Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب ٤
كتاب الدعوات
ثمَّ توبةُ العاصي إمّا من حَقّ الله وإمّا من حَقّ غيره، فحَقّ الله تعالى يكفي في الثَّوبة مِنه
التَّرْكُ على ما تقدَّمَ، غير أنَّ مِنه ما لم يَكتَفِ الشَّرعُ فيه بالتَّركِ فقط، بل أضافَ إليه القضاء
أو الكفَّارة، وحَقّ غير الله يحتاج إلى إيصالها لمُستَحِقُّها وإلّا لم يَحصُلِ الخَلاص من ضَرَر
ذلك الذَّنب، لكن مَن لم يَقدِر على الإيصال بعد بَذله الوُسعَ في ذلك فعَفو الله مأمولٌ، فإنَّه
يَضمَن التَّبِعات ويُبدِّل السَّيِّئَات حسناتٍ، والله أعلم.
قلت: حكى غيره عن عبد الله بن المبارَك في شُروط التَّوبة زيادة، فقال: النَّدَم، والعَزم على
عَدَمِ العَود، ورَدّ المظلمة، وأداء ما ضَيَّعَ من الفرائض، وأن يَعمِد إلى البَدَن الذي رَبّاه بالسُّحتِ
فِيُذْيبه بالهَمِّ والخَزَن حتَّى يَنشَأ له لحم طيِّب، وأن يُذيق نفسه ألم الطاعة كما أذاقَها لَذّة المعصية.
قلت: وبعض هذه الأشياء مُكمِّلات. وقد تَمَسَّكَ مَن فَسَّرَ الثَّوبة بالنَّدَم بما أخرجه أحمد
(٣٥٦٨) وابن ماجَهْ (٤٢٥٢) وغيرهما من حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((النَّدَم تَوبة)). ولا
حُجّة فيه، لأنَّ المعنى الحَضّ عليه، وأنَّه الرُّكن الأعظم في الثَّوبة لا أنَّه التَّوبة نفسها، وما
يُؤيِّد اشتِراط / كَونها لله تعالى وجود النَّدَم على الفِعل، ولا يَستَلِزِم الإقلاع عن أصل تلكَ ١٠٤/١١
المعصية، كمَن قتل ولدَه مثلاً ونَدِمَ لِكَونِه ولدَه، وكَمَنَ بَذَلَ مالاً في معصية، ثمَّ نَدِمَ على
نقص ذلك المال ممّا عنده.
واحتَجَّ مَن شَرَطَ في صِحّة التَّوبة من حقوق العباد أن يَرُدّ تلكَ المظلمة: بأنَّ مَن غَصَبَ
أمةً فَزَنَى بها لا تَصِحّ تَوبَته إلّا بِرَدِّها لمالكِها، وأنَّ مَن قتل نفساً عَمداً لا تَصِحّ تَوبَته إلّا
بتمكينِ نفسه من وليّ الدَّم ليقتَصّ أو يعفو.
قلت: وهذا من جهة الثَّوبة من الغَصْب ومن حَقّ المقتول واضحٌ، ولكن يُمكِن أن
تَصِحّ التَّوبة من العَود إلى الزِّنى وإن استَمرَّتِ الأَمَة في يده، ومن العَود إلى القتل وإن لم
يُمكِّن من نفسه.
وزاد بعض مَن أدرَكْناه في شروط التَّوبة أُموراً أُخرى: منها أن يُفارق موضع المعصية، وأن
لا يَصِل في آخر عمره إلى الغَرغَرة، وأن لا تَطلُع الشمس من مغربها، وأن لا يعود إلى ذلك

٢٢٢
باب ٤
فتح الباري بشرح البخاري
الذَّنب، فإن عادَ إليه بانَ أنَّ تَوبَته باطِلة.
قلت: والأوَّل مُستَحَبّ، والثّاني والثّالث داخلان في حَدّ التَّكليف، والأخير عُزيَ
للقاضي أبي بكر الباقِلّانيّ. ويَرُدّه الحديث الآتي بعد عشرينَ باباً(١)، وقد أشرت إليه في
((باب فضل الاستغفار))(٢).
وقد قال الحليميّ في تفسير التَّاب في الأسماء الحُسنَى: إنَّه العائد على عبده بفضلٍ رحمته،
كلَّمَا رَجَعَ لِطاعَتِهِ ونَدِمَ على معصيته، فلا يُحِبِط عنه ما قَدَّمَه من خير، ولا يَحِرِمه ما وعَدَ به
الطائعَ من الإحسان.
وقال الخطَّبيُّ: التَّاب الذي يعود إلى القَبُول كلَّما عادَ العَبد إلى الذَّنب وتابَ.
قوله: ((وقال قَتَادة: ﴿تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾: الصّادِقة الناصحة)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق
شَيْبانَ عن قَتَادة مِثله، وقيل: سُمّيَت ناصحةً لأنَّ العَبد يَنصَح نفسه فيها، فذُكِرَت بلفظ
المبالَغة. وقرأ عاصم(٣): ((نُصُوحاً)) بضمِّ النُّون، أي: ذات نُصح.
وقال الرَّاغِب: النُّصح: تَحرّي قول أو فِعل فيه صلاح، تقول: نَصَحت لك الوُدّ، أي:
أخلَصته، ونَصَحت الجلد، أي: خِطّتُه، والناصح: الخَيّاط، والنِّصاح: الخيط، فيُحتمل أن يكون
قوله: ﴿تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ مأخوذاً من الإخلاص، أو من الإحكام.
وحكى القُرطُبيّ المفسِّر: أنَّه اجتَمَعَ له من أقوال العلماء في تفسير الثَّوبة النَّصوح ثلاثةٌ
وعِشرونَ قولاً:
الأوَّل: قول عمر: أن يُذْنِب الذَّنب ثمَّ لا يَرجِع، وفي لفظ: ثمَّ لا يعود فيه. أخرجه
الطَّبَرِيُّ (١٦٨/٢٨) بسندٍ صحيح، وعن ابن مسعود مِثله، وأخرجه أحمد مرفوعاً (٤٢٦٤)(٤)،
(١) يعني عموم قوله وَله: ((يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل))، وهو الحديث الآتي برقم (٦٣٤٠).
(٢) بل قبل شرح الباب الأول من هذا الكتاب مباشرة.
(٣) هذا في رواية أبي بكر بن عياش عنه، وأما رواية حفص عنه فبالفتح، كرواية الباقين. انظر ((النشر)) لابن
الجزري ٣٨٨/٢.
(٤) لكن إسناده ضعيف، والصحيح وقفه.

٢٢٣
باب ٤ / ح ٦٣٠٨
كتاب الدعوات
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زِرّ بن حُبَيش عن أَبيّ بن كعب أنَّ سألَ النبيّ وَّه فقال: ((أن
يَنْدَم إذا أذنَبَ فيَسْتَغْفِر، ثمَّ لا يعود إليه)) وسنده ضعيف جدّاً.
الثّاني: أن يُبغِض الذَّنب ويَستَغفِر مِنه كلَّما ذكره، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن
البصريّ.
الثّالث: قول قَتَادة المذكور قبلُ.
الرَّابع: أن يُخْلِص فيها.
الخامس: أن يصير من عَدَم قَبُولها على وَجَلٍ.
السادس: أن لا يحتاج معها إلى تَوبة أُخرى.
السابع: أن يَشتَمِل على خَوف ورَجاء ويُدمِن الطاعة.
الثّامن: مِثله، وزادَ: وأن يُهاجِر مَن أعانَه عليه.
التاسع: أن یکون ذَنُه بین عینیه.
العاشر: أن يكون وجهاً بلا قَفَاً، كما كان في المعصية قَفَاً بلا وجه.
ثُمَّ سَرَدَ بَقيَّة الأقوال من كلام الصّوفيَّة بعِباراتٍ مُخْتَلِفة ومَعانٍ مُجُتَمِعة تَرجِع إلى ما
تقدَّمَ، وجميع ذلك من المكَمِّلات لا من شَرائط الصِّحّة، والله أعلم.
٦٣٠٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا أبو شِهابٍ، عن الأعمَشِ، عن عمارةَ بنِ عُمَيرٍ،
عن الحارثِ بنِ سُوَيدٍ، حدَّثنا عبدُ الله بن مَسعُود، حديثَينِ: أحدُهما عن النبيِّ وَِّ، والآخَرُ
عن نفسِه، قال: إنَّ المؤمنَ يَرَى ذُنوبَه كأنَّه قاعدٌ تحتَ جبلٍ يَخافُ أن يَقَعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ
يَرَى ذُنوبَه كَذُبابٍ مَّ على أنفِه، فقال به هكذا. قال أبو شِهابِ بيَدِه فوقَ انِه.
ثمّ قال: ((لَلَّهُ أُفرَحُ بتَوْبةِ العَبْدِ من رجلٍ نزلَ مَنْزِلاً وبِهِ مَهْلَكٌ، ومعه راحِلَتُه عليها طعامُه
وشرابُه، فَوَضَعَ رأسَه فنامَ نَوْمةً، فاسْتَقَظَ وقد ذهبَت راحِلَتْهُ، حَتَّى إذا اشتَّ عليه الحَتُّ والعَطَشُر، أو
ما شاءَ الله، قال: أرجِعُ إلى مكاني، فَرَجَعَ فنامَ نَوْمَةً ثمَّ رَفَعَ رأسَه فإذا راحِلَتْه عنْدَه)).

٢٢٤
باب ٤ / ح ٦٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
تابَعَه أبو عَوَانَةَ وجَرِيرٌ، عن الأعمَشِ.
وقال أبو أُسامةَ: حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا عُمارةُ، سمعتُ الحارثَ.
وقال شُعْبةُ وأبو مسلمٍ: عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن الحارثِ بنِ سُوَيدٍ.
وقال أبو مُعاوِيةَ: حَدَّثنا الأعمَشُ، عن عُمارةَ، عن الأسوَدِ، عن عبدِ الله، وعن إبراهيمَ التَّيْميِّ،
عن الحارثِ بنِ سُوَيدٍ، عن عبدِ الله.
قوله: ((حدَّثنا أحمد بن يونس)) هو ابن عبد الله بن يونس، نُسِبَ إلى جَدّه واشتَهَرَ بذلك،
وأبو شِهاب شيخه: اسمه عبد رَبِّه بن نافع الحَنّاط، بالمهمَلة والنُّون، وهو أبو شِهاب
الحنّاط الصَّغیر، وأمَّا أبو شهاب الخنّاط الكبير، فهو في طبقة شيوخ هذا، واسمه موسی بن
نافع، ولَيسا أخَوينٍ، وهما كوفيّان، وكذا بَقيَّة رجال هذا السَّنَد.
قوله: ((عن عُمارة بن عُمَير)) قد ذكر المصنّف تصريح الأعمَش بالتَّحديثِ وتصريح
شيخه عُمارة في (١) رواية أبي أسامة المعلّقة بعد هذا، وعُمارة تَيميّ من بني تَيم اللّات بن
ثَعْلبة كوفيّ من طبقة الأعمَش، وشيخه الحارث بن سويدٍ تَيميّ أيضاً، وفي السَّنَد ثلاثة من
١٠٥/١١ التابِعِينَ في نَسَق: / أوَّلهم الأعمَش وهو من صِغار التابِعِينَ، وعُمارة من أوساطهم، والحارث
من كِبارهم.
قوله: ((حديثَينِ: أحدهما عن النبيّ وََّ، والآخَر عن نفسه قال: إنَّ المؤمن)) فَذكره إلى
قوله: فوق أنفه. ثمَّ قال: (لَلَّهُ أفرَح بتوبة عبده)) هكذا وَقَعَ في هذه الرِّواية غير مُصرَّح
برفع أحد الحديثَينِ إلى النبيّ ◌َ. قال النَّوويّ: قالوا: المرفوع: ((لَلَّهُ أَفَرَح ... )) إلى آخره، والأوَّل
قول ابن مسعود. وكذا جَزَمَ ابن بَطّال بأنَّ الأوَّل هو الموقوف، والثّاني هو المرفوع. وهو
كذلك، ولم يَقِف ابنُ التِّين على تحقيق ذلك، فقال: أحد الحديثَينِ عن ابن مسعود، والآخر عن
النبيّ ◌َّ، فلم يَزِدْ في الشَّرح على الأصل شيئاً.
(١) وقع في الأصلين و(س): وفي، بإقحام حرف الواو، وبها يتوهم أنَّ التصريح وقع في حديث الباب الموصول،
وفي الرواية المعلقة بعده، وهو خطأ، إذ لم يقع التصريح إلّ في الرواية المعلقة.

٢٢٥
باب ٤ / ح ٦٣٠٨
كتاب الدعوات
وأغرَبَ الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة في ((مختصره))، فأفرَدَ أحد الحديثَينِ من الآخر،
وعَبَّرَ في كلّ مِنهما بقولِه: عن ابن مسعود عن النبيّ وَّرَ. وليس ذلك في شيء من نُسَخ
البخاريّ، ولا التَّصريح برفع الحديث الأوَّل إلى النبيّ ◌َّ في شيء من نُسَخ كتب الحديث،
إلّا ما قرأت في شرح مُغَلْطاي أنَّه رُوِيَ مرفوعاً من طريق وهّاها أبو أحمد الجُرجانيّ، يعني:
ابن عديّ.
وقد وَقَعَ بيان ذلك في الرِّواية المعلّقةِ، وكذا وَقَعَ البيان في رواية مسلم (٢٧٤٤) مع كونه لم
يَسُق حديث ابن مسعود الموقوف، ولفظه من طريق جَرِير عن الأعمش عن عمارة عن الحارث
قال: دَخَلت على ابن مسعود أعوده وهو مريض، فحدَّثنا بحديثَينِ: حديثاً عن نفسه، وحديثاً
عن رسول الله وَ ل﴿، قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((لله أشدّ فَرَحاً)) الحديث.
قوله: ((إنَّ المؤمن يَرَى ذُنوبه كأنَّه قاعِد تحت جبل يخاف أن يَقَع عليه)) قال ابن أبي جمرة:
السَّبَب في ذلك أنَّ قلب المؤمن مُنوَّر، فإذا رأى من نفسه ما يُخالف ما تَنَوَّر به قلبه عَظُمَ
الأمر عليه. قال(١): والحكمة في التَّمثيل بالجبلِ أنَّ غيره من المهلكات قد يَحَصُل التَّسَبُّب إلى
النَّجاة مِنه، بخِلَاف الجبل إذا سَقَطَ على الشَّخص لا يَنجو مِنه عادة.
وحاصله: أنَّ المؤمن يَغْلِب عليه الخوف لِقوّة ما عنده من الإيمان، فلا يأمَن العُقوبة
بسببها، وهذا شأن المؤمن أنَّه دائم الخوف والمراقَبة، يَستَصغِر عَمَله الصالح ويَخْشَى من
صغير عَمَله السَِّّئ.
قوله: ((وإنَّ الفاجِرِ يَرَى ذُنوبه كذُبابٍ)» في رواية أبي الرَّبيع الزهرانيّ عن أبي شِهاب عند
الإسماعيليّ: يَرَى ذُنوبه كأنَّهَا ذُباب مرَّ على أنفه. أي: ذَنبه سَهْل عنده، لا يَعتَقِد أنَّه يَصُل
له بسبِهِ كبيرُ ضَرَر، كما أنَّ ضَرَر الذُّباب عنده سَهل، وكذا دفْعُه عنه.
والذُّباب - بضمِّ المعجَمة وموخَّدتَينِ الأولى خفيفة بينهما ألِف ـ: جمع ذُبابة، وهي
الطَّيرِ المعروف.
(١) لفظة ((قال)) سقطت من (س).

٢٢٦
باب ٤ / ح ٦٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فقال به هكذا)) أي: نَحّاه بَيَدِه أو دَفَعَه، هو من إطلاق القول على الفِعل، قالوا:
وهو أبلَغ.
قوله: ((قال أبو شِهاب)) هو موصول بالسَّنَد المذكور.
قوله: «بیکە فوق(١) أنفه)) هو تفسیر مِنه لقوله: «فقال به».
قال المحِبّ الطَّبَريُّ: إنَّما كانت هذه صِفَةَ المؤمن لِشِدّة خوفه من الله ومن عُقوبَته، لأنَّه
على يقين من الذَّنب، وليس على يقين من المغفرة، والفاجِر قليل المعرفة بالله، فلذلك قَلَّ
خَوفه واستَهانَ بالمعصية.
وقال ابن أبي جَمْرة: السَّبَب في ذلك أنَّ قلب الفاجِرِ مُظلم فوقوع الذَّنب خفيف
عنده، ولهذا تَّجِد مَن يقع في المعصية إذا وُعِظَ يقول: هذا سَهْل.
قال: ويُستَفاد من الحديث أنَّ قِلّة خَوف المؤمن ذُنوبَه وخِفَّتها عليه يدلّ على فُجوره،
قال: والحكمةُ في تشبيه ذُنوب الفاجِرِ بالذُّبابِ كَون الذُّباب أخَفَّ الطَّير وأحقَرَه، وهو ممّاً
يُعايَن ويُدفَع بأقلّ الأشياء. قال: وفي ذِكْر الأنف مُبالَغة في اعتقاده خِفّةَ الذَّنب عنده، لأنَّ
الذُّباب قَلَّما يَنزِل على الأنف وإنَّما يَقصِد غالباً العينَ، قال: وفي إشارَته بَيَدِه تأكيد للخِفّة
أيضاً، لأَنَّه بهذا القَدر اليسير يُدفَع ضَرَرُه.
قال: وفي الحديث ضرب المثل بما يُمكِن، وإرشاد إلى الحَضّ على مُحاسبة النَّفْس، واعتبار
العلامات الدّالَّة على بقاء نِعمة الإيمان، وفيه أنَّ الفُجور أمر قلبيّ كالإيمان، وفيه دليلٌ لأهلِ
السُّنّة لأنَّهِم لا يُكَفِّرُونَ بالذُّنوب، ورَدٌّ على الخوارج وغيرهم ممَّن يُكَفِّر بالذَّنوبِ.
١٠٦/١١ وقال ابن بَطّال: يُؤْخَذ مِنه أنَّه ينبغي أن يكون المؤمن عظيمَ الخوف من الله تعالى من
كلّ ذَنب صغيراً كان أو كبيراً، لأنَّ الله تعالى قد يُعذّب على القليل، فإنَّه لا يُسأل عمَّا يفعل
سبحانه وتعالى.
(١) وقع في الأصلين و(س): على، بدل: فوق، والمثبت هو الرواية، وذكره الحافظ على الصواب في أول شرح
هذا الحدیث.

٢٢٧
باب ٤ / ح ٦٣٠٨
كتاب الدعوات
قوله: ((ثمَّ قال: لَلَهُ أفَرَح بتَوْبةِ العبد من رجل نزلَ مَنْزِلاً)) في رواية أبي الرَّبيع المذكورة:
(بتوبة عبده المؤمن))، وعند مسلم (٢٧٤٤) من رواية جَرِير، ومن رواية أبي أُسامة: ((لَلُهُ
أشدُّ فَرحاً بتوبة عبده المؤمن))، وكذا عنده من حديث أبي هريرة.
وإطلاق الفَرَح في حَقّ الله مَجَازٌ عن رِضاه، قال الخطَّبيُّ: معنى الحديث: أنَّ الله أرضَى
بالتَّوبة وأقبَل لها، والفَرَح الذي يَتَعارَفه الناس بينهم غير جائز على الله، وهو كقوله تعالى: ﴿كُلُّ
حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، أي: راضونَ.
وقال ابن فُورَك: الفَرَح في اللُّغة: السُّرور، ويُطلَق على البَطَر، ومِنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
اَلْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، وعلى الرِّضا، فإنَّ كلّ مَن يُسَرّ بشيءٍ ويَرضَى به يقال في حَقّه: فرِحَ
به.
قال ابن العربيّ: كلّ صِفَة تقتضي التغيُّر لا يجوز أن يُوصَف الله بحقيقَتِها، فإن وَرَدَ
شيء من ذلك مُلَ على معنَى يَلِيق به، وقد يُعبَّر عن الشَّيء بسبِهِ أو ثَمَرَته الحاصلة عنه،
فإنَّ مَن فَرِحَ بشيءٍ جادَ لفاعلِه بما سألَ وبَذَلَ له ما طلبَ، فعَبَّرَ عن عطاء الباري وواسع
كَرَمه بالفَرَحِ.
وقال ابن أبي جَمْرة: كَنّى عن إحسان الله للتّائبِ وتَّجاوزه عنه بالفَرَح، لأنَّ عادة الملِك
إذا فرح بفعلٍ أحد أن يُبالغ في الإحسان إليه.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): هذا مَثَل قُصِدَ به بيان سُرعة قَبُول الله تَوبةَ عبده التائب،
وأنَّه يُقبِل عليه بمَغْفِرَتِه ويُعامله مُعامَلة مَن يَفرَحِ بعَمَلِهِ، ووجه هذا المثَلِ أنَّ العاصِي حَصَلَ
بسببٍ معصيته في قَبضة الشَّيطان وأسره، وقد أشرَفَ على الهلاك، فإذا لَطَفَ الله به ووقَقَه
للتَّوبة خَرَجَ من شُؤم تلكَ المعصية، وتَخَلَّصَ من أسر الشَّيطان ومَن المهلكة التي أشرَفَ
عليها، فأقبَلَ الله عليه بمَغْفِرَتِهِ وبِرحمته، وإلّا فالفَرَح الذي هو من صفات المخلوقينَ مُحالٌ
على الله تعالى، لأنَّه اهتزاز وطَرَب يَجِده الشّخص من نفسه عند ظَفَره بغَرَضٍ يَستَكمِل به
نُقصانَه ويَسُدّ به خَلَتَه، أو يَدِفَع به عن نفسه ضَرَراً أو نقصاً، وكلّ ذلك محال على الله تعالى،

٢٢٨
باب ٤ / ح ٦٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
فإِنَّه الكامل بذاته، الغني بوجودِه الذي لا يَلحَقه نَقْصُ ولا قُصورٌ، لكن هذا الفَرَح له عندنا
ثَمَرة وفائدة، وهو الإقبال على الشَّيء المفروح به وإحلاله المحَلّ الأعلى، وهذا هو الذي
يَصِحّ في حَقّه تعالى، فعَبَّرَ عن ثَمَرة الفَرَح بالفَرَحِ على طريقة العرب في تسمية الشَّيء باسم
ما جاوَرَه أو كان مِنه بسببٍ، وهذا القانونُ جارٍ في جميع ما أطلقَه الله تعالى على صِفَة من
الصِّفات التي لا تَليق به، وكذا ما ثَبَتَ بذلك عن رسول الله وَله.
قوله: ((وبه مَهْلَكة)) كذا في الرّوايات التي وقَفتُ عليها من ((صحيح البخاريّ)) بواوٍ
مفتوحة ثمّ موحّدة خفيفة مکسورة ثمّ هاء ضمير. ووقع عند الإسماعيليّ في رواية أبي
الرَّبيع عن أبي شِهاب بسندِ البخاريّ فيه: ((بِدَوِّيَّة)) بموخَّدةٍ مكسورة ودال مفتوحة ثمَّ
واو ثقيلة مكسورة ثمَّ تحتانيَّة مفتوحة ثمَّ هاء تأنيث، وكذا في جميع الرِّوايات خارج
البخاريّ عند مسلم وأصحاب السُّنَن والمسانيد وغيرهم(١). وفي رواية لمسلمٍ: ((في أرض
دَوِيَّة مهلكة)).
وحكى الكِرْمانيُّ أنَّه وَقَعَ في نسخة من البخاريّ: ((وَبِيئة)) وزن فعيلة من الوباء، ولم
أقِفْ أنا على ذلك في كلام غيره، ويَلزَم عليه أن يكون وَصَف المذَكَّر - وهو المنزِل - بصِفَة
المؤنَّث في قوله: ((وبيئة مُهلِكة))، وهو جائز على إرادة البقعة.
والدَّوّيَّة: هي القَفر والمفازة، وهي الدّاويَّة بإشباع الدّالّ، ووَقَعَ كذلك في رواية لمسلمٍ،
وجمعها: داويّ، قال الشّاعر(٢):
أروعَ خَزَّاجٍ من الدَّاوِيِّ
قوله: ((مَهْلکة)) بفتح الميم واللّام بينهما هاء ساكنة، أي: يَهَلِكُ مَن حَصَلَ بها، وفي بعض
النُّسَخِ: بضمِّ الميم وكسر اللّم من الرُّباعيّ، أي: تُهلِك هي مَن يَحصُل بها.
(١) عند أحمد (٣٦٢٧) ومسلم (٢٧٤٤)، والترمذي (٢٤٩٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٨٤٦)، وابن
حبان (٦١٨) وأبي يعلى (٥١٠٠).
(٢) هذا شطرٌ من أبيات قالها الحجاج بن يوسف الثقفي في خطبته حين قدم أميراً على العراق. انظر ((الكامل))
للمبرّد ٤٩٤/٢.

٢٢٩
باب ٤ / ح ٦٣٠٨
كتاب الدعوات
قوله: ((عليها طعامه وشرابه)) زاد أبو معاوية عن الأعمَش: ((وما يُصلِحِه)) أخرجه التِّرمِذيّ
(٢٤٩٧) وغيره(١).
قوله: «وقد ذَهَبَت راحلته)»/ في رواية أبي معاوية: ((فأضَلَّها فخَرَجَ في طلبها))، وفي رواية ١٠٧/١١
جَرِير عن الأعمَش عند مسلم: «فطلبها».
قوله: ((حتَّى إذا اشتَّ عليه الحَرّ والعَطَش، أو ما شاءَ الله)) شَكٍّ من أبي شِهاب، واقتَصَرَ جَرِير
على ذِكْرِ العَطَش، ووَقَعَ في رواية أبي معاوية: ((حتَّى إذا أدرَكَه الموت)).
قوله: ((قال: أرجع)) بهمزة قطع بلفظ المتكلِّم.
قوله: («إلی مکانی، فرجعَ فنام» في روایة جَرِیر: «أرجع إلی مکاني الذي كنت فيه، فأنام حتَّی
أموت، فوضَعَ رأسه على ساعِده ليموتَ))، وفي رواية أبي معاوية: ((أرجع إلى مكاني الذي
أضلَلتُها فيه فأموت فيه، فرَجَعَ إلى مكانه فغَلَبَتْه عينُه)).
قوله: «فنامَ نَوْمة ثمَّ رَفَعَ رأسه، فإذا راحلَتُه عنده)) في رواية جَرِير: «فاستَقَظَ وعنده راحلَته
عليها زاده، طعامه وشرابه)) وزاد أبو معاوية في روايته: ((وما يُصلِحِه)).
قوله: ((تابَعَه أبو عَوَانة)) هو الوضّاح، ((وجَرِير)): هو ابن عبد الحميد ((عن الأعمَش)) فأمَّا
مُتَابَعة أبي عَوَانة فوصَلَها الإسماعيليّ من طريق يحيى بن حَمَّاد عنه، وأمَّا مُتَابَعة جَرِير فوصَلَها
مسلم، وقد ذكرت اختلاف لفظها.
قوله: ((وقال أبو أسامة)) هو حَمَّد بن أُسامة («حدَّثنا الأعمَش، حدَّثنا عمارة، حدَّثنا (٢)
الحارث)) يعني: عن ابن مسعود بالحديثَين، ومُراده أنَّ هؤلاءِ الثلاثة وافَقوا أبا شِهاب في
إسناد هذا الحديث، إلّا أنَّ الأوَّلَيْنِ عَنْعَناه، وصَرَّحَ فيه أبو أُسامة، ورواية أبي أسامة
وَصَلَها مسلم أيضاً (٢٧٤٤/ ٤) وقال: مِثل حديث جَرِیر.
قوله: ((وقال شُعْبة وأبو مسلم)) زاد المُستَمْلي في روايته عن الفِرَبْريّ: اسمه عُبيد الله - أي:
(١) أحمد (٣٦٢٧).
(٢) كذا في الأصلين و(س)، والذي في الرواية حسب ما في اليونينية دون خلاف: سمعتُ.

٢٣٠
باب ٤ / ح ٦٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
بالتَّصغير - كوفيّ قائد الأعمَش - قلت: واسم أبيه سعيد بن مسلم - كوفيّ ضَعَّفَه جماعة،
لكن لمَّ وافَقَه شُعْبة تَرَخَّصَ البخاريّ في ذِكْره، وقد ذكره في ((تاريخه)) وقال: في حديثه
نظر، وقال العُقَيليّ: يُكتَب حديثه ويُنظَر فيه.
ومُراده أنَّ شُعْبة وأبا مسلم خالَفا أبا شِهاب ومَن تَّبِعَه في تسمية شيخ الأعمَش، فقال
الأوَّلونَ: عُمارة، وقال هذان: إبراهيم التَّيْمَيّ، وقد ذكر الإسماعيليّ أنَّ محمَّد بن فُضَيلِ
وشُجاع بن الوليد وقُطْبة بن عبد العزيز وافَقوا أبا شِهاب على قوله: عُمارة عن الحارث،
ثُمَّ ساقَ رواياتِهِم، وطريق قُطْبة عند مسلم أيضاً.
قوله: ((وقال أبو معاوية: حدَّثنا الأعْمَش، عن عُمارة، عن الأسود، عن عبد الله. وعن
إبراهيم التَّيْميِّ، عن الحارث بن سويدٍ، عن عبد الله)) يعني: أنَّ أبا معاوية خالَفَ الجميع،
فجَعَلَ الحديث عند الأعمَش: عن عمارة بن عُمَير وإبراهيم النَّيْمِيِّ جميعاً، لكنَّه عند
عُمارة: عن الأسود - وهو ابن يزيد النَّخَعَيّ - وعند إبراهيم التَّيْميِّ: عن الحارث بن سويدٍ.
وأبو شِهاب ومَن تَبِعَه جَعَلوه عند عُمارة عن الحارث بن سويدٍ.
ورواية أبي معاوية لم أقِفْ عليها في شيء من السُّنَن والمسانيد على هذَينِ الوجهَين(١)،
فقد أخرجه التِّرمِذيّ (٢٤٩٧ و٢٤٩٨) عن هَنّاد بن السَّريّ، والنَّسائيُّ (ك٧٦٩٦) عن
محمَّد بن عُبيد، والإسماعيليّ من طريق أبي همَّام، ومن طريق أبي كُرَيب، ومن طريق محمَّد
ابن طريف، كلّهم عن أبي معاوية، كما قال أبو شِهاب ومَن تَبِعَه.
وأخرجه النَّسائيُّ (ك٧٦٩٥) عن أحمد بن حَرْب الموصِليّ عن أبي معاوية فجَمَعَ بين
الأسود والحارث بن سويدٍ. وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي كُرَيب، ولم أرَه من
رواية أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم التَّيْمِيّ(٢)، وإنَّما وَجَدتُه عند النَّسائيِّ (ك٧٦٩٥) من
رواية عليّ بن مُسهِر عن الأعمَش كذلك.
(١) بل أخرجه أحمد (٣٦٢٧) و(٣٦٢٨) من هذين الوجهين، وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٧٦٩٥) من
طریق عمارة عن الحارث بن سويد والأسود- قرنهما -.
(٢) قدَّمنا قريباً أنه عند أحمد (٣٦٢٧).

٢٣١
باب ٤ / ح ٦٣٠٩
كتاب الدعوات
وفي الجملة فقد اختُلِفَ فيه على عمارة في شيخه، هل هو الحارث بن سويدٍ أو الأسود؟
وتَبِيَّن ممّا ذكرته أنَّه عنده عنهما جميعاً ..
واختُلِفَ على الأعمَش في شيخه هل هو عُمارة أو إبراهيم التَّيْمِيّ؟ وتَبيَّن أيضاً أنَّه
عنده عنهما جميعاً.
والرَّاجح من الاختلاف كلّه ما قال أبو شِهاب ومَن تَبِعَه، ولذلك اقتَصَرَ عليه مسلم،
وصَدَّرَ به البخاريّ كلامه، فأخرجه موصولاً، وذكر الاختلاف مُعلَّقاً كَعادتِه في الإشارة
إلى أنَّ مِثل هذا الخِلاف ليس بقادحِ، والله أعلم.
تنبيه: ذكر مسلم (٢٧٤٦) من حديث البراء لهذا الحديث المرفوع سبباً وأوَّله: ((كيف
تقولون في رجل انفَلَتَت مِنه راحلتُه بأرضٍ قَفْرٍ / ليس بها طعامٌ ولا شرابٌ، وعليها له طعام ١٠٨/١١
وشراب فطلبَها حتَّى شَقَّ عليه؟)) فذكر معناه.
وأخرجه ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٦٢١) من حديث أبي هريرة مختصراً: ذَكَروا الفَرَح
عند رسول الله وَ ل﴿ والرجل يَجِدُ ضالَّتَه، فقال: ((لَلْهُ أشدّ فرحاً» الحديث.
٦٣٠٩ - حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا حَبّانُ، أخبَرنا هَّامٌ، عن قَتَادةَ، حدَّثنا أنسٌُّ، عن النبيِّ وَّ.
وحدَّثني هُذْبةُ، حدَّثَنَا هَّامٌ، حدَّثْنَا قَتَادةُ، عن أنسِ عُه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((الله أقرَحُ بتَوْيِةِ
عبدِه من أحدِكم سَقَطَ على بعيرِهِ، وقد أضَلَّه في أرضٍ فلاةٍ)).
قوله: ((حدَّثني إسحاق)) قال أبو عليّ الجيَّانيّ: يحتمل أن يكون ابنَ منصور، فإنَّ مسلماً أخرج
عن إسحاق بن منصور عن حَبّان بن هلال حديثاً غيرَ هذا(١).
قلت: وتقدَّم في البيوع في ((باب البيِّعان بالخيار)) (٢١١٠) في رواية أبي عليّ بن شَبّويه:
حدّثنا إسحاق بن منصور حدَّثنا حَبّان بن هلال، فذكر حديثاً غير هذا، وهذا ما يُقوِّي ظنَّ أبي
عليّ، والله أعلم.
وحَبّان بفتحِ المهمَلة ثمَّ الموحَّدة الثَّقيلة، وهمّام: هو ابن يحيى، وقد نزلَ البخاريّ في حديثه
(١) كالأحاديث: (٢٢٣) و(٩٣٤) و(١٦١٢) و(١٧٢٢) و(٢١٧٦).

٢٣٢
باب ٤ / ح ٦٣٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
فِي السَّنَد الأوَّل ثمَّ عَلّه بدرجةٍ في السَّنَد الثّاني، والسَّبَب في ذلك أنَّه وَقَعَ في السَّنَد النازِل
تصريح فَتَادة بتحديثِ أنس له، ووَقَعَ في السَّنَد العالي بالعَنعَنة.
قوله: «سَقَطَ على بعيره)) أي: صادَفَه وعَثَرَ عليه من غير قصد فظَفِرَ به، ومِنه قولهم: على
الخَبَيرِ سَقَطْتَ. وحكى الكِرْ مانيُّ أنَّ في رواية: سَقَطَ إلى بعيره، أي: انتهى إليه، والأوَّل أَولى.
قوله: ((وقد أضَلَّه)) أي: ذهب مِنه بغير قصده، قال ابن السِّكّيت: أضلَلتُ بعيري، أي:
ذهب منِّي، وضَلَلت بعيري، أي: لم أعرِف مَوضعَه.
قوله: ((بفَلاةٍ)(١) أي: مَفازة. إلى هنا انتَهَت رواية قَتَادة، وزاد إسحاق بن أبي طلحة عن
أنس فيه عند مسلم (٢٧٤٧): ((فانفلتت مِنه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى
شَجَرة فاضطَجَعَ في ظِلّها، فبينا هو كذلك إذا بها قائمةً عنده، فأخَذَ بخِطامها، ثمَّ قال من
شِدّة الفَرَح: اللهمَّ أنتَ عبدي وأنا رَبّك، أخطأً من شِدّة الفَرَح)).
قال عياض: فيه أنَّ ما قاله الإنسان من مِثل هذا في حال دَهشَته وذُهوله لا يُؤاخَذ به،
وكذا حكايته عنه على طريق عِلميّ وفائدة شَرعيَّة، لا على الهُزْء والمحاكاة والعَبَث، ويدلّ على
ذلك حكاية النبيّ وَّ م ذلك، ولو كان مُنكَراً ما حكاه، والله أعلم.
قال ابن أبي جمرة: وفي حديث ابن مسعود من الفوائد: جواز سَفَر المرء وحده، لأنَّه لا
يَضرِب الشّارعِ المثَل إلّا بما يجوز، ويُحمَل حديث النَّهي على الكراهة جمعاً، ويظهر من هذا
الحديث حِكمة النَّهي. قلت: والحَصْر الأوَّل مردود، وهذه القصّة تُؤكِّد النَّهي.
قال: وفيه تسمية المفازة التي ليس فيها ما يُؤْكَل ولا يُشرَب مَهلَكة. وفيه أنَّ مَن رَكَنَ
إلى ما سوى الله يَقطَع به أحوجُ ما يكون إليه، لأنَّ الرجل ما نامَ في الفَلَاة وحده إلّا رُكوناً
إلى ما معه من الزّاد، فلمَّا اعتَمَدَ على ذلك خانَه، لولا أنَّ اللهِ لَطَفَ به وأعادَ علیه ضاَّته،
قال بعضهم(٢):
(١) كذا في الأصلين و(س)، والذي في الرواية حسب ما في اليونينية دون خلاف: في أرض فلاة.
(٢) نسبه أبو منصور الثعالبي في ((الإعجاز والإيجاز)) ص٢٠٨ إلى عُبيد الله بن عَبدالله بن طاهر، ونسبه الراغب
الأصفهاني في ((محاضرات الأدباء)) ١/ ٦٠٠ إلى ابن الرومي.

٢٣٣
باب ٥ / ح ٦٣١٠
كتاب الدعوات
مَن سَرَّه أن لا يَرَى ما يَسُوؤُه فلا يَتَّخِذْ شيئاً يَخافُ له فَقْدا
قال: وفيه أنَّ فرحَ البشر وغَمَّهم إنَّما هو على ما جَرَى به أثرُ الحكمة من العوائد، يُؤخَذ
من ذلك أنَّ حزن المذكور إنَّما كان على ذَهاب راحِلَته لِخَوفِ الموت من أجل فَقْد زادهِ، وفَرَحُه
بها إنَّما كان من أجل وِجْدانه ما فَقَدَ مَمَّا تُنسَب الحياة إليه في العادة.
وفيه بَرَكة الاستسلام لأمرِ الله، لأنَّ المذكور لمَّا أَيِس من وِجْدان راحلَتهِ استَسلَمَ للموتِ،
فمَنَّ الله عليه برَدِّ ضالَّته.
وفيه ضرب المثَل بما يَصِل إلى الأفهام من الأمور المحسوسة، والإرشاد إلى الحَضّ على
مُحاسَبة النَّفس، واعتبار العلامات الدّالَّة على بقاء نعمة الإيمان.
٥- باب الضَّجْع على الشّقّ الأيمن
٦٣١٠ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسُفَ، أخبرنا مَعمٌَ، عن الزُّهْريِّ، عن
عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: كان النبيُّ ◌َهِ يُصَلّ منَ اللَّيْلِ إحدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فإذا
طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَينٍ، ثمَّ اضْطَجَعَ على شِقُّه الأيمَنِ، حتَّى يَجِيءَ المُؤَذِّنُ
فيُؤْذِنَه.
قوله: ((باب الضَّجْع على الشِّقّ الأيمَن)) الضَّجع، بفتح أوَّله وسكون الجيم: مصدر، ١٠٩/١١
يقال: ضَجَعَ الرجل يَضجَعِ ضَجْعاً وضُجوعاً فهو ضاجِع، والمعنى: وَضَعَ جَنْبه
بالأرض، وفي رواية: باب الضِّجعة، وهو بكسر أوَّله لأنَّ المراد الهَيْئة، ويجوز الفتح، أي:
المرّة.
وذكر فيه حديث عائشة في اضطِجاعه وَ ل بعد ركعتي الفجر، وقد مَضَى شرحه في كتاب
الصلاة (١١٦٠)، وتَرجَمَ له ((باب الضَّجع على الشِّقّ الأيمَن بعد ركعتي الفجر)).
قال ابن التِّين: أصل اضطَجَعَ: اضتَجَعَ بمُثنّةٍ فأبدَلوها طاء، ومنهم مَن أبقاها ولم يُدغِموا
الضّاد فيها، وحكى المازِنيّ: الْضَجَعَ، بلامٍ ساكنة قبل الضّاد، كراهة للجمع بين الضّاد
والطاء في النُّطْق لِثِقَلِهِ، فجَعَلَ بَدَلها اللّام.

٢٣٤
باب ٦ / ح ٦٣١١
فتح الباري بشرح البخاري
وذكر المصنِّف هذا الباب والذي بعده تَوطِئةً لما يَذكُر بعدهما من القول عند النَّوم.
٦ - باب إذا بات طاهراً
٦٣١١ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، قال: سمعتُ منصوراً، عن سَعْدِ بنِ عُبيدةَ، قال:
حدَّثني البراءُ بنُ عازِبٍ رضي الله عنهما، قال: قال لي رسولُ اللهِ وَيِ: ((إذا أتيتَ مَضْجَعَكَ
فَتَوضَّأ وضوءَكَ للصلاةِ، ثمَّ اضْطَجِع على شِقِّكَ الأيمَنِ، وقُلِ: اللهمَّ أسلَمْتُ وَجْهي إليكَ،
وفَوَّضْتُ أمري إليكَ، وألجَأَتُ ظَهْري إليكَ رغبةً ورَهبةً إليكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنْجا منكَ إلّ
إليكَ، آمَنْتُ بكتابكَ الذي أَنزَلْتَ، وبِنبيِّكَ الذي أرسَلْتَ، فإن مُتَّ مُتَّ على الفِطْرةِ،
واجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تقول)) فقلتُ أستَذْكِرُهُنَّ: وبِرسولِكَ الذي أرسَلْتَ؟ قال: ((لا، وبِنبيِّكَ
الذي أرسَلْتَ)).
قوله: ((باب إذا باتَ طاهراً) زاد أبو ذَرٍّ في روايته: ((وفضله))، وقد وَرَدَ في هذا المعنى عِدّة
أحاديث ليست على شرطه.
مِنها حديث معاذ رَفَعَه: ((ما من مسلم يبيت على ذِكْر وطهارة، فيَتَعارَّ من اللَّيل،
فيسأل الله خيراً من الدُّنيا والآخِرة إلّا أعطاه إيّاه)) أخرجه أبو داود (٥٠٤٢) والنَّسائيُّ
(ك١٠٥٧٣) وابن ماجَهْ (٣٨٨١)(١).
وأخرجه التِّرمِذيّ (٣٥٢٦)(٢) من حديث أبي أمامةَ نحوه.
وأخرج ابن حِبّان في (صحيحه)) (١٠٥١) عن ابن عمر رَفَعَه: ((مَن باتَ طاهراً باتَ في
شِعاره(٣) مَلَكٌ، فلا يَستَيقِظ إلّا قال الملك: اللهمَّ اغفر لعبدك فلان)».
(١) في إسناده عندهم شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه، لكن تابعه ثابت البناني عند أحمد (٢٢٠٤٨) و(٢٢٠٤٩)،
والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٥٧٣). وقد استوفى الحافظ الكلام على هذا الحديث وشواهده في ((نتائج الأفكار))
٨٢/٣-٠٨٤
(٢) وهو أيضاً عند النسائي في ((الكبرى)) (١٠٥٧٥). وفي إسناده شهر بن حوشب أيضاً، ولهذا قال الحافظ
في «نتائج الأفكار» ٣/ ٨٢: شهر فیه مقال، واختلف عليه في سنده.
(٣) الشعار: الثوب الذي يلي الجسد، لأنه يلي شعره.

٢٣٥
باب ٦ / ح ٦٣١١
كتاب الدعوات
وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٥٠٨٧) من حديث ابن عبَّاس نحوه بسندٍ جيّدً(١).
قوله: ((مُعتمِر)) هو ابن سليمان التَّيْمَيّ، ومنصور: هو ابن المعتَمِر.
قوله: ((عن سَعْد بن عُبيدة)) كذا قال الأكثر، وخالَفَهم إبراهيم بن طَهْمان، فقال: عن
منصور عن الحكم عن سعد بن عُبيدة، زاد في الإسناد: الحَكَم، أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٥٤٩).
وقد سألَ ابنُ أبي حاتم عنه أباه، فقال: هذا خطأ، ليس فيه الحكم. قلت: فهو من المزيد في
مُتَّصِل الأسانید.
قوله: ((قال لي رسول الله وَ ليّ)) كذا لأبي ذرِّ وأبي زيد المروزيّ، وسَقَطَ لفظ ((لي)) من رواية
الباقينَ، وفي رواية أبي إسحاق كما في الباب الذي يليه: أمَرَ رجلاً، وفي أُخرى له (٦٣١٣):
أوصَى رجلاً، وفي رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق الآتية في كتاب التَّوحيد (٧٤٨٨) عن
البراء: قال: قال رسول الله وَ له: ((يا فلان، إذا أويت إلى فِراشك)) الحديث.
وأخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٩٤) من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن أبي إسحاق عن البراء: أنَّ ١١٠/١١
النبيَّ ◌َّه قال له: «ألا أُعَلِّمك كلماتٍ، تقول(٢) إذا أويت إلى فراشك)).
قوله: ((إذا أتيت مَضْجَعك)) أي: إذا أردت أن تَضطَجِع، ووَقَعَ صريحاً كذلك في رواية
أبي إسحاق المذكورة، ووَقَعَ في رواية فِطْر بن خليفة عن سعد بن عُبيدة عند أبي داود (٥٠٤٧)
والنَّسائيِّ (ك١٠٥٥١): ((إذا أويت إلى فِراشك وأنتَ طاهر، فتَوسَّد يمينَك)) الحديثَ، نحو
حديث الباب، وسنده جيِّد، ولكن ثَبَتَ ذلك في أثناء حديث آخر، سأُشيرُ إليه في شرح حديث
حُذَیفة الآتي في الباب بعده.
ولِلنَّسائيِّ (ك١٠٥٢٧) من طريق الرَّبيع بن البراء بن عازِب قال: قال البراء، فذكر
(١) قال العقيلي في ((الضعفاء))، وكذا الذهبي في ((الميزان) في ترجمة العباس بن عتبة، وهو أحد رجال هذا
الحديث: لا يصحُّ حديثه، وذكرا هذا الحديث. قلنا: والحديث عند الطبراني في ((الكبير)) أيضاً (١٣٦٢٠)
بإسناد ((الأوسط)) نفسه، لكن جعله من حديث ابن عمر، وكذا هو في ((الطهور)» لأبي عبيد (٧٠) من
حديث ابن عمر.
(٢) كذا في الأصلين و(س)، والذي في طبعتنا المحققة من ((جامع الترمذي)): تقولها.

٢٣٦
باب ٦ / ح ٦٣١١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث بلفظ: ((مَن تكلَّمَ بهؤلاءِ الكلمات حين يأخُذ جنبه من مَضجَعه بعد صلاة
العِشاء)» فذکر نحو حدیث الباب.
قوله: ((فتَوضَّأ وضوءَك للصلاةِ» الأمر فيه للنَّدْبِ. وله فوائد: منها: أن يبيت على طهارة
لئلّا يَبغَتَه الموتُ، فيكونُ على هَيْئة كاملة. ويُؤخَذ مِنه النَّدب إلى الاستعداد للموتِ بطهارة
القلب لأنَّه أَولى من طهارة البَدَن.
وقد أخرج عبد الرَّزّاق (١٩٨٤٤) من طريق مجاهد قال: قال لي ابن عبَّاس: لا تَبِيتَنَّ
إلّا على وُضوء، فإنَّ الأرواح تُبعَث على ما قُبِضَت عليه. ورجاله ثقات إلّا أبا يحيى القَتّات،
هو صدوق فيه كلام.
ومن طريق أبي مُرَاية (١) العِجليِّ (١٩٨٣٧) قال: مَن أوى إلى فِراشه طاهراً ونامَ ذاكِراً،
كان فِراشه مسجداً، وكان في صلاة وذِكْر حتَّى يَستَيقِظ. ومن طريق طاووسٍ نحوه.
ويَتأكَّد ذلك في حَقّ المحدِث ولا سيّما الجُنُب وهو أنشَط للعَود (٢)، وقد يكون مُتَشِّطاً
للغُسلِ فيبيت على طهارة كاملة.
ومنها: أن يكون أصدَقَ لِرُؤياه وأبعَد من تَلَعُّب الشَّيطان به.
قال التِّرمِذيّ: ليس في الأحاديث ذِكْر الوضوء عند النَّوم إلّا في هذا الحديث.
قوله: ((ثمَّ اضْطَجِع على شِقّك)) بكسر المعجَمة وتشديد القاف، أي: الجانب، وخَصَّ
الأيمَنَ لفوائد: منها أنَّه أسرَع إلى الانتباه، ومنها أنَّ القلب يتعَلَّق إلى جهة اليمين، فلا يَتْقُل
بالنَّوم، ومنها قال ابن الجَوْزيّ: هذه الهَيْئة نَصَّ الأطِبّاء على أنَّها أصلَح للبَدَن، قالوا: يَبدَأ
بالاضطِجاع على الجانب الأيمَن ساعةً، ثمَّ يَنقَلِبُ إلى الأيسَر لأنَّ الأوَّل سبب لانحِدار
الطَّعام، والنَّوم على اليسار يَهضِم لاشتِمال الكَبِد على المعِدة.
(١) تحرَّف في مطبوع ((المصنف)) إلى: أبي مرثد.
(٢) يشير إلى حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه مسلم (٣٠٨) وغيره: ((إذا أتى أحدكم أهلَه، ثم أراد
أن يتوضأ فلیتوضا».

٢٣٧
باب ٦ / ح ٦٣١١
كتاب الاموات
تنبيه: هكذا وَقَعَ في رواية سعد بن عُبيدة وأبي إسحاق عن البراء، ووَقَعَ في رواية
العلاء بن المسيّب عن أبيه عن البراء من فِعل النبيّ وَله، ولفظه كما سيأتي قريباً (٦٣١٥):
كان النبيّ ◌َ ﴿ إذا أوى إلى فِراشه نامَ على شِقّه الأيمَن، ثمّ قال، الحديثَ. فتُستَقَاد مشروعيَّة
هذا الذِّكر من قوله ◌َلّ ومن فِعله.
ووَقَعَ عند النَّسائيِّ (ك١٠٥٥٢) من رواية حُصَين بن عبد الرَّحمن عن سعد بن عُبيدة
عن البراء، وزاد في أوَّله: ثمّ قال: ((باسمِ الله، اللهمَّ أسلَمتُ نفسي إليك)).
ووَقَعَ عند الخَرائطيّ في ((مكارم الأخلاق)) من وجه آخر عن البراء بلفظ: كان إذا أوى
إلى فِراشه قال: ((اللهمَّ أنتَ رَبّي ومَليكي وإلهي، لا إله إلّا أنتَ، إليك وجَّهت وجهي))
الحدیث.
قوله: ((وقُل: اللهمَّ أسلَمْتِ وَجْهي إليك)) كذا لأبي ذرٍّ وأبي زيد، ولغيرهما: ((أسلَمت
نفسي)) قيل: الوجه والنَّفس هنا بمعنى الذّات والشَّخص، أي: أسلَمت ذاتي وشَخصي
لك، وفيه نظر لأنه جمع بينهما في رواية أبي إسحاق عن البراء الآتية بعد باب، ولفظه:
((أسلمت نفسي إليك، وفَوَّضت أمري إليك، ووجَّهت وجهي إليك)) وَمَعَ بينهما أيضاً في
رواية العلاء بن المسيّب، وزاد خَصْلةً رابِعة، ولفظه: ((أسلمت نفسي إليك، ووجَّهت
وجهي إليك، وفَوَّضت أمري إليك(١)، وألجَأْتُ ظَهري إليك)) فعلى هذا فالمراد بالنَّفْسِ
هنا: الذّات، وبالوجه: القصد. وأبدَى القُرطُبيّ هذا احتمالاً بعد جَزمِه بالأوَّل.
قوله: ((أسلَمْتُ)) أي: استَسلَمت وانْقَدتُ، والمعنى: جَعَلتُ نفسى مُنقادةً لك تابِعةً
لِحُكمِك، إذ لا قُدْرة لي على تدبيرها، ولا على جَلْبِ ما يَنفَعها إليها، ولا دفع ما يَضُرّها
عنها.
وقوله («وفَوَّضْتُ أمري إليك» أي: تَوگَّلت عليك في أمري کلّه.
وقوله ((وألجَأْتُ)) أي: اعتَمَدتُ في أُموري عليك لِتُعينَني على ما يَنفَعني، لأنَّ مَن
(١) لفظة ((إليك)) سقطت من (س).

٢٣٨
باب ٦ / ح ٦٣١١
فتح الباري بشرح البخاري
١١١/١١ استَنَدَ/ إلى شيء تَقَوَّى به واستَعانَ به، وخَصَّه بالظَّهرِ لأنَّ العادة جَرَت أنَّ الإنسان يَعْتَمِد
بظهره إلى ما يَستَنِد إلیه.
وقوله ((رَغْبَةً وَرَهْبة إليك)) أي: رغبةً في رِفدك وثوابك ((ورَهبةً)) أي: خوفاً من غَضَبك
ومن عقابك.
قال ابن الجَوْزيّ: أسقَطَ ((مِن)) مع ذِكْرِ الرَّهبة، وأعمَلَ ((إلى)) مع ذِكْر الرَّغبة، وهو على
طريق الاكتفاء(١)، كقول الشّاعر(٢):
وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا
والعُيون لا تُزَجَّج، لكن لمَّا جمعهما في نَظْمِ حَلَ أحدَهما على الآخر في اللَّفظ، وكذا قال
الطِّبِيّ، ومَثَّلَ بقولِه:
مُتقلِّداً سيفاً ورُمحا(٣)
قلت: ولكن وَرَدَ في بعض طرقه بإثبات (من)) ولفظه: ((رَهبةً مِنك ورَغبةً إليك))،
أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٥٥٢) وأحمد (١٨٦١٧) من طريق حُصَين بن عبد الرَّحمن عن سعد
ابن عُبيدة.
قوله: ((لا مَلْجَأَ ولا مَنْجَا مِنْك إلّا إليك)) أصل مَلجَأ بالهمز، ومنجا بغير همز، ولكن لمَّا
◌ُمِعا جازَ أن يُهمَزا للازدواج، وأن يُترَك الهمز فيهما، وأن يُهمَز المهموز ويُترَك الآخر، فهذه
(١) وهو من إيجاز الحذف عند أهل البيان. انظر ((خزانة الأدب)) لابن حجة الحموي ٢٧٥/٢.
(٢) هو جميل بن معمر العُذري، وهو عجز بیت له صدره:
إذا ما الغانيات بَرَزْن يوماً
نسبه إليه أبو عبيد القاسم بن سلام فيما رواه الطبراني في ((الأحاديث الطوال)) (٢٩) عن علي بن
عبد العزیز عن أبي عبيد.
(٣) هذا عجز بيت صدره:
ياليت زوجك قد غدا
وهو لعبد الله بن الزِّبَعْرى. انظر ((إيضاح شواهد الإيضاح)) ٢٤٥/١.

٢٣٩
باب ٦ / ح ٦٣١١
كتاب الدعوات
ثلاثة أوجُه، ويجوز التَّوين مع القصر فتَصِير خمسةً.
قال الكِرْمانيُّ: هذان اللَّفظان إن كانا مصدَرَينٍ يَتَنَازَعان في ((مِنك)) وإن كانا ظَرفَيْنِ
فلا، إذ اسم المكان لا يعمل، وتقديره: لا مَلجَأْ مِنك إلى أحد إلّا إليك، ولا مَنجَى مِنك إلّا
إليك.
وقال الطِّييُّ: في نظم هذا الذِّكر عجائب لا يَعرِفها إلّا المتقِن من أهل البيان، فأشارَ
بقولِه: ((أسلَمت نفسي)) إلى أنَّ جَوارحه مُنقادة الله تعالى في أوامره ونواهيه، ويِقولِه: ((وجَّهت
وجهي)) إلى أنَّ ذاته مُخلِصة له بريئة من النِّفاق، وبِقولِه: ((فَوَّضت أمري)) إلى أنَّ أُموره
الخارجة والدّاخلة مُفَوَّضة إليه، لا مُدَبِّر لها غيره، ويِقولِه: ((أْجَأْتُ ظَهري)) إلى أنَّه بعد
التَّفويض يَلتَجِئ إليه ممَّا يَضُرّه ويُؤذيه من الأسباب كلّها. قال: وقوله: ((رغبة ورهبة))
منصوبان على المفعول له على طريق اللَّفّ والنَّشر، أي: فَوَّضت أُموري إليك رغبة، وألجأت
ظهري إليك رهبة.
قوله: ((آمَنْت بكتابك الذي أنزَلْتَ)) يُحتمل أن يريد به القرآنَ، ويُحتمل أن يريد اسمَ الجِنس،
فيَشْمَل كلّ كتاب أُنزِلَ.
قوله: ((ونبيّك الذي أرسَلْت)) وَقَعَ في رواية أبي زيد المروزيِّ: ((أرسَلْتَه)) و((أنزَلْته)) في
الأوّل بزيادة الضَّمیر فيهما.
قوله: ((فإن مُتّ مُتّ على الفِطْرة)) في رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق الآتية في التَّوحيد:
((من ليلتك))، وفي رواية المسيّب بن رافع: ((مَن قاهُنَّ ثمَّ ماتَ تحت لیلته)).
قال الطّييُّ: فيه إشارة إلى وقوع ذلك قبل أن يَنسَلِخِ النَّهار من الليل وهو تحته، أو
المعنى بالتَّحت، أي: مُتّ تحت نازِل يَنزِل عليك في ليلتك، وكذا معنى ((من)) في الرِّواية
الأُخرى، أي: من أجل ما يحدث في ليلتك.
وقوله: ((على الفِطْرة)) أي: على الدّين القويم مِلّةِ إبراهيم، فإنَّه عليه السلام أسلَمَ واستَسلَمَ،
قال الله تعالى عنه: ﴿جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، وقال عنه: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾

٢٤٠
باب ٦ / ح ٦٣١١
فتح الباري بشرح البخاري
[البقرة: ١٣١]، وقال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات: ١٠٣].
وقال ابن بَطّال وجماعة: المراد بالفِطْرة هنا: دين الإسلام، وهو بمعنى الحديث الآخر:
((مَن كان آخر كلامه لا إله إلّا الله دَخَلَ الجنَّة)) (١).
قال القُرطُبيّ في ((المفهم)): كذا قال الشُّيوخ، وفيه نظر، لأنَّه إذا كان قائل هذه الكلمات
المقتَضية للمعاني التي ذُكِرَت من التَّوحيد والتَّسليم والرِّضا إلى أن يموت كمَن يقول: لا
إله إلّا الله عَمَّن لم يَخْطُر له شيء من هذه الأُمور، فأين فائدة هذه الكلمات العظيمة وتلكَ
المقامات الشَّريفة؟ ويُمكِن أن يكون الجواب أنَّ كلَّ مِنهما وإن ماتَ على الفِطْرة، فبينَ الفِطْرِئَينِ
ما بين الحالتين، فِفِطرة الأوَّل فِطرة المقرَّبين، وفِطرة الثّاني فِطرة أصحاب اليمين.
قلت: وَقَعَ في رواية حُصَين بن عبد الرّحمن عن سعد بن عُبيدة في آخره عند أحمد(٢)
بَدَل قوله: «ماتَ على الفِطْرة)»: ((بُنيَ له بيت في الجنَّة))، وهو يُؤيِّد ما ذكره القُرطُبيّ.
ووَقَعَ في آخر الحديث في التَّوحيد من طريق أبي إسحاق عن البراء: ((وإن أصبَحتَ
١١٢/١١ أصَبتَ خيراً))، وكذا لمسلم (٢٧١٠) وللترمذي/ (٣٣٩٤) من طريق ابن عُيَينةَ عن أبي
إسحاق: ((فإن أصبحت أصبحت وقد أصَبت خيراً))، وهو عند مسلم (٢٧١٠) من طريق
حُصَين عن سعد بن عُبيدة، ولفظه: ((وإن أصبَحَ أصاب خيراً)) أي: صلاحاً في المال وزيادة
في الأعمال.
قوله: ((فقلت)) كذا لأبي ذرِّ وأبي زيد المَرْوزيّ، ولغيرهما: فجَعَلت أستَذكِرِهُنَّ، أي:
أتحَفَّظهُنَّ.
ووَقَعَ في رواية الثَّوريّ عن منصور الماضية في آخر كتاب الوضوء (٢٤٧): فَرَدَّدْتُها،
أي: رَدَّدت تلكَ الكلمات لأحفَظَهُنَّ. ولمسلم (٢٧١٠) من رواية جَرِير عن منصور: فَرَدَّدتُهنَّ
لأَستَذكِرَهُنَّ.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤)، وأبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ بن جبل.
(٢) لكن في إسناده علي بن عاصم، وهو ضعيف.