Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١
باب ٤٤ / ح ١٢٢
كتاب العلم
من أين السلام في هذه الأرض التي لا يُعرَف فيها؟ وكأنها كانت بلاد كفر، أو كانت
تحيَّتهم بغير السلام.
وفيه دليل على أنَّ الأنبياء ومَن دونهم لا يعلمون من الغيب إلَّا ما عَلَّمَهم الله، إذْ لو
كان الخَضِر يعلم كلَّ غيب لعرف موسى قبل أنْ يسأله.
قوله: ((فَانْطَلَقا يمشيان)) أي: موسى والخَضِر، ولم يَذْكُر فتى موسى - وهو يُوشَع - لأنه
تابعٌ غير مقصود بالأصالة.
قوله: ((فكَلَّموهم)) ضمَّ يُوشَع معهما في الكلام لأهل السفينة لأنَّ المقام يقتضي كلام
التابع.
قوله: ((فحَمَلوهما)» يقال فيه ما قيل في ((يمشيان))، ويحتمل أن یکون یُوشَع لم یرکب
معهما لأنه لم يقع له ذِكْر بعد ذلك.
قوله: ((فجاءَ عُصْفور) بضم أوَّله، قيل: هو الصُّرَد، بضم المهملة وفتح الراء، وفي
((الرِّحْلة)) للخطيب (٣٠): أنه الخُطاف.
قوله: ((ما نَقَصَ عِلْمي وعِلْمُك من عِلْم الله)) لفظ النقص ليس على ظاهره، لأنَّ عِلْم
الله لا يدخله النقص، فقيل: معناه: لم يأخذ، وهذا توجيه حسن، ويكون التشبيه واقعاً
على الأخذ لا على المأخوذ منه، وأحسن منه أنَّ المراد بالعلم المعلومُ، بدليلٍ دخول
حرف التبعيض، لأنَّ العلم القائم بذات الله تعالى صفة قديمة لا تتبعَّض والمعلوم هو
الذي یتبغّض.
وقال الإسماعيلي: المراد أنَّ نَقْص العُصْفور لا يَنقُص البحر بهذا المعنى، وهو كما قيل(١):
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهمْ بهِنَّ فُلولٌ من قِراع الكتائبِ
(١) القائل هو النابغة الذُّبْياني من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث بن أبي شَمِر. ((ديوانه)) ص ٤٤، بتحقیق
محمد أبو الفضل إبراهيم.
٤٦٢
باب ٤٤ / ح ١٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
أي: ليس فيهم عَيْب، وحاصله أنَّ نفي النقص أُطلِقَ على سبيل المبالَغة. وقيل: ((إلَّا))
بمعنى: ولا، أي: ولا كنَقْرة هذا العُصْفور.
وقال القُرْطبي: مَن أطلق اللفظ هنا تَجَوَّزَ لَقَصْدِه التمَسُّك والتعظيم، إذْ لا نَقْص في
عِلْم الله ولا نهاية لمعلوماته.
وقد وقع في رواية ابن جُرَيج (٤٧٢٦) بلفظٍ أحسن سياقاً من هذا وأبعَد إشكالاً فقال:
((ما عِلْمي وعِلْمك في جَنْب عِلْم الله إلَّا كما أخذ هذا العُصْفور بمِنْقاره من البحر)) وهو
تفسير للَّفظِ الذي وقع هنا.
قال: وفي قِصَّة موسى والخَضِر من الفوائد: أنَّ الله يفعل في مُلْكه ما يريد، ويَحَكُم في
خَلْقه بما يشاء ممَّا ينفع أو يَضُر، فلا مَدْخَل للعقلِ في أفعاله ولا مُعارضة لأحكامه، بل
يجب على الخَلْق الرِّضا والتسليم، فإنَّ إدراك العُقول لأسرار الرُّبوبيَّة قاصر، فلا يتوجّه
٢٢١/١ على حُكْمه/ لِمَ ولا كيف، كما لا يتوجَّه عليه في وجوده أين وحيثُ(١)، وأنَّ العقل لا
يُحُسِّن ولا يُقبِّح، وأنَّ ذلك راجع إلى الشرع، فما حَسَّنَهَ بالثَّنَاءِ عليه فهو حسن، وما قَبَّحَه
بالذَّمِّ فهو قبيح، وأنَّ لله تعالى فيما يَقْضيه حِكَماً وأسراراً في مصالحَ خَفيَّةٌ اعتبرها، كلُّ ذلك
بمَشيئَتِّه وإرادته من غير وجوب عليه ولا حُكْم عقل يتوجَّه إليه، بل بحَسَبٍ ما سبقَ في
عِلْمه ونافذ حُكْمه، فما أطلَعَ الخلقَ عليه من تلك الأسرار عُرِف، وإلّا فالعقل عنده واقف،
فَلْيَحذَرِ المَرْءُ من الاعتراض، فإنَّ مَآل ذلك إلى الخيبة.
قال: ولُبِّه هنا على مَغْلَطَتَيْنِ:
الأولى: وقع لبعض الجَهَلة أنَّ الخَضِر أفضل من موسى، تمسُّكاً بهذه القِصَّة وبما
اشتملتْ عليه، وهذا إنَّما يَصْدُر مَمَّن قَصَرَ نظرَه على هذه القِصَّة ولم يَنظُر فيما خَصَّ الله به
موسى عليه السلام من الرِّسالة وسماع كلام الله وإعطائه التوراة فيها عِلْم كل شيء، وأنَّ
(١) الصواب عند أهل السُّنة وصفُ الله سبحانه بأنه في جهة العلوِّ، وأنه فوق العرش، كما دلَّت على ذلك
نصوص الكتاب والسنة. ويجوز عند أهل السنة السؤال عنه بأينَ، كما في ((صحيح مسلم)) (٥٣٧): أن
النبي ◌َّ قال للجارية: ((أين الله؟)) قالت: في السماء ... الحديث. (س).
٤٦٣
باب ٤٤ / ح ١٢٢
كتاب العلم
أنبياء بني إسرائيل كلّهم داخلون تحت شريعته ويُخاطَبون بحُكْم نُبوَّته حتَّى عيسى، وأدلَّة
ذلك في القرآن كثيرة، ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ يَمُوسَى إِنِّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ
بِسَلَتِ وَبِكَلَمِى﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وسيأتي في أحاديث الأنبياء (٣٣٩٤) من فضائل موسى
ما فيه كفاية.
قال: والخَضِرِ وإنْ كان نبيّاً فليس برسولٍ باتِّفاقٍ، والرسول أفضل من نبي ليس
برسولٍ، ولو تَنَزَّلْنا على أنه رسول فرسالة موسى أعظم، وأُمَّته أكثر، فهو أفضل، وغاية
الخَضِر أنْ يكون كواحدٍ من أنبياء بني إسرائيل وموسى أفضلهم. وإنْ قلنا: إنَّ الخَضِر
ليس بنبيِّ بل ولي، فالنبي أفضل من الولي، وهو أمر مقطوع به عقلاً ونقلاً، والصائر إلى
خلافه كافر، لأنه أمر معلوم من الشرع بالضّرورة. قال: وإنَّما كانت قِصَّة الخَضِر مع
موسی امتحاناً لموسی ليعتبر.
الثانية: ذهب قوم من الزَّنادقة إلى سُلوك طريقة تستلزم هَدْم أحكام الشَّريعة فقالوا: إنَّه
يستفاد من قِصَّة موسى والخَضِر أنَّ الأحكام الشرعيَّة العامّة تَخْتَص بالعامّة والأغبياء،
وأمَّا الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النُّصوص، بل إنَّما يُراد منهم ما يقع في
قلوبهم، ويُحكّم عليهم بما يَغْلِب على خواطرهم، لصَفاءِ قلوبهم عن الأكدار وخُلوّها عن
الأغيار، فَتَنْجَلي لهم العلوم الإلهيّة والحقائق الرَّانيَّة، فيَقِفون على أسرار الكائنات
ويعلمون الأحكام الجُزْئيّات، فَيَسْتَغنون بها عن أحكام الشَّرائع الكُلِّيات، كما أنَّفقَ
للخَضِر، فإنَّه استَغْنَى بما يَنْجَلي له من تلك العلوم عمَّا كان عند موسى، ويؤيِّده الحديث
المشهور: ((استَفْتِ قلبك وإنْ أفتَوْك))(١).
قال القُرْطبي: وهذا القول زَنْدَقة وكفر، لأنه إنكار لما عُلِمَ من الشَّرائع، فإنَّ الله قد
أجرى سُنَّته وأنفَذَ كَلِمَته بأنَّ أحكامه لا تُعلَم إلَّا بواسطة رُسُله السُّفَراء بينه وبين خَلْقه،
المبيِّنين لشرائعِه وأحكامه، كما قال الله تعالى: ﴿ اللّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا وَمِن
النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وقال: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وأمَرَ بطاعتهم
(١) أخرجه أحمد بنحوه (١٨٠٠١) من حديث وابصة بن معبد، وسنده ضعيف.
٤٦٤
باب ٤٤ / ح ١٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
في كل ما جاؤوا به، وحَثَّ على طاعتهم والتمَسُّك بما أمَروا به فإنَّ فيه الهُدَى، وقد
حصل العلم اليقين وإجماع السَّلَف على ذلك، فمَن ادَّعَى أنَّ هناك طريقاً أُخرى يَعرِف
بها أمرَه ونهيه غير الطرق التي جاءَتْ بها الرُّسُل، يَستَغْني بها عن الرسول، فهو كافر
يُقتَل ولا يُستَتاب.
قال: وهي دعوى تستلزم إثبات نُبوّة بعد نبيّنا وَّةِ، لأنَّ مَن قال: إنَّه يأخذ عن قلبه لأنَّ
الذي يقع فيه هو حُكْم الله تعالى، وإنه يعمل بمقتضاه من غير حاجة منه إلى كتاب ولا
٢٢٢/١ سُنّة، فقد أثبتَ/ لنَفْسِه خاصّة النُّبّة كما قال نبيّنا وَّهِ: ((إنَّ رُوحَ القُدُس نَفَثَ في رُوعي))(١).
قال: وقد بَلَغَنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتَى، وإنَّما آخذ عن الحي الذي لا
يموت، وكذا قال آخر: أنا آخُذ عن قلبي عن ربّ، وكل ذلك كفر باتِّفاق أهل الشَّرائع،
ونسأل الله الهداية والتوفيق.
وقال غيره: مَن استدلَّ قِصَّة الحَضِر على أنَّ الولي يجوز أنْ يَطَّلِعِ من خفايا الأُمور على
ما يخالف الشَّريعة، ويجوز له فعلُه فقد ضَلَّ، وليس ما تَسَّكَ به صحيحاً، فإنَّ الذي فعلَه
الخَضِر ليس في شيء منه ما يُناقض الشرع، فإنَّ نَقْض لَوْح من ألواح السفينة لدَفْعِ الظالم
عن غَصْبها ثمَّ إذا تركها أُعيدَ اللَّوْح جائز شرعاً وعقلاً، ولكنَّ مُبادرة موسى بالإنكار
بحَسَبِ الظاهر، وقد وقع ذلك واضحاً في رواية أبي إسحاق التي أخرجها مسلم
(١٧٢/٢٣٨٠) ولفظه: «فإذا جاءَ الذي يُسَخِّرها فوَجَدَها مُنْخَرِقة تجاوزها فأُصْلِحها)»،
فيستفاد منه وجوب التأنّي عن الإنكار في المحتمَلات، وأمَّا قتله الغُلام فلعلَّه كان في تلك
الشَّريعة، وأمَّا إقامة الجِدار فمن باب مُقابلة الإساءة بالإحسان، والله أعلم.
قوله: ((فَعَمَدَ) بفتح المهملة والميم، وكذا قوله: ((عَمَدْت)). و((نَوْل)) بفتح النون، أي:
أُجرة.
قوله: ((فانْطَلَقًا)) أي: فخَرَجا من السفينة فانطَلَقا كما صَرَّحَ به أيضاً في التفسير (٤٧٢٦).
(١) سلف تخريجه عند الحديث رقم (٢) ص ٤٠ .
ورُوح القدس: هو جبريل. والرُّوع: القلب والعقل.
٤٦٥
باب ٤٥ / ح ١٢٣
كتاب العلم
قوله: ((قال الخضِرُ بَيَدِه)) هو من إطلاق القول على الفعل، وسنذكر باقي مباحث هذا
الحديث في كتاب التفسير إن شاء الله تعالى.
٤٥ - باب من سأل وهو قائمٌ عالماً جالساً
١٢٣ - حدَّثنا عثمانُ، قال: أخبرنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى قال:
جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ وَِّ فقال: يا رسولَ الله، ما القتالُ في سَبيلِ الله؟ فإنَّ أحَدَنا يُقاتِلُ غَضَباً،
ويُقاتِلُ حَمِيَّةً، فرفع إليه رَأْسَه، قال: وما رفع إليه رَأْسَه إلا أنَّه كان قائماً، فقال: «مَن قاتَلَ
لِتكونَ كَلِمةُ الله هي العُلْيا، فهو في سَبيلِ الله عزَّ وجلَّ».
[أطرافه في: ٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨]
قوله: ((باب من سأل وهو قائم)) جملة حاليَّة عن الفاعل. وقوله: ((عالماً)) مفعول،
و((جالساً)) صفة له، والمراد أنَّ العالم الجالس إذا سأله شخص قائم، لا يُعَدُّ من باب مَن
أحبَّ أنْ يتمثَّل له الرجال قياماً (١)، بل هذا جائز، بشرطِ الأمن من الإعجاب، قاله ابن
المنِّر.
قوله: (حدّثنا عثمان)) هو ابن أبي شيبة، وجَرِير: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن
المعتَمِر، وأبو وائل: هو شقيق، وأبو موسى: هو الأشعري، وكلّھم کوفُّون.
قوله: ((قال: وما رفع إليه رَأْسَه)) ظاهره أنَّ القائل هو أبو موسى، ويحتمل أنْ يكون مَن
دونه فيكون مُدرَجاً في أثناء الخبر.
قوله: ((مَن قاتَلَ ... )) إلى آخره، هو من جوامع كَلِمِه وََّ، لأنه أجاب بلفظٍ جامع لمعنى
السؤال مع الزّيادة عليه.
وفي الحديث شاهد لحديث ((الأعمال بالنِّيّات))(٢)، وأنه لا بأس بقيام طالب الحاجة
(١) يشير إلى حديث معاوية مرفوعاً: ((من أحبَّ أن يَمثُلَ له الرجالُ قياماً، فليتبوَّأ مقعده من النار))، أخرجه
أحمد (١٦٨٣٠)، وأبو داود (٥٢٢٩)، والترمذي (٢٧٥٥)، وسنده صحيح.
(٢) وهو أول حديث في «صحيح البخاري)).
٤٦٦
باب ٤٦ / ح ١٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
عند أَمْنِ الكِبْرِ، وأنَّ الفضل الذي وَرَدَ في المجاهدين مُخْتَص بمَن قاتلَ لإعلاءِ دين الله.
وفيه استحباب إقبال المسؤول على السائل. وسيأتي بقيَّة الكلام عليه في كتاب الجهاد
(٢٨١٠) إن شاء الله تعالى.
٤٦ - باب السؤال والفُتْيا عند رمي الجِمار
١٢٤ - حذَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، عن الزُّهْري، عن عيسى بنِ
٢٢٣/١ طَلْحَةَ، عن / عبدِ الله بنِ عَمْرٍو قال: رَأيتُ النبيَّ وَّهِ عند الجَمْرةِ وهو يُسْألُ، فقال رجلٌ: یا
رسولَ الله، نَحَرْتُ قبلَ أنْ أرمِيَ؟ قال: «ارْمِ ولا حَرَجَ)) قال آخرُ: يا رسولَ الله، حَلَقْتُ قبلَ أنْ
أَنْحَرَ؟ قال: (انْحَرْ ولا حَرَجَ)) فما سُئِلَ عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخْرَ إلا قال: ((افْعَلْ ولا حَرَجَ)).
قوله: ((باب السُّؤال والفُتْيا عند رمي الجِمار)) مراده أنَّ اشتِغال العالم بالطاعة لا يمنع من
سؤاله عن العلم ما لم يكن مُستغرِقاً فيها، وأنَّ الكلام في الرَّمْي وغيره من المناسك جائز.
وقد تقدَّم هذا الحديث في ((باب الفُتْيا على الدَّابّة)) (٨٣)، وأُخّرَ الكلام على المتن إلى الحج
(١٧٣٦).
وعبد العزيز بن أبي سَلَمة: هو ابن عبد الله، نُسِبَ إلى جدّه أبي سَلَمةَ الماجِشُونِ، بکسر
الجيم وبشينٍ مُعجَمة.
وقد اعتَرَضَ بعضهم على الترجمة بأنه ليس في الخبر أنَّ المسألة وقعت في حال الرَّمْي،
بل فيه أنه كان واقفاً عندها فقط، وأُجيبَ بأنَّ المصنِّف كثيراً ما يتمسَّك بالعموم، فوقوع
السؤال عند الجَمْرة أعمُّ من أنْ يكون في حال اشتغاله بالرَّمْي أو بعد الفراغ منه.
واستدلَّ الإسماعيلي بالخيرِ على أنَّ الترتيب قائم مقام اللفظ، أي: بأيِّ صيغة وَرَدَ ما لم
يَقُم دليل على عدم إرادته، والله أعلم.
وحاصله: أنهم لو لم يَفْهَموا أنَّ ذلك هو الأصل، لَمَا احتاجوا إلى السؤال عن حُكْم
تقديم الأوَّل على الثاني، إذا وَرَدَ الأمر لشيئَينِ معطوفاً بالواو، فيقال: الأصل العمل
بتقديم ما قُدِّمَ، وتأخير ما أُخِّرَ، حتَّى يقوم الدليل على التسوية، ولمن يقول بعدم الترتيب
٤٦٧
باب ٤٧ / ح ١٢٥
كتاب العلم
أصلاً أنْ يتمسَّك بهذا الخبر لقوله، حتَّى يقوم دليل على وجوب الترتيب.
واعتَرَضَ الإسماعيلي أيضاً على الترجمة فقال: لا فائدة في ذِكْر المكان الذي وقع السؤال
فيه حتَّى يُفرَد ببابٍ، وعلى تقدير اعتبار مثل ذلك، فلْيُتَرجَم بباب السؤال والمسؤول على
الراحلة، وبباب السؤال يوم النَّحْر.
قلت: أمَّا نفي الفائدة فتقدَّم الجواب عنه، ويُراد أنَّ سؤال من لا يعرف الحُكم عنه في
موضع فِعْله حسن، بل واجب عليه، لأنَّ صِحَّة العمل مُتوقِّفة على العلم بكيفيَّتِهِ، وأنَّ
سؤال العالم على قارعة الطريق عمّا يحتاج إليه السائل، لا نَقْصَ فيه على العالم إذا أجاب،
ولا لَوْم على السائل.
ويستفاد منه أيضاً دَفْعُ تَوهُّم مَن يظن أنَّ في الاشتِغال بالسؤال والجواب عند الجَمْرة
تضْييقاً على الرامين، وهذا وإنْ كان كذلك، لكن يُستَئنَى من المنع ما إذا كان فيما يتعلَّق
بحُكْم تلك العبادة. وأمَّا إِلْزام الإسماعيلي فجوابه: أنه تَرجَمَ للأوَّلِ فيما مضى «باب الفُتْيا
وهو واقف على الدَّابّة))، وأمَّا الثاني فكأنه أراد أنْ يُقابل المكان بالزّمان، وهو مُتَّجِه، وإنْ
كان معلوماً أنَّ السؤال عن العلم لا يَتَقَيَّد بيومٍ دون يوم، لكن قد يَتَخَيَّل مُنخيِّل من کَوْن
يوم العيد يوم ◌َهْوِ امتناعَ السؤال عن العلم فيه، والله أعلم.
٤٧ - باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]
١٢٥ - حدَّثنا قيسُ بنُ حَفْصٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد، قال: حدَّثْنا الأعمشُ سليمانُ، عن
إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله، قال: بَيْنا أنا أمْشي معَ النبيِّ وَّ فِي خِرَبِ المدينةِ وهو يَتَوَكَّأُ على
عَسِيبٍ معَه، فمَّ بنَفَرٍ مِن اليهود، فقال بعضُهم لبعضٍ: سَلُوه عن الرُّوحِ، وقال بعضُهُم: لا تَسْألُوه
لا يَجِئْ فيه بشيءٍ تَكْرَهُونَه، فقال بعضُهم: لَنَسْألَّه، فقام رجلٌ منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الرُّوحُ؟
فسَكَتَ، فقلتُ: إِنَّه يُوحَى إليه، فقُمْتُ/ فلمَّا انْجَلَى عنه قال: ((ويسألونَكَ عن الرُّوحِ قُل: الرُّوحُ ٢٢٤/١
من أَمْرِ ربِّي وما أُوتُوا من العلم إلَّا قليلاً). قال الأعمشُ: هي كذا في قراءَتِنا.
[أطرافه في: ٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٥٦، ٧٤٦٢]
٤٦٨
باب ٤٨ / ح ١٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد البصري، وإسناد الأعمش إلى مُنتَهاه ممَّا قيل: إنَّه
أصح الأسانید.
قوله: ((خِرَب)) بكسر الخاء المعجَمة وفتح الراء جمع: خِرْبة، ويقال بالعكس. والخَرِب:
ضد العامر. ووقع في موضع آخر (٤٧٢١) بفتح المهملة وإسكان الراء بعدها مثلَّثة.
قوله: ((عَسِيب)) أي: عصاً من جَريد النَّخْل.
قوله: ((بنَفَرِ من اليهود)) لم أقف على أسمائهم.
قوله: ((لا تسألوه لا يَچِئْ)) في روايتنا بالجَزْم على جواب النهي، ويجوز النصب، والمعنى:
لا تسألوه خَشْية أنْ يجيء فيه بشيءٍ، ويجوز الرفع على الاستئناف.
قوله: ((لَنسألَنَّه)) جواب القَسَم المحذوف.
قوله: ((فقُمْت)) أي: حتَّى لا أكون مُشَوِّشاً عليه، أو فقُمْت قائماً حائلاً بينه وبينهم.
قوله: ((فلمَّا انْجَلى) أي: الكَرْب الذي كان يَغْشاه حال الوحي.
قوله: ((الرُّوح)) الأكثر على أنهم سألوه عن حقيقة الرّوح الذي في الحيوان، وقيل: عن
چِبریل، وقيل: عن عيسى، وقيل: عن القرآن، وقیل: عن خلق عظيم روحاني، وقيل غير
ذلك. وسيأتي بسط ذلك في كتاب التفسير (٤٧٢١) إن شاء الله تعالى، ونُشير هناك إلى ما
قيل في الرّوح الحيواني وأنَّ الأصح: أنَّ حقيقته ممّاً استأثَرَ الله بعِلْمِه.
قوله: ((هي كذا) وللكُشْمِيهَني: «هكذا في قراءَتنا)» أي: قراءة الأعمش، وليست هذه
القراءة في السبعة، بل ولا في المشهور من غيرها، وقد أغفلها أبو عُبيد في كتاب ((القراءات))
له من قراءة الأعمش، والله أعلم.
٤٨ - باب من ترك بعض الاختيار مخافةَ أن يَقصُرَ فھمُ
بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدَّ منه
١٢٦ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ قال: قال ليّ
ابنُ الزُّبَير: كانت عائشةُ تُسِرُّ إليكَ كثيراً، فما حَدَّثَتْكَ في الكعبةِ؟ قلتُ: قالت لي: قال النبيُّ
٤٦٩
باب ٤٨ / ح ١٢٦
كتاب العلم
وَّ: ((يا عائشةُ، لَوْلا قومُكِ حديثٌ عَهْدُهم - قال ابنُ الزُّبَير: بكُفرٍ - لنَقَضْتُ الكعبةَ فجعلتُ
لها بابَينِ: باباً يدخلُ الناسُ، وباباً يَخْرُ جُونَ))، ففَعَلَه ابنُ الزُّبَير.
[أطرافه في: ١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، ٣٣٦٨، ٤٤٨٤، ٧٢٤٣]
قوله: ((باب مَن ترك بعض الاختيار)) أي: فِعْل الشيء المختار والإعلام به.
قوله: ((عن إسرائيل)) هو ابن يونس («عن أبي إسحاق)» هو السَّبيعي - بفتح المهملة - وهو
جدُّ إسرائيل الراوي عنه، والأسوَد: هو ابن يزيد النَّخَعِيُّ، والإسناد إليه كلّهم كوفُّون.
قوله: «قال لي ابن الزُّبَير)) يعني عبد الله الصحابي المشهور.
قوله: ((كانت عائشة)) أي: أُم المؤمنين.
قوله: ((في الكعبة)) يعني في شأن الكعبة.
قوله: ((قلت: قالت لي)) زاد فيه ابن أبي شَيْبة في ((مسنده)) عن عبيد الله بن موسى بهذا
الإسناد: قلت: لقد حدَّثْني حديثاً كثيراً نسيتُ بعضه وأنا أذكُر بعضه، قال ــ أي: ابن
الزُّبَير -: ما نسيتَ أذكَرْتُك، قلت: قالت.
قوله: ((حديثٌ عَهْدُهم)) بتنوين حديث، ورفع ((عَهْدهم)) على إعمال الصِّفة المشبّهة.
قوله: ((قال)) للأَصِيلِيِّ: ((فقال ابن الزُّبَير: بكفر)) أي: أذكَرَه ابن الزُّبَير بقولها: ((بكفر)) كأن
الأسود نسيها/ وأمَّا ما بعدها وهو قوله: (لَنَقَضْت ... )) إلى آخره، فيحتمل أنْ يكون ممَّا نَسِيَ ٢٢٥/١
أيضاً أو ممَّا ذَكَر. وقد رواه التِّرمِذي (٨٧٥) من طريق شُعْبة عن أبي إسحاق عن الأسود
بتمامه، إلَّا قوله: ((بكفر)) فقال بدلها: ((بجاهليَّةٍ))، وكذا للمصنِّف في الحج (١٥٨٤) في طريق
أُخرى عن الأسود، ورواه الإسماعيلي من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق ولفظه:
((قلت: حدَّثْني حديثاً حَفِظتُ أوَّله ونسيت آخره)) ورَجَّحَها الإسماعيلي على رواية إسرائيل،
وفيها قال نظر لما قدَّمناه، وعلى قوله يكون في رواية شُعْبة إدراج، والله أعلم.
قوله: (باباً)) بالنصب على البدل، كذا لأبي ذرِّ في الموضعَينِ، ولغيره بالرفع على
الاستئناف.
٤٧٠
باب ٤٩ / ح ١٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ففَعَلَه)) يعني بنى الكعبة على ما أراد النبي ◌َِّ، كما سيأتي ذلك مبسوطاً في كتاب
الحج (١٥٨٦) إن شاء الله تعالى.
وفي الحديث معنى ما تَرجَمَ له، لأنَّ قُرَيشاً كانت تُعَظِّم أمر الكعبة جدّاً، فخَشِيَ نََّ أنْ
يظنّوا لأجلِ قُرْب عَهْدهم بالإسلام أنه غَيَّرَ بناءَها لينفرد بالفَخْرِ عليهم في ذلك.
ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خَشْية
الوقوع في أنكَر منه، وأنَّ الإمام يَسُوس رعيَّته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولاً ما لم
يكن مُحرَّماً.
٤٩ - باب من خَصَّ بالعلم قوماً دون قوم كراهيةَ أنْ لا يَفهَموا
١٢٧ - حدّثنا عُبيدُ الله، عن مَعْرُوفٍ، عن أبي الطَّفَيْل، عن عليٍّ قال: حَدِّثُوا الناسَ بما يَعرِفُونَ،
أُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه.
قوله: ((باب مَن خَصَّ بالعلم قوماً دونَ قوم)) أي: سوى قوم، لا بمعنى الأدوَن.
و((كراهيةَ)) بالإضافة بغير تنوين. وهذه الترجمة قريبة من الترجمة التي قبلها، ولكنَّ هذه في
الأقوال وتلك في الأفعال أو فيهما.
قوله: ((حدَّثنا عُبيد الله)) هو ابن موسى كما ثبت للباقين.
قوله: ((عن معروف» هو ابن خَرَّبُوذ کما في رواية کریمة، وهو تابعي صغیر مگِّي ولیس
له في البخاري غير هذا الموضع، وأبوه بفتح المعجَمة وتشديد الراء المفتوحة وضم الموحّدة
وآخره مُعجَمة.
وهذا الإسناد من عَوَالي البخاري لأنه يَلْتَحِقِ بالثَّلاثيّات، من حيثُ إنَّ الراوي الثالث
منه صحابي وهو أبو الطَّفَيل عامر بن واثلة الليثي، آخر الصحابة موتاً، وليس له في
البخاري غير هذا الموضع.
قوله: ((حَدِّثوا الناس بما يعرفون)) كذا وقع في رواية أبي ذرِّ، وسقط كلّه من روايته عن
٤٧١
باب ٤٩ / ح ١٢٨
كتاب العلم
الكُشْمِیھَني، ولغيره بتقديم المتن ابتدأَ به مُعلَّقاً فقال: وقال علي ... إلى آخره، ثمَّ عَقَّبَه بالإسناد.
والمراد بقوله: ((بما يعرفون)) أي: يَفْهَمون. وزاد آدم بن أبي إياس في كتاب ((العلم)) له
عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: ((ودَعُوا ما يُنكِرِونَ)) أي: يَشْتَبِهِ عليهم فهمُه.
وكذا رواه أبو نُعيم في ((المستخرَج)).
وفيه دليل على أنَّ المتشابه لا ينبغي أنْ يُذكر عند العامّة، ومثله قول ابن مسعود: ما
أنتَ مُحدِّثاً قوماً حديثاً لا تَبلُغه عقولهم، إلَّا كان لبعضِهم فتنة. رواه مسلم(١).
ومَمَّنْ كَرِهَ التحديث ببعضٍ دون بعض أحمدُ في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على
السُّلْطان، ومالك في أحاديث الصِّفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومِن قبلهم أبو هريرة
كما تقدَّم عنه (١٢٠) في الجِرابَينِ وأنَّ المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حُذيفة، وعن
الحسن: أنه أنكر تحديث أنس للحَجّاج بقِصَّة العُرَنّينَ(٢)، لأنه اتَّخَذها وسيلة إلى ما كان
يعتمده من المبالَغة في سَفْك الدِّماء بتأويله الواهي، وضابط ذلك أنْ يكون ظاهر الحديث
يُقوِّي البِدْعة وظاهره في الأصل غيرَ مراد، فالإمساك عنه عند مَن يُحْشَى عليه الأخذ
بظاهره مطلوب، والله أعلم.
١٢٨- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدثني أبي، عن ٢٢٦/١
قَتَادةَ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ: أنَّ النبيَّ ◌َّه ومعاذٌ رَدِيفُه على الرَّحْلِ قال: ((يا معاذُ بنَ
جَبَلٍ)) قال: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله وسَعْدَيْكَ. قال: ((يا معاذُ)) قال: لَبَّيْكَ يا رسولَ الله وسَعْدَيْكَ
- ثلاثاً - قال: ((ما من أحَدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله صِدْقاً من قَلِهِ، إلَّا
حَرَّمَه اللهُ على النارِ)) قال: يا رسولَ الله، أفَلا أُخبِرُ به الناسَ فَيَستبشِرُون؟ قال: ((إذاً يَتَّكِلُوا)).
وأَخبر بها معاذٌ عند موته تأثُماً.
[طرفه في: ١٢٩]
(١) في مقدمة ((صحيحه)) بإثر الحديث رقم (٥): باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.
(٢) سيأتي عند المصنف بإثر الحديث (٥٦٨٥).
٤٧٢
باب ٤٩ / ح ١٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حدَّثْني أَبي)) هو هشام بن أبي عبد الله الدَّستُوائي.
قوله: ((رَدِيفه)) أي: راكب خَلْف رسول الله وََّ، والجملة حاليَّة، والرَّحْل بإسكان
الحاء المهملة، وأكثر ما يُستَعمل للبعيرِ، لكن معاذ كان في تلك الحالة رَدِيفَه بَ له على حِمار
كما يأتي في الجهاد (٢٨٥٦).
قوله: ((قال: يا معاذ بن جَبَل)) هو خبر ((أنَّ) المتقدِّمة، و((ابنَ جبل)) بفتح النون، وأمَّا معاذ
فبالضم لأنه مُنادی مُفرَدٌ عَلَم، وهذا اختيار ابن مالك لعدم احتياجه إلى تقدیر، واختار ابن
الحاجب النصب على أنه مع ما بعده كاسمٍ واحد مُركَّب كأنه أُضيف، والمُنادى المضاف
منصوب، وقال ابن التِّين: يجوز النصب على أنَّ قوله: ((معاذ)) زائد، فالتقدير: يا ابن جَبَل،
وهذا يرجع إلى كلام ابن الحاجب بتأويل.
قوله: ((قال: لَيِّيكَ يا رسول الله وسَعْدَيْك)) اللَّب بفتح اللام معناه هنا: الإجابة، والسَّعْد:
المساعدة، كأنه قال: لَبّاً لك وإسعاداً لك، ولكنَّهما تُنّيًا على معنى التأكيد والتكثير، أي: إجابة
بعد إجابة وإسعاداً بعد إسعاد. وقيل في أصل لَبَّيْكَ واشتقاقها غير ذلك، وسنوضحه في
کتاب الحج (١٥٤٩) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((ثلاثاً) أي: النِّداء والإجابة قيلا ثلاثاً، وصَرَّحَ بذلك في رواية مسلم (٣٢)،
ويؤيِّده الحديث المتقدِّم (٩٤) في باب ((من أعاد الحديث ثلاثاً ليُفهَم عنه)).
قوله: ((صِدْقاً)) فيه احتراز عن شهادة المنافق، وقوله: ((من قلبه)) يُمكِن أنْ يتعلَّق
بـ((صِدْقاً)) أي: يَشْهَد بلفظه ويُصَدِّق بقلِهِ، ويُمكِن أنْ يتعلَّق بـ((يَشْهَد)) أي: يَشْهَد بقلِهِ،
والأوَّل أَولى.
وقال الطِّي: قوله: ((صِدْقاً) أُقيمَ هنا مقام الاستقامة، لأنَّ الصِّدْق يُعَبَّر به قولاً عن
مطابقة القول المخبَرَ عنه، ويُعَبَّر به فعلاً عن تَحرّي الأخلاق المرضيَّة كقوله تعالى: ﴿ وَلَّذِى
جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] أي: حقَّقَ ما أورده قولاً بما تَحرَّاه فعلاً، انتهى.
وأراد بهذا التقرير رفع الإشكال عن ظاهر الخبر، لأنه يقتضي عدمَ دخول جميع مَن
٤٧٣
باب ٤٩ / ح ١٢٨
كتاب العلم
شهد الشَّهادتَينِ النار لما فيه من التعميم والتأكيد، لكن دلَّت الأدلَّة القَطْعيَّة عند أهل
السُّنّة على أنَّ طائفة من عُصاة المؤمنين يُعذَّبون ثمَّ يخرجون من النار بالشفاعة، فعُلِمَ أنَّ
ظاهره غير مراد، فكأنه قال: إنَّ ذلك مقيَّد بمَن عَمِلَ الأعمال الصالحة. قال: ولأجلِ خَفاء
ذلك لم يُؤْذَن لمعاذ في التبشير به.
وقد أجاب العلماء عن الإشكال أيضاً بأجوبةٍ أُخرى: منها: أنَّ مُطلَقه مقيَّد بمَن قالها
تائباً(١) ثمَّ مات على ذلك.
ومنها: أنَّ ذلك كان قبل نزول الفرائض، وفيه نظر، لأنَّ مِثل هذا الحديث وقع لأبي
هريرة كما رواه مسلم (٣١)، وصُحْبَته مُتأخّرة عن نزول أكثر الفرائض، وكذا وَرَدَ نحوه
من حديث أبي موسى رواه أحمد (١٩٥٩٧) بإسنادٍ حسن، وكان قُدومه في السنة التي قَدِمَ
فيها أبو هريرة.
ومنها: أنه خرج تَخَرَج الغالب، إذ الغالب أنَّ الموحِّد يعمل الطاعة ويَجتَنِب المعصية.
ومنها: أنَّ المراد بتحريمِه على النار، تحريم خُلوده فيها لا أصل دخولها.
ومنها: أنَّ المراد النار التي أُعِدَّتْ للكافرين، لا الطَّقة التي أُفِرِدَتْ لعُصاة الموخِّدين.
ومنها: أنَّ المراد بتحريمِه على النار حُرْمة جمَلَته لأنَّ النار لا/ تأكل مواضع السجود ٢٢٧/١
من المسلم كما ثبت في حديث الشفاعة أنَّ ذلك مُحرَّم عليها(٢)، وكذا لسانه الناطق
بالتوحيد. والعلم عند الله تعالی.
قوله: ((فیستبشِرونَ» کذا لأبي ذرٍّ، أي: فهم يستبشرون، وللباقین بحذف النون، وهو
أوجَهُ لوقوعِ الفاء بعد النَّفي أو الاستفهام أو العَرْض، وهي تنصِب في كل ذلك.
قوله: ((إذاً يَتَّكِلوا)) بتشديد المثنَّة المفتوحة وكسر الكاف، وهو جواب وجزاء، أي: إنْ
أخبرْتهم يَتَكِلوا. وللأَصِيلِيِّ والكُشْمِيهَني: ((يَنْكُلو)) بإسكان النون وضم الكاف، أي:
(١) في (أ): ثابتاً.
(٢) سيأتي عند المصنف برقم (٨٠٦).
٤٧٤
باب ٤٩ / ح ١٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
يَمتَنعوا من العمل اعتماداً على ما يَتَبادر من ظاهره، وروى البزَّار بإسنادٍ حسن(١) من
حديث أبي سعيد الخُدْريِّ ﴾ في هذه القِصَّة: أنَّ النبيَّ وَِّ أذِنَ لمعاذٍ في التبشير، فَلَقيَه
عمر فقال: لا تَعْجَل. ثمَّ دخل فقال: يا نبي الله، أنتَ أفضل رأياً، إنَّ الناس إذا سَمِعوا
ذلك اتَّكَلوا عليها، قال: فَرَدَّه. وهذا معدود من مُوافقات عمر، وفيه جواز الاجتهاد
بحَضْرَتِه ◌َلچر.
واستدلَّ بعض مُتكلِّمي الأشاعرة من قوله: ((يَتَكِلو)) على أنَّ للعبد اختياراً كما سبقَ في
عِلْم الله.
قوله: ((عند موته)) أي: موت معاذ. وأغربَ الكِرْمانيُّ فقال: يحتمل أنْ يرجع الضمير
إلى رسول الله {ێ﴾.
قلت: ويَرُدّه ما رواه أحمد (٢٢٠٦٠) بسندٍ صحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري
قال: أخبرني مَن شهد معاذاً حين حَضَرَتْه الوفاة يقول: سمعت من رسول الله وَله حديثاً
لم يمنعني أنْ أُحَدِّئُكُموه إلَّا نَحافة أنْ تَنَّكِلوا .. فذكره.
قوله: ((تأثّ) هو بفتح الهمزة وتشديد المثلَّثة المضمومة، أي: خَشْية الوقوع في الإثم،
وقد تقدَّم توجيهه في حديث بدء الوحي (٣) في قوله: ((يَتحَنَّث)).
والمراد بالإثم الحاصلُ من كِتْمان العلم، ودلَّ صنيع معاذ على أنه عَرَفَ أنَّ النهي عن
التبشير كان على التنزيه لا على التحريم، وإلَّا لَمَا كان يُخْبِرِ به أصلاً، أو عَرَفَ أنَّ النهي
مقيَّد بالاتِّكال فأخبره به مَن لا يَخْشَى عليه ذلك، وإذا زالَ القَيْد زالَ المقيَّد، والأوَّل أوجَه
لگوْنه أخّر ذلك إلى وقت موته.
وقال القاضي عِيَاض: لعلَّ معاذاً لم يَفْهَم النهي، لكن كُسِرَ عَزْمه عمَّا عَرَضَ له من
تبشيرهم. قلت: والرواية الآتية (١٢٩) صريحة في النهي، فالأولى ما تقدَّم.
(١) البزار (٨ - كشف الأستار)، وإسناده ضعيف وليس حسناً، فيه أكثر من راوٍ ضعيف. وقد وقع نحو هذا
من عمر في حديث أبي موسى الذي سبق ذِكرُه آنفاً.
٤٧٥
باب ٤٩ / ح ١٢٩
كتاب العلم
وفي الحديث جواز الإرداف، وبيان تَواضُع النبي ◌َِّ، ومَنِزِلة معاذ بن جبل من العلم
لأنه خَصَّه بما ذَكَر.
وفيه جواز استفسار الطالب عمّا يتردّد فيه، واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وَحْدَه.
١٢٩ - حدَّثنا مُسدّدٌ، قال: حدَّثْنا مُعتمِرٌ، قال: سمعتُ أَبي، قال: سمعتُ أنساً، قال: ذُكِرَ
لي أنَّ النبيَّ وَّه قال لمعاذٍ: «مَن لَقِيَ اللهَ لا يُشْرِكُ به شيئاً دَخَلَ الجنَّةَ)) قال: ألا أُبَشِّرُ الناسَ؟
قال: ((لا، أخافُ أنْ يَتَكِلُوا)).
قوله: ((حدَّثْنا مُسدَّد حدَّثْنا مُمعتمِر)) كذا للجميع، وذكر الجَيَّاني أنَّ عَبْدوساً والقابسي
أيضاً رَوياه عن أبي زيد المَرْوزيِّ بإسقاط مُسدَّد من السَّنَد، قال: وهو وَهْم، ولا يَتَّصِل
السّنَد إلَّا بذكره. انتھی.
ومُعتمِر: هو ابن سليمان التَّيْمِيُّ. والإسناد كلُّه بصريُّون إلَّ معاذاً، وكذا الذي قبله إلَّا
إسحاق فهو مَرْوزي، وهو الإمام المعروف بابن راهويه.
قوله: ((ذُكِرَ لي)) هو بالضم على البناء لما لم يُسمَّ فاعله، ولم يُسمِّ أنس مَن ذكر له ذلك
في جميع ما وقفت عليه من الطرق، وكذلك جابر بن عبد الله كما قدَّمناه(١) عند أحمد، لأنَّ
معاذاً إِنَّما حدَّث به عند موته بالشام(٢)، وجابر وأنس إذْ ذاكَ بالمدينة فلم يَشْهَداه وقد حَضَرَ
ذلك من معاذ عَمْرو بن ميمون الأَوْدي أحد المخَضْرَ مين كما سيأتي عند المصنِّف في الجهاد
(٢٨٥٦)، ويأتي الكلام على ما في سياقه من الزّيادة ثَمَّ.
ورواه النَّسائيُّ(٣) من طريق عبد الرحمن بن سَمُرة الصحابي المشهور/ أنه سمع ذلك ٢٢٨/١
من معاذ أيضاً، فيحتمل أنْ يُفسَّرِ المُبُهَم بأحدِهما، والله أعلم.
(١) يعني في شرح الحديث السابق.
(٢) ليس شرطاً أن یکون معاذ حدث به عند موته حسب، فقد یکون حدث به قبل ذلك، فقد روى الإمام أحمد
(٢١٩٩٣) عن أنس قال: أتينا معاذاً فقلنا: حدثنا من غرائب حديث رسول الله بَّ، فذكره. وإسناده قوي،
وأخرجه أحمد أيضاً (٢٢٠٠٩) من طريق قتادة عن أنس: أن معاذاً حدثه، فذكره.
(٣) في ((السنن الكبرى)) (١٠٩٠٩)، ورواه أيضاً أحمد (٢٢٠٠٠).
٤٧٦
باب ٤٩ / ح ١٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: أورد المِزّيُّ في ((الأطراف)) هذا الحديث في مسند أنس، وهو من مَراسيل أنس،
وكان حقّه أنْ يَذْكُره في المُبهَمات. والله الموفِّق.
قوله: ((مَن لَقِيَ الله)) أي: مَن لَفيَ الأجَل الذي قَدَّرَه الله؛ يعني: الموت. كذا قاله جماعة،
ويحتمل أنْ يكون المراد البعث، أو رُؤْية الله تعالى في الآخرة.
قوله: ((لا يُشْرِك به)) اقتصر على نفي الإشراك لأنه يَستَدْعي التوحيد بالاقتضاء، ويَسْتَدْعي
إثبات الرِّسالة باللّزوم، إذْ مَن كَذَّبَ رسول الله فقد كذَّبَ الله، ومَن كذَّبَ الله فهو مُشِرِك، أو
هو مِثل قول القائل: مَن تَوضَّأ صَحَّتْ صلاته، أي: مع سائر الشَّرائط. فالمراد: مَن مات حال
كَوْنه مؤمناً بجميع ما يجب الإيمان به. وليس في قوله: ((دخل الجنَّة)) من الإشكال ما تقدَّم في
السِّياق الماضي، لأنه أعم من أنْ يكون قبل التعذيب أو بعده.
قوله: ((فأخبر بها معاذ عند موته تأثّم)) معنى التأثّم: التحرُّج من الوقوع في الإثم وهو
كالتحَنُّث، وإِنَّمَا خَشِيَ معاذ من الإثم المُرُتَّب على كِثْمان العلم، وكأنه فهمَ من منع النبي ◌َّ
أنْ يُخْبِر بها إخباراً عاماً لقوله: ((أفَلا أُبشّر الناس)) فأخذ هو أوَّلاً بعموم المنع فلم يُبِرِ بها أحداً،
ثمَّ ظهر له أنَّ المنع إنَّما هو من الإخبار عموماً، فبادرَ قبل موته فأخبر بها خاصّاً من الناس،
فجمع بين الْحُكْمَين. ويُقوِّي ذلك أنَّ المنع لو كان على عمومه في الأشخاص لَمَا أخبر هو
بذلك، وأُخِذَ منه أنَّ مَن كان في مِثل مقامه في الفَهْم أنه لم يمنع من إخباره.
وقد تُعُقِّبَ هذا الجواب بما أخرجه أحمد (٢٧٥٤٧) من وجه آخر فيه انقطاع عن معاذ:
أنه لمَّا حَضَرَتْه الوفاة قال: أدخِلوا عليَّ الناس، فأُدخِلوا عليه، فقال: سمعت رسول الله
وَّم يقول: ((مَن مات لا يُشْرِك بالله شيئاً جعله الله في الجنَّة)) وما كنت أُحَدِّثكُموه إلَّا عند
الموت، وشاهدي على ذلك أبو الدَّرداء. فانطلقوا إلى أبي الدَّرداء(١) فقال: صَدَقَ أخي، وما
کان ◌ُحدِّثکم به إلَّا عند موته. وقد وقع لأبي أيوب مثل ذلك، ففي ((المسند)) (٢٣٥٦٠) من
طريق أبي ظَبْيان: أنَّ أبا أيوب غَزا الرّوم فمَرِض، فلمَّا حُضرَ قال: سأُحدِّنُكم حديثاً
(١) قوله: ((فانطلقوا إلى أبي الدرداء)) سقط من (س).
٤٧٧
باب ٥٠ / ح ١٣٠
كتاب العلم
سمعته من رسول الله وَ﴾ لولا حالي هذه ما حَدَّثْتُكُموه، سمعته يقول: «مَن مات لا يُشْرِك
بالله شيئاً دخل الجنَّة)).
وإذا عُورِضَ هذا الجواب، فأُجيبَ عن أصل الإشكال بأنَّ معاذاً الطَّلَعَ على أنه لم يكنِ
المقصود من المنع التحريمَ، بدليلٍ أنَّ النبيَّ وَلِّ أَمَرَ أبا هريرة أنْ يُبَشِّرِ بذلك الناس، فَلَقِيَه
عمر فدَفَعَه وقال: ارجِعْ يا أبا هريرة، ودخل على أثره فقال: يا رسول الله، لا تَفْعَل، فإني
أخشى أنْ يَتَكِل الناس، فخَلِّهم يعملون، فقال: ((فخَلِّهم)). أخرجه مسلم (٣١). فكأنَّ
قوله وَل﴿ لمعاذٍ: ((أخاف أنْ يَتَّكِلوا)) كان بعد قِصَّة أبي هريرة، فكان النهي للمصلحة لا
للتحريم، فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ، والله أعلم.
قوله: ((لا)) هي للنهي ليست داخلة على ((أخاف))، بل المعنى: لا تُبشّر، ثمَّ استأنَفَ
فقال: ((أخاف)). وفي رواية كَرِيمة: ((إني أخاف)) بإثبات أداة التعليل، وللحسنِ بن سفيان
في («مسنده)) عن عبيد الله بن معاذ عن مُعتمِر: «قال: لا، دَعْهم فليتنافسوا في الأعمال، فإني
أخاف أنْ یَنَّكِلوا».
٥٠- باب الحياءِ في العلم
وقال مجاهدٌ: لا يتعلَّمُ العلمَ مُستَخيٍ ولا مُستَكِرٌ.
وقالت عائشةُ: نِعْمَ النِّساءُ نساءُ الأنصار، لم يَمنعْهُنَّ الحياءُ أنْ يَتفقَّهْنَ فِي الدِّين.
١٣٠ - حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سَلَام، قال: أخبرنا أبو مُعاوِيةً، قال: حدّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن
زينبَ ابنةٍ أُمُّ سَلَمَةَ، عن أُمّ سَلَمَةَ، قالت: جاءَتْ أُمُّ سُلَيم إلى رسولِ الله وَّر، فقالت: يا
رسولَ الله، إنَّ الله لا يَستَحْبِي مِن الحقِّ، فَهَلْ على المرأةِ من/ غُسْلِ إذا احتَلَمَت؟ قال النبيُّ ◌َلِ: ٢٢٩/١
(إذا رَأَتِ الماءَ)) فغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَها - وقالت: يا رسولَ الله، وتَحَتَلِمُ المرأةُ؟! قال:
(نَعَمِ، تَرِبَتْ بَمِينُكِ، فَبِمَ يُشِهُها وَلَدُها؟».
[أطرافه في: ٢٨٢، ٣٣٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١]
٤٧٨
باب ٥٠ / ح ١٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب الحياء)) أي: حُكْم الحياء، وقد تقدَّم أنَّ الحياء من الإيمان (٢٤)، وهو
الشَّرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمود، وأمَّا ما يقع سبباً
لتركِ أمر شرعي فهو مذموم، وليس هو بحَياءٍ شرعي، وإنَّما هو ضعف ومَهانة، وهو المراد
بقول مجاهد: لا يتعلَّم العلم مُستَحْي، وهو بإسكان الحاء، و((لا)) في كلامه نافية لا ناهية،
ولهذا كانت ميم ((يتعلَّمُ)) مضمومة، وكأنه أراد تحريض المتعلِّمين على ترك العَجْز والتكبُر
لما يُؤثِّر كلٌّ منهما من النقص في التعليم. وقول مجاهد هذا وَصَلَه أبو نُعيم في ((الِحِلْية)) من
طريق علي بن المَدِيني، عن ابن عُيَينةَ، عن منصور، عنه(١)، وهو إسناد صحيح على شرط
المصنِّف.
قوله: ((وقالت عائشة)) هذا التعليق وَصَلَه مسلم (٦١/٣٣٢) من طريق إبراهيم بن
مهاجر، عن صَفيَّة بنت شَيْبة، عن عائشة في حديث أوَّله: أنَّ أسماء بنت يزيد الأنصارية
سألت النبيَّ وَّهِ عن غُسْلِ المَحِيض.
قوله: ((هشام)) هو ابن عُرْوة بن الزُّبَير.
وفي الإسناد من اللَّطائف رواية تابعي عن مثله عن صحابيّة عن مثلها، وفيه رواية
الابن عن أبيه والبنت عن أُمّها، وزينب هي بنت أبي سَلَمَةَ بن عبد الأسد رَبِيةُ النبيِِّ
نُسِبَتْ إلى أُمّها تشريفاً لكَوْنها زوج النبي ◌َّ.
قوله: ((جاءَتْ أُم سُلَيم)) هي بنت مِلْحان والدة أنس بن مالك.
قوله: ((إنَّ الله لا يَستَحْبِي من الحق)) أي: لا يأْمُر بالحياءِ في الحق. وقَدَّمتْ أُم سُلَيم هذا
الكلام بَسْطاً لعُذْرِها في ذِكْر ما تستحيي النساء من ذِكْره بحَضْرة الرجال، ولهذا قالت لها
عائشة كما ثبت في ((صحيح مسلم)) (٣١٠): فضَحْتِ النساء.
قوله: ((إذا هي احتَلَمَت)) أي: رَأت في منامها أنها تُجامع.
(١) في المطبوع من ((الحلية)) ٢٨٧/٣: ابن عيينة عن مِسعَر عن مجاهد، وله فيه طريق أخرى: ابن عيينة عن
ابن أبي نجيح عن مجاهد، وكلاهما صحيح.
٤٧٩
باب ٥٠ / ح ١٣١
كتاب العلم
قوله: ((إذا رَأْتِ الماء)) يدل على تحقَّق وقوع ذلك، وجَعْل رُؤْية الماء شرطاً للغُسْلِ، يدل
على أنها إذا لم تَرَ الماء لا غُسْلَ عليها.
قوله: ((فغَطَّتْ أُم سَلَمَةَ)) في مسلم من حديث أنس: أنَّ ذلك وقع لعائشة أيضاً (١)،
وُمکِن الجمع بأنهما كانتا حاضرَتَين.
قوله: (تَعْني وَجْهها)) هو بالمثنَّاة من فوق، والقائل عُرْوة، وفاعل ((تَعْني)): زينب،
والضمير يعود على أُم سَلَمة.
قوله: ((وتحتَلِم)) بحذف همزة الاستفهام، وللكُشْمِيهَني: ((أَوَتحتَلِمُ)) بإثباتها. قيل: فيه
دليل على أنَّ الاحتلام يكون في بعض النساء دون بعض، ولذلك أنكرتْ أُم سَلَمةَ ذلك،
لكنَّ الجواب يدل على أنها إنَّما أنكرتْ وجود المنيِّ من أصله، ولهذا أُنكِرَ عليها.
قوله: (تَرِبَتْ يميئُك)) أي: افتَقَرَتْ وصارت على التُراب، وهي من الألفاظ التي تُطلَق
عند الَّجْر ولا يُراد بها ظاهرها.
قوله: ((فيِمَ)) بموخَّدةٍ مكسورة. وسيأتي الكلام على مباحثه في كتاب الطَّهارة (٢٨٢)
إن شاء الله تعالى.
١٣١ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ،
أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((إنَّ مِن الشَّجَرِ شَجَرةً لا يَسْقُطُ وَرَقُها، وهي مَثَلُ المُسلِمِ، حَدِّثُوني ما
هي؟)) فوقع الناسُ في شَجَرِ الباديَةِ، ووقع في نَفْسي أنَّهَا النَّخْلةُ، قال عبدُ الله: فاستَحيَيْتُ،
فقالوا: يا رسولَ الله، أخبِرْنا بها، فقال رسولُ الله ◌َّ: «هي النَّخْلُ)).
قال عبدُ الله: فحَذَّئتُ أَبي بما وَقَعَ في نَفْسي، فقال: لأنْ تكونَ قلتَها، أحبُّ إليَّ من أنْ يكونَ
لی کذا و کذا.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس، وقد تقدَّم الكلام على حديث ابن عمر هذا ٢٣٠/١
في أوائل كتاب العلم (٦١)، وأورده هنا لقول ابن عمر: ((فاستَحيَيت)) ولتأسُّفِ عمر على
(١) ليس في حديث أنس عند مسلم ولا غيره أن عائشة غطت وجهها، وإنما وقع ذلك لأم سلمة فقط.
٤٨٠
باب ٥١-٥٢ / ح ١٣٢ - ١٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
گَوْنه لم يقل ذلك لتَظْهر فضيلته، فاستَلْزَمَ حیاء ابن عمر تفویت ذلك، وکان یُمکِنه إذا
اسْتَحْيَى إجلالاً لمن هو أكبر منه أنْ يَذكُر ذلك لغيره ◌ِراً ليُخبِرِ به عنه، فجمع بين
المصلحتين، ولهذا عَقَّبَه المصنِّف بـ((باب مَن استَحْيا فأمر غيره بالسؤال)).
٥١- باب من استحيا فأمرَ غيرَه بالسؤال
١٣٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ داودَ، عن الأعمش، عن مُنذِرِ الثَّوْري، عن
محمَّدٍ ابن الحَنَفِيَّةِ، عن عليٌّ، قال: كنتُ رجلاً مَذَاءً، فأمَرْتُ المِقْدَادَ أنْ يَسْأَلَ النبيَّ ◌َِّ، فسأَلَه،
فقال: ((فیه الوُضُوءُ)).
[طرفاه في: ١٧٨، ٢٦٩]
وأورد فيه حديث علي بن أبي طالب قال: ((كنت رجلاً مَذّاء)) وهو بتثقيل الذَّال
المعجَمة والمد، أي: كثير المَذْي، وهو بإسكان المعجمة: الماء الذي يَخْرُج من الرجل عند
المُلاعَبة، وسيأتي الكلام عليه في الطَّهارة (١٧٨) أيضاً.
واستدلَّ به بعضهم على جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القُدْرة على المقطوع، وهو
خطأ، ففي النَّسائيّ (١٥٢) أنَّ السؤال وقع وعليٌّ حاضر.
٥٢- باب ذِكْر العلم والفُتْيا في المسجد
١٣٣ - حدَّثْني قُتَيِيةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سَعْدٍ، قال: حدّثنا نافعٌ مولى عبدِ الله
بنِ عمرَ بنِ الخطّاب، عن عبدِ الله بن عمر: أنَّ رجلاً قام في المسجد فقال: يا رسولَ الله، من أينَ
تَأْمُ نا أنْ تُهِلَّ؟ فقال رسولُ اللهِهِ: ((يُهِلُّ أهلُ المدينةِ من ذي الُلَيْفة، ويُِلُّ أهلُ الشَّامِ مِن
الجُحْفة، ويُهِلُّ أهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ)).
وقال ابنُّ عمر: ويَزْعُمُونَ أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: ((ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمَ)). وكان
ابنُ عمر يقول: لم أفقَهْ هذه من رسولِ الله وَّهِ.
[أطرافه في: ١٥٢٢، ١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٣٤]