Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
باب ٣٤
كتاب الوضوء
قوله: ((وقال أبو هريرة)) وَصَلَه إسماعيل القاضي في ((الأحكام)) بإسنادٍ صحيح من
طريق مجاهد عنه موقوفاً، ورواه أحمد (٩٣١٣) وأبو داود(١) والتِّرمِذي (٧٤) من طريق
شعبة عن سُھیل بن أبي صالح، عن أبيه، عنه مرفوعاً وزاد: ((أو ريح)).
قوله: ((ويُذكَر عن جابر)) وَصَلَه ابن إسحاق في ((المغازي))(٢) قال: حدَّثني صَدَقة بن يسار،
عن عَقيل بنِ جابر، عن أبيه مُطوَّلاً. وأخرجه أحمد (١٤٧٠٤) وأبو داود (١٩٨) والدَّارَ قُطني
(٨٦٩) وصَخَّحَه ابن خُزيمة (٣٦) وابن حِبَّان (١٠٩٦) والحاكم (١ / ١٥٦ -١٥٧) كلّهم من
طريق ابن إسحاق، وشيخه صَدَقة ثقة، وعَقيل بفتح العين لا أعرف راوياً عنه غیر صَدَقة،
ولهذا لم يَجِزِم به المصنّف، أو لكَوْنه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق(٣).
قوله: ((في غَزْوة ذات الرِّقاع)) سيأتي الكلام عليها في المغازي (٤١٢٥) إن شاء الله تعالى.
قوله: (فُرُميَ)) بضم الراء.
قوله: ((رجل)) تَبيَّن من سياق المذكورين سبب هذه القِصّة، ومُحصَّلها: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّ نزل
بشِعْبٍ فقال: ((مَن يَجِرُسنا الليلة؟)) فقام رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فباتا بفَم
الشِّعْب فاقتَسما الليل للحِراسة، فنام المهاجري وقام الأنصاري يُصلّي، فجاءَ رجل من
العَدو فرأى الأنصاري فرَماه بسَهْمٍ فأصابه فنَزَعَه واستمرَّ في صلاته، ثمَّ رماہ بثانٍ فصنع
كذلك، ثمَّ رَماه بثالثٍ فانتَزَعَه وَرَكَعَ وسَجَدَ وقَضَی صلاته، ثمَّ أیقَظَ رفقه، فلمَّا رأى ما
به من الدِّماء قال له: لِمَ لا أَنْبَهْتَنِي أوَّل ما رَمَى؟ قال: كنت في سورة فأحببت أنْ لا
أقطعَها. وأخرجه البيهقيُّ في ((الدلائل)) (٣٧٨/٣-٣٧٩) من وجه آخر وسَمَّى الأنصاريَّ
المذكور عَبَّاد بن بِشْر، والمهاجريَّ عَّار بن ياسر، والسورةَ الكَهْف.
قوله: ((فَتَزَفَه)) قال ابن طَريف في ((الأفعال)): يقال: نَزَفَه الدَّمُ وأَنزَفَه: إذا سالَ منه كثيراً
حتَّى يُضْعِفَه فهو نَزِیف ومنزوف.
(١) وهم الحافظ رحمه الله في عزوه إليه، فإن أبا داود لم يخرِّجه باللفظ والطريق المذكورين.
(٢) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٢١٨/٣-٢١٩.
(٣) انظر التعليق على ((مسند أحمد)» (١٤٧٠٤).

٥٨٢
باب ٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأراد المصنّف بهذا الحديث الردّ على الحنفيَّة في أنَّ الدَّم السائل يَنقُض الوضوء. فإنْ
قيل: كيف مضى في صلاته مع وُجود الدَّم في بدَنه أو ثوبه واجتنابُ النجاسة فيها واجب؟
أجاب الخطَّبيُّ بأنه يحتمل أنْ يكون الدَّم جَرَى من الجِراح على سبيل الدَّفْق بحيثُ لم
يُصِبْ شيئاً من ظاهر بدَنه وثيابه، وفيه بُعْد. ويحتمل أنْ يكون الدَّم أصاب الثوب فقط
فنَزَعَه عنه ولم یَسِلْ علی چِسْمہ إلَّا قَدْر یسیر معفوٌّ عنه، ثمَّ الحُجّة قائمة به على گوْن
خروج الدَّم لا يَنقُض، ولو لم يَظْهر الجواب عن كَوْن الدَّم أصابه.
والظاهر أنَّ البخاري كان يرى أنَّ خروج الدَّم في الصلاة لا يُبطِلها، بدليلٍ أنه ذكر
عَقِبَ هذا الحديث أثر الحسن - وهو البصري - قال: ما زالَ المسلمون يُصلُّون في
جِراحاتهم، وقد صَحَّ أنَّ عمر صَلَّى وُجُرْحه يَنْبَعِ دَماً.
قوله: ((وقال طاووسِ)) هو ابن كَيْسان التابعي المشهور، وأثره هذا وَصَلَه ابن أبي شَيْبة
٢٨٢/١ (١٣٨/١) بإسنادٍ صحيح ولفظه: أنه كان لا يرى في الدَّم وضوءاً، يَغِل عنه/ الدَّم ثمَّ
حَسْبه.
قوله: ((ومحمّد بن علي)) أي: ابن الحسين بن علي، أبو جعفر الباقر، وأثره هذا رُوِّيناه
موصولاً في ((فوائد)) الحافظ أبي بِشْر المعروف بسَمّويه من طريق الأعمَش قال: سألت أبا
جعفر الباقِر عن الرُّعاف، فقال: لو سالَ نهرٌ من دم ما أعدْتُ منه الوضوء.
وعطاء: هو ابن أبي رَبَاح، وأثره هذا وَصَلَه عبد الرزاق (٥٦٦) عن ابن جُرَيج عنه.
قوله: ((وأهل الحجاز)) هو من عَطْف العام على الخاصّ؛ لأنَّ الثلاثة المذكورين قبلُ
حجازيّون. وقد رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة (٥٥٦) وسعيد بن جُبَير (٥٥١)، وأخرجه
ابن أبي شَيْبة (١/ ١٣٧) من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيِّب، وأخرجه إسماعيل القاضي من
طريق أبي الزناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهو قول مالك والشافعي.
قوله: ((وعصر ابن عمر)) وَصَلَه ابن أبي شيبة (١٣٨/١) بإسنادٍ صحیح، وزاد قبل
قوله: ((ولم يتوضَّأ»: ثمَّ صَلَّى.

٥٨٣
باب ٣٤ / ح ١٧٦
كتاب الوضوء
قوله: (بَثْرَة)) بفتح الموحّدة وسكون المثلَّثة ويجوز فتحها: هي خُرَاج صغير، يقال: بَثِّرَ
وجهُه، مُثَلَّث الثاء المثلَّثة.
قوله: ((وبَزَقَ ابن أبي أَونَى)) هو عبد الله الصحابي ابن الصحابي، وأثره هذا وَصَلَه سفيان
الثَّوْري في ((جامعه)) عن عطاء بن السائب: أنَّه رآه فعل ذلك(١). وسفيان سمع من عطاء
قبل اختلاطه، فالإسناد صحيح.
قوله: ((وقال ابن عمر)) وَصَلَه الشافعي وابن أبي شَيْبة (٤٣/١) بلفظ: كان إذا احتَجَمَ
غَسَلَ مَحاجمه(٢).
قوله: ((والحسن)) أي: البصري، وأثره هذا وَصَلَه ابن أبي شَيْبة أيضاً (٤٣/١) ولفظه:
أنَّه سُئِلَ عن الرجل يَحتَجِم ماذا عليه؟ قال: يَغسِل أثر محاجمه.
تنبيه: وَقَعَ في رواية الأَصِيلي وغيره: (ليس عليه غسل محاجمه)) بإسقاط أداة الاستثناء،
وهو الذي ذكره الإسماعيلي، وقال ابن بَطَّال: ثبتت ((إلَّا)) في رواية المُستَمْلِي دون رفيقَيْه.
انتهى، وهي في نسختي ثابتة من رواية أبي ذرِّ عن الثلاثة، وتخريج التعليق المذكور يؤيِّد
ثبوتها.
وقد حُكيّ عن الليث أنَّه قال: يُجْزِئ المحتَجِم أنْ يمسح موضع الحجامة ويُصلّي ولا
یغسِله.
١٧٦ - حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن سعيد المقبريّ، عن أبي
هُرَيرة قال: قال النبيُّ نَّهِ: ((لا يَزالُ العَبدُ في صلاةٍ ما كانَ في المسجدِ يَنتَظِرُ الصلاةَ ما لم
يُحدِثْ)) فقال رجلٌ أعجَمِيٌّ: ما الحَدَثُ يا أبا هُرَيرةَ؟ قال: الصَّوْتُ؛ يعني: الضَّرْطَةَ.
[أطرافه في: ٤٤٥، ٤٧٧، ٦٤٧، ٦٥٩،٦٤٨، ٢١١٩، ٣٢٢٩، ٤٧١٧]
(١) ووصله أيضاً ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١ / ١٢٤ عن عبد الوهاب الثقفي عن عطاء به.
(٢) ووصله أيضاً البيهقي في ((سننه)) ١ / ١٤٠ بإسناد قوي عن ابن عمر، ثم قال: وروى الشافعي في القديم
هذا.

٥٨٤
باب ٣٤ / ح ١٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ابن أبي ذِئْب)) تقدَّم أنَّ اسمه محمد بن عبد الرحمن، والإسناد كلُّه مدنيُّون إلَّا آدم
وقد دَخَلَها.
قوله: ((ما كانَ في المسجد))، أي: ما دام، وهي رواية الكُشْمِيهَني، والمراد أنَّه في ثَواب
الصلاة ما دامَ ينتظرها وإلّ لامتَنعَ عليه الكلام ونحوه. وقال الكِرْماني: نَكَّرَ قوله: «في
صلاة)) ليُشعِر بأنَّ المراد نَوْع صلاته التي ينتظرها. وسيأتي بقيّة الكلام عليه في كتاب
الصلاة في أبواب صلاة الجماعة (٦٤٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((أعجمي)) أي: غير فصيح بالعربيَّة سواء كان عربيَّ الأصل أم لا، ويحتمل أنْ يكون
هذا الأعجمي هو الحَضْرَمي الذي تقدَّم ذِكْره في أوائل كتاب الوضوء (١٣٥).
قوله: ((قال: الصَّوْت)) كذا فَسَّرَه هنا، ويؤيِّده الزّيادة المذكورة قبلُ في رواية أبي داود
وغيره حيثُ قال: ((لا وضوء إلَّا من صوت أو ريح)) فكأنَّه قال: لا وضوء إلَّا من ضُراط
أو فُساء(١)، وإنَّما خَصَّهما بالذِّكْر دون ما هو أشد منهما لكَوْنهما لا يَخْرُج من المَرْء غالباً في
المسجد غيرهما، فالظاهر أنَّ السؤال وَقَعَ عن الحدثِ الخاص وهو المعهود وقوعُه غالباً في
الصلاة كما تقدَّمت الإشارة إلى ذلك في أوائل الوضوء (١٣٥).
٢٨٣/١
١٧٧ - حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريّ، عن عَبَّادِ بنِ تَميمٍ، عن عَمِّه،
عن النبيِّ ◌َّه قال: ((لا يَنْصِرِفْ حَتَّى يسمعَ صَوْتاً أو يجدَ رِيحًا)).
قوله: ((حدَّثنا أبو الوليد)) هو الطَّيالسي، وإنْ كان هشام بن عمَّار يُكْنى أيضاً أبا الوليد،
ويروي أيضاً عن ابن عُيَينةَ ويروي عنه البخاري.
قوله: ((عن عَمّه)) هو عبد الله بن زيد المازني، وتقدَّم الكلام على حديثه هذا في «باب لا
يتوضَّأ من الشَّك حتَّى يَستَيَقِن)) (١٣٧) وأورده هنا لظُهورِ دلالته على حَصْرِ النَّقْض بما
يَخْرُج من السَّبيلَين، وقد قدَّمنا توجيه إلحاق بقيَّة النَّواقِض بهما أوائل الباب.
(١) تقدم ص ٥٨١ أن الحديث لم يروه أبو داود، ولم يعزه إليه المزي في ((التحفة)). وأخرج مسلم (٦٤٩)
(٢٧٤)، وأبو داود (٤٧١) من طريق أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله وسلم قال: ((لا يزال العبد في
صلاة ... حتى ينصرف أو يُحدِثَ)). فقيل: ما يُحدِث؟ قال: يفسو أو يضرط.

٥٨٥
باب ٣٤ / ح ١٧٨ -١٧٩
كتاب الوضوء
١٧٨- حدَّثْنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمش، عن مُنذِرٍ أبي يَعْلِى
الثَّوْرِيّ، عن محمَّدٍ ابن الحَنَفيَّة قال: قال عليٌّ: كنتُ رجلاً مَذّاءً، فاستَحيَيْتُ أنْ أسألَ
رسولَ اللهِ وَلِّ، فَأمَرْتُ المِقْداد بنَ الأسوَد، فسألَه، فقال: ((فيه الوُضُوءُ)).
ورواه شُعْبةُ، عن الأعمش.
قوله: ((حدَّثنا جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، وسيأتي الكلام على المتن في ((باب غسل
المَذْي)) من كتاب الغُسْل (٢٦٩) إن شاء الله تعالى، وتقدَّمتْ له طريق أُخرى في أواخر
كتاب العلم (١٣٢). وأورده هنا لدلالتِه على إيجاب الوضوء من المَذّي وهو خارج من
أحد المخرَجَین.
قوله: ((ورواه شُعْبة عن الأعمَش)) أي: بالإسناد المذكور، وقد وَصَلَه أبو داود الطَّيالسي
في «مسنده)) (١٠٦) عن شُعْبة كذلك.
١٧٩ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، أنَّ عطاءَ بنَ يسارٍ
أخبره، أنَّ زيدَ بنَ خالدٍ أخبره، أنَّه سألَ عثمانَ بنَ عَقَّنَ ﴾، قلتُ: أرأيتَ إذا جامعَ فلم يُمْنِ؟
قال عثمانُ: يتوضَّأُ كما يتوضَّأُ للصلاةِ ويَغسِلُ ذکرَه. قال عثمانُ: سمعتُه من رسولِ الله
فسألتُ عن ذلك عليّاً والزُّبَيرَ وطَلْحَةَ وَأَبيَّ بنَ كعبٍ رضي الله عنهم، فأمُرُوه بذلك.
[طرفه في: ٢٩٢]
قوله: ((حدَّثنا سَعْد بن حَفْص)) كذا للجميع، إلّا القابسي فقال: ((سعيد))، وكذا صنع في
حديثه الآخر الآتي (٢٨٤١) في ((باب فضل النَّفَقة في سبيل الله)) من كتاب الجهاد، نبَّه
علیھما الجيَّاني.
قوله: ((حدَّثنا شَيْبان)) هو ابن عبد الرحمن ((عن يحيى)) هو ابن أبي كثير ((عن أبي سَلَمةَ)»
أي: ابن عبد الرحمن بن عَوْف. وفي الإسناد تابعيّان كبيران مَدَنیّان يروي أحدهما عن
الآخر وصحابيّان كذلك، ويحيى بن أبي كثير أيضاً تابعي صغير، ففيه ثلاثة من التابعين
فِي نَسَق.

٥٨٦
باب ٣٤ / ح ١٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أرأيتَ)) أي: أخبرني.
قوله: ((إذا جامعَ)) أي: الرجل ((فلم يُمْن)) بضمِّ الَّحتانية وسكون الميم.
قوله: ((كما يتوضَّأ للصلاةِ» بيان لأنَّ المراد الوضوء الشرعي لا اللُّغَوي، وسيأتي حُكْم
هذه المسألة في آخر كتاب الغُسْل (٢٩٢)، ونُبيِّن هناك أنَّه منسوخ، ولا يقال: إذا كان
منسوخاً كيف يصح الاستدلال به، لأنّا نقول: المنسوخ منه عدم وجوب الغُسْل وناسخه
الأمر بالغُسْل، وأمَّا الأمر بالوضوءِ فهو باقٍ لأنَّه مُندَرِج تحت الغُسْل، والحِكْمة في الأمر
بالوضوءِ قبل أنْ يجب الغُسْل إمَّا لكَوْن الجِماعِ مَظِنّة خروج المَذْي، أو لمُلامَسة المرأة،
وبهذا تَظْهَر مُناسَبة الحديث للترجمة.
١٨٠ - حدَّثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا النَّضْرُ، قال: أخبرنا شُعْبةُ، عن الحَكَم، عن ذَكْوانَ
أبي صالح، عن أبي سعيد الخُذْريّ: أنَّ رسولَ الله وَليهِ أرسَلَ إلى رجلٍ مِن الأنصارِ، فجاءَ
ورَأْسُهُ يَقْطُرُ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((لَعَلَّنا أعجَلْنَاكَ؟)) فقال: نَعَم، فقال رسولُ الله ◌َيِ: ((إذا
أُعجِلْتَ أو قُحِطْتَ، فعليكَ الوُضوءُ)).
٢٨٤/١
تابعَه وَهْبٌ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ.
قال أبو عبدِ الله: ولم يَقُلْ غُندَرٌ ويحيى عن شُعْبة: الوضوءُ.
قوله: «حدّثنا إسحاق» کذا في رواية گرِیمة وغیرها، زاد الأصِيلي: ((هو ابن منصور))،
وفي رواية أبي ذرٍّ: ((حدَّثنا إسحاق بن منصور بن بَهْرام)) بفتح الموحّدة وهو المعروف
بالكَوْسَجِ كما صَرَّعَ به أبو نُعيمِ.
قوله: ((حدَّثْنَا النَّضْرِ)) هو ابن شُمَيلِ بالمعجَمة مُصغَّراً، والحكم: هو ابن عُتَبة، بمُثنَّةٍ
وموخَّدة مُصفَّراً.
قوله: ((أرسَلَ إلى رجل من الأنصار)) ولمسلم (٣٤٥) وغيره: ((مَرَّ على رجل)) فيُحمَل على
أنَّه مرَّ به فأرسلَ إلیه، وهذا الأنصاري سمّاه مسلم في روايته من طريق أُخرى عن أبي سعيد
(٣٤٣): ((عِتْبان)) وهو بكسر المهمَلة وسكون المثنَّة ثمَّ موحّدة خفيفة، ولفظه من رواية شَرِيك

٥٨٧
باب ٣٤ / ح ١٨٠
كتاب الوضوء
ابن أبي نَمِر، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: ((خرجت مع رسول الله وَلَه إلى قُباء،
حتَّى إذا كنّا في بني سالم وَقَفَ رسول الله وَّارِ على باب عِتْبان فخرج يَجُر إزاره، فقال
رسول الله وَ﴾: أعجَلْنا الرجل)) فذكر الحديث بمعناه.
وعِثْبان المذكور: هو ابن مالك الأنصاري كما نَسَبَه بَقيُّ بن ◌َخَلَد في روايته لهذا
الحديث من هذا الوجه، ووَقَعَ في رواية في ((صحيح أبي عَوَانة)) (٨١٦) أنَّه ابن عِتْبان(١)
والأوَّل أصح، ورواه ابن إسحاق في ((المغازي) عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي سعيد
عن أبيه عن جَدّه لكنَّه قال: ((فهَتَف برجلٍ من أصحابه يقال له: صالح)»، فإنْ مُلَ على
تعدُّد الواقعة وإلَّا فطريق مسلم أصح. وقد وَقَعَت القِصّة أيضاً لرافعٍ بن خَدِيج وغيره
أخرجه أحمد (١٧٢٨٨) وغيره(٢)، ولكنَّ الأقرب في تفسير المُبُهَم الذي في البخاري أنَّه
عِتْبان، والله أعلم.
قوله: (يَقْطُر)) أي: يَنْزِل منه الماء قَطْرة قَطْرة من أثر الغُسْل.
قوله: ((لَعَلَّنا أعجَلْناك)) أي: عن فراغ حاجَتك من الجِماع.
وفيه جواز الأخذ بالقرائنِ؛ لأنَّ الصحابي لمَّا أبطأً عن الإجابة مُدّة الاغتسال خالف
المعهود منه وهو سُرْعة الإجابة للنبيِّ وَّهِ، فلمَّا رأى عليه أثر الغُسْل دلَّ على أنَّ شُغْله كان به،
واحتَمَلَ أنْ يكون نَزَعَ قبل الإنزال ليُسرِعِ الإجابة، أو كان أنزل فوَقَعَ السؤال عن ذلك.
وفيه استحباب الدَّوام على الطهارة لكَوْن النبي ◌َّ لم يُنكِرِ عليه تأخير إجابته، وكأنَّ
ذلك كان قبل إيجابها، إذ الواجب لا يُؤَخَّر للمُستَحَب. وقد كان عِتْبان طلبَ من النبي
﴿﴿ أنْ يأتيَه فيُصلّيَّ في بيته في مكان يَتَّخِذه مُصَلَّى فأجابه، كما سيأتي في موضعه (٤٢٤)،
فيحتمل أنْ تكون هي هذه الواقعة، وقَدَّمَ الاغتسال ليكون مُتأهِّباً للصلاة معه،
والله أعلم.
(١) تصحف في مطبوعة دار المعرفة إلى: أين عتبان.
(٢) وإسناده ضعيف، فيه ضعيف ومبهم.

٥٨٨
باب ٣٤ / ح ١٨٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إذا أُعجِلْت)) بضم الهمزة وكسر الجيم، وفي أصل أبي ذرِّ: ((إذا عُجِّلْت)) بلا همز
و((قُحِطْت)) وفي رواية غيره: ((أُقْحِطْت)) وَزْن: أُعجِلْت، وكذا لمسلم (٣٤٥).
قال صاحب ((الأفعال)): يقال: أقَحَطَ الرجل: إذا جامعَ ولم يُنزِل. وحكى ابن الجوزي
عن ابن الخَشّاب: أنَّ المحدِّثين يقولون: فَحَطَ بفتح القاف، قال: والصواب الضم. قلت:
وروايته في ((أمالي)) أبي علي القالي بالوجهين في القاف، وبزيادة الهمزة المضمومة، يقال:
فَحَطَ الناسُ وأُقْحِطوا: إذا حُبِسَ عنهم المطر، ومنه استُغيرَ ذلك لتأخَّرِ الإنزال، قال
الكِرْمانيُّ: ليس قوله: ((أو)) للشَّكِّ، بل هو لبيان عدم الإنزال، سواء كان بحَسَبِ أمر من
ذات الشَّخْص أم لا، وهذا بناء على أنَّ إحداهما بالتعدية، وإلا فهي للشَّك.
قوله: ((تابعَه وَهْبٍ)) أي: ابن جَرِير بن حازم، والضمير يعود على النَّصْر، ومتابعة وَهْب
وَصَلها أبو العبَّاس السَّراج في ((مسنده)) عن زياد بن أيوب عنه(١).
٢٨٥/١
قوله: ((لم يَقُلْ غُندَر ويحيى عن شُعْبة: الوُضُوء)) يعني أنَّ غُندَراً وهو محمد بن جعفر،
ويحيى وهو ابن سعيد القَطَّان، رَوَيا هذا الحديث عن شُعْبة بهذا الإسناد والمتن، لكن لم
يقولا فيه: ((عليك الوضوء))، فأمَّا يحيى فهو كما قال، فقد أخرجه أحمد بن حنبل في
((مسنده)) (١١٢٠٧) عنه ولفظه: «فليس عليك غُسْل))، وأمَّا غُندَر فقد أخرجه أحمد أيضاً
في («مسنده)) (١١١٦٢) عنه لكنَّه ذكر الوضوء ولفظه: ((فلا غُسْل عليك، عليك
الوضوء)»، وهكذا أخرجه مسلم (٣٤٥) وابن ماجَهْ (٦٠٦) والإسماعيلي وأبو نُعيم من
طرق عنه، وكذا ذكره أكثر أصحاب شُعْبة كأبي داود الطَّيالسي (٢٢٩٩) وغيره عنه، فكأنَّ
بعض مشايخ البخاري حدَّثه به عن يحيى وغُندَر معاً فساقه له على لفظ يحيى، والله أعلم.
وقد كان بين الصحابة اختلاف في هذه المسألة كما سنذكره في آخر كتاب الغُسْل (٢٩٢)
إن شاء الله تعالى.
(١) أخرجه الحافظ بسنده إليه في (تغليق التعليق)) ١٢٢/٢-١٢٣. وهو في ((حديث السراج)) بتخريج الشحامي
أيضاً بالأرقام (٥٦٠) و(٦٢٦) و(١٣٦٦) بالإسناد ذاته.

٥٨٩
باب ٣٥ / ح ١٨١
كتاب الوضوء
٣٥- باب الرجل يُوضِّئ صاحبه
١٨١ - حدَّثني ابنُ سَلَام، قال: أخبرنا يزيدُ بنُ هارُونَ، عن يحيى، عن موسى بنِ عُقْبةَ،
عن كُرَيبٍ مولى ابن عبّاس، عن أسامةَ بنِ زيدٍ: أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ لمَّا أفاضَ من عَرَفةَ عَدَلَ
إلى الشِّعْب، فقَضَى حاجَتَه، قال أسامةُ بنُ زيدٍ: فجعلتُ أَصُبُّ عليه ويتوضَّأُ، فقلتُ: یا
رسولَ الله، أتُصلِّ؟ فقال: ((المُصَلَّى أمامَكَ)).
قوله: ((باب الرجل يُوضِّئ صاحبه)) أي: ما ◌ُكْمه.
قوله: ((ابن سَلَام)» هو محمد كما في رواية كَرِيمة، ويحيى: هو ابن سعيد الأنصاري. وفي
هذا الإسناد رواية الأقران، لأنَّ يحيى وموسى بن عُقْبة تابعيّان صغيران من أهل المدينة،
وكُرَيب مولى ابن عبّاس من أواسط التابعين ففيه ثلاثة من التابعين في نَسَق، وقد تقدَّمت
الإشارة إلى شيء من مباحث هذا الحديث في ((باب إسباغ الوضوء)) (١٣٩)، ويأتي باقيها
في كتاب الحج (١٦٦٧) إن شاء الله تعالى.
ووقعَ في تراجم البخاري لابن المنيِّر في هذا الموضع وهم، فإنَّه قال فيه: ابن عبّاس عن
أُسامة، وليس هو من رواية ابن عبّاس، وإنَّما هو من رواية كُرَیب مولى ابن عبّاس.
قوله: ((أصُبُّ)) بتشديد الموحّدة ومفعوله محذوف، أي: الماء.
وقوله: ((ويتوضَّأ)) أي: وهو يتوضَّأ. واستدلَّ به المصنّف على الاستعانة في الوضوء،
لكن مَن يَدَّعي أنَّ الكراهية مُخْتَصّة بغير المَشَقّة أو الاحتياج في الجملة لا يستدل عليه
بحديث أُسامة لأنَّه كان في السَّفَر. وكذا حديث المغيرة المذكور (١٨٢).
قال ابن المنيِر: قاسَ البخاري تَوْضِئة الرجل غيرَه على صَبّه عليه لاجتماعهما في معنى
الإعانة. قلت: والفَرْق بينهما ظاهر، ولم يُفصِح البخاري في المسألة بجوازٍ ولا غيره، وهذه
عادته في الأُمور المحتملة.
قال النَّووي: الاستعانة ثلاثة أقسام: إحضار الماء، ولا كراهة فيه أصلاً. قلت: لكن
الأفضل خلافه. قال: الثاني: مُباشَرة الأجنبي الغَسْل، وهذا مكروه إلَّا لحاجةٍ، الثالث:

٥٩٠
باب ٣٥ / ح ١٨٢
فتح الباري بشرح البخاري
الصَّب وفيه وجهان، أحدهما: يُكرَه، والثاني: خلاف الأولى.
وتُعُقِّبَ بأنَّه إذا ثبت أنَّ النبي ◌َّهِ فِعلَه لا يكون خلاف الأولى. وأُجيبَ بأنَّه قد يفعله
لبيان الجواز، فلا يكون في حقّه خلاف الأولى بخلاف غيره.
وقال الكِرْمانيُّ: إذا كان الأَولى تركه كيف يُنازَع في كراهته؟ وأُجيبَ بأنَّ كل مكروه
فِعِلُه خلاف الأَولى من غير عكس، إذ المكروه يُطلَق على الحرام بخلاف الآخر.
١٨٢ - حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوَهّاب، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ،
قال: أخبرني سَعْدُ بنُ إبراهيمَ، أنَّ نافعَ بنَ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ أخبره، أنَّ سَمِعَ عُرْوةَ بنَ المغيرةِ
٢٨٦/١ ابن شُعْبةَ يُحدِّثُ، عن المغيرةِ بنِ شُعْبة: أنَّه كان/ معَ رسولِ الله وَّهِ فِي سَفَرٍ، وأنَّه ذهب لحاجةٍ
له، وأنَّ مُغِيرةَ جعل يَصُبُّ الماءَ عليه وهو يتوضَّأُ، فغَسَلَ وجهَه ويَدَیِهِ ومَسَحَ برَأْسِه ومَسَحَ
على الخُفَّين.
[أطرافه في: ٢٠٣، ٢٠٦، ٣٦٣، ٣٨٨، ٢٩١٨، ٤٤٢١، ٥٧٩٨، ٥٧٩٩]
قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو بن علي)) هو الفَلّاس أحد الحُفَّاظ البصريّين، وعبد الوَهّاب: هو
ابن عبد المجيد الثّقَفي، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاري، وسعد بن إبراهيم، أي: ابن
عبد الرحمن بن عَوْف.
وفي الإسناد رواية الأقران في موضعَينٍ؛ لأنَّ يحيى وسعداً تابعيّان صغيران، ونافع بن جُبِير
وعُرْوة بن المغيرة تابعيَّان، وَسَطان، ففيه أربعة من التابعين في نَسَق، وهو من النَّوادِرِ.
قوله: ((أنَّه كان)) أدَّى عُرْوة معنى كلام أبيه بعبارة نَفْسه، وإلّا فكان السِّياق يقتضي
أنْ يقول: قال إني كنت، وكذا قوله: ((وأنَّ المغيرة جعل)) ويحتمل أنْ يقال: هو الْتِفات
على رأي، فيكون عُرْوة أدَّى لفظ أبيه، والضمير في قوله: ((وأنَّه ذهب)) وفي قوله: ((له))
للنبيّ ێ﴾.
ومباحث هذا الحديث تأتي في المسح على الخُفَّين (٢٠٣) إن شاء الله تعالى. والمراد منه
هنا الاستدلال على الاستعانة.

٥٩١
باب ٣٦
كتاب الوضوء
وقال ابن بَطَّال: هذا من القُرُبات التي يجوز للرجلِ أنْ يَعمَلها عن غيره بخلاف الصلاة،
قال: واستدلَّ البخاري من صَبِّ الماء عليه عند الوضوء أنَّه يجوز للرجلِ أنْ يوضِّئه غيره؛ لأنَّه
لمَّا لَزِمَ المتوضِّئ الاغترافُ من الماء لأعضائه وجازَ له أنْ يكفيَه ذلك غيرُه بالصَّبِّ
- والاغترافُ بعضُ عمل الوضوء - كذلك يجوز في بقيَّة أعماله.
وتعقّبه ابن المنيِّر بأنَّ الاغتراف من الوسائل لا من المقاصد؛ لأنَّه لو اغتَرَفَ ثمَّ نَوَى
أنْ يتوضَّأ جاز، ولو كان الاغتراف عملاً مُستقِلَّا لكان قد قَدَّمَ النَّة عليه، وذلك لا يجوز.
وحاصله التفرقة بين الإعانة بالصَّبِّ وبين الإعانة بمُباشَرة الغير لغسل الأعضاء، وهذا
هو الفَرْق الذي أشرنا إليه قبلُ.
والحديثان دالّان على عدم كراهة الاستعانة بالصَّب، وكذا إحضار الماء من باب
الأَولى، وأمَّا المباشرة فلا دلالة فيهما عليها، نعم يُستحَب أنْ لا يستعين أصلاً. وأمَّا ما رواه
أبو جعفر الطبريُّ عن ابن عمر أنَّه كان يقول: ما أُبالي مَن أعانني على طُهوري أو على
ركوعي وسجودي، فمحمول على الإعانة بالمباشَرة للصَّب، بدليلِ ما رواه الطبريُّ أيضاً
وغيره عن مجاهد: أنَّه كان يَسْكُب على ابن عمر وهو يَغسِل رِجْليه. وقد روى الحاكم في
((المستدرك)) من حديث الرُّبِيِّع بنت مُعَوِّد أنَّها قالت: أتيت النبي وَلّهِ بوَضوءٍ فقال:
((اسكُبِي))، فسَكَبْت عليه(١). وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثَينِ المذكورَينِ؛ لگَوْنه
في الحَضَر، ولكَوْنه بصيغة الطََّب، لكنَّه ليس على شرط المصنّف، والله أعلم.
٣٦- باب قراءة القرآن بعد الحَدَث وغیرِه
وقال منصورٌ، عن إبراهيم: لا بأسَ بالقراءةِ في الحمّام، ويَكتُبُ الرِّسالةَ على غير وُضُوءٍ.
وقال حَمّدٌ، عن إبراهيم: إنْ كان عليهم إزارٌ فسَلِّم، وإلّا فلا تُسلِّم.
(١) لم نقف عليه في ((المستدرك)) كما أن الحافظ لم يورده في كتابه («إتحاف المهرة))، لكن أخرجه البيهقي في
((سننه)) ٢٣٧/١ عن الحاكم بإسناده إلى الربيِّع، وهو إسناد ليِّ، فيه شريك بن عبد الله النخعي وهو
سيئ الحفظ، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل وليس بذاك القوي. وهو بهذا اللفظ بالإسناد ذاته عند ابن
ماجه أيضاً برقم (٣٩٠).

٥٩٢
باب ٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب قراءة القرآن بعد الحَدَث)) أي: الأصغر ((وغيره)) أي: من مَظانٌّ الحَدَث. وقال
الكِرْمانيُّ: الضمير يعود على القرآن، والتقدير: باب قراءة القرآن وغيره، أي: الذِّكْر والسلام
ونحوهما بعد الحَدَث، ويلزم منه الفصل بين المتعاطفَينِ، ولأنَّه إنْ جازَت القراءة بعد الحَدَث
٢٨٧/١ فجواز غيرها من الأذكار بطريق الأَولى، فهو مُستَغنّى عن / ذِكْره بخلاف غير الحَدَث من
نواقض الوضوء، وقد تقدَّم بيان المراد بالحَدَث (١٧٦)، وهو يؤيِّد ما قَرَّرْته.
قوله: ((وقال منصور)) أي: ابن المُعتَمِر ((عن إبراهيم)) أي: النَّخَعي، وأثره هذا وَصَلَه
سعيد بن منصور عن أبي عَوَانة عن منصور مثله، وروى عبد الرزاق (١١٤٨) عن الثَّوْري
عن منصور قال: سألت إبراهيم عن القراءة في الحَّام فقال: لم يُبْنَ للقراءة فيه. قلت: وهذا
لا يخالف رواية أبي عَوَانة، فإنَّهَا تَتَعلَّق بمُطلَقِ الجواز، وقد روى سعيد بن منصور أيضاً عن
محمد بن أبان عن حمّاد بن أبي سليمان قال: سألت إبراهيم عن القراءة في الحَّام فقال: يُكرَه
ذلك. انتهى، والإسناد الأوَّل أصح. وروى ابن المنذر (١٢٤/٢) عن علي قال: بئْسَ البيت
الحَّامِ يُنزَع فيه الحياء، ولا يُقْرأ فيه آية من كتاب الله. وهذا لا يدل على كراهة القراءة، وإنّا
هو إخبار بما هو الواقع بأنَّ شَأْن مَن يكون في الحَّام أنْ يَلتَهي عن القراءة.
وحُكَيَت الكراهة عن أبي حنيفة، وخالفه صاحبه محمد بن الحسن ومالك فقالا: لا
تُكْرَه؛ لأنَّه ليس فيه دليل خاص، وبه صَرَّحَ صاحبا ((العُدّة)) و((البيان)) من الشافعيّة، وقال
النَّووي في ((التّبيان)) عن الأصحاب: لا تُكْرَه، فأطلَق، لكن في ((شرح الكِفاية)) للصَّيْمَريّ:
لا ينبغي أنْ يَقْرأ. وسَوَّى الْحَلِيمي بينه وبين القراءة حال قضاء الحاجة، ورَجَّحَ السُّبْكي
الكبير عدم الكراهة واحتَجَّ بأنَّ القراءة مطلوبة والاستكثار منها مطلوب والحَدَث يَكثُر،
فلو كُرِهَتْ لَفاتَ خير كثير. ثمَّ قال: حُكْم القراءة في الحَّام إنْ كان القارئ في مكان نظيف
وليس فيه كَشف عَوْرة، لم يُكرَه، وإلَّا حُرِهِ.
قوله: ((ويَكْتُب الرِّسالة)) كذا في رواية الأكثر بلفظ مضارع كَتَب، وفي رواية كَرِيمة:
(بكَتْب)) بموخَّدةٍ مكسورة وكافٍ مفتوحة عَطْفاً على قوله: ((بالقراءة)».

٥٩٣
باب ٣٦ / ح ١٨٣
كتاب الوضوء
وهذا الأثر وَصَلَه عبد الرزاق (١٣٤٢) عن الثَّوْري أيضاً عن منصور قال: سألت
إبراهيم: أأكتُبُ الرّسالة على غير وضوء؟ قال: نَعَم. وتَبيَّن بهذا أنَّ قوله: ((على غير وضوء))
يتعلَّق بالكتابة لا بالقراءة في الحَّام. ولمَّا كان من شَأْن الرَّسائل أنْ تُصدَّرَ بالبسملة تَوَهَّمَ
السائل أنَّ ذلك يُكرَه لمن كان على غير وضوء، لكن يُمكِن أنْ يقال: إنَّ كاتب الرِّسالة لا
يَقصِد القراءة، فلا يستوي مع القراءة.
قوله: ((وقال حَمَّد)» هو ابن أبي سليمان فقيه الكوفة ((عن إبراهيم)) أي: النَّخَعي ((إنْ كان
عليهم)) أي: على مَن في الحَّام ((إزارٌ)) المراد به الجنس، أي: على كلّ منهم إزار. وأثره هذا
وَصَلَه الثَّوْري في ((جامعه)) عنه، والنهي عن السلام عليهم إمَّا إهانة لهم لكَوْنهم على بِدْعة،
وإمَّا لكَوْنه يَستَدْعي منهم الرَّد، والتلفّظ بالسلام فيه ذِكْر الله لأنَّ السلام من أسمائه، وأنَّ
لفظ ((سلام عليكم)) من القرآن، والمتعرِّي عن الإزار مُشابه لمن هو في الخلاء. وبهذا التقرير
يتوجَّه ذِكْر هذا الأثر في هذه الترجمة.
١٨٣ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن تَحَرَمةَ بنِ سليمانَ، عن كُرَيبٍ مولى ابن
عبَّاس، أنَّ عبد الله بنَ عبَّاس أخبره: أنَّه باتَ ليلةً عند ميمونةَ زَوْجِ النبيِّ ◌َِّ وهي خالَتُه،
فاضطَجَعْتُ في عَرْضِ الوِسادةِ واضطَجَعَ رسولُ اللهِّهِ وأهلُه في طُولِها، فنامَ رسولُ اللهِوَّتِ
حَتَّى إذا انتَصَفَ الليلُ أو قبلَه بقليلٍ أو بعده بقليلِ اسْتَيْقَظَ رسولُ اللهِوَّه فَجَلَسَ يَمْسَحُ النومَ
عن وَجْهِه بيَدِهِ، ثمَّ قرأَ العشرَ الآياتِ الخواتِمَ من سُورةٍ آلِ عِمْرَانَ، ثمَّ قامَ إلى شَنِّ مُعلَّقةٍ فتوضَّأ
منها فأحسَنَ وُضُوءَه، ثمَّ قام يُصلّي. قال ابنُ عبَّاس: فقُمْتُ فصَنَعْتُ مثلَ ما صَنَعَ، ثمَّ ذهبتُ
فقُمْتُ إلى جَنْهِ، فَوَضَعَ يَدَه اليُمنَى على رَأْسِي وأخذ بأذُني اليُمنَى يَفْتِلُها، فصَلَّى رَكْعتَین، ثمَّ
رَكْعَتَين، ثمَّ رَكْعَتَين، ثمَّ رَكْعتَين، ثمَّ رَكْعتَين، ثمَّ رَكْعتَين، ثمَّ أوتَرَ، ثمَّ اضطَجَعَ حتَّى أتاه
المؤذِّنُ، فقام فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثمَّ خَرَجَ فصَلَّى الصبحَ. [انظر: ١١٧]
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيْس.
قوله: (مَرَمَةَ)) بفتح الميم وإسكان المعجَمة، والإسناد كلُّه مدنيُّون.
٢٨٨/١

٥٩٤
باب ٣٦ / ح ١٨٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فاضطَجَعْت)) قائل ذلك هو ابن عبّاس، وفيه الْتِفات لأنَّ أُسلوب الكلام كان
يقتضي أنْ يقول: فاضطَجَعَ، لأنَّه قال قبل ذلك: إنَّه بات.
قوله: ((في عَرْض)) بفتح أوَّله على المشهور، وبالضم أيضاً، وأنكَرَه الباجيُّ من جهة النقل
ومن جهة المعنى قال: لأنَّ العُرْض بالضم هو الجانب، وهو لفظ مُشترَك. قلت: لكن لمَّا
قال: «في طوها) تَعَّن المراد، وقد صحّتْ به الرواية فلا وجه للإنكار.
قوله: ((يَمْسَح النوم)) أي: يمسح بَيَدِه عينيه، من باب إطلاق اسم الحالِّ على المَحَلِّ،
أو أثر النوم من باب إطلاق السبب على المُسَبَّب.
قوله: ((ثمَّ قرأ العشرَ الآياتِ)) أوَّلها: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر السورة
[آل عمران: ١٩٠ - ٢٠٠].
قال ابن بَطَّال ومَن تَبِعَه: فيه دليل على رَدِّ مَن كَرِهَ قراءة القرآن على غير طهارة؛ لأنَّه
وَلّم قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أنْ يتوضَّأ.
وتعقَّبه ابن المنيِرِ وغيره بأنَّ ذلك مُفرَّع على أنَّ النوم في حقِّه يَنقُض، وليس كذلك؛
لأنَّه قال: ((تنام عينايَ ولا ينام قلبي))(١)، وأمَّا كَوْنه توضّا عَقِبَ ذلك، فلعلَّه جَدَّدَ الوضوء
أو أحدَثَ بعد ذلك فتوضَّأ.
قلت: وهو تعقيب جيِّد بالنّسبة إلى قول ابن بَطَّال: ((بعد قيامه من النوم))؛ لأنَّه لم يتعيَّن
گونه أحدثَ في النوم، لكن لمَّا عَقَّب ذلك بالوضوء کان ظاهراً في گونه أحدث، ولا یلزم
من كَوْن نومه لا يَنقُض وضوءَه أنْ لا يقع منه حَدَثٌ وهو نائم، نعم خصوصيّته أنَّه إنْ
وَقَعَ شَعَرَ به بخلاف غيره، وما ادَّعَوْه من التجديد وغيره الأصلُ عدمه، وقد سبقَ
الإسماعيليُّ إلى معنى ما ذكره ابنُ المنيِرِ، والأظهَر أنَّ مُناسَبة الحديث للترجمة من جهة أنَّ
مضاجَعة الأهل في الفِراش لا تَخْلو من المُلامَسة. ويُمكِن أنْ يُؤخَذ ذلك من قول ابن
عبَّاس: ((فصَنَعْتِ مِثْلَ ما صنع))، ولم يُرِدِ المصنِّف أنَّ مجرَّد نومه وَّهِ يَنقُض، لأنَّ في آخر
(١) سيأتي برقم (١١٤٧).

٥٩٥
باب ٣٧ / ح ١٨٤
كتاب الوضوء
هذا الحديث عنده (١٣٨) في ((باب التخفيف في الوضوء)): ((ثمَّ اضطَجَعَ فنام حتَّى نَفَخَ ثمَّ
صَلَى)). ثمَّ رأيت في ((الحَلَبَّات)) للسُّبْكيِّ الكبير بعد أن ذكر اعتراض الإسماعيلي: لعلَّ
البخاري احتَجَّ بفعلِ ابن عبّاس بحَضْرَة النبيِ وَِّ، أو اعتَبَرَ اضطِجاع النبي ◌َّ مع أهله
واللَّمْس يَنقُض الوضوء.
قلت: ويُؤخَذ من هذا الحديث توجيه ما قَيَّدتُ الحَدَث(١) به في ترجمة الباب، وأنَّ المراد
به الأصغر، إذْ لو كان الأكبر لَمَا اقتَصَرَ على الوضوء ثمَّ صَلَی بل کان یَغتیِل.
قوله: ((إلى شَنِّ مُعلَّقة)) قال الخطَّبيُّ: الشَّن: القِرْبة التي تَبدَّتْ للِلَى، ولذلك قال في هذه
الرواية: ((مُعلَّقة)) فأَنَّثَ لإرادة القِرْبة.
قوله: ((فقُمْت فصَنَعْت مِثل ما صَنَعَ)) تقدَّمت الإشارة في ((باب تخفيف الوضوء)) (١٣٨)
إلى هذا الموضع فلْيُراجَعْ من ثَمَّ، وستأتي بقيَّة مباحث هذا الحديث في كتاب الوِتْر (٩٩٢)
إن شاء الله تعالى.
تنبيه: روى مسلم (٣٧٠) من حديث ابن عمر كراهةَ ذِكْر الله بعد الحدث، لكنَّه على
غير شرط المصنّف.
٣٧ - باب مَن لم يتوضَّأْ إِلَّ من الغَشْيِ المُثِقِل
١٨٤ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن امرأتِه فاطمةَ، عن
جَدَّتِها أسماء بنتِ أبي بكرٍ، أنَّهَا قالت: أتيتُ عائشةَ زوجَ النبيِّ وََّ حِينَ خَسَفَتِ الشمسُ، فإذا
الناسُ قِيامٌ يُصلُّونَ وإذا هي قائمةٌ تُصلِّ، فقلتُ: ما لِلنَّاسِ؟ فأشارتْ بَيَدِها نحوَ السَّماء،
وقالت: سُبْحانَ الله! فقلتُ: آيَةٌ؟ فأشارَتْ أنْ نَعَم، فقُمْتُ حتَّى تَجَلَاني الغَشْيُ وجعلتُ أُصُبُّ
فوقَ رَأْسي ماءً، فلمَّ انصَرَفَ رسولُ اللهِوَ ◌ّ ◌َمِدَ الله وأثنَى عليه، ثمَّ/ قال: ((ما من شيءٍ كنتُ ٢٨٩/١
لم أرَه إِلَّا قد رأيتُه في مَقَامي هذا حتَّى الجنَّةَ والنارَ، ولقد أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في القُبورِ مثلَ؛
أو قَرِيباً من فتنةِ الدَّجّال - لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ - يُؤْتَى أحَدُكُمْ فيُقالُ: ما عِلْمُكَ بهذا
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: الحديث.

٥٩٦
باب ٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
الرجلِ؟ فأمَّا المُؤْمِنُ أوِ المُوقِنُ - لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ - فيقول: هو محمَّدٌ
رسولُ الله، جاءَنا بالبيِّنَاتِ والهُدَى فأجَبْنا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنا، فيُقالُ: نَمْ صالحاً فقد عَلِمْنا إنْ كنتَ
لِمُؤمِناً، وأمَّا المُنَافِقُ أو المُرْتَابُ - لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ - فيقول: لا أدري، سمعتُ
الناسَ يقولونَ شيئاً فقلتُه)).
قوله: ((باب مَن لم يتوضَّأ)) أي: من الغَشْيِ ((إلَّا من الغَشْيِ المُثْقِلِ)) فالاستثناء مُفرَّغ،
و((المُثْقِل)) بضمِّ الميم وإسكان المثلَّثة وكسر القاف ويجوز فتحها، وأشار المصنِّف بذلك
إلى الرّد على مَن أوجَبَ الوضوء من الغَشْىِ مُطلَقاً، والتقدير: باب مَن لم يتوضَّأ من الغَشْي
إلَّا إذا كان مُثِقِلاً.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس أيضاً، والإسناد كلُّه مدنُّون أيضاً، وفيه
رواية الأقران هشام وامرأته فاطمة بنت عمِّه المنذر.
قوله: ((فأشارتْ أنْ نَعَم)) كذا لأكثرِهم بالنّون، ولكَرِيمة: ((أي نَعَم)) وهي رواية وُهَيب
المتقدِّمة في العلم (٨٦)، وبيَّن فيها أنَّ هذه الإشارة كانت برأسها.
قوله: (تَجَلّاني)) أي: غَطَّاني، قال ابن بَطَّل: الغَشْي مرض يَعرِض من طول التعب
والوقوف، وهو ضَرْب من الإغماء إلَّا أنَّه دونه، وإنَّما صَبَّتْ أسماءُ الماء على رأسها مُدافَعة
له، ولو كان شديداً لكان كالإغماء، وهو يَنقُض الوضوء بالإجماع. انتهى.
وكَوْنها كانت تَتَوَلَّى صَبَّ الماء عليها يدل على أنَّ حواسّها كانت مُدْرِكة، وذلك لا يَنقُض
الوضوء. ومحل الاستدلال بفعلها من جهة أنَّها كانت تُصلِّي خَلْف النبي ◌َّ وكان يرى الذي
خَلْفه وهو في الصلاة ولم يُنْقَل أَنَّه أنكَرَ عليها. وقد تقدَّم شيء من مباحث هذا الحديث في كتاب
العلم (٨٦)، وتأتي بقيَّة مباحثه في كتاب صلاة الكسوف (١٠٥٣) إن شاء الله تعالى.
٣٨- باب مسح الرأس كلِّه
لقول الله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦].
وقال ابنُ المسيِّب: المرأةُ بمَنْزِلةِ الرجلِ تَمسَحُ على رَأْسِها.

٥٩٧
باب ٣٨ / ح ١٨٥
كتاب الوضوء
وسُئِلَ مالكٌ: أيُجْزِئُ أنْ يَمْسَحَ بعضَ الرَّأسِ؟ فاحتَجَّ بحديث عبدِ الله بنِ زيدٍ.
١٨٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن عَمْرِو بنِ يحبى المازنيِّ، عن
أبيه: أنَّ رجلاً قال لعبد الله بنِ زيدٍ، وهو جَدُّ عَمْرٍو بنِ يحيى: أتستطِيعُ أنْ تُرِيَني كيفَ كان
رسولُ اللهِ وَّه يتوضَّأُ؟ فقال عبدُ الله بنُ زيدٍ: نَعَم، فدعا بماءٍ فَأَفَرَغَ على يَدِه فغَسَل مرَّتين، ثمّ
تَمَضْمَضَ واستنثرَ ثلاثاً، ثمَّ غَسَلَ وجهَه ثلاثاً، ثمَّ غَسَلَ يديهِ مرَّتين مرَّتين إلى المِفَقَين، ثمَّ
مَسَحَ رَأْسَه بيدَيه، فأقبَلَ بهما وأدبَرَ، بدأ بمُقَدَّمٍ رَأْسِه حتَّى ذهبَ بهما إلى قَاه، ثمَّ رَدَّهُما إلى
المكانِ الذي بدأَ منه، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ.
[أطرافه في: ١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٧، ١٩٩]
قوله: ((باب مسح الرَّأْس كلّه)) كذا لأكثرِهم وسقط لفظ ((كلّه)) للمُستَمْلِي.
٢٩٠/١
قوله: ((وقال ابن المسيِّب)) أي: سعيد، وأثره هذا وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١/ ٢٤) بلفظ: ((الرجل
والمرأة في المسح سواء))، ونُقِلَ عن أحمد أنَّه قال: يكفي المرأة مسح مُقَدَّم رأسها.
قوله: ((وسُئِلَ مالك)) السائل له عن ذلك هو إسحاق بن عيسى ابن الطَّاع، بيَّنه ابن
خُزيمة في «صحيحه)) (١٥٧) من طريقه ولفظه: سألت مالكاً عن الرجل يمسح مُقدَّم رأسه
في وُضوئِه أيُزِتُه ذلك؟ فقال: حدَّثني عَمْرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد فقال:
مَسَحَ رسول الله وَّه في وُضوئِه من ناصيته إلى قَفاه، ثمَّ رَدَّ يديه إلى ناصیتّه فمَسَحَ رأسه كلّه.
وهذا السِّياق أصرح للترجمة من الذي ساقه المصنّف قبلُ.
وموضع الدّلالة من الحديث والآية أنَّ لفظ الآية مُجمَل؛ لأنَّه يحتمل أنْ يُراد منها مسح
الكل على أنَّ الباء زائدة، أو مسح البعض على أنَّها تبعيضيَّةٌ، فتبيَّن بفعلِ النبي ◌َِّ أنَّ المراد
الأوَّل، ولم يُنقَل عنه أنَّه مَسَحَ بعض رأسه إلَّا في حديث المغيرة: أنَّه مَسَحَ على ناصيَتَه
وعِمَامَته(١)، فإنَّ ذلك دلَّ على أنَّ التعميم ليس بفرضٍ، فعلى هذا فالإجمال في المسند إليه لا
في الأصل.
(١) أخرجه مسلم (٢٤٧) (٨١) و(٨٣).

٥٩٨
باب ٣٨ / ح ١٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن أبيه)) أي: أبي عثمان يحيى بن عُمارة، أي: ابن أبي حسن، واسمه تميم بن عبد
عَمْرو، ولجدِّه أبي حسن صُحْبة، وكذا لعُمارةَ فيما جزم به ابن عبد البَرِّ، وقال أبو نُعيمٍ: فيه
نَظر. والإسناد كلُّه مدنيُّون إلَّا عبد الله بن يوسف وقد دَخَلَها.
قوله: ((أنَّ رجلاً)) هو عَمْرو بن أبي حسن كما سنَّاه المصنّف في الحديث الذي بعد هذا
(١٨٦) من طريق وُهَيب عن عَمْرو بن يحيى، وعلى هذا فقوله هنا: ((وهو جد عَمْرو بن
يحيى)) فيه تجوُّز؛ لأنَّه عَمُّ أبيه، وسمَّاه جَدّاً لكَوْنه في منزلته، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّ المراد بقوله:
((وهو)) عبد الله بن زيد؛ لأنَّه ليس جَدّاً لعَمْرو بن يحيى لا حقيقة ولا تَجازاً.
وأمَّا قول صاحب ((الكمال)) ومَن تَبِعَه في ترجمة عَمْرو بن يحيى: إنَّه ابن بنت عبد الله
ابن زيد، فغلط تَوَقَّتَه من هذه الرواية، وقد ذكر ابن سعد أنَّ أُم عَمْرو بن يحيى هي حَميدة
بنت محمد بن إياس بن البُكَير، وقال غيره: هي أُم التُّعْمان بنت أبي حَيَّة، فالله أعلم.
وقد اختلفَ رواة ((الموطَّأ)) في تعيين هذا السائل، وأمَّا أكثرهم فأبهَمَه، قال معن بن
عيسى في روايته عن عَمْرو عن أبيه يحيى: إنَّه سمع أبا حسن - وهو جد عَمْرو بن يحيى -
قال لعبد الله بن زيد وكان من الصحابة ... فذكر الحديث.
وقال محمد بن الحسن الشيبانيُّ عن مالك(١): حدَّثنا عَمْرو، عن أبيه يحيى: أنَّه سمع
جَدّه أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد. وكذا ساقه سَحْنون في ((المدوَّنة))، وقال الشافعي في
((الأُم)) (١/ ٤١) عن مالك عن عَمْرو عن أبيه: أنَّه قال لعبد الله بن زيد.
ومثله رواية الإسماعيلي عن أبي خَليفة، عن القَعْنبي، عن مالك، عن عَمْرو، عن أبيه
قال: قلت ...
والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن
الأنصاري وابنه عَمْرو وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن، فسألوه عن صفة وضوء
النبيِ وَِّ، وتَوَلَّ السؤال منهم له عَمْرو بن أبي حسن، فحيثُ نُسِبَ إليه السؤال كان على
(١) في (موطئه)) برقم (٥).

٥٩٩
باب ٣٨ / ح ١٨٥
كتاب الوضوء
الحقيقة، ويؤيِّده رواية سليمان بن بلال عند المصنِّف (١٩٩) في باب الوضوء من التور قال:
حدّثني عَمْرو بن یحیی، عن أبيه قال: کان عَمّي - يعني عَمْرو بن أبي حسن - يُكثِر
الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، فذكره. وحيثُ نُسِبَ السؤال إلى أبي حسن فعلى
المجاز، لكَوْنه كان الأكبر وكان حاضراً، وحيثُ نُسِبَ السؤال ليحيى بن عمارة فعلى المجاز
أيضاً، لكَوْنه ناقلَ الحديث وقد حَضَرَ السؤال.
ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٣٥) عن محمد بن الصَّبَّاح/ عن خالد الواسطي، عن عَمْرو ٢٩١/١
ابن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال: «قيل له: توضَّأُ لنا)) فذكره مُبهَماً.
وفي رواية الإسماعيلي من طريق وَهْب بن بقيَّة عن خالد المذكور بلفظ: ((قلنا له))،
وهذا يؤيِّد الجمع المتقدِّم من كَوْنهم اتَّفقوا على سؤاله؛ لكنَّ مُتَوَلِّ السؤال منهم عَمْرو بن
أبي حسن. ويزيد ذلك وضوحاً رواية الدَّراوَرْدي عن عَمْرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمّه
عَمْرو بن أبي حسن قال: ((كنت كثيرَ الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد)) فذكر الحديث.
أخرجه أبو نُعيم في ((المستخرج))، والله أعلم.
قوله: ((أتستطيعُ)) فيه مُلاطَفة الطالب للشَّيْخ، وكأنَّه أراد أنْ يُرِيَه بالفعل ليكون
أبلَغَ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أنْ يكون الشيخ نَسِيَ ذلك
لُبُعْدِ العَهْد.
قوله: «فدعا بماء)» وفي رواية وهْب (١٨٦) في الباب الذي بعده: «فدعا بتَوْرٍ من ماء))،
والثَّور بمُثَنَّةٍ مفتوحة، قال الدَّاوودي: قَدَح. وقال الجَوْهري: إناء يُشْرب منه. وقيل: هو
الطَّسْت، وقيل: يُشْبه الطَّسْت، وقيل: هو مِثل القِدْر يكون من صُفْر أو حِجارة.
وفي رواية عبد العزيز بن أبي سَلَمَ عند المصنّف (١٩٧) في باب الغُسْل في المِخْضَب في
أوَّل هذا الحديث: ((أتانا رسول الله وَ ﴿ فأخرَجْنا له ماء في تَوْر من صُفْر))، والصُّفْر بضمٌ
المهمَلة وإسكان الفاء وقد تُكسَر: صِنْف من جيِّد النُّحاس، قيل: إنَّه سُمّيَ بذلك لكَوْنه
يُشْبِه الذَّهَب، ويُسمَّى أيضاً: الشَّبَه بفتح المعجَمة والموخَّدة. والتَّور المذكور يحتمل أنْ يكون

٦٠٠
باب ٣٨ / ح ١٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
هو الذي توضَّأ منه عبد الله بن زيد إذْ سُئِلَ عن صفة الوضوء، فيكون أبلغَ في حكاية
صورة الحال على وجهها.
قوله: ((فأفرَغَ)» وفي رواية موسى عن وُهَيب (١٨٦): ((فأكفَأ)» بهمزتين، وفي رواية
سليمان بن حرب في «باب مسح الرأس مَرّة)) (١٩٢) عن وُهَيب: ((فَكَفَأ)) بفتح الكاف،
وهما لُغَتان بمعنَى يقال: كَفَأ الإناء وأكفَأه: إذا أمالَه، وقال الكِسائي: كَفَأْت الإناءَ:
كَبَبْتُه، وأكفَأْته: أمَلْته، والمراد في الموضعين إفراغ الماء من الإناء على اليد كما صُرِّحَ به في
رواية مالك.
قوله: ((فغَسَلَ يده مرتين)) كذا في رواية مالك بإفراد ((يده))، وفي رواية وُهَيب (١٨٦)
وسليمان بن بلال (١٩٩) عند المصنِّف، وكذا للدَّراوَرْديِّ عند أبي نُعيم: ((فغَسَلَ یدیه))
بالتثنية، فيُحمَل الإفراد في رواية مالك على الجنس، وعند مالك: ((مرتين))، وعند هؤلاء:
((ثلاثاً)، وكذا لخالد بن عبد الله عند مسلم (٢٣٥)، وهؤلاءِ حُفّاظ وقد اجتمعوا فزيادتهم
مُقدَّمة على الحافظ الواحد.
وقد ذكر مسلم (٢٣٥) من طريق بَهْز عن وُهَيب: أنَّه سمع هذا الحديث مرتين من
عَمْرو بن يحيى إملاءً، فتأكَّدَ ترجيح روايته، ولا يقال: يُحمَل على واقعتَينِ لأنّا نقول:
المَخرَج مُتَّحِد، والأصل عدم التعدُّد.
وفيه من الأحكام غسل اليد قبل إدخالها الإناءَ ولو كان من غير نوم كما تقدَّم مثله في
حديث عثمان (١٥٩ - ١٦٠)، والمراد باليدينِ هنا الكَفّان لا غير.
قوله: ((ثُمَّ تَمَضْمَضَ واستَثْرَ))، وللكُشْمِيهَني: ((مضمض واستَنشَقَ))، والاستنثار
يَستلزِم الاستنشاق بلا عكس، وقد ذكر في رواية وُهَيب (١٨٦) الثلاثة وزاد بعد قوله:
(ثلاثاً): بثلاثِ غَرَفات.
واستدلَّ به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غَرْفة، وفي رواية
خالد بن عبد الله الآتية بعد قليل (١٩١): ((مَضمَض واستنشَقَ من كفِّ واحدةٍ فعل ذلك