Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
باب ٣٨ / ح ١٨٥
كتاب الوضوء
ثلاثاً)) وهو صريح في الجمع كل مَرّة، بخلاف رواية وُهَیب فإنَّه تَطَّقَها احتمال التوزيع بلا
تسویة کما نبّه علیه ابن دقيق العيد.
ووَقَعَ في رواية سليمان بن بلال عند المصنّف (١٩٩) في باب الوضوء من التور:
((فمضمض واستَنثرَ ثلاث مرات من غَرْفة واحدة)) واستُدلَّ بها على الجمع بغَرْفِةٍ واحدة،
وفيه نَظَرِّ لما أشرنا إليه من اتّحاد المخرَج فتُقَدَّم الزِّيادة.
ولمسلم (٢٣٥) من رواية خالد المذكورة: ((ثمَّ أدخلَ يدَه فاستخرَجَها فمَضمَض))،
فاستُدلَّ بها على تقديم المضمضة على الاستنشاق لكَوْنه عَطف بالفاءِ التعقيبيَّة، وفيه
بحث.
قوله: ((ثمَّ غَسَلَ وجهه ثلاثاً)) لم تختلف الرِّوايات في ذلك، ويلزم مَن استدلَّ بهذا الحديث
على وجوب تعميم الرأس بالمسح أنْ يستدلَّ به على / وجوب الترتيب للإتيان بقوله: ((ثمَّ)) ٢٩٢/١
في الجميع؛ لأنَّ كُلَّ من الحُكْمَينِ مُجمَل في الآية بيَّنَتْه السُّنّة بالفعل.
قوله: ((ثُمَّ غَسَلَ يديه مرتين مرتين)) كذا بتَكْرار ((مرتين))، ولم تختلف الرِّوايات عن
عَمْرو بن يحيى في غسل اليدينِ مرتين، لكن في رواية مسلم (٢٣٦) من طريق حَبّان بن
واسع عن عبد الله بن زيد: أنَّه رأى النبي ◌َِّ توضَّأ، وفيه: ((ويده اليُمنَى ثلاثاً ثمَّ الأُخرى
ثلاثاً)، فيُحمَل على أنَّه وضوءٌ آخر، لكَوْن ◌َخَرَج الحديثَينِ غير مُتَّحِد.
قوله: ((إلى المِرفقَينِ)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي والحَمُّوِي: ((إلى الِرْفَق)) بالإفرادِ على إرادة
الجنس.
وقد اختلف العلماء: هل يَدخُلِ المِرْفَقان في غسل اليدَينِ أم لا؟ فقال المُعْظَم: نَعَم،
وخالف زُفَر، وحكاه بعضهم عن مالك، واحتَجَّ بعضهم للجمهور بأنَّ ((إلى)) في الآية
بمعنى ((مع)) كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُوَاْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وتُعُقِّبَ بأنَّه خلاف
الظاهر، وأُجيبَ بأنَّ القَرينةِ دَلَّتْ عليه وهي كَوْن ما بعد ((إلى)) من جنس ما قبلها. وقال

٦٠٢
باب ٣٨ / ح ١٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
ابن القَصّار: اليد يتناولها الاسم إلى الإبط لحديث عمَّار: أنَّه تَيمَّمَ إلى الإبط(١)، وهو من
أهل اللُّغة، فلمَّا جاءَ قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] بَقَيَ المِرْفَق مغسولاً مع
الذِّراعينِ بحقِّ الاسم. انتهى، فعلى هذا فـ((إلى)) هنا حَدٌّ للمتروكِ من غسل اليدَينِ لا
للمغسول، وفي كَوْن ذلك ظاهراً من السِّياق نظرٌ، والله أعلم.
وقال الَّتَشري: لفظ ((إلى)) يفيد معنى الغاية مُطلَقاً، فأمَّا دخولها في الحُكْم وخروجها
فأمر يدور مع الدليل، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨] دليل عدم الدُّخول
النهيُ عن الوِصَالِ(٢)، وقول القائل: حَفِظتُ القرآن من أوَّله إلى آخره، دليل الدُّخول كَوْنُ
الكلام مَسُوقاً لِحِفْظِ جميع القرآن، وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ لا دلیل فیه علی أحد
الأمرين، قال: فأخذ العلماء بالاحتياط ووَقَفَ زُفَر مع المتيقّن. انتهى.
ويُمكِن أنْ يُستَدلَّ لدخولهما بفعلِهِ وَّةِ، ففي الدَّارَقُطنيّ (٢٧٤) بإسنادٍ حسن من
حديث عثمان في صفة الوضوء: ((فغَسَلَ يديه إلى المِرفقَينِ حتَّى مَسَّ أطراف العَضُدَین)) وفيه
(٢٧٢) عن جابر قال: ((كان رسول الله ﴿ إذا توضَّأ أدارَ الماءَ على مِرِفَقَيه)) لكنَّ إسناده
ضعيف، وفي البزَّار (٤٤٨٨) والطبراني (١١٨/٢٢) من حديث وائل بن حُجْر في صفة
الوضوء: ((وغَسَلَ ذِراعَيْه حتَّى جاوَزَ المِرِفَق))، وفي الطَّحاوي (٣٧/١) والطبراني من
حديث ثَعْلبة بن عَبَّاد عن أبيه مرفوعاً: ((ثمَّ غَسَلَ ذِراعَيْه حتَّى يسيلَ الماء على مِرِفَقَيه))،
فهذه الأحاديث يُقوِّي بعضُها بعضاً. قال إسحاق بن راهويه: ((إلى)) في الآية يحتمل أنْ
تكون بمعنى الغاية وأنْ تكون بمعنى: مع، فبيّنت السُّنّة أنَّها بمعنى: مع. انتهى.
وقد قال الشافعي في ((الأم)): لا أعلم مخالفاً في إيجاب دخول المرفقَينِ في الوضوء. فعلى
هذا فزُفَر محجوجٌ بالإجماع قبله، وكذا مَن قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يَئُبُت ذلك
عن مالك صريحاً وإنَّما حكى عنه أشهَبُ كلاماً مُحتمِلاً، والمِفَق بكسر الميم وفتح الفاء: هو
العَظْم الناتئ في آخر الذِّراع، سُمّيَ بذلك لأنَّه يُرتَفق به في الاتِّكاء ونحوه.
(١) انظر ((مسند أحمد)) (١٨٣٢٢).
(٢) حديث النهي عن الوصال سيأتي عند المصنف برقم (١٩٢٢).

٦٠٣
باب ٣٨ / ح ١٨٥
كتاب الوضوء
قوله: (ثُمَّ مَسَحَ رَأْسه)) زاد ابن الطَّاعِ: ((كلّه)) كما تقدَّم عن رواية ابن خُزيمة (١٥٧)،
وفي رواية خالد بن عبد الله (١٩١): ((برأسِه)) بزيادة الباء. قال القُرْطبي: الباء للتَّعْدية يجوز
حذفها وإثباتها كقولك: مَسَحْت رأس اليتيم ومَسَحْت برأسِه. وقيل: دخلت الباء لتُفيدَ
معنّى آخر وهو أنَّ الغُسْل لغةً يقتضي مغسولاً به، والمسح لغةً لا يقتضي ممسوحاً به، فلو
قال: وامسَحُوا رُؤوسَكم، لَأجزاً المسح باليدِ بغير ماء، فكأنَّه قال: وامسحوا برُؤوسِكُم
الماء، فهو على القلب، والتقدير: امسَحوا رؤوسكم بالماء.
وقال الشافعي: احتَمَلَ قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس أو بعضه،
فدلَّت السُّنّة على أنَّ بعضه يُجِزِئ، والفَرْق بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ ﴾
[النساء: ٤٣، المائدة: ٦] في التيمُّم أنَّ/ المسح فيه بدل عن الغسل، ومسح الرأس أصل فافْتَرَقا، ٢٩٣/١
ولا يَرِدُكَوْن مسح الخُف بدلاً عن غسل الرّجل؛ لأنَّ الرُّخْصة فيه ثبتت بالإجماع.
فإن قيل: فلعلَّ اقتَصَرَ على مسح الناصية لعُذْرٍ، لأنَّه كان في سَفَر وهو مَظِنّة العُذْر،
ولهذا مَسَحَ على العمامة بعد مسح الناصية كما هو ظاهر من سياق مسلم (٨١/٢٧٤) في
حديث المغيرة بن شُعْبة.
قلنا: قد رُوِيَ عنه مسح مُقدَّم الرأس من غير مسح على العِمامة ولا تَعرُّض لسَفَرِ،
وهو ما رواه الشافعي (٤١/١) من حديث عطاء: أنَّ رسول الله وَ له توضَّأ فحَسَرَ العِمامة
عن رأسه ومَسَحَ مُقدَّم رأسه، وهو مُرسَل لكنَّه اعتُضدَ بمجيئه من وجه آخر موصولاً
أخرجه أبو داود (١٤٧) من حديث أنس، وفي إسناده أبو مَعقِل لا يُعرَف حاله، فقد
اعتَضَدَ كلٌّ من المُرسَل والموصول بالآخر، وحصلت القوّةُ من الصورة المجموعة.
وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أنَّ المُرسَل يَعتَضد بمُرسَلٍ آخر أو مُسنَد، وظهر
بهذا جواب مَن أورد أنَّ الحُجّة حينئذٍ بالمسند فيقع المُرسَل لَغْواً، وقد قَرَّرتُ جواب ذلك
فيما كتبتُه على ((علوم الحديث)) لابن الصَّلاح.

٦٠٤
باب ٣٨ / ح ١٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفي الباب أيضاً عن عثمان في صفة الوضوء قال: ((ومَسَحَ مُقدَّم رأسه)) أخرجه سعيد
ابن منصور، وفیه خالد بن یزید بن أبي مالك مُتلَف فیه.
وصَحَّ عن ابن عمر الاكتفاء بمَسْحِ بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصحَّ عن
أحد من الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حَزْم. وهذا كلّه ممّا يَقْوَى به المُرسَل المتقدِّم ذِكْره،
والله أعلم.
قوله: ((بدأَ بمُقَدَّم رَأْسه)» الظاهر أنَّه من الحديث وليس مُدرَجاً من كلام مالك، ففيه حُجّة
على مَن قال: السُّنّة أنْ يَبدَأ بمُؤخَّرِ الرأس إلى أنْ ينتهي إلى مُقدَّمه لظاهر قوله: ((أقبَلَ وأدبَرَ)).
ویرِدُ علیه أنَّ الواو لا تقتضي الترتيب، وسيأتي عند المصنّ قريباً (١٩٩) من رواية سليمان بن
بلال: ((فأدَبَرَ بيديه وأقبَلَ)» فلم يكن في ظاهره حُجّة لأنَّ الإقبال والإدبار من الأُمور الإضافيَّةِ،
ولم يُعِّن ما أقبَلَ إليه ولا ما أدَبَرَ عنه، وَخَرَج الطریقین مُتَّحِد، فهما بمعنى واحد.
وعَيِّنَتْ رواية مالك البِدَاءة بالمقدَّم فيُحمَل قوله: ((أقبَلَ)) على أنَّه من تسمية الفعل
بابتدائه، أي: بدأ بقُبُل الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك.
والحِكْمة في هذا الإقبال والإدبار استيعاب جِهَتَي الرأس بالمسح، فعلى هذا يختصُّ
ذلك بمَن له شعر، والمشهور عمَّن أو جَبَ التعميم أنَّ الأولى واجبة والثانية سُنّة، ومن هنا
يتبيَّن ضعف الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التعميم، والله أعلم.
قوله: (ثمَّ غَسَلَ رِجْليه)) زاد في رواية وُهَيب الآتية (١٨٦): ((إلى الكَعْبَين)) والبحث فيه
كالبحث في قوله: ((إلى المرفقَين))، والمشهور أنَّ الكَعْب هو العَظْم الناشِز عند مُلتَّقَى الساق والقَدَم،
وحكى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة: أَنَّه العَظْم الذي في ظَهْرِ القَدَم عند مَعِد الشِّراك، ورُوِيَ
عن ابن القاسم عن مالك مثله، والأوَّل هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللُّغة، وقد أكثرَ المتقدِّمون
من الرَّد على مَن زَعَمَ ذلك، ومن أوضح الأدلَّة فيه حديث النُّعمان بن بشير الصحيح في صفة
الصَّف في الصلاة: فرأيت الرجل منّا يُلْزِق گَعْبه بگَعْبٍ صاحبه(١).
(١) أخرجه أحمد (١٨٤٣٠)، وأبو داود (٦٦٢)، وابن خزيمة (١٦٠)، وسيأتي معلّقاً عند البخاري بين يدي
الحدیث رقم (٧٢٥).

٦٠٥
باب ٣٩ / ح ١٨٦
كتاب الوضوء
وقيل: إنَّ محمداً إنَّما رأى ذلك في حديث قَطْعِ المُحرِمِ الخُفَّينِ إلى الكَعْبَينِ إذا لم يجد
النَّعْلَيْنِ.
وفي هذا الحديث من الفوائد: الإفراغ على اليدَينِ معاً في ابتداء الوضوء، وأنَّ الوضوء
الواحد يكون بعضه بمرّةٍ وبعضه بمرتین وبعضه بثلاثٍ.
وفيه مجيء الإمام إلى بيت بعض رَعيَّتَه وابتداؤُهم إِيَّاه بما يظنّون أنَّ له به حاجة،
وجواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة، والتعليم بالفعل، وأنَّ الاغتراف من الماء
القليل للتطهُّرٍ لا يُصِر الماء مُستعمَلاً لقوله في رواية وُهَيب (١٨٦) وغيره: ثمَّ أدخلَ يده
فغَسَلَ وجهه ... إلى آخره.
وأمَّا اشتراط نيَّة الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يُثْبِتها ولا ما ينفيها، واستدلَّ به
أبو عَوَانة في ((صحيحه)) على جواز التطهُّر بالماء المستعمَل، وتوجيهه أنَّ النّيَّة لم تُذكَر فيه،
وقد أدخل يده للاغتراف بعد غسل الوجه وهو وقت غسلها.
وقال/ الغَزالي: مجرَّد الاغتراف لا يُصيِّ الماء مُستعمَلاً، لأنَّ الاستعمال إنَّما يقع من ٢٩٤/١
المُغْتَرَف منه، وبهذا قَطَعَ الَغَويُّ.
واستدلَّ به المصنّف على استيعاب مسح الرأس، وقد قدَّمنا أنَّه يدل لذلك نَذْباً لا
فرضاً، وعلى أنَّه لا يُندَب تَكْريره كما سيأتي في باب مُفرَد (١٩٢)، وعلى الجمع بين
المضمضة والاستنشاق من غَرْفة كما سيأتي أيضاً (١٩١)، وعلى جواز التطهُّر من آنية
النُّحاس وغيره.
٣٩ - باب غسل الرِّجلَين إلى الكَعْبين
١٨٦ - حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، عن عَمْرٍو، عن أبيه قال: شَهِدْتُ عَمْرَو بنَ
أبي حَسَنٍ، سألَ عبدَ الله بنَ زيدٍ عن وُضُوءِ النبيِّ وَِّ، فَدَعا بتَوْرٍ من ماءٍ فتوضَّأ لهم وُضُوءَ
النبيِّ وَِّ، فأكفَأ على يَدِهِ مِن الثَّوْرِ فَغَسَلَ يديهِ ثلاثاً، ثمَّ أدخلَ يَدَه في الثَّوْرِ فمَضْمَضَ واستنشَقَ
واستَثَرَ ثلاثَ غَرَفَاتٍ، ثمَّ أدخل يَدَه فَغَسَلَ وجهَه ثلاثاً، ثمَّ غَسَلَ يديهِ مَّتين إلى المِفَقَين، ثمَّ

٦٠٦
باب ٤٠ / ح ١٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
أدخلَ يَدَه فمَسَحَ رَأْسَه فأقبَلَ بهما وأدبَرَ مَرّةً واحدةً، ثمَّ غَسَلَ رِجْليه إلى الكَعْبين.
قوله: ((باب غسل الرِّجلَينِ إلى الكَعْبَينِ)» تقدَّمتْ مباحثه في الباب الذي قبله (١٨٥).
وعَمْرو المذكور: هو ابن يحيى بن عُمارة شيخ مالك المتقدِّم، وعَمْرو بن أبي حسن عَم
أبيه كما قدَّمناه، وسمّاه هناك جَدّه مَجازاً، وأغربَ الكِرْمانيُّ - تَبَعاً لصاحب ((الكمال)) -
فقال: عَمْرو بن أبي حسن جد عَمْرو بن يحيى من قِبَل أُمّه، وقد قدَّمنا أنَّ أُم عَمْرو بن يحيى
لیست بنتاً لعَمْرو بن أبي حسن، فلم يَستَقِم ما قاله بالاحتمال.
قوله: ((فتوضَّأ لهم)) أي: لأجلِهِم ((وُضُوءَ النبي ◌َّ)) أي: مِثْلَ وضوء النبي ◌ََّ، وأطلق
عليه وضوءَه مُبالَغة.
قوله: ((ثمَّ أدخلَ يده ففَسَلَ وجهه)) بيَّن في هذه الرواية تجديد الاغتراف لكلِّ عُضْو،
وأَنَّه اغتَرَفَ بإحدى يديه، وكذا هو في باقي الرِّوايات، وفي مسلم (٢٣٥) وغيره.
لكن وَقَعَ في رواية ابن عساكر وأبي الوَقْت من طريق سليمان بن بلال الآتية (١٩٩):
((ثُمَّ أدخلَ يديه)) بالتثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذرٍّ ولا الأَصِيلي ولا في شيء من
الرِّوايات خارج ((الصحيح))، قاله النَّووي، وأظُن أنَّ الإناء كان صغيراً فاغتَرَفَ بإحدى
يديه ثمَّ أضافَها إلى الأُخرى كما تقدَّم نظيره في حديث ابن عبّاس، وإلا فالاغتراف بالیدینِ
جميعاً أسهل وأقرب تَناؤُلاً كما قال الشافعي.
قوله: ((ثمَّ غَسَلَ يديه مرتين)) المراد: غَسَلَ كل يد مرتين كما تقدَّم في طريق مالك
(١٨٥): ((ثُمَّ غَسَلَ يديه مرتين مرتين)) وليس المراد توزيع المَرَّتَين على اليدين، فكان يكون
لكلِّ يد مَرّة واحدة.
٤٠- باب استعمال فضل وَضوءِ الناس
وأمَرَ جَرِيرُ بنُ عبدِ الله أهلَه أنْ يتوضَّؤوا بفَضْلِ سواكِهِ.
١٨٧ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثنا الحكمُ، قال: سمعتُ أبا جُحَيْفةً يقول:
خَرَجَ علينا رسولُ الله وَّةِ بِالهاجِرَة، فأُتيَ بَوَضُوءٍ فتوضَّأ، فجعل الناسُ يْخُذُونَ من فَضْلٍ وَضُوئِه

٦٠٧
باب ٤٠ / ح ١٨٧
كتاب الوضوء
فيَمَسَّحُونَ بِهِ، فصَلَّى النبيُّ وَِّالظَّهرَ رَكْعَتَين، والعصرَ رَكْعَتَين، وبينَ يدِهِ عَنَّزَةٌ.
[أطرافه في: ٣٧٦، ٤٩٥، ٤٩٩، ٥٠١، ٦٣٣، ٦٣٤، ٣٥٥٣، ٣٥٦٦، ٥٨٥٩،٥٧٨٦]
قوله: ((باب استعمال فضل وَضُوء الناس)) أي: في التطهُّر، والمراد بالفضل: الماء الذي ٢٩٥/١
يَبْقَى في الظَّرْف بعد الفَراغ.
قوله: ((وأمَرَ جَرِير بن عبد الله)) هذا الأثر وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١٧٢/١) والدَّارَ قُطني
(٩٢ و ٩٣) وغيرهما من طريق قيس بن أبي حازم عنه، وفي بعض طرقه: كان جَرِير يَسْتاك
ويَغْمِس رأس سواكه في الماء ثمَّ يقول لأهلِه: توضّؤوا بفَضْلِه، لا يرى به بأساً. وهذه
الرواية مُبيِّنّة للمراد.
وظنَّ ابن التِّين وغيره أنَّ المراد بفَضْلٍ سواكه: الماء الذي يُنْتُقَع فيه العود من الأراك وغيره
ليَلِينَ فقالوا: يُحمَل على أنَّه لم يُغيِّر الماء، وإنَّما أراد البخاري أنَّ صَنيعه ذلك لا يُغيِّر الماء، وكذا
مجرَّد الاستعمال لا يُغيِّر الماء فلا يَمتنِعِ التطهُّر به. وقد صَحَّحَه الدَّارَقُطنيُّ (٩٣) بلفظ: ((كان
يقول لأهلِه: توضّؤوا من هذا الذي أُدخِلُ فيه سِوَاكي)) وقد رُوِيَ مرفوعاً، أخرجه
الدَّارَ قُطْنيُّ من حديث أنس: أنَّ النبي ◌َلِّ كان يتوضَّأ بفَضْلِ سواكه(١). وسنده ضعيف.
وذكر أبو طالب في ((مسائله)) عن أحمد أنَّه سألَه عن معنى هذا الحديث فقال: كان
يُدخِلِ السِّواك في الإناء ويَسْتاك، فإذا فَرَغَ توضَّأ من ذلك الماء. وقد استُشكِلَ إيراد
البخاري له في هذا الباب المعقود لطهارة الماء المستعمَل، وأُجيبَ بأنَّه ثبت أنَّ السّواك
مُطَهِّر للفم، فإذا خالَطَ الماء ثمَّ حصل الوضوء بذلك الماء كان فيه استعمال للمُستعمَلِ في
الطهارة.
قوله: ((حدَّثنا الحكم)) هو ابن عُتَيبة تصغير عُتْبة بالمثنَّة ثمَّ الموحّدة، كان من الفقهاء
الکوفیین، وهو تابعي صغیر.
(١) انقلب على الحافظ لفظُ هذا الحديث، فقد أخرجه الدارقطني (٩٤) و(٩٥) بلفظ: ((كان يستاك بفضل
وَضُوئه))، وهكذا هو عند أبي يعلى أيضاً (٤٠٢٠)، لكن أخرجه البزار (٧٥٥١) باللفظ الذي ساقه
الحافظ.

٦٠٨
باب ٤٠ / ح ١٨٨ - ١٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
وحديث أبي جُحَيْفةَ المذكور ستأتي مباحثه (٤٩٥) في باب السُّتْرة في الصلاة.
وقوله: ((يأخذون من فضل وضوئِه)) كأنَّهم اقتَسَموا الماء الذي فَضَلَ عنه، ويحتمل أن يكونوا
تَناوَلُوا ما سالَ من أعضاء وُضوئِه ◌ِوََّ، وفيه دلالة بَيِّنّة على طهارة الماء المستعمَل.
١٨٨ - وقال أبو موسى: دَعَا النبيُّ وَّ بِقَدَح فيه ماءٌ فغَسَلَ یدیهِ ووَجْهَه فيه، ومَجَّ فیه ثمَّ
قال لهما: ((اشْرَبا منه، وأفرِغا على وُجُوهِكُما ونُحُورِ كُم)).
[طرفاه في: ٤٣٢٨،١٩٦]
وقوله: ((وقال أبو موسى)) هو الأشعَري، وهذا الحديث طرف من حديث مُطوَّل
أخرجه المؤلّف في المغازي (٤٣٢٨) وأوَّله عن أبي موسى قال: كنت عند النبي ◌ّ
幾
بالجِعْرانة ومعه بلال، فأتاه أعرابي ... فذكر الحديث. وعُرِفَ منه تفسير المُبهَمَينِ في قوله:
«اشربا» وهما أبو موسى وبلال.
وقد ذكر المؤلِّف طرفاً منه أيضاً بإسناده في ((باب الغُسْل والوضوء في المِخضَب)) كما
سیأتي (١٩٦) بعد قليل.
قوله: ((ومَجَّ فيه)) أي: صَبَّ ما تَناوَلَه من الماء في الإناء، والغرض بذلك إيجاد البَرَكة
بريقه المبارك.
١٨٩ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سَعْدٍ، قال: حدَّثنا أَبي،
عن صالحٍ، عن ابن شِهَابٍ، قال: أخبرني محمودُ بنُ الرَّبِيع، قال: وهو الذي مَجَّ رسولُ الله
وَّ فِي وَجْهِه وهو غُلامٌ من بثِهم.
وقال عُرْوةُ عن المِسوَرِ وغيرِهِ، يُصدِّقُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبه: وإذا توضَّأ النبيُّ ◌َ﴿ كانوا
يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِه.
قوله: ((حدَّثنا علي بن عبد الله)) هو ابن المَدِيني، وصالح: هو ابن كَيْسان، وقد تقدَّم
الكلام على حديث محمود بن الرَّبيع هذا في ((باب متى يصح سماع الصغير)) من كتاب
العلم (٧٧).

٦٠٩
باب ٤٠م / ح ١٩٠
كتاب الوضوء
قوله: ((وقال عُرْوة)) هو ابن الزُّبَيرِ ((عن المِسْوَر)) هو ابن مَخْرَمة.
قوله: ((وغيره)) هو مروان بن الحكم كما سيأتي موصولاً مُطوَّلاً في كتاب الشُّروط
(٢٧٣١).
وقال الكِرْمانيُّ:/ هذه الرواية وإنْ كانت عن مجهول لكنَّها مُتَابَعة، ويُغْتَفَر فيها ما لا ٢٩٦/١
يُغْتفر في الأُصول. قلت: وهذا صحيح إلَّا أنَّه لا يُعتَذَر به هنا لأَنَّ المُبُهَم معروف، وإنَّما
لم يُسمِّه اختصاراً كما اختصر السَّنَد فعلَّقَه.
وزَعَمَ الكِرْمانيُّ أنَّ قوله: ((وقال عُرْوة)) معطوف على قوله في السَّنَد الذي قبله:
((أخبرني محمود)) فيكون صالح بن كَيْسان روى عن الزُّهْري حديث محمود وعَطَفَ
عليه حديث عُرْوة، فعلى هذا لا يكون حديث عُرْوة مُعلَّقاً بل يكون موصولاً بالسَّنَدِ
الذي قبله، وصَنيع أئمَّة النقل يخالف ما زَعَمَه، واستمرَّ الكِرْمانيُّ على هذا التجويز
حتَّى زَعَمَ أنَّ الضمير في قوله: ((يُصَدِّق كل واحد منهما صاحبه)) للمِسوَرِ ومحمود،
وليس كما زَعَمَ، بل هو للمِسوَرِ ومروان، وهو تجويزٌ منه بمجرَّدِ العقل، والرُّجوع إلى
النقل في باب النقل أولى.
قوله: ((كانُوا يَقْتَتِلونَ)) كذا لأبي ذرِّ، وللباقين: ((كادوا)» بالدّال وهو الصواب، لأنَّه لم
يقع بينهم قتال، وإنَّما حكى ذلك عُرْوة بن مسعود الثَّقَفي لمَّ رجع إلى قُرَيش ليُعلِمهم
شِدّة تعظيم الصحابة للنبيِّ وَّةِ، ويُمكِن أنْ يكون أطلق القتال مُبالَغة.
٤٠م- بابٌ
١٩٠- باب حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن الجَعْد،
قال: سمعتُ السائبَ بنَ يزيدَ، يقول: ذهبتْ بي خالَتي إلى النبيِّ وَّةِ، فقالت: يا رسولَ الله،
إِنَّ ابنَ أُختِي وَقِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسي ودَعا لي بالبَرَكة، ثمَّ توضَّأ فشَرِبْتُ من وَضُوئِه، ثمَّ قُمْتُ
خلفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إلى خاتَمِ النُُّوَّةِ بِينَ كَتِفَيْهِ مثلَ زِّ الحَجَلِةِ.
[أطرافه في: ٣٥٤٠، ٣٥٤١، ٥٦٧٠، ٦٣٥٢]

٦١٠
باب ٤٠م / ح ١٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب)) كذا للمُستَمْلي كأنّه کالفصل من الباب الذي قبله، و جعله الباقون منه بلا
فصل.
قوله: ((حدَّثنا عبد الرحمن بن يونس)) هو أبو مسلم المُستَمْلي، أحد الحُفَّاظ.
قوله: ((عن الجَعْد)) كذا هنا، وللأكثر: الْجُعَيْد، بالتصغير وهو المشهور، والسائب بن
يزيد من صغار الصحابة، وسيأتي حديثه هذا مُبيّناً في كتاب علامات النُبوّة (٣٥٤٠، ٣٥٤١)
إن شاء الله تعالى.
قوله: ((وَقِعٌّ)) بكسر القاف والتنوين، وللكُشْمِيهَني: وَقَعَ، بلفظ الماضي، وفي رواية
كَرِيمة: وَجِعٌّ، بالجيم والتنوين، والوَقْع: وجعٌّ في القدمین.
قوله: ((زِّ الحَجَلة)) بكسر الَّاي وتشديد الراء، والحَجَلة بفتح المهمَلة والجيم: واحدة
الحِجال، وهي بيوت تُزَيَّن بالتِّياب والأسِرّة والسُّتور لها عُرِّى وأزرار، وقيل: المراد
بالحَجَلة: الطَّيْرِ، وهو اليَعقُوب، يقال للأُنثَى منه: حَجَلة، وعلى هذا فالمراد بزِرِّها: بَيضتُها،
ويؤيِّده أنَّ في حديث آخر: ((مِثل بَيْضةِ الحَمامة))(١). وسيأتي الكلام على ذلك مُستَوفَّى في
صفة النبي ◌َالر (٣٥٤١،٣٥٤٠) إن شاء الله تعالى.
وأراد البخاري الاستدلال بهذه الأحاديث على رَدِّ قول مَن قال بنجاسة الماء
المستعمَل، وهو قول أبي يوسف، وحكى الشافعي في ((الأُم)) عن محمد بن الحسن: أنَّ أبا
یوسف رجع عنه، ثمَّ رجع إليه بعد شهرین، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات:
الأولى: طاهر لا طَّهُور، وهي رواية محمد بن الحسن عنه، وهو قوله وقول الشافعي في
الجديد، وهو المُفْتَى به عند الحنفيَّة.
الثانية: نجس نجاسة خفيفة، وهي رواية أبي يوسف عنه.
الثالثة: نجسٌ نجاسة غليظة، وهي رواية الحسن اللُّؤْلُؤي عنه.
(١) أخرجه مسلم (٢٣٤٤) (١٠٩) و(١١٠) من حديث جابر بن سمرة.

٦١١
باب ٤١ / ح ١٩١
كتاب الوضوء
وهذه الأحاديث تردُّ عليه، لأنَّ النَّجِس لا يُتْبَرَّك به، وحديث المَجَّة(١) وإنْ لم يكن
فيه تصريح بالوضوء، لكن توجيهه أنَّ القائل بنجاسة الماء المستعمَل إذا عَلَّلَه بأنَّه ماء
مضاف، قيل له: هو مضاف إلى طاهر لم يتغيَّر به، وكذلك الماء الذي خالَطَه الرِّيق طاهر
لحديث المجَّة، وأمَّا مَن عَلَّلَه منهم بأنَّه ماء الذُّنوب فيجب إبعادُه، مُتَجّاً بالأحاديث
الواردة في ذلك/ عند مسلم (٢٤٤ -٢٤٥) وغيره، فأحاديث الباب أيضاً تردُّ عليه، لأنَّ ما ٢٩٧/١
يجب إبعاده لا يُتبرَّك به ولا يُشرَب.
قال ابن المنذر: وفي إجماع أهل العلم على أنَّ البَلَل الباقي على أعضاء المتوضِّئ وما قَطَرَ
منه على ثيابه طاهر، دليل قوي على طهارة الماء المستعمَل. وأمَّا كَوْنه غير طَهُور فسيأتي
الكلام عليه في كتاب الغُسْل إن شاء الله تعالى(٢)، والله أعلم.
٤١ - باب من مَضمَضَ واستنشقَ من غَرْفة واحدة
١٩١ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثْنا عَمرُو بنُ يحيى، عن أبيه،
عن عبدِ الله بنِ زيدٍ: أنَّه أفرَغَ مِن الإناءِ على يديهِ فَغَسَلَهُما، ثمَّ غَسَلَ أو مَضْمَضَ واستنشَقَ من
كَفّةٍ واحدٍ، ففَعَلَ ذلك ثلاثاً، فغَسَلَ يديه إلى المرفقَينِ مرَّتين مرَّتين، ومَسَحَ بَرَأْسِه ما أقبَلَ وما
أدَبَرَ، وغَسَلَ رِجْليه إلى الكَعْبين، ثمَّ قال: هكذا وُضُوءُ رسولِ الله ◌َلّ.
قوله: ((باب مَن مَضْمَضَ واستَنشَقَ من غَرْفة واحدة)) تقدَّم الكلام على ذلك قريباً في باب
مسح الرأس (١٨٥)، وتقدَّمت المسألة أيضاً في حديث ابن عبّاس في أوائل الوضوء (١٤٠).
قوله: ((ثمَّ غَسَلَ)) أي: فمَه ((أو مَضْمَضَ)) كذا عنده بالشَّك، وأخرجه مسلم (١٨/٢٣٥)
عن محمد بن الصَّاح عن خالد بسنده هذا من غير شك، ولفظه: ((ثمَّ أدخلَ يده
فاستخرَجَها فمضمضَ واستنشَقَ))، وأخرجه أيضاً الإسماعيلي من طريق وَهْب بن بقيّة عن
خالد كذلك، فالظاهر أنَّ الشَّك فيه من مُسدَّد شيخ البخاري، وأغربَ الكِرْمانيُّ فقال:
الظاهر أنَّ الشَّك فيه من التابعي.
(١) انظر الحديثين السالفين: (١٨٨) و(١٨٩).
(٢) انظر: كتاب الغسل: ٩ - باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها.

٦١٢
باب ٤٢ / ح ١٩٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((من كَفَّة واحدة)) كذا في رواية أبي ذر، وفي نسخة: ((من غَرْفة واحدة))، وللأكثر:
((من كفِّ)) بغير هاء.
قال ابن بَطَّال: المراد بالكَفّة: الغَرْفة، فاشتُقَّ لذلك من اسم الكَف عبارة عن ذلك
المعنى، قال: ولا يُعرَف في كلام العرب إلْحاق هاء التأنيث في الكَف، ومُحُصَّله: أنَّ المراد
بقوله ((كَفّة)): فَعْلة، لا أنَّها تأنيث الكَفِّ.
وقال صاحب ((المشارق): قوله: ((من كُفّة)) هي بالضم والفتح كغَرْفةٍ وغُرْفة، أي: ما
مَلَأ كفَّه من الماء.
قوله: (ثمَّ غَسَلَ یدیه» لم یذكُر غسل الوجه اختصاراً، وهو ثابت في رواية مسلم (٢٣٥)
وغيره. وبقيَّة مباحث هذا الحديث تقدَّمت قريباً (١٨٥).
٤٢- باب مسح الرأس مرَّة
١٩٢ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ يحيى، عن
أبيه، قال: شَهِدْتُ عَمْرَو بنَ أبي حَسَنٍ، سألَ عبدَ الله بنَ زيدٍ عن وُضُوءِ النبيِّ وَ﴿ِ، فَدَعَا بتَوْرٍ
من ماءٍ فتوضَّأ لهم، فَكَفَاهُ على يديه فقَسَلَهُما ثلاثاً، ثمَّ أدخلَ يَدَه في الإناءِ فمَضْمَضَ واستَنشَقَ
واستنثرَ ثلاثاً بثلاث غَرَفاتٍ من ماءٍ، ثمَّ أدخلَ يَدَه في الإناءِ فَفَسَلَ وجهَه ثلاثاً، ثمَّ أدخلَ يَدَه
في الإناءِ فَغَسَلَ يديهِ إلى المرفقَينِ مَرَّتين مرَّتين، ثمَّ أدخلَ بَدَه في الإناءِ فمَسَحَ بَرَأْسِه فأقبَلَ بَيَدِه
وأدبَرَ بها، ثمَّ أدخلَ يَدَه في الإِناءِ فَغَسَلَ رِجْلَیه.
وحدَّثنا موسى، قال: حدَّثْنا وُهَيبٌ، قال: مَسَحَ رَأْسَه مَرّةً.
قوله: ((باب مسح الرأس مرَّة)) للأَصِيلِيِّ: مَسْحة.
قوله: ((فَدَعا بتَوْرٍ من ماء)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهَني: / ((فَدَعا بماءٍ)) ولم يَذكُر الثَّور.
٢٩٨/١
قوله: ((فَكَفَأ)) أي: أمالَه، وللأَصِيلِيِّ: ((فأكفَأه)) وقد تقدَّم النقل أنَّهما بمعنّى (١).
(١) تقدم عند شرح قوله: ((فأفرغ)) من الحديث رقم (١٨٥) ص ٦٠٠.

٦١٣
باب ٤٢ / ح ١٩٢
كتاب الوضوء
قوله: ((فأقبَلَ بَيَدِه)) كذا هنا بالإفراد، وللكُشْمِيھَنيِّ بالتثنية.
قوله: «حدّثنا ◌ُھیب) أي: بإسناده المذكور وحديثه، وقد تقدّمتْ طريق موسى هذه في
(باب غسل الرِّجلَينِ إلى الكَعبَين)) (١٨٦)، وذكر فيها أنَّ مسح الرأس مَرّة، وقد تقدَّم نقل
الخلاف في استحباب العَدَد في مسح الرأس في ((باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً) في الكلام على
حدیث عثمان (١٥٩)، وذكرنا قول أبي داود: إنَّ الرِّوايات الصحیحة عن عثمان ليس فيها
عدد لمسح الرأس، وأنَّه أورد العَدَد من طريقين صَحَّحَ أحدَهما غيرُه، والزِّيادة من الثِّقة
مقبولة، فيُحمَل قول أبي داود على إرادة استثناء الطريقين اللَّذَينِ ذكرهما، فكأنَّه قال: إلَّا
هذين الطريقين.
قال ابن السَّمْعاني في ((الاصطلام)): اختلاف الرواية يُحمَل على التعدُّد، فيكون مَسَحَ
تارة مَرّة وتارة ثلاثاً، فليس في رواية ((مَسَحَ مَرّة)) حُجّة على منع التعدُّد.
ويُحْتَج للتَّعَدُّدِ بالقياس على المغسول، لأنَّ الوضوء طهارة حُكْميَّة، ولا فرقَ في
الطهارة الحُكْميَّة بين الغسل والمسح.
وأُجيبَ بما تقدَّم من أنَّ المسح مبنيّ على التخفيف بخلاف الغَسل، ولو شُرِعَ التكرار
لصارَتْ صورته صورة المغسول.
وقد اتُّفِقَ على كراهة غسل الرأس بدل المسح وإنْ كان مُجُزِئاً، وأجاب بأنَّ الخِفّة تقتضي
عدم الاستيعاب، وهو مشروع بالاتّفاقِ، فليكن العَدَد كذلك، وجوابه واضح.
ومن أقوى الأدلَّة على عدم العَدَد الحديث المشهور الذي صَحَّحَه ابن خُزيمة (١٧٤)
وغيره من طريق عبد الله بن عَمْرو بن العاص في صفة الوضوء، حيثُ قال النبيِ وَِّ بعد أنْ
فَرَغُ: ((مَن زاد على هذا فقد أساءَ وظَلَمَ))، فإنَّ في رواية سعيد بن منصور فيه التصريح بأنَّه
مَسَحَ رأسه مَرّة واحدة، فدلَّ على أنَّ الزّيادة في مسح الرأس على المرّة غير مُستَحَبّة، ويُحمَل
ما وَرَدَ من الأحاديث في تثليث المسح - إنْ صَحَّتْ - على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنَّها
مَسَحات مُستقِلّة لجميع الرأس، جمعاً بين هذه الأدلَّة.

٦١٤
باب ٤٣ / ح ١٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: لم يقع في هذه الرواية ذِكْر غسل الوجه، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أنْ يكون هو مفعول
((غَسَلَ)) الذي وَقَعَ فيه الشكُّ من الراوي، والتقدير: فَغَسَلَ وجهه أو تمضمض واستنْشَق.
قلت: ولا يخفى بُعْدُه.
وقد أخرج الحديث المذكور مسلم (٢٣٥) والإسماعيلي في روايتهما المذكورة وفيها بعد
ذِكْر المضمضة والاستنشاق: ((ثمَّ غَسَلَ وجهه ثلاثاً)، فدلَّ على أنَّ الاختصار من مُسدَّد،
كما تقدَّم أنَّ الشَّك منه.
وقال الكِرْمانيُّ: يجوز أنْ يكون حَذَفَ الوجه إذ لم يقع في شيء منه اختلاف، وذکر ما
عداه لما في المضمضة والاستنشاق من الإفراد والجمع، ولما في إدخال المرفقَين، ولما في
مسح جميع الرأس، ولما في الرِّجلَينِ إلى الكَعبَين. انتهى مُلخَّصاً، ولا يخفى تكلُّفه.
٤٣ - باب وُضوءِ الرجل مع امرأته وفَضْل وَضوءِ المرأة
وتوضَّأ عمرُ بالحَمِيم، ومن بيتٍ نصرانيَّةٍ.
١٩٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، أَنَّه
قال: كان الرِّجالُ والنِّساءُ يتوضَّؤونَ في زمان رسولِ الله ◌ِِّ جميعاً.
قوله: ((باب وُضوء الرجل)) بضم الواو، لأنَّ القصد به الفعل.
قوله: ((وفَضْلٍ وَضُوء المرأة)) بفتح الواو، لأنَّ المراد به الماء الفاضل في الإناء بعد الفراغ
من الوُضوء، وهو بالخَفْض عَطْفاً على قوله: ((وضوء الرجل)).
قوله: ((وتوضَّأ عمر بالحميم)) أي: بالماء المسخَّن.
٢٩٩/١
وهذا الأثر وَصَلَه سعيد بن منصور وعبد الرزاق (٦٧٥) وغيرهما بإسنادٍ صحيح بلفظ:
أنَّ عمر كان يتوضَّأ بالحَميم ويَغتسِل منه، ورواه ابن أبي شَيْبة (١/ ٢٥) والدَّارَقُطني (٨٥)
بلفظ: كان يُسخَّن له ماء في قُمْقُم ثمَّ يَغتسِل منه. قال الدَّارَ قُطنيُّ: إسناده صحيح(١).
(١) في إسناده عند الدارقطني إدريس بن الحكم، ذكره الخطيب في ((تاريخه)) ١٢/٧ ولم يذكر فيه جرحاً ولا
تعديلاً، وفي إسناده أيضاً علي بن غُراب وهشام بن سعد وحديثهما لا يرتقي إلى رتبة الصحيح، لكن
الخبر صحيح بطرقه، وله عند ابن أبي شيبة طريق قويٌّ.

٦١٥
باب ٤٣ / ح ١٩٣
كتاب الوضوء
ومناسبته للترجمة من جهة أنَّ الغالب أنَّ أهل الرجل تبعٌ له فيما يفعل، فأشار البخاري
إلى الرَّد على مَن مَنَعَ المرأة أنْ تَتَطَهَّر بفَضْلِ الرجل؛ لأنَّ الظاهر أنَّ امرأة عمر كانت تَتَوضَّأ
بفَضْلِه أو معه، فيناسب قوله: ((وضوء الرجل مع امرأته)) أي: من إناء واحد. وأمَّا مسألة
التطهُّر بالماء المسخَّن فاتَّفقوا على جوازه إلَّا ما نُقِلَ عن مجاهد.
قوله: ((ومن بيت نصرانيّة)) هو معطوف على قوله: ((بالحَميم)) أي: وتوضَّأ عمر من بيت
نصرانيّة.
وهذا الأثر وَصَلَه الشافعي (٢١/١) وعبد الرزاق (٢٥٤) وغيرهما عن ابن عُيَينَةَ، عن
زيد بن أسلمَ، عن أبيه به، ولفظ الشافعي: ((توضّأ من ماء في جَرّة نصرانيَّةٌ))، ولم يسمعه
ابن عُيَينةَ من زيد بن أسلم، فقد رواه البيهقيُّ (٣٢/١) من طريق سَعْدان بن نصر عنه
قال: حَدَّثونا عن زيد بن أسلمَ، فذكره مُطوَّلاً.
ورواه الإسماعيلي من وجه آخر عنه بإثبات الواسطة فقال: ((عن ابن زيد بن أسلمَ عن
أبيه به)) وأولاد زيدٍ هم عبد الله وأُسامة وعبد الرحمن، وأوثقُهم وأكبرهم عبد الله، وأظنّه
هو الذي سمع ابنُ عُيَينةً منه ذلك، وهذا جزم به البخاري.
ووَفَعَ في رواية كَرِيمة بحذف الواو من قوله: ((ومن بيت))، وهذا الذي جَرَّأ الكِرْماني
أنْ يقول: المقصود ذِكْر استعمال سُؤْر المرأة، وأمَّا الحَميم فذكره لبيان الواقع، وقد عرفتَ
أَّهما أثران مُتَغايران، وهذا الثاني مناسب لقوله: ((وفَضْل وضوء المرأة)) لأنَّ عمر توضَّأ
بمائها ولم يَستَفْصِل، مع جواز أنْ تكون تحت مسلم واغتَسَلَتْ من حيض ليَحِلَّ له وَطْؤُها
فَضَلَ منه ذلك الماء، وهذا وإنْ لم يقع التصريح به لكنَّه مُتمَل، وجَرَتْ عادة البخاري
بالتمَسُّكِ بمثل ذلك عند عدم الاستفصال، وإنْ كان غیره لا يستدل بذلك، وفيه دليل على
جواز التطهُّر بفَضْلِ وَضُوء المرأة المسلمة؛ لأنَّها لا تكون أسوأ حالاً من النصرانيّة.
وفيه دليل على جواز استعمال مياه أهل الكتاب من غير استفصال، وقال الشافعي في
((الأُم)): لا بأس بالوضوءِ من ماء المشرِك وبفَضْلٍ وَضُوئه ما لم تُعلَم فيه نجاسة.

٦١٦
باب ٤٣ / ح ١٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن المنذر: انفرد إبراهيم النَّخَعيُّ بكراهة فضل المرأة إذا كانت جُنُباً.
قوله: ((حدَّثْنا عبد الله بن يوسف)) هو التُّنِّيسيُّ أحد رواة ((الموطَّ)).
قوله: «كان الرِّجال والنِّساء)» ظاهره التعميم، فاللام للجنسِ لا للاستغراق.
قوله: ((في زمان رسول الله (وَلِ﴾) يُسْتفاد منه: أنَّ البخاري يرى أنَّ الصحابي إذا أضافَ
الفعل إلى زمن الرسول وي ليه يكون حُكْمه الرفع وهو الصحيح، وحُكيَ عن قوم خلافه
لاحتمال أنَّه لم يَطَّلِع، وهو ضعيف لتَوَفَّرِ دواعي الصحابة على سؤالهم إيّاه عن الأُمور التي
تقع لهم ومنهم، ولو لم يسألوه لم يُقَرُّوا على فعل غير الجائز في زمن التشريع، فقد استدلَّ أبو
سعيد وجابر على إباحة العَزْل بكَوْنهم كانوا يفعلونه والقرآن يَنزِل ولو كان منهيّاً لَنهى عنه
القرآن، وزاد ابن ماجَهْ (٣٨١) عن هشام بن عَّر عن مالك في هذا الحديث: ((من إناء
واحد))، وزاد أبو داود (٨٠) من طريق عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: نُدْلي فيه
أیدینا.
وفيه دليل على أنَّ الاغتراف من الماء القليل لا يُصيِِّه مُستعمَلاً، لأنَّ أوانيَهم كانت
صغاراً كما صَرَّحَ به الشافعي في ((الأم)) في عِدّة مواضع، وفيه دليل على طهارة الذِّمَيَّة
واستعمال فضل طَهورها وسُؤْرها لجواز تَزَوُّجهنَّ وعدم التفرقة في الحديث بين المسلمة
وغيرها.
قوله: ((جميعاً)) ظاهره أنَّهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة.
وحكى ابن التِّين عن قوم أنَّ معناه: أنَّ الرجال والنساء كانوا يتوضَّؤون جميعاً في موضع
واحد، هؤلاءِ على حِدَة وهؤلاءِ على حِدَة، والزِّيادة المتقدِّمة في قوله: ((من إناء واحد)) تَردُّ
٣٠٠/١ عليه، وكأنَّ هذا القائل استَبعَدَ اجتماع/ الرجال والنساء الأجانب.
وقد أجاب ابن التِّين عنه بما حكاه عن سَحْنون: أنَّ معناه: كان الرجال يتوضَّؤون
ويذهبون ثمَّ تأتي النساء فيتوضَّأنَ، وهو خلاف الظاهر من قوله: ((جميعاً)، قال أهل اللُّغة:
الجميع ضد المُفْتَرِق، وقد وَقَعَ مُصرَّحاً بوَحْدة الإناء في ((صحيح ابن خُزَيمة)) (١٢١) في هذا

٦١٧
باب ٤٣ / ح ١٩٣
كتاب الوضوء
الحديث من طريق مُعتَمِر، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّه أبصَرَ النبيَّ ◌َّهِ وأصحابه
يَتَطَهَّرون والنساء معهم من إناء واحد كلّهم يَتَطَهَّر منه. والأَولى في الجواب أنْ يقال: لا مانع
من الاجتماع قبل نزول الحِجاب، وأمَّا بعده فيختصُّ بالزوجات والمَحارم.
ونقل الطَّحاوي ثمَّ القُرْطبي والنَّووي الاتّفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من
الإناء الواحد. وفيه نظرٌ، لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة: أنَّه كان ينهى عنه، وكذا
حكاه ابن عبد البَرِّ عن قوم، وهذا الحديث حُجّة عليهم.
ونقل النَّووي أيضاً الاتّفاق على جواز وضوء المرأة بفَضْلِ الرجل دون العكس، وفيه
نظر أيضاً، فقد أثبَتَ الخلافَ فيه الطَّحاوي، وثبت عن ابن عمر والشَّعْبي والأوزاعيِّ المنعُ
لكن مقيَّداً بما إذا كانت حائضاً، وأمَّا عكسه فصَحَّ عن عبد الله بن سَرْجِس الصحابي
وسعيد بن المسيِّب والحسن البصري: أنَّهم مَنَعوا التطهُّر بفَضْلِ المرأة، وبه قال أحمد
وإسحاق، لكن قَيَّداه بما إذا خَلَتْ به لأنَّ أحاديث الباب ظاهرة في الجواز إذا اجتمعا.
ونقل الميموني عن أحمد: أنَّ الأحاديث الواردة في منع التطهُّر بفَضْلِ المرأة وفي جواز ذلك
مُضْطَرِبة، قال: لكن صَحَّ عن عِدّة من الصحابة المنع فيما إذا خَلَتْ به، وعُورِضَ بصِحَّة
الجواز عن جماعة من الصحابة منهم ابن عبّاس، والله أعلم.
وأشهَر الأحاديث في ذلك من الجِهَتَينِ حديث الحكم بن عَمْرو الغِفاريِّ في المنع،
وحديث ميمونة في الجواز.
أمَّا حديث الحكم بن عَمْرو فأخرجه أصحاب السُّنَن وحَسَّنَه القُّرمِذي وصحّحَه ابن
حِبَّان(١). وأغربَ النَّووي فقال: أنَّفقَ الْحُفَّاظ على تضعيفه.
وأمَّا حديث ميمونة فأخرجه مسلم (٣٢٢)، لكن أعلَّه قوم لتردُّدٍ وَقَعَ في رواية عَمْرو
ابن دينار حيثُ قال: عِلْمي والذي يَخْطُر على بالي أنَّ أبا الشَّعْثاء أخبرني ... فذكر الحديث،
(١) أخرجه أبو دواد (٨٢)، وابن ماجه (٣٧٣)، والترمذي (٦٣) و(٦٤)، والنسائي (٣٤٣)، وأحمد
(١٧٨٦٣)، وابن حبان (١٢٦٠)، ورجاله ثقات.

٦١٨
باب ٤٣ / ح ١٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقد وَرَدَ من طريق أُخرى بلا تردُّد لكنَّ راويها غير ضابط وقد خُولِف، والمحفوظ ما
أخرجه الشيخان بلفظ: ((أنَّ النبي ◌َّ وميمونة كانا يَغتسِلان من إناء واحد))(١).
وفي المنع أيضاً ما أخرجه أبو داود (٢٨) والنَّسائيُّ (٢٣٨) من طريق محُميدٍ بن
عبد الرحمن الحِمْيَري قال: لقيتُ رجلاً صَحِبَ النبي وَّ أربع سنين فقال: ((نهى
رسول الله ﴿ ﴿ أَنْ تَغْتسِلَ المرأة بفَضْلِ الرجل أو يَغتسِل الرجل بفَضْلِ المرأة ولْيَغْتَرِفا
جميعاً)) رجاله ثقات، ولم أقِف لمن أعلَّه على حُجّة قويّة.
ودعوى البيهقيِّ أنَّه في معنى المُرسَل مردودة، لأنَّ إبهام الصحابي لا يَضُر، وقد صَرَّحَ
التابعي بأنَّه لَقیَه.
ودعوی ابن خَزْم أنَّ داود راویه عن مُیدٍ بن عبد الرحمن هو ابن یزید الأَوْدي، وهو
ضعيف، مردودة، فإنَّه ابن عبد الله الأَوْدي وهو ثقة، وقد صرَّحَ باسم أبیه أبو داود وغيره.
ومن أحاديث الجواز ما أخرجه أصحاب السُّنَن والدَّارَقُطني وصَحَّحَه الِّرمِذي وابن
خُزَيمة وغيرهما من حديث ابن عبّاس عن ميمونة قالت: أجنبتُ فاغتَسَلْت من جَفْنة، ففَضَلَتْ
فيها فَضْلة، فجاءَ النبي ◌َّهِ يَغْتسِل منه، فقلت له فقال: ((الماء ليس عليه جَنابة)) واغتَسَلَ منه(٢).
لفظ الدَّارَقُطني. وقد أعلَّه قوم بسماك بن حرب راويه عن عِكْرمة لأنَّه كان يَقْبَل التلقين، لكن
قد رواه عنه شُعْبة(٣) وهو لا يحمل عن مشايخه إلَّا صحيح حديثهم.
وقول أحمد: إنَّ الأحاديث من الطريقين مُضْطَرِبة، إنَّما يُصار إليه عند تَعَذَّر الجمع، وهو
يُمكِن بأنْ تُحمَل أحاديث النهي على ما تَساقطَ من الأعضاء، والجواز على ما بقيَ من الماء،
وبذلك جمع الخطّابِيُّ، أو يُحِمَل النهي على التنزيه جمعاً بين الأدلَّة، والله أعلم.
(١) البخاري برقم (٢٥٣) من حديث ابن عباس، ومسلم (٣٢٢) من حديث ابن عباس عن ميمونة.
(٢) أخرجه أحمد (٢١٠٠)، وأبو دواد (٦٨)، وابن ماجه (٣٧٠) و(٣٧١)، والترمذي (٦٥)، والنسائي
(٣٢٥)، وابن خزيمة (٩١) و(١٠٩)، وابن حبان (١٢٤٢) من حديث ابن عباس، وأحمد (٢٦٨٠٢)،
وابن ماجه (٣٧٢)، والدار قطني (١٣٧) من حديث ابن عباس عن ميمونة.
(٣) عند ابن خزيمة (٩١).

٦١٩
باب ٤٤-٤٥ / ح ١٩٤ - ١٩٥
كتاب الوضوء
٣٠١/١
٤٤- باب صبِّ النبي ◌َِّلّهِ وَضُوءَه على المغمى عليه
١٩٤ - حدَّثنا أبو الوليد، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ المُنكَدِر، قال: سمعتُ جابراً
يقول: جاءَ رسولُ الله ◌َّهِ يَعُودُني وأنا مَرِيضٌ لا أَعقِلُ، فتوضَّأ وصَبَّ عليَّ من وَضُوئِه،
فعَقَلْتُ، فقلتُ: يا رسولَ الله، لمنِ الميراثُ؟ إِنَّمَا يَرِثُنِي كلالٌ، فَتَزَلَتْ آيةُ الفَرائضِ.
[أطرافه في: ٤٥٧٧، ٥٦٥١، ٥٦٦٤، ٥٦٧٦، ٦٧٢٣، ٦٧٤٣، ٧٣٠٩]
قوله: ((باب صب النبي ◌َّ﴿ وَضُوءَه)) بفتح الواو، لأنَّ المراد به الماء الذي توضَّأ به.
و ((المُغْمَى)) بضم الميم وإسكان المعجَمة: مَن أصابه الإغماء.
قوله: ((يَعُودني)) زاد المصنّف في الطِّب (٥٦٥١): ماشياً.
قوله: ((لا أعقِل)) أي: لا أفهَم، وحَذَفَ مفعوله إشارة إلى عِظَم الحال، أي: لا أعقِل
شيئاً، وصَرَّحَ به في التفسير (٤٥٧٧)، وله في الطِّب: ((فوَجَدَني قد أُغْمِيَ عليَّ)) وهو المطابق
للترجمة.
قوله: ((من وَضُوئِه)) يحتمل أنْ يكون المراد: صَبَّ عليَّ بعض الماء الذي توضَّأ به، أو ممّاً
بَقِيَ منه، والأوَّل المراد، فللمصنِّف في الاعتصام (٧٣٠٩): ((ثمَّ صَبَّ وَضوءَه عليّ))،
ولأبي داود: («فتوضَّأ وصَبَّه عليّ)).
قوله: ((لمن الميراثُ؟)) اللام بدل من المضاف إليه كأنَّه قال: ميراثي، ويؤيِّده أنَّ
في الاعتصام (٧٣٠٩) أنَّه قال: ((كيف أصنَع في مالي؟»، والمراد بآية الفرائض هنا قوله
تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِ اُلْكَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] كما سيأتي مُبيّناً في التفسير
(٤٥٧٧)، ويُذكَر هناك بقيَّة مباحثه إن شاء الله تعالى.
٤٥ - باب الغُسْل والوضوءِ في المِخْضَب والقَلَح
والخشب والحجارة
١٩٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مُنيٍ، سَمِعَ عبدَ الله بنَ بكرٍ، قال: حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسٍ، قال:
حَضَرَتِ الصلاةُ فقامَ مَن كان قَرِيبَ الدّار إلى أهلِه، وبَقِيَ قومٌ، فأَتَيَ رسولُ الله ◌َّ بِمِخْضَبٍ

٦٢٠
باب ٤٥ / ح ١٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
من حِجارةٍ فيه ماءٌ، فصَغُرَ الِخْضَبُ أنْ يَبْسُطَ فيه كفَّه، فتوضَّأ القومُ كلُّهُم، قلنا: كم كنتُم؟
قال: ثمانينَ وزِیادةً.
قوله: ((باب الغُسْل والوُضُوء في المِخْضَب)) هو بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح
الضاد المعجَمة بعدها موحَّدة، المشهور أنَّه الإناء الذي يُغسَل فيه الثّياب من أيِّ جنس
كان، وقد يُطلَق على الإناء صغيراً أو كبيراً، والقَدَح أكثر ما يكون من الخَشَب مع ضيق
فمه، وعَطْفه الخَشَب والحِجارة على المِخْضَب والقَدَح ليس من عَطْف العامِّ على الخاص
فقط، بل بین هذین وهذین عموم و خصوص من وجهٍ.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن مُنِير)) هو بضم الميم وكسر النّون بعدها ياء خفيفة كما قدَّمناه
في المقدِّمة، لكن وَقَعَ هنا في رواية الأَصِيلي: ((ابن المنِير)) بزيادة الألف واللام، فقد يَلتَبِس
بابن المنيِرِ الذي نَنقُل عنه في هذا الشَّرْح لكنَّه بتثقيل الياء ونون مفتوحة، وهو متأخِّر عن
هذا الراوي بأكثر من أربع مئة سنة.
قوله: ((حَضَرَت الصلاة)) هي العصر.
قوله: ((إلى أهله)) أي: لإرادة الوضوء ((وبَقيَ قوم)) أي: عند رسول الله وَله.
و («مِن» في قوله: ((من حجارة)» لبيان الجنس.
قوله: ((فصَغُرَ) بفتح الصاد المهمَلة وضم الغين المعجَمة، أي: لم يَسَعْ بَسْط كفّه ◌ِّل فيه،
وللإسماعيليِّ: ((فلم يَستَطِعْ أنْ يَبْسُط كفّه من صِغَر المِخْضَب)) وهو دالٌّ على ما قلناه: إنَّ
المِخْضَب قد يُطلَق على الإناء الصغير. ومباحث هذا الحديث تقدَّمتْ (١٦٩) في ((باب
٣٠٢/١ الْتِماس / الوَضوء)).
وباقي الكلام عليه يأتي في علامات النُّبوّة (٣٥٧٥) إن شاء الله تعالى. وقد أخرجه
المصنّف هناك عن عبد الله بن مُنير أيضاً لكنَّه قال: ((عن يزيد بن هارون)) بدل: عبد الله بن
بکر، فکأنّه سمعه من شیخین حدثه كل منهما به عن حُیدٍ.