
كان لي مِثلُ أُحُدٍ ذهباً، لَسَرَّني أن لا تَمُرَّ عليَّ ثلاثُ لَيَالٍ وعندي منه شيءٌ، إلّا شيئاً أَرصِدُه
لدینٍ».
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن شبيب)) بفتح المعجَمة وموخَّدتَينِ مثل حبيب: وهو الحَبَطَيّ بفتح
المهمَلة والموخَّدة ثمَّ الطاء المهمَلة: نِسبة إلى الحَبَطات من بني تميم، وهو بصريّ صَدُوق، ضَعَّفَه
ابن عبد البَرِّ تَبَعاً لأبي الفتح الأزديّ، والأزديّ غیر مرضٍّ فلا ◌ُتبع في ذلك، وأبوه يُكْنی أبا
سعيد، روى عنه ابنُ وهب وهو من أقرانه، ووثّقه ابن المَدِينيّ.
قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس)) هذا التَّعليق وَصَلَه الذُّهْلِيُّ في («الزُّهْرِيّات)) عن
(١) هو من طريق أم الدرداء عند الطبراني أيضاً في ((المعجم الأوسط)) (٢٩٣٢)، ومن طريق كعب بن ذهل
عنده أيضاً في ((الدعاء)) (١٧٨٦)، وأما طريق أبي مريم عن أبي الدرداء فأخرجه أيضاً الطحاوي في ((شرح
مشكل الآثار)) (٤٠٠٢).

٨٣
باب ١٤ / ح ٦٤٤٥
كتاب الرقاق
عبد الله بن صالح عن اللَّيث، وأراد البخاريّ بإيرادِه تقويةَ رواية أحمد بن شَبيب، ويونسُ:
هو ابن یزید.
قوله: (لو كان لي)) زاد في رواية الأعرج عن أبي هريرة عند أحمد (١٠٨٥٤) في أوَّله:
((والذي نفسي بيده))، وعنده (٨١٩٥) في رواية همَّام عن أبي هريرة: ((والذي نفسُ محمَّد
بیکە».
قوله: ((مِثْلُ أُحُد ذهباً)» في رواية الأعرَج: (لو أنَّ أُحُدَكم(١) عندي ذهباً».
قوله: ((ما يَسُرُّني أن لا نمَّ عليَّ ثلاث لَيالٍ وعندي منه شيء إلّا شيئاً أُرصِدُه لدَينٍ)) في
رواية الأعرَج: ((إلّا أن يكون شيء أُرصِده في دَين عليَّ))، وفي رواية همَّام: ((وعندي منه
دينار أجِدُ مَن يقبله، ليس شيئاً أُرصدُه في دَينٍ عليّ)).
قال ابن مالك: في هذا الحديث وقوع التمييز (٢) بعد المِثْل، وجوابٍ ((لو)) مُضارعاً مَنفيّاً
بـ((ما))، وحَقُّ جوابها أن يكون ماضياً مُثبتاً، نحو: لو قامَ لَقُمت، أو منفيّاً(٣) بلَمْ نحو: لو
قامَ لم أُقُم، والجواب من وجهين:
أحدهما: أن يكون وضع المضارع موضعَ الماضي الواقع جواباً، كما وَقَعَ موضعَه وهو
شرطٌ في قوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنْتُمْ﴾ [الحجرات: ٧].
ثانيهما: أن يكون الأصل: ما كان يَسُرُّني، فحذف ((كان)) وهو جواب [لو]، وفيه
ضمير وهو الاسم، و((يَسُرُّني)) خَبَرَ، وحذفُ كان مع اسمها وبقاء خَبَرَها كثيرٌ نظماً ونثراً،
ومنه: ((المرء تَجَزِيٌّ بعَمَلِهِ، إن خيراً فخيرٌ، وإِن شَرّاً فشَرّ))، قال: وأشبه شيء بحذفِ ((كان))
قبل (يَسُرُّني)) حذفُ ((جَعَلَ)) قبل ((يُجادِلنا)) في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِزَهِيَمَ الرَّوْعُ وَجَآءَتُهُ
(١) الذي في نسخنا من ((مسند أحمد)) (١٠٨٥٤): ((لو أنَّ أُحداً ذاكم)).
(٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: التمني، وانظر هذا المبحث في كتاب ابن مالك ((التوضيح والتصحيح))
ص٧٠.
(٣) كلمة ((منفيّاً)) أثبتناها من (ع).

٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
اُلْبُشْرَى يُجَدِلْنَا﴾ [هود:٧٤]، أي: جَعَلَ يُجَادِلُنا، والوجه الأوَّل أَولى.
وفيه أيضاً وقوعُ ((لا)) بين ((أن)) و((تَمُرَّ)) وهي زائدة، والمعنى: ما يَسُرُّني أن تَمُرَّ.
وقال الطِّييُّ: قوله: ((ما يَسُرُّني)) هو جواب ((لو)) الامتناعيَّة، فيفيد أنَّه لم يَسُرَّه المذكور
بعدَه لأنَّه لم يكن عنده مِثلُ أُحُدٍ ذهباً، وفيه نوع مُبالَغة لأنَّه إذا لم يَسُرَّه كَثْرةُ ما يُنفقه،
فكيف ما لا ينفقه؟ قال: وفي النَّقييد بالثلاثة تتميم ومُبالَغة في سُرعة الإنفاق، فلا تكون
((لا)) زائدة كما قال ابن مالك، بل النَّفي فيها على حاله.
قلت: ويُؤيِّد قولَ ابن مالك الرِّوايةُ الماضية قبلُ في حديث أبي ذرّ بلفظ: (( ما يَسْؤُني أنَّ
عندي مِثْلَ أُحُدٍ ذهباً تمضي عليَّ ثالثة)).
وفي حديث الباب من الفوائد: أدبُ أبي ذرٍّ مع النبيّ ◌َّهِ، وتَرَقَبُه أحواله، وشَفَقَته عليه
حتَّى لا يَدخُل عليه أدنَى شيء مما يَتأذَّى به.
وفيه حُسنُ الأدب مع الأكابِرِ، وأنَّ الصَّغير إذا رأى الكبير مُنفَرِداً لا يَتَسَوَّر عليه، ولا
يَجلِس معه ولا يُلازِمُه إلّا بإذنٍ منه، وهذا بخلاف ما إذا كان في مَجمَع كالمسجد والسّوق،
٢٦٩/١١ فیکون جلوسه معه بحَسَبِ/ ما يليق به.
وفيه جواز تَكنِیة المرء نفسه لغرضٍ صحیح، کأن یکون أشھَرَ من اسمه، ولا سيّما إن
كان اسمُه مُشتَرِكاً بغيره وكُنْيته فَرَدة.
وفيه جواز تفدية الصَّغير الكبيرَ بنفسِه وبغيرها، والجواب بمِثل: لَبَّكَ وسعديك،
زیادةً في الأدب.
وفيه الانفرادُ عند قضاء الحاجة.
وفيه أنَّ امتثال أمر الکبیر والوقوف عنده أولی من ارتكاب ما يحالفه بالرّأي، ولو كان
فيما يقتضيه الرَّأيُ تَوهُمُ دفع مَفسَدة، حتَّى يَتَحقَّق ذلك فيكون دفع المفسدة أولى.
وفيه استفهام التابع من متبوعه على ما يُحِصِّل له فائدة دينيّة أو عِلميّة أو غير ذلك.
وفيه الأخذُ بالقَرائن، لأنَّ أبا ذرِّ لمَّا قال له النبيّ وَِّ: ((أَتْبِصِرُ أُحُداً؟)) فَهِمَ منه أنَّه

٨٥
باب ١٤ / ح ٦٤٤٥
كتاب الرقاق
يريد أن يُرسِله في حاجة، فنَظَرَ إلى ما على أُحُدٍ من الشمس ليعلم هل يبقى من النَّهار قدرٌ
يَسعُها؟
وفيه أنَّ مَحَلَّ الأخذ بالقَرِينة إن كان في اللَّفظ ما يُخْصِّصُ ذلك، فإنَّ الأمر وَقَعَ على
خِلاف ما فَهِمَه أبو ذَرٍّ من القَرِينة، فيُؤخَذ منه أنَّ بعض القرائن لا يكون دالًّا على المراد
وذلك لضعفِه.
وفيه المراجَعة في العلم بما تَقرَّرَ عند الطالب في مُقابلة ما يسمعه ممَّا يخالف ذلك، لأنَّه
تَقرَّرَ عند أبي ذرٍّ من الآيات والآثار الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار وبالعذاب، فلمَّا
سمعَ أنَّ مَن ماتَ لا يُشِرِكُ دَخَلَ الجنَّة، استَفْهَمَ عن ذلك بقوله: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟
واقتَصَرَ على هاتَينِ الكبيرتَينِ لأنَّهما كالمِثِالَينِ فيما يَتَعلَّقِ بحَقِّ الله وحَقّ العباد، وأمَّا قوله في
الرّواية الأُخرى: ((وإن شَرِبَ الخمرَ)) فالإشارةُ إلى فُحْش تلكَ الكبيرة، لأنَّهَا تُؤَدّي إلى
خَلَل العقل الذي شَرُفَ به الإنسان على البهائم، وبوقوع الخَلَل فيه قد يزول التَّوقّي الذي
يحجز عن ارتكاب بقيَّة الكبائر.
وفيه أنَّ الطالب إذا أَحَّ في المراجَعة يُزْجَرُ بما يَلِيق به، أخذاً من قوله: ((وإن رَغِمَ أنفُ
أبي ذرِّ))، وقد ◌َلَه البخاريّ كما مضى في اللِّباس (٥٨٢٧) على مَن تابَ عند الموت، وحَمَلَه
غيرُه على أنَّ المراد بدخولِ الجنَّة أعَمُّ من أن يكون ابتداءً، أو بعد المجازاة على المعصية،
والأوَّل هو وَفْق ما فهمَه أبو ذَرّ، والثّاني أولى للجمع بين الأدلّة، ففي الحديث حُجّة لأهل
السُّنّة، ورَدٌّ على مَن زَعَمَ من الخوارج والمعتَزِلة: أنَّ صاحب الكبيرة إذا ماتَ عن غير توبةٍ
يُخْلَّد في النار، لكن في الاستدلال به لذلك نظر، لما مرَّ من سياق كعب بن ذُهلٍ عن أبي
الدَّرداء أنَّ ذلك في حَقّ مَن عَمِلَ سوءاً أو ظَلَمَ نفسه ثمَّ استَغفَرَ، وسندُه جيِّد عند
الطبرانيّ(١).
وَلَه بعضُهم على ظاهره، وخَصَّ به هذه الأُمَّ لقولِه فيه: ((بَشِّر أمَّتك)) و((أَنَّ مَن ماتَ
(١) وهي عنده في ((الدعاء)) أيضاً برقم (١٧٨٦).
٦

٨٦
باب ١٤ / ح ٦٤٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
من أمَّتي))(١)، وتُعقّبَ بالأخبار الصَّحيحة الواردة في أنَّ بعض عُصاة هذه الأُمّة يُعذَّبونَ،
ففي ((صحيح مسلم)) (٢٥٨١) عن أبي هريرة: ((المفلِس من أمَّتي)) الحديث.
وفيه تَعقُّبٌ على مَن تأوَّلَ في الأحاديث الواردة في أنَّ: ((مَن شَهِدَ أنَّ لا إله إلّا الله دَخَلَ
الجنَّة))، وفي بعضِها: ((حُرِّمَ على النار))(٢) أنَّ ذلك كان قبل نزول الفرائض والأمر والنَّهي،
وهو مَرويّ عن سعيد بن المسيّب والزُّهْريّ، ووجه التَّعقُّبِ ذِكرُ الزِّنى والسَّرِقة فيه فذُكِرَ
على خِلَاف هذا التَّأويل، وحَمَلَه الحسنُ البصريّ على مَن قال هذه الكلمة وأدَّى حَقَّها بأداءِ
ما وَجَبَ واجتنابٍ ما نُهي، ورَجَّحَه الطِّييُّ، إلّا أنَّ هذا الحديث تخدش فيه.
وأشكَلُ الأحاديث وأصعَبُها قولُه: ((لا يَلقَى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكٌّ فيهما، إلّا دَخَلَ
الجنَّة)) وفي آخره: ((وإن زَنَى وإن سَرَقَ))(٣).
وقيل: أشكَلُها حديث أبي هريرة(٤) عند مسلم بلفظ: ((ما مِن عبد يَشهَد أن لا إله إلّ الله
وأنَّ محمَّداً رسول الله، إلّا حَرَّمَه الله على النار))، لأَنَّه أتى فيه بأداة الحَصْر و((مِن)) الاستغراقيَّةَ،
وصَرَّحَ بتحريم النار، بخلاف قوله: ((دَخَلَ الجِنَّة)) فإنَّه لا يَنفي دخول النار أوَّلاً، قال
الطِّييُّ: لكنَّ الأوَّل يَترجَّح بقوله: ((وإن زَنَى وإن سَرَقَ)) لأنَّه شرط لمُجرَّدِ التَّأكيد، ولا
سيَّما وقد كَرَّرَه ثلاثاً مُبالَغة وخَتَمَ بقوله: ((وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرِّ)) تتميماً للمُبالَغة، والحديث
٢٧٠/١١ الآخرُ مُطلَقٌ يقبل النَّقييد فلا يُقاوِمُ قوله: ((وإن زَنَى وإن سَرَقَ))./
وقال النَّوويّ بعد أن ذكر المتون في ذلك والاختلاف في هذا الحُكم: مذهبُ أهل
السُّنّة بأجمَعِهم أنَّ أهل الذُّنوب في المَشِيئة، وأنَّ مَن ماتَ مُوقِناً بالشَّهادتَينِ يَدخُل الجنَّة،
(١) انظر الروايتين السابقتين (٦٤٤٣) و(٦٤٤٤).
(٢) انظر ما سلف برقم (٤٢٥) و(٣٤٣٥).
(٣) أخرجه مسلم (٢٧) وغيره من حديث أبي هريرة، لكن ليس في آخره عنده ولا عند غيره: و((إن زنى وإن
سرق))، وانظر تمام تخريجه في «مسند أحمد)) (٩٤٦٦).
(٤) كذا قال الحافظ، ولعله سبق قلم منه، فإنَّ هذا حديث أنس بن مالك، وهو عند البخاري (١٢٨)
ومسلم (٣٢)، وليس من أفراد مسلم.

٨٧
باب ١٤ / ح ٦٤٤٥
كتاب الرقاق
فإن كان دَيِّناً سَليماً(١) من المعاصي، دَخَلَ الجنَّة برحمة الله وحُرِّمَ على النار، وإن كان من
المخلِّطينَ بتضييع الأوامر أو بعضِها، وارتكاب النَّواهي أو بعضها، وماتَ عن غير توبة،
فهو في خَطَر المشيئة، وهو بصَدَدِ أن يمضي عليه الوعيد إلّا أن يشاء الله أن يَعفُوَ عنه، فإن
شاءَ أن يُعذِّبَه فمَصيرُه إلى الجنَّة بالشَّفاعة، انتهى.
وعلى هذا فتقييد اللَّفظ الأوَّل تقديره: وإن زَنَى وإن سَرَقَ دَخَلَ الجنَّة، لكنَّه قبل ذلك
إن ماتَ مُصِرّاً على المعصية في مَشِيئة الله، وتقدير الثّاني: حَرَّمَه الله على النار إلّا أن يشاء الله،
أو حَرَّمَه على نار الخُلود، والله أعلم.
قال الطِّييُّ: قال بعض المحَقِّقينَ: قد يَتَّخذُ أمثالَ هذه الأحاديث المبطِلةُ ذريعةً إلى
طَرْح التَّكاليف وإبطال العمل، ظنّاً أنَّ تركَ الشِّرك كافٍ، وهذا يَستَلِزِم طَيَّ بساط
الشَّريعة وإبطال الحدود، وأنَّ التَّرغيب في الطاعة والتَّحذير عن المعصية لا تأثير له، بل
يقتضي الانخِلاعَ عن الدِّين والانحلالَ عن قَيْد الشَّريعة، والخروجَ عن الضَّبط والوُلوجَ
في الخَبْطِ، وتَرْكَ الناسِ سُدَى مُهمَلِينَ، وذلك يُفضي إلى خراب الدُّنيا بعد أن يُفضيَ إلى
خراب الأُخرى، مع أنَّ قوله في بعض طرق الحديث: ((أن يَعْبُدُوه)(٢) يَتَضَمَّن جميع أنواع
التَّكاليف الشَّرعيَّة، وقوله: ((ولا يُشرِكوا به شيئاً)) يَشمَل مُسمَّى الشِّرك الجليِّ والخفيّ، فلا
راحة للتَّمَسُّكِ به في تَركِ العمل، لأنَّ الأحاديث إذا ثَبَتَتِ وَجَبَ ضَمُّ بعضها إلى بعضٍ،
فإنَّهَا في حُكم الحديث الواحد، فيُحمَلُ مُطلَقُها على مُقَيَّدها ليَحصُلَ العملُ بجميع ما في
مضمونها، وبالله التَّوفیق.
وفيه جوازُ الخَلِفِ بغير تحليف، ويُستَحَبّ إذا كان لمَصلَحةٍ كتأكيدِ أمرٍ مُهمٍّ وتحقيقه
ونفي المجاز عنه. وفي قوله في بعض طرقه: ((والذي نفسُ محمَّد بَيَدِه)) تعبير الإنسان عن
نفسه باسمِه دونَ ضميره، وقد ثَبَتَ بالضَّمير في الطَّريق الأُخرى: ((والذي نفسي بیَدِه))،
(١) هكذا في (أ)، وفي (ع) و(س): ديّناً أو سليماً، وما في (أ) أوجهُ.
(٢) هذا في حديث معاذ بن جبل، وقد سلف عند البخاري برقم (٢٨٥٦).

٨٨
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الأوَّل نوع تجريد، وفي الخَلِف بذلك زيادة في التَّأكيد، لأنَّ الإنسان إذا استَحضَرَ أنَّ
نفسه - وهي أعَزّ الأشياء عليه - بيدِ الله تعالى يَتَصَرَّف فيها كيف يشاء، استَشعَرَ الخوف
منه فارتَدَعَ عن الحَلِفِ على ما لا يَتَحقَّقِهِ، ومن ثَمَّ شُرِعَ تغليظُ الأيمان بذِكْرِ الصِّفات
الإلهيّة، ولا سيّما صفاتِ الجَلَال.
وفيه الحثّ على الإنفاق في وجوه الخير، وأنَّ النبيَّ وَّ كان في أعلى دَرَجات الزُّهد في
الدُّنيا، بحيثُ إِنَّه لا يُحِبّ أن يبقى بيَدِه شيء من الدُّنيا إلّا لإنفاقه فيمَن يَستَحِقّه، وإمّا
لإرصادِه لمن له حَقّ، وإمّا لتَعذُّرِ مَن يَقبَل ذلك منه، لتقييدِه في رواية همَّام عن أبي هريرة
الآتية في كتاب التمنِّي (٧٢٢٨) بقوله: ((أجِدُ مَن يَقبَلُه))، ومنه يُؤخَذ جواز تأخير الزكاة
الواجبة عن الإعطاء إذا لم يُوجَد مَن يَستَحِقّ أخذَها، وينبغي لمن وَقَعَ له ذلك أن يَفرِزَ
القَدْر الواجب من ماله ويَحْتَهِد في حصول مَن يأخُذه، فإن لم يَجِدْ فلا حَرَجَ عليه ولا يُنْسَب
إلى تقصير في حبسِه.
وفيه تقديمُ وفاء الدَّين على صَدَقة التطوُّع.
وفيه جواز الاستقراض، وقَيَّدَه ابن بَطّال باليسير أخذاً من قوله وَطِّ: ((إلّا ديناراً)) قال:
ولو كان عليه أكثرُ من ذلك لم يُرصِدْ لأدائه ديناراً واحداً، لأنَّه كان أحسنَ الناس قضاء،
قال: ويُؤخَذ من هذا أنَّه لا ينبغي الاستغراق في الدَّين، بحيثُ لا يَجِدُ له وفاءً فيَعجِز عن
أدائه. وتُعقّبَ بأنَّ الذي فَهِمَه من لفظ الدّينار من الوَحْدة ليس كما فهمَ، بل إنَّما المراد به
الجِنس، وأمَّا قوله في الرّواية الأُخرى: ((ثلاثة دنانير)) فليستِ الثلاثة فيه للتَّقليل، بل
للمِثال أو لضَرُورة الواقع، وقد قيل: إنَّ المراد بالثلاثة أنَّها كانت كِفايتَه فيما يحتاج إلى
إخراجه في ذلك اليوم، وقيل: بل هي دينار للدَّين كما في الرِّواية الأُخرى، ودينار للإنفاق
على الأهل، ودينار للإنفاق على الضَّيف، ثمَّ المراد بدينار الدَّينِ الجِنسُ، ويُؤيِّده تعبيره في
٢٧١/١١ أكثر الطّرق بالشَيءٍ على الإبهام، فيتناول القليل والكثير./
وفي الحديث أيضاً الحثُّ على وفاء الدُّيون وأداء الأمانات، وجواز استعمال ((لو)) عند تَمنّي

٨٩
كتاب الرقاق
الخير، وتخصيص الحديث الوارد في النهي(١) عن استعمال (لو)) على ما يكون في أمرٍ غير
محمود شَرعاً.
وادَّعَى المهلَّب أنَّ قوله في رواية الأحتَف عن أبي ذرٍّ: ((أَتْبِصِر أُحُداً؟)) قال: فنَظَرتُ ما
عليه من الشمس ... الحديث(٢)، أنَّه ذُكِرَ لِلتَّمثيلِ في تعجيل إخراج الزكاة، وأنَّ المراد: ما
أُحِبُّ أن أحبِسَ ما أَوجَبَ الله عليَّ إخراجه بقدرِ ما بَقِيَ من النَّهار، وتَعقَّبَه عِيَاض فقال:
هو بعيدٌ في التَّأويل، وإنَّما السِّياق بيِّنٌ فِي أَنَّه وَِّ أراد أن يُنْبِّهَه على عِظَمِ أُحُدٍ، ليَضرِبَ به
المثَل في أنَّه لو كان قَدرُه ذهباً ما أحبَّ أن يُؤَخَّرَ عنده إلّا لما ذكر من الإنفاق والإرصاد،
فظنَّ أبو ذرِّ أنَّه يريد أن يبعثه في حاجة، ولم يكن ذاك مُراداً إذ ذاكَ كما تقدَّم.
وقال القُرطُبيّ: إنَّمَا اسْتَفْهَمَه عن رُؤْيَته ليَستَحِضِرِ قَدْرَه، حتَّى يُشَبِّهَ له ما أراد بقوله:
((إنَّ لي مِثْلَه ذهباً».
وقال عِيَاض: قد يَحَتَجُّ به مَن يُفضِّلُ الفقرَ على الغِنَى، وقد يَحَتَجُّ به مَن يُفضِّلُ الغِنَى
على الفقر، ومَأخَذ كلٍّ منهما واضح من سياق الخبر.
وفيه الحضُّ على إنفاق المال في الحياة وفي الصِّحّة وترجيحُه على إنفاقه عند الموت، وقد
مضى فيه حديث: ((أن تَصَدَّقَ وأنتَ صحيح شَحِيح)) (١٤١٩)، وذلك أنَّ كثيراً من الأغنياء
يَشِجُّ بإخراج ما عندَه ما دامَ في عافية، فيأمُّلِ البَقَاءَ ويَحْشَى الفقر، فمَن خالَفَ شيطانه وقَهَرَ
نفسه إيثاراً لثوابِ الآخرة فازَ، ومَن بَخِلَ بذلك لم يَأْمَن الجَوْرَ في الوصيّة، وإن سَلمَ لم يأمَن
تأخيرَ تنجيز ما أوصى به أو تركَه أو غيرَ ذلك من الآفات، ولا سيّما إن خَلَّفَ وارثاً غير موفَّق،
فيُبِذِّره في أسرع وقت ويبقى وَبَالُه على الذي جمعه، والله المستعان.
١٥ - بابٌ الغِنی غِنى النّفْس
وقال الله تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ، مِن قَالٍ وَبَنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ
(١) قوله: ((في النهي)) سقط من (أ) و(س).
(٢) سلف برقم (١٤٠٨).

٩٠
باب ١٥ / ح ٦٤٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
لَهَا عَمِلُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥-
قال ابنُ عُيَينَةَ: لم يَعمَلوها، لا بُدَّ من أن يَعمَلوها.
٦٤٤٦ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا أبو بكرٍ، حدَّثنا أبو حَصِينٍ، عن أبي صالحٍ، عن
أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ قال: ((ليس الغِنَى عن كَثْرةِ العَرَضِ، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ».
قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوين ((الغِنَى غِنَى النَّفْس)) أي: سواء كان المتَّصِفُ بذلك قليل المال
أو كثيره، والغِنَى بكسر أوَّله مقصور، وقد مُدَّ في ضَرُورة الشِّعر، وبفتح أوَّله مع المدّ:
هو الكفاية.
قوله: ((وقال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ لَهَا
عَمِلُونَ﴾)) في رواية أبي ذرٍّ: ((إلى ﴿عَمِلُونَ﴾)) وهذه رأس الآية التاسعة من ابتداء الآية المبدَأ
بها هنا، والآيات التي بين الأولى والثّانية وبين الأخيرة والتي قبلها اعتُرضَت في وصف
المؤمنينَ، والضَّمير في قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [المؤمنون: ٦٣] للمذكورينَ في
قوله: ﴿ نُمِذُّهُ﴾ والمراد به مَن ذُكِرَ قبل ذلك في قوله: ﴿ فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبَُّ ﴾
[المؤمنون: ٥٣]، والمعنى: أيَظُنّونَ أنَّ المال الذي نَرزقهم إيّاه لكَرامَتِهِم علينا؟ إن ظنّوا ذلك
أخطؤوا، بل هو استدراج كما قال تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِ لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ
إِنَّمَا ثُمْلِيٍ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، والإشارة في قوله: ﴿بَلَّ قُلُوبُهُمْ فِ غَْرَقِمِنْ
هَذَا﴾ أي: من الاستدراج المذكور.
وأمَّا قوله: ﴿وَهُمْ أَعْمَلُ مِّن دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣] فالمراد به ما
يَستَقِلونَ من الأعمال من كفر أو إيمان، وإلى ذلك أشارَ ابن عُيَينةَ في تفسيره بقوله: لم
يعملوها لا بدَّ أن يعملوها، وقد سَبَقَه إلى مثل ذلك أيضاً السُّدِّيّ وجماعة، فقالوا: المعنى:
كُتِبَت عليهم أعمالٌ سَيِّئَة لا بدَّ أن يعملوها قبل موتهم لتَحِقَّ عليهم كلمة العذاب.
ثَّ مُناسَبة الآية للحديثِ / أنَّ خيريَّة المال ليست لذاته، بل بحَسَبِ ما يَتَعلَّق به، وإن كان
يُسمَّى خيراً في الجملة، وكذلك صاحبُ المال الكثير ليس غَنّاً لذاته، بل بحَسَبِ تَصَرُّفه فيه،
٢٧٢/١١

٩١
باب ١٥/ ح ٦٤٤٦
كتاب الرقاق
فإن كان في نفسه غَنّاً، لم يَتَوقَّف في صَرْفه في الواجبات والمستَحَبّات من وجوه البِرّ
والقُرُبات، وإن كان في نفسه فقيراً، أمسَكَه وامتَنَعَ من بَذْله فيما أُمِرَ به خَشْيَةً من نَفَاده، فهو
في الحقيقة فقير صورةً ومعنَى وإن كان المال تحت يده، لكَونِهِ لا يَنْتَفِعُ به لا في الدُّنيا ولا في
الأُخرى، بل ◌ُبَّما كان وبالاً عليه.
قوله: ((حدَّثنا أبو بَكْر)) هو ابن عيَّاش، بمُهمَلٍ وتحتائيَّة ثمَّ مُعجَمة، وهو القارئ
المشهور، وأبو حَصِين بفتح أوَّله: اسمه عثمان. والإسناد كلّه كوفيّونَ إلى أبي هريرة.
قوله: ((عن كَثْرَة العَرَض)) بفتح المهمَلة والرّاء ثمَّ ضاد مُعجَمة، أمَّا ((عن)) فهي سبيَّة،
وأمَّا ((العَرَض)) فهو ما يُنتَفَع به من مَتَاعِ الدُّنيا، ويُطلَق بالاشتراكِ على ما يُقابِل الجوهر،
وعلى كلّ ما يَعرِضُ للشَّخص من مرض ونحوه.
وقال أبو عبد الملِك البُوْنيّ فيما نَقَلَه ابن التِّين عنه، قال: اَّصَلَ بي عن شيخ من شيوخ
القَيْروان أنَّه قال: العَرَض - بتحريكِ الرَّاء -: الواحد من العروض التي يُتَّجَر فيها، قال:
وهو خطأ، فقد قال الله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا اٌلْأَدْنَ ﴾ [الأعراف: ١٦٩] ولا خِلافَ بين
أهل اللُّغة في أنَّه ما يَعِرِض فيه، وليس هو أحد العُروض التي يُتَّجَر فيها، بل واحدُها
عَرْضٌ بالإسكان: وهو ما سوى النَّقدَين.
وقال أبو عُبيد: العُروض: الأمتِعة، وهي ما سوى الحيوان والعقار وما لا يَدخُلە کیْل ولا
وزن، وهكذا حكاه عِيَاض وغيره. وقال ابن فارس: العَرْض بالسُّكون: كلّ ما كان من المال
غير نقدٍ وجمعه: عُروض، وأمَّا بالفتح: فما يصيبه الإنسان من حَظّه في الدُّنيا، قال تعالى:
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] وقال: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
قوله: ((إنَّما الغِنَى غِنَى النَّفْس)) في رواية الأعرج عن أبي هريرة عند أحمد (٧٣١٦) وسعيد بن
منصور وغيرهما: ((إنَّما الغِنَى فِي النَّفْس))(١)، وأصله في مسلم (١٠٥١)، ولابنِ حِبّان (٦٨٥) من
(١) الذي في النسخ المطبوعة من ((مسند أحمد)): ((الغنى غنى النفس))، وهذا الحديث ليس في القسم المطبوع من
((سنن سعيد بن منصور)).

٩٢
باب ١٥ / ح ٦٤٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
حديث أبي ذرٍّ: قال لي رسول الله وَ الَ: ((يا أبا ذرٍّ، أترَى كَثْرة المال هو الغِنَى؟)) قلت: نعم،
قال: ((وتَرَى قِلّةَ المال هو الفقر؟)) قلت: نعم يا رسول الله، قال: ((إنَّما الغِنَى غِنَى القلب،
والفقرُ فقر القلب)).
قال ابن بَطّال: معنى الحديث: ليس حقيقة الغِنَى كَثْرة المال، لأنَّ كثيراً مَّن وَسَّعَ الله عليه في
المال لا يَقْنَع بما أُوتِيَ، فهو يَجْتَهِد في الازدياد ولا يُبالي من أين يأتيه، فكأنَّه فقير لشِدّة حِرْصه،
وإنَّما حقيقة الغِنَى غِنَى النَّفْس، وهو مَن استَغنى بما أوتيَ وقَنَعَ به ورَضِيَ، ولم تَحِرِص على
الازدياد ولا أَحَّ في الطََّب، فكأنَّه غنيّ.
وقال القُرطُبيّ: معنى الحديث: أنَّ الغِنَى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غِنَى النَّفْس،
وبيانه أنَّه إذا استَغْنَت نفسه كَفَّت عن المطامع، فعَزَّت وعَظُمَت وحَصَلَ لها من الحَظْوة
والنَّزاهة والشَّرَف والمدح، أكثرُ من الغِنَى الذي يَنالُه مَن يكون فقير النَّفْس لِحِرصِه، فإنَّه
يورِّطه في رذائل الأُمور وخسائس الأفعال لدَناءة همَّته وبُخله، ویَكثُر مَن يَذُمّه من الناس
ويَصغُر قَدرُه عندهم، فيكون أحقَرَ من كلّ حقیر وأذَلَّ من کلّ ذليل.
والحاصل أنَّ المتَّصِف بغِنَى النَّس يكون قانعاً بما رَزَقَه الله، لا يَحِرِصُ على الازدياد
لغير حاجة ولا يُلِحّ في الطَّلَب ولا يُلحِف في السُّؤال، بل يَرضَى بما قَسَمَ الله له، فكأنَّه
واحِدٌ أبداً، والمتَّصِف بفَفرِ النَّس على الضِّدِّ منه، لكَونِهِ لا يَقنَع بما أُعطِىَ بل هو أبداً في
طلب الازدياد من أيّ وجهٍ أمكّنَه، ثمَّ إذا فاتَه المطلوب حَزِنَ وأسِفَ، فكأنَّه فقير من المال
لأَنَّه لم يَستَغنِ بما أُعطِىَ، فكأنَّه ليس بغَنيٍّ، ثمَّ غِنَى النَّفْس إنَّمَا يَنشَأ عن الرِّضا بقضاءِ الله
تعالى والتَّسليمِ لأمره، علماً بأنَّ الذي عند الله خير وأبقى، فهو مُعرِض عن الحِرص والطَّلب،
وما أحسنَ قولَ القائل(١):
غِنَى النَّفْس ما يكفيكَ من سَدّ حاجةٍ فإنْ زاد شيئاً عادَ ذاكَ الغِنَى فقراً
(١) هو سالم بن وابصة، كما في ((الأمالي)) لأبي علي القالي ٢/ ٢٢٤، وسالم هذا تابعيٌّ، وأبوه وابصة بن معبد
فـ
الأسدي صحابي

٩٣
باب ١٦
كتاب الرقاق
وقال الطِّييُّ: يُمكِن أن يُراد بغِنَى النَّفْس حصولُ الكمالات العِلميَّة والعمليَّة، وإلى ٢٧٣/١١
ذلك أشارَ القائل(١):
ومَن يُنفِق الساعاتِ في جمع مالِهِ تَافَةَ فَقٍ فالذي فَعَلَ الفقرُ
أي: ينبغي أن يُنفِقِ أوقاته في الغِنَى الحقيقيّ وهو تحصيل الكمالات، لا في جمع المال فإنَّه لا
يزداد بذلك إلّا فقراً، انتھی.
وهذا وإن كان يُمكِن أن يُرادَ، لكنَّ الذي تقدَّم أظهَرُ في المراد، وإنَّما يَحصُل غِنَى النَّفْس
بغِنَى القلب بأن يَفتَقِر إلى رَبِّه في جميع أُموره، فيَتحقَّق أنَّه المعطي المانع فيَرضَى بقَضائه
ويَشكُرُه على نَعْمائه، ويَفْزَع إليه في كَشف ضَرّائه، فَيَنشَأ عن افتقار القلب لَدَيْهِ (٢) غِنَى نفسه
عن غيرِ رَبِّه تعالى، والغِنَى الوارد في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] يتنزّل على
غِنَى النَّفْس، فإنَّ الآية مكّيَّة، ولا يخفى ما كان فيه النبيُّ ◌َ له قبل أن تُفتَح عليه خَيْبر
وغيرُها من قِلّة المال، والله أعلم.
١٦ - باب فضل الفقر
قوله: ((باب فضل الفَقْر)) قيل: أشارَ بهذه التَّرجمة عَقِبَ التي قبلها إلى تحقيق مَحَلَّ ٢٧٤/١١
الخِلاف في تفضيل الفقر على الغِنَى أو عكسه، لأنَّ المستفاد من قوله: ((الغِنَى غِنَى النَّفْس)»
الحصرُ في ذلك، فيُحمَلُ كلّ ما وَرَدَ في فضل الغِنَى على ذلك، فمَن لم يكن غَنِيَّ النَّفْس لم
يكن ممدوحاً، بل يكون مذموماً فكيف يَفضُل؟! وكذا ما وَرَدَ من فضل الفقر، لأنَّ مَن لم
يكن غنيَّ النَّفْس فهو فقير النَّفس، وهو الذي تَعوَّذَ النبيُّ ◌َلّ منه.
والفقر الذي وَقَعَ فيه النِّراعُ عَدَمُ المال والتَّقُلُّل منه، وأمَّا الفقر في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ
أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] فالمراد به: احتياج المخلوق إلى الخالق،
فالفقر للمخلوقينَ أمرٌ ذاتيّ لا يَنفَكّونَ عنه، والله هو الغني ليس بمُحتاجٍ لأحدٍ.
(١) هو أبو الطيِّب المتنبِّي، انظر ((ديوانه)) ٢/ ١٥٠.
(٢) كذا في الأصلين، وفي (س): لربه، وما في الأصلين أوجهُ.

٩٤
باب ١٦
فتح الباري بشرح البخاري
ويُطلَقُ الفقر أيضاً على شيء اصطَلَحَ عليه الصّوفيَّة، وتفاوتت فيه عباراتهم، وحاصله
كما قال أبو إسماعيل الأنصاريّ: نَفضُ اليد من الدُّنيا ضبطاً وطلباً، مَدحاً وذَمّاً، وقالوا: إنَّ
المراد بذلك أن لا يكون ذلك في قلبه، سواءٌ حَصَلَ في يده أم لا، وهذا يَرجِع إلى ما تَضَمَّنَه
الحديث الماضي في الباب قبله: أنَّ الغِنَى غِنَى النَّفس على ما تقدَّم تحقيقه، والمراد بالفقر
هنا: الفقر من المال.
وقد تَكلَّمَ ابن بَطّال هنا على مسألة التَّفضيل بين الغِنَى والفقر، فقال: طالَ نزاعُ
الناس في ذلك، فمنهم مَن فَضَّلَ الفقر، واحتَجَّ بأحاديث الباب وغيرها من الصَّحيح
والواهي، واحتَجَّ مَن فضَّلَ الغِنَى بما تقدَّم قبل هذا ببابٍ في قوله: ((إنَّ المكثِرِينَ هم
الأقلّونَ إلَّا مَن قال بالمال هكذا»، وحديثِ سعد الماضي في الوصايا (٢٧٤٢): ((إنَّك أن
تَذَرَ وَرَثَتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً))، وحديثِ كعب بن مالك حيثُ استَشارَ في
الخروج من ماله كلّه فقال: ((أمسِكْ عليك بعضَ مالِك، فهو خيرٌ لك)) (٢٧٥٧)،
وحديث: ((ذهب أهلُ الدُّثور بالأجورِ))، وفي آخره: ((ذلك فضلُ الله يُؤتيه مَن يَشاء))(١)،
وحديثِ عَمْرو بن العاص: ((نِعمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالح)) أخرجه مسلم (٢)، وغیرِ
ذلك.
قال: وأحسنُ ما رأيتُ في هذا قول أحمد بن نصر الداووديّ: الفقر والغِنَى مِحتَتَان من الله،
يَخْتَبِرُ بهما عباده في الشِّكر والصَّبر، كما قال تعالى: ﴿ إِنَا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥]،
وثَبَتَ: أَنَّه ◌ِ لّه كان يستعيذ من شَرّ فتنة الفقر ومن شَرّ فتنة الغِنَى(٣)، ثمَّ ذكر كلاماً طويلاً
حاصله: أنَّ الفقير والغني مُتَقَابِلان، لما يَعرِضُ لكلٍّ منهما في فقره وغِناه من العوارض، فيُمدَح
(١) سلف الحديث برقم (٨٤٣)، وقد نبَّه الحافظ في شرحه عليه هناك أن هذه اللفظة زادها مسلم (٥٩٥)
(١٤٢) في رواية ابن عجلان عن سُمي.
(٢) بل أخرجه أحمد (١٧٧٦٣)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٩٩) وصححه ابن حبان (٣٢١٠).
(٣) سلف عند البخاري في الدعوات برقم (٦٣٦٨).

٩٥
كتاب الرقاق
أو يُذَم، والفضل كلّه في الكَفَاف لقولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا
كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وقال رَّ: ((اللهمَّ اجعَل رِزقَ آلٍ محمَّد قُوتً)، وسيأتي قريباً
(٦٤٦٠)، وعليه يُحمَلُ قوله: ((أسألُكَ غِنايَ وغِنَى مَوْلايَ))(١).
وأمَّا الحديث الذي أخرجه التِّرمِذيّ (٢٣٥٢): ((اللهمَّ أحيني مِسْكيناً وأمِتني
مِسْكينا)) الحديث، فهو ضعيفٌ، وعلى تقدير ثُبوته فالمراد به أن لا يُجاوز به الكفاف، انتهى
مُلخَّصاً.
وثمَّن جَنَحَ إلى تفضيل الكَفَاف القُرطُبيّ في ((المفهِم)) فقال: جَمَعَ الله سبحانه وتعالى لنبيِّه
الحالات الثلاث: الفقر والغِنَى والكَفاف، فكان الأوَّل أوَّلَ حالاته، فقامَ بواجبِ ذلك من
مُجَاهَدة النَّفس، ثمَّ فُتِحَت عليه الفُتوح فصارَ بذلك في حَدّ الأغنياء، فقامَ بواجبِ ذلك من بَذله
لمستَحِقُّه والمواساة به والإيثار مع اقتصاره منه على ما يَسُدّ ضَرُورةَ عياله، وهي صورة الگفاف
التي ماتَ/ عليها. قال: وهي حالة سَلِيمة من الغِنَى المطغي والفقر المؤلم، وأيضاً فصاحبها ٢٧٥/١١
معدود في الفقراء، لأنّه لا يَتَرقَّه في طيِّات الدُّنيا، بل يجاهد نفسه في الصَّبر عن القَدْر الزائد على
الكَفاف، فلم يَفْتُه من حال الفقر إلّ السَّلامةُ من قَهْر الحاجة وذُلّ المسألة، انتهى.
ويُؤيِّده ما تقدَّم من التَّرغيب في غِنَى النَّفْس(٢)، وما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٣٠٥) عن أبي
هريرة رَفَعَه: ((وارضَ بما قَسَمَ الله لك، تكن أغنى الناس)).
وأصحّ ما وَرَدَ في ذلك ما أخرجه مسلم (١٠٥٤) عن عبد الله بن عَمْرو رَفَعَه: ((قد
أفلَحَ مَن هُديَ إلى الإسلام، ورُزِقَ الكَفَافَ وقَنِعَ))، وله شاهد عن فَضَالة بن عُبيد نحوه
عند التِّرمِذيّ (٢٣٤٩) وابن حِبّان (٧٠٥) وصَخَّحاه.
قال النَّوويّ: فيه فضيلة هذه الأوصاف، والكَفَاف: الكِفاية بلا زيادة ولا نقصان. وقال
(١) تحرَّف لفظ ((مولاي)) في (س) إلى: هؤلاء.
وهذا الحديث أخرجه أحمد (١٥٧٥٤) و(١٥٧٥٦) وغيره من حديث أبي صِرْمة الأنصاري، وإسناده
ضعيف.
(٢) سلف في الباب قبله.

٩٦
باب ١٦
فتح الباري بشرح البخاري
القُرطُبيّ: هو ما يَكفُّ عن الحاجات ويَدَفَعِ الضَّرورات ولا يُلحِقُ بأهلِ الثَّقُّهات،
ومعنى الحديث: أنَّ مَن أَنَّصَفَ بتلكَ الصِّفات حَصَلَ على مطلوبه، وظَفِرَ بمرغوبِه في
الدُّنيا والآخرة، ولهذا قال رَّ: ((اللهمَّ اجعَلْ رِزقَ آلٍ محمَّد قُوتاً» أي: اكفِھم من القوت
بما لا يُرهِقُهم إلى ذُلّ المسألة، ولا يكون فيه فُضولٌ يَبعَث على الثَّرَقُّه والتَّسُّط في الدُّنيا،
وفيه حُجّة لمن فضَّلَ الكَفَاف، لأنَّه إنَّما يَدعُو لنفسِه وآله بأفضل الأحوال، وقد قال: ((خير
الأُمور أوساطها))(١)، انتَهَى.
ويُؤيِّده ما أخرجه ابن المبارك في ((الزُّهد)) (٦٦) بسندٍ صحيح عن القاسم بن محمَّد بن
أبي بكر عن ابن عبّاس: أنَّه سُئلَ عن رجل قليلِ العمل قليل الذُّنوب أفضلُ، أو رجل كثير
العمل كثير الذُّنوب؟ فقال: لا أعدِلُ بالسَّلامة شيئاً. فمَن حَصَلَ له ما يكفيه واقتَنَعَ به،
أَمِنَ من آفات الغِنَى وآفات الفقر، وقد وَرَدَ حديثٌ لو صَحَّ لكان نَصّاً في المسألة، وهو ما
أخرجه ابن ماجَهْ (٤١٤٠) من طريق نُفَيع - وهو ضعيف - عن أنس رَفَعَه: ((ما من غَنِيٍّ
ولا فقير إلّا ودَّ يومَ القيامة أنَّه أُوتِيَ من الدُّنيا قُوتاً)).
قلت: وهذا كلَّه صحيح، لكن لا يَدِفَعُ أصلَ السُّؤال عن أيّهما أفضل: الغِنَى أو الفقر؟
لأَنَّ النِّرَاعِ إِنَّمَا وَرَدَ في حَقّ مَن اَنَّصَفَ بأحدِ الوصفَين: أيّهما في حَقّه أفضل؟ ولهذا قال
الدَّاوُوديّ في آخر كلامه المذكور أوَّلاً: إنَّ السُّؤال: أيهما أفضل؟ لا يستقيم، لاحتمال أن
يكون لأحدِهما من العمل الصالح ما ليس للآخر، فيكون أفضلَ، وإنَّما يقع السُّؤال عنهما
إذا استَوَيا بحيثُ يكون لكلّ منهما من العمل ما يُقاوِم به عمل الآخر، قال: فعِلمُ أيّهما
أفضل عند الله، انتھی.
وكذا قال ابن تيميّةَ، لكن قال: إذا استَويا في التَّقوی فهما في الفضل سواء.
(١) أخرجه البيهقي ٢٧٣/٣ من حديث كنانة بن نعيم مرسلاً، وإسناده ضعيف لإرساله وانقطاعه، وروي
مرفوعاً أيضاً من غير وجه لا يصحُّ، انظر ((المقاصد الحسنة)) (٤٥٥)، و((كشف الخفاء)) (١٢٤٧)، لكن
صحَّ هذا من قول التابعي الكبير مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخير فيما أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))
٤٧٩/١٣.

٩٧
باب ١٦
كتاب الرقاق
وقد تقدَّم كلام ابن دقيق العيد في الكلام على حديث أهل الدُّثور قُبيل كتاب الجمعة
(٨٤٣)، ومُحُصَّل كلامه: أنَّ الحديث يدلّ على تفضيل الغِنَى على الفقر، لما تَضَمَّنَه من زيادة
الثَّواب بالقُرَبِ المالِيَّة، إلّا إن فُسِّرَ الأفضل بمعنى الأشرَف بالنّسبة إلى صفات النَّفس، فالذي
يَحَصُل للنَّفْسِ من التطهير للأخلاق والرِّياضة لسوءِ الطِّباع بسببِ الفقر أشَرَفُ، فَيَتَرجَّح
الفقر، ولهذا المعنى ذهب جمهورُ الصّوفيَّة إلى ترجيح الفقير الصّابر، لأنَّ مَدارَ الطَّريق على
تهذيب النَّفَس ورِياضَتها، وذلك مع الفقر أكثرُ منه في الغِنَى، انتهى.
وقال ابن الجَوْزيّ: صورة الاختلاف في فقير ليس بحَريص، وغنيٍّ ليس بمُمسِك، إذ
لا يخفى أنَّ الفقير القانع أفضلُ من الغني البخيل، وأنَّ الغني المنفِق أفضل من الفقير
الحريص، قال: وكلّ ما يُراد لغيره ولا يُراد لعينه ينبغي أن يُضافَ إلى مقصوده، فیه یظهر
فضلُه، فالمال ليس محذوراً لعَينِه بل لكَونِه قد يَعُوق عن الله، وكذا العكس، فكم من غَنِيٍّ لم
يَشغَله غِناهُ عن الله، وكم من فقير شَغَلَه فقرُه عن الله. إلى أن قال: وإن أخذتَ بالأكثرِ
فالفقير عن الخَطَر أبعَد، لأنَّ فتنة الغِنَى أشدّ من فتنة الفقر، ومن العِصْمة أن لا تَجِدَ،
انتھی.
وصَرَّحَ كثير من الشافعيَّة بأنَّ الغني الشّاكر أفضل، وأمَّا قول أبي عليّ الدَّقّاق شيخ أبي
القاسم القُشَيريّ: الغنيُّ أفضل من الفقير، لأنَّ الغِنَى صِفَة الخالق والفَقْر صِفَة المخلوق،/ ٢٧٦/١١
وصِفَة الحقّ أفضل من صِفَة الخَلْق؛ فقد استَحسَنَه جماعة من الكِبار، وفيه نظرٌ لما قَدَّمتُه
أوَّل الباب، ويظهر منه أنَّ هذا لا يَدخُل في أصل النِّراع، إذ ليس هو في ذات الصِّفَتِينِ وإنَّما
هو في عوارضِھما.
وبيَّن بعض مَن فَضَّلَ الغنيَّ على الفقير كالطَّبَريّ جِهِتَه بطريقٍ أُخرى، فقال: لا
شَكَّ أنَّ مِحْنة الصّابر أشدُّ من مِحْنة الشّاكر، غير أنّي أقول كما قال مُطرِّف بن عبد الله:
لَأَن أُعافَ فأشكُرَ، أحبُّ إليَّ من أن أُبتَلَى فأصبِرَ. قلت: وكأنَّ السَّبَب فيه ما جُبِلَ عليه
طبعُ الآدميِّ من قِلّة الصَّبر، ولهذا يُوجَد مَن يقوم بحَسَب الاستطاعة بحَقِّ الصَّبر، أقلُّ

٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
مَمَّن يقوم بحَقِّ الشُّكر بحَسَب الاستطاعة.
وقال بعض المتأخّرينَ فيما وُجِدَ بخَطِّ أبي عبد الله بن مرزوق: كلام الناس في أصل
المسألة مُختَلِفٍ، فمنهم مَن فضَّل الفقر، ومنهم مَن فضَّل الغِنَى، ومنهم مَن فضَّل الكفاف،
وكلُّ ذلك خارج عن مَحَلِّ الْخِلَاف: وهو أيُّ الحالَينِ أفضل عند الله للعبد حتَّى يَتَكَسَّب
ذلك ويَتَخلَّق به؟ هل التَّقُلُّل من المال أفضلُ لِيَتَفْرَّغَ قلبُه من الشَّواغِلِ، ويَنالَ لَذّة المناجاة،
ولا يَنْهَمِك في الاكتِساب ليَستَريحَ من طول الحِساب، أو التَّشاغُل باكتسابِ المال أفضلُ
ليَستَكثِرِ به من التَّقُرُّب بالِّ والصِّلة والصَّدَقة، لما في ذلك من النَّفْع المتعَدّي؟ قال: وإذا
كان الأمر كذلك، فالأفضل ما اختارَه النبيُّ ◌َّهِ وجمهور أصحابه من التَّقُلُّل في الدُّنيا والبُعد
عن زَهَراتها، ويبقى النَّظَرُّ فيمَن حَصَلَ له شيء من الدُّنيا بغير تَكسُّبٍ منه، كالميراثِ وسَهْم
الغنيمة، هل الأفضل أن يُبادِرَ إلى إخراجه في وجوه البِرِّ حتَّى لا يبقى منه شيء، أو يَتَشاغَلَ
بتثميره ليَستَكثِرِ من نَفعِه المتعَدّي؟ قال: وهو على القسمَينِ الأوَّلَين.
قلت: ومُقتَضَى ذلك أن يَبِذُل إلى أن يبقى في حالة الكَفَاف، ولا يَضُرّه ما يَتَجَدَّد من
ذلك إذا سَلَكَ هذه الطَّريقة. ودَعوَى أنَّ جُهور الصحابة كانوا على التَّقُلُّل والزّهد ممنوعةٌ
بالمشهورِ من أحوالهم، فإنَّهم كانوا على قسمَينِ بعد أن فُتِحَت عليهم الفُتوح، فمنهم مَن
أبقَى ما بَيَدِه مع التَّقُرُّب إلى رَبّه بالِرِّ والصِّلة والمواساةِ مع الاتِّصاف بغِنَى النَّفس، ومنهم
مَن استَمرَّ على ما كان عليه قبلَ ذلك، فكان لا يُبقي شيئاً ممَّا فُتِحَ عليه به، وهم قليلٌ
بالنّسبة للطّائفة الأُخرى، ومَن تَبخَّرَ في ◌ِيَرِ السَّلَف عَلِمَ صِحّة ذلك، فأخبارُهم في ذلك
لا تُحصَى كَثْرة، وحديث خَبّاب في الباب شاهد لذلك، والأدّة الواردة في فضل كلٍّ من
الطائفتَينِ كثيرة، فمن الشِّقّ الأوَّل بعضُ أحاديث الباب وغيرها، ومن الشِّقّ الثّاني حديث
سعد بن أبي وقّاص رَفَعَه: ((إنَّ الله يُحِبّ الغنيَّ الَّقيَّ الخفيَّ)) أخرجه مسلم (٢٩٦٥)، وهو
دالّ لما قلتُه، سواء حَملْنا الغِنَى فيه على المال أو على غِنَى النَّفس، فإنَّه على الأوَّل ظاهر،
وعلى الثّاني يتناول القسمَينِ فَيَحصُلُ المطلوب. والمراد بالتَّقيِّ - وهو بالمثنّة -: مَن يَترُك

٩٩
باب ١٦
كتاب الرقاق
المعاصيَ امتثالاً للمأمورِ به واجتناباً للمَنهيِّ عنه، والخفيُّ ذُكِرَ للَّتميمِ إشارة إلى تَركِ
الرِّياء، والله أعلم.
ومن المواضع التي وَقَعَ فيها التردُّدُ مَن لا شيء له، فهلِ الأَولى في حَقِّه أن يَتكَسَّب
للصَّونِ عن ذُلّ السُّؤال، أو يَتْرُكَ ويَنتَظِرِ ما يُفتَح عليه بغير مسألة، فصَحَّ عن أحمد مع ما
اشتَهرَ من زُهده ووَرَعه أنَّه قال لمن سألَه عن ذلك: الزَم السُّوق، وقال لآخرَ: استَغنِ عن
الناس، فلم أرَ مِثْلَ الغِنَى عنهم، وقال: ينبغي للنّاس كلِّهم أن يَتَوكَّلوا على الله وأن يُعوِّدوا
أنفُسَهم التكسُّبَ، ومَن قال بتَركِ التكسُّب فهو أحمقُ يريد تعطيل الدُّنيا، نَقَلَه عنه أبو بكر
المروزيّ(١).
وقال: أُجرة التَّعليم والعمل(٢)، أحبُّ إليَّ من الجلوس لانتظار ما في أيدي الناس.
وقال أيضاً: مَن جَلَسَ ولم يَحتَرِفْ، دَعَته نفسُه إلى ما في أيدي الناس.
وأسند عن عمر: كَسبٌ فيه بعض الشَّيء، خيرٌ من الحاجة إلى الناس.
وأسند عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال عند موته وتَرَكَ مالاً: اللهمَّ إنَّك تعلم أنّي لم
أجَمَعْه إلّا لأصُونَ به ديني. وعن سفيان الثَّوْريّ وأبي سليمان الدَّارانيِّ ونحوهما من السَّلَف
نحوه، بل نَقَلَه البربهاريُّ عن الصحابة والتابعين، وأنَّه لا / يُحُفَظُ عن أحد منهم أنَّه تَرَكَ تعاطي ٢٧٧/١١
الرِّزق مُقتَصِراً على ما يُفتَح عليه.
واحتَجَّ مَن فَضَّلَ الغِنَى بآية الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُوْلَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ
رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]، قال: وذلك لا يَتِمّ إلّا بالمال. وأجابَ مَن فَضَّلَ الفقرَ بأنَّه لا
(١) كذا وقع في الأصلين و(س)، ويغلب على ظنَّنَا أنَّ الصواب: المُّوذي، بالذال وليس بالزاي، فإنَّ أبا بكر
المُوذي هو أشهر تلامذة الإمام أحمد، وهو الذي نقل أكثر كلامه ومسائله، واسمه أحمد بن محمد بن الحجّاج،
كان والده خُوارزمّاً وأُّه مُرُّوذية، والمُّوذي: نسبة إلى مَرْو الرُّوذ، وهي بلدة في خراسان، والمرو بالفارسية:
المَرَح، والرُّوذ: الوادي، فمعناه: وادي المرح، لإنَّ إضافتهم مقلوبة، انظر ((الروض المعطار)) ص ٥٣٣، وانظر
ترجمة أبي بكر هذا في ((سير أعلام النبلاء)» ١٧٣/١٣.
(٢) في (س): والتعلّم.

١٠٠
باب ١٦ / ح ٦٤٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
مانعَ أن يكون الغِنَى في جانبٍ أفضلَ من الفقر في حالة مخصوصة، ولا يَستَلزِم أن يكون
أفضلَ مُطلَقاً.
وذكر المصنّف في الباب خمسة أحاديث:
الحديث الأول:
٦٤٤٧- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازمٍ، عن أبيه، عن سَهْلِ بنِ
سعدِ الساعِدِيِّ أَنَّه قال: مرَّ رجلٌ على رسولِ الله ◌ِّهِ، فقال لرجلٍ عندَه جالسٍ: «ما رأيُكَ في
هذا؟)) فقال: رجلٌ من أشرافِ الناسِ، هذا والله حَرِيٌّ إن خَطَبَ أن يُنكَحَ، وإن شَفَعَ أن
يُشْفَّعَ، قال: فسَكَتَ رسولُ اللهِِّ ثمَّ مَرَّ رجلٌ، فقال له رسولُ الله ◌َّةِ: ((ما رأيُكَ في هذا؟»
فقال: يا رسولَ الله، هذا رجلٌ من فُقَراءِ المسلمينَ، هذا حَرِيٌّ إن خَطَبَ أن لا يُنكَحَ، وإن
شَفَعَ أن لا يُشفَّعَ، وإن قالَ أن لا يُسمَعَ لقولِه، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((هذا خيرٌ مِن مِلْءٍ
الأرضِ مِثلَ هذا».
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُويس كما صَرَّحَ به أبو نُعَيم، وأبو حازم: هو سَلَمة
ابن دینار.
قوله: ((مَّ رجل على رسول الله وَ ير فقال لرجلٍ عنده: ما رأيك في هذا؟)» تقدَّم في «باب
الأكفاء في الدّين)) من أوائل النِّكاح (٥٠٩١) عن إبراهيم بن حمزة عن ابن(١) أبي حازم
فقال: ((ما تقولون في هذا؟)) وهو خطابُ لجماعةِ.
ووَقَعَ في رواية جُبَير بن نُفَير عن أبي ذرِّ عند أحمد وأبي يَعْلى وابن حِبّان بلفظ: قال لي
النبيّ وَّةِ: ((انظُر إلى أرفَع رجل في المسجد في عينيك)) قال: فَنَظَرتُ إلى رجل في حُلّة ...
الحديث(٢)، فعُرِفَ منه أنَّ المسؤول هو أبو ذَرّ، ويُجمَع بينه وبين حديث سهل: أنَّ الخِطاب
(١) لفظ ((ابن)) سقط من (أ) و(س)، واستدركناه من (ع) والرواية السالفة.
(٢) هذا اللفظ وقع عند أحمد (٢١٣٩٥)، وابن حبان (٦٨١) من رواية خَرَشة بن الحُرّ، وعند أحمد أيضاً
(٢١٤٩٣) من رواية زيد بن وهب، كلاهما عن أبي ذر، أما رواية جبير بن نفير، عن أبي ذر، فأخرجها =