Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ باب ٦٤ كتاب الوضوء الشافعي/ وأحمد وأصحاب الحديث، وكذا الجمع مُمكِن على القول بنجاسَتِهِ بأنْ يُحمَلَ ٣٣٣/١ الغسل على ما كان رَطْباً، والفَرْك على ما كان يابساً، وهذه طريقة الحنفيَّة، والطريقة الأولى أرجح، لأنَّ فيها العملَ بالخبرِ والقياس معاً، لأنَّه لو كان نَجِساً لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاءِ بفَرْكِه كالدَّم وغيره، وهم لا يكتفون فيما لا يُعْفَى عنه من الدَّم بالفَرْك، ويَرُدُّ الطريقة الثانية أيضاً ما في رواية ابن خُزيمة (٢٩٤) من طريقٍ أُخرى عن عائشة: «كانت تَسْلُتُ المنيِّ من ثوبه بعِرْقِ الإذخِر، ثمَّ يُصلّي فیه، وتُگُّه من ثوبه يابساً، ثمَّ يُصلّي فيه))(١) فإنَّه يتضمَّن ترك الغسل في الحالتين. وأمَّا مالكٌ فلم يعرف الفَرْك وقال: إنَّ العملَ عندَهم على وجوب الغسل كسائرٍ النجاسات، وحديث الفَرْكِ حُجّة عليهم، وحمل بعض أصحابه الفَرْك على الدَّلْكِ بالماء، وهو مردودٌ بما في إحدى روايات مسلم (٢٩٠) عن عائشة: «لقد رأيتُني وإني لَاحُّه من ثوب رسول الله (وَ﴿ يابساً بِظُفُري)) وبما صَحَّحَه التِّرمِذيُّ (١١٦) من حديث همَّام بن الحارث: أنَّ عائشة أنكَرَتْ على ضَيْفِها غسله الثوب فقالت: لِمَ أفسَدَ علينا ثوبَنا؟ إنَّما كان يكفيه أنْ يَفْرُكَه بأصابعِهِ، فرُبَّمَا فَرَكْتُه من ثوب رسول الله ◌َّ بأصابعي. وقال بعضهم: الثوبُ الذي اكتفتْ فيه بالفَرْكِ ثوب النوم، والثوب الذي غَسَلته ثوب الصلاة، وهو مردودٌ أيضاً بما في إحدى روايات مسلم (١٠٥/٢٨٨) من حديثها أيضاً: ((لقد رأيتُني أفرُكُه من ثوب رسول الله وَلَ فَرْكاً فيُصلّي فيه)) وهذا التعقيب بالفاء ينفي احتمالَ تخلَّلِ الغسل بين الفَرْكِ والصلاة. وأصرحُ منه رواية ابن خُزيمة (٢٩٠): ((أنَّها كانت تَّحْكُّه من ثوبه ◌َّ وهو يُصلّي» وعلى تقدير عدم وُرودِ شيءٍ من ذلك، فليس في حديث الباب ما يدلّ على نجاسة المنيّ، لأنَّ غسلها فعلٌ وهو لا يدلُّ على الوجوب بمجرَّدِهِ، والله أعلم. وطَعَنَ بعضهم في الاستدلال بحديث الفَرْكِ على طهارة المني، بأنَّ مَنيَّ النبيِّ وَّ طاهر (١) الذي في ((صحيح ابن خزيمة)) (٢٩٤): كان رسول الله له يسلت المنيَّ من ثوبه بعرق الإذخر ... ويحته من ثوبه ... ٦٨٢ باب ٦٤ / ح ٢٢٩ - ٢٣٠ فتح الباري بشرح البخاري دون غيره کسائرٍ فَضَلاته. والجوابُ على تقدير صِحَّة كَوْنه من الخصائصِ: أنَّ مَنيَّه كان عن جماعٍ، فيُخالطُ مَنيَّ المرأة، فلو كان مَنيُّها نَجِساً لم يُكْتفَ فيه بالفَرْك، وبهذا احتَجَّ الشيخ الموفَّق وغيره على طهارة رُطوبة فَرْجِها، قال: ومَن قال: إنَّ المنيَّ لا يَسلَمُ من المَذْي فيتنجَّسُ به، لم يُصِب، لأَنَّ الشهوةَ إذا اشتَدَّتْ خرج المنيُّ دون المَذْي والبولِ كحالة الاحتلام، والله أعلم. قوله: (وغسل ما يصيبُ)) أي: الثوبَ وغيره من المرأة. وفي هذه المسألة حديث صريح ذكره المصنِّف بعدُ في آخر كتاب الغُسْل من حديث عثمان (٢٩٢) ولم يذكره هنا، وكأنَّه استنبَطَه مَمَّ أشرنا إليه من أنَّ المنيَّ الحاصلَ في الثوبِ لا يُخْلو غالباً من مُخَالَطة ماء المرأة ورُطوبَتِها. ٢٢٩- حدَّثنا عَبْدانُ، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا عَمُرُو بنُ ميمونِ الْجَزَرِيُّ عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن عائشةَ قالت: كنتُ أغسِلُ الجنابةَ من ثوبِ النبيِّ وَّ فيخرُجُ إلى الصلاةِ وإنَّ بُقَعَ الماءِ في ثوبه. [أطرافه في: ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢] قوله: ((عَمْرو بن ميمون الجَزَري)) كذا للجمهورِ وهو الصوابُ، وهو بفتح الجيم والزَّاي بعدَها راء، منسوب إلى الجزيرة، وكان ميمون بن مِهْران والد عَمْرو نَزَلها فنُسِبَ إليها ولده. ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهَني وحدَه: ((الجَوْزي)) بواوٍ ساكنةٍ بعدَها زاي، وهو غلطٌ منه. قوله: ((أغسِلُ الجَنَابة)) أي: أثر الجنابة، فيكون على حذف مضافٍ، أو أُطلِقَ اسم الجنابة على المنيِّ تَجازاً. قوله: ((بُقَع)) بضم الموخَّدة وفتح القاف جمع بُقْعة، قال أهل اللَّغة: البُقَعُ اختلاف اللونَين. ٢٣٠ - حدّثنا قُتَيَبةُ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا عَمْرٌو، عن سليمانَ، قال: سمعتُ عائشةً (ح) وحدَّثنا مُسَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثنا عَمُو بنُ میمونٍ، عن سلیمانَ بنِ یسارٍ ٦٨٣ باب ٦٤ / خ ٢٣٠ كتاب الوضوء قال: سألتُ عائشةَ عن المنيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فقالت: كنتُ أغسِلُه من ثوبٍ رسولِ الله وَّل فيَخرُجُ إلى الصلاةِ وأثَّرُ الغسلِ في ثوبه بُقَعُ الماءِ. قوله في الإسناد الثاني: «حدَّثنا يزيدُ)) قال أبو مسعود الدِّمشقي: كذا هو غير منسوبٍ في رواية الفِرَبْري وحَمَّاد بن شاكر، ويقال: إنَّه ابن هارون وليس بابن زُرَيع وجميعاً قد رَوَياهُ(١)؛ يعني عن عَمْرو بن ميمون، ووَقَعَ في رواية ابن السَّكنِ أحد الرُّواة عن الفِرَبْري: ((حدَّثنا يزيدُ، يعني ابن زُرَيع)) وكذا أشار إليه الكَلاباذِيُّ، وَرَجَّحَ القُطْب الحَلِيمي في شرحِه أنَّه ابن هارون قال: لأنَّه وُجِدَ من روايته ولم يُوجَدْ من رواية ابن زُرَيع. قلت: ولا يلزمُ من عدم الوِجْدان عدمُ الوقوع، كيف وقد جزم أبو مسعود: بأنَّه رواه، فدلَّ على وِجْدانه، والمُثبِتُ مُقدَّم على النافي، وقد خَرَّجَه الإسماعيلي وغيره من حديث يزيد بن هارون بلفظٍ مخالفٍ للسّیاق الذي أورده البخاريُ، وهذا/ من مُرجِّحات گونه ابن ٣٣٤/١ زُرَیع، وأيضاً فقُتَیبة معروف بالرواية عن یزید بن زُرَیع دون ابن هارون، قاله المِّي، والقاعدة في مَن أُهِمِلَ أنْ يُحمَلَ على مَن للراوي به خصوصيّة كالإكثار وغيره، فتَرجَّحَ أنَّه ابن زُرَیع، والله أعلم. قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو)) كذا للأكثر، ولأبي ذرٍّ: ((يعني ابن ميمون)) وهو ابن مِهْران كما سيأتي في آخر الباب الذي يليه. قوله: ((سمعتُ عائشة)) وفي الإسناد الذي يليه: ((سألت عائشة))، فيه رَدٌّ على البَزَّار حيثُ زَعَمَ أنَّ سليمان بن يسارٍ لم يسمع من عائشة، على أنَّ البَزَّارَ مسبوق بهذه الدَّعوَى، فقد حكاه الشافعي في ((الأُمّ)) عن غيره وزاد أنَّ الحُفَّظَ قالوا: إنَّ عَمْرو بن ميمون غَلِطَ في رفعه، وإنّما هو من فتوی سلیمان، انتھی. وقد تَبيَّن من تصحيح البخاري له وموافقة مسلم له على تصحيحه (٢٨٩) صِحّة (١) في (س): رويا، بإسقاط الهاء من آخره، وهو في ((تحفة الأشراف)) للمزي (١٦١٣٥) نقلاً عن أبي مسعود كما أثبتنا من النسختين الخطيتين، وعبارة الحافظ بعد أسطر تفيد أن إثباتها هو الصواب. ٦٨٤ باب ٦٥ فتح الباري بشرح البخاري سماع سليمان منها، وأنَّ رفعَه صحيح وليس بين فَتْواه وروايته تَنافٍ، وكذا لا تأثيرَ للاختلاف في الرِّوايتَينِ حيثُ وَقَعَ في إحداهما أنَّ عَمْرو بن ميمون سألَ سليمان، وفي الأُخرى أنَّ سليمان سألَ عائشة، لأنَّ كُلَّ منهما سألَ شيخَه فحَفِظَ بعض الرُّواة ما لم يَحفَظْ بعض، وكلّهم ثقات. قوله: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد البصريُّ، وفي طَبَقَتِه عبد الواحد بن زيد البصري ولم يُرِّجْ له البخاري شيئاً. قوله: ((عن المنيٍّ)) أي: عن حُكْم المني هل يُشرَعُ غسله أم لا؟ فحصل الجوابُ بأنّها كانت تَغْسِلُه، وليس في ذلك ما يقتضي إيجابه كما قدَّمناه. قوله: ((فيَخرُجُ)) أي: من الحُجْرة إلى المسجد. قوله: ((بُقَعُ الماءِ) بضم العين مرفوعٌ على أنَّه بدلٌ من قوله: ((أثر الغسل))، ويجوزُ النصبُ على الاختصاص. وفي هذه الرواية جواز سؤال النساء عمّا يُستحَى منه لمصلحة تعلَّم الأحكام. وفيه خِدْمةُ الزوجات للأزواج. واستدلَّ به المصنّف على أنَّ بقاءَ الأثرِ بعدَ زوال العين في إزالة النجاسة وغيرها لا يَضُرُّ، فلهذا تَرجَمَ: ٦٥ - باب إذا غَسَلَ الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثرُه وأعاد الضمير مذكَّراً على المعنى، أي: فلم يذهبْ أثر الشيءٍ المغسول، ومراده أنَّ ذلك لا يَضُرُّ. وذكر في الباب حديث الجنابة وأْحْقَ غيرها بها قياساً، أو أشار بذلك إلى ما رواه أبو داود (٣٦٥) وغیرُه من حديث أبي هريرة: أنَّ خولة بنت یسار قالت: یا رسول الله، لیس لي إلَّا ثوب واحد وأنا أحيضُ فيه، فكيف أصنَعُ؟ قال: ((إذا طَهُرْتِ فاغسِليه ثمَّ صَلّي فيه)) ٦٨٥ باب ٦٥ / ح ٢٣١ - ٢٣٢ كتاب الوضوء قالت: فإنْ لم يَخْرُجِ الدَّمُ؟ قال: ((يكفيكِ الماءُ ولا يَضُرُّكِ أثرُه)) وفي إسناده ضعفٌ، وله شاهدٌ مُرسَلٌ ذكره البيهقي (٤٠٨/٢-٤٠٩)، والمراد بالأثر: ما تَعَسَّرَ إزالته جمعاً بين هذا وبين حديث أُم قيس: ((حُكّيه بضِلَعِ واغسِليه بماء وِدْر)) أخرجه أبو داود أيضاً (٣٦٣) وإسناده حسن. ولمَّا لم يكن هذا الحديث على شرطِ المصنِّف، استَنْبَطَ من الحديث الذي على شرطِه ما يدلُّ على ذلك المعنى كعادته. ٢٣١ - حدَّثنا موسى بن إسماعيل المِنقَريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثْنا عَمرُو بنُ ميمونٍ، قال: سمعتُ سليمانَ بنَ يسارٍ في الثَّوْبِ نُصِيبُهُ الجَنَابةُ، قال: قالت عائشةُ: كنتُ أغسِلُه من ثوبٍ رسولِ الله وَّةِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الصلاةِ وأثَرُ الغسل فيه بُقَعُ الماءِ. قوله: ((المِنْقَري)) بكسر الميم وإسكان النّون وفتح القاف نسبة إلى بني مِنْقَر - بَطْن من تميم - وهو أبو سَلَمَةَ التبوذَكيُّ، وعبد الواحد: هو ابن زياد أيضاً. قوله: ((سمعت سليمان بن يسار في الثوب)) أي: يقول في مسألة الثوب، وللكُشْمِیھَنيّ: ((سألت سليمان بن يسارٍ في الثوب)) أي: قلتُ له: ما تقولُ في الثوب؟ أو ((في)) بمعنى: عن. ٣٣٥/١ قوله: ((أغسِلُه))/ أي: أثر الجنابة أو المنيّ. قوله: ((وأثَر الغسل فيه)) يحتمل أنْ يكون الضمير راجعاً إلى أثرِ الماء أو إلى الثوب، ويكون قوله: ((بُقَع الماء)) بدلاً من قوله: ((أثر الغسل)) كما تقدَّم (٢٣٠)، أو المعنى: أثر الجنابة المغسولة بالماء فيه من بُقَع الماء المذكور، وقولُه في الرواية الأُخرى (٢٣٢): «ثمَّ أراه فيه)) بعدَ قوله: ((كانت تَغْسِلُ المني)) يُرجِّح هذا الاحتمال الأخير، لأنَّ الضميرَ يرجعُ إلى أقرب مذکورٍ وهو المنيُّ. ٢٣٢ - حدَّثْنَا عَمرُو بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا عَمرُو بنُ میمونِ بنِ مِهْرانَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن عائشة: أنَّها كانت تَفْسِلُ المنِيَّ من ثوبِ النبيِّوَِّ، ثُمَّ أَرَاهُ فيه بُقْعَةً أو بُقَعاً. قوله: ((زهير)) هو ابن معاوية الجُعْفي. ٦٨٦ باب ٦٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّها كانت)) يحتمل أنْ يكون مذكوراً بالمعنى من لفظها، أي: قالت: كنت أغسِلُ، ليُشاكل قولها: ((ثمَّ أَراه))، أو حَذَفَ لفظ ((قالت)» قبل قولها: ثمَّ أراه. قوله: ((ُقْعةً أو بُقَعاً)) يحتمل أنْ يكون من كلامها ويُنَزَّلُ على حالتين، أو شكّاً من أحدٍ رواته، والله أعلم. ٦٦ - باب أبوال الإبل والدوابِ والغنم ومَرَابضها وصَلَّى أبو موسى في دار التِرِيدِ والسِّرْقِينِ والبَرِّيَّةُ إلى جَنْبه، فقال: هاهُنا وثَمَّ سَواءٌ. قوله: ((باب أبوال الإبل والدَّواب والغَنَم)) والمراد بالذَّوابُ معناه العُزْفي: وهو ذواتُ الحافِ من الخيلِ والبغال والحمير، ويحتمل أنْ يكون من عَطْف العام على الخاصّ، ثمَّ عَطْف الخاص على العامِّ، والأوَّل أو جه، وهذا ساق أثر أبي موسى في صلاته في دار البَريد، لأنَّهَا مأوَى الدَّواب التي تُركَبُ، وحديثَ العُرَنيّين ليستدلَّ به على طهارة أبوال الإبل، وحديث مَرابض الغَنَم ليستدل به على ذلك أيضاً منها. قوله: ((ومَرَابضها)) جمع مِرْبَض بكسر أوَّلِه وفتح الموحّدة بعدَها مُعجَمة: وهي للغَنَم كالمعاطنِ للإبل، والضميرُ يعودُ على أقربِ مذكور وهو الغَنَمُ. ولم يُفصِحِ المصنِّفُ بالحُكْم كعادته في المختلَفِ فيه، لكنَّ ظاهرَ إيرادِهِ حديث العُرَنّين يُشعِرُ باختياره الطهارة، ويدلُّ على ذلك قوله في حديث صاحبِ القبرِ: ولم يذكر سِوَى بول الناس(١)، وإلى ذلك ذهب الشَّعْبي وابن عُلَيَّة وداودُ وغيرهم، وهو يَرُدُّ على مَن نقل الإجماع على نجاسة بَوْلِ غير المأكولِ مُطلَقاً، وقد قدَّمنا ما فيه. قوله: ((وصَلَّى أبو موسى)» هو / الأشعَريُّ. وهذا الأثر وَصَلَه أبو نُعيم شيخ البخاري في كتاب ((الصلاة)) له قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن مالك بن الحارث - هو السُّلَميُّ الكوفيُّ - عن أبيه قال: صَلَّى بنا أبو موسى في دار البَريدِ وهناك سِرْقين الدَّواب والبَرّيَّةُ على الباب فقالوا: لو صَلَّيتَ على الباب ... فذكره. ٣٣٦/١ (١) السالف في: باب ما جاء في غسل البول (٥٦). ٦٨٧ باب ٦٦ كتاب الوضوء والسِّرْقينُ بكسر المهمَلة وإسكان الراء: هو الزِّبْلُ، وحكى فيه ابنُ سِيدَهْ فتح أوَّلِه وهو فارسيٌّ مُعرَّبٌ، ويقال له: السِّرْجينُ بالجيم، وهو في الأصلِ حَرْفٌ بين القاف والجيم يَقرُبُ من الكاف. والبَرّيَّة: الصَّحْراء منسوبة إلى البَرَ، ودار البَريدِ المذكورة موضع بالكوفة كانت الرُّسُلُ تَنزِلُ فيه إذا حَضَرَتْ من الخُلَفاءِ إلى الأُمراء، وكان أبو موسى أميراً على الكوفة في زمنٍ عمرَ وفي زمنٍ عثمان، وكانت الدّارُ في طرفِ البلد، ولهذا كانت البَرّيَّة إلى جَنْبها. وقال المطرِّزيُّ: البَريدُ في الأصل: الدَّابّة المُرتَّبَة في الرِّباط، ثمَّ سُمّيَ به الرسول المحمول عليها، ثمَّ سُمّيَتْ به المسافة المشهورة. فائدة: ذكر البخاري في («تاريخه)) (٨/ ٢٥٥): هَمْدانُ بریدُ عمر وهو یروي عن عمر. وله أثرٌ ذکرہ المصنِّفُ تعلیقاً عن عُمَیر کما سيأتي تخريجه من طریقه(١) . قوله: ((سواءٌ) يريدُ أنَّهما متساويان في صِحَّة الصلاة، وتُعُقِّبَ بأنَّه ليس فيه دليلٌ على طهارة أرواث الذَّواب عند أبي موسى، لأنَّه يُمكِنُ أنْ يُصلّيَ فيها على ثوبٍ يَبْسُطُه. وأُجيبُ بأنَّ الأصلَ عدمه، وقد رواه سفيان الثَّوْرِيُّ في ((جامعِه)) عن الأعمَش بسنده ولفظه: ((صَلَّى بنا أبو موسى على مكانٍ فيه ◌ِرْقين)) وهذا ظاهر في أنَّه بغير حائلِ، وقد روى سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيِّبِ وغيره: أنَّ الصلاةَ على الطَّنْفِسة مُحدَث، وإسناده صحيح. والأَولى أنْ يقال: إنَّ هذا من فعلٍ أبي موسى وقد خالفه غيرُه من الصحابة كابن عمر وغيره، فلا يكون حُجّة. أو لعلَّ أبا موسى كان لا يرى الطهارةَ شرطاً في صِحَّة الصلاة، بل يراها واجبة برأسِها، وهو مذهبٌ مشهورٌ. وقد تقدَّم مثله (٢) في قِصَّة الصحابيِّ الذي صَلَّى بعدَ أنْ جُرِحَ وظهر عليه الدَّم الكثير، فلا يكون فيه حُجّة على أنَّ الرَّوْثَ طاهر، كما (١) في كتاب الصلاة: باب رقم (٩٥) بين يدي الحديث (٥٠٢). (٢) في: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين (٣٥). : ٦٨٨ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ فتح الباري بشرح البخاري أنَّه لا حُجّة في ذلك على أنَّ الدَّمَ طاهر، وقياس غير المأكولِ على المأكولِ غير واضح، لأنَّ الفَرْقَ بينهما مُتَّجه لو ثبت أنَّ رَوْث المأكول طاهر، وسنذكر ما فيه قريباً. والتمَسُّكُ بعموم حديث أبي هريرة الذي صَحَّحَه ابن خُزَيمة وغيرُه مرفوعاً بلفظ: ((استَنزِهوا من البول، فإنَّ عامّة عذاب القبر منه))(١) أَولى، لأنَّه ظاهرٌ في تَناوُل جميع الأبوال(٢)، فيجبُ اجتنابُها لهذا الوعيد، والله أعلم. ٢٣٣ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حَادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ قال: قَدِمَ أُناسٌ من عُكْلٍ أو عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوُا المدينةَ، فأمَرَهُمُ النبيُّ بِّهِ بِقَاحِ وأنْ يَشربُوا من أبوالِها وألْبانِها، فانْطَلَقُوا، فلمَّا صَحُوا قَتَلُوا راعيَ النبيِّنَّهِ واستَاقُوا النَّعَمَ، فجاءَ الخَبَرُ في أوَّلِ النَّهارِ، فَبَعَثَ في آثَارِهم، فلمَّا ارتفعَ النَّهارُ جِيءَ بهم، فأُمَرَ فقَطَعَ أيدِيَهم وأرجُلَهم وسُمِرَتْ أعيُنُهم، وأُلقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسقُونَ فلا يُسقَوْنَ. قال أبو قِلابةَ: فهؤلاءِ سَرَقُوا وقَتَلُوا وكَفَرُوا بعدَ إيمانهم، وحاربُوا اللهَ ورسولَه. [أطرافه في: ١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٩٩،٦٨٠٥] قوله: «عن أيوب، عن أبي قلابةَ» کذا رواه البخاريُّ، وتابعَه أبو داود (٤٣٦٤) عن سليمان بن حرب، وكذا أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) عن أبي داود السِّجِسْتاني (٦١١٧) وأبي داود الحرَّانيّ (٦١١٥)، وأبو نُعيم في ((المستخرَج)) من طريق يوسفَ القاضي، كلّهم عن سليمان، وخالفهم مسلم (١٦٧١/ ١١) فأخرجه عن هارون بن عبد الله، عن سلیمان ابن حرب، وزاد بين أيوب وأبي قلابةَ أبا رجاء مولى أبي قلابة، وكذا أخرجه أبو عَوَانة (١) حديث أبي هريرة هذا لم نقف عليه في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة))، ولم يعزه له الحافظ نفسه في كتابيه ((الإتحاف)) ٥٢٠/١٥ و((التلخيص)) ١٠٦/١، وإنما عزاه إلى الدار قطني، وهو في ((سننه)) برقم (٤٦٤). (٢) هذا ليس بجيد، والصواب طهارة أبوال الإبل ونحوها مما يؤكل لحمه كما يأتي دليله في حديث العرنيين، و((ال)) في قوله عليه السلام: ((استنزهوا من البول)) للعَهْد، والمعهود بينهم بول الناس كما قاله البخاري، وكما يدل عليه حديث القبرين وأثر أبي موسى المذكور، والله أعلم. (س). ٦٨٩ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ كتاب الوضوء (٦١١٨) عن أبي أُميَّةَ الطَّرَسوسيّ، عن سليمان، وقال الدَّارَقُطني وغيرُه: ثبوتُ أبي رجاء وحذفه - في حديث حمّاد بن زيد عن أيوبَ - صواب، لأنَّ أيوبَ حدَّث به عن أبي قلابةً بِقِصَّة العُرَنِّينَ خاصّة، وكذا رواه أكثرُ أصحاب حَمَّد بن زيد عنه مُقْتَصِرين عليها، وحدَّث به أيوب أيضاً عن أبي رجاء مولى أبي قِلابةً عن أبي قلابةً(١) وزاد فيه قِصّة طويلة لأبي قلابةَ مع عمر بن عبد العزيز كما سيأتي ذلك في كتاب الدّيات (٦٨٩٩)، ووافقه على ذلك حَجّاج الصَّاف عن أبي رجاء، فالطريقان جميعاً صحيحان، والله أعلم. قوله: ((عن أنس)) زاد الأَصِيلي: ابن مالك. ٣٣٧/١ قوله: ((قَدِمَ أُناس)) وللأَصِيلي والكُشْمِيهَنِيِّ والسَّرَخْسيّ: ((ناس)) أي: على رسولِ الله ◌ِصَّه وصَرَّحَ به المصنِّفُ في الدّيات (٦٨٩٩) من طريق أبي رجاء عن أبي قلابة. قوله: ((من عُكْلٍ أو عُرَيْنَ)) الشَّك فيه من حمّاد، وللمصنّف في المحاربين (٦٨٠٥) عن قُتَيبة عن حمّاد: ((أنَّ رَهْطاً مَن عُكْلٍ، أو قال: من عُرَيْنَةَ، ولا أعلمُه إلَّا قال: مَن عُكْلٍ))، وله في الجهاد (٣٠١٨) عن وُهَيبٍ عن أيوبَ: ((أَنَّ رَهْطاً مَن عُكْلٍ)) ولم يَشُكَّ، وكذا في المحاربين (٦٨٠٢) عن یحیی بن أبي کثیر، وفي الدّيات (٦٨٩٩) عن أبي رجاء، كلاهما عن أبي قلابةَ، وله في الَّكاة (١٥٠١) عن شُعْبةَ عن قتادة عن أنس: ((أنَّ ناساً من عُرَيْنَ)) ولم يَشُكَّ أيضاً، وكذا لمسلم (١٣/١٦٧١) من رواية معاوية بن قُرّة عن أنس، وفي المغازي (٤١٩٢) عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة: ((أنَّ ناساً من عُكْلِ وعُرَيْنَةَ)) بالواو العاطفة وهو الصوابُ، ويؤيِّدُه ما رواه أبو عَوَانة (٦٠٩٨) والطبري (٢٠٨/٦) من طريق سعيد ابن بشير، عن قتادة، عن أنس قال: ((كانوا أربعةً من عُرَيْنَةَ وثلاثة من عُكْلٍ))، ولا يخالفُ هذا ما عند المصنّف في الجهاد (٣٠١٨) من طريق وُهَيب عن أيوب، وفي الدّيات (٦٨٩٩) من طريق حَجّاج الصَّاف عن أبي رجاء، كلاهما عن أبي قِلابةَ عن أنس: ((أنَّ رَهْطاً من (١) سيأتي من هذا الطريق عند البخاري (٤١٩٣)، وفيه ذكر قصة أبي قلابة مع عمر بن عبد العزيز باختصار، وهي عنده في الديات مطولة لكن من طريق الحجاج بن أبي عثمان عن أبي رجاء. ٦٩٠ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ فتح الباري بشرح البخاري عُكْلِ ثمانية)) لاحتمال أنْ يكون الثامن من غير القبيلتينِ وكان من أتباعهم فلم يُنسَب، وغَفَلَ مَن نَسَبَ عِدَّتَهم ثمانية لرواية أبي يعلى (٢٨١٦) وهي عند البخاريّ (٣٠٨١)، وكذا عند مسلم (١٦٧١ / ١٠). وزَعَمَ ابنُ التّينِ تَبَعاً للدَّاووديِّ: أنَّ عُرَيْنَةَ هم عُكْل، وهو غلطٌّ، بل هما قبيلتان مُتَغَايِرَتان: عُْلٌ من عَدْنان، وعُرَيْنَةُ من قَحْطان. وعُكْل بضمِّ المهمَلة وإسكان الكاف: قبيلة من تَّيْم الرَّباب، وعُرَيْنة بالعين والراءِ المهمَلتَينِ والنّون مُصغَّراً: حَيٌّ من قُضاعة وحَيٌّ من بَجيلة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره موسى بن عُقْبةَ في ((المغازي))، وكذا رواه الطبري (٦ /٢٠٨) من وجهٍ آخرَ عن أنس، ووَقَعَ عند عبد الرزاق (١٨٥٤١) من حديث أبي هريرة بإسنادٍ ساقِطٍ أنَّهم من بني فَزَارة. وهو غلطٌّ، لأنَّ بني فَزَارة من مُضَرَ لا يجتمعون مع عُكْلٍ ولا مع عُرَيْنَةَ أصلاً. وذكر ابن إسحاق في ((المغازي)): أنَّ قُدومَهم كان بعدَ غَزْوه ذي قَرَدٍ، وكانت في ◌ُمادى الآخرة سنة سِت. وذكرها المصنِّفُ بعدَ الحُدَيْبية وكانت في ذي القَعْدة منها، وذكر الواقدي أنَّهَا كانت في شوَّالٍ منها، وتَبِعَه ابن سعد وابن حِبَّان وغيرهما، والله أعلم. وللمصنّف في المحاربين (٦٨٠٤) من طريق وُهَيب عن أيوب: أنَّهم كانوا في الصُّفّة قبل أنْ يَطلُبوا الخروجَ إلى الإبل. قوله: ((فاجْتَوَوُا المدينة)) زاد في رواية يحيى بن أبي كثير (٦٨٠٢) قبل هذا: ((فأسلموا))، وفي رواية أبي رجاء (٦٨٩٩) قبل هذا: ((فبايعوه على الإسلام)). قال ابن فارس: اجتَوَيْت البلد: إذا كرهت المُقام فيه وإنْ كنت في نِعْمة. وقَيَّدَه الخطَّبيُّ بما إذا تَضَرَّرَ بالإقامة، وهو المناسبُ لهذه القِصّة. وقال القَزّاز: اجْتَوَوْا، أي: لم يوافقْهم طعامها، وقال ابن العربيّ: الجَوَى: داء يأخذُ من الوَباء، وفي روايةٍ أُخرى - يعني رواية أبي رجاء المذكورة -: ((استَوخَموا)) قال: وهو بمعناه. وقال غيره: الجوى: داء يصيبُ الجَوْف. ٦٩١ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ كتاب الوضوء وللمصنّف (٤١٩٢) من رواية سعيدٍ عن قتادة في هذه القِصَّة: ((فقالوا: يا نبي الله، إنّا كنّا أهلَ ضَرْعٍ ولم نَكُنْ أهلَ رِيف))، وله في الطِّبّ (٥٦٨٥) من رواية ثابتٍ عن أنس: ((أنَّ ناساً كان بهم سَقَمٌ قالوا: يا رسول الله، آوِنا وأطعِمْنا، فلمَّا صَحّوا قالوا: إنَّ المدينةَ وَرِمة)). والظاهرُ أنَّهم قَدِموا سِقاماً، فلمَّا صَحّوا من السَّقَم كرهوا الإقامةَ بالمدينة لوَحْها، فأمَّا السَّقَمُ الذي كان بهم فهو الهُزالُ الشديدُ والجَهْد من الجوع، فعند أبي عَوَانة (٦١٠٤) من رواية غَيْلان، عن أنس: ((كان بهم هُزال شديد))، وعندَه (٦١١٠) من رواية أبي سعد عنه: ((مُصْفَرّة ألوانُهم)). وأمَّا الوَخْمُ الذي شكَوْا منه بعدَ أنْ صَحَّتْ أجسامُهم، فهو من حُنَّى المدينة كما عند أحمد من رواية حُميدٍ عن أنس(١)، وسيأتي ذِكرُ حُلَّى المدينة من حديث عائشة في الطِّبّ (٥٦٧٧)، وأنَّ النبيَّ ◌َِّدَعا اللهَ أنْ يَنقُلها إلى الجُحْفة. ووَقَعَ عند مسلم (١٣/١٦٧١) من رواية معاوية بن قُرّة عن أنس: ((وَقَعَ بالمدينة المُوم)) أي: بضمِّ/ الميم وسكون الواو، قال: وهو البِرْسامُ، أي: بكسر الموحّدة، سُرْياني ٣٣٨/١ مُعرَّب أُطلِقَ على اختلال العقلِ وعلى وَرَم الرأسِ وعلى وَرَمِ الصَّدْر، والمراد هنا الأخير، فعند أبي عَوَانة (٦٠٩٦) من رواية هَّام، عن قتادة، عن أنس في هذه القِصَّة: ((فعَظُمَتْ بُطوئُهم)). قوله: ((فأمَرَهم بلقاح)) أي: فأمرهم أنْ يَلْحقوا بها، وللمصنّف (٥٦٨٦) في رواية همَّام عن قتادة: ((فأمرهم أنْ يَلْحقوا براعيه)»، وله (٦٨٠٥) عن قُتَيبَةَ عن حَمَّاد: ((فأمَرَ لهم بلِقاح)» بزيادة اللام، فيحتمل أنْ تكون زائدة، أو للتَّعْليلِ، أو لِشِبْه المِلْكِ، أو للاختصاص وليست للتَّمْلیك. وعند أبي عَوَانة (٦١٢٣) من رواية معاوية بن قُرّة التي أخرج مسلم (١٣/١٦٧١) إسنادها: أنَّهم بدؤوا بطلب الخروج إلى اللّقاح فقالوا: يا رسول الله، قد وقع هذا الوَجَعُ (١) لم نقف على هذه الرواية بلفظها عند أحمد، وإنما هو عنده برقم (١٢٦٦٨) من رواية قتادة عن أنس. ٦٩٢ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ فتح الباري بشرح البخاري فلو أذِنْتَ لنا فخَرَجْنا إلى الإبل، وللمصنَّف (٣٠١٨) من رواية وُهَيب عن أيوبَ أنَّهم قالوا: ((يا رسول الله، أبغِنا رِسْلاً)) أي: اطْلُبْ لنا لَبَناً قال: ((ما أجِدُ لكم إلَّا أنْ تَلْحقوا بالذَّوْد))، وفي رواية أبي رجاء (٤٦١٠): ((هذه نَعَمِّ لنا تخرُجُ فاخرُجوا فيها)). واللَّقاحُ باللام المكسورة والقاف وآخره مُهمَلة: النُّقُ ذَوَات الألْبان واحدُها: لِقْحة بكسر اللام وإسكان القاف، وقال أبو عَمْرو: يقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهُرٍ، ثمَّ هِي لَبُونٌ. وظاهرُ ما مضى أنَّ اللّقاحَ کانت للنبيِّ پ﴾ و صرَّحَ بذلك في المحاربين (٤ ٦٨٠) عن موسی عن وُهَيب بسنده فقال: ((إلَّا أنْ تَلْحقوا بإبل رسول الله وَێ))، وله فيه (٦٨٠٢) من رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بسنده: ((فأمرهم أن يأتوا إبل الصَّدَقة))، وكذا في الزَّكاة (١٥٠١) من طريق شُعْبةَ عن قتادة. والجمع بينهما أنَّ إبلَ الصَّدَقة كانت تَرْعَى خارجَ المدينة، وصادفَ بَعْث النبيِّ وَل بلِقاحه إلى المَرْعَى طلبَ هؤلاءِ النَّفَر الخروج إلى الصَّحْراءِ لشُرْبٍ ألْبان الإبل، فأمرهم أنْ يَخِرُجوا مع راعيه فخَرَجوا معه إلى الإبل، ففَعَلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مِصْداق قوله ونَ﴿: ((إنَّ المدينةَ تنفي خَبَثَها)) وسيأتي في موضعِه (١٨٨٣). وذكر ابن سعد: أنَّ عدد لقاحه وَ لهل كانت خمسَ عشرة، وأنَّهم نَحَروا منها واحدة يقال لها الحِنّاءُ، وهو في ذلك متابعٌ للواقديّ، وقد ذكره الواقدي في ((المغازي)) (٢/ ٥٧٠- ٥٧١) بإسنادٍ ضعیفٍ مُرسَل. قوله: ((وأنْ يَشربُوا)) أي: وأمرهم أنْ يشربوا، وله في رواية أبي رجاء (٤٦١٠): «فاخرُجوا فاشربوا من ألْبانها وأبوالها» بصيغة الأمر، وفي رواية شُعْبةَ عن قتادة (١٥٠١): ((فَرَخَّصَ لهم أنْ يأْتوا الصَّدقةَ فيشربوا)). فأمَّا شُرْبُهم ألْبان الصَّدَقة فلأنَّهم من أبناءِ السَّبيل، وأمَّا شُرْبُهم لَبَن لقاح النبي ◌ِّ فبإذنِهِ المذكور، وأمَّا شُرْبُهم البول فاحتَجَّ به مَن قال بطهارته، أمَّا من الإبل فبهذا الحديث، وأمَّا من مأكولِ اللَّحْم فبالقياس عليه، وهذا قول مالك وأحمد وطائفةٍ من السَّلَف، ٦٩٣ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ كتاب الوضوء ووافقهم من الشافعيّة: ابن خُزَيمة وابن المنذر وابن حِبَّان والإصطَخْرِيُّ والرُّوياني، وذهب الشافعي والجمهورُ إلى القول بنجاسة الأبوال والأرواث كلّها من مأكولِ اللَّحْم وغيره، واحتَجَّ ابن المنذر لقوله بأنَّ الأشياءَ على الطهارة حتَّى تَثْبُتَ النجاسةُ، قال: ومَن زَعَمَ أنَّ هذا خاصٌّ بأُولئكَ الأقوام لم يُصِب، إذ الخصائصُ لا تَثْبُتُ إلَّا بدليلٍ، قال: وفي تركِ أهل العلم بيعَ الناس أبعارَ الغَنَم في أسواقِهم واستعمال أبوال الإبل في أدويَتِهم قديماً وحديثاً من غير نكير، دليلٌ على طهارتها. قلت: وهو استدلالٌ ضعيفٌ، لأنَّ المختلَفَ فيه لا يجبُ إنكاره، فلا يدلُّ ترك إنكاره على جوازه فضلاً عن طهارته، وقد دلَّ على نجاسة الأبوال كلّها حديث أبي هريرة الذي قدَّمناه قريباً(١). وقال ابن العربيّ: تَعلَّقَ بهذا الحديث مَن قال بطهارة أبوال الإبل، وعُورِضوا بأنَّه أذِنَ لهم في شُرْبها للتَّداوي. وتُعُقِّبَ بأنَّ التداويَ ليس حال ضرورة بدليلِ أنَّه لا يجبُ، فكيف يُباحُ الحرامُ لما لا يجبُ؟ وأُجيبَ بمنع أنَّه ليس حالَ ضرورة، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك مَن يُعتمَدُ على خَبَرِه، وما أُبيح للضَّرورة لا يُسمَّى حراماً وقتَ تَناوُلِه لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَضَّلَ لَكُمْ مَّ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا آضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فما اضطُرَّ إليه المَرْء فهو غيرُ مُحَّمِ/ عليه كالمَيْتَة للمُضْطِرِّ، والله أعلم. ٣٣٩/١ وما تَضَمَّنَه كلامُه من أنَّ الحرامَ لا يُباحُ إلَّا لأمرٍ واجبٍ، غيرُ مُسلَّمٍ، فإنَّ الفِطرَ في رمضان حرام، ومع ذلك فيُباحُ لأمرٍ جائز كالسَّفَرِ مثلاً. وأمَّا قولُ غيره: لو كان نَجِساً ما جازَ التداوي به لقوله وَّهِ: ((إنَّ الله لم يَجْعَلْ شِفاءَ أُمَّتي فيما حَرَّمَ عليها)) رواه أبو داود من حديث أُم سَلَمةَ(٢)، وستأتي له طريق أُخرى في الأشربة (١) ص ٦٨٨. (٢) هذا وهمٌّ من الحافظ رحمه الله، فالحديث لم يخرجه أبو داود، وهو في ((صحيح ابن حبان)) (١٣٩١)، وانظر تتمة تخريجه فيه. وقد خرّجه الحافظ على الصواب فيما يأتي عند أثر ابن مسعود بين يدي الحديث (٥٦١٤). ٦٩٤ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ فتح الباري بشرح البخاري من هذا الكتاب(١) إن شاء الله تعالى. والنَّجَس حرام فلا يُتَداوَى به، لأنَّه غيرُ شِفاء، فجوابه أنَّ الحديثَ محمولٌ على حالة الاختيار، وأمَّا في حال الضَّرورة فلا يكون حراماً كالمَيْتَة للمُضْطَرّ، ولا يَرِدُ قولُه وَلّ في الخمر: ((إنَّها ليست بدَواء إنَّهَا داء)) في جواب مَن سألَه عن التداوي بها فيما رواه مسلم (١٩٨٤)، فإنَّ ذلك خاص بالخمر ويَلتَحِقُ به غيرها من المُسكِرِ، والفَرْق بين المُسكِر وبين غيره من النجاسات، أنَّ الحَدَّ يَثبُتُ باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأنَّ شُرْبَه يجرُّ إلى مفاسدَ كثيرةٍ، ولأنَّهم كانوا في الجاهليَّة يعتقدون أنَّ في الخمر شِفاءً، فجاءَ الشرعُ بخلاف مُعتقَدِهم، قاله الطَّحاوي بمعناه. وأمَّا أبوال الإبل فقد روى ابن المنذر عن ابن عبّاس مرفوعاً: ((إنَّ في أبوال الإبل شِفاءً لِلذَّرِبَةِ بُطوئُهم))(٢)، والذَّرَبُ: فسادُ المعدة، فلا يُقاسُ ما ثبت أنَّ فيه دواءً على ما ثبت نفي الدَّواء عنه، والله أعلم. وبهذه الطريقة يَحصُلُ الجمعُ بين الأدلَّة، والعملُ بمُقتَضاها كلّها. قوله: ((فلمَّا صَخُوا)) في السِّياقِ حذف تقديرُه: ((فشَرِبوا من أبوالها وألبانها، فلمَّا صَحّوا))، وقد ثبت ذلك في رواية أبي رجاء (٤٦١٠)، وزاد في رواية وُهَيب (٣٠١٨): ((وسَمِنوا))، وللإسماعيليِّ من رواية ثابت: ((ورجعتْ إليهم ألواتُهم)). قوله: ((واستاقُوا النَّعَم)) من السَّوْق: وهو السَّير العنيفُ. قوله: ((فجاءَ الخبر)) في رواية وُهَيب عن أيوبَ (٣٠١٨): ((الصَّريخُ)) بالخاء المعجمة وهو فعيلٌ بمعنى فاعل، أي: صَرَخَ بالإعْلام بما وَقَعَ منهم، وهذا الصارخ أحد الراعيَينِ كما ثبت في «صحيح أبي عَوَانة)) (٦١٢٣) من رواية معاوية بن قُرّةَ عن أنس - وقد أخرج مسلم (١٦٧١/ ١٣) إسنادَه - ولفظُه: ((فقَتَلوا أحد الراعيَينِ وجاءَ الآخر قد جَزِعَ فقال: قد قَتَلوا صاحبي وذهبوا بالإبل)) واسم راعي النبي ◌َّ المقتولِ يسار بياءٍ تحتانيَّةٍ ثمَّ مُهمَلة (١) يشير إلى ما سيأتي معلقاً من كلام ابن مسعود في باب (١٥) شراب الحلواء، من كتاب الأشربة. (٢) وأخرجه أحمد (٢٦٧٧) بإسناد فيه ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ. ٦٩٥ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ كتاب الوضوء خفيفة، كذا ذكره ابن إسحاق في ((المغازي))، ورواه الطبراني (٦٢٢٣) موصولاً من حديث سَلَمَةَ بن الأكوَعِ بإسناد صالح(١) قال: ((كان للنبيِّ وََّ غُلام يقال له: يسار)) زاد ابن إسحاق: ((أصابه في غَزْوة بني ثَعْلبة)) قال سَلَمة: «فرآه يُحسِنُ الصلاة فأعتَقَه وبَعَثَه في لقاح له بالحرّة فكان بها)» فذكر قِصّةَ العُرَنِيِّينَ وأنَّهم قتلوه. ولم أقِفْ على تسمية الراعي الآتي بالخبر، والظاهرُ أنَّه راعي إبلِ الصَّدَقة، ولم تختلفْ روايات البخاري في أنَّ المقتولَ راعي النبيِّ وَّ وفي ذِكْره بالإفراد، وكذا لمسلم (١٦٧١)، لكن عندَه من رواية عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس: ((ثمَّ مالوا على الرُّعاة فقَتَلوهم)) بصيغة الجمع، ونحوُه لابن حِبّان (١٣٨٦) من رواية يحيى بن سعيد عن أنس، فيحتمل أنْ إبل الصَّدَقة كان لها رُعاة فقُتِل بعضُهم مع راعي اللّقاح، فاقتَصَرَ بعض الرُّواة على راعي النبيِّ وَّ وذكر بعضهم معه غيرَه، ويحتمل أنْ يكون بعض الرُّواة ذكره بالمعنى فتجوَّز في الإتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح، لأنَّ أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنَّهم قتلوا غير يسار، والله أعلم. قوله: ((فِبَعَثَ في آثارِهم)) زاد في رواية الأوزاعي: ((الطَّلَبَ)»(٢)، وفي حديث سَلَمةَ بن الأكوَع: «خيلاً من المسلمين أميرهم كُرْزُ بن جابر الفِهْري)»، وكذا ذكره ابن إسحاق والأكثرون، وهو بضمِّ الكاف وسكون الراءِ بعدَها زاي، وللنَّسائيّ (٤٠٢٥) من رواية الأوزاعي: ((فِبَعَثَ في / طلبهم قافةً))(٣)، أي: جمعَ قائفٍ، ولمسلم (١٣/١٦٧١) من رواية ٣٤٠/١ معاوية بن قُرّةَ عن أنس: أنَّهم شَبابٌ من الأنصار قريب من عشرين رجلاً، وبَعَثَ معهم (١) قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩٤/٦: فيه موسى بن محمد بن إبراهيم التميمي، ضعيف. (٢) رواية الأوزاعي ستأتي عند المصنف برقم (٦٨٠٢) وليس فيها هذه الزيادة، وإنما هي عنده في رواية أيوب عن أبي قلابة بالأرقام (٣٠١٨) و(٦٨٠٤) و(٦٨٠٥)، وهي عنده أيضاً في رواية قتادة عن أنس برقم (٤١٩٢) و(٥٧٢٧). (٣) تحرفت لفظة ((قافة)) في المطبوع من ((المجتبى)) إلى: قال، وهي على الصواب في النسخ المخطوطة منه، وهي على الصواب أيضاً في ((السنن الكبرى)) (٣٤٨٨) - طبعة مؤسسة الرسالة. وفات الحافظ أن يعزوه إلى أبي داود، فإنه عنده برقم (٤٣٦٦) بلفظه وسنده. ٦٩٦ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قائفاً يَقتَصُّ آثارهم، ولم أقِفْ على اسم هذا القائف ولا على اسم واحدٍ من العشرين، لكن في («مغازي)) الواقدي: أنَّ السَّريَّةَ كانت عشرين رجلاً ولم يقل: من الأنصار، بل سَمَّی منهم جماعةً من المهاجرين منهم بُرَيدة بن الحُصَيبِ وسَلَمَةَ بن الأكوع الأسلميّان، وجُنْدُب ورافع ابنا مَكِيث الْجُّهَنّان، وأبو ذَرِّ وأبو رُهْم الغِفاريّان وبلال بن الحارث وعبد الله بن عَمْرو بن عَوْف المُزَنَّان وغيرهم، والواقديُّ لا يُحتَجُ به إذا انفرد فكيف إذا خالف، لكن يحتمل أنْ يكون مَن لم يُسمِّه الواقدي من الأنصار، فأُطلِقَ الأنصارُ تغليباً، أو قيل للجميع: أنصار، بالمعنى الأعم. وفي («مغازي)) موسى بن عُقْبة: أنَّ أميرَ هذه السَّريَّة سعيد بن زيد، كذا عندَه بزيادة ياء، والذي ذكره غيرُه: أنَّ سَعْد - بسكون العين - بن زيد الأشهَلِيُّ، وهذا أيضاً أنصاري، فيحتمل أنَّه كان رأس الأنصار وكان كُرْز أمير الجماعة. وروى الطبري (٢٠٧/٦) وغيره من حديث جَرِير بن عبد الله البَجَلي: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ بَعَثَه في آثارهم، لكنَّ إسناده ضعيف، والمعروفُ أنَّ جَرِيراً تَأخَّرَ إسلامُه عن هذا الوقت بمُدّة، والله أعلم. قوله: ((فلمَّا ارتفعَ)) فيه حذف تقديرُه: فأُدرِكوا في ذلك اليوم فأُخِذوا، فلمَّا ارتفعَ النهار جيءَ بهم، أي: إلى النبيِّ وَ أُسَارَى. قوله: ((فأمُرَ بَقَطْعِ) كذا للأَصِيلي والمُستَمْلِي والسَّرَخْسي، والباقين: ((فَقَطَعَ أيديهم وأرجُلهم)) قال الدّاوودي: يعني قطع يَدَيْ كل واحد ورِجْليه. قلت: تردُّه روايةُ التِّرمِذيّ (٧٢): ((من خلاف))، وكذا ذكره الإسماعيلي عن الفِرْيابي عن الأوزاعي بسنده، وللمصنّف (٦٨٠٢) من رواية الأوزاعي أيضاً: ((ولم يَحسِمْهم)) أي: لم يَكْوِ ما قَطَعَ منهم بالنار لينقطع الدَّم بل تركه یَنزِفُ. قوله: ((وسُمِّرَتْ أعينُهم)) بتشديد الميم، وفي رواية أبي رجاء في الدِّيات (٦٨٩٩): (وسَمَرَ)) بتخفيف الميم، ولم تختلفْ روايات البخاري في أنَّه بالراء، ووَقَعَ لمسلم (٩/١٦٧١) من رواية عبد العزيز: ((وسَمَلَ)) بالتخفيف واللام. قال الخطَّابي: السَّمْلِ: فَقْءُ العين بأيِّ ٦٩٧ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ كتاب الوضوء شيءٍ كان، قال أبو ذُؤَيْب الهُذَلي: والعينُ بعدَهم كأنَّ حِداقَها سُمِلَتْ بِشَوْكِ فَهْيَ عُورٌ تَدْمِعُ قال: والسَّمْرُ لغة في السَّمْلِ وَرَجهما متقارب. قال: وقد يكون من المِسْمار، يريدُ أنَّهم كُحِّلوا بأمیالٍ قد أُهْيَت. قلت: قد وَقَعَ التصريحُ بالمرادِ عند المصنِّف من رواية وُهَيب عن أيوبَ (٣٠١٨، ٦٨٠٤)، ومن رواية الأوزاعي عن يحيى(١)، كلاهما عن أبي قلابةَ ولفظُه: «ثمَّ أمَرَ بمساميرَ فَأُحْمَتْ فكَحَلهم بها)) فهذا يوضِّحُ ما تقدَّم ولا يخالفُ ذلك رواية السَّمْل، لأنَّه فَقْءُ العين بأيِّ شيءٍ کان کما مضی. قوله: ((وأُلِقُوا فِي الحَرَّةِ)) هي أرضٌ ذاتُ حِجارةٍ سودٍ معروفة بالمدينة، وإنَّما أُلقوا فيها لأَنَّهَا قُرْب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا. قوله: ((يَسْتَسِقُونَ فلا يُسقَوْنَ)) زاد وُهَيب (٣٠١٨) والأوزاعي (٦٨٠٢): ((حتَّى ماتوا))، وفي رواية أبي رجاء (٦٨٩٩): ((ثمَّ نَبَذَهم في الشمسِ حتَّى ماتوا))، وفي رواية شُعْبةً عن قَتَادة (١٥٠١): ((يَعَضّون الحجارة))، وفي الطِّبّ (٥٦٨٥) من رواية ثابت قال أنس: ((فرأيت الرجلَ منهم يَكْدُمُ الأرض بلسانه حتَّى يموتَ))، ولأبي عَوَانة (٦١١١) من هذا الوجه: ((يَعَضُّ الأرضَ ليجدَ بَرْدَها مَمَّا يجدُ من الْحَرِّ والشِّدّة)). وزَعَمَ الواقدي أنَّهم صُلِبوا، والرِّواياتُ الصحيحةُ تردُّه، لكن عند أبي عَوَانة (٦١٢٢) من رواية أبي عَقيل عن أنس: ((فصَلَبَ اثنَيْنِ وَقَطَعَ اثنَيْنِ وسَمَّلَ اثنَين)) كذا ذكر سنَّة فقط، فإنْ كان محفوظاً فعُقوبَتهم كانت موزّعة. ومالَ جماعة منهم ابن الجَوْزيِّ إلى أنَّ ذلك وَقَعَ عليهم على سبيل القِصاص، لما عند مسلم (١٦٧١/ ١٤) من حديث سليمان التَّيْمي عن أنس: ((إِنَّمَا سَمَلَ النبي ◌َِّأَعينَهم، لأَّهم (١) ستأتي هذه الرواية برقم (٦٨٠٢) وليس فيها اللفظ الذي ذكره الحافظ، وهو لم يقع إلّا في رواية وهيب عن أيوب عن أبي قلابة في الموضعين المشار إليهما. ٦٩٨ باب ٦٦ / ح ٢٣٣ فتح الباري بشرح البخاري سَمَلوا أعيُنَ الزُّعاة))، وقَصَّرَ مَن اقتصر في عَزْوِه للتِّرمِذيّ (٧٣) والنَّسائي (٤٠٤٣)، وتعقّبه ٣٤١/١ ابن دَقِيق العيد بأنَّ المُثْلَةَ في حقِّهم وَقَعَتْ من جِهاتٍ / وليس في الحديث إلَّا السَّمْل، فيحتاجُ إلى ثبوت البقيّة. قلت: كأنَّهم تَمَسَّكوا بما نقله أهل المغازي أنَّهم مَثَّلوا بالراعي، وذهب آخرون إلى أنَّ ذلك منسوخٌ. قال ابن شاهين عَقِب حديث عِمْران بن خُصَينٍ في النهي عن المُثْلة(١): هذا الحديثُ ينسخ كل مُثْلة. وتعقَّبه ابن الجَوْزيِّ بأنَّ ادِّعاءَ النَّسْخ يحتاجُ إلى تاريخ. قلت: يدلُّ عليه ما رواه البخاري في الجهاد (٢٩٥٤) من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيبِ بالنار بعدَ الإذنِ فيه، وقِصّة العُرَنِيِّينَ قبل إسلام أبي هريرة، وقد حَضَرَ الإذن ثمَّ النھي. وروى قتادة عن ابن سِيرِين: أنَّ قِصَّتَهم كانت قبل أنْ تَنزِلَ الحدود، ولموسى بن عُقْبةَ في (المغازي)): وذكروا أنَّ النبيَّ وَ ◌ّهِ نهى بعدَ ذلك عن المُثْلة بالآية التي في سورة المائدة(٢)، وإلى هذا مالَ البخاري وحكاه إمامُ الحرمين في ((النِّهاية)) عن الشافعيّ. واستشكل القاضي عياض عدم سَقْيهم الماء للإجماع على أنَّ مَن وَجَبَ عليه القتلُ فاستَسْقَى لا يُمنَعُ، وأجاب بأنَّ ذلك لم يقعْ عن أمر النبيِّ نَّه ولا وَقَعَ منه نهي عن سَقْبِهِم. انتهى، وهو ضعيفٌ جدّاً، لأنَّ النبيَّ ◌َِّ الطَّلَعَ على ذلك وسُكوته كافٍ في ثبوتٍ الحُكْم. وأجاب النَّووي بأنَّ المحارب المرتَد لا حُرْمةَ له في سَقْي الماء ولا غيره، ويدلُّ عليه أنَّ مَن ليس معه ماءٌ إلَّا لطهارته ليس له أنْ يَسْقيَه للمُرْتَدِّ ويَتَيَمَّمَ، بل يَسْتعمِلُه ولو مات المرتَدُّ عَطَشاً. وقال الخطَّابي: إنَّما فعل النبيُّنَّه بهم ذلك، لأنَّه أراد بهم الموتَ بذلك. وقيل: إنَّ الِحِكْمَةَ في تَعْطِيشِهم، لكَوْنهم كفروا نِعْمة سَقْي ألبان الإبل التي حصل لهم (١) أخرجه أحمد (١٩٨٤٤). (٢) الآية رقم: ٣٣. ٦٩٩ باب ٦٦ / ح ٢٣٤ كتاب الوضوء بها الشِّفاءُ من الجوع والوَخْم، ولأنَّ النبيَّ نَّهِدعا بالعَطَشِ على مَن عَطَّشَ آَلَ بِيتِهِ فِي قِصّةٍ رواها النَّسائي (٤٠٣٦)، فيحتمل أنْ يكونوا في تلك الليلة مَنَعوا إرسال ما جَرَتْ به العادةُ من اللَّبَنِ الذي كان يُراحُ به إلى النبيِّ وَِّ مِن لِقاحه في كلِّ ليلةٍ، كما ذكر ذلك ابن سعد، والله أعلم. قوله: ((قال أبو قِلابةَ: فهؤلاءِ سَرَقُوا)) أي: لأنَّهم أخذوا اللّقاحَ من حِرْزِ مثلها، وهذا قاله أبو قِلابةَ استنباطاً. قوله: ((وَقَتَلُوا)) أي: الراعي كما تقدَّم. قوله: ((وكَفَرُوا)) هو في رواية سعيدٍ عن قتادة عن أنس في المغازي (٤١٩٢)، وكذا في رواية وُهَيب عن أيوبَ في الجهاد (٣٠١٨) في أصلِ الحديث، وليس موقوفاً على أبي قلابةً كما تَوَقَّتَه بعضهم. وكذا قوله: ((وحاربوا)) ثبت عند أحمد (١٢٠٤٢) من رواية حُميدٍ عن أنس في أصلِ الحديث: ((وهَربوا مُحارِبينَ))، وستأتي قِصّة أبي قلابةَ في هذا الحديث مع عمر بن عبد العزيز في مسألة القَسامة من كتاب الدّيات (٦٨٩٩) إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: قُدومُ الوُفودِ على الإمام، ونَظَرُه في مصالحهم. وفيه مشروعيََّ الطِّب والتداوي بألْبان الإبل وأبوالها. وفيه أنَّ كلَّ جسدٍ يُطبَّبُ بما اعتاده. وفيه قتلُ الجماعة بالواحِدِ سواء قتلوه غِيلةً أو حِرابة إنْ قلنا: إنَّ قتلهم كان قِصاصاً. وفيه المُماثَلةُ في القِصاص، وليس ذلك من المُثْلة المنهي عنها، وثبوت حُكْم المحارَبة في الصَّحْراء، وأمّا في القری ففيه خلاف. وفيه جوازُ استعمال أبناءِ السَّبيلِ إِبل الصَّدَقة في الشُّرْب وفي غيره قياساً عليه بإذنٍ الإمام. وفيه العملُ بقول القائف، وللعَربِ في ذلك المعرفة التامّة. ٢٣٤ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرنا أبو التَّاحِ يزيدُ بنُ مُميدٍ، عن أنسٍ، قال: كان النبيُّ وَل﴿ يُصلِّ قبلَ أنْ يُبنَى المسجدُ في مَرابضِ الغَنَم. [أطرافه في: ٤٢٨، ٤٢٩، ١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢] ٧٠٠ باب ٦٦ / ح ٢٣٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أبو التَّاح)) تقدَّم أنَّه بالمثنَّاة الفَوْقانيَّة ثمَّ التَّحتانية المشدَّدة وآخره مُهمَلة. وهذا الحديث في الصلاة في مَرابضِ الغَنَم تَسَّكَ به مَن قال بطهارة أبوالها وأبعارها قالوا: لأنَّها ٣٤٢/١ لا تَخْلُو من ذلك، فدلَّ على أنَّهم كانوا/ يباشِرونها في صلاتهم فلا تكون نَجِسة، ونُوزِعَ مَن استدلَّ بذلك لاحتمال الحائل، وأُجيبَ بأنَّهم لم يكونوا يُصلَّون على حائلٍ دون الأرض، وفيه نظرٌ، لأنَّها شهادةُ نفي، لكن قد يقال: إنَّها مُستَئِدة إلى أصل، والجواب أنَّ في ((الصحيحين)) عن أنس: أنَّ النبيَّ وَّهِ صَلَّى على حَصيرٍ في دارهم(١)، وصَحَّ عن عائشة: أنَّه كان يُصلّي على الخُمْرة(٢). وقال ابن حَزْم: هذا الحديثُ منسوخ، لأنَّ فيه أنَّ ذلك كان قبل أنْ يُبنَى المسجدُ، فاقتضى أنَّه في أوَّل الهِجْرة، وقد صَحَّ عن عائشة: أنَّ النبيَّ وَّهِ أمرهم ببناءِ المساجد في الدُّورِ وأنْ تُطيّبَ وتُنظَّفَ، رواه أحمد (٢٦٣٨٦) وأبو داود (٤٥٥) وغيرُهما، وصَخَّحَه ابن خُزيمة (١٢٩٤) وغيرُهُ، ولأبي داود (٤٥٦) نحوُهُ من حديث سَمُرةَ وزاد: ((وأنْ نُطَهِّرَها)) قال: وهذا بعد بناءِ المسجد. وما ادَّعاه من النَّسْخ يقتضي الجوازَ ثمَّ المنع، وفيه نظرٌ، لأنَّ إذنَه وَّهِ في الصلاة في مَرابضِ الغَنَم ثابت عند مسلم (٣٦٠) من حديث جابر بن سَمُرة. نعم ليس فيه دلالةٌ على طهارة المَرابض، لكن فيه أيضاً النهيُ عن الصلاة في معاطن الإبل، فلو اقتضى الإذنُّ الطَّهارةَ لاقتضى النهيُ التنجيسَ، ولم يقل أحد بالفَرْق، لكنَّ المعنى في الإذنِ والنهي بشيءٍ لا يتعلَّقُ بالطهارة ولا النجاسة، وهو أنَّ الغَنَمَ من دَوابٌ الجنَّة، والإبل خُلِقَتْ من الشَّياطين(٣)، والله أعلم. (١) البخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨). (٢) أخرجه أحمد (٢٥١٦٣)، وسيأتي من حديث ميمونة عند المصنف برقم (٣٨١). (٣) أما كون الغنم من دوابِّ الجنة فقد روي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً، والمرفوع ضعيف والموقوف أصح، انظر ((مسند أحمد)) (٩٦٢٥). وأما كون الإبل خلقت من الشياطين فروي بسند صحيح عن عبد الله ابن مغفَّل مرفوعاً عند أحمد (١٦٧٨٨) وابن ماجه (٧٦٩) وغيرهما، وهذا الكلام خرج على المجاز، والمراد - كما قال الخطابي - أنها لِمَا فيها من النفور والشرود ربما أفسدت على المصلي صلاته، فالحديث جاء في معرض النهي عن الصلاة في أعطانها، والعرب تسمي كل ماردٍ شيطاناً، والله تعالى أعلم.