Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
باب ١٠ / ح ٦٤٤٠
كتاب الرقاق
إسماعيل عن حَمَّاد بن سَلَمة ولفظه: كنَّا نُرَى هذا الحديثَ من القرآن: ((لو أنَّ لابنِ آدم واديَينِ
من مال لتَمنَّى وادياً ثالثاً) الحديث، دونَ قوله: ((ويتوب الله ... )) إلى آخره.
قوله: ((حَتَّى نزلت: ﴿أَلَهَنَّكُمُ التَّكَاثُرُ))) زاد في رواية موسى بن إسماعيل: إلى آخر السّورة،
وللإسماعيليِّ أيضاً من طريق عَفّانَ ومن طريق أحمد بن إسحاق الحَضرَميّ قالا: حدَّنا حَمَّاد بن
سَلَمة، فذكر مثله وأوَّله: كنّا نُرَى أنَّ هذا من القرآن ... )) إلى آخره.
تنبيه: هكذا وَقَعَ حدیث ◌ُبيّ بن كعب من رواية ثابت عن أنس عنه مُقدَّماً على رواية
ابن شِهاب عن أنس في هذا الباب عند أبي ذرٍّ، وعَكَسَ ذلك غيرُه وهو الأنسَبُ.
قال ابن بَطّال وغيره: قوله: ﴿أَلَهَنَّكُمُ التَّكَثُرُ﴾ خَرَجَ على لفظ الخِطاب، لأنَّ الله فَطَرَ
الناسَ على حُبّ المال والولد، فلهم رَغْبة في الاستكثار من ذلك، ومن لازِم ذلك الغَفلةُ
عن القيام بما أُمِروا به حتَّى يَفجَأَهم الموت.
وفي أحاديث الباب ذَُّ الِحِرص والشَّرَه، ومن ثَمَّ أَثَرَ أكثرُ السَّلَفِ النَّقُلُّلَ من الدُّنيا والقَناعةَ
باليسير والرِّضا بالكَفَاف.
ووَجْهُ ظنّهم أنَّ الحديث المذكور من القرآن، ما تَضَمَّنَه من ذمّ الحِرْص على الاستكثار
من جمع المال، والتَّقْريع بالموتِ الذي يَقطَع ذلك ولا بُدَّ لكلِّ أحد منه، فلمَّا نزلت هذه
السّورة وتَضَمَّنَت معنى ذلك مع الزّيادة عليه، عَلِموا أنَّ الأوَّل من كلام النبيّ ◌َێ، وقد
شَرَحَه بعضهم على أنَّه كان قرآناً ونُسِخَت تِلاوتُه لمَّا نزلت: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَافُرُ ) حَتَّ
زُدْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فاستَمرَّت تِلاوتُها فكانت ناسخةً لتلاوة ذلك. وأمَّا الحكْم فيه والمعنى فلم
يُنسَخ، إذ نَسخُ التِّلاوة لا يَستَلِزِم المعارضةَ بين الناسخ والمنسوخ كنَسْخِ الحُكم، والأوَّ أَولى،
وليس ذلك من النَّسخ في شيء.
قلت: يُؤيِّد ما رَدَّه ما أخرجه التِّرمِذيّ (٣٨٩٨) من طريق زِرّ بن حُبَيش عن أُبيّ بن
كعب أنَّ رسول الله وَّه قال له: ((إنَّ الله أمَرَني أن أقرأَ عليك القرآن))، فقرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] قال: وقرأ فيها: ((إنَّ الدِّين عند الله الحَنيفيَّة السَّمْحة)»

٦٢
باب ١١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث، وفيه: وقرأ عليه: ((لو أنَّ لابنِ آدم وادياً من مال)) الحديث، وفيه: ((ويتوب الله
على مَن تابَ))، وسنده جيِّد، والجمع بينه وبين حديث أنس عن أُبيّ المذكور آنِفاً: أنَّه
يحتمل أن يكون أُبيّ لمَّا قرأ عليه النبيُّونَ ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ وكان هذا الكلام في آخر ما ذكره
النبيّ وََّ، احتَمَلَ عنده أن يكون بقيَّةَ السّورة، واحتَمَلَ أن يكون من كلام النبيّ ◌َّل
٢٥٨/١١ ولم يَتَهِيَّأ له أن يَسْتَفْصِل النبيَّ ◌َ لهعن ذلك حتَّى نزلت/﴿أَلَهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، فلم يَنْتَفِ
الاحتمال.
ومنه ما وَقَعَ عند أحمد وأبي عبيد في ((فضائل القرآن))(١) من حديث أبي واقد اللَّينيّ
قال: كنَّا نأتي النبيَّ ◌َه إذا نزلَ عليه فيُحدِّثنا، فقال لنا ذات يوم: ((إنَّ الله قال: إنَّما أنزَلْنا
المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم وادٍ لَأحبَّ أن يكون له ثانٍ)) الحديث
بتمامه، وهذا يحتمل أن يكون النبيّ وَ ل﴿ أخبر به عن الله تعالى على أنَّه من القرآن، ويحتمل
أن يكون من الأحاديث القُدُسيَّة، والله أعلم، وعلى الأوَّل فهو ممَّا نُسِخَت تِلاوتُه جَزماً
وإن كان حكمُهُ مُستَمِرّاً.
ويُؤيِّد هذا الاحتمال ما أخرج أبو عُبيد في ((فضائل القرآن)) من حديث أبي موسى
قال: قرأت سورةً نحو براءة فغِيتُ وحَفِظتُ منها: ((ولو أنَّ لابنِ آدم واديَينٍ من مال
لَتَمِنَّى وادياً ثالثاً» الحديث(٢)، ومن حديث جابر: كَّ نَقرأ: ((لو أنَّ لابنِ آدم مِلء وادٍ مالاً
لَأَحبَّ إليه مِثْلَه)) الحديث(٣).
١١ - باب قولِ النبيّ وَالَ: «هذا المالُ خَضِرَةٌ حُلوةٌ))
وقولِه تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآيةَ [آل عمران : ١٤].
وقال عمرُ: اللّهمَّ إنّا لا نستطيعُ إلّا أن نَفْرَحَ بِمَا زَيَّتَهَ لنا، اللهمَّ إنّ أسألُكَ أنْ أُنِفِقَه في حَقِّه.
(١) أحمد في «المسند» (٢١٩٠٦)، وأبو عبيد في ((فضائل القرآن)» ص ٣٢٢-٣٢٣، وفي إسناده ضعفٌ.
(٢) ((فضائل القرآن)) ص٣٢٣، وإسناده ضعيف، فيه علي بن زيد بن جُدْعان ضعيف عند جمهور أهل العلم.
(٣) ((فضائل القرآن)) ص ٣٢٤، ولا بأس بإسناده.

٦٣
كتاب الرقاق
٦٤٤١ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ يقول: أخبرني عُرْوةُ
وسعيدُ بنُ المسيّبِ، عن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ، قال: سألتُ النبيَّ ◌َِّ فأعطاني، ثمَّ سألتُه فأعطاني،
ثمَّ سألتُه فأعطاني، ثمَّ قال: ((إن هذا المال - ورُبَّما قال سفيانُ: قال لي: حَكِيمٌ، إنَّ هذا المالَ -
خَضِرةٌ حُلْوةٌ، فمَن أَخَذَه بطِيبٍ نفسٍ، بُورِكَ له فيه، ومَن أخَذَه بإِشْراف نفسٍ، لم يُبارَكْ له فيه،
وكان كالذي يأكلُ ولا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلْيا خيرٌ منَ اليدِ السُّفْلَى)).
قوله: ((باب قول النبيّ ◌َ لّ: إنَّ هذا المال خضِرة حُلْوة» تقدَّم شرحه قريباً في («باب ما
يُذَر من زَهْرة الدُّنيا)) في شرح حديث أبي سعيد الخُدْريِّ (٦٤٢٧).
قوله: ((وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ الآيَةَ)) كذا لأبي
ذرِّ، ولأبي زيد المروزيّ: (﴿حُبُّ الشَّهَوَتِ﴾ الآية))، وللإسماعيليِّ مِثل أبي ذرٍّ وزاد: ((إلى
قوله: ﴿ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾))، وساقَ ذلك كله في رواية گرِيمة.
وقوله: ((زُيِّنَ)) قيل: الحكمة في تَرْك الإفصاح بالذي زُيِّنَ أن يَتناول اللَّفظُ جميع مَن
تَصِحّ نسبة التَّزيين إليه، وإن كان العلمُ أحاطَ بأنَّه سبحانه وتعالى هو الفاعل بالحقيقة، فهو
الذي أوجَدَ الدُّنيا وما فيها وهَيَّها للانتفاع، وجَعَلَ القلوب مائلةً إليها، وإلى ذلك
الإشارة بالتَّزيينِ ليَدخُل فيه حديثُ النَّفْس ووَسْوَسة الشَّيطان، ونسبة ذلك إلى الله تعالى
باعتبار الخلق والتَّقدير والتَّهيئة، ونسبة ذلك للشَّيطان باعتبار ما أقدَرَه الله عليه من
التَّسَلُّط على الآدميّ بالوسوسة الناشئ عنها حديثُ النَّفْس.
وقال ابن التِّين: بَدَأَ في الآية بالنِّساءِ لأَّهُنَّ أشدُّ الأشياء فتنةً للرّجال، ومنه حديث:
((ما تَرَكتُ بعدي فتنة أضَرَّ على الرِّجال من النِّساء))(١) قال: ومعنى تزيينها إعجابُ الرجل
بها وطَوَاعِيَتُه لها.
والقَناطير: جمع قِنطار، واختُلِفَ في تقديره، فقيلَ: سبعون ألف دينار، وقيل: سبعة آلاف
(١) سلف برقم (٥٠٩٦).

٦٤
باب ١١ / ح ٦٤٤١
فتح الباري بشرح البخاري
دينار، وقيل: مئة وعشرونَ رِطلاً، وقيل: مئة رِطل، وقيل: ألف مِثقال، وقيل: ألف ومئتا
٢٥٩/١١ أُوقِيَّة، وقيل: / معناه: الشَّيء الكثير، مأخوذ من عَقْد الشَّيء وإحكامه، وقال ابن عَطيَّة:
القول الأخير قيل: هذا أصحّ الأقوال، لكن يختلف القِنطارُ في البلاد باختلافها في قَدْر
الوُقِيَّة.
قوله: ((وقال عمر: اللهمَّ إنّا لا نستطيع إلّا أن نَفرَح بما زَيَّنْتَه لنا، اللهمَّ إنِّي أسألك أن أُنْفِقَه
في حَقّه)) سَقَطَ هذا التَّعليق في رواية أبي زيد المروزيّ.
وفي هذا الأثر إشارة إلى أنَّ فاعل التّزيين المذكور في الآية هو الله، وأنَّ تزيينَ ذلك
بمعنى تحسينه في قلوب بني آدم، وأنَّهم جُبِلوا على ذلك، لكن منهم مَن استَمرَّ على ما طُبعَ
عليه من ذلك وانهَمَكَ فيه، وهو المذموم، ومنهم مَن راعَى فيه الأمرَ والنَّهي، ووَقَفَ عند
ما حُدَّ له من ذلك، وذلك بمُجاهَدة نفسه بتوفيق الله تعالى له، فهذا لم يتناوله الذَّمُّ.
ومنهم مَن ارتَقَى عن ذلك فَزَهِدَ فيه بعد أن قَدَرَ عليه، وأعرَضَ عنه مع إقباله عليه
وتمكُّنه منه، فهذا هو المحمود (١)، وإلى ذلك الإشارةُ بقولِ عمر: اللهمَّ إنّي أسألك أن أُنفقَه
في حَقّه.
وأثره هذا وَصَلَه الدَّارَ قُطنيُّ في ((غرائب مالك)) من طريق إسماعيل بن أبي أُوَيس، عن
مالك، عن يحيى بن سعيد - هو الأنصاريّ -: أنَّ عمر بن الخطّاب أُتي بمالٍ من المشرق يقال
له: نَفَلُ كِسْرَى، فأمَرَ به فصُبَّ وغُطّيَ، ثمَّ دَعَا الناسَ فاجتَمَعوا، ثمَّ أمَرَ به فكُشِفَ عنه،
فإذا حُلِيٌّ كثير وجوهر ومَتاع، فبَكَى عمرُ وحَمِدَ الله عزَّ وجلَّ، فقالوا له: ما يُبكيك يا أمير
المؤمنينَ؟ هذه غنائمُ غَنَّمَها الله لنا ونَزَعَها من أهلها، فقال: ما فُتِحَ من هذا على قوم إلّا
سَفَكوا دِماءَهم واستَحلُّوا حُرمَتهم، قال: فحدَّثني زيد بن أسلَمَ أنَّه بَقِيَ من ذلك المال
مَناطِقُ وخواتمُ فُرُفِعَ، فقال له عبد الله بن أرقَم: حتَّى متى تَّحِسُه لا تَقسِمه؟ قال: بلى، إذا
رأيتَني فارغاً فآذِنّ به، فلمَّا رآه فارغاً بَسَطَ شيئاً في حُشّ نخلة ثمَّ جاء به في مِكتَل فصَبَّه،
(١) في (س) فقط: المقام المحمود.

٦٥
باب ١١ / ح ٦٤٤١
كتاب الرقاق
فكأنَّه استَكثَرَه، ثمَّ قال: اللهمَّ أنتَ قلت ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾، فتلا الآية حتَّى
فَرَغَ منها، ثمَّ قال: لا نستطيع إلّا أن نُحِبّ ما زَيَّنْتَ لنا، فِي شَرَّه وارزقني أن أُنفقه في حَقّك؛
فما قامَ حتَّى ما بقي منه شيء.
وأخرجه أيضاً من طريق عبد العزيز بن يحيى المدنيّ، عن مالك، عن زيد بن أسلَمَ، عن أبيه
نحوَه، وهذا موصول لكن في سنده إلى عبد العزيز ضعف. وقال بعد قوله: واستَحلُّوا حُرمَتهم
وقَطَعوا أرحامهم: فما رامَ حتَّى قَسَمَه، وبَقِيَت منه قِطَع. وقال بعد قوله: لا نستطيع: إلّا أن
يَتَزَّيَّن لنا ما زَيَّنتَ لنا، والباقي نحوه، وزاد في آخره قصّة أُخرى.
قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينة.
قوله: (ثمّ قال: إنَّ هذا المال، رُبما قال سُفْيان: قال لي: حَكيم، إنَّ هذا المال)) فاعل ((قال))
أوَّلاً هو النبيّ ◌َّهِ، والقائل: (رُبَّم)) هو عليّ بن المديني راويه عن سفيان، والقائل ((قال لي))
هو حَكيم بن حِزَام صحابيُّ الحديث المذكور، و((حَكِيمُ)) بالرَّفع بغير تنوين مُنادَى مُفرَد
حُذِفَ منه حرف النِّداء، وظاهر السّياق أنَّ حَكياً قال لسفيان، وليس كذلك؛ لأنَّه لم يُدرِكه
لأَنَّ بين وفاة حكيم ومَولِد سفيان نحو الخمسينَ سنة، ولهذا لا يُقرأ حَكِيم بالتَّنوين، وإنّما
المراد أنَّ سفيان رواه مرَّةً بلفظ: ثمَّ قال، أي: النبيُّ وَّ: ((إنَّ هذا المال))، ومرَّةً بلفظ: ثمّ قال لي:
((يا حَكِيمُ إِنَّ هذا المال ... )) إلى آخره، وقد وَقَعَ بإثبات حرف النِّداء في مُعظَم الرِّوايات،
وإِنَّمَا سَقَطَ من رواية أبي زيد المروزيّ.
وتقدَّم شرحُ قوله: ((فمَن أَخَذَه بطيبٍ نفس ... )) إلى آخره، في باب ((الاستعفاف عن
المسألة)) من كتاب الزكاة (١٤٧٢)، وتقدَّم شرح قوله في آخره: ((واليد العُليا خيرٌ من اليد
السُّفَلَى)) في ((باب لا صَدَقة إلّا عن ظَهْر غِنَى)) من كتاب الزكاة أيضاً (١٤٢٧).
وقوله: ((بُورِكَ له فيه))، زاد الإسماعيليّ من رواية إبراهيم بن بَشَّار عن سفيان بسندِه:
((ونَفَعه))(١)، وإبراهيم كان أحد الحُفّاظ وفيه مَقَال.
(١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: ومتنه، وتصحف اسم والد إبراهيم في (أ) و(س) إلى: يسار.
:

٦٦
باب ١٢ / ح ٦٤٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
١٢ - باب ما قدَّم مِن ماله فهو له
٦٤٤٢ - حدَّثني عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثني أَبي، حدَّنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني إبراهيمُ
التَّيْميُّ، عن الحارثِ بنِ سُوَيدٍ: قال عبدُ الله: قال النبيُّ ◌َّةَ: ((أيُّكم مالُ وارثِه أحبُّ إليه من
مالِهِ؟» قالوا: يا رسولَ الله، ما مِنّا أحدٌ إلا مالُه أحبُّ إليه، قال: ((فإنَّ مالَه ما قَدَّمَ، ومالُ وارثِه
ما أخّرَ )).
٢٦٠/١١ قوله: ((باب ما قَدَّمَ من مالِه فهو له)) الضَّمير للإنسان المكلَّف، وحُذِفَ للعِلْم به، وإن لم
يَجِرِ له ذِكْر.
قوله: ((عمر بن حفص)) أي: ابن غِيَاث، وعبد الله: هو ابن مسعود، ورجال السَّنَد
كلّهم کوفیّونَ.
قوله: ((أيُكم مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله؟)) أي: أنَّ الذي يُخلِّفه الإنسان من المال وإن كان هو
في الحال منسوباً إليه، فإنَّه باعتبار انتقاله إلى وارثِه يكون منسوباً للوارث، فنِسبتُه للمالكِ في حياته
حقيقيّة، ونِسبتُه للوارثِ في حياة المورِّث مجازيَّة، ومن بعد موته حقيقيّة.
قوله: ((فإنَّ مالَه ما قَدَّمَ)) أي: هو الذي يُضاف إليه في الحياة وبعد الموت، بخِلَاف المال
الذي يُخلِّفه، وقد أخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الأعمش به سنداً ومتناً،
وزاد في آخره: ((ما تَعُدّونَ الصُّرَعةَ فيكم؟)) الحديث، وزاد فيه أيضاً: ((ما تَعُدّونَ الرَّقُوب
فیکم)) الحديث(١).
قال ابن بَطّال وغيره: فيه التَّحريض على تقديم ما يُمكِن تقديمُه من المال في وجوه
القُرْبة والبِرّ لَيَنتَفِعَ به في الآخرة، فإنَّ كلّ شيء يُخُلِّه الموروث يصير مِلكاً للوارثِ، فإن
عَمِلَ فيه بطاعة الله اختَصَّ بثوابٍ ذلك، وكان ذلك الذي تَعِبَ في جمعه ومَنِعِه، وإن عَمِلَ
فيه بمعصية الله فذاكَ أبعَدُ لمالكِهِ الأوَّل من الانتفاع به إن سَلِمَ من تَبِعَته. ولا يعارضه قولُه ◌َيه
(١) وهاتان الزيادتان أفردهما مسلم في ((صحيحه)) (٢٦٠٨) من طرق عن الأعمش بهذا الإسناد إلى عبد الله بن
مسعود.

٦٧
باب ١٣
كتاب الرقاق
السعدٍ: ((إِنَّك أنْ تَذَرَ وَرَثَتك أغنياء خيرٌ من أن تَذَرَهَم عالةً)) (١)، لأنَّ حديث سعد محمول
على مَن تَصَدَّقَ بماله كلّه أو مُعظَمه في مرضه، وحديث ابن مسعود في حَقّ مَن يَتَصَدَّق في
صِخَته وشُحّه.
١٣ - بابٌ المكثِرون هم المقلُّون
وقولُه تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا﴾ الآيتين [هود: ١٥ -١٦].
قوله: ((بابٌ المكثِرونَ هم المقِلّونَ)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهني: ((الأقلّونَ))، وقد وَرَدَ ٢٦١/١١
الحديث باللَّفْظَين، ووَقَعَ في رواية المعرور عن أبي ذرِّ(٢): ((الأخسَرونَ)) بَدَل ((الأقُّون))
وهو بمعناه، بناءً على أنَّ المراد بالقِلّة في الحديث: قِلّة الثَّواب، وكلّ مَن قَلَّ ثوابُه، فهو
خاسر بالنّسبة لمن كثُرَ ثوابه.
قوله: ((وقوله: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَنَهَا ﴾ الآيَتَينِ)) كذا لأبي ذرِّ، وفي رواية
أبي زيد بعد قوله: ﴿وَزِينَهَا﴾: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِهَا﴾ الآيةَ، ومثله للإسماعيليِّ لكن
قال: إلى قوله: ﴿وَبَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، ولم يَقُل: الآية، وساقَ الآيَتَينِ في رواية
الأصيليّ وكريمة.
واختُلِفَ في الآية فقيلَ: هي على عُمومها في الكفَّار وفيمَن يُرائي بعَمَلِهِ من المسلمينَ،
وقد استَشهَدَ بها معاويةُ لصِحّة الحديث الذي حدَّث به أبو هريرة مرفوعاً في المجاهد والقارئ
والمتصدِّق، لقولِه تعالى لكلِّ منهم: إنَّما عَمِلتَ ليقالَ، فقد قيل، فَكَى معاوية لمَّا سمعَ هذا
الحديث ثمَّ تلا هذه الآية، أخرجه التِّرمِذيّ (٢٣٨٢) مُطوَّلاً، وأصله عند مسلم (١٩٠٥)،
وقيل: بل هي في حَقّ الكفّار خاصّةً بدليلِ الحَصْر في قوله في الآية التي تليها: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ﴾ [هود: ١٦]، والمؤمن في الجملة مَآلَه إلى الجنَّة بالشَّفاعة أو مُطلَق
العفو، والوعيد في الآية بالنار وإحباط العمل وبُطْلانه إنّما هو للكافر.
(١) سلف برقم (١٢٩٥).
(٢) فيما سيأتي عند البخاري في الأيمان والنذور برقم (٦٦٣٨).

٦٨
باب ١٣ / ح ٦٤٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأُجِيبَ عن ذلك بأنَّ الوعيد بالنّسبة إلى ذلك العمل الذي وَقَعَ الرِّياء فيه فقط، فيُجازَى
فاعله بذلك، إلّا أن يَعفُوَ الله عنه، وليس المراد إحباطَ جميع أعماله الصالحة التي لم يقع فيها
ریاء.
والحاصل: أنَّ مَن أراد بعَمَلِه ثوابَ الدُّنيا، عُجِّلَ له وجُوزيَ في الآخرة بالعذابِ،
لتجريدِه قصدَه إلى الدُّنيا وإعراضِه عن الآخرة، وقيل: نزلت في المجاهدينَ خاصّة، وهو
ضعيف، وعلى تقدير ثُبُوته فعُمومها شامل لكلِّ مُراءٍ، وعمومُ قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ
فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، أي: في الدُّنيا، مخصوصٌ بمَن لم يُقدِّر الله له ذلك لقولِه تعالى: ﴿مَّن كَانَ
يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] فعلى هذا التَّقييد يُحمَل ذلك
المطلَق، وكذا يُقيَّد مُطلَق قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْلَهُ فِ حَرْئِهِ، وَمَنْ كَانَ
يُرِيدُ حَرّثَ الدُّنْيَا نُؤْيِّهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اْلْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].
وبهذا يَندَفِعِ إشكالُ مَن قال: قد يُوجَد بعض الكفَّار مُقتَّراً عليه في الدُّنيا غيرَ موسّع
عليه من المال أو من الصِّحّة أو من طول العُمُر، بل قد يُوجَد مَن هو منحوس الحظِّ من
جميع ذلك، كمَن قيل في حَقّه: ﴿خَبِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
[الحج: ١١].
٢٦٢/١١ ومُناسَبة ذِكْر الآية/ في الباب لحديثه، أنَّ في الحديث إشارة إلى أنَّ الوعيد الذي فيها
محمول على التَّأقيت في حَقّ مَن وَقَعَ له ذلك من المسلمين، لا على التَّأبيد، لدلالة الحديث
على أنَّ مُرتَكِب چِنْس الكبيرة من المسلمينَ يَدخُل الجنَّة، وليس فيه ما ينفي أنَّه قد يُعذّب
قبل ذلك، كما أنَّه ليس في الآية ما ينفي أنَّه قد يَدخُل الجنَّة بعد التَّعذيب على معصية
الرِّياء.
٦٤٤٣ - حدَّثْنَا قُتِبَةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَیعِ، عن زیدِ بنِ وَهْب، عن
أبي ذرّ ◌ُ، قال: خَرَجْتُ ليلةً منَ اللَّالي، فإذا رسولُ اللهِ وَ﴿ يَمْشِي وحدَه ليس معه إنسانٌ، قال:
فِظَنتُ أَنَّه يَكْرَه أن يَمْشِيَ معه أحدٌ، قال: فَجَعَلْتُ أَمشي في ظِلِّ القمرِ، فَالَّفَتَ فرآني، فقال: «مَن

٦٩
باب ١٣ / ح ٦٤٤٣
كتاب الرقاق
هذا؟)) قلتُ: أبو ذَرِّ، جَعَلَني اللهُ فِداءَكَ، قال: ((يا أبا ذرٍّ، تعالَ)) قال: فمَشَيتُ معه ساعةً،
فقال: ((إنَّ المُكثِرِينَ همُّ المُقِلُّونَ يومَ القيامةِ، إلّا مَن أعطاه الله خيراً فَنَفَحَ فيه يَمِينَه وشِمالَه،
وبينَ یَدَیه ووَراءَه، وعَمِلَ فیه خیراً».
قال: فمَشَيتُ معه ساعةً، فقال لي: ((اجْلِسْ هاهُنا)) قال: فأجْلَسَني في قاع حَوْلَه حجارةٌ،
فقال لي: ((اجلِسْ هاهنا حتَّى أَرجِعَ إليكَ)) قال: فانطَلَقَ في الحَرّةِ حتَّى لا أَراه، فلَبِثَ عنِّي
فأطالَ اللُّبْثَ، ثمَّ إنّي سمعتُه وهو مُقبِلٌ وهو يقول: ((وإنْ سَرَقَ وإن زَنَى؟)) قال: فلمَّا جاء لم
أصبِرْ حتَّى قلتُ: يا نبيَّ الله، جَعَلَني الله فِداءَكَ، مَن تُكلِّمُ في جانبِ الحَرّةِ؟ ما سمعتُ أحداً
يَرجِعُ إليكَ شيئاً، قال: «ذلك جِبْرِيلُ عليه السلام، عَرَضَ لي في جانبِ الحَرّةِ، قال: بَشِّرِ أَمَّتَكَ
أنَّه مَن ماتَ لا يُشرِكُ بالله شيئاً دَخَلَ الجنَّةَ، قلتُ: يا جِبْرِيلُ، وَإن سَرَقَ وإن زَنَى؟ قال: نعم،
قال: قلتُ: وإن سَرَقَ وإن زَنَى؟ قال: نعم، وإن شَرِبَ الخمرَ)).
وقال النَّضْرُ: أخبرنا شُعْبَةُ، حدَّثنا حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ والأعمَشُ وعبدُ العزيزِ بنُ رُفَيعٍ،
حدّثنا زيدُ بنُ وَهْب ... بهذا.
قوله: «حدّثنا جرِیر)» هو ابن عبد الحمید، وقد روی جَرِیر بن حازم هذا الحدیث لکن
عن الأعمش عن زيد بن وهب كما سيأتي بيانه، لكن قُتَيبة لم يُدرِكه ابنُ حازم، وعبد العزيز بن
رُفَيع: بفاءٍ ومُهمَلة مُصغَّر، مَكّيُّ سَكَنَ الكوفة، وهو من صِغار التابعين لَقِيَ بعضَ الصحابة
بأنسٍ.
قوله: ((عن أبي ذرِّ)) في رواية الأعمَش الماضية في الاستئذان (٦٢٦٨) عن زيد بن وهب:
حدَّثنا - والله - أبو ذَرِّ بالرَّبَذة، بفتح الرَّاء والموحّدة بعدها مُعجَمة: مكان معروف من عمل
المدينة النبويَّة وبينهما ثلاث مراحل من طريق العراق، سَكنَه أبو ذرِّ بأمرٍ عثمان وماتَ به في
خلافته، وقد تقدَّم بيانُ سبب ذلك في كتاب الزكاة (١٤٠٦).
قوله: ((خرجتُ ليلةً من اللَّيالي، فإذا رسولُ الله ◌َلّ ◌َمْشی وحده ليس معه إنسان)) هو
تأكيد لقولِه: وحده، ويحتمل أن يكون لرفع تَوهُّم أن يكون معه أحد من غیر چِنس

٧٠
باب ١٣ / ح ٦٤٤٣
فتح الباري بشرح البخاري
الإنسان من مَلَكِ أو جِنِّيّ، وفي رواية الأعمش عن زيد بن وهب عنه: كنتُ أمشي مع
رسول الله ◌َّله في حَرّة المدينة عِشاءً؛ فأفادَت تعيينَ الزَّمان والمكان، والحَرّة: مكان
معروف بالمدينة من الجانب الشَّماليّ منها، وكانت به الوقعة المشهورة في زمن يزيد بن
معاوية.
وقيل: الحَرَّة: الأرض التي حِجارَتها سُود، وهو يَشمَل جميع جهات المدينة التي لا
عِمارةَ فيها، وهذا يدلُّ على أنَّ قوله في رواية المعرور بن سويدٍ عن أبي ذرِّ (١): انتَهَيت إلى
النبيّ وََّ وهو في ظِلّ الكعبة وهو يقول: ((هم الأخسَرونَ ورَبّ الكعبة))، فذكر قصَّة
((المكثِرون))، وهي قصّة أُخرى مُخْتَلِفة الزّمان والمكان والسِّياق.
قوله: ((فظننتُ أنَّه يَكْرَه أن يَمْشِيَ معه أحد، فَجَعَلْت أمشي في ظِلّ القمر)) أي: في المكان
الذي ليس للقمرِ فيه ضَوْء ليُخفيَ شَخْصَه، وإنَّما استَمرَّ يمشي لاحتمال أن يَطرأ للنبيِّ وَّلـ
حاجةٌ فیکون قريباً منه.
قوله: ((فالتَّفَتَ فرآني فقال: مَن هذا؟» كأنَّه رأى شخصَه ولم يَتَميَّز له.
قوله: ((فقلت: أبو ذَرّ)) أي: أنا أبو ذَرّ.
قوله: ((جَعَلَني الله فِداءَك)) في رواية أبي الأحوص في الباب بعده عن الأعمش، وكذا لأبي
معاوية عن الأعمش عند أحمد (٢١٣٤٧): فقلت: لَبَّكَ يا رسول الله، وفي رواية حفص عن
الأعمش كما مضى في الاستئذان (٦٢٦٨): فقلت: لَبَّكَ وسَعدَيكَ.
قوله: ((فقال: أبا ذرٍّ، تَعالَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: (تَعالَه)) بهاءِ السَّكت، قال الدَّاوُوديّ: فائدة
الوقوف على هاء السَّكت أن لا يَقِفَ على ساكنَيْنِ، نَقَلَه ابن التِّين، وتُعقِّبَ بأنَّ ذلك غير مُطَّرِد،
وقد اختصر أبو زيد المروزيُّ في روايته سياق الحديث في هذا الباب فقال بعد قوله: ((ليس معه
أحد)»: فذكر الحديث، وقال فيه: ((إنَّ المكثِرِينَ هم المقِلّونَ يوم القيامة)) هكذا عنده، وساقَ
الباقون الحديثَ بتمامه، ويأتي شرحه مُستَوفَّى في الباب الذي بعده.
(١) ستأتي عند البخاري برقم (٦٦٣٨).

٧١
كتاب الرقاق
قوله: ((وقال النَّضْر)) بن شُمَيلِ: أخبرنا شُعْبة عن حبيب بن أبي ثابت والأعمش وعبد العزيز
ابن رُفَيع قالوا: حدّثنا زيد بن وهب ... بهذا)) الغَرَضُ بهذا التَّعليق تصريح الشَّيوخ الثلاثة
المذكورينَ بأنَّ زيد بن وهب حدَّثهم، والأوَّلان نُسِبا إلى التَّدليس، مع أنَّه لو وَرَدَ من رواية
شُعْبة بغير تصريح لَأُمِنَ فيه التَّدليس؛ لأنَّه كان لا يُحدِّث عن شيوخه إلّا بما لا تدليسَ فيه،
وقد ظَهَرَت فائدةُ ذلك في رواية جَرِير بن حازم عن الأعمَش، فإنَّه زاد فيه بين الأعمش
وزيد بن وهبٍ رجلاً مُبهَاً، ذكر ذلك الدَّارَقُطنيُّ في ((العِلَل)) (١١٠٢) فأفادَت هذه الرِّواية
المصرِّحة أنَّه من المَزِيد في مُتَّصِل الأسانيد.
وقد اعتَرَضَ الإسماعيليُّ على قول البخاريّ في هذا السَّنَد: ((بهذا)» فأشارَ إلى رواية
عبد العزيز بن رُفَيع، واقتَضَى ذلك أنَّ رواية شُعْبة / هذه نَظِير روايته، فقال: ليس في ٢٦٣/١١
حديث شُعْبة قصَّة المقِلّينَ والمكثِرِينَ، إنَّما فيه قصَّة مَن ماتَ لا يُشرِك بالله شيئاً. قال:
والعَجَبُ من البخاريّ كيفَ أطلقَ ذلك؛ ثمَّ ساقَه موصولاً من طريق حُميدٍ بن زَنْجويه
حدَّثنا النَّضر بن ثُمَيلِ عن شُعْبة، ولفظه: ((إنَّ جِبْيل بَشَّرَني أنَّ مَن ماتَ لا يُشِرِك
بالله شيئاً دَخَلَ الجنَّة، قلت: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ قال: وإن زَنَى وإن سَرَقَ))، قيلَ
السليمان - يعني الأعمَش -: إنَّما رُويَ هذا الحديث عن أبي الدَّرداء، فقال: إنَّما سمعتُه
عن أبي ذرٍّ.
ثمَّ أخرجه من طريق معاذ، حدَّثنا شُعْبة، عن حبيب بن أبي ثابت وبلال والأعمَش
وعبد العزيز بن رُفَیع سمعوا زيد بن وهب عن أبي ذرٍّ، زاد فيه راوياً وهو بلال، وهو ابن
مِرْداس الفَزَاريّ، شيخ كوفيّ أخرج له أبو داود، وهو صَدُوق لا بأسَ به.
وقد أخرجه أبو داود الطَّيالسيّ (٤٤٥) عن شُعْبة كرواية النَّضر ليس فيه بلال، وقد
تَبِعَ الإسماعيليَّ على اعتراضه المذكور جماعةٌ منهم مُغَلْطاي ومَن بعده.
والجواب عن البخاريّ واضحٌ على طريقة أهل الحديث، لأنَّ مُرادَه أصل الحديث، فإِنَّ
الحديث المذكور في الأصل قد اشتَمَلَ على ثلاثة أشياء، فيجوز إطلاق الحديث على كلّ

٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
واحد من الثلاثة إذا أُفِدَ(١)، فقولُ البخاريّ ((بهذا)) أي: بأصل الحديث، لا خُصوص اللَّفظ
المساق.
فالأوَّل من الثلاثة: ((ما يَسُرّني أنَّ لِي أُحُداً ذهباً)، وقد رواه عن أبي ذرِّ أيضاً بنحوِه
الأحنَفُ بن قيس، وتقدَّم في الزكاة (١٤٠٨)، والنُّعمان الغِفَاريُّ وسالم بن أبي الجَعْد
وسُوَيد بن الحارث كلّهم عن أبي ذرٍّ، ورواياتهم عند أحمد (٢١٥٧٠ و٢١٣٢٩ و٢١٣٢٢)،
ورواه عن النبيّ ◌َّ أيضاً أبو هريرة، وهو في آخر الباب [الذي يَلِيه](٢) من طريق
عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عنه، وسيأتي في كتاب التمنِّي (٧٢٢٨) من طريق همَّام،
وأخرجه مسلم (٩٩١) من طريق محمَّد بن زياد، وهو عند أحمد (٧٤٨٤) من طريق سليمان
ابن يَسَار، كلّهم عن أبي هريرة كما سأُبِّنُه.
الثّاني: حديث المكثِرِينَ والمقِلّينَ، وقد رواه عن أبي ذرِّ أيضاً المعرورُ بن سُويدٍ كما
تقدَّمَتِ الإشارة إليه، والتُّعمان الغِفَاريُّ وهو عند أحمد أيضاً (٣).
الثّالث: حديث: ((مَن ماتَ لا يُشِرِكُ بالله شيئاً دَخَلَ الجنَّة))، وفي بعض طرقه: ((وإن
زَنَى وإن سَرَقَ))، وقد رواه عن أبي ذرِّ أيضاً أبو الأسود الدُّؤَلِيّ، وقد تقدَّم في اللِّباس
(٥٨٢٧)، ورواه عن النبيّ وَ لّ أيضاً أبو هريرة كما سيأتي بيانه، لكن ليس فيه (٤): ((وإن زَنَی
وإن سَرَقَ))، وأبو الدَّرداء كما تقدَّمَتِ الإشارةُ إليه من رواية الإسماعيليّ.
وفيه أيضاً فائدة أُخرى: وهو أنَّ بعض الرُّواة قال: عن زيد بن وهب عن أبي الدَّرداء،
فلذلك قال الأعمَشُ لزيدٍ ما تقدَّم (٦٢٦٨) في رواية حفص بن غِيَاث عنه: قلت لزيدٍ:
بَلَغَني أنَّه أبو الدَّرداء، فأفادَت رواية شُعْبة أنَّ حَبيباً وعبد العزيز وافَقا الأعمشَ على أنَّه
(١) تحرَّف لفظ ((أُفرد)) في (س) إلى: أريد، ولفظ ((فقول)) فيها وفي (أ) إلى: بقول.
(٢) ما بين المعقوفين سقط من أصول ((الفتح)) التي بين أيدينا، ولا بدَّ منه.
(٣) رواية المعرور بن سويد ستأتي عند البخاري برقم (٦٦٣٨)، ورواية النعمان الغفاري عند أحمد برقم
(٢١٥٧٠).
(٤) في (س) بعده زيادة لفظ ((بيان)) وهو خطأ.

٧٣
باب ١٤ / ح ٦٤٤٤
كتاب الرقاق
عن زيد بن وهب عن أبي ذرِّ لا عن أبي الدَّرداء.
وثمَّن رواه عن زيد بن وهب عن أبي الدَّرداء محمَّدُ بن إسحاق، فقال: عن عيسى بن مالك
عن زيد بن وهب عن أبي الدَّرداء، أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٨٩٨)، والحسنُ بن عُبيد الله النَّخَعِيُّ
أخرجه الطبرانيُّ من طريقه عن زيد بن وهب عن أبي الدَّرداء بلفظ: ((مَن ماتَ لا يُشِرِك بالله
شيئاً دَخَلَ الجنَّة))، فقال أبو الدَّرداء: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ قال: ((وإن زَنَى وإن سَرَقَ)) فكَرَّرَها
ثلاثاً، وفي الثّالثة: ((وإن رَغِمَ أنف أبي الدَّرداء))(١).
وسأذكر بقيّة طرقه عن أبي الدَّرداء في آخر الباب الذي يليه؛ وذكره الدَّارَ قُطنيُّ في
((العِلَل)) (١١٠٢) فقال: يُشبه أن یکون القولان صحیحین. قلت: وفي حدیث کلُّ منهما في
بعض الطُّرق ما ليس في الآخر.
١٤ - باب قولِ النبيّ وَّ: ((ما يسرُّني أنَّ عندي مِثلَ أُحدٍ هذا ذهباً»
٦٤٤٤ - حدَّثنا الحسنُ بنُ الرَّبيعِ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، عن الأعمَشِ، عن زيدِ بنِ وَهْب،
قال: قال أبو ذَرٍّ: كنتُ أمشي معَ النبيِّ وَّه فِي حَرّةِ المدينةِ، فاستَقبَلَنا أُحُدٌّ، فقال: ((يا أبا ذرِّ))
قلتُ: لَبِّكَ يا رسولَ الله، قال: ((ما يَسُرُّني أنَّ عندي مِثلَ أُحُدٍ هذا ذهباً تَمضي عليَّ ثالثةٌ وعندي
منه دِينارٌ، إلّا شيئاً أُرصِدُه لدَينِ، إلا أن أقولَ به في عبادِ الله هكذا وهكذا وهكذا)) عن يَمِينِه
وعن شِمالِهِ ومن خَلْفِهِ، ثمَّ مَشَى فقال: ((إنَّ الأكثرِينَ همُ الأقلُّونَ يومَ القيامةِ، إلّا مَن قال هكذا
وهكذا وهكذا - عن يَمِينِهِ وعن شِماله ومِن خَلْفِهِ - وقليلٌ ما هم)».
ثُمَّ قال لي: ((مكانَكَ، لا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ)) ثمَّ انطَلَقَ في سوادِ اللَّيلِ حَتَّى تَوارَى، فسمعتُ صوتاً
قد ارتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أن يكونَ قد عَرَضَ للنبِّوَّهِ، فَأرَدْتُ أَنْ آتِيَه فَذَكَرْتُ قولَه لي: «لا تَبْرَحْ حتَّى
آَنِيَكَ)) فلم أبَرَحْ حتَّى أتاني، قلتُ: يا رسولَ الله، لقد سمعتُ صوتاً تَخوَّفْتُ، فَذَكَّرْتُ له، فقال:
((وهل سمعتَه؟)) قلتُ: نعم، قال: ((ذاكَ جِبْرِيلُ، أتاني فقال: مَن ماتَ من أَمَّتِكَ لا يُشِكُ بالله شيئاً،
دَخَلَ الجنَّةَ، قلتُ: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ قال: وإن زَنَى وإن سَرَقَ)).
(١) وهو من هذا الطريق عند النسائي أيضاً في ((الكبرى)) (١٠٨٩٧)، فكان العزو له أَولى.

٧٤
باب ١٤ / ح ٦٤٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب قول النبيّ ◌َ له: ما يَسُرّني أَنَّ عندي مِثلَ أَحُد هذا ذهباً)) لم أرَ لفظ هذا في
رواية الأكثر، لكنَّه ثابت في لفظ الخبر الأوَّل.
٢٦٤/١١
وذکر فیه حدیثین:
الأول: قوله: ((حدَّثنا الحسن بن الرَّبيع)) هو أبو عليّ البُورَانيّ، بالموخَّدة والرَّاء وبعد الألف
نون، وأبو الأحوص: هو سَلّم - بالتَّشديد - بن سُلَيم.
قوله: ((فاستَقِبَلَنا أُحُدِ)) في رواية عبد العزيز بن رُفَيع: ((فالتَّفَتَ فرآني)) كما تقدَّم (١)، وتقدَّم
قصَّة المكثِرِينَ والمقِلّينَ.
وقوله: ((فاستَقبَلَنا أُحُدٌ)) هو بفتح اللام، و((أُحدٌ)) بالرَّفع على الفاعليَّة، وفي رواية
حفص بن غِيَاث: ((فاستَقبَلْنا أُحُدّاً)) بسكونِ اللّام و((أُحُدا)) بالنَّصبِ على المفعولِيَّة(٢).
قوله: ((فقال: يا أبا ذرِّ، فقلت: لَبَّكَ يا رسول الله)) زاد في رواية سالم بن أبي الجَعْد
ومنصور عن زيد بن وهب عند أحمد (٢١٣٢٩): فقال: ((يا أبا ذرِّ أيُّ جبل هذا؟» قلت:
أُحُد (٣)، وفي رواية الأحنَف الماضية في الزكاة (١٤٠٨): ((يا أبا ذرٍّ، أتْبِصِرُ أُحُداً؟)) قال:
فَنَظَرتُ إلى الشمس ما بَقِيَ من النَّهار، وأنا أرَى أن يُرسِلَني في حاجة له، فقلت: نعم ...
الحدیث.
قوله: ((ما يَسُرّني أنَّ عندي مِثلَ أُحُد هذا ذهباً تَضي عليَّ ثالثةٌ وعندي منه دينار)) في رواية
حفص بن غِيَاث (٦٢٦٨): ((ما أُحِبّ أنَّ لي أُحُداً ذهباً، يأتي عليَّ يوم وليلة أو ثلاثٌ عندي
منه دينار))، وفي رواية أبي معاوية عن الأعمَش عند أحمد (٢١٣٤٧): «ما أُحِبّ أنَّ لي أُحُداً
(١) في الباب السابق.
(٢) كما تقدم في الاستئذان (٦٢٦٨)، وقد أشار إليها في الباب السابق، وكذا كثير من الروايات التي يذكرها
في هذا الباب سلف تخريجها في الباب قبله.
(٣) رواية سالم هي عن أبي ذر وليست عن زيد بن وهب، وقد أشار إليها في الباب قبله. أما رواية منصور فهي كما قال
عن زيد بن وهب، وقد قرنهما أحمدُ في رواية واحدة.

٧٥
باب ١٤ / ح ٦٤٤٤
كتاب الرقاق
ذاكَ ذهباً)، وفي رواية أبي شِهاب عن الأعمَش في الاستئذان(١): فلمَّا أبصَرَ أُحُداً قال: ((ما
أُحِبّ أنَّه يُحوَّل لِي ذهباً يَمكُث عندي منه دينار فوقَ ثلاث))، قال ابن مالك: تَضَمَّنَ هذا
الحديثُ استعمال حَوَّلَ بمعنى: صَيَّرَ، وإعمالها عملها، وهو استعمال صحيح خَفِيَ على أكثر
النُّحاة، وقد جاءت هذه الرّواية مبنيّة لما لم يُسمَّ فاعله، فَرَفَعَت أوَّل المفعولَينِ وهو ضمير عائد
على أُحُد، ونُصِبَ ثانيهما وهو قوله: / ((ذهباً))، فصارت ببنائها لما لم يُسمَّ فاعله، جاريةً مَجَرَى ٢٦٥/١١
صارَ في رفع المبتدأ ونصب اخبر، انتهى كلامه.
وقد اختَلَفَت ألفاظ هذا الحديث وهو مُتَّحِد المخرَج، فهو من تَصَرُّف الزُّواة، فلا يكون
حُجّةً في اللُّغة، ويُمكِن الجمع بين قوله: (مِثل أُحُد)) وبين قوله: ((يُحوَّل لي أُحُد)) بحَمْل
المِثِليَّة على شيء يكون وزنه من الذَّهَب وزن أُحُد، والتَّحويل على أنَّه إذا انقَلَبَ ذهباً كان قدرَ
وزنه أيضاً.
وقد اختَلَفَت ألفاظ رواته عن أبي ذرٍّ أيضاً: ففي رواية سالم ومنصور عن زيد بن وَهْب
بعد قوله: ((قلت: أُحُد)): قال: ((والذي نفسي بيده، ما يَسُرّني أنَّه ذهبٌ قِطَعاً أُنفقه في سبيل الله
أدَعُ منه قيراطاً))، وفي رواية سُويد بن الحارث عن أبي ذرّ: ((ما يَسُرّني أنَّ لي أُحُداً ذهباً، أموتُ
يوم أموت وعندي منه دینار أو نصف دینار))(٢).
واختَلَفَت ألفاظ الرُّواة أيضاً في حديث أبي هريرة ثاني حديثَي الباب كما سأذكره.
قوله: (تَضي عليَّ ثالثة)) أي: ليلة ثالثة، قيل: وإِنَّمَا قَيَّدَ بالثلاثة؛ لأنَّه لا يَتَهِيَّأ تفريق قَدْر
أُحُد من الذَّهَب في أقلَّ منها غالباً، ويُعكِّر عليه رواية: ((يوم وليلة))، فالأَولى أن يقال:
الثلاثة أقصَى ما يُحتاج إليه في تَفرِقة مثل ذلك، والواحدة أقلّ ما يُمكِن.
قوله: ((إلّا شيئاً أَرصِدُه لدَينٍ)) أي: أعُدُّه أو أحفَظُه. وهذا الإرصاد أعَمّ من أن يكون
(١) بل في الاستقراض (٢٣٨٨)، وعلّقه في الاستئذان بإثر الحديث (٦٢٦٨) مختصراً جداً، ولم يأت بما ذكره
الحافظ.
(٢) كلا الروايتين عند أحمد الأولى برقم (٢١٣٢٩)، والثانية برقم (٢١٣٢٢).

٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
لصاحبٍ دَينٌ غائب حتَّى يَحِضُر فيأخذه، أو لأجل وفاء دَينٌ مُؤَجَّل حتَّى يَحِلّ فيُوفَّى.
ووَقَعَ في رواية حفص وأبي شِهاب جميعاً عن الأعمَش: ((إلّا دينار)) بالرَّفع(١)، والنَّصبُ
والرَّفع جائزان؛ لأنَّ المستَثَنَى منه مُطلَقٌ عامّ، والمستَثَنَى مُقيَّدٍ خاصّ فاتَّجَهَ النَّصب.
وتوجيه الرَّفع أنَّ المستَنَى منه في سياق النَّفي، وجواب ((لو)) هنا في تقدير النَّفي،
ويجوز أن يُحِمَلِ النَّفي الصَّريح في ((أن لا تَمُرَّ عليَّ)) حمَلَ إلّا على الصِّفة، وقد فسَّرَ الشَّيء في
هذه الرواية بالدّینار.
ووقع في رواية سُوید بن الحارث عن أبي ذرٍّ: «وعندي منه دینار أو نصف دينار))، وفي
رواية سالم ومنصور: ((أدَعُ منه قيراطاً) قال: قلت: قِنطاراً؟ قال: ((قيراطاً»، وفيه: ثمّ قال:
((يا أبا ذرّ، إنَّما أقول الذي هو أقلّ)).
ووَقَعَ في رواية الأحتَفَ: ((ما أُحِبّ أنَّ لِي مِثْلَ أُحُد ذهباً أُنفقه كلَّه إلّا ثلاثة دنانير))، فظاهره
نفي تَحَبّة حصول المال ولو مع الإنفاق، وليس مُراداً، وإنَّما المعنى: نفيُ إنفاق البعض
مُقْتَصِراً عليه، فهو يُحِبّ إنفاق الكلّ إلّا ما استَثَنَى، وسائر الطُّرق تَدُلّ على ذلك، ويُؤْيِّده
أنَّ في رواية سليمان بن يَسَار عن أبي هريرة عند أحمد (٨٥٩٥): ((ما يَسُرّني أنَّ أُحُدكم هذا
ذهباً أُنفِقُ منه كلّ يوم في سبيل الله، فَيَمُرّ بي ثلاثة أيام وعندي منه شيء، إلّا شيء أُرصِدُه
الدَينٍ))، ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد بالكراهة الإنفاقُ في خاصّة نفسه، لا في سبيل الله
فهو محبوب.
قوله: ((إلّا أن أقولَ به في عباد الله)) هو استثناءً بعد استثناء فيفيد الإثبات، فيُؤْخَذ منه أنَّ نفي
◌َحَبّة المال مُفَيَّدة بعَدَمِ الإنفاق، فيَلزَم تَحبّةُ وجوده مع الإنفاق، فمادامَ الإنفاق مُستَمِّرّاً لا يُكرَه
وجود المال، وإذا انتَفَى الإنفاق ثَبَتَت كراهيةُ وجود المال، ولا يَلزَمُ من ذلك كراهية حصول
شيء آخر، ولو کان قَدْرَ أُحُد أو أكثر مع استمرار الإنفاق.
(١) هذا وقع في رواية أبي شهاب السالفة برقم (٢٣٨٨)، وأما رواية الأعمش السالفة برقم (٦٢٦٨) فهي بلفظ:
((إلّا أرصده)) بإسقاط لفظ ((دينار)) بعد أداة الاستثناء، هكذا هي في النسخة اليونينية.

٧٧
باب ١٤ / ح ٦٤٤٤
كتاب الرقاق
قوله: «هكذا وهكذا وهكذا، عن یمینه وعن شماله ومِن خلفه)) هکذا اقتَصَرَ علی ثلاث،
وُلَ على المبالَغة؛ لأنَّ العَطِيَّة لمن بين يَدَيه هي الأصل، والذي يظهر لي أنَّ ذلك من
تَصَرُّفات الرّواة، وأنَّ أصل الحديث مُشتَمِل على الجِهات الأربع، ثمَّ وجدتُه في الجزء
الثالث من ((البِشرائيّات))(١) من رواية أحمد بن مُلاعِب عن عمر بن حفص بن غِيَاث عن
أبيه بلفظ: ((إلّا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا وهكذا)) وأرانا بيدِه؛ كذا فيه
بإثبات الأربع.
وقد أخرجه المصنِّف في الاستئذان عن عمر بن حفص مِثلَه، لكن اقتَصَرَ من الأربع
على ثلاث.
وأخرجه أبو نُعَيم من طريق سهل بن بحر عن عمر بن حفص، فاقتَصَرَ على ثِنْتَين.
قوله: «ثمَّ مَشَى ثمّ قال: ألا إنَّ الأکثرینَ هم المقلّون يوم القيامة»/ في رواية أبي شهاب في ٢٦٦/١١
الاستقراض ورواية حفص في الاستئذان (٦٢٦٨): ((هم الأقلّونَ)) بالهمز في الموضعين،
وفي رواية عبد العزيز بن رُفَيع الماضية في الباب قبله: ((إنَّ المكثِرِينَ هم المِقِلّونَ)) بالميم في
الموضعين، ولأحمد (٢١٥٧٠) من رواية النُّعمان الغِفَاريِّ عن أبي ذرّ: ((إنَّ المكثِرِينَ الأقلّونَ»،
والمراد الإكثار من المال والإقلال من ثواب الآخرة، وهذا في حَقّ مَن كان مُكثِراً ولم يَتَّصِف بما
دَلَّ عليه الاستثناءُ بعده من الإنفاق.
قوله: «إلّا مَن قال ھکذا وهکذا وهکذا، عن یمینه وعن شِاله ومِن خلفه» في رواية أبي
شھاب (٢٣٨٨): «إلّا مَن قال بالمال ھکذا وهکذا)» وأشار أبو شهاب بین یدیه وعن يمينه
وعن شِماله، وفي رواية أبي معاوية عن الأعمَش عند أحمد (٢١٣٤٧): ((إلّا مَن قال هكذا
وهكذا وهكذا)) فحَثًا عن یمینه ومن بین یدیه وعن يَسارِه؛ فاشتَمَلَت هذه الرِّوايات على
الجِهات الأربع، وإن كان كلّ منها اقتَصَرَ على ثلاث.
(١) هي (( أمالي أبي القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران)). انظر ((المعجم المفهرس)) للحافظ ابن حجر
(١٠١٦).

٧٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقد جمعها عبد العزيز بن رُفَيع في روايته (٦٤٤٣)، ولفظه: ((إلّا مَن أعطاه الله خيراً -
أي: مالاً - فنَفَحَ - بنونٍ وفاء ومُهمَلة، أي: أعطَى كثيراً بغير تكلُّف - يميناً وشمالاً، وبين
يَدَيه ووراءَه)، وبَقِيَ من الجهات فوق وأسفَل، والإعطاء من قِبَل كلٍّ منهما مُمكِن، لكن
حُذِفَ لنُدوره. وقد فَسَّرَ بعضهم الإنفاقَ من وراءَ بالوصيّة، وليس قَيداً فيه، بل قد يَقصِد
الصَّحِيحُ الإخفاءَ فَيَدَفَعُ لمن وراءَه مالاً يعطي به مَن هو أمامه.
وقوله: ((هكذا)) صِفَة لمصدَرٍ محذوف، أي: أشارَ إشارةً مثل هذه الإشارة.
وقوله: ((من خَلِفِه)) بيان للإشارة، وخَصَّ عن اليمين والشِّمال؛ لأنَّ الغالب في الإعطاء
صُدوره باليَدَين، وزاد في رواية عبد العزيز بن رُفَيع: ((وعَمِلَ فيه خيراً)) أي: حَسَنة، وفي
سياقه جِناسٌٌ تامّ في قوله: ((أعطاه الله خيراً)) وفي قوله: ((وعَمِلَ فيه خيراً)، فمعنى الخير الأوَّل:
المال، والثّاني: الحَسَنة.
قوله: ((وقليلٌ ما هم)) ((ما)) زائدة مُؤكِّدة للقِلّة، ويحتمل أن تكون موصوفة، ولفظ
((قليل)) هو الخبر، و((هم)) هو المبتدَأ، والتَّقدير: وهم قليل، وقَدَّمَ الخبر للمُبالَغة في
الاختصاص.
قوله: ((ثمَّ قال لي: مكانَك)) بالنَّصب، أي: الزَمْ مكانَك، وقوله: ((لا تَبْرَح)) تأكيدٌ لذلك
ودفعٌ لتَوهُّمِ أنَّ الأمر بلُزومِ المكان ليس عامّاً في الأزمنة.
وقوله: ((حتَّى آتيَك)) غاية للُزوم المكان المذكور، وفي رواية حفص: ((لا تَبرَحْ يا أبا ذرِّ
حتَّى أرجِع))، ووَقَعَ في رواية عبد العزيز بن رُفَيع: فمَشَيتُ معه ساعة، فقال لي: ((اجلِسْ
هاهنا» فأجلَسَني في قاع؛ أي: أرض سهلة مطمئنة.
قوله: ((ثُمَّ انطَلَقَ في سواد اللَّيل)) فيه إشعار بأنَّ القمر كان قد غابَ.
قوله: (حتَّى تَوارَى)) أي: غابَ شَخصُه، زاد أبو معاوية: عَنّي، وفي رواية حفص: حتَّى
غابَ عنِّي، وفي رواية عبد العزيز: فانطلق في الحَرّة - أي: دَخَلَ فيها - حتَّى لا أراه، وفي رواية
أبي شِهاب: فتقدَّم غيرَ بعيد، زاد في رواية عبد العزيز: فأطالَ الُّبث.

٧٩
باب ١٤ / ح ٦٤٤٤
كتاب الرقاق
قوله: ((فسمعتُ صوتاً قد ارتَفَعَ)) في رواية أبي معاوية: فسمعتُ لَغَطاً وصوتاً . .
قوله: ((فتَخَوَّفْتُ أن يكون أحدٌّ عَرَضَ للنبيِّ ◌َّ)) أي: تَعرَّضَ له بسوءٍ. ووَقَعَ في رواية
عبد العزيز: فَتَخَوَّفت أن يكون عُرِضَ لرسولِ الله وَّهِ، وهو بضمٍّ أوَّل عُرِضَ على البناء
للمجهول.
قوله: ((فأرَدْت أن آتيه)) أي: أتوجَّه إليه، ووَقَعَ في رواية عبد العزيز: فأردتُ أن أذهب؛
أي: إليه، ولم يُرِدِ أن يَتَوجَّه إلى حال سبيله، بدليلٍ رواية الأعمَش في الباب.
قوله: ((فَذَكَرْتُ قوله: لا تَبَرَح، فلم أبرَحْ حتَّى أتاني)» في رواية أبي معاوية عن الأعمَش:
فانتَظَرته حتَّى جاء.
قوله: «قلت: يا رسول الله، لقد سمعتُ صوتاً تَخْوَّفْتُ، فَذَكَّرْت له)) في رواية أبي معاوية:
فذكرت له الذي سمعتُ، وفي رواية أبي شِهاب: فقلت: يا رسول الله الذي سمعتُ - أو
قال: الصَّوت الذي سمعت -، كذا فيه بالشكّ، وفي رواية عبد العزيز: ثمَّ إنّ سمعتُه وهو
يقول: ((وإن سَرَقَ وإن زَنَى))، فقلت: يا رسول الله، مَن تُكلِّمُ في جانب الحَرّة؟ ما
سمعتُ أحداً يَرجِع إليك شيئاً.
قوله: «فقال: وهل سمعتَه؟ قلت: نعم، قال: ذلك چِبريل))/ أي: الذي كنت أُخاطِبه، أو ٢٦٧/١١
ذلك صوت چېریل.
قوله: ((أتاني)) زاد في رواية حفص: ((فأخبَرَني))، ووَقَعَ في رواية عبد العزيز: ((عَرَضَ لي
- أي: ظَهَرَ - فقال: بَشِّر أمَّتك))، ولم أرَ لفظ التَّبشير في رواية الأعمَش.
قوله: ((مَن ماتَ لا يُشِرِك بالله شيئاً) زاد الأعمَشُ: ((من أمَّتك)).
قوله: ((دَخَلَ الجنَّة)) هو جواب الشَّرط، رَتَّبَ دخولَ الجنَّة على الموت بغير إشراك بالله، وقد
ثَبَتَ الوعيدُ بدخول النار لمن عَمِلَ بعض الكبائر، وبعَدَمِ دخول الجنَّة لمن عَمِلَها، فلذلك وَقَعَ
الاستفهام.

٨٠
باب ١٤ / ح ٦٤٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قلت: وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟)) قال ابن مالك: حرف الاستفهام في أوَّل هذا
الكلام مُقدَّر ولا بُدّ من تقديره. وقال غيره: التَّقدير: أوَإِن زَنَى أَوَ إِن سَرَقَ دَخَلَ الجنَّة؟
وقال الطِّييُّ: أُدخِلَ الجنَّةَ وإن زَنَى وإن سَرَقَ؟ والشَّرط حال، ولا يُذكَر الجواب مُبالَغة،
وتتميماً لمعنى الإنكار قال: وإن زَنَى وإن سَرَقَ.
ووَقَعَ في رواية عبد العزيز بن رُفَيع (٦٤٤٣): «قلت: يا جِبْرِيل، وإن سَرَقَ وإن زَنَى؟
قال: نعم))، وكَرَّرَها مرَّتَينِ للأكثر، وثلاثاً للمُستَمْلِي، وزاد في آخر الثّالثة: ((وإن شَرِبَ
الخمر))، وكذا وَقَعَ التَّكرارُ ثلاثاً في رواية أبي الأسود عن أبي ذرٍّ في اللِّباس (٥٨٢٧)، لكن
بتقديم الزِّنى على السَّرِقة كما في رواية الأعمش، ولم يَقُل: ((وإن شَرِبَ الخمر)) ولا وَقَعَت
في رواية الأعمش، وزاد أبو الأسود: ((على رَغْم أنف أبي ذرِّ)) قال: وكان أبو ذَرٍّ إذا حدَّث
بهذا الحديث يقول: وإن رَغمَ أنفُ أبي ذرٍّ.
وزاد حفص بن غِيَاث في روايته عن الأعمَش (٦٢٦٨): قال الأعمش: قلت لزيد بن
وهب: إنَّه بَلَغَني أنَّه أبو الدَّرداء، قال: أَشهَدُ لَدَّثَنيه أبو ذَرِّ بالرَّبَدة؛ قال الأعمش:
وحدَّثني أبو صالح عن أبي الدَّرداء نحوَه. وأخرجه أحمد (٢٧٥٢٧) عن ابن نُمَير عن
الأعمش عن أبي صالح عن أبي الدَّرداء بلفظ: ((إنَّه مَن ماتَ لا يُشِرِك بالله شيئاً دَخَلَ
الجنَّة)) نحوه، وفيه: ((وإن رَغِمَ أنفُ أبي الدَّرداء)).
قال البخاريّ في بعض النُّسَخ عَقِبَ رواية حفص: حديث أبي الدَّرداء مُرسَل لا
يَصِحّ، إنَّما أردنا للمَعرِفة؛ أي: إنَّما أردنا أن نذكره للمَعرِفة بحاله. قال: والصَّحيح
حديث أبي ذرٍّ، قيل له: فحديث عطاء بن يَسَار عن أبي الدَّرداءِ؟ فقال: مُرسَل أيضاً لا
يَصِحّ. ثمَّ قال: اضِرِبُوا على حديث أبي الدَّرداء(١). قلت: فلهذا هو ساقط من مُعظَم
النُّسَخ، وثَبَتَ في نسخة الصَّغَانيّ، وأوَّله: قال أبو عبد الله: حديثُ أبي صالح عن أبي
(١) قلنا: وقد ثبت كلام البخاري هذا بإثر رواية عبد العزيز بن رفيع السالفة في الباب السابق في رواية غير
أبي ذر الهروي.