Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
باب ٣٧م / ح ٦٣٦٦
كتاب الدعوات
والأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة(١).
وهذا جميع ما في الكتب السِّة لأبي وائل عن عائشة، وأخرج ابن حِبّان في «صحيحه)
(٢٩٠٦) (٢) من رواية شُعْبة عن عَمْرو بن مُرّة عن أبي وائل عن عائشة حديث: ((ما من
مسلم يُشاك شَوكة فما دونها، إلّا رَفَعَه الله بها درجة)) الحديث، وفي بعض هذا ما يَرُدّ
إطلاق أبي عليّ.
قوله: ((دَخَلَت عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة)) عُجُز، بضمِّ العين المهمَلة والجيم
بعدها زاي: جمع عجوز، مِثل عَمود وعُمُد، ويُجمَع أيضاً على عَجائز، وهذه رواية الإسماعيليّ
عن عمران بن موسى عن عثمان بن أبي شَيْبة شيخ البخاريّ فيه.
قال ابن السّكّيت: ولا يقال: عجوزة، وقال غيره: هي لُغة رَدِّيّة.
وقوله: ((ولم أَنْعِم)) هو رُباعيّ من أنعَمَ، والمراد أنَّها لم تُصَدِّقهما أوَّلاً.
قوله: ((فقلت: يا رسول الله، إنَّ عجوزَينٍ، وذَكَرْتُ له، فقال: صَدَقَتَا)) قال الكِرْمانيُّ:
حُذِفَ خَبَر ((إِنَّ)) للعِلمِ به، والتَّقدير: دَخَلَتَا.
قلت: ظَهَرَ لي أنَّ البخاريّ هو الذي اختَصَرَه، فقد أخرجه الإسماعيليّ عن عمران بن
موسى عن عثمان بن أبي شَيْبة شيخ البخاريّ فيه، فساقَه، ولفظه: فقلت له: / يا رسول الله، إنَّ ١٧٦/١١
عجوزَينِ من عَجائز يهود المدينة دَخَلَتا عليَّ، فَزَعَمَتا أنَّ أهل القُبور يُعذَّبونَ في قُبورهم، فقال:
((صَدَقَتا)) وكذا أخرجه مسلم (٥٨٦) من وجه آخر عن جَرِير شيخ عثمان فيه. فعلى هذا فيُضبط
((وذكرتُ له)) بضمِّ التاء وسكون الرَّاء(٣)، أي: ذكرتُ له ما قالتا.
وقوله: (تَسمَعه البَهائم) تقدَّم شرحه مُستَوقَى (١٣٧٢)، وبيَّنت طريق الجمع بين جَزمه ◌َل
هنا بتصديق اليهوديَّتَينِ في إثبات عذاب القبر، وقوله في الرِّواية: ((عائذاً بالله من ذلك))، وكِلا
(١) البخاري (١٤٣٩)، ومسلم (١٠٢٤).
(٢) وهو في «مسند أحمد» (٢٥٤٢٩).
(٣) كان الأولى أن يكون الضبط على مقتضى القول باختصار البخاري للكلام بسكون التاء وفتح الراء. وجوّزه
العيني في ((العمدة» ٤/٢٣.

٣٨٢
باب ٣٨ / ح ٦٣٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
الحديثَينِ عن عائشة، وحاصله: أنَّه لم يكن أو حيَ إليه أنَّ المؤمنينَ يُفتَنُونَ في القُبور، فقال: ((إنَّما
يُقْتَن يهود)» فجَرَى على ما كان عنده من عِلم ذلك، ثمَّ لمَّا علم بأنَّ ذلك يقع لغير اليهود استعاذَ
مِنْه وعَلَّمَه، وأمَرَ بإيقاعِه في الصلاة ليكونَ أَنجَحَ في الإجابة، والله أعلم.
٣٨- باب التعوُّذ من فتنة المحيا والممات
٦٣٦٧ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا المعتَمِرُ، قال: سمعتُ أبي، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ
يقول: كان نبِيُّ اللهَ وَله يقول: ((اللهمَّ إنّ أعوذُ بكَ منَ العَجْزِ والكَسَلِ، والجُبْن والبُخْلِ والهَرَمِ،
وأعوذُ بكَ من عذاب القبرِ، وأعوذُ بكَ من فِتْنَةِ المَحْيا والمَمات)).
قوله: ((باب التَّعَوُّذ من فِتْنة المَحْيا)) أي: زمان الحياة ((والمَمات)) أي: زمان الموت من
أوَّل النَّزِعِ وهَلُمَّ جَرّاً.
ذكر فيه حديث أنس، وفيه ذِكْر العجز والكَسَل والجبن، وقد تقدَّم الكلام عليه في الجهاد
والنَّحل (٢٨٢٠ و٢٨٢٢) (١)، وسيأتي بعد بابين، والهَرَم، والمراد به: الزّيادة في كِبَر السِّنّ،
وعذاب القبر وقد مَضَى في الجنائز (١٣٧٦).
وأمَّا فتنة المحيا والمات، فقال ابن بَطّال: هذه كلمة جامعة لمَعانٍ كثيرة، وينبغي للمَرِ
أن يَرغَب إلى رَبِّه في رفْع ما نزلَ ودفْع ما لم يَنزِل، ويَستَشعِرِ الافتقار إلى ربِّه في جميع ذلك،
وكان وَ لَ يَتَعَوَّذ من جميع ما ذُكر دفعاً عن أمَّته وتشريعاً لهم، ليُبيِّن لهم صِفَة المهمّ من
الأدعية.
قلت: وقد تقدَّم شرح المراد بفتنة المحيا وفتنة المات في ((باب الدُّعاء قبل السَّلام)) في أواخر
صِفَة الصلاة قُبَيل كتاب الجمعة (٨٣٢). وأصل الفتنة: الامتحان والاختبار، واستُعمِلَت في
الشَّرع في اختبار كَشف ما يُكرَه، ويقال: فَتَنتُ الذَّهَبَ: إذا اختَبَتَه بالنار لِتَنظُرِ جَوْدتَه، وفي
الغَفْلة عن المطلوب كقوله: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُ كُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وتُستَعمَل في الإكراه
على الرُّجوع عن الدّين كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ﴾ [البروج: ١٠].
(١) لم يتعرَّض الحافظ رحمه الله لبيان شيء من هذه المعاني في تفسير سورة النحل، لكن في الجهاد.

٣٨٣
باب ٣٩ / ح ٦٣٦٨
كتاب الدعوات
قلت: واستُعمِلَت أيضاً في الضَّلال والإثم والكفر والعذاب والفضيحة، ويُعرَف المراد
حيثُما وَرَدَ بالسّياق والقَرائن.
٣٩- باب التعوُّذ من المأثَم والمغرَم
٦٣٦٨ - حدَّثْنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ
رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَِّ كان يقول: «اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ الكَسَلِ والهَرَمِ، والمأثَمِ
والمَغْرَمِ، ومن فِتْنِةِ القيرِ وعذاب القبرِ، ومن فِتْنِةِ النار وعذاب النار، ومن شَرِّ فِتْنِ الغِنَى،
وأعوذُ بكَ من فِتْنِةِ الفَقْرِ، وأعوذُ بكَ من فِتْنِةِ المسيحِ الدَّجّال، اللهمَّ اغسِل عِّي خَطایاي بماءٍ
الثَّلْجِ والبَرَدِ، ونَقِّ قَلْبِي مِنَ الخَطايا، كما نَقَّيتَ الثَّوْبَ الأبيضَ منَ الدَّنَسِ، وباعِد بيني وبينَ
خَطاياي كما باعَدْتَ بينَ المشرقِ والمغربِ».
قوله: ((باب التَّعَوُّد من المأثَم والمَغْرَم)) بفتح الميم فيهما، وكذا الرَّاء والمثلَّثة، وسكون ١٧٧/١١
الهمزة والغَين المعجَمة، والمأثَم: ما يقتضي الإثم، والمغرَم: ما يقتضي الغُرْم، وقد تقدَّم بيانه في
((باب الدُّعاء قبل السَّلام)) من كتاب الصلاة (٨٣٢).
قوله: ((من الكَسَل والهَرَم)) تقدَّما في الباب الذي قبله.
قوله: (والمأَثَم والمَغْرَم)) والمراد: الإثم والغرامة، وهي ما يَلزَمِ الشَّخصَ أداؤُه كالدَّينِ.
زاد في رواية الزّهْريِّ عن عُرْوة كما مَضَى في ((باب الدُّعاء قبل السَّلام)): فقال له قائل: ما
أكثر ما تستعيذ من المأثَم(١) والمغرَم! هكذا أخرجه من طريق شُعَيب عن الزّهْريِّ.
وكذا أخرجه النَّسائيُّ (٥٤٧٢) من طريق سليمان بن سُلَيم الحِمصيّ عن الزّهْرِيِّ، فذكر
الحديث مختصراً، وفيه: فقيل له: يا رسول الله، إنَّك تُكثِرِ التَّعُّد، الحديث.
وقد تقدَّم بيانه هناك، وقلت: إنّي لم أقِفْ حينئذٍ على تسمية القائل، ثمَّ وجَدت تفسير
المبهم في الاستعاذة للنَّسائيِّ (٥٤٥٤) أخرجه من طريق سَلَمة بن سعيد بن عَطيَّة عن مَعمَر عن
(١) كذا قال الحافظ، وهو وهم منه رحمه الله، لأنَّ نصّ الرواية عند البخاري بذكر التعجب من ذكر المغرم فقط
دون المأثم.

٣٨٤
باب ٣٩ / ح ٦٣٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
الزُّهْريِّ، فذكر الحديث مختصراً، ولفظه: كان يَتَعَوَّذ من المغرَم والمأثَم، قلت: يا رسولَ الله،
ما أكثر ما تَتَعَوَّذ من المغرَم! قال: ((إنَّه مَن غَرِمَ حدَّث فكذَبَ، ووعَدَ فأخلَفَ)) فعُرِفَ أنَّ
السائل له عن ذلك عائشة راوية الحديث.
قوله: ((ومن فِتْنة القبر)) هي سؤال الملَكَين، وعذاب القبر تقدَّم شرحه (١٣٧٤).
قوله: ((ومن فِتْنة النار)) هي سؤال الخَنة على سبيل التَّوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
كُلِّمَآ أُلْغِىَ فِهَا فَوْجٌ سَأَهُمْ خَرَُهَا أَلَمْ بَأْتِكُزْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨]، وسيأتي الكلام عليه في ((باب
الاستعاذة من أرذَل العُمُر)) بعد ثلاثة أبواب.
قوله: ((ومن شَرّ فِتْنة الغِنَى، وأعوذ بك من فِتْنة الفَقْر)) تقدَّم الكلام على ذلك أيضاً في ((باب
الدُّعاء قبل السَّلام)).
قال الكِرْمانيُّ: صَرَّحَ في فتنة الغِنَى بذِكْر الشّ إشارةً إلى أنَّ مَضَرَّته أكثر من مَضَرّة غيره،
أو تغليظاً على أصحابه حتَّى لا يَغْتَرّوا فيَغفُلوا عن مَفاسِدِهِ، أو إيماءً إلى أنَّ صورته لا يكون
فيها خیر، بخلاف صورة الفقر فإنّها قد تكون خیراً، انتهى.
وكلّ هذا غَفْلة عن الواقع، فإنَّ الذي ظَهَرَ لي أنَّ لفظ: ((شَرّ)) في الأصل ثابتة في الموضعينِ،
وإنَّما اختَصَرَها بعض الرُّواة، فسيأتي بعد قليل في ((باب الاستعاذة من أرذَل العُمُر)) من طريق
وكيع وأبي معاوية (١) - مُفرَّقاً - (٦٣٧٥ و٦٣٧٧) عن هشام بسندِه هذا بلفظ: ((وشَرّ فِتنة
الغِنَى وشَرّ فتنة الفقر))، ويأتي بعد أبواب أيضاً (٦٣٧٦) من رواية سَلّام ابن أبي مُطيع عن هشام
بإسقاطِ (شَّ)) في الموضعين، والتَّقَبيد في الغِنَى والفقر بالشرِّ لا بدَّ مِنه، لأنَّ كلّا مِنهما فيه خير
باعتبارٍ، فالتَّقييد في الاستعاذة مِنه بالشرِّ يُخْرِج ما فيه من الخير سواءٌ قَلَّ أم كَثُرَ.
قال الغَزاليّ: فتنة الغِنَى: الحِرص على جمع المال وحُبّه، حتَّى يَكِبَه من غیر حِلّه، ويَمْنعَه
من واجبات إنفاقه وحقوقه، وفتنة الفقر: يُراد به الفقر المُدقِعِ الذي لا يَصحَبه خير ولا وَرَع،
حَتَّى يَتَورَّط صاحبه بسبِهِ فيما لا يَلِيق بأهلِ الدِّين والمروءة، ولا يُبالي بسببٍ فاقَته على أيّ
(١) طريق أبي معاوية في ((باب التعوّذ من فتنة الفقر))، وهو الباب رقم (٤٦).

٣٨٥
باب ٣٩ / ح ٦٣٦٨
كتاب الدعوات
حَرامٍ وَثَبَ، ولا في أيِّ حالة تَورَّطَ. وقيل: المراد به: فقر النَّفْس الذي لا يَرُدّه مِلك الدُّنيا
بحذافيرها، وليس فيه ما يدلّ على تفضيل الفقر على الغِنَی ولا عکسه.
قوله: ((وأعوذ بك من فِتْنَة المَسيح الدَّجّال)) في رواية وكيع: ((ومن شَرّ فتنة المسيح الدَّجّال))،
وقد تقدَّم أيضاً في ((باب الدُّعاء قبل السَّلام)).
قوله: ((اللهمَّ اغسِل عَنِّي خَطاياي بماءِ الثَّلْجِ والْبَرَد ... )) إلى آخره، تقدَّم شرحه في الكلام
على حديث أبي هريرة في أوائل صِفَة الصلاة (٧٤٤).
وحِكمة العُدول عن ذكر الماء الحارّ إلى الثَّلج والبَرَد، مع أنَّ الحارّ في العادة أبلغ في
إزالة الوسَخ: الإشارة إلى أنَّ الثّلج والبَرَد ماءان طاهران لم تَسَّهما الأيدي ولم يَمْتَهِنْهما
الاستعمال، فكان ذِكْر هما آكَدَ في هذا المقام. أشارَ إلى هذا الخطَّابي.
وقال الكِرْمانيُّ: وله توجيه آخر، وهو أنَّه جَعَلَ الخَطايا بمنزلة النار لِكَونها تُؤَدّي إليها،
فعَبَّرَ عن إطفاء حَرارَتها بالغَسلِ تأكيداً في إطفائها، وبالَغَ فيه باستعمال المبرِّدات تَرَقّياً عن
الماء إلى أبَدَ مِنه، وهو / الثَّلج، ثمَّ إلى أبرَدَ مِنه، وهو البَرَد، بدليلِ أنَّه قد يَجِمُد ويصير جَليداً، ١٧٨/١١
بخِلاف النَّلج فإنَّه یذوب.
وهذا الحديث قد رواه الزُّهْريُّ عن عُرْوة كما أشرتُ إليه، وقَيَّدَه بالصلاة، ولفظه: كان
يَدعُو في الصلاة، وذكرت هناك توجيه إدخاله في الدُّعاء قبل السَّلام.
ولم يقع في رواية شُعَيب عن الزُّهْريِّ عند المصنّف ذِكْر المأثَم والمغرَمُ(١)، ووَقَعَ ذلك
عند مسلم (٥٨٩) من وجه آخر (٢) عن الزُّهْريِّ.
ولم يقع عندهما معاً(٣) فيه قوله: ((اللهمَّ اغسِلْ عِنِّي خَطَاياي ... )) إلى آخره، وهو حديث
(١) عجباً للحافظ رحمه الله تعالی کیف نفى وجود ذکر المأثم والمغرم في رواية شعیب عن الزهري، مع أنه ثابت في
الرواية دون خلاف، على أنه رحمه الله قدَّم ذكر اشتمالها على قول القائل للنبي و لي: ما أكثر ما تستعيذ من المأثم
والمغرم! فلا ندري کیف ذهل عنها هنا.
(٢) بل من طریق شعیب نفسه.
(٣) يعني عند البخاري ومسلم في رواية شعيب.

٣٨٦
باب ٤٠ / ح ٦٣٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
واحد ذكر فيه كلّ من هشام بن عُرْوة والزّهْريّ عن عُرْوة ما لم يَذْكُره الآخر، والله أعلم.
٤٠ - باب الاستعاذة من الجُبن والكَسَل
﴿كُمَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] و كَسَالی واحدٌ.
٦٣٦٩ - حدَّثنا خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ، قال: حدَّثْنِي عَمْرو بنُ أبي عَمرو، قال: سمعتُ
أنَسَ بنَ مالكِ قال: كان النبيُّوَلَه يقول: «اللهمَّ إنّ أعوذُ بكَ منَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ،
والجُبنِ والبُخْلِ، وضَلَعِ الدَّينِ، وغَلَبَةِ الرِّجال)).
قوله: ((باب الاستِعاذة من الجُبْن والكَسَل)) تقدَّم شرحهما في كتاب الجهاد (٢٨٢٠
و ٢٨٢٢).
قوله: ((﴿كُسَالَى﴾ وكَسالَى واحدٌ)) بفتح الكاف وضمّها، قلت: وهما قراءتان: قرأ
الجمهور بالضَّمِّ، وقرأ الأعرَج بالفتح، وهي لُغة بني تَميم، وقرأ ابن السَّمَيفَع بالفتح أيضاً
لكن أسقَطَ الألف وسَكَّنَ السّين، ووَصَفَهم بما يوصَف به المؤنَّث المفرَد لمُلاحظة معنی
الجماعة، وهو كما قُرِئَ ((وتَرَى النَّاسَ سَكْرَى))(١) [الحج: ٢].
والكَسَل: الفُتور والتَواني، وهو ضِدّ النَّشاط.
قوله: ((حدَّثنا سليمان)) هو ابن بلال، ووَقَعَ التَّصريح به في رواية أبي زيد المروزيِّ.
قوله: ((عَمْرو بن أبي عَمْرو)) هو مولى المطَّلِّب الماضي ذِكْره في ((باب التَّعَوُّذ من غَلَبة
الرِّجال)) (٦٣٦٣).
قوله: ((فكنت أسمَعه يُكثِرِ أن يقول: اللهمَّ إنّي أعوذ بك من الهَمّ)) إلى قوله: ((والجُبْن))(٢)
تقدَّم شرح هذه الأُمور السّة، ومُحُصَّله: أنَّ الهَمّ لِمَا يَتَصَوَّره العقلُ من المكروه في الحال، والخَزَن
(١) هذه قراءة حمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون بضم السين وفتح الكاف وألف بعدها. انظر ((النشر في
القراءات العشرة)» لابن الجزري ٣٢٥/٢.
(٢) هذا لفظ رواية إسماعيل بن جعفر عن المطلب التي تقدمت عند البخاري برقم (٦٣٦٣)، وليس هو لفظ رواية
سليمان بن بلال عن المطلب في هذا الباب.

٣٨٧
باب ٤١ / ح ٦٣٧٠
كتاب الدعوات
لِمَا وَقَعَ في الماضي، والعجز ضِدّ الاقتدار، والكَسَلِ ضِدُّ النَّشاط، والبُخلِ ضِدّ الكَرَم، والجُبن
ضِدّ الشَّجاعة.
وقوله: ((وضَّلَع الدَّين)) تقدَّم ضبطُه وتفسيره قبل ثلاث أبواب.
وقوله: ((وغَلَبة الرِّجال)) هي إضافة للفاعل، استعاذَ من أن يَغلِه الرِّجال لِما في ذلك من
الوَهْن في النَّفْس والمعاش.
٤١ - باب التعوُّذ من البخل
البُخْل والبَخَل واحدٌ، مثل الحُزْن والحَزَن.
٦٣٧٠ - حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثني غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الملِكِ بنِ عُمَيٍ،
عن مُصْعَبٍ بنِ سعدٍ، عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ عَ﴾: كان يأمرُ بهَؤُلاءِ الخمسِ، ويُحدِّثُهنَّ عن
النبيِّ ◌ََّ: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ البُخْلِ، وأعوذُ بكَ منَ الُبْنِ، وأعوذُ بكَ أن أُرَّدَّ إلى أرذَلِ
العُمُرِ، وأعوذُ بكَ من فِتْنِةِ الدُّنْيا، وأعوذُ بكَ من عذاب القبرِ)).
قوله: ((باب التَّعَوُّذ من البُخْل)» تقدَّم الكلام علیه قبلُ.
قوله: ((البُخْل والبَخَل واحدٌ)) يعني بضمٌ أوَّله وسكون ثانيه ويفتحهما.
قوله: ((مِثْل الحُزْن والحَزَن» يعني في وزنهما.
قوله: ((وأعوذ بك أن أُرَدّ إلى أرذَل العُمُر)) في رواية / السَّرَخْسِيّ: ((وأعوذ بك من أن أُرَدّ)) ١٧٩/١١
بزيادة ((من)) وسيأتي شرحه في الباب الذي بعده.
قوله: ((وأعوذ بك من فِتْنة الدُّنْيا)) كذا للأكثر، وأخرجه أحمد (١٦٢١) عن رَوْح عن شُعْبة.
وزاد في رواية آدم الماضية قريباً (٦٣٦٥) عن شُعْبة: يعني: فتنة الدَّجّال. وحكى الكِرْمانيُّ
أنَّ هذا التَّفسير من كلام شُعْبة، وليس كما قال، فقد بيَّن يحيى بن أبي بُكَير(١) عن شُعْبة أنَّه من
كلام عبد الملك بن عُمَير راوي الخبر، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه، ولفظه: قال شُعْبة:
فسألت عبد الملك بن عُمَير عن فتنة الدُّنيا فقال: الدَّجّال.
(١) تحرَّف في (س) إلى: كثير.

٣٨٨
باب ٤٢ / ح ٦٣٧١
فتح الباري بشرح البخاري
ووَقَعَ في رواية زائدة بن قُدامةَ عن عبد الملك بن عُمَير بلفظ: ((وأعوذ بك من فتنة
الدَّجّال))، أخرجه الإسماعيليّ عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شَيْبة عن حسين بن
عليّ الْجُعْفيِّ(١).
وقد أخرجه البخاريّ في الباب الذي بعده (٢) عن إسحاق عن حُسَين بن عليّ، بلفظ: ((من
فتنة الدُّنيا))، فلعلَّ بعض رواته ذكره بالمعنى الذي فَسَّرَه به عبد الملك بن عُمَير.
وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجّال إشارة إلى أنَّ فِتْنته أعظَمُ الفتن الكائنة في الدُّنيا، وقد
وَرَدَ ذلك صريحاً في حديث أبي أمامةَ، قال: خَطَبنا رسول الله وَّهِ، فذكر الحديث وفيه:
((إنَّه لم تكن فتنة في الأرض مُنذُ ذَرَأَ الله ذُرِيَّةَ آدم أعظَمَ من فتنة الدَّجّال)) أخرجه أبو داود
(٤٣٢٢) وابن ماجَهْ (٤٠٧٧).
٤٢ - باب التعوُّذ من أرْذَل العُمُر
﴿أَرَاذِلْنَا﴾ [هود: ٢٧]: سُقّاطُنا.
٦٣٧١ - حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ، عن أنسِ بنِ
مالكٍ ◌ُ، قال: كان رسولُ اللهِ وَ﴿ يَتَعَوَّذُ يقول: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ الكَسَلِ، وأعوذُ بكَ
مِنَ الجُبْنِ، وأعوذُ بِكَ منَ الهَرَمِ، وأعوذُ بكَ منَ البُخْلِ)).
قوله: ((باب التَّعَوُّذ من أرذَل العُمُر. ﴿أَرَاذِلْنَا﴾: سُقّاطنا)) بضمِّ المهمَلة وتشديد
القاف: جمع ساقط، وهو اللَّئيم في حَسَبِهِ ونَسَبِهِ، وهذا قد تقدَّم القولُ فيه في أوائل تفسیر
سورة هود(٣).
وأورَدَ فيه حديث أنس، وليس فيه لفظ التَّرجمة، لكنَّه أشارَ بذلك إلى أنَّ المراد بأرذَل
(١) وكذلك أخرجه أبو القاسم البغوي في ((الجعديات)) (٥٣٢) عن علي بن الجعد عن شعبة، بلفظ: ((من
فتنة الدجال».
(٢) بل بعد بابین.
(٣) في باب ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُرْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤] بعد الحديث رقم (٤٦٨٤).

٣٨٩
باب ٤٣ / ح ٦٣٧٢ - ٦٣٧٣
كتاب الدعوات
العُمُر في حديث سعد بن أبي وقّاص الذي قبله: الهَرَمُ الذي في حديث أنس، لمَجيئِها
موضع الأخری من الحديث المذكور.
٤٣- باب الدّعاء برفع الوَباء والوَجَع
٦٣٧٢ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها، قالت: قال النبيُّ وَّهِ: «اللهمَّ حَبِّب إلينا المدينةَ، كما حَبَّيْتَ إلينا مَكّةً أو أشَدَّ،
وانقُل حُمّاها إلى الجُحْفةِ، اللهمَّ بارِكْ لنا في مُدِّنا وصاعِنا)).
٦٣٧٣- حدَّثْنا موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعْدٍ، أخبرنا ابنُ شِهابٍ، عن
عامرِ بنِ سعدٍ، أنَّ أباه قال: عادَني رسولُ الله وَِّ فِي حَجّةِ الوَداع من شَكْوَى أشفَيتُ منه على
الموتِ، فقلتُ: يا رسولَ الله بَلَغَ بي ما تَرَى منَ الوَجَعِ، وأنا ذو مالٍ ولا يَرِثُّني إلّا بِنْتُ لِي
واحدةٌ، أفأتصَدَّقُ بُثُلُثَي مالي؟ قال: ((لا)) قلتُ: فِشَطْرِه؟ قال: ((الثُّلثُ كَثِيرٌّ، إِنَّكَ أن تَذَّرَ
ورَثَتَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يَتَكَفَّفونَ الناسَ، وإِنَّكَ لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بها وجه الله
إلّا أُجِرْتَ، حتَّى ما تَجْعَلُ في في امرأتِك)) قلتُ: آأُخَلَّفُ بعدَ أصحابي؟ قال: ((إِنَّكَ لن تُخَلَّفَ،
فَتَعمَلَ عَمَلاً تَبْتَغي به وجهَ الله، إلّا ازْدَدْتَ درجةً ورِفْعَةً، ولعلَّكَ تُخَلَّفُ حتَّى يَنتَفِعَ بكَ أقوامٌ
ويُضَرَّ بكَ آخَرونَ، اللهمَّ أمضٍ لأصحابِ هِجْرتهم، ولا تُرُؤَّهم على أعقابهم، لکنِ البائُ
سَعْدُ ابنُ خَوْلَةَ)) قال سَعْدٌ: رَثَى له رسولُ اللهِِّ من أن تُوفِّيَ بِمَكّةً.
قوله: ((باب الدُّعاء برَفْع الوباء والوجَع)) أي: برفع المرض عمَّن نزلَ به سواءٌ كان عاماً أو ١٨٠/١١
خاصاً، وقد تقدَّم بیان الوباء وتفسيره في «باب ما يُذكر في الطاعون)) من كتاب الطُّبّ (٥٧٢٨)،
وأنَّه أعَمّ من الطاعون، وأنَّ حقيقته مرض عامّ يَنشَأ عن فساد الهواء، وقد يُسَمَّى طاعوناً بطريق
المجاز، وأوضَحت هناك الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ الطاعون والوباء مُتَرَادِفان بما ثَبَتَ هناك أنَّ
الطاعون لا يَدخُل المدينة (٥٧٣١)، وأنَّ الوباء وَقَعَ بالمدينة كما في قصَّة العُرَنّينَ(١)، وكما في
حديث أبي الأسود: أنَّه كان عند عمر فوَقَعَ بالمدينة بالناس موتٌ ذَريع(٣)، وغير ذلك.
(١) سلفت برقم (٢٣٣).
(٢) سلف برقم (٢٦٤٣).

٣٩٠
باب ٤٣ / ح ٦٣٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
وذكر المصنّف في الباب حدیثین:
أحدهما: حديث عائشة: ((اللهمَّ حَبِّب إلينا المدينة)) الحديث، وفيه: ((انقُل حُمّاها إلى
الْجُحْفة))، وهو يَتَعلَّق بالُّكنِ الأوَّل من التَّرجمة، وهو الوباء لأنَّه المرض العامّ، وأشارَ به
إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه حيثُ قالت في أوَّله: قَدِمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وقد تقدَّم
بهذا اللَّفظ في آخر كتاب الحجّ(١).
ثانيهما: حديث سعد بن أبي وقّاص: عادَني النبيّ وَّ في حَجّة الوداع من شَكوى،
الحديث، وهو مُتعلِّق بالزُّكنِ الثّاني من التَّرجمة، وهو الوجَع، وقد تقدَّم شرح الحديث
مُستَوَفَى في كتاب الوصايا (٢٧٤٢).
وقوله في آخره: ((قال سعد: رَفَى له رسول الله وَّهِ ... )) إلى آخره، يَرُدّ قول مَن زَعَمَ أنَّ
في الحديث إدراجاً، وأنَّ قوله: ((يَرثي له ... )) إلى آخره، من قول الزُّهْرِيِّ مُتَمسِّكاً بما وَرَدَ في
بعض طرقه، وفيه: قال الزُّهْريُّ :.... إلى آخره، فإنَّ ذلك يَرجِع إلى اختلاف الزُّواة عن
الزُّهْرِيِّ، هل وصَلَ هذا القَدرَ عن سعد، أو قال من قِبَل نفسه؟ والحُكم للوصلِ، لأنَّ مع
راويه(٢) زيادةَ عِلم، وهو حافظ.
وشاهد التَّرجمة من قوله ◌ِّهِ: ((اللهمَّ أمضِ لأصحابي هِجَرَتهم، ولا تَرُدّهم على
أعقابهم»، فإنَّ فيه إشارةً إلى الدُّعاء لِسعدٍ بالعافية ليَرجِع إلى دار هِجرَته، وهي المدينة، ولا
يَسْتَمِّ مُقيماً بسببِ الوجَع بالبَلَدِ التي هاجَرَ منها، وهي مَكّة، وإلى ذلك الإشارة بقولِه:
(لكنِ البائسُ سعد ابن خَوْلة ... )) إلى آخره، وقد أوضحتُ في أوائل الوصايا ما يَتَعلَّق
بسعدِ ابن خولة.
ونَقَلَ ابن مُزَيْنِ المالكيّ: أنَّ الرِّثاء لِسعدِ ابن خَوْلة بسببٍ إقامته بمَكّة ولم يُهاجِر،
وتُعقِّبَ: بأَنَّه شَهِدَ بدراً، ولكنِ اختَلَفوا متى رَجَعَ إلى مَكّة حتَّى مَرِضَ بها فماتَ؟ فقيلَ:
إنَّه سَكَنَ مَكّة بعد أن شَهِدَ بدراً، وقيل: ماتَ في حَجّة الوداع.
(١) بل في فضائل المدينة برقم (١٨٨٩).
(٢) تحرَّف في (س) إلى: رواته.

٣٩١
باب ٤٤ / ح ٦٣٧٤-٦٣٧٥
كتاب الدعوات
وأغرَبَ الدَّاوُوديّ فيما حكاه عنه ابن التِّين، فقال: لم يكن للمُهاجِرِينَ أن يُقيموا بمَكّة
إلّا ثلاثاً بعد الصَّدْر، فدَلَّ ذلك أنَّ سعد ابن خَولة تُؤُلِّ قبل تلكَ الحجّة، وقيل: ماتَ في
الفتح بعد أن أطالَ المقام بمگّة بغیر عُذر، إذ لو كان له عُذر لم یأئم، وقد قال ێ حین قیل
له: إنَّ صَفيَّة حاضَت: ((أحابِسَتنا هي؟))(١) فدَلَّ على أنَّ للمُهاجِرِ إذا كان له عُذر أن يُقيم
أزْيَد من الثلاث المشروعة للمُهاجِرينَ، وقال: يحتمل أن تكون هذه اللَّفظة قالها وَلا قبل
حَجّة الوداع ثمَّ حَجّ، فقَرنها الراوي بالحديث لِگونها من تَكمِلَته. انتهى.
وكلامه مُتَعقّبٌ في مواضع:
مِنها: استشهاده بقصَّة صَفيَّة ولا حُجّة فيها، لاحتمال أن لا تُجاوِز الثلاث المشروعة،
والاحتباس: الامتناع، وهو يَصدُق بالیومِ بل بدونه.
ومنها: جَزْمه بأنَّ سعد/ ابن خَولة أطالَ المُقام بمَكّة، ورَمُزُه إلى أنَّه أقامَ بغير عُذر وأنَّه ١٨١/١١ .
أثِمَ بذلك، إلى غير ذلك مما يظهر فسادُه بالتَّأمُّلِ.
٤٤- باب الاستعاذة من أرْذَل العُمُر، ومن فتنة الدّنيا، ومن فتنة النار
٦٣٧٤ - حذَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا الحسينُ، عن زائدةَ، عن عبدِ الملِكِ، عن
مُصْعَبٍ بن سَعْدٍ، عن أبيه، قال: تَعَوَّذوا بكلماتٍ كان النبيُّ ◌َّ يَتَعَوَّذُ بِنَّ: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ
بكَ منَ الجُبنِ، وأعوذُ بكَ منَ الْبُخْلِ، وأعوذُ بكَ من أن أُرَدَّ إلى أرذَلِ العُمُرِ، وأعوذُ بكَ من
فِتْنِ الدُّنْيا، وعذاب القبرِ)».
٦٣٧٥ - حدَّثنا يحيى بنُ موسى، حدَّثنا وكِيعٌ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّ
النبيَّ ◌َ﴿ كان يقول: «اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ منَ الكَسَلِ والهَرَمِ، والمَغْرَمِ والمأثَمِ، اللهمَّ إنّي أعوذُ
بكَ من عذاب النار وفِتْنِ النار، وفِتْنِةِ القبرِ وعذاب القبرِ، وشَرِّ فِتْنِ الغِنَى، وشَرِّ فِتْنِةِ الفَقْرِ، ومن
شَرِّفِتْنةِ المسيحِ الدَّجّال، اللهمَّ اغسِل خَطاياي بماءِ الثَّلْجِ والبَرَدِ، ونَقِّ قَلْبِي مِنَ الخَطايا كما يُتَقَّى
الثَّوْبُ الأبيضُ منَ الدَّنَسِ، وباعِدْ بيني وبينَ خَطاياي كما باعَدْتَ بينَ المشرقِ والمغربِ)).
(١) سلف برقم (١٧٥٧).

٣٩٢
باب ٤٥-٤٦ / ح ٦٣٧٦ -٦٣٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب الاستعاذة من أرذَل العُمُر، ومن فِتْنة الدُّنْيا، ومن فِتْنة النار)) في رواية الكُشْمِيهنيّ:
ومن عذاب النار، بَدَل: فتنة النار.
قوله: «أخبرنا الحسین» هو ابن عليّ اهُعفيُّ الزّاهد المشهور، وإسحاق الراوي عنه: هو
ابن راهويه، وشيخه زائدة: هو ابن قدامةَ، وعبد الملك: هو ابن عُمَير، وقد تقدَّم شرح
الحديث مُستَوفَّى قبل قليل (٦٣٧٠)، وكذا حديث عائشة ثاني حديثي الباب (٦٣٦٨).
٤٥ - باب الاستعاذة من فتنة الغِنى
٦٣٧٦ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا سَلَامُ بنُ أبي مُطِيعٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن
خالَتِهِ: أنَّ النبيَّ وَّهِ كَان يَتَعَوَّذُ: ((اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ من فِتْنِ النار، ومن عذاب النار، وأعوذُ
بكَ من فِتْنِةِ القيِ، وأعوذُ بكَ من عذاب القيِ، وأعوذُ بكَ من فِتْنِ الغِنَى، وأعوذُ بكَ من فِتْنِةٍ
الفَقْرِ، وأعوذُ بكَ من فِتْنِةِ المسيح الدَّجّال)).
قوله: ((باب الاستِعاذة من فِتْنة الغِنَى)) ذكر فيه حديث عائشة المذكور مختصراً من رواية
وكيع عن هشام بن عُرْوة، وقد تقدَّم شرحه (٨٣٢ و ٦٣٦٨).
٤٦- باب التعوُّذ من فتنة الفقر
٦٣٧٧- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
عنها، قالت: كان النبيُّ ◌َّهِ يقول: ((اللهمَّ إنّ أعوذُ بكَ من فِتْنِةِ النار وعذاب النار، وفِتْنَةِ
القيرِ وعذاب القبرِ، وشَرِّ فِتْنةِ الغِنَى، وشَرِّ فِتْنِةِ الفَقْرِ، اللهمَّ إنّ أعوذُ بكَ من شَرِّ فِتْنِةِ المسيحِ
الدَّجّال، اللهمَّ اغسِل قَلْبي بماءِ الثَّلْجِ والبَرَدِ، وَقِّ قَلْبِي مِنَ الخَطايا، كما نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأبيضَ
مِنَ الدَّنَسِ، وباعِدْ بيني وبينَ خَطاياي، كما باعَدْتَ بينَ المشرقِ والمغربِ، اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ
منَ الكَسَلِ والمأثَمِ والمَغْرَمِ».
قوله: ((باب التَّعَوُّذ من فِتْنة الفَقْر)» ذکر فیه حديث عائشة من طريق أبي معاوية عن هشام
بتمامه، وقد تقدَّم شرحه أيضاً مُستَوقَى (٨٣٢ و ٦٣٦٨).
١٨٢/١١

٣٩٣
باب ٤٧ / ح ٦٣٧٨ - ٦٣٧٩
كتاب الدعوات
٤٧ - باب الدّعاء بكثرة المال مع البركة
٦٣٧٨، ٦٣٧٩ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ قَتَادةَ،
عن أنسٍ، عن أمّ سُلَيم، أنَّها قالت: يا رسولَ الله، خادِمُكَ أنسُ ادْعُ اللهَ له، قال: ((اللهمَّ أُكثِرْ
مالَه وَوَلَدَهُ، وبارِكْ له فيما أعطَيْتَه)).
وعن هشامٍ بنِ زيدٍ: سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ، مثلَه.
[طرفه في: ٦٣٨١]
قوله: ((باب الدُّعاء بكَثْرةِ المال مع البَرَكة» سَقَطَ هذا الباب والتَّرجمة من رواية السَّرَخْسِيّ،
والصّواب إثباته.
قوله: ((شُعْبة قال: سمعت قَتَادة، عن أنس، عن أمّ سُلَيم، أنَّها قالت: يا رسول الله،
خادِمك أنس ادْعُ الله له)) الحديث، وفي آخره: ((وعن هشام بن زيد سمعت أنس بن مالك
مِثله)). قلت: هكذا قال غُندَر عن شُعْبة، جَعَلَ الحديث من مُسنَد أمّ سُلَیم.
وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (٣٨٢٩) عن محمَّد بن بشَّار شيخ البخاريّ فيه عن محمَّد بن
جعفر - وهو غُندَر هذا - فذكر مثله، ولكنَّه لم يَذكُر رواية هشام بن زيد التي في آخره،
وقال: حسن صحيح. وأخرجه الإسماعيليّ من رواية حَجّاج بن محمَّد عن شُعْبة، فقال فيه:
عن أمّ سُلَيم، كما قال غُندَر. وكذا أخرجه أحمد (٢٧٤٢٦) عن حَجّاج بن محمَّد، وعن
محمَّد بن جعفر، كلاهما عن شُعْبة.
وأخرجه في ((باب مَن خَصَّ أخاه بالدُّعاءِ)) (٦٣٣٤) من رواية سعيد بن الرَّبيع عن
شُعْبة عن قَتَادة قال: سمعت أنساً، قال: قالت أمّ سُلَيم. وظاهره أنَّه من مُسنَد أنس، وهو
في الباب الذي يلي هذا كذلك.
وكذا تقدَّم في ((باب دَعوة النبيّ وَل﴿ لخادِمِه بطولِ العُمُر)) (٦٣٤٤) من طريق حَرَميّ
ابن عُمارة عن شُعْبة عن قَتَادة عن أنس قال: قالت أمّي.

٣٩٤
باب ٤٧م-٤٨ / ح ٦٣٨٠ -٦٣٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
وكذا أخرجه مسلم (٢٤٨٠) من رواية أبي داود الطَّيالسيّ، والإسماعيليّ من رواية
عَمْرو بن مرزوق عن شُعْبة.
وهذا الاختلاف لا يَضُرّ، فإنَّ أنساً حَضَرَ ذلك بدليل ما أخرجه مسلم (١٤٣/٢٤٨١)
من رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس قال: جاءت بي أمّي أمّ سُلَيم إلى رسول الله ؟
فقالت: هذا ابني أَنَيسٌ يَخْدُمك، فادعُ الله له، فقال: ((اللهمَّ أكثر ماله وولده)).
وأمَّا رواية هشام بن زيد المعطوفة هنا فإنّها معطوفة على رواية قَتَادة، وقد أخرجه
الإسماعيليّ من رواية حَجّاج بن محمَّد عن شُعْبة عن قَتَادة وهشام بن زيد جميعاً عن أنس،
وكذا صنيع مسلم حيثُ أخرجه من رواية أبي داود عن شُعْبة.
تنبيه: ذكر الكِرْمانيُّ أنَّه وَقَعَ هنا: وعن هشام بن عُرْوة قال، والأوَّل هو الصَّحيح.
قوله: ((أنّها قالت: يا رسول الله، خادِمك/ أنس ادعُ الله له)) تقدَّم لهذا الحديث مَبدَأُ من
رواية حُميدٍ عن أنس في كتاب الصيام في ((باب مَن زارَ قوماً فلم يُفطِر عندهم)) (١٩٨٢)،
وقد بَسَطتُ شرحه هناك بما يُغني عن إعادته، وذكرت طَرَفاً منه قريباً في ((باب دعوة النبيّ وَّل
لخادِمِه بطولِ العُمُر)» (٦٣٤٤).
١٨٣/١١
٤٧م- باب الدعاء بكثرة الوَلَد مع البركة
٦٣٨٠، ٦٣٨١ - حدَّثنا أبو زيدٍ سعيدُ بنُ الرَّبِيعِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، قال: سمعتُ
أنساً ﴾، قال: قالت أمُّ سُلَيم: أنسُ خادِمُكَ، قال: ((اللهمَّ أكثِر مالَه وَوَلَدَه، وبارِك له فيما أعطَيْتَه)).
قوله: ((باب الدُّعاء بكثرة الولد مع البركة)) تقدم شرحه في الذي قبله، وتقدم الحديث
سنداً ومتناً في ((باب قول الله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومن خصَّ أخاه بالدعاء))
(٦٣٣٤).
٤٨- باب الدّعاء عند الاستخارة
٦٣٨٢- حدَّثْنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ الله أبو مُصْعَبٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي المَوَالِ، عن
محمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ، عن جابرٍ ﴾، قال: كان النبيُّ ◌ََّ يُعلِّمُنا الاستِخارةَ في الأُمورِ كلِّها كالسّورةِ

٣٩٥
باب ٤٨ / ح ٦٣٨٢
كتاب الدعوات
منَ القرآنِ: ((إذا هَمَّ بالأمرِ فَلْيَرْكَعِ رَكْعَتَينِ مِن غير الفريضة، ثمَّ يقول: اللهمَّ إنّي أسْتَخِيرُكَ
بِعِلْمِكَ، وأستَقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وأسألُكَ من فضلِكَ العظيم، فإنَّكَ تَقْدِرُ ولا أقدِرُ، وتعلَمُ ولا
أعلَمُ، وأنتَ عَلّمُ الغُيوبِ، اللهمَّ إن كنتَ تعلَمُ أنَّ هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني، ومَعاشي،
وعاقبة أمري - أو قال: في عاجِلٍ أمري وآجِلِهِ - فاقدُرْه لي، وإن كنتَ تعلَمُ أنَّ هذا الأمرَ شَرِّ لي
في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال: في عاجِلٍ أمري وآجله -فاضرِفْه عنِّي واضْرِفني عنه،
واقدُر ليَ الخيرَ حَيثُ كان، ثمَّ رَضِّني به. ويُسَمّي حاجَتَه)).
قوله: ((باب الدُّعاء عند الاستخارة)) هي استفعال من الخير، أو من الخِيّرة، بكسر أوَّله وفتح
ثانيه بوزنِ العِنَبَة، اسم من قولك: خارَ الله له، واستَخارَ اللهَ: طلبَ مِنه الخِيَرَة، وخارَ اللهُ له:
أعطاه ما هو خير له، والمراد: طلبُ خير الأمرَينِ لمن احتاجَ إلى أحدهما.
قوله: ((حدَّثنا عبد الرَّحمن بن أبي المَوَالِ)) بفتح الميم وتخفيف الواو: جمع مَوْلَى، واسمه
زيد، ويقال: زيد جَدّ عبد الرَّحمن وأبوه لا يُعرَف اسمه، وعبد الرَّحمن من ثقات المدنيّينَ،
وكان يُنسَب إلى ولاء آل عليّ بن أبي طالب، وخَرَجَ مع محمّد بن عبد الله بن الحسن في زمن
المنصور، فلمَّا قُتِلَ محمَّد حُبِسَ عبد الرّحمن المذكور بعد أن ضُرِبَ. وقد وثَّقه ابن معين
وأبو داود والتِّرمِذيّ والنَّسائيُّ وغيرهم، وذكره ابن عَدِيّ في ((الكامل في الضُّعَفاء)»،
وأسنَدَ عن أحمد بن حَنبَل أنَّه قال: كان محبوساً في المُطِقِ(١) حين هُزِمَ هؤلاءِ - يعني بني
حسن ۔ قال: وروی عن محمّد بن المنگدِر حدیث الاستخارة، وليس أحدٌ يرويه غيره، وهو
مُنكَر(٢)، وأهل المدينة إذا كان حديثٌ غَلَطاً يقولون: ابن المنكَدِر عن جابِرِ، كما أنَّ أهل البصرة
يقولون: ثابت عن أنس، يَحِمِلونَ عليهما. / وقد استَشكَلَ شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)) هذا ١٨٤/١١
الكلام وقال: ما عَرَفت المراد به، فإنَّ ابن المنكَدِر وثابتاً ثِقَتان مُتَّفَق عليهما.
(١) هو كَمُحسِن: سجنٌ تحت الأرض.
(٢) قال الحافظ في ((نتائج الأفكار)) ٦٠/٤: كأنَّ ابن عدي فهمَ من قول أحمد: إنه منكرٌ، تضعيفَه، وهو المتبادِر،
لكن اصطلاح أحمد إطلاق هذا اللفظ على المفرد المطلق، ولو کان راویه ثقةً، وقد جاء عنه ذلك في حدیث
((الأعمال بالنيات))، فقال في راويه محمد بن إبراهيم التيمي: روى حديثاً منكراً، ووصف محمداً مع ذلك
بالثقة.

٣٩٦
باب ٤٨ / ح ٦٣٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: يظهر لي أنَّ مُرادهم التَّهَكُّم والنُّكتة في اختصاص الترجمتين الشُّهْرة والكَثْرة.
ثمَّ ساقَ ابن عَديّ لعبد الرَّحمن أحاديث، وقال: هو مُستَقيم الحديث، والذي أُنكرَ عليه
حديث الاستخارة، وقد رواه غيرُ واحد من الصحابة كما رواه ابن أبي المَوَال.
قلت: يريد أنَّ للحديثِ شواهدَ، وهو كما قال مع مُشاحَحة في إطلاقه. قال التِّرمِذيّ
بعد أن أخرجه (٤٨٠): حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموال، وهو
مدنيّ ثقة روی عنه غير واحد، وفي الباب عن ابن مسعود وأبي أيوب.
قلت: وجاء أيضاً عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن عبّاس وابن عمر:
فحديث ابن مسعود أخرجه الطبرانيُّ (١٠٠١٢ و١٠٠٥٢ و١٠٤٢١)، وصَحَّحَه الحاكم(١).
وحديث أبي أيوب أخرجه الطبرانيُّ (٣٩٠١)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٠٤٠)، والحاكم
(٣١٤/١ و١٦٥/٢).
وحديث أبي سعيد وأبي هريرة أخرجهما ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٨٨٥ و٨٨٦).
وحديث ابن عمر وابن عبَّاس حديث واحد أخرجه الطبرانيّ (١٠٤٧٧) من طريق
إبراهيم بن أبي عَبْلة عن عطاء عنهما.
وليس في شيء منها ذِكْر الصلاة سوى حديث جابٍ، إلّا أنَّ لفظ أبي أيوب: ((اكتُم
الخُطبة، وتَوضَّأ فأحسِن الوضوء، ثمَّ صَلِّ ما كَتَبَ الله لك)) الحديث. فالتَّقييد بركعتَينِ
خاصّ بحديثٍ جابر.
وجاء ذِكْر الاستخارة في حديث سعد رَفَعَه: ((من سَعادة ابن آدم استخارَتُه اللهَ) أخرجه
أحمد (١٤٤٤) وسنده حسن(٢)، وأصله عند التِّرمِذيّ (٢١٥١)، لكن بذِكْر الرِّضا والسُّخط، لا
بلفظ الاستخارة.
(١) لم نقف عليه في ((المستدرك))، ولا ذكره الحافظ نفسه في ((نتائج الأفكار)) ٦٠/٤- ٦٢، وإنما اقتصر على تخريجه
من الطبراني و((فوائد أبي علي الصوّاف)) و((أمالي المحاملي)).
(٢) في إسناده محمد بن أبي حميد، قال الترمذي: ليس هو بالقوي عند أهل الحديث.

٣٩٧
باب ٤٨ / ح ٦٣٨٢
كتاب الدعوات
ومن حديث أبي بكر الصِّدّيق ◌َ﴾ ((أنَّ النبيَّ وَِّ كان إذا أراد أمراً قال: ((اللهمَّ خِرْ لي
واختَر لي)) وأخرجه التِّرمِذيّ (٣٥١٦) وسنده ضعيف.
وفي حديث أنس رَفَعَه: ((ما خابَ مَن استَخارَ))، الحديث، أخرجه الطبرانيُّ في ((الصَّغير))
(٩٨٠) بسندٍ واهٍ جدّاً.
قوله: ((عن محمَّد بن المنكَدِر، عن جابِرِ)) وَقَعَ في التَّوحيد (٧٣٩٠) من طريق مَعْن بن
عيسى عن عبد الرّحمن: سمعت محمَّد بن المنكَدِر يُحدِّث عبد الله بن الحسن - أي: ابن
الحسن بن عليّ بن أبي طالب - يقول: أخبرني جابِرِ السَّلَمَيّ، وهو بفتح السّين المهمَلة واللّام،
نسبة إلى بني سَلِمة بكسر اللّام، بطن من الأنصار.
وعند الإسماعيليّ من طريق بشر بن عُمَر(١): حدَّثني عبد الرَّحمن سمعت ابن المنكَدِر
حدَّثني جابِرِ.
قوله: «کان النبيّ پ يُعلِّمنا الاستخارة)» في روایة مَعْن: يُعلُّم أصحابه، و کذا في طريق
بشر بن عُمَر(٢).
قوله: ((في الأُمور كلّها)» قال ابن أبي جَمْرة: هو عامّ أُريدَ به الْخُصوص، فإنَّ الواجب
والمستَحَبّ لا يُستَخارُ في فِعلهما، والحرام والمكروه لا يُستَخار في تَركهما، فانحَصَرَ الأمر في
المباح وفي المستَحَبّ إذا تَعارَضَ مِنه أمران، أيّهما يَبدَأ به ويَقتَصِر عليه.
قلت: وتَدخُل الاستخارة فيما عدا ذلك في الواجب والمستَحَبّ المخَيَّر، وفيما كان زَمَنه
موسَّعاً، ويَتناول العُمومُ العظيمَ من الأُمور والحقيرَ، فُرُبَّ حَقير يَتَرتَّب عليه الأمر العظيم.
قوله: ((كالسّورةِ من القرآن)) في رواية قُتَيبة عن عبد الرَّحمن الماضية في صلاة اللَّيل
(١١٦٢): كما يُعلِّمنا السّورة من القرآن. قيل: وجه التَّشبيه: عُموم الحاجة في الأُمور كلّها
إلى الاستخارة، كَعُموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة. ويحتمل أن يكون المراد ما وقع في
(١) تحرَّف في (س) إلى: عمير. وإنما هو بشر بن عُمر الزهراني.
(٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: عمير. مع أنه جاء في الأصلين على الصواب قبل سطرٍ واحدٍ.

٣٩٨
باب ٤٨ / ح ٦٣٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
حديث ابن مسعود في التَّشَهُّد: عَلَّمَني رسولُ اللهِ وَِّ التَّشَهُّد كَفّي بين كَفَّيه، أخرجه المصنّف
في الاستئذان (٦٢٦٥)، وفي رواية الأسود بن يزيد عن ابن مسعود: أخذتُ التَّشَهُّد من في
رسول الله كلمةً كلمةً، أخرجها الطَّحاويُّ (١/ ٢٦٢)، وفي حديث سلمان نحوه وقال: حرفاً
حرفاً، أخرجه الطبرانيُّ (٦١٧١).
وقال ابن أبي جَمْرة: التَّشبيه في تَحَقُّظ حُروفه وتَرَتُّب كلماته، ومَنع الزّيادة والنَّقْص مِنه،
والدَّرس له والمحافظة عليه. ويحتمل أن يكون من جهة الاهتمام به والتَّحَقَّق لِبَرَكَتِه والاحترام
له. ويحتمل أن يكون من جهة كَون كلِّ مِنھما عُلِم بالوحي.
١٨٥/١١ قال الطُّبيُّ: فيه إشارة إلى الاعتناء التامّ البالغ بهذا الدُّعاء وهذه الصلاة، لجَعلِهِما تِلْوَينِ
للفَريضة والقرآن.
قوله: ((إذا هَمَّ)) فيه حذف تقديره: يُعلِّمنا قائلاً: إذا هَمَّ، وقد ثَبَتَ ذلك في رواية قُتَيبة:
يقول: إذا هَمَّ، وزاد في رواية أبي داود (١٥٣٨) عن قُتَيبةٍ(١): لَنا.
قال ابن أبي جَمْرة: ترتيب الوارد على القلب على مراتب: الهَمّة ثمَّ اللَّة ثمَّ الخَطْرة ثمّ
النّيَّة ثمَّ الإرادة ثمَّ العَزيمة، فالثلاثة الأولى لا يُؤاخَذ بها بخِلَاف الثلاثة الأُخرى، فقوله:
إذا هَمَّ، يشير إلى أوَّل ما يَرِد على القلب، يَستَخير فيظهر له ببَرَكة الصلاة والدُّعاء ما هو
الخير، بخِلَاف ما إذا تمكَّنَ الأمر عنده وقَویت فيه عَزیمته وإرادته، فإنَّه یصیر إليه له ميل
وحُبّ، فيُخشَى أن يخفى عنه وجه الأرشديَّة لِغَلَبة مَيله إليه. قال: ويحتمل أن يكون المراد
بالهَمّ العَزيمة، لأنَّ الخاطِرِ لا يَئْبُت فلا يَستَمِّ إلّا على ما يَقصِد التَّصميم على فِعله، وإلّا لو
استَخارَ في كلّ خاطِر لاستَخارَ فيما لا يُعبَأ به، فَتَضيعُ عليه أوقاته.
ووَقَعَ في حديث ابن مسعود: ((إذا أراد أحدكم أمراً فليقُل».
قوله: ((فلْيَرَكَعِ رَكْعَتَينٍ)) يُقَيِّد مُطلَق حديث أبي أيوب حيثُ قال: ((صَلِّ مَا كَتَبَ الله
لك».
(١) بل عن عبد الله بن مسلمة القعنبي وليس عن قتيبة.

٣٩٩
باب ٤٨ / ح ٦٣٨٢
كتاب الدعوات
ويُمكِن الجمع بأنَّ المراد أنَّه لا يَقْتَصِر على ركعة واحدة، للتَّنصيصِ على الرَّكعَتَينِ،
ويكون ذكرهما على سبيل التَّنبيه بالأدنَى على الأعلى، فلو صَلَّى أكثر من ركعتَينِ أجزأ، والظّاهر
أنَّه يُشتَرَط إذا زاد أن يُسَلِّم من كلّ ركعتَينِ ليَحصُل مُسَمَّى ركعتَين، ولا يُحِزِئ لو صَلَّى
أربعاً مثلاً بتسليمةٍ، وكلام النَّوويّ يُشعِر بالإجزاءِ.
قوله: ((من غير الفريضة)) فيه احتراز عن صلاة الصُّبح مثلاً، ويحتمل أن يريد بالفريضة عَيْنَها
وما يَتَعلَّق بها، فيُحتَرز عن الرَّاتبة گَركعتي الفجر مثلاً.
وقال النَّوويّ في ((الأذكار)): لو دَعَا بدعاءِ الاستخارة عَقِب راتبة صلاة الظُّهر مثلاً، أو
غيرها من النَّوافل الرَّاتبة والمطلَقة، سواء اقتَصَرَ على ركعتَينِ أو أكثر، أجزأ.
كذا أطلقَ، وفيه نظر. ويظهر أن يقال: إن نَوى تلكَ الصلاة بعَينِها وصلاة الاستخارة
معاً أجزأ، بخِلاف ما إذا لم يَنْو، ويُفارق صلاة تَحَيَّة المسجد، لأنَّ المراد بها شَغْلُ البُقعة
بالدُّعاءِ، والمراد بصلاة الاستخارة أن يقع الدُّعاء عَقِيها أو فيها، ويَبعُد الإجزاء لمن عَرَضَ
له الطَّلَب بعد فراغ الصلاة، لأنَّ ظاهر الخبر أن تقع الصلاة والدُّعاء بعد وجود إرادة
الأمر.
وأفادَ النَّوويّ أنَّه يقرأ في الرَّكعَتَينِ الكافرونَ والإخلاص، قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)»:
لم أقِفْ على دليل ذلك، ولعلَّه ألحقهما بركعتَي الفجر والرَّكعَتَينِ بعد المغرب(١). قال: ولَما
مُناسَبة بالحال لما فيهما من الإخلاص والتَّوحيد والمستَخير مُحتاج لذلك. قال شيخنا: ومن
المناسب أن يقرأ فيهما مِثل قوله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] وقوله: ﴿وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
(١) أخرج ذلك أحمد (٤٧٦٣)، والنسائي (٩٩٢) من حديث عبد الله بن عمر، وهو عند ابن ماجه
(١١٤٩)، والترمذي (٤١٧) لكن بذكر ركعتي الفجر وحَسْب، وأخرجه مسلم (٧٢٦) من حديث أبي
هريرة بذكر ركعتي الفجر، وأخرجه ابن ماجه (١١٦٦) من حديث ابن مسعود بذكر ركعتي المغرب.
ومما قرأ فيه النبي ◌ّيو هاتين السورتين ركعتا الطواف، كما في حديث جابر الطويل في حجة النبي ولا عند
مسلم (١٢١٨).

٤٠٠
باب ٤٨ / ح ٦٣٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: والأكمل أن يقرأ في كلّ مِنهما السّورة والآية الأُوْلَيَين في الأولى، والأُخريينِ في
الثّانية.
ويُؤخَذ من قوله: من غير الفريضة، أنَّ الأمر بصلاة ركعتَي الاستخارة ليس على
الوجوب.
قال شيخنا في ((شرح التُّرمِذيّ)): ولم أرَ مَن قال بوجوب الاستخارة، لُرودِ الأمر بها،
ولِتشبيهِها بتعليمِ السّورة من القرآن، كما استُدلَّ بمِثلِ ذلك في وجوب التَّشَهُّد في الصلاة
لِؤُرودِ الأمر به في قوله: ((فليَقُّل))، ولِتشبيهِه بتعليمِ السّورة من القرآن، فإن قيل: الأمر
تَعلَّقَ بالشَرطِ، وهو قوله: إذا هَمَّ أحدكم بالأمرِ. قلنا: وكذلك في التَّشَهُد إنَّما يُؤمَر به مَن
صَلَّى، ويُمكِنِ الفَرق وإن اشتَرَكا فيما ذُكِرَ: أنَّ التَّشَهُّد جُزء من الصلاة، فيُؤخَذ الوجوب
من قوله: ((صَلّوا كما رأيتُموني أُصَلّى))(١)، ودَلَّ على عَدَم وجوب الاستخارة ما دلَّ على
عَدَم وجوب صلاةٍ زائدةٍ على الخمس في حديث: هل عليَّ غيرُها؟ قال: ((لا، إلّا أن
تَطَّوَّع»(٢)، انتھی.
وهذا وإن صَلَحَ للاستدلال به على عَدَم وجوب ركعتَي الاستخارة، لكن لا يَمنَع من
١٨٦/١١ الاستدلال به على وجوب دعاء الاستخارة، فكأنَّهم فهموا أنَّ الأمر فيه للإرشادِ فعَدَلوا/به عن
سَنَن الوجوب، ولمَّا كان مُشْتَمِلاً على ذِكْر الله والتَّفويض إليه كان مندوباً، والله أعلم.
ثمَّ نقول: هو ظاهر في تأخير الدُّعاء عن الصلاة، فلو دَعَا به في أثناء الصلاة احتَمَلَ
الإجزاء، ويحتمل التَّرتيب على تقديم الشُّروع في الصلاة قبل الدُّعاء، فإنَّ مَوطِن الدُّعاء في
الصلاة السُّجود أو التَّشَهُّد.
وقال ابن أبي جَمْرة: الحكمة في تقديم الصلاة على الدُّعاء: أنَّ المراد بالاستخارة حصول
الجمع بين خيرَي الدُّنيا والآخِرة، فيحتاج إلى قَرع باب الملِك، ولا شيء لذلك أنجَعُ ولا أَنجَحُ
من الصلاة، لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه قالَاً وحالاً.
(١) سلف برقم (٦٣١).
(٢) سلف برقم (٤٦).