Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب الدعوات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الدّعَوات
وقولِ الله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية [غافر: ٦٠].
قوله: ((كتاب الدَّعَوات)) بفتحِ المهمَلتَينِ، جمع دَعوة، بفتحٍ أوَّله، وهي المسألة الواحدة،
والدُّعاء: الطَّلَب، والدُّعاء إلى الشَّيء: الحَثّ على فِعله، ودَعَوت فلاناً: سألته، ودَعَوته:
اسْتَغَئته، ويُطلَق أيضاً على رِفعة القَدر، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ, دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِى
اُلْآَخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] - كذا قال الرَّاغِب، ويُمكِّن رَدّه إلى الذي قبله - ويُطلَق الدُّعاء أيضاً على
العبادة، والدَّعوى بالقصرِ: الدُّعاء كقوله تعالى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنهُمْ﴾ [يونس: ١٠]، والادّعاء
كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَتُهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَآَ﴾ [الأعراف: ٥]، ويُطلق الدُّعاء على التَّسمية
كقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
وقال الرَّاغِب: الدُّعاء والنِّداء واحد، لكن قد يَتَجرَّد النِّداء عن الاسم، والدُّعاء لا
یکاد یَتَجرَّد.
وقال الشَّيخ أبو القاسم القُشَيريُّ في ((شرح الأسماء الحُسنَى)) ما مُلخَّصه: جاء الدُّعاء
في القرآن على وجوه: منها العبادة: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُكَ﴾ [يونس: ١٠٦]،
ومنها الاستعانة: ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]، ومنها السُّؤال: ﴿ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: ٦٠]، ومنها القول: ﴿دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠]، والنِّداء: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾
[الإسراء: ٥٣]، والثَّنَاءِ: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠].
قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿اَدْعُونِّ أَسْتَجِبٌ لَكُمْ﴾ الآية)» كذا لأبي ذرِّ، وساقَ غيره الآية إلى
قوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وهذه الآية ظاهرة في ترجيح الدُّعاء على التَّفويض. وقالت طائفة: الأفضل تَرك الدُّعاء

٢٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن الآية بأنَّ آخرها دَلَّ على أنَّ المراد بالدُّعاءِ العبادة لقولِه:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ [غافر: ٦٠]، واستَدَلّوا بحديثِ النُّعمان بن بشير عن
النبيّ ◌َ قال: ((الدُّعاء هو العبادة) ثمَّ قرأ: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُوَإِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ [غافر: ٦٠] الآية، أخرجه الأربعة، وصَحَّحَه التِّمِذيّ والحاكم(١).
وشَذَّت طائفة فقالوا: المراد بالدُّعاءِ في الآية: تَرك الذُّنوب.
وأجابَ الجمهور أنَّ الدُّعاء من أعظَم العبادة، فهو كالحديث الآخر: ((الحجّ عَرَفة))(٢)، أي:
مُعظَم الحجّ ورُكنه الأكبر.
ويُؤيِّده ما أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٧١) من حديث أنس رَفَعَه: «الدُّعاء مُخّ العبادة)).
وقد تَوَارَدَتِ الآثار عن النبيّ وَّ بِالتَّرغيبِ في الدُّعاء والحَتّ علیه، كحديث أبي هريرة
رَفَعَه: ((ليس شيءٌ أكرَم على الله من الدُّعاء)) أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٧٠) وابن ماجَهْ (٣٨٢٩)
وصَحَّحَه ابن حِبّان (٨٧٠) والحاكم (٤٩٠/١).
٩٥/١١ وحديثه رَفَعَه: ((مَن لم يسألِ الله يَغضَب عليه)) أخرجه أحمد (٩٧٠١) والبخاريّ في ((الأدب
المفرَد)» (٦٥٨) والتِّرمِذيّ (٣٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٢٧) والبزَّار (٩٤٢٥) والحاكم (٤٩١/١)
كلّهم من رواية أبي صالح الخُوزِيّ - بضمِّ الخاء المعجمة وسكون الواو ثمَّ زاي - عنه، وهذا
الخوزيّ مُخْتَلَف فيه، ضَعَّفَه ابن مَعِين وقَوّاه أبو زُرْعة، وظنَّ الحافظ ابن كثير أنَّه أبو صالح
السَّان فجَزَمَ بأنَّ أحمد تفرَّد بتخريجِه، وليس كما قال، فقد جَزَمَ شيخه المِّيّ في ((الأطراف» بما
قلتُه. ووَقَعَ في رواية البَزَّار والحاكم(٣): عن أبي صالح الخوزيّ سمعت أبا هريرة.
(١) أخرجه أبو داود (١٤٧٩)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، والترمذي (٢٩٦٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٤٠٠)،
والحاكم ٤٩١/١، و کذا صححه ابن حبان (٨٩٠).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٧٧٣)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦ و٣٠٤٤)، وابن
ماجه (٣٠١٥) من حديث عبد الرحمن بن يعمر.
(٣) لم يأت ذلك عند الحاكم في الرواية، وإنما من قوله بإثر الحديث، لكن جاء تقييده بالخوزي أيضاً في رواية
(«الأدب المفرد».

٢٠٣
كتاب الدعوات
قال الطِّييُّ: معنى الحديث: أنَّ مَن لم يسأل الله يُغِضْه، والمبغوض مَغضوب عليه، والله
◌ُحِبّ أن يُسأل. انتهى.
ويُؤيِّده حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((سَلُوا الله من فضله، فإنَّ الله يُحِبّ أن يُسأل)) أخرجه
التِّرمِذيّ (٣٥٧١).
وله (٣٥٤٨) من حديث ابن عمر رَفَعَه: ((إنَّ الدُّعاء يَنفَع ممَّا نزلَ ومَّا لم يَنزِل، فعليكم
عباد الله بالدُّعاء) وفي سنده لين، وقد صَخَّحَه مع ذلك الحاكم (١/ ٤٩٣)!
وأخرج الطبرانيُّ في ((الدُّعاء)) (٢٠) بسندٍ رجاله ثقات إلّا أنَّ فيه عَنعَنةَ بَقِيَّة(١)، عن
عائشة مرفوعاً: ((إنَّ الله يُحِبّ الملِحّينَ في الدُّعاء)).
وقال الشَّيخ تَقيّ الدّين السُّبكيّ: الأَوْلى حَمَل الدُّعاء في الآية على ظاهره، وأمَّا قوله
بعد ذلك: ﴿عَنْ عِبَادَتِ﴾ [غافر: ٦٠] فوجه الرَّبط أنَّ الدُّعاء أخصّ من العبادة، فمَن
استَكبَرَ عن العبادة استَكبَرَ عن الدُّعاء، وعلى هذا فالوعيد إنَّما هو في حَقّ مَن تَرَكَ
الدُّعاء استكباراً، ومَن فعل ذلك كفرَ، وأمَّا مَن تَرَكَه لِمَقصَد من المقاصد فلا يَتَوجَّه إليه
الوعيد المذكور، وإن كنّا نَرَى أنَّ مُلازَمة الدُّعاء والاستكثار مِنه أرجَح من التَّرك، لِكَثْرة
الأدلة الواردة في الحثّ عليه.
قلت: وقد دَلَّتِ الآية الآتية قريباً في السّورة المذكورة أنَّ الإجابة مُشتَرَطة بالإخلاص،
وهو قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥].
وقال الطِّييُّ: معنى حديث التُّعمان أن تُحمَل العبادة على المعنى اللُّغَويّ، إذ الدُّعاء: هو
إظهار غاية الَّذَلُّل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وما شُرِعَتِ العبادات إلّا للخُضوع
للباري وإظهار الافتقار إليه، ولهذا خَتَمَ الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِ﴾ [غافر: ٦٠]، حيثُ عَبَّرَ عن عَدَم التَّذَلَّل والتُضوع بالاستكبار، ووضَعَ عبادَتي موضع
دعائي، وجَعَلَ جزاءَ ذلك الاستكبارِ الصَّغَارَ والهوانَ.
(١) قال الحافظ في ((التلخيص)) ٩٥/٢: تفرد به يوسف بن السَّفَر عن الأوزاعي، وهو متروك، وكان بقيّة
ربما دَلَّسَه.

٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
وحكى القُشَيرِيُّ في ((الرِّسالة)) الخِلاف في المسألة فقال: اختُلِفَ في أيّ الأمرَينِ أَوْلى:
الدُّعاء أو السُّكوت والرِّضا؟ فقيلَ: الدُّعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لِكَثْرة الأدلّة،
ولما فيه من إظهار الخُضوع والافتقار. وقيل: السُّكوت والرِّضا أولى لما في التَّسليم من
الفضل.
قلت: وشُبهَتهم أنَّ الدّاعي لا يَعرِف ما قُدِّرَ له، فدعاؤه إن كان على وَفْق المقدور فهو
تحصيل الحاصل، وإن كان على خِلَافه فهو مُعانَدة.
والجواب عن الأوَّل: أنَّ الدُّعاء من جُملة العبادة لما فيه من الخُضوع والافتقار. وعن
الثّاني: أنَّه إذا اعتَقَدَ أنَّه لا يقع إلّا ما قَدَّرَ الله تعالى كان إذعاناً لا مُعانَدة، وفائدة الدُّعاء تحصيل
الثَّواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعوّ به موقوفاً على الدُّعاء، لأنَّ الله خالق الأسباب
ومُسَيَّباتها.
قال: وقالت طائفة: ينبغي أن يكون داعياً بلسانه راضياً بقلبِه، قال: والأولى أن يقال:
إذا وجَدَ في قلبه إشارة إلى (١) الدُّعاء، فالدُّعاء أفضل وبالعكس.
قلت: القول الأوَّل أعلى المقامات أن يَدعُوَ بلسانه ويَرضَى بقلِهِ، والثّاني: لا يَتَأَى من
كلّ أحد بل ينبغي أن يَخْتَصّ به الكَمَلَةُ. قال القُشَيرِيُّ: ويَصِحّ أن يقال: ما كان لله أو للمسلمينَ
فيه نصيبٌ فالدُّعاء أفضل، وما كان للنَّفْسِ فيه حَظُّ فالسُّكوت أفضل.
وعَبَّرَ ابن بَطّال عن هذا القول لما حكاه بقولِه: يُستَحَبّ أن يَدعُوَ لغيره ويَتْرُك لنفسِه.
وعُمدة مَن أوَّلَ الدُّعاء في الآية بالعبادة أو غيرها قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ
إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، وإنَّ كثيراً من الناس يَدعُو فلا يُستجاب له، فلو كانت على ظاهرها
لم يَتَخلَّف.
والجواب عن ذلك أنَّ كلّ داع يُستَجاب له، لكن تتنوّع الإجابة:/ فتارةً تقع بعينِ ما دَعَا
٩٦/١١
(١) حرف ((إلى)) سقط من (س).

٢٠٥
باب ١ / ح ٦٣٠٤
كتاب الدعوات
به، وتارةً بعِوَضِه، وقد وَرَدَ في ذلك حديث صحيح، أخرجه التِّرمِذيّ (٣٥٧٣) والحاكم (١)
من حديث عُبادة بن الصّامت رَفَعَه: ((ما على الأرض مسلم يَدعُو بدَعوةٍ إلّ آتاه الله إيّاها،
أو صَرَفَ عنه من السّوء ◌ِمِثلها)).
ولأحمد من حديث أبي هريرة (٩٧٨٥): ((إمّا أن يُعَجِّلها له، وإمّا أن يدَّخِرها له)).
وله (١١١٣٣) من حديث أبي سعيد رَفَعَه: «ما من مسلم يَدعُو بدَعوةٍ ليس فيها إثمٌ
ولا قَطيعةُ رَحِم، إلّا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمّا أن يُعَجِّل له دَعْوته، وإمّا أن يَدَّخِرها
له في الآخرة، وإمّا أن يَصرِف عنه من السّوء مِثلها)». وصَحَّحَه الحاكم (٤٩٧/١). وهذا
شرط ثانٍ للإجابة.
ولها شُروط أُخرى منها: أن يكون طيِّب المطعَم والملبَس لحديثِ: ((فأنَّى يُستَجاب
لذلك؟!))، وسيأتي بعد عشرينَ باباً من حديث أبي هريرة(٢).
ومنها: ألّا يكون يَستَعَجِل لحديثِ: ((يُستَجاب لأحدِكم ما لم يَقُل: دَعَوتُ فلم يستجبْ
لي)) أخرجه مالك (٢١٣/١).
١ - بابٌ ((لكلّ نبيِّ دعوةٌ مستجابةٌ»
٦٣٠٤ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حذَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((لِكلِّ نبيِّ دَعْوةٌ مستجابةٌ يَدْعو بها، وأُرِيدُ أن أختَبِىَ دَعْوَتي شَفاعةً
لأُمّتي في الآخِرِ».
[طرفه في: ٧٤٧٤]
(١) كذا نسبه الحافظ للحاكم وهو ذهول منه رحمه الله، فليس هو في ((مستدركه))، ولم ينسبه إليه الحافظ نفسه
في («إتحاف المهرة)) (٦٨٢١)، وإنما اقتصر هناك على عزوه لعبد الله بن أحمد بن حنبل في زياداته على
(«المسند»، وهو فيه برقم (٢٢٧٨٥)، وانظر تمام تخريجه فيه.
(٢) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، لأنَّ هذا الحديث لم يروه البخاري، وإنما هو من أفراد مسلم، إذ أخرجه
من حديث أبي هريرة برقم (١٠١٥)، وأما الذي سيأتي بعد عشرين باباً من حديث أبي هريرة أيضاً برقم
(٦٣٤٠) فهو حديث استعجال الدعاء الذي سيذكره الحافظ، وهو من طريق مالك، فحقُّ هذه العبارة
أن تكون بعد قوله: أخرجه مالك.

٢٠٦
باب ١ / ح ٦٣٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
٦٣٠٥ - وقال مُعتَمِرٌ: سمعتُ أبي، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((كلُّ نبيٍّ سألَ سُؤالاً
- أو قال: لكلِّ نبيِّ دَعْوةٌ قد دَعَا بها - فاستُجِيبَ، فَجَعَلْتُ دَعْوَتي شَفاعةً لأَمَّتي يومَ القيامةِ)).
قوله: ((باب لِكلِّ نبيّ دَعْوة مُسْتَجابة)) كذا لأبي ذرٍّ، وسَقَطَ لفظ ((باب)) لغيره، فصارَ من
جُملة التَرجمة الأولى. ومُناسَبتها للآية الإشارة إلى أنَّ بعض الدُّعاء لا يُستَجابَ عيناً.
قوله: ((إسماعيل)) هو ابن أبي أُويس.
قوله: ((مُسْتَجابة)) كذا لأبي ذرّ، ولم أرَها عند الباقينَ، ولا في شيء من نُسَخ((الموطَّأ)(١).
قوله: ((يَذْعو بها)) زاد في رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: ((فَتَعَجَّلَ كلّ نبيّ
دَعَوته)»(٢)، وفي حديث أنس ثاني حديثَي الباب: ((فاستُجيبَ له)).
قوله: ((وأُريد أن أختَيِئِ دَعْوتي شفاعة لأُمَّتي في الآخِرة)) وفي رواية أبي سَلَمة عن أبي
هريرة الآتية في التَّوحيد (٧٤٧٤): ((فأُريد إن شاء الله أن أختَبِئ))، وزيادة: ((إن شاء الله)) في
هذا للتَّرُّكِ.
ولمسلمٍ من رواية أبي صالح عن أبي هريرة: ((وإنّ اختبَأْتُ))، وفي حديث أنس:
((فجَعَلت دَعوتي))، وزادَ: ((يوم القيامة))(٣)، وزاد أبو صالح: ((فهي نائلة إن شاء الله مَن
ماتَ من أمَّتي لا يُشِرِك بالله شيئاً)). وقوله: ((مَن ماتَ)) في مَحَلّ نصب على المفعوليَّة، و((لا
يُشِرِك بالله)) في محلّ نصب على الحال. والتَّقدير: شَفاعَتي نائلة مَن ماتَ غيرَ مُشِرِك، وكأنَّه وَله.
أراد أن يُؤَخِّرِها، ثمَّ عَزَمَ ففَعَلَ ورَجا وقوع ذلك، فأعلمَه الله به فجَزَمَ به، وسيأتي تَتِمّة
الكلام على الشَّفاعة وأنواعها في أوَّل(٤) كتاب الرِّقاق (٦٥٥٨ و٦٥٦٥ و٦٥٧٣) إن شاء الله
تعالى.
(١) بل لم تأت في رواية الأعرج عن أبي هريرة، لكنها جاءت في رواية غيره عن أبي هريرة عند مسلم (١٩٩)
وغيره.
(٢) عند مسلم (١٩٩) وغيره.
(٣) وهي كذلك في رواية أبي صالح عن أبي هريرة، فكان الحقُّ أن يقول: وزادا.
(٤) بل في آخر كتاب الرقاق.

٢٠٧
باب ١ / ح ٦٣٠٥
كتاب الدعوات
وقد استُشكِلَ ظاهر الحديث بما وَقَعَ لِكثيرٍ من الأنبياء من الدَّعَوات المجابة ولا سيَّما
نبيّنا وَِّ، وظاهره أنَّ لِكلِّ نبيّ دَعوة ◌ُجابة فقط.
والجواب أنَّ المراد بالإجابة في الدَّعوة المذكورة القطعُ بها، وما عدا ذلك من دَعَواتهم
فهو على رجاء الإجابة.
وقيل: معنى قوله: ((لِكلِّ نبيّ دَعوة)) أي: أفضل دَعَواته، ولهم دَعَوات أُخرى.
وقيل: لِكُلِّ منهم دَعوة عامّة مُستَجابة في أمَّته، إمّا بإهلاكهم وإمّا بنَجاتهم، وأمَّ الدَّعَوات
الخاصّة، فمنها ما/ يُستَجاب، ومنها ما لا يُستَجاب.
٩٧/١١
وقيل: لِكُلٌّ منهم دَعوة تَخُصّه لِدُنياه أو لنفسِه، كقولِ نوح: ﴿لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦]،
وقول زَكَرِيّا: ﴿فَهَبْ لِ مِن لَّهُنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنى﴾ [مريم:٥-٦]، وقول سليمان: ﴿وَهَبْ لِ
مُلْكَا لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىّ﴾ [ص:٣٥]. حكاه ابن التِّين.
وقال بعض شُرّاح ((المصابيح)) ما لفظه: اعلم أنَّ جميع دَعَوات الأنبياء مُستَجابة، والمراد
بهذا الحديث: أنَّ كلّ نبيّ دَعَا على أمَّته بالإهلاكِ إلّا أنا فلم أدعُ، فأُعطيت الشَّفاعة عوضاً
عن ذلك للصَّيرِ على أذاهم، والمراد بالأُمّة: أمّة الدَّعوة لا أمّة الإجابة.
وتَعقَّبَه الطِّيبِيُّ: بأنَّه وَِّ دَعَا على أحياء من العرب، ودَعا على أُناس من قُريش
بأسمائهم، ودَعا على رِعْل وذَكْوان، ودَعا على مُضَر، قال: والأولى أن يقال: إنَّ الله جَعَلَ
لِكُلِّ نبِيّ دَعوة تُستَجاب في حَقّ أمّته فنالها كلّ منهم في الدُّنيا، وأمّا نبيّنا فإنَّه لمَّا دَعَا على
بعض أمَّته نزلَ عليه: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فَبَقَّى تلكَ
الدَّعوة المستَجابة مُدَّخَرةً للآخِرة، وغالب مَن دَعَا عليهم لم يُرِد إهلاكهم، وإنَّما أراد
رَدعَهم ليَتوبوا.
وأمَّا جَزمُه أوّلاً بأنَّ جميع أدعيَتهم مُستَجابة ففيه غفلة عن الحديث الصَّحيح: ((سألت الله
ثلاثاً فأعطاني اثنتَينِ ومَنَعَني واحدة)) الحديث(١).
(١) أخرجه مسلم (٢٨٩٠) من حديث سعد بن أبي وقاص.

٢٠٨
باب ٢
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بَطّال: في هذا الحديث بيان فضيلةِ نبيّا وَ ﴿ على سائر الأنبياء حيثُ آثَرَ أمَّته على
نفسه وأهل بيته بدَعوتِه المجابة، ولم يجعلها أيضاً دعاء عليهم بالهلاكِ، كما وَقَعَ لغيره ثمّن
تقدَّمَ.
وقال ابن الجَوْزيّ: هذا من حُسن تَصَرُّفه وَل﴿ لأنَّه جَعَلَ الدَّعوة فيما ينبغي، ومن كَثْرة
كَرَمه لأَنَّه آثَرَ أمَّته على نفسه، ومن صِحّة نظره لأنَّه جعلها للمُذِنِين من أمَّته لِگونهم أحوجَ
إليها من الطائعينَ.
وقال النَّوويّ: فيه كمال شَفَقَتِه ◌ِوَه على أمَّته ورأفَتُه بهم واعتناؤُه بالنَّظَرِ في مصالحهم،
فجعَل دعوته في أهمّ أوقات حاجتهم.
وأمَّا قوله: ((فهي نائلة)) ففيه دليل لأهلِ السُّنّة أنَّ مَن ماتَ غير مُشِرِك لا يُحُلَّد في النار،
ولو ماتَ مُصِرّاً على الكبائر.
قوله: ((وقال مُعتَمِرٍ)) هو ابن سليمان التَّيْمَيّ، كذا للأكثرِ، وبِهِ جَزَمَ الإسماعيليّ والحميديّ.
لكن عند الأَصِيلِيّ وكَرِيمة في أوَّله: قال لي خليفة: حدَّثْنا مُعتَمِر. فعلى هذا هو مُتَّصِل، وقد
وَصَلَه أيضاً مسلم (٣٤٤/٢٠٠) عن محمَّد بن عبد الأعلى عن مُعتَمِر.
قوله: ((كلُّ نبِيّ سألَ سؤالاً أو قال: لِكلِّ نبيّ دَعْوة)) هكذا وَقَعَ بالشكّ، ولم يَسُق مسلم
لفظه بل أحالَ به على طريق قَتَادة عن أنس، وقد أخرجه ابن مَندَهْ في كتاب ((الإيمان))
(٩١٨) من طريق محمّد بن عبد الأعلى به، ومن طريق الحسن بن الرَّبيع ومُسدّد وغيرهما
عن مُعتَمِر بالشكّ، ولفظه: ((كلّ نبيّ قد سألَ سؤالاً، أو قال: لِكلِّ نبيّ دَعوة قد دَعَا بها))
الحديث، ولفظ قَتَادة عند مسلم (٢٠٠/ ٣٤١): ((لِكُلِّ نبِيّ دَعوة دعاها لأُمَّتِه)) فذكره ولم
يَشُقّ.
٢ - باب أفضل الاستغفار
وقولِه تعالى: ﴿اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ، كَانَ غَفَّارًا﴾ الآية [نوح: ١٠- ١٢]، ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا
فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥].

٢٠٩
باب ٢
كتاب الدعوات
قوله: ((باب أفضل الاستِغْفار)) سَقَطَ لفظ ((باب)) لأبي ذرٍّ. وَقَعَ في ((شرح ابن بَطّال)) ٩٨/١١
بلفظ ((فضل الاستغفار))، وكأنّه لمَّا رأى الآيتينِ في أوَّل التَرجمة وهما دالَّتان على الحَثّ على
الاستغفار ظنَّ أنَّ التَّرجمة لِبيان فضيلة الاستغفار، ولكنَّ حديث الباب يُؤَيِّد ما وَقَعَ عند الأكثر.
وكأنَّ المصنّف أراد إثبات مشروعيَّة الحَثّ على الاستغفار بذِكْر الآيَتَيْنِ، ثمَّ بَيَّن بالحديث أَولى
ما يُستَعمَل من ألفاظه، وتَرجَمَ بالأفضليَّة. ووَقَعَ الحديث بلفظ السّيادة، وكأنَّه أشارَ إلى أنَّ
المراد بالسّيادة الأفضليَّة، ومعناها: الأكثر نفعاً لمُستَعمِلِه.
ومن أوضح ما وَقَعَ في فضل الاستغفار ما أخرجه الترمذيّ وغيره(١) من حديث يَسار
ابن زيد (٢) مرفوعاً: ((مَن قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلّا هو الحيّ القَيُّوم وأتوب إليه،
غُفِرَت ذنوبُه وإن كان فرَّ من الَّحف)). قال أبو نُعَيم الأصبهانيّ: هذا يدلُّ على أنَّ بعض
الكَبائر تُغْفَر ببعضِ العَمَل الصالح، وضابِطه الذَّنوب التي لا توجِب على مُرتَكِبها حُكماً في
نفس ولا مال.
ووجه الدّلالة مِنه أنَّ مَثَّلَ بالفِرار من الزَّحف، وهو من الكبائر، فدَلَّ على أنَّ ما كان
مِثْلَه أو دونَه يُغْفَر إذا كان مِثْلَ الفِرار من الزّحف، فإنَّه لا یوچِب علی مُرتَکِهِ حُكماً في نفس
ولا مال.
قوله: ((وقوله تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ، كَانَ غَفَّارًا﴾ الآية)) كذا رأيت في نُسخة
مُعتمَدة من رواية أبي ذرٍّ، وسَقَطَتِ الواو من رواية غيره، وهو الصَّواب، فإنَّ التِّلاوة ﴿ فَقُلْتُ
اُسْتَغْفِرُواْرَبَّكُمْ﴾، وساقَ غير أبي ذرِّ الآية إلى قوله تعالى: ﴿أَنْهَرًا﴾ [نوح: ١٢].
وكأنَّ المصنّف لَمَحَ بذِكْر هذه الآية إلى أثر الحسن البصريّ: أنَّ رجلاً شَكَى إليه الجَدْبَ،
(١) أخرجه أبو داود (١٥١٧)، والترمذي (٣٥٧٧). وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من
هذا الوجه.
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى! مع أنَّ الرواية ليسار بن زيد عن أبيه، وأبوه زيد مولى النبي ◌َّة، فلعله سقط
قوله: ((عن أبيه)) من قلم الحافظ سهواً، والله أعلم. وقوله: ((يسار بن زيد)) أثبتناه من (ع) على الصواب، وتحرَّف
قوله: ((بن زيد)) في (أ) و(س) إلى: وغيره.

٢١٠
باب ٢
فتح الباري بشرح البخاري
فقال: استَغْفِر الله، وشَكَى إليه آخرُ الفقرَ فقال: استَغْفِر الله، وشَكَى إليه آخرُ جَفافَ بُستانه،
فقال: استَغْفِر الله، وشَكَى إليه آخرُ عَدَم الولد، فقال: استَغْفِر الله، ثمَّ تلا عليهم هذه
الآية.
وفي الآية حَثّ على الاستغفار، وإشارة إلى وقوع المغفرة لمن استَغفَر، وإلى ذلك أشارَ
الشّاعر بقولِه:
لو لم تُرِدْنَيلَ ما أرجو وأطلُبُه من جُودِ كَفَّيكَ ما عَلَّمْتَنِي الطَّلَبا
قوله: (﴿ وَأَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره
إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
واختُلِفَ في معنى قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾، فقيلَ: إنَّ قوله: ﴿فَأَسْتَغْفَرُواْ﴾ تفسير للمُرادِ
بالذِّكر، وقيل: هو على حذف تقديره: ذَكَروا عقاب الله، والمعنى: تَفَكَّروا في أنفُسهم أنَّ الله
سائلُهم فاستَغفَروا لِذُنوِهِم، أي: لأجْلِ ذُنوبهم. وقد وَرَدَ في حديث حسن صِفَةُ
الاستغفار المشار إليه في الآية، أخرجه أحمد والأربعة وصحَّحه ابن حبّان من حديث عليّ
ابن أبي طالب، قال: حدَّثني أبو بكر الصِّدّيق رضي الله عنهما - وصَدَقَ أبو بكر -، سمعت
النبيّ ◌َّه يقول: ((ما من رجل يُذْنِب ذنباً، ثمَّ يقوم فيَتَطَهَّر فيُحسِن الطُّهور، ثمَّ يَستَغِفِر الله
٩٩/١١ عزَّ وجلَّ إلّا غُفِرَ له)) ثمَّ ثَلا: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ / الآية [آل عمران: ١٣٥](١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ فيه إشارة إلى أنَّ مِن شَرط قَبُول الاستغفار أن
يُقلِع المستَغفِر عن الذَّنب، وإلّا فالاستغفار باللِّسان مع التَّلُبُّس بالذَّنبِ كالتَّلاعُبِ.
وورد في فضل الاستغفار والحثّ علیه آيات كثيرة، وأحاديث كثيرة، منها: حديث أبي
سعيد رَفَعَه: ((قال إبليس: يا رَبّ لا أزال أُغويهم ما دامَت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله
تعالى: وعِزَّتي لا أزالُ أغفِر لهم ما استَغْفَروني)) أخرجه أحمد (١١٢٣٧).
(١) أخرجه أحمد (٢)، وأبو داود (١٥٢١)، وابن ماجه (١٣٩٥) والترمذي (٤٠٦) و(٣٠٠٦)، والنسائي
في «الكبرى» (١٠١٧٨).

٢١١
باب ٢ / ح ٦٣٠٦
كتاب الدعوات
وحديث أبي بكر الصِّدّيق رَفَعَه: «ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، ولو عادَ في اليوم سبعينَ مرَّة)»
أخرجه أبو داود (١٥١٤) والتِّرمِذيّ (٣٥٥٩).
وذكر السَّبعينَ للمُبالَغة، وإلّا ففي حديث أبي هريرة الآتي في التَّوحيد (٧٥٠٧) مرفوعاً:
(إنَّ عبداً أذنَبَ ذَنباً فقال: رَبّ إنّي أذنَبت ذَنباً، فاغفِر لي، فغَفَرَ له)) الحديث، وفي آخره:
((علمَ عبدي أنَّ له رَبّاً يَغْفِرِ الذَّنب ويأخذ به، اعمَل ما شِئت فقد غَفَرت لك)).
٦٣٠٦ - حدّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثْنا الحسينُ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ بُرَيدةَ،
عن بُشَيِرِ بنِ كَعْبِ العَدَوِيِّ، قال: حدَّثني شدَّادُ بنُ أوْسٍ ، عن النبيِّ ◌َّ: «سَيِّدُ الاستِغْفار
أن يقول: اللهمَّ أنتَ رَبّي لا إلهَ إلّا أنتَ، أنتَ خَلَقْتَني وأنا عبدُكَ، وأنا على عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما
استَطَعْتُ، أعوذُ بكَ من شَرِّ ما صَنَعْتُ، أَبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عليَّ وأبُوءُ لك بذَّنْبي، فاغفِر لي،
فإِنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إلّا أنتَ)) قال: ((ومَن قالها منَ النَّهار مُوقِناً بها، فماتَ من يومِه قبلَ أن
يُمْسِيَ فهو من أهلِ الجنَّةِ، ومَن قالها منَ اللَّيلِ وهو مُوقِنٌّ بها، فماتَ قبلَ أن يُصْبِحَ فهو من أهلِ
الجنَّةِ)).
[طرفه في: ٦٣٢٣]
قوله: ((حدَّثْنا الحسين)) هو ابن ذَكْوانَ المعلِّم. ووَقَعَ عند النَّسائيِّ (٥٥٢٢) من رواية غُندَر:
حدَّثنا الحسين المعلِّم، وكذا عند الإسماعيليّ من طريق يحيى القَطّان: عن حُسَينٍ المعلِّم.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن بُرَيدة)) أي: ابن الحُصيب الأسلميّ.
قوله: ((حذَّثني بُشَير)) بالموخَّدة ثمَّ المعجَمة مُصغَّر. وقد تابَعَ حُسَيناً على ذلك ثابتٌ
البُنانيُّ وأبو العَوّام عن عبد الله بن بُرَيدة(١)، ولكنَّهما لم يَذكُرا بُشَير بن كعب، بل قالا: عن
ابن بريدة عن شدَّاد. أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٣٤٢).
وخالَفَهم الوليد بن ثَعْلبة، فقال: عن ابن بُرَيدة عن أبيه. أخرجه الأربعة إلّا التِّرمِذيّ(٢)،
(١) جاء في (أ) و(س): بريدة بدل: عبد الله بن بريدة، والمثبت على الصواب من (ع).
(٢) أبو داود (٥٠٧٠)، وابن ماجه (٣٨٧٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٧٦٤).

٢١٢
باب ٢ / ح ٦٣٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وصَحَّحَه ابن حِبّان (١٠٣٥) والحاكم (٥١٤/١-٥١٥) لكن لم يقع في رواية الوليد أوَّل
الحديث، قال النَّسائيُّ: حُسَين المعلِّم أثبت من الوليد بن ثَعْلبة، وأعلم بعبد الله ابن بُرَيدة،
وحديثه أولى بالصَّوابِ.
قلت: كأنَّ الوليد سَلَكَ الجادّة، لأنَّ جُلّ رواية عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه، وكأنَّ مَن
صَخَّحَه جَوَّزَ أن يكون عن عبد الله بن بُرَيدة على الوجهَين، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثني شدَّاد بن أوْس)) أي: ابن ثابت بن المنذر بن حَرام - بمُهمَلَتَينٍ - الأنصاريّ،
ابن أخي حسَّان بن ثابت الشّاعر، وشدَّاد صحابيّ جَليل نزلَ الشّام، وكُنْيته أبو يَعْلى. واختُلِفَ
في صُحْبة أبيه، وليس لِشدَّادِ في البخاريّ إلّ هذا الحديثُ الواحدُ.
قوله: ((سَيِّد الاسْتِغْفار)) قال الطِّييُّ: لمَّا كان هذا الدُّعاء جامعاً لمعاني التَّوبة كلّها
استُغيرَ له اسم السَّيِّد، وهو في الأصل: الرّئيس الذي يُقصَد في الحوائج، ويُرجَع إليه في
لأُمور.
قوله: ((أن يقول)) أي: العَبد. وثَبَتَ في رواية أحمد (١٧١١١) والنَّسائيُّ (ك٧٩٠٨): «إنَّ
سَيِّد الاستغفار: أن يقول العَبد)). وللِّرمِذيِّ (٣٣٩٣) من رواية عثمان بن ربيعة عن شدَّاد:
((ألا أدُلَك على سَيِّد الاستغفار؟)). وفي حديث جابر عند النَّسائيِّ (ك١٠٢٢٨): ((تَعلَّموا
سَيِّد الاستغفار».
قوله: ((لا إله إلّا أنتَ، أنت خَلَقْتني)) كذا في نُسخة مُعتمَدة بتكرير ((أنتَ)) وسَقَطَتِ الثّانية
من مُعظَم الرِّوايات.
ووَفَعَ عند الطبرانيِّ (٧٨٧٩) من حديث أبي أمامةَ: ((مَن قال حين يُصبح: اللهمَّ لك الحمد
لا إله إلّا أنتَ)) والباقي نحو حديث شدَّاد، وزاد فيه: ((آمَنت لك(١) مُخُلِصاً لك ديني))(٢).
(١) كذا في الأصلين و(س)! والذي في مطبوع الطبراني: بك، وكذا في مطبوع ((الأوسط)) له (٣٠٩٦)، وفي ((الدعاء))
له (٣١٠).
(٢) في إسناده علي بن يزيد الألهاني، وهو منكر الحديث، وتركه بعضهم.

٢١٣
باب ٢ / ح ٦٣٠٦
كتاب الدعوات
قوله: ((وأنا عبدك)) قال الطِّييُّ: يجوز أن تكون [حالاً](١) مُؤكِّدة، ويجوز أن تكون مُقدَّرة،
أي: أنا عابِد لك، ويُؤْيِّده عَطف قوله: ((وأنا على عهدك)).
قوله: ((وأنا على عَهْدك)) سَقَطَتِ الواو في رواية النَّسائيّ (ك١٠٢٢٥). قال الخطَّبيُّ:
يريد أنا على ما عاهدتُك عليه وواعَدتُك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، ما استَطَعت
من ذلك. ويحتمل أن يريد: أنا مُقيم على ما عَهِدت إليَّ من أمرك، ومُتَمسِّك به، ومُتَنَجِّزٌ وعدك
في المثوبة والأجر.
واشتراط الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجزِ والقُصور عن كُنْه الواجب من
حقّه تعالى.
وقال ابن بَطّال: قوله: ((وأنا على عهدك ووعدك)) يريد العهد الذي أخَذَه الله على عباده
حيثُ أخرجهم أمثالَ الذَّرّ، وأشهَدَهم على أنفسهم ألست برَبِّكم؟ فأقَرّوا له بالرُّبوبيَّة،
وأذعَنوا له بالوَحدانيَّة. وبالوعدِ ما قال على لسان نبيّه: إنَّ/ مَن ماتَ لا يُشرك بالله شيئاً، ١٠٠/١١
وأدَّى ما افتَرَضَ عليه أن يُدخِله الجنَّة.
قلت: وقوله: وأدَّى ما افتَرَضَ عليه، زيادة ليست بشرطٍ في هذا المقام لأنه جَعَلَ المراد
بالعهدِ الميثاق المأخوذ في عالم الذَّرّ، وهو التَّوحيد خاصّة، فالوعد هو إدخال مَن ماتَ على
ذلك الجنَّة.
قال: وفي قوله: ((ما استَطَعت)) إعلام لأُمَّتِهِ أنَّ أحداً لا يَقدِر على الإتيان بجميع ما
يجب عليه لله، ولا الوفاء بكمال الطاعات والشُّكر على النِّعَم، فَرَفَقَ الله بعبادِه، فلم يُكلِّفهم
من ذلك إلّا وُسعَهم.
وقال الطِّييُّ: يحتمل أن يُراد بالعهدِ والوعد ما في الآية المذكورة. كذا قال، والتَّفريق
بين العهد والوعد أوضَح.
(١) لفظة ((حالاً)) سقطت من الأصلين و(س)، والصواب إثباتها، وهي ثابتة في ((عمدة القاري)) للعيني
٢٧٨/٢٢.

٢١٤
باب ٢ / ح ٦٣٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أَبُوءُ لك بنِعْمَتِك عليَّ)) سَقَطَ لفظ: ((لك)) من رواية النَّسائيّ(١). و((أَبُوءُ))
بالموخَّدة والهمز ممدود، معناه: أعتَرِف. ووَقَعَ في رواية عثمان بن ربيعة عن شدَّاد:
((وأعتَرِف بذُنوبي)). وأصله البَوَاء، ومعناه: اللَّزوم، ومنه: بَوَّأه الله منزلاً: إذا أسكَنَه، فكأنَّه
ألزَمَه به.
قوله: ((وأبوء لك بذَنْبي)) أي: أعتَرِف أيضاً. وقيل: معناه: أحمِلُهُ بَرَغْمي، لا أستطيع صَرفه
عنِّي.
وقال الطِّييُّ: اعتَرَفَ أوَّلاً بأنَّه أنعَمَ عليه، ولم يُقَيِّده لأنَّه يَشمَل أنواع الإنعام، ثمَّ
اعتَرَفَ بالتَّقصير، وأنَّه لم يَقُم بأداءِ شُكرها، ثمَّ بالَغَ فعَدَّه ذَنباً مُبالَغة في التَّقصير وهَضْمِ
النَّفْس.
قلت: ويحتمل أن يكون قوله: ((أبوء لك بذَنبي)): أعتَرِف بوقوع الذَّنب مُطلَقاً ليَصِحّ
الاستغفار مِنه، لا أنَّه عَدَّ ما قَصَّرَ فيه من أداء شُكر(٢) النِّعَمْ ذَنباً.
قوله: «فاغفِر لي، إنَّه (٣) لا يَغْفِرِ الذُّنوب إلّا أنتَ)) يُؤْخَذ مِنه أنَّ مَن اعتَرَفَ بذَنِهِ غُفِرَ له،
وقد وَقَعَ صريحاً في حديث الإفك الطّويل وفيه: ((العَبد إذا اعتَرَفَ بِذَنِه وتابَ، تابَ الله
عليه)»(٤).
قوله: ((مَن قالها مُوقِناً بها)) أي: مُخُلِصاً من قلبه مُصَدِّقاً بثوابها.
وقال الدَّاوُوديّ: يحتمل أن يكون هذا من قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، ومثل
(١) لم نقف عليه ساقطاً في شيء من روايات النسائي لحديث شداد بن أوس، وإنما سقط من رواية الوليد بن
ثعلبة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، عند بعض من تقدم ذكرهم ممن خرج الحديث من هذه الطريق.
(٢) لفظة ((شكر)) سقطت من الأصلين، وأثبتناها من (س).
(٣) كذا في الأصلين و(س)، خلافاً لما في اليونينية، حيث جاء فيها: فإنه، دون إشارة إلى أيّ خلاف بين رواة
البخاري، وهذا في حديث شداد بن أوس، وإلّا فقد جاء بحذف الفاء في رواية الوليد بن ثعلبة عن عبد الله
ابن بريدة عن أبيه عند بعض من خرَّج الحديث من طريقه ممن تقدم ذكرهم.
(٤) سلف برقم (٢٦٦١).

٢١٥
باب ٢ / ح ٦٣٠٦
كتاب الدعوات
قول النبيّ وَّه في الوضوء(١) وغيره، لأنَّه بُشِّرَ بالثَّابِ ثمَّ بُشِّرَ بأفضلَ مِنه، فثَبَتَ الأوَّل وما زِيدَ
عليه، وليس يُبِشَر بالشَّيءٍ ثمَّ يُشَر بأقلّ مِنه مع ارتفاع الأوَّل.
ويحتمل أن يكون ذلك ناسخاً وأن يكون هذا فيمَن قالها وماتَ قبل أن يَفْعَلَ ما تُغفَر
له به ذُنوبه، أو يكون ما فعَلَه من الوضوء وغيره لم يَنتَقِل مِنه بوجهٍ ما، والله سبحانه وتعالى
يفعل ما يَشاء. كذا حكاه ابن التِّين عنه، وبعضه يحتاج إلى تأمُّل.
قوله: (ومن قاها من النّهار» في روایة النّسائيّ: «فإن قاها حین یُصبح))، وفي رواية عثمان
ابن ربيعة: «لا یقوها أحدكم حين يُمسي، فیأتي علیه قَدَر قبل أن يُصبح، أو حين يُصبح
فيأتي عليه قَدَر قبل أن يُمسي)).
قوله: ((فهو من أهل الجنَّة)) في رواية النَّسائيِّ: ((دَخَلَ الجنَّة))، وفي رواية عثمان بن ربيعة:
((إلّا وَجَبَت له الجنَّة)».
قال ابن أبي جَمْرة: جَمَعَ وَّر في هذا الحديث من بَديع المعاني وحُسن الألفاظ ما يَحِقّ له
أنَّه يُسَمَّى سَيِّد الاستغفار، ففيه الإقرار لله وحده بالإلهيَّة والعُبوديَّة، والاعتراف بأنَّه
الخالق، والإقرار بالعهدِ الذي أخَذَه عليه، والرَّجاء بما وعَدَه به، والاستعاذة من شَرّ ما
جَنَى العَبد على نفسه، وإضافة النَّعماء إلى مُوجِدها، وإضافة الذَّنب إلى نفسه، ورغبته في
المغفرة، واعترافه بأنَّه لا يَقدِر أحدٌ على ذلك إلّا هو، وفي كلّ ذلك الإشارة إلى الجمع بين
الشَّريعة والحقيقة، فإنَّ تكاليف الشَّريعة لا تَحصُل إلّا إذا كان في ذلك عَوْن من الله تعالى.
وهذا القَدر الذي يُكْنى عنه بالحقيقة. فلو اتَّفَقَ أنَّ العَبد خالَفَ حتَّى يَجِرِيَ عليه ما قُدِّرَ عليه،
وقامَتِ الحُجّة عليه ببيان المخالَفة، لم يَبْقَ إلّا أحدُ أمرَينِ: إمّا العُقوبة بمُقْتَضَى العَدل، أو العفو
بمُقتَضَى الفضل، انتهى مُلخَّصاً.
(١) يشير إلى حديث عثمان بن عفان المتقدم في الوضوء برقم (١٥٩)، وحديث أبي هريرة عند مسلم (٢٤٤)،
ونحوهما، مما تضمن تكفير الخطايا بإحسان الوضوء، مع حديث عقبة بن عامر عند مسلم برقم (٢٣٤)
ونحوه، مما تضمن دخول الجنة بإحسان الوضوء وقبول الدعاء بعده. باعتبار أنَّ دخول الجنة أفضل من
مجرد تكفير الخطايا، وكلاهما حاصل.

٢١٦
باب ٣ / ح ٦٣٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقال أيضاً: من شروط الاستغفار: صِحّة النّيَّة، والتَّوجّه والأدب، فلو أنَّ أحداً حَصَّلَ
الشُّروط واسْتَغْفَرَ بغير هذا اللَّفْظ الوارد، واستَغفَرَ آخر بهذا اللَّفظ الوارد لكن أخَلَّ بالشُّروطِ
هل يتساويان؟ فالجواب: أنَّ الذي يظهر أنَّ اللَّفظ المذكور إنَّما يكون سَيِّدَ الاستغفار إذا جَمَعَ
الشُّروط المذكورة، والله أعلم.
٣- باب استغفار النبيّ ◌َّ ه في اليوم والليلة
١٠١/١١
٦٣٠٧- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ
عبدِ الرَّحمنِ، قال: قال أبو هريرةَ: سمعتُ رسولَ الله وَ لِّ يقول: ((والله إني لأستَغْفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه
في اليومٍ أكثرَ من سبعينَ مرَّةً».
١
قوله: ((باب استِغْفار النبيّ ◌َليّ)) أي: وقوع الاستغفار مِنه. أو التّقدير: مقدار استغفاره في كلّ
يوم، ولا يُحمَل على الكيفيَّة لِتَقَدُّمِ بيان الأفضل، وهو لا يَترُك الأفضل.
قوله: ((قال: قال أبو هريرة» في رواية يونس بن يزيد عن الزُّهْريِّ: أخبرني أبو سَلَمة أنَّه
سمعَ أبا هريرة. أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠١٩٧).
قوله: ((والله إنّي لأستَغْفِرِ الله)) فيه القَسَم على الشَّيء تأكيداً له، وإن لم يكن عند السامع فيه
شكّ.
قوله: (لَأَسْتَغْفِرِ الله وأتوب إليه)) ظاهره أنَّه يَطلُب المغفِرة ويُقْدم(١) على التَّوبة، ويحتمل أن
يكون المراد أنه يقول هذا اللَّفظ بعينِه. ويُرجِّح الثّاني ما أخرجه النَّسائيُّ بسندٍ جيّد من طريق
مجاهد عن ابن عمر أنَّه سمعَ النبيّ ◌َله يقول: ((أستَغْفِر الله الذي لا إله إلّا هو الحيّ القَيّوم
وأتوب إليه)) في المجلس قبل أن يقوم مئة مرَّة (٢).
(١) في (ع) و(س): ويعزم.
(٢) وكذا ذكر الحديث بهذا اللفظ ابنُ بطال في ((شرحه)) ٧٧/١٠، لكن لم يعزه لأحدٍ، واکتفى بقوله: روی أبو
إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر، فذكره، ولم نقف عليه عند النسائي بهذا اللفظ، بل ولا في شيء من مصادر
التخريج الحاضرة، فلعله ثبت لبعض رواة ((سنن النسائي الكبرى))، والذي وقفنا عليه فيه من هذه الطريق
المذكورة عن ابن عمر، قال: كنت عند رسول الله و ﴿ جالساً، فسمعته استغفر مئة مرة، يقول: ((اللهم اغفر لي،
وارحمني، وتب عليّ، إنك أنت التواب الغفور)). أخرجه برقم (١٠٢٢٠)، والله تعالى أعلم.

٢١٧
باب ٣ / ح ٦٣٠٧
كتاب الدعوات
وله (ك١٠٢١٩) من رواية محمَّد بن سُوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: إن كنَّا لَنَعُدُّ
لِرسولِ الله وَّ في المجلِس: ((رَبِّ اغفِرْ لي وتُب عليَّ إنَّك أنتَ التَّاب الغفور)) مئة مرَّة.
قوله: ((أكثر من سبعينَ مَرَّة) وَقَعَ في حديث أنس: ((إنّي لَأَستَغِفِرِ الله في اليوم سبعينَ مرَّة))(١)،
فيحتمل أن يريد المبالَغة ويحتمل أن يريد العَدَد بعينِه.
وقوله: ((أكثر)) مُبِهَم، فيحتمل أن يُفَسَّر بحديثِ ابن عمر المذكور وأنَّه يَبلُغ المئة. وقد
وَقَعَ في طريق أُخرى عن أبي هريرة من رواية مَعمَر عن الزُّهْرِيِّ بلفظ: ((إنّ لَأَستَغْفِر الله في
اليوم مئة مرَّة))(٢). لكن خالَفَ أصحابَ الزُّهْريِّ في ذلك.
نعم أخرج النَّسائيُّ أيضاً (ك١٠١٩٥) من رواية محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمة بلفظ:
((إنّي لَأَستَغْفِر الله وأتوب إليه كلّ يوم مئة مرَّة)».
وأخرج النَّسائيُّ أيضاً (ك١٠١٩٢) من طريق عطاء عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَّ جَمَعَ
الناس فقال: ((يا أيّها الناس توبوا إلى الله، فإنّي أتوب إليه في اليوم مئة مرَّة».
وله (ك١٠٢٠٦ و١٠٢٠٨) في حديث الأغرّ المُزَنيِّ رَفَعَه مِثله، وهو عنده (١٠٢٠٣)،
وعند مسلم (٢٧٠٢) بلفظ: ((إنَّه لَيُغانُ على قلبي، وإنّ لَأَسْتَغْفِر الله كلَّ يوم مئة مرَّة)). قال
عياض: المراد بالغَيْنِ: فَتَراتٌ عن الذِّكر الذي شأنه أن يُداوِمِ عليه، فإذا فتَرَ عنه لأمرٍ ما
عَدَّ ذلكِ ذَنباً فاستَغفَرَ عنه.
وقيل: هو شيء يَعتَري القلب ممّا يقع من حديث النَّفس، وقيل: هو السَّكينة التي
تَغْشَى قلبه، والاستغفار لإظهار العُبوديَّة لله والشُّكر لما أَولاه، وقيل: هي حالة خَشْية
وإعظام والاستغفار شُكرها، ومن ثَمَّ قال المحاسِبيّ: خوفُ المقرَّبِين(٣) خوفُ إجلالٍ
وإعظام.
(١) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١٠١٩٣) لكن بلفظ: ((إني لأتوب في اليوم سبعين مرة)»، وهو عند الطبراني في
((الدعاء)» (١٨٣٦) و(«الأوسط)) (٢٣٩٧) باللفظ الذي ذكره الحافظ.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٥٩).
(٣) تحرَّف في (س) إلى: المتقربین.

٢١٨
باب ٣ / ح ٦٣٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الشَّيخ شِهاب الدّين السُّهرَ وَرْديّ: لا يُعتَقَد أنَّ الغَين في حالة نقص، بل هو كمالٌ
أو تَتِمّة كمال. ثمَّ مَثَّلَ ذلك بجَفنِ العين حين يُسبَل لَيَدَفَع القَذَى عن العين مثلاً، فإنَّه يَمنَع
العين من الرّؤية، فهو من هذه الحَيَّة نقص، وفي الحقيقة هو كمال. هذا مُحصَّل كلامه بعبارةٍ
طويلة. قال: فهكذا بصيرة النبيّ وَلّ مُتَعرِّضة للأغبرة الثّائرة من أنفاس الأغيار، فدَعَتِ الحاجة
إلى السّتر على حَدَقة بصيرته صيانةً لها ووقایة عن ذلك، انتهى.
وقد استُشكِلَ وقوعُ الاستغفار من النبيّ ◌َّه، وهو مَعصوم، والاستغفار يستدعي وقوعَ
معصية.
وأُجِيبَ بعِدّة أجوبة:
منها ما تقدَّم في تفسير الغَيْن.
ومنها قول ابن الجَوْزيّ: هَفَوات الطِّباع البشريّة لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن
عُصِموا من الكبائر فلم يُعصَموا من الصَّغائر. كذا قال، وهو مُفرَّع على خِلاف المختار،
والرَّاجح عِصمَتهم من الصَّغائر أيضاً.
ومنها قول ابن بَطّال: الأنبياء أشدّ الناس اجتهاداً في العبادة لما أعطاهم الله تعالى من
١٠٢/١١ المعرفة، فهم/ دائبونَ في شُكره مُعتَّرِفونَ له بالتَّقصیر، انتهى.
ومُحُصَّل جوابه: أنَّ الاستغفار من التَّقصير في أداء الحقّ الذي يجب لله تعالى، ويُحتمل أن
يكون لاشتغاله بالأُمورِ المباحة من أكل أو شُرب أو جماع أو نَوم أو راحة، أو لمُخاطَبة الناس
والنَّظَر في مصالحهم، ومُحاربة عدوّهم تارة ومُداراته أُخرى، وتأليف المؤلّفة، وغير ذلك
ممّا يَحَجُبه عن الاشتغال بذِكْر الله والتَّضَرُّع إليه ومُشاهَدَته ومُراقَته، فيَرَى ذلك ذَنباً
بالنّسبة إلى المقام العليّ، وهو الحضور في حَظِيرة القُدس.
ومنها أنَّ استغفاره تشريع لأُمَّتِه، أو من ذُنُوب الأُمّة، فهو كالشَّفاعة لهم.
وقال الغَزاليّ في ((الإحياء)): كان ◌َِّ دائم الثَّرّي، فإذا ارتَقَی إلی حال رأى ما قبلها دونها
فاستَغفَرَ من الحالة السابقة. وهذا مُفرَّع على أنَّ العَدَد المذكور في استغفاره كان مُفرَّقاً بحَسَبٍ

٢١٩
باب ٤
كتاب الدعوات
تعدُّد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يُخالف ذلك.
وقال الشَّيخ السُّهرَ وَرْديّ: لمَّا كان روح النبيّ ◌َّه لم يزل في التَّرقّي إلى مقامات القُرب
يَستَتَبِع القلب، والقلب يَسْتَتَبِعِ النَّس، ولا ريب أنَّ حركة الرّوح والقلب أسرَع من
نَهضة النَّفس، فكانت خُطَا النَّفْس تَقصُر عن مَدَاهما في العُروج، فاقتَضَتِ الحكمة إبطاءَ
حركة القلب لئلّا تَنقَطِع عَلاقةُ النَّفْس عنه، فيَبقَى العباد محرومينَ، فكان ◌َّهِ يَفْزَع إلى
الاستغفار لِقُصورِ النَّفس عن شَأْوِ تَرَقّي القلب، والله أعلم.
٤ - باب التّوبة
وقال قَتَادةُ: ﴿قَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]: الصّادِقَةُ الناصحة.
قوله: ((باب الثَّوْبة)) أشارَ المصنِّف بإيرادِ هذَينِ البابينِ، وهما الاستغفار ثمَّ التَّوبة، في
أوائل كتاب الدُّعاء، إلى أنَّ الإجابة تُسرع(١) إلى مَن لم يكن مُتلبِّساً بالمعصية، فإذا قَدَّمَ
التَّوبة والاستغفار قبل الدُّعاء كان أمكَنَ لإجابتِه. وما / ألطَفَ قولَ ابن الجَوْزيّ إذ سُئلَ: ١٠٣/١١
أُسَبِّحُ أو أستَغْفِر؟ فقال: الثَّوب الوَسِخ أحوجُ إلى الصّابون من البَخُور.
والاستغفار: استفعال من الغُفران وأصله الغَفْر: وهو إلباس الشّيء ما يَصونه عمَّا يُدَنِّسه،
وتَدنيس كلّ شيء بحَسَبِهِ، والغُفران من الله للعبد أن يَصُونَه عن العذاب.
والتَّوبة: تَرك الذَّنب على أحد الأوجُه. وفي الشّرع: تَرك الذَّنب لِقُبحِه، والنَّدَم على فعله،
والعَزم على عَدَمِ العَود، ورَدّ المَظلِمة إن كانت أو طلب البراءة من صاحبها، وهي أبلَغ
ضُروب الاعتذار، لأنَّ المعتَذِر إمّا أن يقول: لا أفعَل، فلا يقع الموقِعَ عند مَن اعتَذَرَ له،
لِقيام احتمال أنَّه فعل، لا سيّما إن ثَبَتَ ذلك عنده عنه، أو يقول: فعَلت لأجلِ كذا، ويَذكُر شيئاً
يُقيم عُذره، وهو فوق الأوَّل، أو يقول: فعَلت ولكن أسَأت وقد أقلَعتُ وهذا أعلاه.
انتهى من كلام الرَّاغِب مُلخَّصاً.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): اختَلَفَت عِبارات المشايخ فيها، فقائل يقول: إنَّهَا النَّدَم، وآخر
(١) تصحَّف في الأصلين إلى: تشرع.

٢٢٠
باب ٤
فتح الباري بشرح البخاري
يقول: إنَّهَا العَزم على أن لا يعود، وآخر يقول: الإقلاع عن الذَّنب، ومنهم مَن يجمع بين الأُمور
الثلاثة، وهو أكمَلُها غير أنَّه مع ما فيه غير مانع ولا جامع.
أمَّا أوّلاً: فلأنَّه قد يجمع الثلاثة ولا يكون تائباً شَرعاً، إذ قد يفعل ذلك شُحّاً على ماله،
أو لئلّا يُعيِّره الناس به، ولا تَصِحّ التَّوبة الشَّرعيَّة إلّا بالإخلاص، ومَن تَرَكَ الذَّنب لغير الله
لا يكون تائباً اتّفاقاً.
وأمَّا ثانياً: فلأنَّه يَخْرُج مِنه مَن زَنَى مثلاً ثمَّ جُبَّ ذَكَرُه، فإنَّه لا يَتَأَتَّى مِنه غير النَّدَم على
ما مَضَى، وأمَّا العَزم على عَدَم العَود فلا يُتصوَّر مِنه.
قال: وبهذا اغتَرَّ مَن قال: إنَّ النَّدَم يكفي في حَدّ الثَّوبة، وليس كما قال لأنَّه لو نَدِمَ ولم
يُقلِعِ وعَزَمَ على العَود لم يكن تائباً اتِّفاقاً.
قال: وقال بعض المحَقِّقينَ: هي اختيار تَرك ذَنبِ سَبَقَ حقيقةً أو تقديراً لأجلِ الله.
قال: وهذا أسَدّ العِبارات وأجمعها، لأنَّ التائب لا يكون تاركاً للذَّنبِ الذي فَرَغَ لأنَّه
غير مُتُمكِّن من عينه لا تَركاً ولا فِعلاً، وإنَّما هو مُتمكّن من مِثله حقيقة، وكذا مَن لم يقع مِنه
ذَنب إنَّما يَصِحّ مِنه اتِّقاء ما يُمكِن أن يقع، لا تَركْ مِثل ما وَقَعَ، فيكون مُنَّياً لا تائباً.
قال: والباعِث على هذا تنبيهٌ إلهيٌّ لمن أراد سَعادته لِقُبح الذَّنب وضَرَره، لأَنَّه سُمّ مُهلِك
يُفوّت على الإنسان سَعادة الدُّنيا والآخرة، ويَحِجُبه عن مَعرِفة الله تعالى في الدُّنيا، وعن
تقريبه في الآخرة.
قال: ومَن تَفَقَّدَ نفسه وَجَدَها مشحونةً بهذا السُّمّ، فإذا وُفَّقَ انْبَعَثَ مِنه خَوف هُجوم
الهلاك عليه فيُبادِر بطلبٍ ما يَدِفَع به عن نفسه ضَرَر ذلك، فحينئذٍ يَنْبَعِث مِنه النَّدَم على ما
سَبَقَ، والعَزم على تَرك العَود إليه.
قال: ثمَّ اعلم أنَّ التَّوبة إمّا من الكفر وإمّا من الذَّنب، فتَوبة الكافر مقبولة قطعاً، وتَوبة
العاصي مقبولة بالوعدِ الصّادِق، ومعنى القَبُول: الخلاص من ضَرَر الذُّنوب حتَّی یَرجِع
کمَن لم يعمل.