Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
باب ٣٥ / ح ٦٢٧٤
كتاب الاستئذان
عمر في كتاب الطَّلاق(١): وهو مُتَّكِئٌ على سَريرٍ، أي: مُضطَجِع، بدليل قولِه: قد أثَّرَ السَّرير
في جَنْبه. كذا قال عياضٌ، وفيه نظرٌ لأَنَّ يَصِحّ مع عَدَم تمام الاضطِجاع، وقد قال الخطَّبيُّ: كلّ
مُعتَمِد على شيءٍ مُتمكِّن مِنه فهو مُنَّكِئٌ.
وإيراد البخاريّ حديث خَبّاب المعلَّق يشير به إلى أنَّ الاضطِجاع اتِّكاءٌ وزيادةٌ.
وأخرج الدَّارِمِيُّ (٢٣١٦)، والتِّرمِذيّ (٢٧٧٠ و٢٧٧١)، وصَخَّحَه هو وأبو عَوَانة/ ٦٧/١١
(٦٢٧٤ و٦٢٧٥)، وابن حِبّان (٥٨٩) عن جابر بن سَمُرة: رأيت النبيَّ نَّهِ مُتَّكِئاً على
وِسادةٍ(٢).
ونَقَلَ ابن العربيّ عن بعض الأطِّاءِ: أنَّ كَرِهَ الاتِّكاء، وتَعقَّبَه بأنَّ فيه راحةً كالاستنادِ
والاحتباء.
قوله: ((وقال خَبّاب)) بفتح المعجَمة وتشديد الموخَّدة وآخرُه موخَّدة أيضاً: هو ابن الأرَتّ
الصحابيّ، وهذا القَدْر المعلَّق طَرَفٌ من حديث له تقدَّم موصولاً في علامات النُّة(٣).
ثم ذَكَر حديثَ أبي بكرة في أكبر الكبائر، وأورَدَه من طريقَينِ لقولِه فيه: وكان مُتَّكِئاً فجَلَسَ،
وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في أوائل كتاب الأدب (٥٩٧٦)، وورد في مثل ذلك حديثُ أنس في
قصّة ضِمام بن ثَعْلبة لمَّ قال: أَيُّكم ابن عبد المطَّلِب؟ فقالوا: ذلك الأبيضُ المتَّكِئِ(٤).
قال المهلَّب: يجوز للعالِمِ والمفتي والإمام الاتِّكاءُ في مَجَلِسه بحَضْرة الناس لألَم يَجِدُه في
(١) إنما سلف ذلك في التفسير برقم (٤٩١٣) وفي اللباس برقم (٥٨٤٣)، ولفظ الأوّل: فرأيت أَثَر الحصير
في جنبه، ولفظ الثاني: على حصير قد أثَّر في جَنْبه. وليس في حديث عمر ذكر السَّرير، وأما الاتكاء
فسلف في النكاح برقم (٥١٩١) بلفظ: أثَّر الرمال بجَنْبه، متِّكثاً على وسادة حشْوُها لِيف. لكن جاء في
المغازي في حديث أبي موسى الأشعري في غزوة أوطاس: أنه دخل على النبي ◌َّ في بيته وهو على سرير
مُرَمَّل، وعليه فِراش، قد أثّر رمالُ السرير بظهره وجَنْبَيْه. قلنا: والرِّمال: حبال الحُصُر التي كانت تُضفَر
بها الأسِرّة
(٢) وأخرجه أيضاً أحمد في ((المسند)) برقم (٢٠٨٠٣) وأبو داود برقم (٤١٤٣).
(٣) بل في المناقب برقم (٣٦١٢).
(٤) سلف برقم (٦٣).

١٤٢
باب ٣٦ / ح ٦٢٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
بعض أعضائه، أو لِراحةٍ يَرتَفِق بذلك، ولا يكون ذلك في عامّة جُلوسه.
٣٦- باب من أسرَع في مَشيه لحاجةٍ أو قَصْدٍ
٦٢٧٥- حدَّثنا أبو عاصم، عن عمرَ بنِ سعيدٍ، عن ابنِ أبي مُلَيكةً: أنَّ عُقْبةَ بنَ الحارثِ
حدَّثه، قال: صَلَّى النّبِيُّ ◌ِالعَصْرَ فأسرَعَ، ثمَّ دَخَلَ البيتَ.
قوله: ((باب مَن أسرَعَ في مَشْبه لحاجةٍ)) أي: لِسببٍ من الأسباب.
وقوله: ((أو قَصْد)) أي: لأجلِ قَصْد شيءٍ معروف، والقَصْدُ هنا بمعنى المقصود، أي:
أسرَعَ لأمرٍ مقصودٍ (١).
ذَكَر فيه طرفاً من حديث عُقْبَةَ بن الحارث.
قال ابن بَطّال: فيه جواز إسراع الإمام في حاجته، وقد جاء أنَّ إسراعَه عليه الصلاة
والسَّلام في دُخوله إنَّما كان لأجلِ صَدَقةٍ أحَبَّ أن يُفرِّقَها في وَقِتِهِ.
قلت: وهذا الذي أشارَ إليه مُتَّصِلٌ في حديث عُقْبَةَ بن الحارث المذكور، كما تقدَّم واضحاً
في كتاب الزكاة (١٤٣٠)، فإنَّه أخرجه هناك بالإسناد الذي ذكره هنا تامّاً، وتقدَّم أيضاً في
صلاة الجماعة.
وقال في التَّرجمة: ((لِحاجةٍ أو قَصْدٍ)) لأنَّ الظّاهر من السّياق أنَّه كان لِتلكَ الحاجة
الخاصّة، فيُشعِرِ بأنَّ مَشيَه لغير الحاجة كان على هِيْنَتَه، ومن ثَمَّ تَعَجَّبوا من إسراعه، فدَلَّ
على أنَّه وَقَعَ على غير عادته.
فحاصل التَّرجمة: أنَّ الإسراع في المشي إن كان لِحاجةٍ لم يكن به بأس، وإن كان عَمْداً
لغير حاجة فلا.
وقد أخرج ابن المبارَك في كتاب ((الاستئذان)) بسندٍ مُرسَل: أنَّ مِشْية النبيِّ ◌َّ كانت
مِشية السُّوقيّ، لا العاجِز ولا الكَسْلان(٢).
(١) تحرَّف في (س) إلى: المقصود.
(٢) وهو في ((الزهد)) له برقم (٨٣٧) من مرسل سيّار أبي الحكم.

١٤٣
باب ٣٧ / ح ٦٢٧٦
كتاب الاستئذان
وأخرج أيضاً(١): كان ابن عمر يُسرع في المشي، ويقول: هو أبعَدُ من الزّهْو، وأسرَعُ في
الحاجة.
قال غيره: وفيه اشتغال عن النَّظَر إلى ما لا ينبغي التَّشاغُل به.
وقال ابن العربيّ: المشيُ على قَدر الحاجة هو السُّنّة إسراعاً وبُطئاً، لا التَّصَنُّعُ فيه ولا
التَّهَوُُّ.
٣٧- باب السّرير
٦٢٧٦ - حدَّثْنَا قُتَيِيةُ، حدَّثْنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن
عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يُصَلّى وَسْطَ السَّرِيرِ، وأنا مُضْطَجِعٌ بينَه
وبينَ القِبْلةِ، تكونُ ليَ الحاجةُ، فأكرَه أن أقومَ فأستَقِلَه، فأَنْسَلُّ انسِلالاً.
قوله: ((باب السَّرير)) بِمُهمَلاتٍ وزن عظيم، معروفٌ.
ذكر الرَّاغِب أنَّه مأخوذ من السُّرور، لأنَّه في الغالب لأُولي النِّعمة. / قال: وسَرير الميِّت ٦٨/١١
لِشَبَهِه به في الصّورة وللتَّفاؤُلِ بالسُّرور، وقد يُعبَّر بالسّرير عن المُلْك، وجمعُه أسِرّة وسُرُر
بضمَّتَين، ومنهم مَن يَفتَحِ الرَّاء استثقالاً للضَّمَّتَيْنِ.
ذکر فیه حديث عائشة، وهو ظاهرٌ فیما تَرجَمَ له.
قال ابن بَطّال: فيه جواز اتّخاذ السَّرير والنَّوم عليه، ونَومُ المرأة بحضرة زوجها.
وقال ابن التِّين: وقوله فيه: ((وَسْطِ السَّرير)) قرأناه بسكونِ السّين، والذي في اللُّغة
المشهورة بفتحها.
وقال الرَّاغِب: وسَط الشَّيء يُقال بالفتح للكَمِّيَّة المتَّصِلة كالجسمِ الواحد، نحو وسَطُه
صُلْبٌ، ويقال بالسُّكونِ للكَمِّيَّة المنفَصِلة بين جِسمَينٍ، نحو وَسْط القومِ.
قلت: وهذا ممّا يُرجِّح الرّواية بالتَّحريك، ولا يُمنَع السُّكون.
(١) في ((الزهد)) له برقم (٨٣٦)، وهو من بلاغات ابن المبارك.

١٤٤
باب ٣٨ / ح ٦٢٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
ووجهُ إيرادٍ هذه التَّرجمة وما قبلها وما بعدها في كتاب الاستئذان: أنّ الاستئذان يستدعي
دخولَ المنزِل، فذكر مُتَعلَّقَات المنزِل استطراداً.
٣٨- باب من أُلقِيَ له وِسادةٌ
٦٢٧٧- حدَّثنا إسحاقُ، حدَّثنا خالدٌ ح وحدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عَمْرُو بنُ
عَوْنٍ، حدَّثنا خالدٌ، عن خالدٍ، عن أبي قلابةَ، قال: أخبرني أبو المَلِيحِ قال: دَخَلْتُ معَ أبِيكَ
زيدٍ على عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، فحدَّثنا أنَّ النبيَّ ◌َلَ ذُكِرَ له صَوْمِي، فَدَخَلَ عليَّ فألقَيتُ له وِسادةً
من أَدَم حَشْوُها لِيفٌ، فَلَسَ على الأرضِ وصارَتِ الوِسادةُ بيني وبينَه، فقال لي: «أَمَا يَكْفِيكَ
من كلِّ شهرٍ ثلاثةُ أيام؟)). قلتُ: يا رسولَ الله، قال: ((خَمساً)). قلتُ: يا رسولَ الله، قال: ((سَبْعاً)).
قلتُ: يا رسولَ الله، قال: ((تسعاً). قلتُ: يا رسولَ الله، قال: ((إحدى عَشْرةَ)). قلتُ: يا رسولَ الله،
قال: ((لا صَومَ فوقَ صَومِ داودَ، شَطْرَ الدَّهْرِ: صيامَ يومٍ وإِفْطارَ يومٍ)).
٦٢٧٨ - حدَّثنا يحيى بنُ جعفرٍ، حدَّثنا يزيدُ، عن شُعْبةَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ:
أَنَّ قَدِمَ الشَّامَ.
وحدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ قال: ذَهب عَلْقمةُ إلى الشَّامِ،
فَأَتى المسجدَ فصَلَّى رَكْعَتَينٍ، فقال: اللهمَّ ارزُقْنِي جَلِيساً، فقَعَدَ إلى أَبِي الدَّرْداءِ، فقال: ثمّن
أنتَ؟ قال: من أهلِ الكُوفِةِ، قال: أليسَ فيكم صاحبُ السِّرِّ الذي كان لا يَعْلَمُه غيرُه؟. يعني:
حُذَّيفةَ. أليس فيكم. أو كان فيكمُ. الذي أجارَه الله على لِسان رسولِهِ وَ لّ مِنَ الشَّيطان؟. يعني:
عَّاراً. أوَليسَ فيكم صاحبُ السِّواكِ والوِسادِ؟ يعني: ابنَ مسعودٍ.
كيفَ كان عبدُ الله يَقْرَأُ: ﴿وَالَِّلِ إِذَا يَفْتَى﴾ [الليل: ١]؟ قال: والذَّكَرِ والأُنثَى، فقال: ما زالَ
هؤلاءٍ حتَّى كادوا يُشَكِّكُونَني، وقد سمعتُها من رسولِ الله وَلِّ.
قوله: ((باب مَن أَلْقِيَ له وِسادةٌ)) أُلْقِيَ بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهول، وذَكَّرَه لأنَّ التَّأنيث
ليس حقيقيّاً. ويقال: وِسادة ووِساد وهي بكسر الواو، وتقولها هُذَيٌ بالهمز بَدَل الواو: ما
يُوضَع عليه الرَّأس وقد يُتَّكَأ عليه، وهو المراد هنا.

١٤٥
باب ٣٨ / ح ٦٢٧٧
كتاب الاستئذان
قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن شاهين الواسطيّ، وخالدٌ شيخُه: هو ابن عبد الله الطَّحّان.
وقوله: ((وحدَّثني عبد الله بن محمَّد)) هو الْجُعْفيّ، وعَمْرو بن عَوْن من شيوخ البخاريّ،
وقد أخرج عنه في الصلاة وغيرها بغير / واسطة، وشيخُه: هو الطَّحّان المذكور، وشيخه ٦٩/١١
خالد: هو ابن مِهرانَ الَذّاء، وقد نزلَ البخاريّ في هذا الإسناد الثّاني درجةً، وقد تقدَّم
هذا الحديث عن إسحاق بن شاهين بهذا الإسناد في كتاب الصلاة(١)، وتقدَّمَت مباحث
المتن في الصِّيام، وساقَه المصنِّف هنا على لفظ عَمْرو بن عَوْن، وهذا هو السِّ في إيراده له
من هذا الوجه النازِل حتَّى لا تَتَمَخَّض إعادته بسندٍ واحدٍ على صِفَة واحدة، وقد اطَّرَدَ له هذا
الصَّنيع إلّا في مواضعَ يَسيرةٍ، إمّا ذُهولاً وإمّا لِضيق المخرَج.
قوله: ((أخبَرَني أبو المَلِيح)) بِوزنٍ عظيم اسمه عامر - وقيل: زيد - بن أُسامة الهُذَلِيّ.
قوله: (دَخَلْت مع أبيك زيد)) هذا الخِطاب لأبي قِلابةَ واسمُه: عبد الله بن زيد، ولم أرَ
لِزيدٍ ذِكْراً إلّ في هذا الخبر، وهو ابن عَمْرو - وقيل: ابن عامر - بن ناتل - بنونٍ ومُثّة -
ابن مالك بن عُبيد الجَزْميّ.
قوله: ((فألقيت له وسادة)) قال المهلَّب: فيه إكرام الكبير، وجواز زيارة الكبير تلميذه
وتعليمِه في منزله ما يحتاج إليه في دينه، وإيثارُ التَّواضُع وحَمْل النَّفْس عليه، وجواز رَدّ الكرامة
حيثُ لا يَتَأَذَّى بذلك مَن تُرَدّ(٢) عليه.
قوله: ((حدَّثنا يحيى بن جعفر)) هو البِيكَنْديّ، ويزيد: هو ابن هارون، ومُغيرة: هو ابن
مِقسَم، وإبراهيم: هو النَّخَعَيّ، وقد تقدَّم الحديث في مناقب عمَّار مشروحاً (٣٧٤٢).
وقوله فيه: (ارزُقْنِي جَليسا)) في رواية سليمان بن حَرْب عن شُعْبة(٣) في مناقب عمَّار (٣٧٤٣):
جَليساً صالحاً، وكذا في مُعظَم الرِّوايات.
وقوله: ((أَوليس فيكم صاحبُ السِّواك والوِساد؟)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: الوسادة، يعني:
(١) بل في الصيام برقم (١٩٨٠).
(٢) في (س): تُردَدْ.
(٣) تحرَّف في (أ) و(ع) إلى: شعيب، والمثبت على الصواب من (ب) و(س).

١٤٦
باب ٣٨ / ح ٦٢٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّ ابن مسعود كان يَتَوَّ أمرَ سِواكِ رسول الله وَّهِ وِسادِه، ويَتَعاهَد خِدمَته في ذلك
بالإصلاح وغيره، وقد تقدَّم في المناقب (٣٧٤٢) بزيادة: والمِطْهَرةُ(١).
وتقدَّم الردّ على الدَّاوُوديّ في زَعمه: أنَّ المراد أنَّ ابن مسعود لم يكن في مِلکه في
عهد النبيِّ وَّ سوى هذه الأشياءِ الثلاثةِ، وقد قال ابن التِّين هُنا: المراد أنَّه لم يكن له
سِواهما جَهازاً، وأنَّ النبيَّ ◌َله أعطاه إيّاهما، وليس ذلك مُرادَ أبي الدَّرداء، بل السّياق
يُرشِد إلى أنَّه أراد وَصفَ كلِّ واحدٍ من الصحابة بما كان اختَصَّ به من الفضل دونَ
غيره من الصحابة، وقضيَّةُ ما قاله الدَّاوُوديُّ هناك وابن التِّين هنا أن يكون وصفه
بالتَّقَلُّل، وتلكَ صِفَةٌ كانت لِغالبٍ مَن كان في عهد رسول الله وَل ◌َ من فُضَلاء
الصحابة، والله أعلم.
وقوله فيه: (أَليسَ فِيكم. أو كان فِيكُم)) هو شَكٍّ من شُعْبة، وقد رواه إسرائيل عن مُغيرة
بلفظ: وفيكم، وهي في مناقب عَّار (٣٧٤٢)، ورواه أبو عَوَانة عن مُغيرة بلفظ: أَوَلم يكن
فيكم، وهي في مناقب ابن مسعود (٣٧٦١).
قوله: ((الذي أجارَه الله على لِسان رسوله وَل﴿ من الشَّيطان، يعني: عَّراً)) في رواية إسرائيل:
الذي أجارَه الله من الشَّيطان، يعني: على لسان رسوله، وفي رواية أبي عَوَانة: أَلَمْ يكن
فيكم الذي أُجير من الشَّيطان؟ وقد تقدَّم بيان المراد بذلك في المناقب، ويحتمل أن يكون
أُشير بذلك إلى ما جاء عن عمَّار إن كان ثابتاً، فإنَّ الطبرانيّ(٢) أخرج من طريق الحسن البَصْريِّ
قال: كان عَّار يقول: قاتَلت مع رسول الله وَّهِ الجِنَّ والإنسَ، أرسَلَني إلى بئر بَدْرٍ فَلَقيت
الشَّيطان في صُورة إنسيٍّ فصارَعَنِي فصَرَعتُه، الحديثَ. وفي سنده الْحَكَم بن عَطيَّة مُخْتَلَف
فیه، والحسن لم يسمع من عمَّار.
(١) وبذكر النعلين بدل السواك أيضاً.
(٢) هو في جملة ما سقط من ((معجم الطبراني الكبير)) لفقدانه، وهو أيضاً بنحوه عند إسحاق بن راهويه كما في
(المطالب العالية)) (٤٠٠١)، وعند ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان)) (٦٤)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٧/ ١٢٤
من طريق أخرى عن الحسن، فيبقى فيه الانقطاع.

١٤٧
باب ٣٩ - ٤٠ / ح ٦٢٧٩ - ٦٢٨٠
كتاب الاستئذان
٣٩- باب القائلة بعد الجمعة
٦٢٧٩ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرَنا سفيانُ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، قال: كنّا
نَقِيلُ ونَتَغَذَّى بعدَ الجُمُعةِ.
قوله: ((باب القائلة بَعْد الجمعة)) أي: بعد صلاة الجمعة، وهي النَّومُ وسَطَ النَّهار عند الزَّوال
وما قارَبَه من قبلُ أو / بعدُ، قيل لها: قائلة، لأنَّهَا يَحَصُل فيها ذلك، وهي فاعلة بمعنى مفعولة، ٧٠/١١
مِثل ﴿عِشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، ويقال لها أيضاً: القَيْلُولة.
وأخرج ابن ماجَهْ (١٦٩٣)، وابن خُزَيمةَ (١٩٣٩) من حديث ابن عبّاسِ رَفَعَه: ((اسْتَعِينُوا
على صيام النَّهار بالسَّحُور، وعلى قيام اللَّيل بالقَيلُولَة)) وفي سَنَده زَمْعة بن صالح، وفيه
ضعفٌ(١).
وقد تقدَّم شرح حديث سَهلِ المذكور في الباب في أواخر كتاب الجمعة (٩٣٨).
وفيه إشارة إلى أنَّهم كانت عادتهم ذلك في كلّ يوم، وورد الأمر بها في الحديث الذي أخرجه
الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٢٨) من حديث أنسٍ رَفَعَه قال: ((قِيُّلُوا، فإنَّ الشَّياطين لا تَقِيلُ)) وفي
سَنَده کثیر بن مروان، وهو متروك.
وأخرج سفيان بن عُيَينةَ في ((جامعه))(٢) من حديث خَوّات بن جُبَير ◌ُ﴾ موقوفاً قال:
نَومُ أوَّلِ النَّهارِ خُرْقٌ، وأوسَطِهِ خُلْقٌ، وآخِرِهِ مُقٌّ. وسَنده صحيح.
٤٠ - باب القائلة في المسجد
٦٢٨٠ - حدَّثْنَا قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازِمِ، عن أبي حازِمِ، عن سَهْلٍ
ابنِ سعدٍ قال: ما كان لِعليِّ اسمُ أحَبَّ إليه من أبي تُرابٍ، وإن كان لَيَفْرَحُ إذا دُعِيَ بها، جاء
رسولُ اللهِ وَلهبيتَ فاطمةَ عليها السَّلام، فلمْ يَجِدْ عليّاً في البيتِ، فقال: ((أينَ ابنُ عَمِّكِ؟))
(١) ولما ذكره ابن خزيمة علَّق القولَ بمقتضاه بقوله: إن جاز الاحتجاج بخبر زمْعة بن صالح، فإنَّ في القلب
منه لِسُوء حفظِهِ.
(٢) وهو أيضاً عند ابن أبي شيبة ٩/ ١١٤، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٤٢).

١٤٨
باب ٤١ / ح ٦٢٨١ - ٦٢٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
فقالت: كان بيني وبينَه شيءٌ فغاضَبَنِي، فخَرَجَ فلم يَقِلْ عندي، فقال رسولُ الله وَلِّ الإنسانِ:
(انظُر أينَ هو))، فجاء فقال: يا رسولَ الله، هو في المسجدِ راقدٌ، فجاء رسولُ الله ◌َِّ وهو
مُضْطَجِعُ قد سَقَطَ رِداؤُه عن شِقِّهِ، فأصابَه تُرابٌ، فَجَعَلَ رسولُ اللهِ وَهِ يَمْسَحُه عنه، وهو
يقول: ((قُمْ أبا تُرابٍ، قُمْ أبا تُرابٍ».
قوله: ((باب القائلة في المسجد)» ذكر فيه حديث عليٍّ في سبب تَكنيته أبا تُراب، وقد تقدَّم
في أواخر كتاب الأدب (٦٢٠٤). والغرض مِنه قول فاطمة عليها السَّلام: فغاضَبَنِي فخَرَجَ،
فلم يَقِلْ عندي. وهو بفتحِ أوَّله وكسر القاف.
قوله: ((هو في المسجد راقِد)) قال المهلَّب: فيه جواز النَّوم في المسجد من غير ضَرُورة إلى
ذلك، وعَكَسَه غيرُه وهو الذي يظهر من سياق القصّة.
٤١- باب من زار قوماً فقَالَ عندهم
٦٢٨١ - حذَّثنا قُتَبةُ، حدّثنا الأنصاريُّ، قال: حدَّثني أبي، عن ثُمامةَ: أَنَّ أَّ سُلَيم كانت تَبْسُطُ
للنبيِّ وَّه ◌ِطَعاً، فَقِيلُ عندَها على ذلك النِّطَعِ، قال: فإذا نامَ النبيُّ ◌َّهِ أَخَذَت من عَرَقِهِ وَشَعَرِه،
فَجَعَلَتْهُ في قارُورةٍ، ثمَّ ◌َمَعَتْهُ في سُكِّ وهو نائمٌ. قال: فلمَّا حَضَرَ أَنسَ بنَ مالكِ الوفاةُ أَوْصَى إِلَيَّ أن
يُجْعَلَ فِي خَنُوطِهِ من ذلك السُّكِّ، قال: فُجُعِلَ في خَنُوطِهِ.
٦٢٨٢ و٦٢٨٣ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي
طَلْحَةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ، أَنَّه سمعَه يقول: كان رسولُ اللهِ وَّهِ إذا ذهب إلى قُباءٍ يَدخُلُ
على أمِّ حَرامِ بنت مِلْحانَ فَتُطْعِمُه، وكانت تحتَ عُبادةَ بنِ الصّامِتِ، فَدَخَلَ يوماً فأطْعَمَتْهُ، فنامَ
رسولُ الله وَّةِ، ثمَّ استَقَظَ يَضْحَكُ، قالت: فقلتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ الله؟ فقال: («ناسِّ
من أمَّتي عُرِضوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللهِ، يَرْكَبونَ ثَبَجَ هذا البحرِ مُلوكاً على الأَسِرّةِ)). أو قال:
(مِثْلَ الملوكِ على الأسِرّةِ) يَشُكُّ إسحاقُ. فقلتُ: ادْعُ اللهَ أن يجعلني منهم، فدَعَالي، ثمَّ وضَعَ
رأسَه فنامَ، ثمَّ استَقَظَ يَضْحَكُ، فقلتُ: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ الله؟ قال: («ناسِ من أمَّتي
عُرِضوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللهِ، يَرْكَبونَ ثَبَجَ هذا البحرِ ملوكاً على الأسِرّةِ. أو مِثلَ الملوكِ على

١٤٩
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
كتاب الاستئذان
الأسِرّةِ)، فقلتُ: ادْعُ الله أن يجعلني منهم، قال: ((أنْتِ مِنَ الأَوَّلينَ)). فَرَكِيَتِ البحرَ في زمانٍ مُعاوِيةَ،
فصُرِعَت عن دابَّتِها حينَ خَرَجَت منَ البحرِ، فَهَلَكَتْ.
قوله: ((باب مَن زارَ قوماً فقالَ عندَهم)) أي: رَقَدَ وقتَ القَيلولة، والفِعل الماضي مِنه ومن ٧١/١١
القول مُشتَرَكٌ بخِلاف المضارع، فقال يَقِيل: من القائلة، وقال يَقُول: من القَوْل، وقد تَلَطَّفَ
النَّصِيرِ (١) المناويُّ حیثُ قال في لُغز:
قالَ: قالَ النبيُّ قَوْلاً صحيحاً قلتُ: قالَ النبيُّ قَوْلاً صَحِيحا
فَسَّرَه السَّاج الورّاق في جوابه حیثُ قال:
فابنٍ مِنه مُضارعاً يظهرُ الخا في ويَبْدُو الذي كَنَيتَ صريحا
ثم ذكر فيه حديثين: أحدهما: قصَّة أمّ سُلَيم في العَرَق.
قوله: ((حدَّثنا قُتَيبة، حدّثنا الأنصاريّ)) هو محمّد بن عبد الله بن المثنّی بن عبد الله بن أنس بن
مالك قاضي البصرة، وقد أكثرَ البخاريّ الرِّواية عنه بلا واسطةٍ، وربَّما أدخَلَ الواسطة(٢)
کالذي هنا.
وثُمامةُ: هو عَمّ عبد الله بن المثنَّى الراوي عنه.
قوله: ((أنَّ أمّ سُلَيم)) هذا ظاهره أنَّ الإسناد مُرسَل، لأنَّ تُمامة لم يَلحَق جَدّة أبيه أمَّ سُلَيم
والدةَ أنس، لكن دلَّ قولُه في أواخره: فلمَّا حَضَرَ أنسَ بنَ مالك الوفاةُ أوصَى إليَّ، على أنَّ تُمامة
حَمَلَه عن أنس، فليس هو مُرسَلاً ولا من مُسنَد أمّ سُلَيم، بل هو من مُسنَد أنس(٣).
وقد أخرجَه الإسماعيليّ من رواية محمَّد بن المثَنَّى عن محمَّد بن عبد الله الأنصاريّ، فقال في
(١) تصحَّف في (س) إلى: النضير. بالضاد المعجمة، وإنما هو بالمهملة، له ترجمة في ((الوافي بالوفيات))
للصفدي ٢٧ / ٦٤ في حرف النون.
(٢) قوله: ((وربّما أدخل الواسطة)) سقط من (س).
(٣) على أنه ثبت ذكر أنس في إسناده، عند غير أبي ذرِّ الهروي كما في اليونينية، إذ أشیر فيها إلى سقوطه لأبي ذر
وحده.

١٥٠
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
روايته عن ثُمامة عن أنس: أنَّ النبيَّ وَّه كان يَدخُل على أمّ سُلَيم، وذَكَر الحديث.
وقد أخرج مسلم (٢٣٣١) معنى الحديث من رواية ثابت، ومَن رواية إسحاق بن أبي
طلحة، ومن رواية أبي قِلابةَ (٢٣٣٢) كلّهم عن أنس، ووَقَعَ عنده في رواية أبي قلابةً: عن
أنس عن أمّ سُلَيم، وهذا يُشعِر بأنَّ أنساً إِنَّمَا حَلَه عن أمّه.
قوله: ((فيَقِيل)) بفتح أوَّله وكسر القاف ((عندها)) في رواية إسحاق بن أبي طلحة عن
أنس عند مسلم: كان النبيّ ◌َّهِ يَدخُل بيتَ أمّ سُلَيم، فينام على فِراشها وليست فيه، فجاء
ذاتَ يوم فقيلَ لها، فجاءت وقد عَرِق فاستَنقَعَ عَرَقُه. وفي رواية أبي قِلابةَ المذكورة: كان
يأتيها فيَقِيل عندها، فتَبسُط له نِطَعاً فيَقِيلُ عليه، وكان كثيرَ العَرَق.
قوله: («أخَذَت من عَرَقه وشَعْره فجَعَلْته في قارورة» في رواية مسلم: في قَوارِيرَ، ولم یذُر
الشَّعر، وفي ذِكْر الشَّعر غرابة في هذه القصَّة، وقد حَمَلَه بعضهم على ما يَنتَثِّر من شعره عند
التَّرَجُل، ثمَّ رأيت في رواية محمَّد بن سعد(١) ما يُزيل اللَّبس، فإنَّه أخرج (٤٢٩/٨) بسندٍ
صحيح عن ثابت عن أنس: أنَّ النبيَّ وَّهِ لِمَّا حَلَقَ شَعره بِمِنَّى أخَذَ أبو طلحة شَعَرَه، فأتى
به أُمَّ سُلَيم، فجَعَلَته في سُكّها، قالت أمّ سُلَيم: وكان يَجيء فيَقِيل عندي على نِطَعٍ، فجَعَلت
أَسْلُت العَرَق، الحديثَ.
فُيُستَفاد من هذه الرِّواية أنَّها لمَّا أخَذَتِ / العَرَق وقتَ قَيلُولَته أضافَته إلى الشَّعر الذي
٧٢/١١
عندها، لا أنَّها أخَذَت من شَعره لمَّا نامَ.
ويُستَفاد منها أيضاً أنَّ القصّة المذكورة كانت بعد حَجّة الوداع، لأنَّهِوَلَ إنَّمَا حَلَقَ رأسه
بمِنِّی فیھا.
قوله: ((في سُكِّ)) بضمِّ المهمَلة وتشديد الكاف: هو طِيبٌ مُرَكَّب، وفي ((النِّهاية)): طِيبٌ
معروف يُضاف إلى غيره من الطّب ويُستَعمَل، وفي رواية الحسن بن سفيان المذكورة(٢):
ثمَّ تَجعُه في سُكّها.
(١) وهو أيضاً عند أحمد (١٤٠٥٩).
(٢) يعني التي عند الإسماعيلي في «مستخرجه)).

١٥١
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
كتاب الاستئذان
وفي رواية ثابت المذكورة عند مسلم: دَخَلَ علينا النبيّ وَّ فقال عندنا، فعَرِقَ،
وجاءت أمّي بقارورة فجَعَلَت تَسلُت العَرَق فيها، فاستَقَظَ فقال: ((يا أُمَّ سُلَيم، ما هذا الذي
تَصنَعِينَ؟)) قالت: هذا عَرَقك نَجعَله في طِيبنا، وهو من أطيَب الطِّيب.
وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة المذكورة: عَرِقَ فاستَنَقَعَ عَرَقُه على قِطعة أَدِيمِ،
ففَتَحَت عَتِيدَتها، فجَعَلَت تُنشِّف ذلك العَرَق فَتَعصِرُه في قواريرها، فأفاقَ فقال: ((ما
تَصنَعِينَ؟)) قالت: نرجو بَرَكَته لِصِبياننا. فقال: ((أَصَبتِ)). والعَتِيدةُ بمُهمَلةٍ ثمَّ مُثنّاة وزن
عظيمة: السَّة أو الحُقّ، وهي مأخوذة من العَتاد: وهو الشَّيء المُعَدّ للأمرِ المهمّ.
وفي رواية أبي قلابةَ المذكورة: فكانت تَجمَع عَرَقه فتجعله في الطِّيب والقَوارير، فقال: ((ما
هذا؟)) قالت: عَرَقك أَذُوف به طيبي. وأَذُوفُ بِمُعجَمةٍ (١) مضمومة ثمَّ فاء، أي: أخلِط.
ويُستَفاد من هذه الرِّوايات الطّلاع النبيِّ بَِّ على فِعل أمّ سُلَيم وتَصويبُه. ولا مُعارضة بين
قولها: إنَّها كانت تَجَمَعه لأجلِ طِيبه، وبين قولها: للبَرَكة، بل يُحمَل على أنَّها كانت تَفْعَل
ذلك للأمرَينِ معاً.
قال المهلَّب: في هذا الحديث مشروعيَّة القائلة للكبير في بيوت معارفِه لما في ذلك من
ثُبوت المودّة وتأكُّد المحبّة. قال: وفيه طهارة شعر الآدميّ وعَرَقِه.
وقال غيره: لا دلالة فيه لأنَّه من خصائص النبيِّ وَّرَ، ودليل ذلك مُتمكِّن في القوّة،
ولا سيَّما إن ثَبَتَ الدَّليل على عَدَم طهارة كلٍّ منهما.
الحديث الثاني: قصَّة أمّ حَرام بنت مِلْحان أُخت أمّ سُلَيم.
(١) كذا ضبط الحافظُ رحمه الله هذه الروايةَ بالمعجمة، وقضية ذلك أن يكون المضارع: أذيف، لا أذوف، كما
جاء في روايةٍ لحديث أبي سعيد الخدري في مسلم (١٨) (٢٧) في قصة وفد عبد القيس، حيث جاء فيها:
((وتَذِيفون فيه من القُطَيعاء))، وبيِّنَه ابنُ الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم)» ص١٥٨ والنووي في ((شرح
مسلم)) ١/ ١٩١ أنه بالمعجمة من ذاف يَذيف، زاد النووي: كباع يبيع، وذكرا أنه يُروى أيضاً بالمهملة من
داف يَدُوف، زاد النووي: كقال يقول، وقالا: إنَّ الأشهر والأعرف في اللغة أنها من داف يدُوف، يعني
بالمهملة. وينسحب هذا كلُّه على حديث أبي قلابة.

١٥٢
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس.
قوله: ((إذا ذهب إلى قُباء)) لم يَذكُر أحدٌ من رواة ((الموطَّأ)) هذه الزّيادة إلّ ابن وَهْب، قال
الدّارَ قُطنيُّ: وتَابَعَ إسماعيلَ عليها عَتيقُ بنُ يعقوب عن مالكٍ.
قوله: ((أُمّ حَرام)) بفتح المهمَلتَينِ، وهي خالة أنسٍ، وكان يقال لها: الرُّمَيصاء، ولأُمِّ
سُلَيم: الغُمَيصاء، بالغَيْنِ المعجَمة، والباقي مثله.
قال عياض: وقيل: بالعكس.
وقال ابن عبد البَرِّ: الغُمَيصاء والرُّمَيصاء هي أُّ سُلَيم، ويَرُدّه ما أخرج أبو داود
(٢٤٩٢) بسندٍ صحيح عن عطاء بن يسار عن الرُّمَيصاء أُختِ أمِّ سُلَيم، فَذَكَر نحوَ حديث
الباب.
ولأبي عَوَانة (٧٤٥٦) من طريق الدَّراوَرْديّ عن أبي طُوَالةَ عن أنس: أنَّ النبيَّ نَّهِ وَضَعَ
رأسه في بیت بنت ملحان، إحدى خالات أنسٍ.
ومعنى الرَّمَص والغَمَص مُتَقاربٌ، وهو اجتماع القَذَى في مُؤخِرِ العین وفي هُذبها. وقيل:
استرخاؤُها وانكِسار الجَفْنِ.
وقد سَبَقَ حديث الباب في أوَّل الجهاد في عِدّة مواضع مِنه (٢٧٨٨)، واختُلِفَ فيه عن
أنسٍ: فمنهم مَن جعله من مُسنَده، ومنهم مَن جعله من مُسنَد أمُّ حَرام، والتَّحقيق أنَّ أوَّله
من مُسنَد أنسٍ، وقصَّة المنام من مُسنَد أمُّ حَرام، فإنَّ أنساً إنَّما حَمَلَ قصَّة المنام عنها، وقد
وَقَعَ في أثناء هذه الرِّواية: قالت: فقلت: يا رسولَ الله، ما يُضحِكك؟ وتقدَّم بيان مَن قال
فيه: عن أنس عن أُمّ حَرام في ((باب الدُّعاء بالجهادِ)(١)، لكنَّه حَذَفَ ما في أوَّل الحديث وابتَدَأه
بقولِه: اسْتَقَظَ رسول الله وَ لَ مِن نَومه، إلى آخِره، وتقدَّم في ((باب رُكوب البحر)) (٢٨٩٤) من
طريق محمّد بن يحيى بن حَبّان - بفتح المهمَلة وتشديد الموحَّدة - عن أنسٍ: حدَّثتني أمّ حَرام
(١) في سياق شرحه للحديث (٢٧٨٨) في الباب المذكور، وهو بشر بن عمر الَّهراني، وروايتُه عند أبي علي
المدائني في «فوائده)» (٢٦).

١٥٣
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
كتاب الاستئذان
بنت مِلْحان أُخت أمّ سُلَيمِ: أنَّ النبيَّ ◌َّه قال يوماً في بيتها فاستَيقَظَ، الحديثَ.
قوله: ((وكانت تحت عُبادةَ بن الصّامِت)) هذا ظاهره أنَّها كانت حينئذٍ زوج عُبادة، وتقدَّم في
(باب غَزو المرأة في البحر)) (٢٨٧٧) من رواية أبي طُوالَة عن أنس قال: دَخَلَ النبيّ وَلِّ على
ابنة مِلْحانَ، فذَكَر الحديث إلى أن قال: فتزوَّجَت عُبادة بن الصّامت، وتقدَّم أيضاً في ((باب ٧٣/١١
رُكوب البحر)) من طريق محمَّد بن يحيى بن حَبّان عن أنسٍ: فتزوَّجَ بها عُبادةُ فخَرَجَ بها إلى
الغَزو، وفي رواية مسلم (١٩١٢/ ١٦١) من هذا الوجه: فتزوَّجَ بها عُبادةُ بعدُ.
وقد تقدَّم بيان الجمع في ((باب غَزو المرأة في البحر))، وأنَّ المراد بقوله هنا: وكانت تحت
عُبادة، الإخبارُ عَّ آلَ إليه الحالُ بعدَ ذلك، وهو الذي اعتَمَدَه النَّوويّ وغيره تَبَعاً لِعياضٍ،
لكن وَقَعَ في ترجمة أُمّ حَرام من («طبقات ابن سعد)) (٤٣٤/٨): أنَّها كانت تحت عُبادة، فولدت
له محمَّداً، ثمَّ خَلَفَ عليها عَمْرو بن قيس بن زيد الأنصاريّ النَّجّاري، فولدت له قیساً
وعبدَ الله، وعَمْرُو بن قيس هذا اتَّفَقَ أهل المغازي أنَّه استُشهِدَ بأُحُدٍ.
وكذا ذكر ابن إسحاق: أنَّ ابنه قيس بن عَمْرو بن قيس استُشهِدَ بأُحُد، فلو كان الأمر
كما وَقَعَ عند ابن سعد لكان محمَّدٌ صحابيّاً لِكَونِهِ وُلِدَ لِعُبادة قبل أن يُفارق أُمَّ حَرام، ثمَّ
أَتَّصَلَت بِمَن ولدَت له قَيساً فاستُشهِدَ بأُحُدٍ، فيكون محمَّدٌ أكبرَ من قيس بن عَمْرو، إلّا أن
يقال: إنَّ عُبادة سَمَّى ابنَه محمَّداً في الجاهليَّة، كما سُمِّيَ بهذا الاسم غيرُ واحد، وماتَ محمَّدٌ
قبل إسلام الأنصار، فلهذا لم يَذْكُروه في الصحابة، ويُعكِّر عليه أنَّهم لم يَعُدُّوا محمَّدَ بن
عُبادة فيمَن سُمّيَ بهذا الاسم قبل الإسلام، ويُمكِن الجواب، وعلى هذا فيكون عُبادةُ تزوَّجَها
أوَّلاً، ثمَّ فارَقَها فتزوَّجَت عَمْرو بن قيس، ثمَّ استُشهِدَ فَرَجَعَت إلى عُبادة، والذي يظهر لي
أنَّ الأمر بعكسٍ ما وَقَعَ في ((الطَّقات))، وأنَّ عَمْرو بن قيس تزوَّجَها أوَّلاً، فولدت له، ثمَّ
استُشهِدَ هو وولدُه قيسٌ منها، وتزوَّجَت بعده بعُبادة.
وقد تقدَّم في ((باب ما قيل في قتال الرّوم)) (٢٩٢٤)، بيانُ المكان الذي نزلت به أُ حَرام مع
عُبادة في الغَزو، ولفظُه من طريق عُمَير بن الأسود: أنَّه أتى عُبادة بن الصّامت وهو نازِلٌ
◌ِساحِلِ حِمِص ومعه أمّ حَرام، قال عُمَير: فحدَّثتنا أمّ حَرام، فذَكَر المنامَ.

١٥٤
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فَدَخَلَ يوماً)) زاد القَعنبيُّ عن مالكِ: ((عليها)) أخرجه أبو داود (٢٤٩١).
قوله: ((فأطْعَمَتْهُ)) لم أقِفْ على تعيين ما أطعَمَته يومئذٍ، زاد في («باب الدُّعاء بالجهاد)):
وجَعَلَت تَفْلي رأسَه. وتَفْلي، بفتح المثنّة وسكون الفاء وكسر اللّام، أي: تُفَتِّش ما فيه، وتقدَّم
بيانه في الأدب.
قوله: ((فنامَ رسول الله وَلَ﴾) زاد في رواية اللَّيث عن يحيى بن سعيد في الجهاد (٢٧٩٩):
فنامَ قريباً منِّي، وفي رواية أبي طُوالة في الجهاد (٢٨٧٧): فاتَّكأ، ولم يقع في روايته ولا في
رواية مالكٍ بيانُ وقت النَّوم المذكور، وقد زاد غيره: أنَّه كان وقتَ القائلة، ففي رواية حمّاد
ابن زيد عن يحيى بن سعيد في الجهاد (٢٨٩٤): أنَّ النبيَّ وَّ قال يوماً في بيتها، ولمسلم
(١٩١٢/ ١٦١) من هذا الوجه: أتانا النبيُّ ونَ ليل فقال عندنا، ولأحمد (٢٧٠٣٢) وابن سعد
(٣٤٥/٨) من طريق حمَّد بن سَلَمة عن يحيى: بَيْنا رسول الله وَ ل﴿ قائلاً في بيتي، ولأحمد
(٢٧٣٧٧) من رواية عبد الوارث بن سعيد عن يحيى: فنامَ عندها - أو قال - بالشكِّ، وقد
أشارَ البخاريّ في التّرجمة إلى روایة یحیی بن سعيد.
قوله: ((ثمَّ استَيقَظَ يَضْحَك)) تقدَّم في الجهاد من هذا الوجه بلفظ: وهو يَضحَك، وكذا
هو في مُعظَم الرِّوايات التي ذكرتها.
قوله: ((فقلت: ما يُضْحِكك؟)) في رواية حَمَّاد بن زيد عند مسلم (١٩١٢): بأبي أنتَ
وأُمّي، وفي رواية أبي طُوَالةَ: لَمَ تَضحَك، ولأحمد (١٣٧٩٠) من طريقه: مِمَّ تَضحَك(١)؟
وفي رواية عطاء بن يسار عن الرُّمَيصاء: ثمَّ استَيقَظَ وهو يَضحَك، وكانت تَغسِل رأسها
فقالت: يا رسولَ الله، أتضحَكُ من رأسي؟ قال: ((لا)) أخرجه أبو داود (٢٤٩٢)، ولم يَسُق المتن
بل أحالَ به على رواية حَمَّد بن زيد (٢٤٩٠)، وقال: يزيد ويَنقُص.
وقد أخرجه عبد الرَّزّاق (٩٦٢٩)(٢) من الوجه الذي أخرجه مِنه أبو داود فقال: عن
(١) في المطبوع من ((المسند)) بتحقيقنا بلفظ: ((ممَّ ضحكتَ؟)) بصيغة الماضي.
(٢) وعنه أحمد (٢٧٤٥٤).

١٥٥
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
كتاب الاستئذان
عطاء بن يسار: أنَّ امرأة حدَّثته(١)، وساقَ المتنَ. ولفظه يدلّ على أنَّه في قصَّة أُخرى غير قصّة
أمّ حَرام، فالله أعلم(٣).
قوله: ((فقال: ناسٌ من أمَّتي عُرِضوا عليَّ غُزاةً)) في رواية حَمَّاد بن زيد: فقال: ((عَجِبت
من قومٍ من أمَّتي))، ولمسلمٍ (١٩١٢) من هذا الوجه: ((أُريت قوماً من أمَّتي)). وهذا يُشعِر
بأنَّ ضَحِكَه كان إعجاباً بهم وفَرَحاً لِمَا رأى لهم من المنزلة الرَّفيعة.
قوله: ((يَرْكَبونَ ثَبَج هذا البحر))/ في رواية اللَّيث: ((يَركَبونَ هذا البحر الأخضَر))، وفي ٧٤/١١
رواية حمّاد بن زيد: ((يَركَبونَ البحر))، ولمسلمٍ من طريقه: ((يَرَكَبونَ ظَهر البحر))، وفي رواية أبي
طُوَالةَ: ((يَركَبونَ البحر الأخضَر في سبيل الله)).
والشَّبَج بفتح المثلَّئة والموخَّدة ثمَّ جيم: ظَهْرُ الشَّيء، هكذا فَسَّرَه جماعة، وقال الخطَّبيُّ:
مَثْنُ البحر وظَهُرُه، وقال الأصمعيّ: ثَبَج كلِّ شيءٍ: وسَطه، وقال أبو عليّ في ((أماليه)): قيل:
ظَهْره، وقيل: مُعظَمه، وقيل: هَوْله، وقال أبو زيد في (نَوادِره): ضَرَبَ ثَبَج الرجل بالسَّيف،
أي: وَسَطُه، وقيل: ما بین گَتِفَیه.
والرَّاجح أنَّ المراد هنا: ظَهرُه كما وَقَعَ التَّصريح به في الطَّريق التي أشرتُ إليها، والمراد:
أنَّهم يَركَبونَ السُّفُن التي تجري على ظهره. ولمَّا كان جَرْيُ السُّفُن غالباً إنَّما يكون في وَسَطه
قيل: المراد وَسَطه، وإلّا فلا اختصاص لِوسَطِهِ بالرُّكوبِ.
وأمَّا قوله: ((الأخضَر)) فقال الكِرْمانيُّ: هي صِفَة لازِمةٌ للبحر لا مُخُصِّصةٌ. انتهى، ويحتمل
أن تكون مُصِّصة، لأنَّ البحر يُطلَق على المِلْحِ والعَذْب، فجاء لفظُ الأخضَر لتخصيصِ المِلْحِ
بالمراد، قال: والماء في الأصل لا لون له، وإنَّما تَنعَكِس الخُضْرة من انعكاس الهواء وسائر
مقابلاته إلیه.
وقال غيرُه: إنَّ الذي يُقابِله السماءُ، وقد أطلقوا عليها الخَضْراء كحديثٍ: ((ما أظَلَّتِ
(١) تحرَّف في المطبوع من ((المصنف)) إلى: ((امرأة حذيفة)).
(٢) سيزيد الحافظُ بياناً في المفارقة بين القصّتين عند شرحه لقوله في هذا الحديث: ((فصُرعت عن دابتها)).

١٥٦
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
الخَضراءُ، ولا أقلَّتِ الغَبْراءُ))(١)، والعربُ تُطلِق الأخضَر على كلّ لون ليس بأبيضَ ولا
أحَمَر، قال الشّاعر(٢):
وأنا الأخضَرُ مَن يَعرِفُني أخضَر الْجِلْدةِ مَن نَسْلِ العَرَبْ
يعني: أنَّه ليس بأَحمرَ كالعَجَم، والأحمر يُطلِقونَه أيضاً على كلّ مَن ليس بعربيٍّ. ومنه:
(بُعِثت إلى الأَسودِ والأَحمرِ))(٣).
قوله: ((مُلُوكاً على الأسِرّة)) كذا للأكثر، ولأبي ذرّ: ((ملوكٌ)) بالرَّفعِ.
قوله: ((أو قال: مِثْل الملوك على الأسِرّة. يَشُكّ إسحاقُ)) يعني: راوِيه عن أنس، ووَقَعَ في
رواية اللَّيث وحَمَّاد المشار إليهما قبلُ: ((كالملوكِ على الأسِرّة» من غير شكٌّ، وفي رواية أبي
طُوَالة: ((مِثْلُ الملوك على الأسِرّة)) بغير شَكّ أيضاً، ولأحمد (١٣٧٨٩) من طريقه: ((مَثَلهم
كمَثَلِ الملوك على الأسِرّة)) وهذا الشكّ من إسحاق: وهو ابن عبد الله بن أبي طلحة، يُشعِر
بأنَّه كان يُحافِظ على تأدية الحديث بلفظه، ولا يَتَوسَّع في تأديته بالمعنى كما تَوسَّعَ غيرُه كما
وَقَعَ لهم في هذا الحديث في عِدّة مواضعَ تظهر ممَّا سُقته وأَسُوقه.
قال ابن عبد البَرّ: أراد - والله أعلم - أنَّه رأى الغُزاة في البحر من أمَّته ملوكاً على
الأسِرّة في الجنَّة، ورُؤياه وحيٍّ، وقد قال الله تعالى في صِفَة أهل الجنّة: ﴿عَلَى سُرُرٍ
مُتَقَبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وقال: ﴿عَلَى الْأَرَآبِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، والأرائك: السُّرُر في
الحِجَال.
(١) وتمامه: ((أصدَقَ لهجةً من أبي ذرِّ)) أخرجه من حديثه ﴾ه الترمذي برقم (٣٨٠٢) وابن حبان برقم
(٧١٣٢) والحاكم ٣٤٢/٣. وأخرجه أحمد في ((المسند)) برقم (٦٥١٩)، والترمذي برقم (٣٨٠١)، وابن
ماجه برقم (١٥٦) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وهو حديث حسن.
(٢) هو الفضل بن العباس بن عُتبة بن أبي لهب. انظر ((جمهرة اللغة)) لابن دُريد، مادة (خضر).
(٣) أخرجه أحمد في «المسند» برقم (٢٢٦٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وبرقم (٢١٤٣٥) من
حديث أبي ذرّ ◌ُه، ومسلم برقم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولفظه عندهما:
((أُعطيت خمساً لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي)) وذكر منها: ((وبُعثتُ إلى كلِّ أحمر وأسود)).

١٥٧
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
كتاب الاستئذان
وقال عياض: هذا مُتَمَل، ويحتمل أيضاً أن يكون خَبَراً عن حالهم في الغَزْو من سَعَة
أحوالهم وقِوام أمرهم وكَثْرة عَدَدهم وجَودة عُدَدهم، فكأنَهم الملوك على الأسِرّة.
قلت: وفي هذا الاحتمال بُعدٌ، والأوَّل أظهَر، لكنَّ الإتيان بالتَّمثيلِ في مُعظَم طُرقه يدلّ
على أنَّه رأى ما يَؤُول إليه أمرُهم، لا أنَّهم نالوا ذلك في تلكَ الحالة، أو مَوقِعُ التَّشبيه أنَّهم
فيما هم من النَّعيم الذي أُثيبوا به على جهادهم مِثل ملوك الدُّنيا على أسِرَّتهم، والتَّشبيه
بالمحسوسات أبلَغُ في نفس السامع.
قوله: ((فقلت: ادْعُ الله أن يجعلني منهم، فدَعا لي)) تقدَّم في أوائل الجهاد (٢٧٨٨) بلفظ: فدَعا
لها، ومثله في رواية اللَّيث (٢٧٩٩)، وفي رواية أبي طُوَالَةَ (٢٨٧٧) فقال: ((اللهمَّ اجعَلها منهم))،
ووَقَعَ في رواية حَمَّد بن زيد (٢٨٩٤): فقال: ((أنتِ منهم))، ولمسلم (١٩١٢) من هذا الوجه:
(فإِنَّكِ منهم))، وفي رواية عُمَير بن الأسود (٢٩٢٤): فقلت: يا رسول الله، أنا منهم؟ قال: ((أنتِ
منهم)) ويُجمَع بأنَّهِدَعَا ها فأُجيبَ، فأخبَرَها جازِماً بذلك.
قوله: ((ثُمَّ وضَعَ رأسَه فنامَ)) في رواية اللَّيث: ثمَّ قامَ ثانيةً ففَعَلَ مِثلَها، فقالت مِثل قولها،
فأجابَهَا مِثْلَها، وفي رواية حمَّد بن زيد: فقال ذلك مرَّتَينِ أو ثلاثةً، وكذا في رواية أبي/ ٧٥/١١
طُوَالَةَ عند أبي عَوَانة (٧٤٥٦) من طريق الدَّراورديّ عنه، وله (٧٤٥٧) من طريق إسماعيل
بن جعفر عنه: ففَعَلَ مِثل ذلك مرَّتَيْنِ أُخرَيَينٍ(١). وكلُّ ذلك شاذٌّ، والمحفوظ من طريق
أنس ما اتَّفَقَت عليه روايات الجمهور: أنَّ ذلك كان مرَّتَينِ، مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، وأنَّه قال لها في
الأُولى: ((أنتِ منهم)) وفي الثّانية: ((لستِ منهم))، ويُؤْيِّده ما في رواية عُمَير بن الأسود حيثُ
قال في الأُولى: ((يَغْزُونَ هذا البحر)) وفي الثّانية: ((يَغْزُونَ مَدينة قَصَر)).
قوله: ((أنتِ من الأوَّلِينَ)) زاد في رواية الدَّراوَرديِّ عن أبي طُوَالةَ: ((ولستِ من الآخِرِينَ))،
وفي رواية عُمَير بن الأسود في الثّانية: فقلت: يا رسولَ الله، أنا منهم؟ قال: ((لا)).
(١) لم يَسُق أبو عَوَانة لفظَه، وإنما أتى الحافظ بلفظه مِن عند مَن خَرَّجه من طريق إسماعيل بن جعفر مُفصِحاً
عن لفظه بتمامه، كالأجُرِّي في ((الشريعة)) (١٩٢٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢١٤/٧٠، وهذا
من بَدیع إشارات الحافظ رحمه الله، وقد فعله مراراً.

١٥٨
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وظاهر قوله: ((فقال مِثْلَها)) أنَّ الفرقة الثّانية يَركَبونَ البحر أيضاً، ولكن رواية
عُمَير بن الأسود تَدُلّ على أنَّ الثّانية إِنَّمَا غَزَت في البَرّ لقولِهِ: ((يَغْزُونَ مدينة قَصَر)).
وقد حكى ابن التِّين أنَّ الثّانية ورَدَت في غَزاة البَرّ وأقَرَّه، وعلى هذا يحتاج إلى حَل
المِثْلِيَّة في الخبر على مُعظَم ما اشتَرَكَت فيه الطائفَتان، لا خُصوصٍ رُكوب البحر، ويحتمل
أن يكون بعض العسكر الذينَ غَزَوا مَدينة قَيصَرَ رَكِبوا البحر إليها، وعلى تقدير أن يكون
المراد ما حكى ابن التِّين، فتكون الأوَّلِيَّة مع كونها في البَرّ مُقيَّدةً بقصدِ مَدينة قَصَر، وإلّا
فقد غَزَوا قبل ذلك في البَرّ مِراراً(١).
وقال القُرطُبيّ: الأُولى: في أوَّل مَن غَزَا البحر من الصحابة، والثّانية: في أوَّل مَن غَزَا
البحر من التابعينَ.
قلت: بل كان في كلِّ مِنهما من الفريقَينِ، لكنْ مُعظَمُ الأُولى من الصحابة، والثّانية
بالعكس.
وقال عياض والقُرطُبيّ: في السّياق دليل على أنَّ رُؤياه الثّانيةَ غيرُ رُؤياه الأُولى، وأَنَّ في
كلّ نَومة عُرِضَت طائفةٌ من الغُزاة.
وأمَّا قول أمّ حَرام: ((ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم)) في الثّانية فِلِظنِّها أنَّ الثّانية تُساوي الأُولى
في المرتَبة، فسألَت ثانياً ليَتَضاعَفَ لها الأجرُ، لا أنَّهَا شَكَّت في إجابة دعاء النبيِّ وَّ لها في
المّة الأُولى وفي جزمه بذلك.
قلت: لا تَنافيَ بين إجابة دعائه وجَزْمه بأنَّها من الأوَّلينَ، وبين سؤالها أن تكون من
الآخِرِينَ، لأنَّه لم يقع التَّصريحُ لها أنَّهَا تَموت قبل زمان الغزوة الثّانية، فجَوَّزَت أنَّها تُدرِكها
فَتَغزو معهم ويَحصُل لها أجر الفريقَين، فأعلمَها أنَّها لا تُدرِك زمان الغزوة الثّانية، فكان كما
(١) لا حاجة إلى هذا الكلام كلِّه، لأنَّ فيه ذهولاً عن نصِّ رواية الحديث في هذا الباب، ففيها ذِكرُ البحر في
المرتين، وليس في رواية عمير إلّا ما ذكر غزو مدينة قيصر، دون ذكر البر، فتُحمل على أنَّ غزو مدينة
قيصر التي هي القسطنطينية تكون في البحر، وكذلك كان في أيام الفاتح رحمه الله بعد وفاة الحافظ رحمه الله
بسنین قليلة.

١٥٩
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
كتاب الاستئذان
قال عبد الله
قوله: ((فَرَكِبَتِ البحر في زمان معاوية)) في رواية اللَّيث: فخَرَجَت مع زوجها عُبادة بن
الصّامت غازياً أوَّلَ ما رَكِبَ المسلمونَ البحر مع معاوية، وفي رواية حمّاد: فتزوَّجَ بها
عُبادة، فخَرَجَ بها إلى الغَزو، وفي رواية أبي طُوَالةَ: فتزوَّجَت عُبادة، فَرَكِبَتِ البحر مع بنت
قَرَظة، وقد تقدَّم اسمها في ((باب غزوة المرأة في البحر))(١).
وتقدَّم في ((باب فضل مَن يُصرَعُ في سبيل الله)) (٢٧٩٩) بيانُ الوقت الذي رَكِبَ فيه
المسلمونَ البحر للغَزوِ أوَّلاً، وأنَّه كان في سنة ثمانٍ وعشرينَ، وكان ذلك في خِلافة عثمانَ،
ومعاويةُ يومئذٍ أمیرُ الشّام، وظاهر سیاق اخبر یُوهم أنَّ ذلك كان في خِلافَته، وليس كذلك.
وقد اغتَرَّ بظاهره بعض الناس فوَهِمَ، فإنَّ القصَّة إنَّما ورَدَت في حَقٌ أوَّلِ مَن يَغْزُو في
البحر، وكان عمرُ يَنهَى عن ركوب البحر، فلمَّا وليَ عثمان استأذَنه معاوية في الغَزو في
البحر فأذِنَ له. ونَقَلَه أبو جعفر الطَّبَريُّ عن عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلَمَ، ويكفي في الردّ
عليه التَّصريح في (الصَّحيح)): بأنَّ ذلك كان أوَّل ما غَزَا المسلمونَ في البحر، ونَقَل أيضاً
من طريق خالد بن معدان قال: أوَّل مَن غَزَا البحر معاوية في زمن عثمان، وكان استأذَنَ عمر
فلم يأذن له، فلَمْ يزلْ بعثمانَ حتَّى أذِنَ له وقال: لا تَنْتَخِب أحداً، بل مَن اختارَ الغَزو فيه
طائعاً فأعِنْهُ ففَعَلَ.
وقال خليفة بن خَيّاط في ((تاريخه)) في حوادث سنة ثمانٍ وعشرينَ: وفيها غَزَا معاوية البحر
ومعه امرأته فاختة بنت قَرَظة، ومع عُبادة بن الصّامت امرأتُه أُمُّ حَرام. وأرَّخَها في سنة
ثمان وعشرينَ غيرُ واحد، وبِهِ جَزَمَ ابن أبي حاتم.
وأرَّخَها يعقوب بن سفيان في المحرَّم سنة سبع وعشرينَ، قال: كانت فيه غَزاة قُبِرُسَ
الأُولى.
وأخرج الطَّبَرَيُّ من طريق الواقديّ: أنَّ معاوية غَزَا الرّوم في خِلافة عثمان فصالَحَ أهل ٧٦/١١
(١) في سياق شرحه للحديث رقم (٢٨٧٧) من الباب المذكور، وقال: اسمها فاختة. وقيل: كنود.

١٦٠
باب ٤١ / ح ٦٢٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قُبِرُس، وسَمَّى امرأته كَبْرة، بفتح الكاف وسكون الموحّدة، وقيل: فاختة بنت قَرَظة، وهما
◌ُختان کان معاویة تزوَّجھما واحدً بعد أُخرى.
ومن طريق ابن وهب عن ابن لَهِيعة: أنَّ معاوية غَزَا بامرأتِهِ إلى قُبُرُس في خلافة عثمان،
فصالَهم. ومن طريق أبي مَعشَر المدنيّ: أنَّ ذلك كان في سنة ثلاث وثلاثينَ.
فتَحَصَّلنا على ثلاثة أقوال، والأوَّل أصحُ، وكلُّها في خِلَافة عثمان أيضاً، لأنَّه قُتِلَ في
آخر سنة خمس وثلاثینَ.
قوله: ((فصُرِعَت عن دابّتها حين خَرَجَت من البحر فهَلَكَت)) في رواية اللَّيث: فلمَّا
انصَرَفوا من غَزْوِهم قافلينَ إلى الشّام قُرَّبَت إليها دابٌّ لِتَركبها، فصُرِعَت فماتت، وفي رواية
حمّاد بن زيد (١) عند أحمد (٢٧٠٣٢): فَوَقَصَتها بغلةٌ لها شَهباءُ، فوَقَعَت فماتت، وفي رواية
عنه(٢) مَضَت في ((باب رُكوب البحر)): فَوَقَعَت فاندَقَّت عُنُقُها. وقد ◌َمَعَ بينهما في ((باب
فضل مَن يُصرَعُ في سبيل الله))، والحاصل أنَّ البَغلة الشَّهباء قُرُّبَت إليها لِتَركَبَها، فشَرَعَت
لِتَركَب فسَقَطَت، فاندَقَّت عُنُقُها فماتت.
وظاهر رواية اللَّيث أنَّ وَقْعَتَها كانت بساحلِ الشّام لمَّا خَرَجَت من البحر بعدَ
رُجوعِهم من غَزاة قُبُرُسَ، لكن أخرج ابن أبي عاصم في كتاب ((الجهاد)) (٢٨٤) عن هشام
ابن عمَّار عن يحيى بن حمزة بالسَّنَد الماضي لِقِصَّة أُمّ حَرام في ((باب ما قيل في قتال الرُّوم) وفيه:
وعُبادة نازِلٌ بساحلِ حِمِص.
قال هشام بن عَّار: رأيت قَبَرَها بساحلِ حِصَ (٣).
(١) كذا نسب الحافظ هذه الرواية هنا لحماد بن زيد، وهو وهمٌّ منه رحمه الله، لأنَّ الرواية لحماد بن سلمة،
وليست لابن زيد، كما جاء مصرَّحاً باسمه عند أحمد، وكذلك عند إسحاق بن راهويه (٢١٩٦)، وأبي
عوانة (٧٤٦١)، وقدَّم الحافظ نسبتها على الصواب لحماد بن سلمة عند شرح قوله في الحديث: ((فنام
رسول الله {﴿)) وعزاها لأحمد وابن سعد.
(٢) يعني عن حماد بن زيد، عند البخاري برقم (٢٨٩٤).
(٣) وقع قول هشام بن عمار عند الحسن بن سفيان في ((مسنده)) كما نبّه عليه الحافظ نفسه عند شرح الحديث
(٢٩٢٣)، وليس هو عند ابن أبي عاصم كما قد يُتوهّم.