Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ٦ / ح ١٣٩
كتاب الوضوء
عبَّاس، عن أسامةَ بنِ زيدٍ/ أنَّه سَمِعَه يقول: دَفَعَ رسولُ اللهِ وَلِّ مِن عَرَفَةَ، حتَّى إذا كان ٢٤٠/١
بالشِّعْبِ نَزَلَ فبالَ ثمَّ توضَّأ، ولم يُسبغ الوُضُوءَ، فقلتُ: الصلاةَ يا رسولَ الله! فقال: ((الصلاةُ
أمامَكَ)) فَرَكِبَ، فلمَّا جاءَ المُزْدِفةَ نَزَلَ فتوضَّأْ، فأسبَغَ الوُضُوءَ، ثمَّ أُقِيمَتِ الصلاةُ فصَلَّى
المغربَ، ثمَّ أناخَ كلُّ إِنْسانٍ بَعِيرَه في مَنْزِلِه، ثمَّ أُقِيمَتِ العِشاءُ فصَلَّى ولم يُصلِّ بينَهما.
[أطرافه في: ١٨١، ١٦٦٧، ١٦٦٩، ١٦٧٢]
قوله: ((باب إسباغ الوضوء)) الإسباغ في اللّغة: الإتمام، ومنه: دِرْع سابغ.
قوله: ((وقال ابن عمر)) هذا التعليق وَصَلَه عبد الرزاق في «مصنَّفه» بإسنادٍ صحيح، وهو
من تفسير الشيء بلازِمِه، إذ الإتمام يستلزم الإنقاء عادة، وقد روى ابن المنذر(١) بإسنادٍ
صحيح: أنَّ ابن عمر كان يَغسِل رِجْليه في الوضوء سبع مرات، وكأنه بالَغَ فيهما دون
غيرهما لأنهما مَحَلُّ الأوساخ غالباً لاعتيادِهم المشي حُفاة، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة )) هو القَعْنبي، والحديث في ((الموطَّأ)) (٤٠٠/١-٤٠١)،
والإسناد كلُّه مدنيُّون، وفيه رواية تابعي عن تابعي: موسى عن كُرَيب، وأُسامة بن زيد،
أي: ابن حارثة مولى رسول الله وَ له، له ولأبيه وجَدّه صُحْبة. وستأتي مناقبه في مكانها إن
شاء الله تعالى (٣٧٣٠).
قوله: ((دَفَعَ من عَرَفة)» أي: أفاض.
قوله: ((بالشِّعْب)) بكسر الشّين المعجمة: هو الطريق في الجبل، واللام فيه للعَهْد.
قوله: ((ولم يُسبِغ الوضوء)) أي: خَفَّفَه، ويأتي فيه ما تقدَّم في توجيه الحديث الماضي (١٣٨).
قوله: ((فقلتُ: الصلاةَ، هو بالنصب على الإغراء، أو على الحذف، والتقدير: أتريدُ
الصلاة؟ ويُؤيِّده قوله في رواية تأتي (١٨١): ((فقلت: أتُصلِّي يا رسول الله))، ويجوز الرفع،
والتقدير: حانَتِ الصلاةُ.
قوله: ((قال: الصلاةُ)) هو بالرفع على الابتداء، و «أمامَك» بفتح الهمزة خبره، وفیه دلیل
(١) في ((الأوسط)) ٤٠٥/١.

٥٠٢
باب ٧ / ح ١٤٠
فتح الباري بشرح البخاري
على مشروعيّة الوضوء للدَّوام على الطَّهارة، لأنه وََّ لمَّا يُصلِّ بذلك الوضوء شيئاً، وأمَّا
مَن زَعَمَ أنَّ المراد بالوضوءِ هنا الاستنجاء فباطل، لقوله في الرواية الأخرى (١٨١):
((فجعلت أصُب عليه وهو يتوضَّأ)) ولقوله هنا: ((ولم يُسبِغ الوضوء)).
قوله: ((نزل فتَوضَّأ فأسبَغَ الوضوء)) فيه دليل على مشروعيَّة إعادة الوضوء من غير أنْ
يَفْصِل بينهما بصلاةٍ، قاله الخطّابِيُّ، وفيه نَظَر لاحتمال أنْ يكون أحدَث.
فائدة: الماء الذي تَوضَّأ به وَ جَهَ ليلَتئذٍ كان من ماء زَمْزَم، أخرجه عبد الله بن أحمد بن
حنبل في زيادات ((مسند)) أبيه (٥٦٤) بإسنادٍ حسن من حديث علي بن أبي طالب، فيُسْتفاد
منه الرَّد على مَن مَنَعَ استعمال ماء زَمْزَم لغير الشُّرْب. وسيأتي بقيَّة مباحث هذا الحديث في
كتاب الحج (١٦٦٧) إن شاء الله تعالى.
٧- باب غسل الوجه باليدين من غَرْفة واحدة
١٤٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيم، قال: أخبرنا أبو سَلَمَ الخُزاعيُّ منصورُ بنُ سَلَمَةَ،
قال: أخبرنا ابنُ بلالٍ - يعني: سليمانَ - عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن ابن عبّاس:
أَنَّه توضَّأ فغَسَلَ وجهَهِ، أَخَذ غَرْفَةً من ماءٍ فمَضْمَضَ بها واستَنشَقَ، ثمَّ أَخَذ غَرْفَةً من ماءٍ
فجعلَ بها هكذا، أضافَها إلى يَدِه الأخرَى فَغَسَلَ بهما وجهَه، ثمَّ أَخَذ غَرْفةً من ماءٍ فَغَسَلَ بها
٢٤١/١ يَدَه اليُمنَى، ثمَّ أَخَذ غَرْفَةً من ماءٍ فَفَسَلَ بها يَدَه اليُسرَى، ثمَّ مَسَحَ بَرَأْسِه، ثمَّ/ أَخَذْ غَرْفَةً
من ماءٍ فَرَشَ على رِجْلِهِ المُمنَى حتَّى غَسَلَها، ثمَّ أَخَذ غَرْفةً أُخرى فغَسَلَ بها رِجْلَه - يعني
اليُسرَى - ثمَّ قال: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِوَ ◌ّهِ يتوضَّأُ.
قوله: ((باب غسل الوَجْه باليدَينِ من غَرْفة واحدة)) مراده بهذا التنبيه على عدم اشتراط
الاغتراف باليَدَينِ جميعاً، والإشارة إلى تضعيف الحديث الذي فيه أنه ێ کان یغسِل وجهه
بيمينه. وجمع الحَلِيمي بينهما بأنَّ هذا حيثُ كان يتوضَّأ من إناء يَصُب منه بيساره على يمينه،
والآخر حيثُ كان يَغْتَرِف، لكن سياق الحديث يأْباه، لأنَّ فيه أنه بعد أنْ تناولَ الماء بإحدى
يديه، أضافَه إلى الأُخرى وغَسَلَ بهما.

٥٠٣
باب ٧ / ح ١٤٠
كتاب الوضوء
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن عبد الرحيم)) هو أبو يحيى المعروف بصاعقة، وكان أحد
الحُفَّاظ، وهو من صغار شيوخ البخاري من حيثُ الإسناد، وشيخه منصور كان أحد
الحُفَّاظ أيضاً، وقد أدرَكَه البخاري لكنَّه لم يَلْقَه. وفي الإسناد رواية تابعي عن تابعي: زيد
عن عطاء.
قوله: «أنه تَوضًّا» زاد أبو داود (١٣٧) في أوَّله من طریق هشام بن سعد عن زيد بن
أسلمَ: ((أُحِبّون أنْ أُرَيَكُم كيف كان رسول الله وَّه يتوضَّأ؟ فَدَعا بإناءٍ فيه ماء)»، وللنَّسائي
(١٠٢) من طريق محمد بن عَجْلان عن زيد في أوَّل الحديث: ((تَوضَّأ رسول الله ◌َ لِّ فِغَرَفَ
غَرْفة)).
قوله: ((فَغَسَلَ وَجْهه)) الفاء تفصيليَّة لأنها داخلة بين المجمَل والمفصَّل.
قوله: ((أخذ غَرْفة)) وهو بيان الغسل وظاهره أنَّ المضمضة والاستنشاق من جملة غسل
الوجه، لكنَّ المراد بالوجه أوَّلاً ما هو أعمُّ من المفروض والمسنون، بدليلٍ أنه أعاد ذِكْره
ثانياً بعد ذِكْر المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ مُستقِلّة، وفيه دليل الجمع بين المضمضة
والاستنشاق بغَرْفةٍ واحدة، وغسل الوجه باليَدَينِ جميعاً إذا كان بغَرْفةٍ واحدة، لأنَّ اليد
الواحدة قد لا تَستَوعِبه.
قوله: «أضافها» بیان لقوله: فجعل بها هكذا.
قوله: (فِغَسَلَ بها)) أي: بالغرفة، وللأصيليِّ وگرِیمة: ((فِغَسَلَ بهما)» أي: باليدين.
قوله: ((ثمَّ مَسَحَ بَرَأْسِه)) لم يَذكُر لها غَرْفة مُستقِلّة، فقد يتمسَّك به مَن يقول بطَهوريّة
الماء المستعمل، لكن في رواية أبي داود (١٣٧): «ثمَّ قَبَضَ قَبْضة من الماءِ، ثمَّ نَفَضَ يده، ثمَّ
مَسَحَ رأسه)»، زاد النَّسائيُّ (١٠١) من طريق عبد العزيز الدَّراوَرْدي عن زيد: ((وأُذْنَيْهِ مَرّة
واحدة)»، ومن طريق ابن عَجْلان (١٠٢): ((باطنهما بالسَّبّاحَتَينِ وظاهرهما بإبهامَیْه»، وزاد
ابن خُزيمة (١٤٨) من هذا الوجه: ((وأدخلَ إصبَعَيْه فيهما)).
قوله: ((فَرَشَ)) أي: سَكَبَ الماء قليلاً قليلاً إلى أنْ صَدَقَ عليه مُسمَّى الغسل.

٥٠٤
باب ٨ / ح ١٤١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حتَّى غَسَلَها)) صريح في أنه لم يكتفِ بالرَّش، وأمَّا ما وَقَعَ عند أبي داود (١٣٧)
والحاكم (١٤٧/١): ((فَرَشَ على رِجْله اليُمنَى وفيها النَّعْل، ثمَّ مَسَحَها بیدیه، يد فوق
القَدَم، ويد تحت النَّعْل)). فالمراد بالمسح تَسْييل الماء حتَّى يَستَوْعِب العُضْو، وقد صَحَّ: أنه
وَ ل﴿ كان يتوضَّأ في النَّعْل كما سيأتي عند المصنّف (١٦٦) من حديث ابن عمر، وأمَّا قوله:
((تحت النَّعْل)) فإنْ لم يُحمَل على التجوُّز عن القَدَم وإلَّ فهي زيادة شاذّة، وراويها هشام بن
سعد لا يُحتَج بما تفرَّد به، فكيف إذا خالَف.
قوله: ((فَغَسَلَ بها رِجْله يعني اليُسرَى)) قائل (يعني)) هو زيد بن أسلمَ أو مَن دونه.
واستَدلَّ ابن بَطَّال بهذا الحديث على أنَّ الماء المستعمل طَهور، لأنَّ العُضْو إذا غُسِلَ مَرّة
واحدة فإنَّ الماء الذي يَبْقَى في اليد منها يُلاقي ماء العُضْو الذي يليه، وأيضاً فالغَرْفة تُلاقي
أوَّل جزء من أجزاء كل عُضْو فيصير مُستعمَلاَ بالنِّسْبة إليه. وأُجيبَ بأنَّ الماء ما دامَ مُتَّصِلاً
بالیدِ مثلاً لا يُسمَی مُستعملاً حتّى يَنْفَصِل، وفي الجواب بحث.
تنبيه: ذكر ابن التِّن أنه رواه بلفظ: ((فعلَّ بها رِجْله)) بالعين المهمَلة واللام المشدّدة قال:
فلعلَّه جعل الرِّجلَينِ بمَنزِلة العُضْو الواحد فعَدَّ الغسلة الثانية تَكْرِيراً، لأنَّ العَلَّ هو الشُّرْب
الثاني. انتهى، وهو تكلّف ظاهر، والحق أنها تصحيف، والله أعلم.
٨- باب التَّسمية على كلِّ حالٍ وعند الوِقَاع
٢٤٢/١
١٤١ - حدّثنا عليُّ بِنُ عبدِ الله، قال: حذَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ بنِ أبي الجَعْد،
عن كُرَيبٍ، عن ابن عبّاس يَبْلُغُ النبيَّ ◌َِّ قال: ((لو أنَّ أحَدَكُم إذا أَتَى أهلَه قال: باسمِ الله،
اللهُمَّ جَنِّبنا الشيطانَ وجَنِّبٍ الشيطانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بينَهُما ولدٌ، لم يَضُرّه)».
[أطرافه في: ٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦]
قوله: (باب التَّشْمية على كل حال وعند الوِقاع)) أي: الجماع، وعَطْفه علیه من عَطْف الخاص
على العام للاهتمام به، وليس العموم ظاهراً من الحديث الذي أورده، لكن يُسْتفاد من باب
الأَولى، لأنه إذا شُرِعَ في حالة الجِماع وهي مَّ أُمِرَ فيه بالصمْتِ، فغيره أَوْلى.

٥٠٥
باب ٩ / ح ١٤٢
كتاب الوضوء
وفيه إشارة إلى تضعيف ما وَرَدَ من كراهة ذِكْر الله في حالَين: الخَلاء والوِقاع، لكن على
تقدير صِخَّته لا يُنافي حديث الباب، لأنه يُحمَل على حال إرادة الجماع كما سيأتي في الطريق
الأُخرى. ويُقيِّد ما أطلقه المصنّف ما رواه ابن أبي شَيْبة (٣٩٥/١٠) من طريق عَلْقَمة عن ابن
مسعود: وكان إذا غَشِيَ أهله فأنزل قال: اللهُمَّ لا تَجْعَل للشَّيْطان فيما رَزَقْتني نصيباً.
قوله: ((جَرِير)) هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن المُعتَمِر من صغار التابعين، وفي
الإسناد ثلاثة من التابعين.
قوله: ((فقُضيَ بينهم)) كذا للمُستَمْلِي والحَقُّوِي، وللباقين: ((بينهما)) وهو أصوب، ويُحمل
الأوَّل على أنَّ أقل الجمع اثنان، وسيأتي مباحث هذا الحديث في كتاب النكاح (٥١٦٥) إن
شاء الله تعالى.
وأفاد الكِرْ مانيُّ أنه رأى في نسخة قُرِئَتْ على الفِرَبْري: قيل لأبي عبد الله - يعني المصنِّف -:
مَن لا يُحسِن العربيَّة يقولها بالفارسيّة؟ قال: نَعَم.
٩ - باب ما يقول عند الخَلاءِ
١٤٢ - حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيب، قال: سمعتُ أنساً
يقول: كان النبيُّ نَّهِ إِذا دَخَلَ الخَلَاءَ قال: «اللهُمَّ إني أعُوذُ بكَ مِن الخُبُث والخَبائثِ».
تابعَه ابنُ عَرْعَرةَ عن شُعْبَةَ. وقال غُندَرٌ عن شُعْبة: إذا أتى الخَلَاءَ. وقال موسى عن حَمَّادٍ:
إذا دَخَلَ. وقال سعيدُ بنُ زيدٍ: حدَّثنا عبدُ العزيز: إذا أراد أنْ يَدخُلَ.
[طرفه في: ٦٣٢٢ ]
قوله: ((باب ما يقول عند الخَلاء)) أي: عند إرادة الدُّخول في الخَلاء إنْ كان مُعَدّاً لذلك،
وإلَّا فلا تقدير.
تنبيه: أشكَلَ إدخال هذا الباب والأبواب التي بعده إلى باب الوضوء مَرّة مَرّة، لأنه
شَرَعَ في أبواب الوضوء فذكر منها فرضه وشرطه وفضيلته وجواز تخفيفه واستحباب
إسباغه، ثمَّ غسل الوجه ثمَّ التسمية ولا أثر لتأخيرِها عن غسل الوجه لأنَّ مَحَلّها مُقارَنة

٥٠٦
باب ٩ / ح ١٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
أوَّل جزء منه، فتقديمها في الذِّكْر عنه وتأخيرها سواء، لكن ذكر بعدها القول عند الخلاء،
واستمرَّ في ذِكْر ما يتعلَّق بالاستنجاء، ثمَّ رجع فذكر الوضوء مَرّة مَرّة، وقد خَفيَ وجه
المناسبة على الكِرْماني فاستَرْوحَ قائلاً: ما وجه الترتيب بين هذه الأبواب، مع أنَّ التسمية
إنَّما هي قبل غسل الوجه لا بعده، ثمَّ توسيط أبواب الخَلاء بين أبواب الوضوء؟ وأجاب
٢٤٣/١ بقوله: قلت: البخاري لا يُراعي حُسْن الترتيب، وجملة قَصْده إنَّما هو / في نقل الحديث وما
یتعلّق بصحیحه لا غیر، انتھی.
وقد أبطَلَ هذا الجواب في كتاب التفسير، فقال لمَّا ناقَشَ البخاري في أشياء ذكرها من
تفسير بعض الألفاظ بما معناه: لو ترك البخاري هذا لكان أولى، لأنه ليس من موضوع
كتابه، وكذلك قال في مواضع أُخَر إذا لم يَظْهر له توجيه ما يقوله البخاري، مع أنَّ البخاري
في جميع ما يُورِده من تفسير الغريب إنَّما يَنقُله عن أهل ذلك الفَن كأبي عبيدة والنَّضْر بن
شُمَيلٍ والفَرَّاء وغيرهم، وأمَّا المباحث الفقهيّة فغالبها مُستَمَدّة له من الشافعي وأبي عُبيدة
وأمثالهما، وأمَّا المسائل الكلاميَّة فأكثرها من الكرابيسي وابن كُلَّاب ونحوهما.
والعَجَب من دعوى الكِرْماني أنه لا يَقصِد تحسين الترتيب بين الأبواب، مع أنه لا
يُعرَف لأحدٍ من المصنِّفين على الأبواب مَن اعتنى بذلك غيره، حتَّى قال جمع من الأئمَّة:
فِقْه البخاري في تراجمه. وقد أبدَيْتُ في هذا الشَّرْح من محاسنه وتدقيقه في ذلك ما لا خَفاءَ
به، وقد أمعَنْت النَّظَر في هذا الموضع فوجدته في بادِئ الرَّأْي يظن الناظرُ فيه أنه لم يَعْتَنِ
بترتيبه كما قال الكِرْماني، لكنَّه اعتنى بترتيبٍ كتاب الصلاة اعتناء تامّاً كما سأذْكُرُه هناك،
وقد يُتَلَمَّح أنه ذكر أوَّلاً فرض الوضوء كما ذكرت، وأنه شرط لصِحَّة الصلاة، ثمَّ فضله
وأنه لا يجب إلَّا مع التيقُن، وأنَّ الزّيادة فيه على إيصال الماء إلى العُضْو ليس بشرطٍ، وأنَّ ما
زاد على ذلك من الإسباغ فضل، ومن ذلك الاكتفاء في غسل بعض الأعضاء بغَرْفةٍ
واحدة، وأنَّ التسمية مع أوَّله مشروعة كما يُشرَع الذِّكْر عند دخول الخلاء، فاستَطْرَدَ من
هنا لآداب الاستنجاء وشرائطه، ثمَّ رجع لبيان أنَّ واجب الوضوء المرّة الواحدة وأنَّ

٥٠٧
باب ٩ / ح ١٤٢
كتاب الوضوء ..
الثِّنْتَينِ والثلاث سُنّة، ثمَّ ذكر سُنّة الاستنثار إشارة إلى الابتداء بتنظيف البواطن قبل
الظَّواهر، ووَرَدَ الأمر بالاستجمار وِتْراً في حديث الاستئثار فتَرجَمَ به لأنه من جملة
التنَظُّف، ثمَّ رجع إلى حُكْم التخفيف فتَرجَمَ بغسل القدمين لا بمَسْحِ الحُفَّينِ، إشارة إلى
أنَّ التخفيف لا يكفي فيه المسح دون مُسمَّى الغسل، ثمَّ رجع إلى المضمضة لأنها أُخت
الاستنشاق، ثمَّ استدرَكَ بغسل العَقِبَينِ لئلّا يُظَن أنهما لا يَدخُلان في مُسمَّى القَدَم، وذكر
غسل الرّجلَينِ في النَّعْلَيْنِ رَدّاً على مَن قَضَّرَ في سياق الحديث المذكور فاقتصر على الثَّعْلَينِ
على ما سأُبيِّنُه. ثمَّ ذكر فضل الابتداء باليمين، ومتى يجب طلب الماء للوضوء، ثمَّ ذكر
حُكْم الماء الذي يُسْتعمَل وما يُوجِب الوضوء، ثمَّ ذكر الاستعانة في الوضوء، ثمَّ ما يَمتَنع
على مَن كان على غير وضوء، واستمرَّ على ذلك إذا ذكر شيئاً من أعضاء الوضوء استَطْرَدَ
منه إلى ما له به تعلُّق لمن يُمْعِن التأمُّل، إلى أنْ أكمل كتاب الوضوء على ذلك. وسَلَك في
ترتيب الصلاة أسهلَ من هذا المسلَك، فأورد أبوابها ظاهرة التناسب في الترتيب، فكأنه
تفنَّنَ في ذلك، والله أعلم.
قوله: (الخُبُث)) بضم المعجَمة والموخَّدة كذا في الرواية، وقال الخطَّبيُّ: إنَّه لا يجوز
غيره. وتُعُقِّبَ بأنه يجوز إسكان الموخَّدة كما في نظائره ممّا جاءَ على هذا الوجه ككُتُبٍ
وگُتْب.
قال النَّووي: وقد صَرَّحَ جماعة من أهل المعرفة بأنَّ الباء هنا ساكنة منهم أبو عبيدة، إلَّا
أنْ يقال: إنَّ ترك التخفيف أَولى لئلّا يَشْتَبه بالمصدر، والخُبث جمع خَبيث، والخبائث: جمع
خَبيثة، يريد ذُكْران الشَّياطين وإناثهم، قاله الخطَّبيُّ وابن حِبَّان وغيرهما.
ووَقَعَ في نسخة ابن عساكر: ((قال أبو عبد الله - يعني البخاري -: ويقال: الْخُبْث))،
أي: بإسكان الموحّدة، فإنْ كانت مُفَّفة عن الحركة فقد تقدَّم توجيهه، وإنْ كان بمعنى
المفرَد فمعناه كما قال ابن الأعرابي: المكروه، قال: فإنْ كان من الكلام فهو الشَّتْم، وإنْ كان
من المِلَل فهو الكفر، وإنْ كان من الطعام فهو الحرام، وإنْ كان من الشَّراب فهو الضار،

٥٠٨
باب ٩ / ح ١٤٢
فتح الباري بشرح البخاري
وعلى هذا فالمراد بالخبائث: المعاصي أو مُطلَق الأفعال المذمومة، ليَحصُل التناسب، ولهذا
وَقَعَ في رواية التِّرمِذي (٥) وغيره: ((أعوذ بالله من الخُبْث والخبيث، أو الخُبُث والخبائث))
٢٤٤/١ هكذا على الشَّك، الأوَّل بالإسكان مع / الإفراد، والثاني بالتحريك مع الجمع، أي: من
الشيء المكروه ومن الشيء المذموم، أو من ذُكْران الشَّياطين وإناثهم. وكان ◌َ لّ يستعيذ
إظهاراً للعُبوديَّة، وتجھَر بها للتَّعْلیم.
وقد روى المَعْمَريّ(١) هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن
صُهَيب بلفظ الأمر قال: ((إذا دخلتُمُ الخَلاء فقولوا: باسم الله، أعوذ بالله من الخُبث والخبائث)
وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية ولم أرَها في غير هذه الرواية(٢).
قوله: ((تابعَه ابن عَرْعَرة)) اسمه محمد، وحديثه عند المصنّف في الدَّعَوات (٦٣٢٢).
قوله: ((وقال غُندَر)) هذا التعليق وَصَلَه البزَّار في «مسنده)) (٦٤٠٩) عن محمد بن بَشّار
بُنْدار، عن غُندَر بلفظه، ورواه أحمد بن حنبل (١٣٩٩٩) عن غُندَر بلفظ: إذا دَخَلَ (٣).
قوله: ((وقال موسى)) هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكي.
قوله: ((عن حمّاد)» هو ابن سَلَمةَ؛ يعني: عن عبد العزيز بن صُهَيب، وطريق موسى هذه
وَصَلها البيهقي (٩٥/١) باللفظ المذكور.
قوله: ((وقال سعيد بن زيد)) هو أخو حمّاد بن زيد، وروايته هذه وَصَلها المؤلِّف في
(١) تحرف في (س) إلى: العمري. والمعمري هذا: هو الإمام الحافظ محدِّث العراق أبو علي الحسن بن علي بن
شبيب البغدادي، المتوفى سنة ٢٩٥ هـ، له من المصنفات: ((السنن)) في الفقه، و((عمل اليوم والليلة)).
وانظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ١٣/ ٥١٠ -٥١٤.
(٢) وعلى تقدير ثبوتها فهي شاذَّة لمخالفتها الروايات الثابتة عن أنس بعدم ذكر التسمية مع الدعاء، وهذه
الزيادة قد وردت من غير هذا الطريق، فقد أخرجها ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ١/ ١ من طريق أبي معشر
نجيح عن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، لكن أبا معشر ضعيف. ورُويت كذلك من طريق ضعيف
أخرجه الطبراني في «الدعاء)) (٣٥٦) وغيره من طريق قَطَن بن نُسَير عن عَدِي بن أبي عُمارة عن قتادة عن
أنس، وقال العُقيلي في ترجمة عدي من «الضعفاء)) ٣/ ٣٧٠: في حديثه اضطراب، ثم ساقه له.
(٣) الذي في ((المسند)) عن غندر عن شعبة: إذا أتى الخلاء.

٥٠٩
باب ١٠ / ح ١٤٣
كتاب الوضوء
((الأدب المفرد)» (٦٩٢) قال: حدَّثنا أبو الثُّعْمان قال: حدَّثنا سعيد بن زيد قال: حدَّثنا
عبد العزيز بن صُهَيب قال: حدَّثني أنس قال: كان النبي ◌َّ إذا أراد أنْ يَدخُل الخَلاء
قال ... فذکر مِثل حديث الباب.
وأفادت هذه الرواية تبين المراد من قوله: ((إذا دَخَلَ الخَلاء)» أي: كان يقول هذا الذِّكْر
عند إرادة الدُّخول لا بعده، والله أعلم. وهذا في الأمكنة المُعَدّة لذلك بقَرينة الدُّخول،
ولهذا قال ابن بَطَّال: رواية ((إذا أتى)) أعمُّ لشُمولِها، انتهى.
والكلام هنا في مَقَامَين:
أحدهما: هل يختصُّ هذا الذِّكْر بالأمكِنة المُعَدّة لذلك لكَوْنها تَّحْضُرِها الشَّياطين كما
ورَدَ في حديث زيد بن أرْقَم في ((السُّنَن»(١)، أو یشمل حتَّى لو بال في إناء مثلاً في جانب
البيت؟ الأصح الثاني ما لم يَشْرَع في قضاء الحاجة.
المقام الثاني: متى يقول ذلك؟ فمَن يَكْرَه ذِكْر الله في تلك الحالة يُفَصِّل: أمَّا في الأمكِنة
المُعَدّة لذلك فيقوله قُبَيْل دخولها، وأمَّا في غيرها فيقوله في أوَّل الشُّروع كتشميرِ ثيابه
مثلاً، وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمَن نسيَ: يستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومَن يُجيز مُطلَقاً
كما نُقِلَ عن مالك لا يحتاج إلى تفصيل.
تنبيه: سعید بن زید الذي أتی بالرواية المبيّنة صَدُوق تكلّم بعضهم في حِفْظه، وليس له في
البخاري غير هذا الموضع المعلِّق، لكن لم يَنفرِد بهذا اللفظ، فقد رواه مُسدَّد عن عبد الوارث،
عن عبد العزيز مثله، وأخرجه البيهقيُّ (٩٥/١) من طريقه وهو على شرط البخاريّ.
١٠ - باب وضع الماءِ عند الخَلاءِ
١٤٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا هاشِمُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا وَزْقاءُ، عن
عُبيدِ الله بنِ أبي يزيدَ، عن ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ ◌َهِ دَخَلَ الخَلَاءَ فَوَضَعْتُ له وَضُوءاً، قال:
(مَن وَضَعَ هذا؟)) فأُخبِرَ، فقال: ((اللهمَّ فَقُّهْه في الدِّينِ)).
(١) أخرجه أبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٩٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٨٢٠-٩٨٢٣)، ورجاله ثقات.

٥١٠
باب ١١ / ح ١٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب وَضْع الماء عند الخلاء)) هو بالمد، وحقيقته: المكان الخالي، واستُعمِلَ في
المكان المُعَدِّ لقضاء الحاجة مجازاً.
قوله: ((وَزْقاء)» هو ابن عمر.
قوله: ((عن عُبيد الله)) بالتصغير ((ابن أبي يزيد)) مَكِّي ثقة لا يُعرَف اسم أبيه، ووَقَعَ في
رواية الگُشْمِیھنيّ: ((ابن أبي زائدة))، وهو غلط.
قوله: ((فَوَضَعْت له وَضوءاً) بفتح الواو، أي: ماء ليتوضَّأ به، وقيل: يَحَتَمِل أنْ يكون
ناوله إيَّه ليَستَنجيَ به، وفيه نَظَر.
قوله: ((فأُخبِرَ)) تقدَّم في كتاب العلم (٧٥): أنَّ ميمونة بنت الحارث خالة ابن عبّاس
هي المخبرة بذلك.
قال التَّْمِيُّ: فيه استحباب المُكافأة بالدُّعاء.
وقال ابن المنيِّر: مناسبة الدُّعاء لابن عبّاس بالتفَقُّه على وضعه الماءَ من جهة أنه تَردَّدَ
٢٤٥/١ بين ثلاثة أمور: إمّا أنْ يَدخُل إليه بالماء إلى الخَلاء، أو يضعه على / الباب ليتناوله من قُرْب،
أو لا يفعل شيئاً، فرأى الثاني أوفَق، لأنَّ في الأوَّل تَعرُّضاً للاطّلاعِ، والثالث يَستَدْعي
مَشَقّة في طلب الماء، والثاني أسهلها، ففعله يدل على ذكائه، فناسب أنْ يدعو له بالتفَقُّه في
الدّين ليَحصُل به النفع، وكذا كان. وقد تقدَّمتْ باقي مباحثه في كتاب العلم.
١١ - باب لا تُستَقبَلُ القِبلةُ بغائطٍ أو بولٍ إلَّا عند البناء: جدارٍ أو نحوه
١٤٤ - حذَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ
اللَّيْثِيّ، عن أبي أيوبَ الأنصاريّ، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((إذا أَتَى أَحَدُكُم الغائطَ فلا
يَستَقبِلِ القِبْلَةَ ولا يُوَّا ظَهْرَه، شَرّقُوا أو غَرِّبُوا)).
[طرفه في: ٣٩٤]
قوله: ((باب لا تُستَقبَل القِبْلة)) في روايتنا بضمِّ المثنَّة على البناء للمفعولِ وبرفع ((القِبْلة))،
وفي غيرها بفتح الباء التَّحتانية على البناء للفاعل ونصب القِبْلة، ولام ((تُستَقَبَل)) مضمومة

٥١١
باب ١١ / ح ١٤٤
كتاب الوضوء
على أنَّ (لا)) نافية، ويجوز كسرها على أنها ناهية.
قوله: ((إلَّا عند البِناء: جِدار أو نحوه)) وللكُشْمِيهَنيِّ: ((أو غيره)) أي: كالأحجار الكِبَار
والسَّواري والخَشَب وغيرها من السَّواتر.
قال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب دلالة على الاستثناء المذكور، وأُجيبَ بثلاثة
أجوبة:
أحدها: أنه تَمَسَّكَ بحقيقة الغائط لأنه المكان المُطَمْئِن من الأرض في الفَضاء، وهذه
حقيقته اللُّغَويَّة، وإنْ كان قد صارَ يُطلَق على كل مكان أُعِدَّ لذلك مجازاً فيختصُّ النهي به،
إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة، وهذا الجواب للإسماعيليِّ وهو أقواها.
ثانيها: أنَّ استقبال القِبْلة إنَّما يَتَحقَّق في الفَضاء، وأمَّا الجِدار والأبنية فإنَّهَا إذا استُقبِلَتْ
أُضيفَ إليها الاستقبال عُرْفاً، قاله ابن المنيِرِ، ويتقوَّى بأنَّ الأمكِنة المُعَدّة ليست صالحة
لأَنْ يُصلَّى فيها فلا يكون فيها قِبْلة بحالٍ، وتُعُقِّبَ بأنه يلزم منه أنْ لا تصح صلاة مَن بينه
وبین الكعبة مكان لا يصلُح للصلاة، وهو باطل.
ثالثها: الاستثناء مُستفاد من حديث ابن عمر المذكور في الباب الذي بعده (١٤٥)، لأنَّ
حديث النبي ◌َّ كلّه كأنه شيءٌ واحد، قاله ابن بَطَّل وارتضاه ابن التِّين وغيره، لكنَّ
مُقتَضاه أنْ لا يَبْقَى لتفصيلِ التراجم معنی.
فإن قيل: لِمَ حملتُم الغائط على حقيقته ولم تَحْمِلوه على ما هو أعمُّ من ذلك ليتناول
الفَضاء والبُنْيان، لا سيّما والصحابي راوي الحديث قد حمله على العموم فيهما لأنه قال - كما
سيأتي عند المصنّف (٣٩٤) في ((باب قِبْلة أهل المدينة)) في أوائل الصلاة -: فقَدِمْنا الشام
فَوَجَدْنا مَراحيض بُنيَتْ قِبَلَ القِبْلة فنَنْحَرِف ونَسْتَغْفِر.
فالجواب أنَّ أبا أيوب أعملَ لفظَ الغائط في حقيقته ومجازه وهو المعتمَد، وكأنه لم يَبلُغه
حديث التخصيص، ولولا أنَّ حديث ابن عمر دلَّ على تخصيص ذلك بالأبنية لقلنا
بالتعميم، لكنَّ العمل بالدليلَينِ أَولى من إلغاء أحدهما، وقد جاءَ عن جابر فيما رواه أحمد

٥١٢
باب ١١ / ح ١٤٤
فتح الباري بشرح البخاري
(١٤٨٧٢) وأبو داود (١٣) وابن خُزيمة (٥٨) وغيرهم تأييد ذلك، ولفظه عند أحمد: ((كان
رسول الله وَل﴿ يَنْهانا أنْ نَستَدبِرِ القِبْلة أو نَستَقِلها بفُروجِنا إذا أهرَقْنا الماء. قال: ثمَّ رأيته
قبل مَوْته بعامٍ يبول مُستَقْبِلَ القِبْلة)»، والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خِلافاً لمن زَعَمَه،
بل هو محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه، لأنَّ ذلك هو المعهود من حاله وَّ لِمبالَغتِه في
التستُّ، ورُؤية ابن عمر له کانت عن غیر قَصْد کما سيأتي (١٤٥)، وكذا رؤيةٌ جابر، ودعوى
خصوصيّ ذلك بالنبيِّ پ﴿ لا دلیل علیھا، إذ الخصائص لا تَثبُت بالاحتمال.
ودلَّ حديث ابن عمر الآتي على جواز استدبار القِبْلة في الأبنية، وحديث جابر على
٢٤٦/١ جواز استقبالها، ولولا ذلك لكان/ حديث أبي أيوب لا يُخَصُّ من عمومه بحديث ابن
عمر إلَّا جواز الاستدبار فقط، ولا يقال: يُلْحَق به الاستقبال قياساً، لأنه لا يصح إلحاقه به
لكَوْنه فوقه، وقد تَسَّكَ به قوم فقالوا بجواز الاستدبار دون الاستقبال، حُكيَ عن أبي
حنيفة وأحمد، وبالتفريق بين البُنْيان والصحراء مُطلَقاً، قال الجمهور، وهو مذهب مالك
والشافعي وإسحاق، وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلَّة، ويُؤيِّده من جهة النَّظَر ما
تقدَّم عن ابن المنيِِّ: أنَّ الاستقبال في البُنيان مضاف إلى الجِدار عُرْفاً، وبأنَّ الأمكنة المُعَدّة
لذلك مأوى الشَّياطين، فليست صالحة لكَوْنها قِبْلة، بخلاف الصحراء فيهما.
وقال قوم بالتحريم مُطلَقاً، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثَوْر
صاحب الشافعي، ورَجَّحَه من المالكيَّة ابن العربي، ومن الظاهريَّة ابن حَزْم، وحُجَّتهم أنَّ
النهي مُقدَّم على الإباحة، ولم يُصَحِّحوا(١) حديث جابر الذي أشرنا إليه.
وقال قوم بالجواز مُطلَقاً، وهو قول عائشة وعُرْوة وربيعة وداود، واعتَلّوا بأنَّ الأحاديث
تعارضتْ فلُرجع إلى أصل الإباحة.
فهذه المذاهب الأربعة مشهورة عن العلماء، ولم يَحَكِ النَّووي في ((شرح المهذَّب))
غيرها.
(١) تحرف في (س) إلى: ولم يصححه.

٥١٣
باب ١١ / ح ١٤٤
كتاب الوضوء
وفي المسألة ثلاثة مذاهب أُخرى:
منها: جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسُّكاً بظاهر حديث ابن عمر، وهو قول أبي
یوسف.
ومنها: التحريم مُطلَقاً حتَّى في القِبْلة المنسوخة وهي بيت المقدس، وهو تحكيٌّ عن
إبراهيم وابن سيرين عملاً بحديث مَعِل الأسَديِّ قال: ((نهى رسول الله وَّلِ أَنْ نَستَقْبِلَ
القِبْلِتَينِ بَوْلٍ أو بغائطٍ)) رواه أبو داود (١٠) وغيره، وهو حديث ضعيف لأنَّ فيه راوياً
مجهول الحال، وعلى تقدير صِحَّته فالمراد بذلك أهل المدينة ومَن على سَمْتها، لأنَّ استقبالهم
بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة فالعِلّة استدبار الكعبة، لا استقبال بيت المقدس،
وقد ادَّعَى الخطَّبيُّ الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يَستدبِر في استقباله
الكعبة، وفيه نَظَرٌّ لما ذكرناه عن إبراهيم وابن سيرين، وقد قال به بعض الشافعيَّة أيضاً،
حكاه ابن أبي الدَّم.
ومنها: أنَّ التحريم مُخْتَصِّ بأهل المدينة ومَن كان على سَمْتها، فأمَّا مَن كانت قِبْلتُه في
جهة المشرق أو المغرب، فيجوز له الاستقبال والاستدبار مُطلَقاً لعموم قوله: ((شرِّقوا أو
غَرِّبوا)) قاله أبو عَوَانة صاحب المُزني، وعَكَسَه البخاري فاستَدلَّ به على أنه ليس في
المشرق ولا في المغرب قِبْلة كما سيأتي في ((باب قِبْلة أهل المدينة)) من كتاب الصلاة (٣٩٤)
إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فلا يَستَقبِلِ)) بكسر اللام لأنَّ((لا)) ناهية واللام في ((القِبْلة)) للعَهْد، أي: للكعبة.
قوله: ((ولا يولّا ظَهْره)) لا يجعلها مقابلَ ظهرِه(١)، ولمسلم (٢٦٤): ((ولا يَستدبِرها))(٢)
وزاد: ((ببَوْلٍ أو بغائطٍ)) والغائط الثاني غير الأوَّل، أُطلِقَ على الخارج من الدُّبُر ◌َجازاً من
إطلاق اسم المَحَلِّ على الحال کراهیة لذكره بصریح اسمه، وحصل من ذلك چِناس تام،
(١) قوله: ((لا يجعلها مقابل ظهره)) من (أ) وحدها.
(٢) كذا قال الحافظ، وفي النسخ المطبوعة بين أيدينا من ((صحيح مسلم)): ولا تستدبروها.

٥١٤
باب ١٢ / ح ١٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
والظاهر من قوله: ((ببَوْلٍ)) اختصاص النهي بخروج الخارج من العَوْرة، ويكون مَثاره
إكرام القِبْلة عن المواجَهة بالنجاسة، ويُؤيِّده قوله في حديث جابر: ((إذا هَرَقْنا الماء))(١).
وقيل: مَثار النهي كشف العَوْرة، وعلى هذا فيَطَّرِد في كل حالة تُكْشَف فيها العَوْرة كالوطْءِ
مثلاً، وقد نقله ابن شاسٍ المالكي قولاً في مذهبهم، وكأنَّ قائله تَمَسَّكَ بروايةٍ في ((الموطَّأ)»:
((لا تَستَقِلوا القِبْلة بفُروجِكُم))(٢) ولكنَّها محمولة على المعنى الأوَّل، أي: حال قضاء الحاجة
جمعاً بين الرِّوايتين، والله أعلم. وسيأتي الكلام على قول أبي أيوب: فتَنْحَرِف ونَسْتَغْفِرِ،
حيثُ أورده المصنّف في أوائل الصلاة (٣٩٤) إن شاء الله تعالى.
١٢ - باب مَن تَبَرَّز علی لَبِنْتَيْنِ
١٤٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن محمَّدِ بنِ
٢٤٧/١ يحيى بنِ حَبّانَ،/ عن عَمِّه واسعٍ بنِ حَبّانَ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، أنَّه كان يقول: إنَّ ناساً
يقولون: إذا قَعَدْتَ على حاجَتِكَ فلا تَستَقبِلِ القِبْلَةَ ولا بيتَ المقدِس، فقال عبدُ الله بن عمر:
لقد ارتَقَيتُ يوماً على ظَهْرِ بيتٍ لنا فرأيتُ رسولَ الله وَّه على لَبِنَتَيْنِ مُستَقبلاً بيتَ المقدِسِ
لحاجَتِهِ. وقال: لَعَلَّكَ مِن الَّذِينَ يُصلُّونَ على أوراكهم، فقلتُ: لا أدري والله.
قال مالكٌ: يعني الذي يُصلّ ولا يرتفعُ عن الأرضِ يَسجُدُ وهو لاصقٌّ بالأرض.
[أطرافه في: ١٤٨، ٣١٠٢،١٤٩]
قوله: ((باب مَن تَبرَّزَ)) بوَزْن تفعَّل، من البَرَاز بفتح الموخَّدة: وهو الفَضاء الواسع، كنَّوْا
به عن الخارج من الدُّبُر كما تقدَّم في الغائط.
قوله: ((على لَبِنْتَينِ)) بفتح اللام وكسر الموخَّدة وفتح النّون تَثْنية لَبِنة: وهي ما يُصْنَع من
الطّين أو غيره للبناءِ قبل أنْ يُحُرَق.
(١) سلف تخريجه قريباً في هذا الباب.
(٢) في ((الموطأ)) برواية يحيى الليثي ١/ ١٩٣ من حديث أبي أيوب: (( ... فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بفَرْجه))،
واللفظ الذي ذكره الحافظ مخرَّج عند أحمد في ((المسند)) برقم (٢٣٥٥٩)، وإسناده صحيح.

٥١٥
باب ١٢ / ح ١٤٥
كتاب الوضوء
قوله: (يحيى بن سعيد)) هو الأنصاري المدني التابعي، وكذا شيخه وشيخ شيخه في
الأوصاف الثلاثة، ولكن قيل: إنَّ لواسع رُؤْية فذُكِرَ لذلك في الصحابة، وأبوه حَبّان: هو ابن
مُنقِذ بن عمر، له ولأبيه صُحْبة، وقد تقدَّم في المقدّمة أنه بفتح المهمَلة وبالموحّدة.
قوله: ((أنه كان يقول)) أي: ابن عمر كما صَرَّحَ به مسلم في روايته (٢٦٦)، وسيأتي لفظه
قريباً، فأمَّا مَن زَعَمَ أنَّ الضمير يعود على واسع فهو وَهْم منه، وليس قوله: ((فقال ابن عمر))
جواباً لواسعٍ، بل الفاء في قوله: ((فقال)) سببيَّةٌ، لأنَّ ابن عمر أورد القول الأوَّل مُنكِراً له، ثمّ
بَيَّن سبب إنكاره بما رواه عن النبي وَلِّ، وكان يُمكِنِه أنْ يقول: فلقد رأيت ... إلى آخره،
ولكنَّ الراوي عنه - وهو واسع - أراد التأكيد بإعادة قوله: ((قال عبد الله بن عمر)).
قوله: ((إنَّ ناساً)) یشیر بذلك إلی من کان یقول بعموم النھي کما سبق، وهو مرويّ عن
أبي أيوب وأبي هريرة ومَعقِل الأسديِّ وغيرهم.
قوله: ((إذا قَعَدْت)) ذكر القعود لكَوْنه الغالبَ، وإلَّا فحال القيام كذلك.
قوله: ((علی حاجتك)) کنَّی بهذا عن التبُّز ونحوه.
قوله: ((لقد)) اللام جواب قسم محذوف.
قوله: ((على ظَهْر بيت لنا)) وفي رواية يزيد الآتية (١٤٩): ((على ظَهْر بيتنا))، وفي رواية
عُبيد الله بن عمر الآتية (١٤٨): ((على ظَهْر بيت حَفْصة)) أي: أُخته كما صُرِّحَ به في رواية
مسلم (٢٦٦/ ٦٢)، ولابن خُزيمة (٥٩): ((دخلتُ على حَفْصة بنت عمر فصَعِدْت ظَهْر
البيت))، وطريق الجمع أن يقال: إضافته البيتَ إلیه على سبيل المجاز، لگوْنها أُختَه، فله منه
سبب، وحيثُ أضافَه إلى حَفْصة كان باعتبار أنه البيت الذي أسكنها النبيُّ ◌َ# فيه واستمرّ
في يدها إلى أنْ ماتتْ فورِثَ عنها، وسيأتي انتزاع المصنِّف ذلك من هذا الحديث في كتاب
الخُمُس (٣١٠٢) إن شاء الله تعالى، وحيثُ أضافَه إلى نَفْسه كان باعتبار ما آلَ إليه الحال،
لأنه وَرِثَ حَفْصةَ دون إخوته لكَوْنها كانت شقيقتَه ولم تَترُك مَن يَحجُبه عن الاستيعاب.
قوله: ((على لَبِنْتَينٍ)) ولابن خُزيمة (٥٩): ((فأشرَفْت على رسول الله وَ﴿ وهو على خَلائه))

٥١٦
باب ١٢ / ح ١٤٥
فتح الباري بشرح البخاري
وفي رواية له: ((فرأيته يَقْضي حاجتَه محجوباً عليه بلَبِنٍ))، وللحكيم التُّرمِذي بسندٍ صحيح:
((فرأيته في كَنِيف)) وهو بفتح الكاف وكسر النّون بعدها ياء تحتانيَّة ثمَّ فاء. وانتفى بهذا إيرادُ
مَن قال ممّن یری الجواز مطلقاً: يَحتَمِل أنْ یکون رآه في الفضاء، وگونه رآه على لَمِنتَینِ لا يدل
على البناء، لاحتمال أنْ يكون جَلَسَ عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ويَرُدُّ هذا الاحتمال
أيضاً: أنَّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلّا بساتٍ، كما رواه أبو داود
(١١) والحاكم (١٥٤/١) بسندٍ لا بأس به، ولم يَقصِد ابن عمر الإشراف على النبي ◌َّ في
تلك الحالة، وإنَّما صَعِدَ السَّطْح لضرورةٍ له كما في الرواية الآتية (١٤٨) فحانَتْ منه الْتِفاتة
كما في رواية للبيهقيّ (٩٣/١) من طريق نافع عن ابن عمر (١). نعم لمَّ انَّفْقَتْ له رُؤْيتُه في
تلك الحالة عن غير قَصْد، أحبَّ أنْ لا يُخْليَ ذلك من فائدة، فحَفِظَ هذا الحُكْم الشرعي،
٢٤٨/١ وكأنه إنَّما / رآه من جهة ظَهْره حتَّى ساغَ له تأمُّل الكيفيّة المذكورة من غير محذور، ودلَّ
ذلك على شِدّة حِرْص الصحابي على تتبُّع أحوال النبي ◌َّهِ لِيَتَّبِعَها، وكذا كان ﴾.
قوله: ((قال)» أي: ابن عمر ((لعلَّك)) الخِطاب لواسعٍ، وَلِطَ مَن زَعَمَ أنه مرفوع. وقد
فسَّرَ مالك المراد بقوله: ((يُصلُّون على أوراكهم)) أي: مَن يُلْصِقِ بَطْنه بوَرِكَيْه إذا سجد، وهو
خلاف هَيْئة السجود المشروعة وهي التجافي والتجَنَّح كما سيأتي بيانه في موضعه (٨٠٧)،
وفي ((النِّهاية)): وفُشِّرَ بأنه يُفرِّجِ رُكْبتَه فيصير مُعتَمِداً على وَرِكَيْه.
وقد استُشكلتْ مناسبة ذِكْر ابن عمر لهذا مع المسألة السابقة فقيل: يحتمل أنْ يكون
أراد بذلك أنَّ الذي خاطبه لا يعرف السُّنّة، إذْ لو كان عارفاً بها لعرف الفَرْق بين الفَضاء
وغيره، أو الفَرْق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس، وإنَّما كنَّى عمَّن لا يعرف السُّنّة بالذي
يُصلّي على وَرِكَيْه، لأنَّ مَن يفعل ذلك لا يكون إلَّ جاهلاً بالسُّنّة، وهذا الجواب للكِرْماني،
ولا يخفى ما فيه من التكلُّف، وليس في السّياق أنَّ واسعاً سألَ ابن عمر عن المسألة الأولى
حتَّى يَنْسِبه إلى عدم معرفتها. ثمَّ الحَصْر الأخير مردود، لأنه قد یَسجُد على وَرِكَيْه مَن
يكون عارفاً بسُنَنِ الخَلاء.
(١) لكن إسناده ضعيف جداً، فيه عيسى بن أبي عيسى الحناط، ويقال: الخياط، وهو متروك.

٥١٧
باب ١٣ / ح ١٤٦
كتاب الوضوء
والذي يَظْهر في المناسبة ما دلَّ عليه سياق مسلم (٢٦٦)، ففي أوَّله عنده عن واسع قال:
((كنت أُصَلّي في المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس، فلمَّا قَضَيتُ صلاتي انصَرَفْت إليه من
شِقّي، فقال عبد الله: يقول الناس)) فذكر الحديث، فكأنَّ ابن عمر رأى منه في حال سجوده
شيئاً لم يَتَحقَّقه فسألَه عنه بالعبارة المذكورة، وكأنه بدأ بالقِصّة الأولى لأنها من روايته
المرفوعة المحقَّقة عنده، فقَدَّمَها على ذلك الأمر المظنون، ولا يَبَعُد أنْ يكون قريب العَهْد
بقول مَن نقل عنهم ما نقل، فأحبّ أنْ يُعرِّف الحُكْم لهذا التابعي ليَنقُله عنه، على أنه لا يَمتَنع
إبداءُ مناسبة بين هاتين المسألتين بخصوصهما وأنَّ لإحداهما بالأُخرى تعلُّقاً بأن يقال: لعلَّ
الذي كان يَسجُد وهو لاصق بَطْنه بوَرِكَيْه، كان يظن امتناع استقبال القِبْلة بفَرْجِه في كل
حالة كما قدَّمنا في الكلام على مَثار النهي، وأحوال الصلاة أربعة: قيام وركوع وسجود
وقعود، وانضمام الفَرْج فيها بين الوَرِكَينِ تُمكِن إلَّا إذا جافَى في السجود، فرأى أنَّ في
الإلصاق ضَّ للفَرْج ففَعَلَه ابتداعاً وتنطُّعاً، والسُّنّة بخلاف ذلك، والتستُّر بالّياب كافٍ في
ذلك، كما أنَّ الجِدار كافٍ في كَوْنه حائلاً بين العَوْرة والقِبْلة إنْ قلنا: إنَّ مَثار النهي الاستقبال
بالعَوْرة، فلمَّا حدَّث ابن عمر التابعيَّ بالحُكْم الأوَّل أشار له إلى الحُكْم الثاني مُنبِّهاً له على ما
ظنَّه منه في تلك الصلاة التي رآه صَلَّها. وأمَّا قول واسع: ((لا أدري)) فدالٌّ على أنه لا شُعور
عنده بشيءٍ ممّا ظنَّه به، ولهذا لم يُغْلِظ ابن عمر له في الزَّجْر، والله أعلم.
١٣ - باب خروج النساء إلى البَرَاز
١٤٦ - حدَّثنا يحيى بن بُكَيرِ، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حذَّثني عُقَيلٌ، عن ابن شهاب، عن
عُزْوةَ، عن عائشةَ: أنَّ أزواجَ النبي ◌ََّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بالليلِ إذا تَبَرَّزْنَ إِلى المَنَاصِعِ، وهو صَعِيدٌ
أْتَحُ، فكان عمرُ يقول للنبيِّ ◌َِّ: احجُبْ نساءَكَ، فلم يَكُنْ رسولُ اللهِوَّهِ يفعلُ، فخَرَجَتْ
سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النبيِّ نَّهِ ليلةً مِن اللَّيالي عِشاءً، وكانت امرأةً طويلةً فناداها عمرُ: ألا
قد عَرَفْناك يا سَوْدةُ؛ حِرْصاً على أنْ يُنزَلَ الحِجَابُ، فأنزلَ الله الحِجَابَ.
[أطرافه في: ١٤٧، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠]

٥١٨
باب ١٣ / ح ١٤٦
فتح الباري بشرح البخاري
٢٤٩/١
قوله: ((باب خروج النِّساء إلى البَراز)) أي: الفَضاء كما تقدَّم، وهو بفتح الموحّدة ثمَّ راء
وبعد الألف زاي. قال الخطّابِيُّ: أكثر الرُّواة يقولونه بكسر أوَّله، وهو غلط لأنَّ البِراز
بالكَشْرِ: هو المبارَزة في الحرب. قلت: بل هو موجَّه لأنه يُطلَق بالكَسْرِ على نَفْس الخارج،
قال الجَوْهري: البراز: المبارَزة في الحرب، والبراز أيضاً: كِناية عن تُفْل الغذاء وهو الغائط،
والبَراز بالفتح: الفَضاء الواسع. انتهى، فعلى هذا مَن فَتَحَ أراد الفَضاء، فإنْ أطلقه على
الخارج فهو من إطلاق اسم المَحَلِّ على الحالِّ كما تقدَّم مثله في الغائط، ومَن كسر أراد
نَفْس الخارج.
قوله: ((حدَّثنا يحيى بن بُكَير)) تقدَّم هذا الإسناد برُمَّتِه في بدء الوحي (٣)، وفيه تابعيّان:
عُرْوة وابن شِهاب، وقَرينان: الليث وعُقيل.
قوله: ((المَنَاصِع)) بالنّون وكسر الصاد المهمَلة بعدها عين مُهمَلة: جمع مَنْصَع، بوَزْن
مَقْعَد، وهي أماكن معروفة من ناحية البقيع، قال الدَّاوودي: سُمَّتْ بذلك لأنَّ الإنسان
يَنْصَع فيها، أي: يَخلُص. والظاهر أنَّ التفسير مَقُول عائشة. والأَفَيَح، بالحاءِ المهمَلة: المَّسِع.
قوله: ((احجُب)) أي: امنَعْهُنَّ من الخروج من بيوتهن، بدليلٍ أنَّ عمر بعد نزول آية
الحِجاب قال لسَوْدَةَ ما قال كما سيأتي قريباً(١). ويحتمل أنْ يكون أراد أوَّلاً الأمر بسَتْرِ
وجوههن، فلمَّا وَقَعَ الأمر بوَفْقِ ما أراد أحبَّ أيضاً أنْ يَحَجُب أشخاصهنَّ مُبالَغة في
التستُُّ، فلم يُجَبْ لأجلِ الضَّرورة، وهذا أظهَر الاحتمالَين.
وقد كان عمر يَعُدُّ نزول آية الحجاب من مُوافقاته كما سيأتي في تفسير سورة الأحزاب
(٤٧٩٥)، وعلى هذا فقد كان لهنَّ في التستُّر عند قضاء الحاجة حالات: أوَّلها بالظُّلْمة؛
لأنهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بالليل دون النهار كما قالت عائشة في هذا الحديث: ((كُنَّ يَخْرُجْنَ
بالليل)»، وسيأتي في حديث عائشة (٤٧٥٠) في قِصّة الإفك: ((فخرجت معي أُم مِسْطَح
قِبَل المَناصع، وهو مُتَبرَّزنا، وكنّا لا نَخرُج إلَّا ليلاً إلى ليل)) انتهى. ثمَّ نزل الحِجاب
(١) عند الحديث رقم (١٤٧).

٥١٩
باب ١٣ / ح ١٤٧
كتاب الوضوء
فَتَسَتَّرْنَ بالثّياب، لكن كانت أشخاصهنَّ رُبَّما تتميَّز، ولهذا قال عمر لسَوْدةَ في المرّة الثانية
بعد نزول الحجاب: أما والله ما تخفَيْنَ علينا. ثمَّ الَّخِذَتِ الكُنُف في البيوت فَتَسَتَّرنَ بها كما في
حديث عائشة (٤٧٥٠) في قِصّة الإفك أيضاً فإنَّ فيها: ((وذلك قبل أنْ تُتَّخَذ الكُنُف»،
وكان قِصّة الإفك قبل نزول آية الحجاب كما سيأتي شرحه في موضعه (٤٧٥٠) إن شاء الله
تعالی(١).
قوله: ((فأنزل الله الحِجاب)) وللمُستَمْلي: ((آية الحجاب)»، زاد أبو عَوَانة في «صحيحه»
من طريق الزُّبَيدي عن ابن شِهاب: ((فأنزل الله الحِجاب ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَانَدْ خُلُواْ
بُوَتَ النَّبِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٣]))، وسيأتي في تفسير الأحزاب (٤٧٩١) أنَّ سبب نزولها
قِصّة زينب بنت جَحْش لمَّا أولَمَ عليها وتأخَّ النَّفَر الثلاثة في البيت واستَحْيا النبي ◌َِّ
أنْ يأُمُرهم بالخروج فنزلت آية الحجاب، وسيأتي (٤٧٩٠) أيضاً حديث عمر: «قلت: یا
رسول الله، إنَّ نساءَك يَدخُل عليهنَّ البَرُّ والفاجر، فلو أمَرْتهنَّ أنْ يَحتجِبْن، فنزلت آية
الحجاب))، وروى ابن جَرِير في («تفسيره)) (٣٩/٢٢) من طريق مجاهد قال: بينا النبي ◌َّ
ومعه بعض أصحابه وعائشة تأكل معهم، إذْ أصابتْ يد رجل منهم يدها، فكَرِهَ النبي ◌َّيل
ذلك، فنزلت آية الحجاب. وطريق الجمع بينها: أنَّ أسباب نزول الحجاب تعدَّدت،
وكانت قِصّة زينب آخرها للنَّصِّ على قِصَّتها في الآية، والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله
تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
١٤٧ - حدَّثنا زكريًّا، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام بنِ عُرْوةً، عن أبيه، عن عائشةَ،
عن النبيِّ وَّ قال: ((قد أُذِنَ أنْ تَّخْرُجْنَ في حاجَتِكُنَّ). قال هشامٌ: يعني البَرَازَ.
قوله: ((حدَّثنا زكريًّا)) هو ابن يحيى. وسيأتي حديثه هذا في التفسير مُطوَّلاً (٤٧٩٥)، ٢٥٠/١
ومُحصَّله: أنَّ سَوْدة خرجت بعدَما ضُرِبَ الِحِجاب لحاجَتِها - وكانت عظيمة الجِسْم -
فرآها عمر بن الخطّاب فقال: يا سَوْدة، أما والله ما تَخْفَيْنَ علينا فانظُري كيف تخرُجين،
(١) وقد قال في ذلك الموضع: وكنت قد أمليتُ في أوائل كتاب الوضوء (يعني هذا الموضع) أن قصة الإفك
وقعت قبل نزول الحجاب، وهو سهو، والصواب: بعد نزول الحجاب، فليُصلَح هناك.

٥٢٠
باب ١٤ / ح ١٤٨ - ١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
فرجعتْ فشكَتْ ذلك للنبيِّ وَّهِ وهو يتعشَى، فأُوحِيَ إليه، فقال: ((إنَّه قد أُذِنَ لكُنَّ أَنْ
أَخْرُجْنَ لحاجَتِكُن)).
قال ابن بَطَّل: فِقْه هذا الحديث أنه يجوز للنساء التصرُّف فيما لهنَّ الحاجة إليه من
مَصالحهن، وفيه مُراجَعة الأدنى للأعلى فيما يتبيَّن له أنه الصواب وحيثُ لا يَقصِد التعَنُّت،
وفيه مَنِقِبة لعمر، وفيه جواز كلام الرجال مع النساء في الطرق للضَّرورة، وجواز الإغلاظ في
القول لمن يَقصِد الخير، وفيه جواز وعظ الرجل أُمّه في الدّين لأنَّ سَوْدة من أُمَّهات المؤمنين،
وفيه أنَّ النبيَّ وَّ كان ينتظر الوحي في الأُمور الشرعيَّةَ، لأنه لم يأْمُرُهُنَّ بالحجاب مع وضوح
الحاجة إليه حتَّى نزلتِ الآية، وكذا في إذنه لهنَّ بالخروج، والله أعلم.
١٤ - باب التبرُّز في البيوت
١٤٨ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِر، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عُبيدِ الله، عن محمَّدِ بنِ
يحيى بن حَبّانَ، عن واسعٍ بِنِ حَبّانَ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ قال: ارتَقَيْتُ فوقَ ظَهْرِ بيتِ حَفْصةَ
لبعضٍ حاجَتي، فرأيتُ رسولَ الله وَّهِيَقْضي حاجَتَه مُستَدبِرَ القِبْلةِ مُستَقْبِلَ الشَّامِ.
قوله: ((باب التبرُّز في البيوت)) عَقَّبَ المصنّف بهذه الترجمة ليشيرَ إلى أنَّ خروج النساء للبرازِ
لم يَسْتَمِر، بل اتَّخِذَتْ بعد ذلك الأخلية في البيوت فاستَغْنَيْنَ عن الخروج إلا للضَّرورة.
قوله: ((عُبيد الله)) أي: ابن عمر بن حَفْص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب، وهو تابعي
صغير من فقهاء أهل المدينة وأثباتهم، والإسناد كلُّه مدنیُّون.
١٤٩ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارُونَ، قال: أخبرنا يحيى، عن محمَّدٍ
ابنِ يحيى بنِ حَبّانَ، أنَّ عَمَّه واسعَ بنَ حَبّانَ أخبره، أنَّ عبد الله بنَ عمرَ أخبره قال: لقد ظَهَرْتُ
ذاتَ يومٍ على ظَهْرِ بِنا، فرأيتُ رسولَ اللهِ ﴿ه قاعداً على لَبِتَتَيْنِ مُستَقْبِلَ بيتِ المقدِس.
قوله: ((حدثنا يعقوب بن إبراهيم» هو الدَّوْرَقي، ویزید: هو ابن هارون کما لأبي ذرِّ
والأَصِيلي، ويحيى: هو ابن سعيد الأنصاري الذي روى مالك عنه هذا الحديث كما
تقدَّم (١٤٥).