Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
باب ٤٨ / ح ٦٣٨٢
كتاب الدعوات
قوله: ((اللهمَّ إنّ أستَخيرُك بعِلْمِك)) الباء للتَّعليل، أي: لأنَّك أعلم، وكذا هي في قوله:
(بِقُدرَتِك))، ويحتمل أن تكون للاستعانة، كقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِئِهَا﴾ [هود: ٤١]، ويحتمل
أن تكون للاستعطاف كقوله: ﴿ قَالَ رَبٍّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ الآية [القصص: ١٧].
وقوله: ((وأستَقْدِرك)) أي: أطلُب مِنك أن تجعل لي على ذلك قُدرة، ويحتمل أن يكون المعنى:
أطلُب مِنك أن تُقَدِّره لي، والمراد بالتَّقدير: التَّيسير.
قوله: ((وأسألُك من فَضلِك)) إشارة إلى أنَّ إعطاء الرَّبّ فضلٌ مِنه، وليس لأحدٍ عليه
حَقّ في نِعَمه، كما هو مذهب أهل السُّنّة.
قوله: ((فإنَّك تَقْدِر ولا أقدِر، وتَعْلَم ولا أعْلَم)) إشارة إلى أنَّ العلم والقُدرة لله وحده،
وليس للعبد من ذلك إلّا ما قَدَّرَ الله له، وكأنَّه قال: أنتَ يا رَبّ تَقْدِرُ قبل أن تَخُلُق فيّ
القُدرة، وعندَما تَخْلُقها فيَّ وبَعْدما تَخْلُقُها.
قوله: ((اللهمَّ إن كنت تَعْلمُ أنَّ هذا الأمر)» في رواية مَعْن وغيره: «فإن كنتَ تعلمُ هذا
الأمر))، زاد أبو داود (١٥٣٨) في رواية عبد الرَّحمن بن مُقاتل عن عبد الرَّحمن بن أبي
المَوَال: ((الذي يريد))، وزاد في رواية مَعْن: «ثمَّ يُسَمّیه بعینِه))، وقد ذكر ذلك في آخر
الحديث في الباب.
وظاهر سياقه أن يَنطِق به، ويحتمل أن يَكتَفي باستحضاره بقلبِهِ عند الدُّعاء، وعلى
الأوَّل تكون التَّسمية بعد الدُّعاء، وعلى الثّاني تكون الجملة حاليَّة، والتَّقدير: فليَدْعُ مُسَمِّياً
حاجته.
وقوله: ((إن كنتَ)) استَشكَلَ الكِرْمانيُّ الإتيان بصيغة الشكّ هنا، ولا يجوز الشكّ في
كَونِ الله عالماً، وأجابَ بأنَّ الشكّ في أنَّ العِلم مُتعلِّق بالخير أو الشرّ، لا في أصل العلم.
قوله: ((ومَعاشي)) زاد أبو داود: ((ومَعادي))، وهو يُؤيِّد أنَّ المراد بالمعاش الحياة، ويحتمل
أن يريد بالمعاش ما يُعاش فيه، ولذلك وَقَعَ في حديث ابن مسعود في بعض طرقه عند الطبرانيِّ
في «الأوسط)» (٣٧٢٣): (في ديني ودُنياي))، وفي حديث أبي أيوب عند الطبرانيّ (٣٩٠١):

٤٠٢
باب ٤٨ / ح ٦٣٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
((في دُنياي وآخِرَتي))، زاد ابن حِبّان في روايته (٤٠٤٠): ((وديني))، وفي حديث أبي سعيد
(٨٨٥): ((في ديني ومعيشَتي)).
قوله: ((وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمرِي وآجِله ـ)) هو شَكّ من الراوي ولم تختلف
الطُّرق في ذلك، واقتَصَرَ في حديث أبي سعيد على: «عاقبة أمري)، وكذا في حديث ابن
مسعود، وهو يُؤيِّد أحد الاحتمالَينِ في أنَّ العاجل والآجِل مذكوران بَدَل الألفاظ الثلاثة،
أو بَدَل الأخيرَينِ فقط، وعلى هذا فقول الكِرْمانيّ: لا يكون الدّاعي جازِماً بما قال
رسول الله وَلّ، إلّ إن دَعَا ثلاث مرَّات، يقول مرَّة: في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، ومرَّة:
في عاجل أمري وآجله، ومرَّة: في ديني وعاجل أمري وآجله.
قلت: ولم يقع ذلك - أي: الشكّ - في حديث أبي أيوب ولا أبي هريرة أصلاً.
قوله: ((فاقدُرْه لي)) قال أبو الحسن القابِسيّ: أهل بَلَدنا يَكسِرونَ الدّال، وأهل الشَّرق
يَضُمّونَها. وقال الكِرْمانيُّ: معنى قوله: اجعَله مَقدوراً لي أو قَدِّره، وقيل: معناه يَسِّره لي.
زاد معْن: «ویَسِّره لي وبارِك لی فیه».
قوله: ((فاضرِفْه عنِّي واضْرِفْني عنه)) أي: حتَّى لا يَبقَى قلبُه بعد صَرف الأمر عنه مُتَعلِّقاً
به. وفيه دليل لأهلِ السُّنّة أنَّ الشرّ من تقدير الله على العَبد، لأنَّه لو كان يقدر على اختراعه
لَقَدَرَ علی صَرْفه ولم يحتجْ إلی طلب صرفه عنه.
قوله: ((واقدر لي الخير حيثُ كان)) في حديث أبي سعيد بعد قوله: ((واقدر لي الخير أينما كان)):
(لا حول ولا قوّة إلّا بالله)).
١٨٧/١١
قوله: ((ثمَّ رَضِّني)) بالتَّشديد، / وفي رواية قُتَيِبة: ((ثمَّ أرضِني به)) أي: اجعَلْني به راضياً،
وفي بعض طرق حديث ابن مسعود عند الطبرانيٍّ في ((الأوسط)) (٣٧٢٣): ((ورَضِّني
بقَضائك)»، وفي حديث أبي أيوب(١): ((ورَضِّني بقَدَرِك))، والسِّ فيه أن لا يَبقَى قلبه مُتَعلِّقاً به
فلا يَطْمَئِنّ خاطِرُه. والرِّضا سكون النَّفس إلى القضاء.
(١) بل في حديث أبي هريرة عند ابن حبان (٨٨٦).

٤٠٣
باب ٤٩ / ح ٦٣٨٣
كتاب الدعوات
وفي الحديث شَفَقة النبيّ وَِّ على أمَّته، وتعليمهم جميع ما يَنفَعهم في دينهم ودُنياهم.
ووَقَعَ في بعض طرقه عند الطبرانيّ (١٠٠٥٢) في حديث ابن مسعود: أنَّه ◌َ لّ كان يَدعُو
بهذا الدُّعاء إذا أراد أن يصنع أمراً. وفيه أنَّ العَبد لا يكون قادراً إلّا مع الفِعل لا قبلَه، والله هو
خالق العلم بالشَّيءٍ للعبد، وهّه به واقتدارِه عليه، فإنَّه يجب على العبد رَدُّ الأُمور كلّها إلى الله،
والتَّبَرِّي من الحول والقوّة [إلا](١) إليه، وأن يسأل رَبّه في أُموره كلّها.
واستُدِلَّ به على أنَّ الأمر بالشَّيءٍ ليس نَهياً عن ضِدّه، لأنَّه لو كان كذلك لاكتَفَى بقولِه:
((إن كنت تعلم أنَّه خير لي)) عن قوله: ((وإن كنت تعلم أنَّه شَرّ لي ... )) إلى آخره، لأنَّه إذا لم
یکن خيراً فهو شَرّ، وفيه نظر، لاحتمال وجود الواسطة.
واختُلِفَ في ماذا يفعل المستَخير بعد الاستخارة، فقال ابن عبد السَّلام: يفعل ما اتَّفَقَ،
ويُستَدَلّ له بقوله في بعض طرق حديث ابن مسعود(٢) في آخره: ((ثُمَّ يَعِزِم))، وأَوَّل الحديث:
((إذا أراد أحدكم أمراً فليقُل)).
وقال النَّوويّ في (الأذكار)): يفعل بعد الاستخارة ما یَنشَرِح به صدره. ويُستَدلّ له بحديثٍ
أنس عند ابن السُّنّيّ (٥٩٨): ((إذا هَمَمت بأمرٍ فاستَخِرِ رَبّك سبعاً، ثمَّ انظُر إلى الذي يَسبِقِ
في قلبك فإنَّ الخير فيه))، وهذا لو ثَبَتَ لكان هو المعتمَد، لكن سنده واهٍ جدّاً.
والمعتمَد أنَّه لا يفعل ما يَنشَرِح به صَدره ممَّا كان له فيه هَوّى قويٌّ قبل الاستخارة،
وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر حديث أبي سعيد: ((ولا حول ولا قوّة إلّا بالله)).
٤٩ - باب الوضوء عند الدعاء
٦٣٨٣- حدَّثنی محمّدُ بنُ العلاءِ، حذَّثنا أبو أسامةً، عن بُریدِ بنِ عبدِ الله، عن أبي بُرْدَ، عن أبي
موسى، قال: دَعَا النبيُّنَ ◌ّه بماءٍ فَتَوضَّأ به، ثمَّ رَفَعَ يَدَيه، فقال: ((اللهمَّ اغْفِرٍ لِعُبيدِ أبي عامرٍ)) ورأيتُ
بياضَ إبطَيه، فقال: ((اللهمَّ اجْعَلْه يومَ القيامةِ فوقَ كَثير من خلقِكَ منَ الناسِ».
(١) لفظة ((إلا)) سقطت من الأصلين و(س)، ولا بد منها ليصحّ المعنى.
(٢) عند الطبراني في ((الكبير)) (١٠٠١٢)، وفي («الدعاء)) (١٣٠٢).

٤٠٤
باب ٥٠ / ح ٦٣٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب الوضوء عند الدعاء)) ذكر فيه حديث أبي موسى قال: دَعا النبيّ رَهو بماءٍ فَتَوضَّأ
به، ثمَّ رَفَعَ يَدَيه فقال: ((اللهمَّ اغْفِرٍ لِعُبيد أبي عامر)) الحديث، ذكره مختصراً، وقد تقدَّم بطولِه في
المغازي في ((باب غزوة أوطاس)) (٤٣٢٣).
٥٠- باب الدّعاء إذا علا عقَبةً
٦٣٨٤ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زیدٍ، عن أیوبَ، عن أبي عثمانَ، عن أبي
موسى ، قال: كنَّا معَ النبيِّلَهُ فِي سَفَرٍ، فكنَّا إذا عَلَوْنا كَّرْنا، فقال النبيُّ ◌َّ: «أَيُّهَا النّاسُ،
ارَبَعُوا على أنفُسِكُم، فإنَّكم لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غائباً، ولكن تَدْعونَ سَمِيعاً بَصِيراً) ثمَّ أتى
عليَّ وأنا أقولُ في نفسي: لا حَوْلَ ولا قوّةَ إلّا بالله، فقال: ((يا عبدَ الله بنَ قيسٍ، قُل: لا حَوْلَ ولا
قوّةَ إلّا بالله، فإنَّهَا كَتْزٌ من كُنوزِ الجنَّةِ» - أو قال: ((ألا أدُلُّكَ على كلمةٍ هي كَثْرٌ من كُنوزِ الجنَّةِ؟
لا حَوْلَ ولا قوّةَ إلّا بالله)».
١٨٨/١١
قوله: ((باب الدُّعاء إذا عَلَا عَقَبَة)) كذا تَرجَمَ بالدُّعاء، وأورَدَ في الحديث التَّكبير، وكأنَّه
أَخَذَه من قوله في الحديث: ((إنَّكم لا تَدعونَ أصَمّ ولا غائباً)) فسَمَّى التَّكبير دعاء.
قوله: ((أيوب)) هو السّختِیانيّ، وأبو عثمان: هو النَّهْديّ.
قوله: ((كنّا مع النبيّ ◌َّه في سَفَرَ)) لم أقِفْ على تعيينه.
قوله: ((اربَعوا)) بِهمزة وصل مكسورة ثمَّ موخَّدة مفتوحة، أي: ارفُقُوا ولا تُجهِدوا
آنفُسَكُم.
قوله: ((فإنَّكم لا تَدْعونَ أَصَمّ)) يأتي بيانه في كتاب التَّوحيد (٧٣٨٦).
قوله: ((كَنْز)) سَمَّى هذه الكلمة كنزاً لأنَّهَا كالكَنزِ في نَفاسَته وصيانته عن أعين الناس.
قوله: ((أو قال: ألا أدُلّك على كلمة هي كَنْز ... )) إلى آخره، شَكّ من الراوي هل قال: ((قُل: لا
حول ولا قوّة إلّا بالله، فإنَّهَا كَنز من كُنوز الجنَّة)) أو قال: ((ألا أدُلّك ... )) إلى آخره، وسيأتي
في كتاب القَدَر (٦٦١٠) من رواية خالد الحَذّاء عن أبي عثمان بلفظ: ثمَّ قال: ((يا عبد الله
ابن قيس، ألا أُعَلِّمك كلمة ... )) إلى آخره، وسيأتي في أواخر كتاب الدَّعَوات أيضاً (٦٤٠٩) من

٤٠٥
باب ٥١
كتاب الدعوات
طريق سليمان التَّيْميِّ عن أبي عثمان بلفظ: ثمَّ قال: ((يا أبا موسى - أو يا عبد الله بن قيس -
ألا أدُلّك ... )) إلى آخره، ولم يَتَرَدَّد.
ووَقَعَ في هذَيْنَ الطَّريقَينِ بيان سبب قوله: ((إنَّكم لا تَدعونَ أَصَمّ))، فإنَّ في رواية
سليمان: فلمَّا عَلا عليها رجلٌ نادَى فَرَفَعَ صوته، وفي رواية خالد: فجَعَلنا لا نَصعَد شَرَفاً
إلّا رَفَعنا أصواتنا بالتَّكبيرِ(١).
ووَقَعَ في بعض النُّسَخِ: ((أصَما) (٢) وكأنَّه لمناسَبة: ((غائباً)).
وقوله: ((بصيراً)) وَقَعَ في تلكَ الرِّواية: ((قريبا))، ويأتي شرح الحديث مُستَوفَّى في كتاب
القَدَر إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((لا حَوْل)) يجوز أن يكون في موضع جَرّ على البَدَل من قوله: ((علی کَنْز))، وفي
موضع نصب بتقدير: أعني، وفي موضع رفع بتقدير: هو.
٥١- باب الدّعاء إذا هبط وادياً
فيه حدیثُ جابٍ ﴾.
قوله: ((باب الدُّعاء إذا هَبَطَ وادياً. فيه حديث جابِرٍ)) كذا ثَبَتَ عند المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيّ
وسَقَطَ لغيرهما.
والمراد بحديثٍ جابر: ما تقدَّم في الجهاد وفي ((باب التَّسبيح إذا هَبَطَ وادياً) (٢٩٩٣)
من حديثه بلفظ: كنّا إذا صَعِدنا کَبَّرنا وإذا نزلنا سبَّحنا.
وقال بعده: ((باب التَّكبير إذا عَلَا شَرَفاً)، وأورَدَ فيه حديث جابر أيضاً لكن بلفظ:
وإذا تَصَوَّبْنا، بَدَل: نزلنا. والتَّصويب: الانحدار، وقد وَرَدَ بلفظ: هَبطنا، في هذا الحدیث عند
النَّسائيِّ (ك١٠٣٠٠) وابن خُزَيمةَ (٢٥٦٢)، وأشرت إلى شرحه هُناكَ.
ومُناسَبة التَّكبير عند الصُّعود إلى المكان المرتَفِع أنَّ الاستعلاء والارتفاع محبوب
(١) والسبب المذكور أيضاً في رواية الباب، حيث جاء فيها: إذا عَلَونا كبَّرنا.
(٢) وكذلك جاء عند النسائي في ((الكبرى)) (٧٦٣٢ -٧٦٣٤).

٤٠٦
باب ٥٢ / ح ٦٣٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
للنُّفُوسِ، لما فيه من استشعار الكِبرياء، فشُرِعَ لمن تَلَبَّسَ به أن يَذكُر كبرياء الله تعالى، وأنَّه
أكبر من كلّ شيء فيُكبِّرُه، ليَشكُرَ له ذلك، فيزيدُه مِن فضله، ومُناسَبة التَّسبيح عند
الهُبُوط: لكَونِ المكان المنخفض محلّ ضِيقٍ، فيُشرَع فيه التَّسبيح، لأنَّه من أسباب الفَرَج، كما
وَقَعَ في قصَّة يونس عليه السلام حين سَبَّحَ في الظَّلُمات، فنُجّيَ من الغَمّ.
٥٢- باب الدّعاء إذا أراد سفراً أو رجع
فيه يحيى بنُ أبي إسحاقَ، عن أنسٍ.
٦٣٨٥ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ الله وَلِهَ كان إذا قَفَلَ من غَزْوٍ أو حَجِّ أو عُمْرةٍ، يُكَبُِّ على كلِّ شَرَفٍ منَ
الأرضِ ثلاثَ تَكْبِيراتٍ، ثمَّ يقول: ((لا إلهَ إلّا الله وحده لا شَرِيكَ له، له الملك وله الحمدُ، وهو على
كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تائبُونَ عابِدُونَ، لِرَبِّنا حامِدونَ، صَدَقَ الله وعْدَه، ونَصَرَ عبده، وهَزَمَ
الأحزابَ وحده)».
١٨٩/١١
قوله: ((باب الدُّعاء إذا أرادَ سَفَراً أو رَجَعَ، فيه يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس)) كذا وَقَعَ
في رواية الحَمُّوِيّ عن الفِرَبريّ، ومثله في رواية أبي زيد المروزيِّ عنه، لكن بالواو العاطفة
بدل لفظ: ((باب)).
والمراد بحديثٍ يحيى بن أبي إسحاق فيما أظنّ الحديث الذي أوَّله: أنَّ النبيّ ◌َّهِ أَقبَلَ من
خَيْبَرَ وقد أردَفَ صَفيَّة، فلمَّا كان ببعضِ الطَّريق عَثَرَتِ الناقة. فإنَّ في آخره: فلمَّا أشرَفنا
على المدينة قال: ((آيِبونَ تائبونَ عابِدونَ لِرَبِّنا حامدونَ»، فلم يزَل يقولها حتَّى دَخَلَ المدينة،
وقد تقدَّم موصولاً في أواخر الجهاد (٣٠٨٥ و٣٠٨٦)، وفي الأدب (٦١٨٥)، وفي أواخر
اللِّباس (٥٩٦٨) وشَرَحتُه هُناكَ، إلّا الكلام الأخير هنا فوعَدتُ بشرحِه هنا.
وإسماعيل في الحديث الموصول: هو ابن أبي أويس.
قوله: «كان إذا قَفَلَ» بقافٍ ثمَّ فاء، أي: رَجَعَ، وزنه ومعناه، ووَقَعَ عند مسلم (١٣٤٢)
في رواية عليّ بن عبد الله الأزديّ عن ابن عمر في أوَّله من الزّيادة: كان إذا استَوى على بعيره

٤٠٧
باب ٥٢ / ح ٦٣٨٥
كتاب الدعوات
خارجاً إلى سَفَر كَبَّرَ ثلاثاً، ثمَّ قال: ((سبحان الذي سَخَّرَ لنا هذا))، فذكر الحديث إلى أن
قال: وإذا رَجَعَ قَاهُنَّ وزادَ: ((آيِبُونَ تائبُونَ)) الحديث، وإلى هذه الرواية أشارَ المصنِّف في
التَّرجمة بقولِه: إذا أراد سَفَراً.
قوله: (من غَزْو اُو حَجّ أو عُمْرة) ظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاث، ولیس
الحُكم كذلك عند الجمهور، بل يُشرَع قول ذلك في كلّ سَفَر إذا كان سَفَرَ طاعة كَصِلة
الرَّحِم وطلب العلم، لما يَشمَل الجميع من اسم الطاعة. وقيل: يَتَعَدَّى أيضاً إلى المباح لأنَّ
المسافر فيه لا ثواب له، فلا يَمتَنِعِ عليه فِعل ما يُحصِّل له الثَّواب.
وقيل: يُشرَع في سَفَر المعصية أيضاً، لأنَّ مُرتَكِبَها أحوجُ إلى تحصيل الثَّواب من غيره،
وهذا التَّعليلِ مُتَعَقَّبٌ، لأنَّ الذي يَخُصّه بسَفَرِ الطاعة لا يَمنَع مَن سافَرَ في مُباح ولا في
معصية من الإكثار من ذِكْر الله، وإنَّما النِّراع في خُصوص هذا الذِّكر في هذا الوقت المخصوص،
فذهب قوم إلى الاختصاص لِگونها عباداتٍ مخصوصةً شُرِعَ لها ذِكْر مخصوص، فتختَصّ به،
كالذِّكرِ المأثور عَقِبَ الأذان وعَقِبَ الصلاة، وإنَّما اقتَصَرَ الصحابيّ على الثلاث لانحِصار سَفَر
النبيّ ◌َُّ فيها، ولهذا تَرجَمَ بالسَّفَرِ، على أنَّه تَعرَّضَ لما دَلَّ عليه الظّاهر، فَتَرجَمَ في أواخر أبواب
العمرة: ((ما يقول إذا رَجَعَ من الغَزو أو الحجّ أو العمرة)» (١٧٩٧).
قوله: (يُكَبِرِ على كلّ شَرَف)) بفتح المعجَمة والرَّاء بعدها فاءٌ: هو المكان العالي، ووَقَعَ
عند مسلم (١٣٤٤) من رواية عُبيد الله بن عمر العمريّ عن نافع بلفظ: إذا أوفَ - أي:
ارتَفَعَ - على ثَنَّة - بِمُثَلَّئَةٍ ثَّ نون ثمَّ تحتانيَّة ثقيلة: هي العَقَبة - أو فَدْفَد - بفتح الفاء بعدها
دال مُهمَلة ثمَّ فاء ثمَّ دال، والأشهَر تفسيره بالمكان المرتَفِع، وقيل: هو الأرض المستوية،
وقيل: الفَلاة الخالية من شَجَر وغيره، وقيل: غليظ الأودية ذات الخَصَى.
قوله: ((ثمَّ يقول: لا إله إلّا الله ... )) إلى آخره، يحتمل أنَّه كان يأتي بهذا الذِّكر عَقِبَ التَّكبير،
وهو على المكان المرتَفِع، ويحتمل أنَّ التَّكبير يَخْتَصّ بالمكان المرتَفِع وما بعده، إن كان مُتَّسِعاً
أكمَلَ الذِّكر المذكور فيه، وإلّا فإذا هَبَطَ سَبَّحَ كما دَلَّ عليه حديث جابر (١). ويُحتمل أن يُكمِل
(١) سلف برقم (٢٩٩٣).

٤٠٨
باب ٥٢ / ح ٦٣٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
الذِّكرِ مُطلَقاً عَقِب التَّكبير، ثمَّ يأتي بالتَّسبيحِ إذا هَبَطَ.
قال القُرطُبيّ: وفي تعقيب التَّكبير بالتَّهليلِ إشارة إلى أنَّه المتفرِّد بإيجادِ جميع الموجودات،
وأنَّه المعبود في جميع الأماكن.
قوله: ((آِبُونَ)) جمع آيِب، أي: راجِع، وزنه ومعناه، وهو خَبَرَ مُبتَدَأ محذوف،
والتَّقدير: نحنُ آيِبونَ، وليس المراد الإخبار بمَحضِ الرُّجوع فإنَّه تحصيل الحاصل، بل
الرُّجوع في حالة مخصوصة، وهي تَلَبُّسهم بالعبادة المخصوصة والاتِّصاف بالأوصاف
المذكورة.
وقوله: ((تائبونَ)) فيه إشارة إلى التَّقصير في العبادة، وقاله ◌َّل ◌ِ على سبيل التَّواضُع أو تعليماً
لأُمَّتِهِ، أو المراد أمَّته كما تقدَّم تقريره. وقد تُستَعمَل الثَّوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة، فيكون
المراد أن لا يقع منهم ذَنب.
قوله: (صَدَقَ الله وعْده) أي: فيما وعَدَ به من إظهار دينه في قوله: ﴿ وَعَدَكُمُ اللّهُ مَغَانِمَ
١٩٠/١١ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: ٢٠]، وقوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَسِلُواْالصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ
اُلْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]. وهذا في سَفَر الغَزو، ومُناسَبته لِسِفَرِ الحجّ والعمرة قوله تعالى:
﴿لَتَدْخُنَّ الْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللَّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
قوله: (ونَصَرَ عبده» یرید نفسه.
قوله: ((وهَزَمَ الأحزابَ وحده)) أي: من غير فِعل أحد من الآدميّينَ. واختُلِفَ في المراد
بالأحزابِ هنا، فقيلَ: هم كفَّار قُرَيش ومَن وافَقَهم من العرب واليهود الذينَ تَحَزَّبوا، أي:
تَجَمَّعوا في غزوة الخندق، ونزلت في شأنهم سورة الأحزاب، وقد مَضَى خَبَرَهم مُفَصَّلاً في
كتاب المغازي (٤٠٩٧-٤١٢٤). وقيل: المراد أعَمّ من ذلك.
وقال النَّوويّ: المشهور الأوَّل، وقيل: فيه نظر، لأَنَّه يَتَوقَّف على أنَّ هذا الدُّعاء إِنَّمَا شُرِعَ من
بعد الخندق، والجواب: أنَّ غَواتِ النبيّ ◌َِّ التي خَرَجَ فيها بنفسِه مَحَصورةٌ، والمطابِقِ منها
لذلك غزوة الخندق لِظاهرِ قوله تعالى في سورة الأحزاب [٢٥]: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ

٤٠٩
باب ٥٣ / ح ٦٣٨٦ - ٦٣٨٧
كتاب الدعوات
لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْفِتَالَ﴾، وفيها قبل ذلك: ﴿إِذْ جَآءَتَّكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَتِهِمْ
رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَا﴾ الآية [٩].
والأصل في الأحزاب: أنَّه جمع حِزْب، وهو القِطعة المجتَمِعة من الناس، فاللّام إمّا
جِنسِيَّة والمراد كلّ مَن تَحَزَّبَ من الكفَّار، وإمّا عهديَّة، والمراد مَن تقدَّم، وهو الأقرَبُ.
قال القُرطُبيّ: ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدُّعاء، أي: اللهمَّ اهزم الأحزاب.
والأوَّل أظهَر.
٥٣- باب الدّعاء للمتزوّج
٦٣٨٦ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا خَادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ ﴾، قال: رَأَى النبيُّ وَله.
على عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ أثرَ صُفْرةٍ، فقال: ((مَهْيَمْ - أو مَهْ _؟)) قال: تزوَّجْتُ امرأةً على وزْنِ
نَواةٍ من ذهبٍ، فقال: ((بارَكَ الله لكَ، أَوْلِمْ ولو بشاةٍ)).
٦٣٨٧ - حدّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا خَمَّادُ بنُّ زيدٍ، عن عَمرِو، عن جابرٍ ﴾، قال: هَلَكَ أبي
وتَرَكَ سبعَ - أو تسعَ - بناتٍ، فتزوَّجْتُ امرأةً، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((تزوَّجْتَ يا جابر؟)) قلتُ:
نعم، قال: ((بِكْراً أم ثَيِّاً؟» قلتُ: ثَيِّبٌ، قال: ((هَلّ جاريةً تُلاعبُها وتُلاعبُكَ - أو نُضاحِكُها
وتُضاحِكُكَ _؟)) قلتُ: هَلَكَ أبي فَتَرَكَ سبعَ - أو تسعَ - بناتٍ، فَكَرِهْتُ أن أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ،
فتزوَّجْتُ امرأةً تقومُ عليهنَّ، قال: ((فبارَكَ الله عليكَ)).
لم يَقُلِ ابْنُ عُيَينَةَ ومحمَّدُ بنُ مسلمٍ، عن عَمرِو: ((بارَكَ الله عليكَ)).
قوله: ((باب الدُّعاء للمُتزوِّج)) فيه حديث أنس في تَزويج عبد الرَّحمن بن عَوْف، وقد تقدَّم
شرحه مُستَوفَّى في كتاب النِّكاح (٥١٤٨ و٥١٥٥ و٥١٦٧)، والمراد هنا قوله: ((بارَكَ الله لك)).
وقوله: ((فقال: مَهْيَم - أو مَهْ _؟)) شَكّ من الراوي، والمعتمد ما في الرّواية المتقدِّمة، وهو
الجزم بالأوَّل ومعناه: ما حالك؟ و((مَه)) في هذه الرِّواية استفهاميَّة انقَلَبَتِ الألف هاءً.
وحديث جابِرٍ في تَزويجه الثَّيِّبَ وفيه: ((هَلّ جارية تُلاعِبها)»، وقد تقدَّم شرحه أيضاً في
النِّكاح (٥٠٧٩)، والمراد منه: قوله فيه: ((بارَكَ الله عليك)).

٤١٠
باب ٥٣ / ح ٦٣٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله فیه: «تزوَّجْتَ يا جابر؟ قلت: نعم، قال: بكراً أم(١) قَيِّاً؟)) انتَصَبَ على حذف فِعل
تقديره: أتزَوَّجت؟.
وقوله في الجواب: ((قلتُ: قَيِّب)) بالرَّفع على أنَّ التَّقدير مثلاً: التي تزوَّجتها نَيِّب، قيل:
وكان الأحسنُ النَّصبَ على نَسَقِ الأوَّل، أي: تزوَّجت ثَيِّياً.
قلت: ولا يَمْتَنِعِ أن يكون منصوباً، فكُتِبَ بغير ألِف على تلكَ اللُّغة (٢).
وقوله فيه: «أو تُضاحكها)»/ شَكٌّ من الراوي، وهو يُعيِّن أحد الاحتمالَينِ في («تُلاعبها»: هل
من اللَّعِب أو من اللُّعاب؟ وقد تقدَّم بيانه عند شرحه.
١٩١/١١
قوله: ((لم يَقُل ابن عُبَينَةَ ومحمَّد بن مسلم عن عَمْرو: بارَكَ الله عليك)) أمَّا رواية سفيان
ابن عُيَينَةَ فتقدَّمَت موصولة في المغازي (٤٠٥٢) وفي النَّفَقات(٣) من طريقه.
وأمَّا رواية محمّد بن مسلم - وهو الطائفيّ - فتقدَّم الكلام عليها في المغازي(٤).
ومُناسَبة قوله وَ ل﴿ لعبد الرّحمن: ((بارَكَ الله لك))، ولجابِرِ: ((بارَكَ الله عليك)): أنَّ المراد
(١) في الأصلين: ((أو))، والمثبت من اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري، وهو الصواب، لأنَّ
استفهام النبي ◌َ﴿ إنما كان لتعيين أحد الصنفين من النساء، فأجابه جابر بأنها ثيب، وأما ((أو)) فالجواب
عنها يكون بنعم أو لا. انظر ((مغني اللبيب)) في بحث ((أم).
(٢) يعني لغة ربيعة بجواز الوقف على المنصوب بالسكون. انظر ((شرح الإستراباذي على شافية ابن الحاجب))
٢٧٢/٢ في بحث الوقف.
(٣) الذي في كتاب النفقات (٥٣٦٧) إنما هو طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار، لكن ذكر المزي في ((تحفة
الأشراف» (٢٥٣٥) أنه عند البخاري في المغازي عن قتيبة وعلي بن عبد الله ۔ فرَّقھما - عن عمرو بن
دينار. وأشار محققه إلى أنه جاء في حاشية نسخة من ((التحفة)) تعليقاً على طريق علي بن عبد الله: ذكره
خلف وحده وقال أبو القاسم في طريق علي: لم أجده، ولم يذكره أبو مسعود. قلنا: وعلى أي حال فعزو
الحافظ له للنفقات خطأ.
(٤) لم يتقدم للحافظ عليها كلام لا في كتاب المغازي ولا في غيره، لكن جاء في ((تحفة الأشراف)) (٢٥٦٣) أنَّ
البخاري علقه في المغازي عقب حديث قتيبة عن سفيان بن عيينة (٤٠٥٢) حيث قال البخاري: وقال
محمد بن مسلم ... فذكره. قلنا: وقد ذكر الحافظ في ((مقدمة الفتح)) أنه لم ير هذا التعليق موصولاً وبيّض
له في «تغلیق التعلیق)) ١٤٨/٥.

٤١١
باب ٥٤-٥٥ / ح ٦٣٨٨ -٦٣٨٩
ڪتاب الدعوات
بالأوَّل: اختصاصه بالبَرَكة في زوجته، وبالثّاني: شُمول البَرَكة له في جَوْدة عقلِهِ حيثُ
قَدَّمَ مَصلَحة أخَواته على حَظّ نفسه، فعَدَلَ لأجْلِهِنَّ عن تزوُّج البِكر مع كونها أرفَع رُتبة
للمُتزوِّجِ الشّابّ من الثَّيِّب غالباً.
٥٤ - باب ما يقول إذا أتى أهلَه
٦٣٨٨ - حدَّثني عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن سالم، عن گُرَیبٍ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال النبيُّ وَّ: ((لو أنَّ أحدَهم إذا أرادَ أن يأتيَ أهلَه قال: باسم الله،
اللهمَّ جَنّنا الشَّيطانَ، وجَنِّبِ الشَّيطانَ ما رَزَقْتَنَا، فإنَّه إن يُقدَّر بينَهما ولدٌ في ذلك، لم يَضُرَّه
شيطانٌ أبداً».
قوله: ((باب ما يقول إذا أتى أهله)) ذكر فيه حديث ابن عبّاس، وفي لفظه ما يقتضي أنَّ
القول المذكور يُشرَع عند إرادة الجِماع، فيَرَفَع احتمال ظاهر الحديث أنَّه يُشرَع عند الشُّروع
في الجماع. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفى في كتاب النِّكاح (٥١٦٥).
وقوله: ((لم يَضُرّه شيطان أبداً)) أي: لم يَضُرَّ الولدَ المذكور، بحيثُ يتمكَّن من إضراره في
دِينه أو بَدَنه، وليس المراد رفعَ الوسوسة من أصلها.
٥٥ - باب قول النبيّ وَلّ: (﴿رَبَّنَاَ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾))
٦٣٨٩- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن عبدِ العزيزِ، عن أنسٍ، قال: كان أكثرُ
دعاءِ النبيِّ ◌َّةَ: ((اللهمَّ ﴿ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[البقرة: ٢٠١])).
قوله: ((باب قول النبيّ وَّ: ﴿رَبَّنَاَ ءَاتِنَا فِىِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾)) كذا ذكره بلفظ الآية.
وأورد الحديث من طريق عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس بلفظ: كان أكثر دعاء النبيّ وَّ:
((اللهمَّ ﴿ءَاتِنَا .. ﴾)) إلى آخر الآية، وقد أورَدَه في تفسير البقرة (٤٥٢٢) عن أبي مَعمَر عن
عبد الوارث بسندِه هذا، ولكن لفظه: كان النبيّ وَ ل﴿ يقول، والباقي مِثلُه.

٤١٢
باب ٥٥ / ح ٦٣٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه مسلم (٢٦٩٠) من طريق إسماعيل ابن عُليَّة عن عبد العزيز قال: سألَ قَتَادة
أنساً: أيُّ دعوة كان يَدعُو بها النبيّ وَ ◌ّ أكثر؟ قال: ((اللهمَّ ﴿َاثِنَا فِىِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ... ))
إلى آخره. قال: وكان أنس إذا أراد أن يَدعُو بدَعوةٍ دَعَا بها.
وهذا الحديث سمعَه شُعْبة من إسماعيل ابن عُليَّة عن عبد العزيز عن أنس مختصراً،
رواه عنه يحيى بن أبي بُكَير. قال يحيى: فلقيت إسماعيل فحدَّثني به (١)، فذكره كما عند
مسلم.
وأورَدَه مسلم (٢٧/٢٦٩٠) من طريق شُعْبة عن ثابت عن أنس: أنَّ النبيَّ ◌َّ﴿ كان يقول:
(﴿رَبََّآ ءَانِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ الآية))، وهذا مُطابِقٍ للتَّرجمة.
وأخرج ابن أبي حاتم(٢) من طريق أبي نُعَيم حدَّثنا عبد السَّلام أبو طالوت: كنت عند
أنس فقال له ثابت: إنَّ إخوانك يسألونَك أن تَدعو لهم، فقال: اللهمَّ ﴿ءَاتِنَا فِىِ الدُّنْيَا
حَسَنَةٌ وَفِىِ الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فذكر القصَّة وفيها: إذا آتاكم الله ذلك
فقد آتاكم الخیر کلّه.
١٩٢/١١
قال عياض: / إنَّما كان يُكثِرِ الدُّعاء بهذه الآية لجَمْعها معانيَ الدُّعاء كلّه من أمر الدُّنيا
والآخِرة. قال: والحسنة عندهم هاهنا: النِّعمة، فسألَ نُعَيم الدُّنيا والآخِرة والوقاية من
العذاب، نسأل الله تعالى أن يَمُنَّ علینا بذلك ودَوامَه.
قلت: قد اختَلَفَت عِبارات السَّلَّف في تفسير الحسنة: فعن الحسن قال: هي العلم والعبادة
في الدُّنيا، أخرجه ابن أبي حاتم بسندٍ صحيح، وعنه بسندٍ ضعيف: الرِّزق الطيِّب والعلم النافع،
وفي الآخِرة الجنَّة.
وتفسير الحسنة في الآخِرة بالجنّة نقله ابن أبي حاتم أيضاً عن السُّدِّيّ ومجاهد وإسماعيل ابن
أبي خالد ومقاتل بن حیّان.
(١) أخرجه من هذين الطريقين ابنُ حبان (٩٣٩)، وهو عند البزار (٦٣٧٢) أيضاً، لكن من طريق شعبة عن
ابن عُلَيَّة دون طريق يحيى عن ابن عُلَيَّة.
(٢) في ((التفسير)) ٣٥٩/٢.

٤١٣
باب ٥٥ / ح ٦٣٨٩
كتاب الدعوات
وعن ابن الزُّبَير: يعملونَ في دُنياهم لِدُنياهم وآخِرَتهم.
وعن قَتَادة: هي العافية في الدُّنيا والآخِرة.
وعن محمَّد بن كعب القُرَظيّ: الزوجة الصالحة من الحسنات، ونحوه عن یزید بن أبي
مالك.
وأخرج ابن المنذر من طريق سفيان الثَّوريّ قال: الحسنة في الدُّنيا: الرِّزق الطيِّب، والعلم،
وفي الآخِرة: الجنَّة.
ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال: الحسنة في الدُّنيا: المُنَى(١).
ومن طريق الشُّدِّيّ، قال: المال.
ونَقَلَ الثَّعَلَبِيّ عن السُّدِّيّ ومُقاتل: حَسنة الدُّنيا: الرِّزق الحلال الواسع والعَمَل الصالح،
وحَسنة الآخِرة: المغفرة والثَّواب.
وعن عَطَيَّة: حَسنة الدُّنيا: العلم والعَمَل به، وحَسنة الآخِرة: تيسير الحساب ودخول
الجنَّة.
وبسنده عن عَوف قال: مَن آتاه الله الإسلام والقرآن والأهل والمال والولد فقد آتاه في
الدُّنيا حَسَنة وفي الآخرة حسنة.
ونَقَلَ الثَّعلَبِيّ عن سَلَف الصّوفيَّة أقوالاً أُخرى مُتغايرة اللَّفظ متوافقة المعنى، حاصلها
السَّلامة في الدُّنيا وفي الآخرة.
واقتَصَرَ ((الكَشّاف)) على ما نَقَلَه الثَّعَلَبِيّ عن عليّ: أنَّها في الدُّنيا: المرأة الصالحة، وفي الآخِرة:
الحوراء، وعذاب النار: المرأة السّوء.
وقال الشَّيخ عِماد الدّين بن كثير: الحسنة في الدُّنيا تَشمَل كلّ مطلوب دُنيَويّ، من
عافية ودارٍ رخبةٍ وزوجة حَسَنة وولد بارّ ورِزق واسع وعلم نافع وعَمَل صالح ومَركَب
(١) كذا في الأصلين و(س)، وفي ((الدر المنثور)) للسيوطي: الثناء. وهذا المعنى الثاني أليق بالمقام، والله أعلم.

٤١٤
باب ٥٦-٥٧ / ح ٦٣٩٠ - ٦٣٩١
فتح الباري بشرح البخاري
هَنيء وثَناء جميل، إلى غير ذلك ممَّا شَمِلَته عِباراتُهم، فإنَّها كلّها مُندَرِجة في الحسنة في الدُّنيا،
وأمَّا الحسنة في الآخِرة: فأعلاها دخول الجنَّة وتَوابِعُه من الأمن من الفَزَع الأكبر في
العَرَصات وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة، وأمَّا الوقاية من عذاب النار فهو
يقتضي تيسير أسبابه في الدُّنيا من اجتناب المحارم وتَرك الشُّبُهات.
قلت: أو العفو مَحَضاً. ومُراده بقولِه: وتوابعه: ما يَلتَحِق به في الذُّكر لا ما يَتَبَعه حقيقة.
٥٦- باب التعُّد من فتنة الدّنيا
٦٣٩٠ - حدَّثنا فَرْوةُ بنُ أبي المَغْراءِ، حدَّثنا عَبِيدةُ - هو ابنُ مُميدٍ - عن عبدِ الملِكِ بنِ
عُمَيرٍ، عن مُصْعَبٍ بنِ سَعْدِ بنِ أبِي وَقّاصٍ، عن أبيه ﴾، قال: كان النبيُّ ◌َ﴿ يُعلِّمُنَا هَؤُلاءِ
الكلمات كما تُعلَّمُ الكتابةُ: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ البُخْلِ، وأعوذُ بكَ منَ الُبْنِ، وأعوذُ بكَ
مَن أن نُرَدَّ إِلى أَرْذَلِ العُمُرِ، وأعوذُ بكَ من فِتْنِةِ الدُّنْيا، وعذاب القبرِ)).
قوله: ((باب التَّعَوُّذ من فِتْنة الُّنْيا)) تقدَّمَت هذه التَّرجمة ضِمن ترجمة، وذلك قبل اثنَي
عشر باباً، وتقدَّم شرح الحديث أيضاً (٦٣٧٤).
٥٧- باب تکریر الدّعاء
٦٣٩١ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ مُنذِرٍ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها: أنَّ رسولَ الله وَّهِ طُبَّ، حتَّى إِنَّه لَيُخيَّلُ إليه أنَّه قد صَنَعَ الشَّيءَ وما صَنَعَه،
وإِنَّه دَعَا رَبَّه، ثمّ قال: ((أشَعَرتِ أنَّ اللهَ قد أفتاني فيما استَفْتَيْتُه فيه؟)) فقالت عائشةُ: فما ذاكَ یا
رسولَ الله؟ قال: ((جاءّني رجلان فجَلَسَ أحدُهما عندَ رأسي، والآخرُ عندَ رِجْلَيَّ، فقال أحدُهما
لِصاحبِهِ: ما وجَعُ الرجلِ؟ قال: مَطْبوبٌ، قال: مَن طَبَّه؟ قال: لَبِيدُ بنُ الأعصَم، قال: فيماذا؟ قال:
في مُشْطٍ ومُشاطِةٍ، وجُفِّ طَلْعةٍ، قال: فأينَ هو؟ قال: في ذَرْوانَ)) وذَرْوانُ: بَثِّرِّ في بني زُرَبِقِ، قالت:
فأتاها رسولُ الله وَّةِ، ثمَّ رَجَعَ إلى عائشةَ، فقال: ((والله لكَأنَّ ماءَها نُقاعةُ الحِنَّاءِ، ولَكَأنَّ نَخْلَها
رؤوسُ الشَّياطينِ)). قالت: فأتى رسولُ الله ◌َّهِ فأخبَرَها عن البِتْرِ، فقلتُ: يا رسولَ الله، فهَلًا
أخرَجْتَه؟ قال: ((أمَّا أنا فقد شَفاني الله، وكَرِهْتُ أن أَثِيرَ على الناسِ شَرّاً)).

٤١٥
باب ٥٨
كتاب الدعوات
وزادَ عيسى بنُ يونُسَ واللَّيثُ بن سعدٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: سُحِرَ
النبيُّ ◌َّهِ، فَدَعَا ودَعا، ... وساقَ الحديثَ.
قوله: ((باب تَكْرِير الدُّعاء)» ذكر فيه حديث عائشة: أنَّ النبيَّ وََّ طُبَّ، بضمِّ الطاء، أي: ١٩٣/١١
سُحِرَ، وقد تقدَّم شرحه في أواخر كتاب الطِّبّ (٥٧٦٣ و ٥٧٦٥ و٥٧٦٦). وأخرج أبو داود
(١٥٢٤) والنَّسائيُّ (ك١٠٢١٨) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٩٢٣) من حديث ابن مسعود: أنَّ
النبيَّ وَّةٍ كان يُعجِبه أن يَدعُو ثلاثاً ويَسْتَغْفِر ثلاثاً.
وتقدَّم في الاستئذان (٦٢٤٤) حديث أنس: كان إذا تَكلَّمَ بكلمةٍ أعادَها ثلاثاً.
قوله: ((وزادَ عيسى بن يونس واللَّيث بن سَعْد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت:
سُحِرَ النبيّ وَِّ، فَدَعَا ودَعا، وساقَ الحديث)) كذا للأكثر، وسَقَطَ كلّ ذلك لأبي زيد
المروزيّ، ورواية عيسى بن يونس تقدَّمَت موصولة في الطِّبّ مع شرح الحديث، وهو
المطابق للتَّرجمة، بخِلاف رواية أنس بن عياض التي أورَدَها في الباب، فليس فيها تَكرير
الدُّعاء.
ووَقَعَ عند مسلم (٢١٨٩) من رواية عبد الله (١) بن نُمَير عن هشام في هذا الحديث:
فِدَعا ثمَّ دَعَا ثمَّ دَعا، وتقدَّم توجيه ذلك، وتقدَّم الكلام على طريق اللَّيث في ((صِفَة
إبليس)) من بَدْء الخلق (٣٢٦٨).
٥٨- باب الدّعاء على المشركين
وقال ابنُ مسعودٍ: قال النبيُّ ◌َِّ: ((اللهمَّ أَعِنّي عليهم بسَبْعِ كسَبْعٍ يوسُفَ)).
وقال: ((اللهمَّ عليكَ بأبِي جَهْلٍ)).
وقال ابنُ عمَرَ: دَعَا النبيُّ وَّه في الصلاةِ، وقال: ((اللهمَّ الْعَن فلاناً وفلانا)) حتَّى أَنزَلَ الله تعالى:
﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
(١) تحرَّف في (س) إلى: عبيد الله.

٤١٦
باب ٥٨ / ح ٦٣٩٢ - ٦٣٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
٦٣٩٢ - حدَّثْنا ابنُ سَلَام، أخبرنا وكِيعٌ، عن ابنِ أبي خالدٍ، قال: سمعتُ ابنَ أبي أوْفَى
رضي الله عنهما، قال: دَعَا رسولُ اللهِوَلَهِ على الأحزاب، فقال: ((اللهمَّ مُنْزِلَ الكتاب، سَرِيعَ
الحِساب، اهْزِمِ الأحزابَ، اهْزِمْهم وزَلْزِهْم)).
٦٣٩٣- حدَّثنا معاذُ بنُ فَضالةَ، حدَّثنا هشامُ بنُ أبي عبد الله، عن يحيى، عن أبي سَلَمةَ،
عن أبي هريرةَ: أَنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان إذا قال: ((سمعَ الله لمن حَمِدَه)) في الرَّكْعةِ الآخِرةِ من صلاةِ
العِشاءِ قَنَتَ: «اللهمَّ أَنْجِ عَّاشَ بنَ أبي رَبِيعةَ، اللهمَّ أَنْجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، اللهمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بنَ
هشامٍ، اللهمَّ أَنْج المستَضْعَفِينَ منَ المؤمنينَ، اللهمَّ اشدُد وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، اللهمَّ اجْعَلْها
سنينَ گَسِنِي يوسُفَ)).
٦٣٩٤ - حدَّثنا الحسنُ بنُ الرَّبِيعِ، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، عن عاصمٍ، عن أنسٍ لَّه: بَعَثَ
النبيُّ ◌َله ◌َسَرِيَّةً يقال لهمُّ: القُرّاءُ، فَأَصِيبُوا، فما رأيتُ النبيَّ ◌َّهِ وَجَدَ على شيء ما وَجَدَ عليهم،
فقَنَتَ شَهْراً في صلاةِ الفَجْرِ، ويقول: ((إنَّ عُصَيَّةَ عَصَوا الله ورسوله)).
٦٣٩٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كانتِ اليهودُ يُسَلِّمونَ على النبيِّ وَّ تَقُولُ: السامُ عليكَ،
فقَطِنَت عائشةُ إلى قولهم، فقالت: عليكُمُ السامُ واللَّعْنَةُ، فقال النبيُّ ◌َ: «مَهْلاً يا عائشةُ، إنَّ اللهَ
يُحِبُّ الرِّفْقَ في الأمرِ كلِّه)) فقالت: يا نبيَّ الله، أوَلم تَسْمَع ما يقولون؟ قال: ((أوَلم تَسْمعي أنّ أرُةُّ
ذلك علیھم، فأقولُ: علیکم».
٦٣٩٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا الأنصاريُّ، حدَّثنا هشامُ بنُ حسَّانَ، حدَّثنا محمَّدُ
ابنُ سِيرِينَ، حدَّثنا عَبِيدةُ، حدَّثنا عليٍّ بنُ أبي طالبٍ ﴾، قال: كنَّا معَ النبيِّ ◌َّهِ يومَ الخندَقِ،
فقال: ((مَلأَ الله قُبُورَهم وبُيوتَهم ناراً، كما شَغَلونا عن الصلاة الوُسْطَى، حتَّى غابَتِ الشمس))
وهي صلاةُ العَصْرِ.
١٩٤/١١ قوله: ((باب الدُّعاء على المشركينَ)) كذا أطلقَ هنا، وقَيَّدَه في الجهاد (٢٩٣١) بالهزيمة
والزَّلْزَلة.

٤١٧
باب ٥٨ / ح ٦٣٩٦
كتاب الدعوات
وذکر فیه أحاديث:
الأوَّل: قوله: ((وقال ابن مسعود: [قال النبي ◌َّرْ](١): اللهمَّ أعِنّي عليهم بسَبْعٍ كَسَبْعٍ
يوسُف)) وهذا طَرَف من حديث تقدَّم موصولاً في كتاب الاستسقاء (١٠٠٧) وتقدَّم شرحه
هناك.
الثّاني: قوله: ((وقال: اللهمَّ عليك بأبي جَهْل)) أي: بإهلاكه، وسَقَطَ هذا التَّعليق من
رواية أبي زيد، وهو طَرَف من حديثٍ لابنِ مسعود أيضاً في قصَّة سَلَى الجَزُور التي ألقاها
أشقَى القوم على ظَهْر النبيّ ◌َّه، وقد تقدَّم موصولاً في الطَّهارة (٢٤٠)، وهو رابع
الأحاديث المذكورة في التَّرجمة التي أشرت إليها آنفاً في كتاب الجهاد (٢٩٣٤).
الثّالث: قوله: ((وقال ابن عمر: دَعَا النبيّ وَّهِ في الصلاة، وقال: اللهمَّ الْعَنْ فلاناً وفلاناً،
حَتَّى أَنزَلَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾)) هذا أيضاً طَرَف من حديثٍ تقدَّم موصولاً في
غزوة أُحُد (٤٠٦٩)، وفي تفسير آل عمرانَ (٤٥٥٩) وتقدَّم شرحُه، وتسميةُ مَن أُنْهِمَ من
المدعوّ عليهم.
الحديث الرابع: قوله: ((حدَّثنا ابن سَلَام)) هو محمَّد، وابن أبي خالد: اسمه إسماعيل،
وابن أبي أوفَى: هو عبد الله.
قوله: ((على الأحزاب)) تقدَّم المراد به قريباً (٦٣٨٥). و((سريع الحساب)) أي: سريع فيه،
أو المعنى: أنَّ مجيءَ الحِساب سريع، وتقدَّم شرح الحديث مُستَوفَّى في ((باب لا تَتَمنَّوا لِقاء العدوّ))
من کتاب الجهاد (٣٠٢٥).
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة في الدُّعاء في القُنوت للمُستَضعَفينَ من المسلمينَ،
وفيه: ((اللهمَّ اشدُدْ وطأَتك على مُضَر)) أي: خُذْهم بشِدّةٍ، وأصلها من الوَطْء بالقَدَمِ، والمراد:
الإهلاك، لأنَّ مَن يَطَأ على الشّيء برجله فقد استقصی في هلاكه.
(١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، ولا بدّ منه لدفع توهُّم أنه من قول ابن مسعود، وهو ثابت
في الیونینیة دون حکایة خلاف بين رواه البخاري.

٤١٨
باب ٥٨ / ح ٦٣٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
والمراد بمُضَرَ: القبيلة المشهورة التي منها جميع بُطون قيس وقُرَيش وغيرهم، وهو على
حذف مُضاف، أي: كُفَّار مُضَر، وقد تقدَّم في الجهاد أنَّه يُشرَح في المغازي، فلم يَتَهيّأ ذلك
فشُرِحَ في تفسير سورة النِّساء(١).
١٩٥/١١
وقوله فيه: «اللهمَّ أَنْجِ سَلَمة/ بن هشام» نَقَلَ ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ أنَّه قال: هو عَمّ أبي
جهل، قال: فعلى هذا فاسم أبي جهل: هشام، واسم جَدّه: هشام.
قلت: وهو خطأ من عِدّة أوجُه، فإنَّ اسم أبي جهل: عَمْرو، واسم أبيه: هشام، وسَلَمة
أخوه بلا خلاف بين أهل الأخبار في ذلك، فلعلَّه كان فيه: فاسم أبي أبي جهل، فيَستَقيم، لكن
قوله: وسَلَمة عَمّ أبي جهل خطأ، فيَرجِع الخطأ.
الحديث السادس: حديث أنس: بَعَثَ النبيّ ◌َّ سَرِيَّة يقال لهم: القُرّاء، الحديث، وقد تقدَّم
شرحه في غزوة بئر مَعُونة من كتاب المغازي (٤٠٨٨).
وقوله: ((وَجَدَ)) من الوَجْد، بفتحِ ثمَّ سکون، أي: حَزِن.
الحديث السابع: حديث عائشة: كانت اليهود يُسَلِّمونَ، وقد تقدَّم شرحه في كتاب
الاستئذان (٦٢٥٦).
الحديث الثامن: حديث عليّ: كنَّا مع النبيّ وَّه يوم الخندق، الحديث، وفيه: ((مَلَأَ الله
قُبورهم وبيوتهم ناراً)، وقد تقدَّم شرحه في تفسير سورة البقرة (٤٥٣٣)، وأشرت إلى اختلاف
العلماء في الصلاة الوُسطَى وبَلَّغته إلى عشرينَ قولاً.
وقد تَعَسَّفَ أبو الحسن ابن القَصّار في تأويله فقال: إنَّما تسمية العصر وُسطَى يَخْتَصّ بذلك
اليوم، لأنَّهم شُغِلوا عن الظُّهر والعصر والمغرب، فكانت العصر بالنّسبة إلى الثلاثة التي شُغِلوا
عنها وُسطَى، لا أنَّ المراد بالوُسطَى تفسير ما وَقَعَ في سورة البقرة.
(١) بل في تفسير سورة آل عمران (٤٥٦٠)، وقد تقدم الحديث في تفسير سورة النساء (٤٥٩٨) لكنه أحال هناك
إلى الكلام عليه في الاستسقاء، ولم يتكلم عليه هناك (١٠٠٦)، بل أحال على شرحه في تفسير آل عمران، وهو
كذلك على أننا لم نقف على الحديث في المغازي أصلاً، لكنه أحال في الجهاد (٢٩٣٢) أنه سيشرحه مستوفى في
التفسیر، وهو کذلك کما ذکرنا.

٤١٩
باب ٥٨ / ح ٦٣٩٦
كتاب الدعوات
قلت: وقوله في هذه الرِّواية: ((وهي صلاة العصر)) جَزَمَ الكِرْمانيُّ: بأنَّه مُدرَج في الخبر
من قول بعض رواته، وفيه نظر، فقد تقدَّم في الجهاد (٢٩٣١) من رواية عيسى بن يونس،
وفي المغازي (٤١١١) من روایة رَوْح بن عُبادة، وفي التَّفسیر من روایة یزید بن هارون، ومن
رواية يحيى بن سعيد، كلّهم عن هشام، ولم يقع عنده ذِكْر صلاة العصر عن أحد منهم، إلّا أنَّه
وَقَعَ في المغازي (١): إلى أن غابَتِ الشمس. وهو مُشعِر بأنَّها العصر.
وأخرجه مسلم (٦٢٧ /٢٠٢) من رواية أبي أسامة ومن رواية المعتمِر بن سليمان ومن
رواية يحيى بن سعيد، ثلاثتهم عن هشام كذلك، ولكن بلفظ: ((شَغَلونا عن الصلاة الوُسطَى
صلاة العصر))(٢).
وكذا أخرجه (٢٠٥/٦٢٧) من طريق شُتَير بن شَكَل عن عليّ. ومن طريق مُرّة عن عبد الله
ابن مسعود مثله سواء (٦٢٨).
وأصرَحُ من ذلك ما أخرجه من حديث حُذَيفة مرفوعاً: ((شَغَلونا عن صلاة العصر))(٣).
وهو ظاهر في أنَّه من نفس الحديث.
وقوله في السَّنَد: ((حدَّثنا الأنصاريّ)) يريد محمَّد بن عبد الله بن المثنَّى القاضي، وهو من
شيوخ البخاريّ، ولکن رُبَّما أخرج عنه بواسطةٍ كالذي هنا.
وقوله: ((حدَّثنا هشام بن حسَّان)) يُرجِّح قولَ مَن قال في الرِّواية التي مَضَت في الجهاد
من طريق عيسى بن يونس: حدَّثنا هشام: إنَّه ابن حسَّان، وقد كنت ظَنَنتُ أنَّه الدَّستُوائيّ
ورَدَدت على الأَصِيليّ حيثُ جَزَمَ بأنَّه ابن حسَّان، ثمَّ نَقَلَ تضعيف هشام بن حسَّان يَرُوم
رَدّ الحديث، فتَعقَّتُهُ هُناكَ، ثمَّ وَقَفتُ على هذه الرِّواية فرجعتُ عمَّا ظنتُه، لكن أُجيبُ
(١) وكذا في التفسير.
(٢) لم يَرِدْ ذكر صلاة العصر في رواية الثلاثة المذكورين عن هشام في مطبوع ((صحيح مسلم)) ولا فيما بين
أيدينا من أصوله الخطية، ويؤيد عدم ورودها في روايتهم أنَّ أحمد أخرج الحديث برقم (٩٩٤) عن يحيى
القطان بدونها، وهو أحد الثلاثة المذكورين هنا، لكنه جاء في رواية يزيد بن هارون عن هشام عند ابن
أبي شيبة ١٤/ ٤٢١، وأبي يعلى (٣٨٥).
(٣) أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٢١/١، وابن حبان (٢٨٩١)، والطبراني في «الأوسط)) (١١١٨).

٤٢٠
باب ٥٩ / ح ٦٣٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
الآن عن تضعيفه لهشام: بأنَّ هشام بن حسَّان وإن تَكلَّمَ فيه بعضُهم من قِبَل حِفظه، لكن
لم يُضَعِّفه بذلك أحدٌ مُطلَقاً بل بقَيدِ بعض شيوخه، واتَّفَقوا على أنَّه ثَبْتٌ في الشَّيخ الذي
حدَّث عنه بحدیثِ الباب، وهو محمّد بن سِیرین.
قال سعيد بن أبي عَرُوبة: ما كان أحد أحفظَ عن ابن سِيرِين من هشام، وقال يحيى
القَطّان: هشام بن حسَّان ثقة في محمَّد بن سِيرِين، وقال أيضاً: هو أخَبُّ إليّ في ابن ◌ِیرِین
من عاصم الأحول وخالد الحَذّاء، وقال عليّ بن المَدِينيّ: كان يحيى القَطّان يُضَعِّف حديث
هشام بن حسَّان عن عطاء، وكان أصحابنا يُثْبِّتُونَه، قال: وأمَّا حديثه عن محمَّد بن سِيرِين
فصحيح، وقال يحيى بن مَعِين: كان يُتَّقَى حديثُه عن عطاء وعن عِكْرمة وعن الحسن.
قلت: قد قال أحمد: ما يَكاد يُنكَر عليه شيء إلّا ووجَدت غيره قد حدَّث به، إمّا أيوب
وإمّا عَوْف(١). وقال ابن عَديّ: أحاديثه مستقيمة، ولم أرَ فيها شيئاً مُنگراً. انتهى، وليس له
١٩٦/١١ في ((الصحيحين)) عن عطاء شيء، وله في البخاريّ/ شيء يسير عن عِكْرمة وتُوبِعَ عليه، والله
أعلم.
٥٩- باب الدّعاء للمشر کین
٦٣٩٧ - حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ﴾.
قَدِمَ الطُّفَيلُ بنُ عَمرِو على رسولِ الله ◌ِّهِ، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ دَوْساً قد عَصَت واَبَتْ،
فادعُ اللهَ عليها، فظنَّ الناسُ أنَّه يَدْعو عليهم، فقال: ((اللهمَّ اهْدِ دَوْساً وأُتِ بهم)).
قوله: ((باب الدُّعاء للمُشْرِكينَ)) تقدَّمَت هذه التَّرجمة وحديث أبي هريرة فيها في كتاب
الجهاد (٢٩٣٧)، لكن زاد: بالهُدَى ليَتألَّفَهم، وقد تقدَّم شرحه هُناكَ، وذكرتُ وجه الجمع
بين التَّرجمَتَينِ: الدُّعاء على المشرِكينَ والدُّعاء للمُشرِكِينَ، وأنَّه باعتبارَينِ.
وحكى ابن بَطّال أنَّ الدُّعاء للمُشرِكينَ ناسخ للدُّعاءِ على المشرِكينَ، ودليله قوله تعالى:
﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، قال: والأكثر على أن لا نَسخ، وأنَّ الدُّعاء على
(١) تحرَّف في الأصلين إلى: عون. وعوف هو ابن أبي جميلة الأعرابي.