Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ باب ٦٤ / ح ٦٤٠٤ كتاب الدعوات بعينِهِ في رواية أُخرى أكثر أو أقلّ، كما أنَّفَقَ في حديث أبي هريرة وأبي أيوب. قلت: إذا تَعَلَّدَت تَخارج الحديث فلا بأس بهذا الجمع، وإذا اتَّدَت فلا، وقد يَتَعَيَّن الجمع الذي قَدَّمتُه، ويُحتمل فيما إذا تَعَدَّدَت أيضاً أن يختلف المِقِدار بالزّمان، كالتَّقَيِيدِ بما بعد صلاة الصُّبح مثلاً وعَدَم التَّقييد، إن لم يُحمَل المطلَق في ذلك على المقيَّد. ويُستفاد منه جواز استرقاق العرب خِلَافاً لمن مَنَعَ ذلك. قال عياض: ذِكْر هذا العَدَد من المئة دليل على أنَّها غاية للثَّابِ المذكور، وأمَّا قوله: ((إلّا أحد عَمِلَ أكثر من ذلك)) فيحتمل أن يُراد الزّيادةُ على هذا العَدَد، فيكون لِقائِلِه من الفضل بحِسابِهِ، لئلّا يَظُنّ أنَّها من الحدود التي نُهيَ عن اعتدائها، وأنَّه لا فضل في الزيادة عليها/ كما في ٢٠٦/١١ رَكَعات السُّنَن المحدودة وأعداد الطَّهارة، ويحتمل أن يُرادَ الزّيادة من غير هذا الجِنس من الذِّكر أو غيره، إلّا أن يزيد أحدٌ عَمَلاً آخر من الأعمال الصالحة. وقال النَّوويّ: يُحتمل أن يكون المراد مُطلَق الزّيادة سواء كانت من التَّهليل أو غيره، وهو الأظهَر. يشير إلى أنَّ ذلك يَخْتَصّ بالذِّكر. ويُؤيِّده ما تقدَّم أنَّ عند النَّسائيِّ (ك١٠٣٣٥) من رواية عَمْرو بن شُعَيب: ((إلّا مَن قال أفضل من ذلك)) قال: وظاهر إطلاق الحديث أنَّ الأجر يَحَصُل لمن قال هذا التَّهليلَ في اليوم مُتَوالياً أو مُفرَّقاً، في مَجلِس أو مَجَالس، في أوَّل النَّهار أو آخره، لكنِ الأفضل أن يأتي به أوَّل النَّهار مُتَوالياً ليكونَ له حِرزاً في جميع نهاره، وكذا في أوَّل اللّيل ليكون له حِرزاً في جمیع ليله. تنبيه: أكمَلُ ما وَرَدَ من ألفاظ هذا الذِّكر في حديث ابن عمر عن عمر رَفَعَه: ((مَن قال حين يَدخُل السّوق: لا إله إلّا الله وحده لا شَرِيك له، له الملك وله الحمد، يُحبي ويُميت وهو حَيّ لا يموت، بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير)) الحديث أخرجه التِّرمِذيّ (٣٤٢٨ و٣٤٢٩) وغيره(١)، وهذا لفظ جعفر في ((الذِّكر)) وفي سنده لين، وقد وَرَدَ جمیعُه في حديث الباب على ما أوضَحته مُفرَّقاً إلّا قوله: ((وهو حَيُّ لا يموت)). (١) أخرجه أحمد (٣٢٧). ٤٤٢ باب ٦٥ / ح ٦٤٠٥ - ٦٤٠٦ فتح الباري بشرح البخاري ٦٥ - باب فضل التسبيح ٦٤٠٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ تُه، أنَّ رسولَ الله ◌ِو ◌َّ قال: «مَن قال: سُبْحانَ الله وبِحَمْدِه في يومٍ مئةَ مَّةٍ حُطَّت خَطاياه، وإن كانت مِثْلَ زَبَدِ البحرِ». ٦٤٠٦- حدَّثنا زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ، حدّثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن عُمارةَ، عن أبي زُرْعةً، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّه قال: «كَلمَتان خَفِيفَتان على اللِّسان، ثَقِيلَتان في الميزان، حبيبتان إلى الَّحمنِ: سُبْحانَ الله العظيمِ، سُبْحَانَ الله وبِحَمْدِه)). [طرفاه في: ٦٦٨٢، ٧٥٦٣] قوله: «باب فضل التَّسْبیح) يعني: قول سبحان الله، ومعناه: تنزيه الله عمّا لا يليق به من كلّ نقص، فيَلزَمِ نفي الشَّريك والصّاحبة والولد وجميع الرَّذائل. ويُطلَقَ الَّسبيح ويُراد به جميع ألفاظ الذِّكر، ويُطلَق ويُراد به صلاة النافلة. وأمَّا صلاة التَّسبيح فسُمّيَت بذلك لِكَثْرة التّسبیح فيها. وسبحانَ: اسم منصوب على أنَّه واقعٌ مَوقِعَ المصدر لفعلِ محذوف، تقديره: سَبَّحتُ الله سُبحاناً، كسَبَّحتُ الله تَسبيحاً، ولا يُستَعمَل غالباً إلّا مُضافاً، وهو مضاف إلى المفعول، أي: سَبَّحتُ اللهَ، ويجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل، أي: نَزَّهَ اللهُ نفسَه، والمشهور الأوَّل، وقد جاء غیرَ مضاف في الشِّعر کقوله(١): سُبحانَه ثمَّ سبحاناً أُنزِّهُهُ قوله: ((مَن قال: سُبْحان الله وبِحَمْدِه في يوم مئة مرَّة حُطَّت خَطاياه، وإن كانت مِثْلَ زَبَد البحر)) زاد في رواية سُهَيل بن أبي صالح عن سُمَيّ عن أبي صالح: ((مَن قال حين يُمسي وحين يُصبح))(٢). (١) هو قول أمية بن أبي الصَّلْت، وهو صدر بيت عجزه: وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُوديُّ والحُمُد. انظر ((لسان العرب)) مادة (سبح). وأكثر من رواه رواه بلفظ: سبحاناً يَعُودُ له. (٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٢)، وأبو داود (٥٠٩١)، والترمذي (٣٤٦٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٣٢٧). ٤٤٣ باب ٦٥ / ح ٦٤٠٦ كتاب الدعوات ويأتي في ذلك ما ذكره النَّوويّ من أنَّ الأفضل أن يقول ذلك مُتَوالياً في أوَّل النَّهار وفي أوَّل الليل. والمراد بقوله: ((وإن كانت مِثل زَبَد البحر)) الكناية عن المبالَغة في الكَثْرة. قال عياض: قوله: ((حُطَّت خطاياه وإن كانت مِثل زَبَد البحر)) مع قوله في التَّهليل: ((ُحْيَت عنه مئة سَيِّئَة)) قد يُشعِر بأفضليّة التَّسبيح على التَّهليل، يعني: لأنَّ عَدَد زَيَد البحر أضعاف أضعاف / المئة، لكن تقدَّم في التَّهليل (٦٤٠٣): ((ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به)) ٢٠٧/١١ فيُحتمل أن يُجمَع بينهما بأن يكون التَّهليل أفضل، وأنَّه بما زِيدَ من رَفْع الدَّرَجات وكَتْب الحسنات، ثمَّ ما جُعِلَ مع ذلك من فضل عتق الرِّقاب قد يزيد على فضل التَّسبيح وتكفيره جميع الخَطَايا، لأنَّه قد جاء: ((مَن أعتَقَ رَقَبَة أعتَقَ الله بكلِّ عُضو منها عُضواً مِنه من النار))(١). فحَصَلَ بهذا العِتق تكفير جميع الخَطايا عُموماً بعد حَصْر ما عَدَّدَ منها خصوصاً مع زيادة مئة درجة، وما زادَه عِتق الرِّقاب الزّيادة على الواحدة، ويُؤيِّده الحديث الآخر: (أفضل الذِّكر التَّهليل))(٢) وأنَّه أفضل ما قاله والنبيّونَ من قبله(٣) وهو كلمة التَّوحيد والإخلاص، وقيل: إنَّه اسم الله الأعظم، وقد مَضَى شرح التَّسبيح، وأنَّه التَّنزيه عَّا لا يَلِيق بالله تعالى، وجميع ذلك داخل في ضِمن ((لا إله إلا الله وحده لا شَرِيكَ له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير))، انتهى مُلخَّصاً. قلت: وحديث ((أفضل الذِّكر لا إله إلّا الله)) أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٨٣) والنَّسائيُّ (ك١٠٥٩٩)، وصحَّحه ابن حبّان (٨٤٦) والحاكم (١/ ٤٩٨) من حديث جابر، ویعارضه في الظّاهر حديث أبي ذرّ: قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحَبّ الكلام إلى الله، قال: ((إنَّ أحَبّ الكلام إلى الله سبحان الله وبِحَمدِه)) أخرجه مسلم (٨٥/٢٧٣١)، وفي رواية (٨٦): سُئلَ أيّ الكلام أفضل؟ قال: ((ما اصطَفاه الله ملائكَتِهِ: سبحان الله وبِحَمدِه)). (١) تقدم برقم (٢٥١٧). (٢) سيخرجه الحافظ قريباً. (٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٢١٤/١ و٤٢٢ من مرسل طلحة بن عبيد الله بن کَرِيز، ورجاله ثقات. ٤٤٤ باب ٦٥ / ح ٦٤٠٦ فتح الباري بشرح البخاري وقال الطِّييُّ في الكلام على حديث أبي ذرٍّ: فيه تلميح بقولِه تعالى حكايةً عن الملائكة: ﴿وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ويُمكِن أن يكون قوله: ((سبحان الله وبِحَمِدِه)) مختصراً من الكلمات الأربع وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، لأنَّ ((سبحان الله)) تنزيه له عمَّا لا يَلِيق بجَلاله، وتقديس لِصفاته من النَّقائص، فيَندَرِج فيه معنى لا إله إلّا الله. وقوله: ((وبِحَمِدِه)) صريح في معنى والحمد لله، لأنَّ الإضافة فيه بمعنى اللّم في الحمد، ويَستَلِزِم ذلك معنى الله أكبر، لأنَّه إذا كان كُلّ الفَضل والإفضال لله ومن الله وليس من غيره شيء من ذلك فلا يكون أحدٌ أكبرَ مِنه، ومع ذلك كلّه فلا يَلزَم أن يكون التَّسبيح أفضل من التَّهليل، لأنَّ التَّهليل صريحٌ في التَّوحيد، والتَّسبيح مُتَضَمِّن له، ولأنَّ نفي الإلهية في قول: ((لا إله)) نفي لمضمَّنِها من فِعل الخلق والرِّزق والإثابة والعُقوبة، وقول: ((إلّا الله)) إثبات لذلك، ويَلَزَم مِنه نفي ما يُضادّه ويُخالفه من النَّقائص، فمَنطوق سبحان الله تنزيه، ومفهومه توحيد، ومَنطوق لا إله إلّا الله توحيد، ومفهومه تنزيه، يعني فيكون لا إله إلّا الله أفضل، لأنَّ التَّوحيد أصل والتَّزيه يَنشَأ عنه، والله أعلم. وقد جَمَعَ القُرطُبيّ بما حاصله: إنَّ هذه الأذكار إذا أُطلِقٍ على بعضها أنَّه أفضل الكلام أو أحَبّه إلى الله فالمراد إذا انضَمَّت إلى أخَواتها، بدليلٍ حديث سَمُرة عند مسلم (٢١٣٧): ((أحَبّ الكلام إلى الله أربع لا يَضُرّك بأيِّنَّ بَدَأْتَ: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر)). ويحتمل أن يُكتفى في ذلك بالمعنى، فيكون مَن اقتَصَرَ على بعضها كَفَى، لأنَّ حاصلها التَّعظيم والتَّنزيه، ومَن نَّهَه فقد عَظَّمَه ومَن عَظَّمَه فقد نَّهَه، انتهى. وقال النَّوويّ: هذا الإطلاق في الأفضليَّة محمول على كلام الآدميّ، وإلّا فالقرآن أفضل الذِّكر. وقال البَيْضاويّ: الظّاهر أنَّ المراد من الكلام كلام البشر، فإنَّ الثلاث الأُوَل وإن وُجِدَت في القرآن لكن الرَّابِعة لم تُوجَد فيه، ولا يَفضُل ما ليس فيه على ما هو فيه. ٤٤٥ باب ٦٥ / ح ٦٤٠٦ كتاب الدعوات قلت: ويحتمل أن يُجمَع بأن تكون ((من)) مُضمَرة في قوله: ((أفضل الذِّكر لا إله إلّ الله)) وفي قوله: ((أحَبّ الكلام)) بناءً على أنَّ لفظ أفضل وأحَبّ مُتَساويان في المعنى، لكن يظهر مع ذلك تفضيل لا إله إلّا الله، لأنَّهَا ذُكِرَت بالتَّصيصِ عليها بالأفضليَّة الصَّريحة، وذُكِرَت مع أخَواتها بالأحَبَيَّة فحَصَلَ لها التَّفضيلِ تَنصيصاً وانضِماماً، والله أعلم. وأخرج الطَّبَريُّ (٩٣/١٥) من رواية عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص قال: إنَّ الرجل إذا قال: لا إله إلّا الله، فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل اللهُ عَمَلاً حتَّى يقولها، وإذا/ قال: الحمد لله، فهي كلمة الشُّكر التي لم يَشكُرِ اللهَ عبدُ حتَّى يقولها. ومن ٢٠٨/١١ طريق الأعمَش عن مجاهد عن ابن عبّاس (٢٤/ ٨١) قال: مَن قال: لا إله إلّا الله، فليَقُل على إثرها: الحمد لله رَبّ العالمينَ. تكميل: أخرج النَّسائيُّ (ك١٠٦٠٢ و١٠٩١٣) بسندٍ صحيح(١) عن أبي سعيد: عن النبيّ ◌َّ: ((قال موسى: يا رَبِّ عَلِّمني شيئاً أذكُرُك به، قال: قل لا إله إلّا الله)) الحديث، وفيه: (لو أنَّ السَّماوات السَّبع وعامِرَهنَّ والأرَضينَ السَّبع جُعِلنَ في كِفّة، ولا إله إلّا الله في كِفّة ◌َالَت بِنَّ لا إله إلّا الله)) فيُؤخَذ منه أنَّ الذِّكر بلا إله إلّا الله أرجَحُ من الذِّكر بالحمد لله، ولا يعارضه حديث أبي مالك الأشعريّ رَفَعَه: ((والحمد لله تَلَأ الميزان))(٢) فإنَّ الِلء يدلّ على المساواة والرُّجحان صريح في الزّيادة فيكون أَولى، ومعنى ((مِلء الميزان)) أنَّ ذاکِرِها یَمتَلِئِ میزانُه ثواباً. وذكر ابن بَطّال عن بعض العلماء أنَّ الفضل الوارد في حديث الباب وما شابهه إنَّما هو لأهلِ الفضل في الدّين والطَّهارة من الجرائم العِظام، وليس مَن أصَرَّ على شَهَواته وانتَهَكَ دين الله وحُرُماته بِلَاحِقٍ بالأفاضلِ المطهّرينَ في ذلك. ويَشهَد له قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءٍ تَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءُ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. (١) هو من رواية درّاج عن أبي الهيثم، وروايته عنه ضعيفة. (٢) أخرجه مسلم (٢٢٣)، والترمذي (٣٥١٧)، وابن ماجه (٢٨٠) والنسائي (٢٤٣٧). ٤٤٦ باب ٦٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثنا ابن فُضَيلِ)) هو محمَّد، وأبوه بالفاءِ والمعجَمة مُصغَّر، وعُمارة: هو ابن القعقاع بن شُبْرُمةَ، وأبو زُرْعة: هو ابن عَمْرو بن جَرِير، ورجال الإسناد ما بین زُهَير بن حَرْب وأبي هريرة كوفيّونَ. قوله: ((خفيفتان على اللُّسان ... )) إلى آخره، قال الطِّييُّ: الخِفّة مُستَعارة للسُّهولة، شَبَّهَ سُهولة جَرَيان هذا الكلام على اللِّسان بما يَخِفّ على الحامل من بعض المحمولات فلا يَشُقّ عليه، فذكر المشَبَّه وأراد المشَبَّه به، وأمَّا الثّقَل فعلى حقيقته، لأنَّ الأعمال تَتَجَسَّم عند الميزان، والخِفّة والسُّهولة من الأُمور النِّسبيَّة. وفي الحديث حَقٌّ على المواظبة على هذا الذِّكر وتحريضٌ على مُلازَمَته، لأنَّ جميع التَّكاليف شاقّة على النَّفْس، وهذا سَهل ومع ذلك يَثْقُل في الميزان كما تَنَقُل الأفعال الشّافّة، فلا ينبغي التَّفريط فيه. وقوله: (حبيبَتَان إلى الرَّحمن)) تثنية حبيبةٍ، وهي المحبوبة، والمراد: أنَّ قائلها محبوبٌ لله، وَحَبّة الله للعبد إرادة إيصال الخير له والتَّكريم، وخَصَّ الرَّحمنَ من الأسماء الحُسنَى للَّنبيه على سَعة رحمة الله، حيثُ يُجازي على العَمَل القليل بالثَّوابِ الجزيل، ولما فيها من التَّزيه والتَّحميد والتَّعظيم. وفي الحديث جواز السَّجع في الدُّعاء إذا وَقَعَ بغير كُلفة، وسيأتي بَقَيَّة شرح هذا الحديث في آخر ((الصَّحيح)) حيثُ خَتَمَ به المصنّف (٧٥٦٣) إن شاء الله تعالى. ٦٦ - باب فضل ذكر الله عزَّ وجلَّ ٢٠٩/١١ قوله: ((باب فضل ذِكْر الله عزَّ وجلَّ)) ذكر فيه حديثَي أبي موسى وأبي هريرة وهما ظاهران فيما تَرجَمَ له، والمراد بالذِّكرِ هنا: الإتيان بالألفاظِ التي وَرَدَ التَّرغيب في قولها والإكثار منها مِثل الباقيات الصالحات، وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وما يَلتَحِق بها من الحَوقَلة والبسملة والحَسبلة والاستغفار، ونحو ذلك، والدُّعاء بخيرَي الدُّنيا والآخِرة. ويُطلَق ذِكْر الله أيضاً ويُراد به المواظَبة على العَمَل بما أوجَبَه أو نَدَبَ إليه، كتلاوة القرآن ٤٤٧ باب ٦٦ كتاب الدعوات وقراءة الحديث ومُدارَسة العلم والتَنَفَّل بالصلاة. ثُمَّ الذِّكر يقع تارة باللِّسان ويُؤجَر عليه الناطِقِ، ولا يُشتَرَط استحضارُه لمعناه، ولكن يُشْتَرَط أن لا يَقصِد به غيرَ معناه، وإن انضافَ إلى النُّطْقِ الذِّكرُ بالقلبِ فهو أكمَل، فإن انضافَ إلى ذلك استحضار معنى الذِّكر وما اشتَمَلَ عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النَّقائص عنه ازدادَ كمالاً، فإن وَقَعَ ذلك في عَمَل صالح مما فُرِضَ من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازدادَ کمالاً، فإن صَخَّحَ النَّوُّه وأخلَصَ لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال. وقال الفخر الرَّازيُّ: المراد بذِكْر اللِّسان: الألفاظ الدّالَّة على التَّسبيح والتَّحميد والتَّمجيد. والذِّكر بالقلبِ: التفكّر في أدلّة الذّات والصِّفات، وفي أدلّة التَّكاليف من الأمر والنَّهي حتَّى يَطَّلِع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله. والذِّكر بالجوارحِ: هو أن نَصير مُستَغرِقةً في الطاعات، ومن ثَمَّ سَمَّى الله الصلاة ذِكْراً فقال: ﴿فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. ونُقِلَ عن بعض العارفينَ قال: الذِّكر على سبعة أنحاء: فذِكْر العينينِ بالبُكاء، وذِكْر الأُذُنَيْنِ بالإصغاء، وذِكْرِ اللِّسان بالثَّناء، وذِكْر اليَدَينِ بالعطاء، وذِكْر البَدَن بالوفاء، وذِكْر القلب بالخوفِ والرَّجاء، وذِكْر الرّوح بالتَّسليمِ والرِّضاء. ووَرَدَ في فضل الذِّكر أحاديث أُخرى: منها: ما أخرجه المصنّف في أواخر كتاب التَّوحيد (١٤٠٥ و ٧٥٣٧) عن أبي هريرة: قال النبيّ وَّ: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)) الحديث. ومنها: ما أخرجه في صلاة اللَّيل (١١٤٣) من حديث أبي هريرة أيضاً رَفَعَه: ((يَعِقِد الشَّيطان)) الحديث، وفيه: ((فإن قامَ فذَكَر الله انحَلَّت عُقدة)). ومنها: ما أخرجه مسلم (٢٧٠٠) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعاً: ((لا يَقعُد قوم يَذْكُرونَ الله تعالى إلّا حَفَّتهم الملائكة، وغَشِيَتَهم الرَّحمة، ونزلت عليهم السَّكينة)) الحديث. ٤٤٨ باب ٦٦ فتح الباري بشرح البخاري ومن حديث أبي ذرِّ رَفَعَه (٨٦/٢٧٣١): «أحَبُّ الكلام إلى الله ما اصطَفَى لملائكَتِهِ: سبحان رَبِّ وبِحَمِدِه))(١) الحديث. ومن حديث معاوية رَفَعَه (٢٧٠) أنَّه قال لجماعةِ جَلَسوا يَذْكُرُونَ الله ٢١٠/١١ تعالى: ((أتاني جِبْريل فأخبرني أنَّ/ الله يُباهي بكم الملائكة)). ومن حديث سَمُرة رَفَعَه (٢١٣٧): («أحَبّ الكلام إلى الله أربع: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، لا يَضُرّك بأيِِّنَّ بَدَأت)). ومن حديث أبي هريرة رَفَعَه (٢٦٩٥): ((لَأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، أحَبّ إليَّ مَمَّا طَلَعَت عليه الشمس)). وأخرج التِّرمِذيّ (٢٨٦٣) والنَّسائيُّ(٢) وصَحَّحَه الحاكم (١/ ٤٢١-٤٢٢) عن الحارث ابن الحارث الأشعَريّ في حديث طويل، وفيه: ((فآمُركم أن تَذكُرُوا الله، وإنَّ مَثَل ذلك كمَثَلِ رجل خَرَجَ العدوّ في إثره سِراعاً، حتَّى إذا أتى على حِصن حَصين أحرَزَ نفسه منهم، فكذلك العَبد لا يُحِرِز نفسه من الشَّيطان إلّا بذِكْر الله تعالى)). وعن عبد الله بن بُسْر: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ شَرائع الإسلام قد كَثُرَت عليَّ. فأخبِرِني بشيءٍ أتشَبَّث به. قال: ((لا يزال لسانك رَطْباً من ذِكْرِ الله)) أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٧٥)، وابن ماجَهْ (٣٧٩٣)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٨١٤) والحاكم (٤٩٥/١). وأخرج ابن حِبّان (٨١٨) نحوه أيضاً من حديث معاذ بن جبل، وفيه أنَّه السائل عن ذلك. وأخرج التِّمِذيّ (٣٥١٠) من حديث أنس رَفَعَه: ((إذا مَرَرتُم برياض الجنَّة فارتَعُوا)). قالوا: وما رياض الجنَّة؟ قال: ((حِلَق الذِّكْر)). وأخرج التِّرمِذيّ (٣٣٧٧) وابن ماجَهْ (٣٧٩٠) وصَحَّحَه الحاكم (٤٩٦/١) من حديث أبي الدَّرداء مرفوعاً: ((ألا أُخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مَليككم، وأرفَعها في دَرَجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذَّهَب والوَرِق، وخير لكم من أن تَلْقَوا عدوّكم فتَضربوا أعناقهم (١) هذا لفظ رواية الترمذي (٣٥٩٣)، ولفظ رواية مسلم قدّمها الحافظ قريباً. (٢) لم يخرج النسائي من الحديث هذه القطعة التي ذكرها الحافظ رحمه الله، وإنما اقتصر في ((الكبرى)) على قطعة أخرى من الحديث الطويل في دعوى الجاهلية بالرقم (٨٨١٥) و(١١٢٨٦). ٤٤٩ باب ٦٦ / ح ٦٤٠٧ - ٦٤٠٨ كتاب الدعوات ويَضربوا أعناقكم؟» قالوا: بَلَى. قال: ((ذِكْر الله عزَّ وجلَّ)). وقد أشرتُ إليه مُستَشكلاً في أوائل الجهاد مع ما وَرَدَ في فضل المجاهد أنَّه كالصّائمِ لا يُفطِر وكالقائمِ لا يَفتُّر، وغير ذلك ثمَّ يدلّ على أفضليَّتَه على غيره من الأعمال الصالحة، وطريق الجمع - والله أعلم - أنَّ المراد بذِكْر الله في حديث أبي الدَّرداء: الذِّكر الكامل، وهو ما يَجِتَمِع فيه ذِكْر اللِّسان والقلب بالتفكُّرِ في المعنى واستحضار عَظَمة الله تعالى، وأنَّ الذي يَحَصُّل له ذلك يكون أفضل ممَّن يقاتل الكفَّار مثلاً من غير استحضارٍ لذلك. وأنَّ أفضليّة الجهاد إنَّما هي بالنّسبة إلى ذِكْر اللِّسان المجَرَّد، فمَن اتَّفَقَ له أنَّه جَمَعَ ذلك كمَن يَذْكُر الله بلسانه وقلبه واستحضاره، وكلّ ذلك حالَ صلاته أو في صيامه أو تَصَدُّقه أو قتاله الكفَّارَ مثلاً، فهو الذي بَلَغَ الغاية القصوى، والعلم عند الله تعالی. وأجابَ القاضي أبو بكر بن العربيّ بأنَّه ما من عَمَل صالح إلّا والذِّكر مُشتَرَط في تصحيحه، فمَن لم يَذكُر الله بقلبِه عند صَدَقَته أو صيامه مثلاً فليس عَمَله كاملاً، فصارَ الذِّكر أفضل الأعمال من هذه الحَيثيّة. ويشير إلى ذلك حديث: ((نيَّة المؤمن أبلغ من عَمَله))(١). ٦٤٠٧ - حدَّثني محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدقَ، عن أبي موسى ، قال: قال النبيُّنَّهِ: ((مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّه، والذي لا يَذْكُرُ ربّه مَثَلُ الحيّ والميِّتِ)). ٦٤٠٨ - حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إنَّ لله ملائكةٌ يَطوفونَ في الطُّرقِ، يَلْتَمِسونَ أهلَ الذِّكْرِ، فإذا وجَدوا قوماً يَذْكُرونَ الله تَنادَوْا هَلُمّوا إلى حاجَتِكُم، قال: فيَحُفّونَهم بأْنِحَتِهم إلى السماءِ الدُّنْيا، قال: فَيَسْأُم رَبُّهم - وهو أعلمُ منهم -: ما يقولُ عبادي؟ قال: تَقُول: يُسبِّحونَكَ، ويُكَبِرُونَكَ، (١) أخرجه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٤٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٨٥٩) من حديث أنس بن مالك، وأخرجه الطبراني (٥٩٤٢)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٩/ ٢٣٧ من حديث سهل بن سعد، والقضاعي (١٤٨) من حديث النّاس بن سمعان. وأسانيدها كلها ضعيفة. وانظر ((كشف الخفاء)) ٢/ ٤٣٠. ٤٥٠ باب ٦٦ / ح ٦٤٠٨ فتح الباري بشرح البخاري ويَحْمَدونَكَ، ويُمَجِّدونَكَ، قال: فيقول: هل رَأوْني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رَأَوْكَ، قال: فيقول: كيفَ لو رَأَوْني؟ قال: يقولون: لو رَأوْكَ كانوا أشَدَّ لكَ عبادةً، وأشَدَّ لكَ تَمْجِيداً، وأكثرَ لكَ تَسْبِيحاً قال: يقول: فما يَسْألونني؟ قال: يَسْألُونَكَ الجنَّةَ، قال: يقول: وهل رَأوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا رَبِّ ما رَأوْها، قال: فيقول: فكيفَ لو أنَّهم رَأوْها؟ قال: يقولون: لو أنَّهِم رَأوْها كانوا أشَدَّ عليها حِرْصاً، وأشَدَّ لها طَلَباً، وأعظَمَ فيها رَغْبَةً. قال: فمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قال: يقولون: منَ النار، قال: يقول: وهل رَأوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا ربِّ ما رَأوْها، قال: يقول: فكيفَ لو رَأوْها؟ قال: يقولون: لو رَأوْها كانوا أشَدَّ منها فِراراً، وأشَدَّ لها تَحافةً، قال: فيقول: فَأَشْهِدُكم أنّي قد غَفَرْتُ لهم، قال: يقول مَلَكٌّ منَ الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنَّما جاء لِحاجةٍ قال: همُ الجُلَساءُ لا يَشْقَى جَلِيسُهم)). رواه شُعْبةُ عن الأعمَشِ، ولم يرفعْه. ورواه سُهَيلٌ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِّ. الحديث الأول: قوله: ((مَثَل الذي يَذكُرُ رَبّه والذي لا يَذْكُرُ رَبّه مَثَل الحميّ والميِّت)) سَقَطَ لفظ ((رَبّه)) الثّانية من رواية غير أبي ذرٍّ، هكذا وَقَعَ في جميع نُسَخ البخاريّ، وقد أخرجه مسلم (٧٧٩) عن أبي كُرَيب، وهو محمَّد بن العلاء شيخ البخاريّ فيه بسندِه المذكور بلفظ: ((مَثَل البيت الذي يُذكَر الله فيه والبيت الذي لا يُذكَر الله فيه مَثَل الحيّ والميِّت)). وكذا أخرجه الإسماعيليّ وابن حِبّان في ((صحيحه)) (٨٥٤) جميعاً عن أبي يَعْلى (١) عن أبي گُرَيب. وكذا أخرجه أبو عَوَانة (٣٩١٠) عن أحمد بن عبد الحميد، والإسماعيليّ أيضاً عن الحسن بن سفيان عن عبد الله بن بَرّاد، وعن القاسم بن زَكَریًا عن يوسف بن موسى وإبراهيم بن سعيد الجَوْهريّ وموسى بن عبد الرّحمن المسروقيّ والقاسم بن دينار، كلّهم عن أبي أُسامة. (١) وهو في ((مسند أبي يعلى)) (٧٣٠٦). ٤٥١ باب ٦٦ / ح ٦٤٠٨ كتاب الدعوات فَتَوارُد هؤلاءِ على هذا اللَّفظ يدلّ على أنَّه هو الذي حدَّث به بُرَيدُ بنُ عبد الله شیخُ أبي أُسامة، وانِفِراد البخاريّ باللَّفْظِ المذكور دونَ بَقيَّة أصحاب أبي كُرَیب وأصحاب أبي أُسامة يُشعِر بأنَّه رواه من حِفظه، أو تَجَوَّزَ في روايته بالمعنى الذي وَقَعَ له، وهو أنَّ الذي يوصَف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا السَّكَن، وأنَّ إطلاق الحيّ والميِّت في وصف البيت إنَّما يُراد به ساكن البيت، فشَبَّهَ الذّاكِرِ بالحيِّ الذي ظاهره مُتَزَيِّن بنورِ الحياة وباطِنه بنورِ المعرفة، وغير / الذّاكِر بالبيت الذي ظاهره عاطل وباطِنه باطِل. ٢١١/١١ وقيل: مَوقِع التَّشبيه بالحيِّ والميِّت لما في الحميّ من النَّفْع لمن يواليه والضُّ لمن يُعاديه، وليس ذلك في الميِّت. الحديث الثاني: قوله: «حدّثنا قُتیبة)) هو ابن سعید، وصرَّحَ بذلك في غیر رواية أبي ذرٍّ. قوله: ((جَرِیر)) هو ابن عبد الحميد. قوله: ((عن أبي صالح)) لم أرَه من حديث الأعمَش إلّا بالعَنعَنة، لكنِ اعْتَمَدَ البخاريّ على وَصْله لِكَونِ شُعْبة رواه عن الأعمَش كما سأذكره، فإنَّ شُعْبة كان لا يُحدِّث عن شيوخه المنسوبين للتَّدليسِ إلّا بما تَحقَّقَ أنَّهم سمعوه. قوله: ((عن أبي هريرة)) كذا قال جَرِير، وتابَعَه الفُضَيل بن عياض عند ابن حِبّان (٨٥٦) وأبو بكر بن عيَّاش عند الإسماعيليّ، كلاهما عن الأعمش. وأخرجهِ التِّرمِذيّ (٣٦٠٠) عن أبي كُرَيب عن أبي معاوية عن الأعمش، فقال: عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، هكذا بالشكِّ للأكثر، وفي نُسخة: وعن أبي سعيد، بواو العطف، والأوَّل هو المعتمد، فقد أخرجه أحمد (٧٤٢٤) عن أبي معاوية بالشكِّ، وقال: شَكّ الأعمَش، وكذا قال ابن أبي الدُّنيا عن إسحاق بن إسماعيل عن أبي معاوية. وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد، وقال: شَكّ سليمان، يعني الأعمَش. ٤٥٢ باب ٦٦ / ح ٦٤٠٨ فتح الباري بشرح البخاري قال التِّرمِذيّ: حسن صحيح، وقد روي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه. يعني: كما تقدَّم بغیر تَرَدُّد. قوله بَعْد سياق المَثْنِ: ((رواه شُعْبة، عن الأعْمَش)) يعني: بسندِه المذكور. قوله: ((ولم يرفعه)) هكذا وَصَلَه أحمد (٧٤٢٥) قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر حدَّثنا شُعْبة، قال: بنحوِه، ولم يَرفَعه. وهكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية بشر بن خالد عن محمَّد بن جعفر موقوفاً. قوله: ((ورواه ◌ُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ)) وَصَلَه مسلم (٢٦٨٩) وأحمد (٧٤٢٦) من طريقه، وسأذكر ما في روايته من فائدة. قوله: ((إنَّ لله ملائكة)) زاد الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شَيْبة، وابن حِبّان (٨٥٧) من طريق إسحاق بن راهويه، كلاهما عن جَرِير: ((فُضُلاً))، وكذا لابنِ حِبّان (٨٥٦) من طريق فُضَيل بن عياض، وكذا لمسلمٍ من رواية سُھیل. قال عياض في ((المشارق)) ما نَصّه: في روايتنا عن أكثرِهم بسكونِ الضّاد المعجَمة، وهو الصَّواب، ورواه العُذْريّ والَهَوزَنيّ: ((فُضْل)) بالضَّمِّ وبعضهم بضمِّ الضّاد، ومعناه: زيادة على كُتّاب الناس، هكذا جاء مُفَسَّراً في البخاريّ، قال: وكان هذا الحرف في كتاب ابن عيسى: ((فُضَلاء)) بضمٍّ أوَّله وفتح الضّاد والمدّ، وهو وهم هنا وإن كانت هذه صِفَتهم عليهم السَّلام. وقال في ((الإكمال)): الرِّواية فيه عند مُمهور شيوخنا في مسلم والبخاريّ بفتحِ الفاء وسكون الضّاد، فذَكَر نحو ما تقدَّم، وزادَ: هكذا جاء مُفَسَّراً في البخاريّ في رواية أبي معاوية الضَّریر. وقال ابن الأثير في («النّهاية)) (٣/ ٤٥٥): فُضْلاً، أي: زيادة عن الملائكة المرتَّبين مع الخَلائق، ويُروى بسكونِ الضّاد وبضمِّها، قال بعضهم: والسُّكون أكثر وأصوب. وقال النَّوويّ: ضَبَطوا فُضُلاً على أوجُه: أرجَحُها: بضمِّ الفاء والضّاد، والثّاني: بضمِّ الفاء وسكون الضّاد، ورَجَّحَه بعضُهم واذَّعَى أنَّها أكثر وأصوب، والثّالث: بفتح الفاء وسكون ٤٥٣ باب ٦٦ / ح ٦٤٠٨ كتاب الدعوات الضّاد، قال القاضي عياض: هكذا الرِّواية عند جُهور شيوخنا في البخاريّ ومسلم، والرَّابع: بضمِّ الفاء والضّاد كالأوَّل، لكن برفع اللّام، يعني على أنَّ خَبَر إنَّ، والخامس: فُضَلاء بالمدِّ جمع فاضل. قال العلماء: ومعناه على جميع الرِّوايات أنَّهم زائدونَ على الحَفَظة وغيرهم من المرتَبين مع الخَلائق، لا وظيفة لهم إلّ حِلَق الذِّكر. وقال الطِّمُّ: فُضْلاً، بضمِ الفاء وسكون الضّاد جمع فاضل، گنُزل ونازِل، انتهى. ونسبة عياض هذه اللَّفظة للبخاريّ وهْم، فإنَّها ليست في ((صحيح البخاريّ)) هنا في جميع الرِّوايات إلّا أن تكون خارج ((الصَّحيح))، ولم يُخُرِّج البخاريّ الحديث المذكور عن أبي معاوية أصلاً، وإنَّما أخرجه من طريقه التِّرمِذيّ. وزاد ابن أبي الدُّنيا والطبرانيُّ (١) في رواية جَرِير: فُضُلاً عن كُتَّب الناس،/ ومثله لابنِ ٢١٢/١١ حِبّان من رواية فُضَيل بن عياض، وزاد: ((سَيّاحينَ في الأرض)) (٣)، وكذا هو في رواية أبي معاوية عند التِّرمِذيّ، وللإسماعيليّ(٣) عن كتاب الأيدي، ولمسلم من رواية سُهَيل عن أبيه: ((سَيّارةَ فُضُلاً)). قوله: ((يَطوفونَ في الطرق، يَلْتَمِسونَ أهلَ الذِّكْر)) في رواية سُهَيل: ((يتبعُون مَجَالس الذِّكر)). وفي حديث جابر عند أبي يَعْلى (١٨٦٥ و٢١٣٨): ((إِنَّ الله سَراياً من الملائكة تَقِفْ وتَحُلّ بمَجالس الذِّكر في الأرض». قوله: ((فإذا وجَدوا قوماً)) في رواية فُضَيل بن عياض: ((فإذا رأوا أقواماً))، وفي رواية سُهَيل: ((فإذا وجدوا مجلِساً فیه ذِكْرٌ)). (١) في ((الدعاء)) (١٨٩٥). (٢) هذه الجملة ليست في رواية ابن حبان، وإنما هي عند الترمذي كما قال الحافظ، وكذا عند أحمد (٧٤٢٤)، ولو أُخَرت هذه الجملة إلى ما بعد قوله: وكذا هو في رواية أبي معاوية عند الترمذي، لكان أحسن، وبذلك يتسق الكلام ويصح، لأنَّ كلتا الزيادتين المذكورتين ثابتان عند الترمذي. (٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: والإسماعيلي، فأوهم أنَّ لفظ الترمذي أيضاً: عن كتَّاب الأيدي، وإنما لفظ الترمذي: عن کتَّاب الناس. ٤٥٤ باب ٦٦ / ح ٦٤٠٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (تَنادَوْا)) في رواية الإسماعيليّ: ((يَتَنَادَونَ)). قوله: ((هَلُمّوا إلى حاجتكُم)» في رواية أبي معاوية: ((بُغيَتَكُم)). وقوله: ((هَلُمّوا)) على لُغة أهل نَجد، وأمَّا أهل الحجاز فيقولون للواحدِ والاثنَينِ والجمع: هَلُمَّ، بلفظ الإفراد، وقد تقدَّم تقرير ذلك في التَّفسير. واختُلِفَ في أصل هذه الكلمة، فقيلَ: هل لك في الأكل أمّ، أي: اقصِد، وقيل: أصله، لُمّ بضمِّ اللّام وتشديد الميم، وها للتَّنبيه حُذِفَت ألِفِها تخفيفاً. قوله: ((فَيَحُفّونَهم بأْنِحَتِهِم)) أي: يَدْنُونَ بأجنِحَتِهِم حول الذّاكِرِينَ، والباء للتعدّية، وقيل: للاستعانة. قوله: ((إلى السماء الدُّنْيا)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((إلى سَماء الدُّنيا))، وفي رواية سُهَيل: ((قَعَدوا معهم، وحَفَّ بعضهم بعضاً بأجنِحَتِهِم حتَّى يَملَؤوا ما بينهم وبين سَماء الدُّنيا)). قوله: ((قال: فيَسْألهم رَبّهم عزَّ وجلَّ - وهو أعلم منهم -)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بهم)) وكذا للإسماعيليّ، وهي ◌ُلة مُعتَرِضة ورَدَت لِرفع التّومُّم، زاد في رواية سُهَيل: ((من أين جِئْتُم؟ فيقولون: جِئنا من عند عباد لك في الأرض))، وفي رواية التِّرمِذيّ: («فيقول الله: أيّ شيء تَرَكتُم عبادي يصنعونَ؟». قوله: «ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يُسبِّحونَك)» کذا لأبي ذرِّ بالإفرادِ فیھما، ولغیرہ: ((قالوا: يقولون))، ولابنِ أبي الدُّنيا: ((قال: يقولون))، وزاد سُهَيل في روايته: ((فإذا تَفرَّقوا - أي: أهلُ المجلِس - عَرَجوا - أي: الملائكةُ - وصَعِدوا إلى السماء)). قوله: (يُسبِّحونَك ويُكَبِّرُونَك ويَحْمَدونَك)) زاد إسحاق وعثمان عن جَرِير: (ويُمَجِّدونَك»، وكذا لابنٍ أبي الدُّنيا، وفي رواية أبي معاوية: ((فيقولون: تَرَكناهم يَحمَدونَك ويُمَجِّدونَك ويَذْكُرُونَك))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((قالوا: رَبَّنا مَرَرنا بهم وهم يَذْكُرونَك ... )) إلى آخره، وفي رواية سُهَيل: ((جِئنا من عند عبادٍ لك في الأرض يُسبِّحونَك ويُكبِّرُونَك ويُهلِّلُونَكَ ويَحَمَدونَك ويسألونَك)). ٤٥٥ باب ٦٦ / ح ٦٤٠٨ كتاب الدعوات وفي حديث أنس عند البَزَّار (٦٤٩٤): ((ويُعظِّمونَ آلاءَك ويَتَلُونَ كتابك، ويُصَلّونَ على نبيّك، ويسألونَك لآخِرَتِهِم ودُنياهم)). ويُؤخَذ من مجموع هذه الطُّرق المراد بمَجالس الذِّكر، وأنَها التي تَشتَمِل على ذِكْر الله بأنواع الذِّكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما، وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى، وعلى الدُّعاء بخيرَي الدُّنيا والآخِرة. وفي دخول قراءة الحديث النبويّ ومُدارَسة العلم الشَّرعيّ ومُذاكَرَته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر، والأشبَه اختصاص ذلك بمَجالس التَّسبيح والتَّكبير ونحوهما والتِّلاوة حَسب، وإن كانت قراءة الحديث ومُدارَسة العلم والمناظَرة فيه من ◌ُملة ما يَدخُل تحت مُسَمَّى ذِكْر الله تعالى. قوله: ((قال: فيقول: هل رَأوْني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رَأوْك)) كذا ثَبَتَ لفظ الجلالة في جميع نُسَخ البخاريّ وكذا في بَقيَّة المواضع، وسَقَطَ لغيره. قوله: ((كانوا أشَدّ لك عبادةً وأشَدّ لك تَمجيداً)) زاد أبو ذَرٍّ في روايته: ((وَحميداً)) وكذا لابنِ أبي الدُّنيا، وزاد في رواية الإسماعيليّ: ((وأشدّ لك ذِكْراً)، وفي رواية ابن أبي الدُّنيا: ((وأكثر لك تسبيحاً))(١). قوله: «قال: یقول» في رواية أبي ذرٍّ: ((فيقول)). قوله: ((فما يَسألوني؟)) في رواية أبي معاوية: ((فأيَّ شيء يَطلُبُونَ؟». قوله: ((يَسْألُونَك الجنَّة)) في رواية سُهَيل: ((يسألونَك جَنَّتَك)). قوله: ((كانوا أشَدّ حِرْصاً))(٢) زاد أبو معاوية في روايته: ((عليها)»، وفي رواية ابن أبي الدُّنيا: ((كانوا أشدّ حِرصاً وأشدّ/ طَلِبة وأعظَم لها رَغبة)). ٢١٣/١١ (١) هذه العبارة ثابتة في رواية البخاري، دون خلاف بين رواه البخاري کما في اليونينية، فلا ندري ما وجه تخصیص الحافظ لابن أبي الدنيا بزيادتها. وكذا هي في النسخة التي عندنا برواية أبي ذر الهرويّ. (٢) كذا وقع للحافظ رحمه الله، مع أنَّ الذي عند جميع رواه البخاري دون خلاف كما في اليونينية: أشد عليها حرصاً. بزيادة ((عليها)» وكذلك هي ثابتة في النسخة التي بأيدينا برواية أبي ذر الهروي. ٤٥٦ باب ٦٦ / ح ٦٤٠٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: «قال: فمِمَّ يَتَعَوَّذونَ؟ قال: يقولون: من النار)» في رواية أبي معاوية: «فمن أيّ شيء يَتَعَوَّذونَ؟ فيقولون: من النار))، وفي رواية سُهَيل: ((قالوا: ويَستَجيرونَك، وقال: ومِمَّ يَستَجيرونَني؟ قالوا: من نارك)). قوله: ((كانوا أشَدّ منها فِراراً وأشَدّ لها مخافة)) في رواية أبي معاوية: ((كانوا أشدّ منها هَرَباً، وأشدّ منها تَعَوُّذً وخَوفاً))، وزاد سُهَيل في روايته: ((قالوا: ويَستَغفِرونَك، قال: فيقول: قد غَفَرت لهم وأعطَيتهم ما سألوا)). وفي حديث أنس: ((فيقول: غَشُّوهم رحمتي)). قوله: ((يقول مَلَك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنَّما جاء لِحاجةٍ)) في رواية أبي معاوية: ((فيقولون: إنَّ فيهم فلاناً الخَطّاء لم يُرِذهم إنَّما جاء لحاجةٍ))، وفي رواية سُهَيل: ((قال: يقولون: رَبّ فيهم فلان عبدٌ خَطّاء إنَّما مرَّ فجَلَسَ معهم))، وزاد في روايته: ((قال: وله قد غَفَرت)). قوله: ((هم الجُلَساء)» في رواية أبي معاوية وكذا في رواية سُهَيل: ((هم القوم)) وفي اللّام إشعار بالكمال، أي: هم القوم كلّ القوم. قوله: ((لا يَشْقَى جَليسُهم)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((لا يَشقَى بهم جَليسُهم))، وللتِّمِذيِّ: ((لا يَشقَى لهم جَليسٌ))، وهذه الجملة مُستأنَفة لِبيان المقتضى لِكَونِم أهلَ الكمال، وقد أخرج جعفر في ((الذِّكر)) من طريق أبي الأشهَب عن الحسن البصريّ قال: بَيْنَا قوم يَذْكُرُونَ الله إذ أتاهم رجل فقَعَدَ إليهم، قال: فنزلتِ الرَّحمة ثمَّ ارتَفَعَت، فقالوا: رَبّنا فيهم عبدك فلان، قال: غَشُّوهم رحمتي، هم القوم لا يَشْقَى بهم جَليسهم. وفي هذه العِبارة مُبالَغة في نفي الشَّقاء عن جَليس الذّاكِرِينَ، فلو قيل: لَسَعِدَ بهم جَليسهم لكان ذلك في غاية الفضل، لكنَّ التَّصريح بنفي الشَّقاء أبلغ في حصول المقصود. تنبيه: اختَصَرَ أبو زيد المروزيُّ في روايته عن الفِرَبريّ متنَ هذا الحديث، فساقَ مِنه إلى قوله: ((هَلُمّوا إلى حاجتكُم)) ثمّ قال: فذكر الحديث. وفي الحديث فضل مجالس الذِّكر والذّاكِرِينَ، وفضل الاجتماع على ذلك، وأنَّ جَليسهم ٤٥٧ باب ٦٧ / ح ٦٤٠٩ كتاب الدعوات يَندَرِج معهم في جميع ما يَتَفَضَّل الله تعالى به عليهم إكراماً لهم، ولو لم يُشاركهم في أصل الذِّكر. وفيه مَحَبّة الملائكة بني آدم واعتناؤُهم بهم. وفيه أنَّ السُّؤال قد يَصدُر من السائل وهو أعلم بالمسؤول عنه من المسؤول لإظهار العناية بالمسؤولِ عنه، والتَّنوية بقَدْره والإعلان بشَرَفِ منزلته. وقيل: إنَّ في خُصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذِّكر الإشارةَ إلى قولهم: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فكأنَّه قيل لهم: انظُرُوا إلى ما حَصَلَ منهم من التَّسبيحِ والتَّقديس، مع ما سُلُّطَ عليهم من الشَّهَوات ووساوِس الشياطين، وكيف عالجوا ذلك وضاهَوكم في التَّسبيح والتَّقديس. وقيل: إنَّه يُؤخَذ من هذا الحديث أنَّ الذِّكر الحاصل من بني آدم أعلى وأشرَف من الذِّكر الحاصل من الملائكة، لحصولِ ذِكْر الآدميّينَ مع كَثْرة الشَّواغِل، ووجود الصَّوارف وصُدوره في عالم الغيب، بخِلَاف الملائكة في ذلك كلّه. وفيه بيان كذِب مَن اذَّعَى من الزَّنادِقة أنَّه يرى الله تعالى جَهْراً في دار الدُّنيا، وقد ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي أُمامةَ رَفَعَه: (واعلموا أنَّكم لن تَروا رَبّكم حتَّى تَموتوا))(١). وفيه جواز القَسَم في الأمر المحقّق تأكيداً له وتنويهاً به. وفيه أنَّ الذي اشتَمَّلَت عليه الجنَّةُ من أنواع الخيرات، والنارُ من أنواع المكروهات، فوق ما وُصِفَتَا به، وأنَّ الرَّغبة والطَّلَب من الله والمبالَغة في ذلك من أسباب الحصول. ٦٧ - باب قول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله ٦٤٠٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلِ أبو الحسنِ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا سليمانُ التَّيْميُّ، عن أبي عثمانَ، عن أبي موسى الأشعَرِيِّ، قال: أخَذَ النبيُّ ◌َّهِفِي عَقَبَةٍ - أو قال: ثَنِيَّةٍ - قال: فلمَّا عَلَا (١) كذا نسبه الحافظ رحمه الله هنا وفي غير موضع من شرحه هذا، وليس الحديث عند مسلم ولا نسبه إليه المزي في ((تحفة الأشراف)) (٤٨٩٦)، وإنما اقتصر على نسبته لأبي داود وابن ماجه، وهو عند أبي داود (٤٣٢٢)، وابن ماجه (٤٠٧٧)، لكن لم يسُق أبو داود لفظه. : ٤٥٨ باب ٦٨ / ح ٦٤١٠ فتح الباري بشرح البخاري عليها رجلٌ نادَى فَرَفَعَ صوتَه: لا إلهَ إلّا الله والله أكبرُ، قال: ورسولُ الله ◌ِّهِ على بَغْلَتِهِ، قال: ((فإنَّكم لا تَدْعونَ أَصَمَّ ولا غائباً)). ثمَّ قال: ((يا أبا موسى - أو يا عبد الله - ألا أدُلُّكَ على كلمةٍ من كَنْزِ الجنَّةِ؟)) قلتُ: بلى، قال: ((لا حَوْلَ ولا قوّةَ إلّا بالله). قوله: «باب قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)) ذکر فیه حديث أبي موسى، وقد تقدَّم قريباً في ((باب الدُّعاء إذا عَلَا عَقَبة)) (٦٣٨٤) ووعَدتُ بشرحِه في كتاب القَدَر (٦٦١٠)، وسيأتي إن شاء الله تعالى. : ٦٨ - باب الله مئةُ اسمٍ غير واحِدَةٍ ٦٤١٠ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: حَفِظْناه من أبي الزِّنادِ، عن الأعَرَجِ، عن أبي هريرةَ رِوايةً، قال: (لله تسعةٌ وتسعونَ اسماً، مئةٌ إلَّ واحِدَةً، لا يَحْفَظُها أحدٌ إلّا دَخَلَ الجنَّةَ، وهو وَتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ)). قوله: ((باب لله مئة اسم غير واحدة)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: مئة غير واحدٍ، بالتَّذكير، ٢١٤/١١ وكذا اختَلَفَ الرُّواة في هذا في لفظ المتن. قوله: ((حَفِظْناه من أبي الزِّناد)» في رواية الحميديِّ في «مُسنَده)) (١١٣٠) عن سفيان: حدَّثنا أبو الزّناد، وكذا أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرج)) من طريقه. قوله: ((روايةً)) في رواية الحميديّ: قال رسول الله وَّهِ، ولمسلم (٥/٢٦٧٧) عن عَمْرو ابن محمَّد الناقد عن سفيان بهذا السَّنَد: عن النبيّ ◌َلَّ، وللمصنِّف في التَّوحيد (٧٣٩٢) من رواية شُعَيب عن أبي الزِّناد بسندِه: أنَّ رسول الله وَ لآل قال. ووَقَعَ عند الدّارَقُطْنيّ في ((غرائب مالك)) من رواية عبد الملك بن يحيى بن بُكَير عن أبيه عن ابن وهب عن مالك بالسَّنَد المذكور(١): عن النبيّ نَ ◌ّه قال: ((قال الله عزَّ وجلّ: لي تسعةٌ وتسعونَ اسماً». قلت: وهذا الحديث رواه عن الأعرج أيضاً موسى بن عُقْبة عند ابن ماجه (٣٨٦١) من (١) يعني عن أبي الزناد. ٤٥٩ باب ٦٨ / ح ٦٤١٠ كتاب الدعوات رواية زُهَير بن محمَّد عنه، وسَرَدَ الأسماء، ورواه عن أبي الزِّناد أيضاً شُعَيب بن أبي حمزة كما مَضَى في الشُّروط (٢٧٣٦)، ويأتي في التَّوحيد (٧٣٩٢). وأخرجه التِّرمِذيّ (٣٥٠٧) من رواية الوليد بن مسلم عن شُعَيب، وسَرَدَ الأسماء، ومحمَّد بن عَجْلان عند أبي عَوَانة، ومالك عند ابن خُزيمة(١) والنَّسائيّ (ك٧٦١٢)، والدّارَ قُطنيّ في ((غرائب مالك))، وقال: صحيح عن مالك وليس في ((الموطَّ))، وورقاء(٢) عند أبي نُعَيم في ((طرق الأسماء الحُسنَى)) (١٠)، وعبد الرَّحمن بن أبي الزناد عند الدّارَ قُطْنيّ وأبي(٣) عَوَانة، ومحمَّد بن إسحاق عند أحمد (٧٥٠٢) وابن ماجَه(٤)، وموسى بن عُقْبة(٥) عند أبي نُعَيم (١٥) من رواية حفص بن ميسرة عنه. ورواه عن أبي هريرة أيضاً: هَمَّامُ بن مُنَبِّه عند مسلم (٦/٢٦٧٧) وأحمد (٧٦٢٣)، ومحمَّدُ بن سِيرِين عند مسلم (٦/٢٦٧٧)، والتِّرمِذيّ (٣٥٠٦)، والطبرانيّ في ((الدُّعاء)) (١١٢)، وجعفر الفِرْيابيّ في ((الذِّكر))، وأبو رافع عند التِّرمِذيّ (٣٥٠٦)، وأبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن عند أحمد (١٠٥٣٢) وابن ماجه (٣٨٦٠)، وعطاء بن يسار (٢١-٢٣)، وسعيد المقبريّ (٢٤)، وسعيد بن المسيّب (٦٦-٦٩)، وعبد الله بن شَقِيق (٨٤)، ومحمَّد بن جُبَير بن مُطعِم (٧٦)، والحسن البصريّ (٦٥)، أخرجها أبو نُعَيم بأسانيد عنهم كلّها ضعيفة، وعِراك بن مالك عند البزَّار لكن شَكَّ فيه، ورُوِّيناها في ((جُزء العالي(١)) (١٩) وفي ((أمالي الحُرْفي(٧) من طريقه بغير شَكّ. (١) لم نقف عليه فيما طبع من ((صحيح أبي عوانة)) و((صحيح ابن خزيمة))، ونسبه إليهما الحافظ أيضاً في («إتحاف المهرة)) (١٩١٤٦). (٢) تحرَّف في (س) إلى: قدر ما. وورقاء المذكور هنا: هو ابن عمر اليشكري. (٣) تحرَّف في (س) إلى: وأبو. (٤) كذا نسبه الحافظ رحمه الله هنا لابن ماجه، ولم نقف عليه عنده، ولا نسبه إليه الحافظ نفسه في ((الأمالي المطلقة)) ص٢٣٦ عند تخريجه طرق هذا الحديث. (٥) هؤلاء جميعاً رووه عن أبي الزناد. (٦) تحرَّف في (س) إلى: المعالي، وإنما هو لأبي الحسين أحمد بن محمد البُوشَنْجي المعروف بابن العالي. (٧) تصحَّف في (س) إلى: الجرفي، وإنما هو لأبي القاسم عبد الرحمن بن عُبيد الله الحُرْفيّ. ٤٦٠ باب ٦٨ / ح ٦٤١٠ فتح الباري بشرح البخاري ورواه عن النبيّ يَّ مع أبي هريرة: سلمان الفارسيّ وابن عبّاس وابن عمر وعليّ، وكلّها عند أبي نُعَيم (٨٥-٨٨) أيضاً بأسانيد ضعيفة، وحديث عليٍّ في ((طبقات الصّوفيَّة))(١) ٢١٥/١١ لأبي عبد الرّحمن / السُّلَمَيّ، وحديث ابن عبّاس وابن عمر معاً في الجزء الثّالث عشر من ((أمالي أبي القاسم بن بشران))(٢) وفي ((فوائد أبي عمر بن حَيّويه)) انتقاء الدّارَ قُطنيّ، هذا جميع ما وَقَفتُ علیه من طرقه. وقد أطلقَ ابن عَطيَّة في ((تفسيره)) أنَّه تَواتَرَ عن أبي هريرة، فقال: في سَرْد الأسماء نظر، فإنَّ بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصَّحيح، ولم يَتَواتَر الحديث من أصلِه وإن خُرِّج في ((الصَّحيح))، ولكنَّه تَواتَرَ عن أبي هريرة. كذا قال، ولم يَتَوَاتَر عن أبي هريرة أيضاً بل غاية أمره أن يكون مشهوراً، ولم يقع في شيء من طرقه سَرْدُ الأسماء إلّا في رواية الوليد بن مسلم عند التِّرمِذيّ، وفي رواية زُهَير بن محمَّد عن موسى بن عُقْبة عند ابن ماجه، وهذان الطّريقان یرچِعان إلى رواية الأعرج، وفيهما اختلاف شديد في سَرْد الأسماء والزيادة والنَّقص على ما سأُشيرُ إليه. ووَقَعَ سَرد الأسماء أيضاً في طريق ثالثة أخرجها الحاكم في ((المستدرَك)) (١٧/١)، وجعفر الفِرْيابيّ في ((الذِّكر)) من طريق عبد العزيز بن الحُصَين عن أيوب(٣) عن محمّد بن سِيرِين عن أبي هريرة. واختَلَفَ العلماء في سَرْد الأسماء هل هو مرفوع أو مُدرَج في الخبر من بعض الرُّواة؟ فمَشَى كثير منهم على الأوَّل، واستَدَلُّوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يَرِدْ في القرآن بصيغة الاسم، لأنَّ كثيراً من هذه الأسماء كذلك. وذهب آخرونَ إلى أنَّ الَّعيين مُدَرَج ◌ُخُلوِّ أكثر الرِّوايات عنه. ونَقَلَه عبد العزيز النَّخْشَبيّ عن كثير من العلماء. قال الحاكم (١٦/١) بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم: (١) ص٣٣١. (٢) هو في الجزء الأول من ((أماليه)) بتحقيق عادل العزازي (٨٣٧). (٣) قرن الحاكم بأيوب السختياني هشام بن حسان.