Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ باب ٢٣ / ح ٨٣ كتاب العلم قوله: («باب الفُتْيا» هو بضم الفاء، وإنْ قلت: الفَتْوى فتحتها، والمصادر الآتية بوَزْن فُتْيا قليلة مثل: تُقْيا ورُجْعَى. قوله: ((وهو)) أي: المفتي، ومراده أنَّ العالم يُجيب سؤال الطالب ولو كان راكباً. قوله: ((على الدَّابّة)) المراد بها في اللُّغة: كلُّ ما مشى على الأرض، وفي العُرْف: ما يُركَب، وهو المراد بالترجمة، وبعض أهل العُرْف خَصَّها بالحِمار. فإن قيل: ليس في سياق الحديث ذِكْر الرُّكوب، فالجواب: أنه أحالَ به على الطريق الأُخرى التي أوردها في الحج (١٧٣٨)/ فقال: ((كان على ناقته)) تَرجَمَ له: («باب الفُتْيا ١٨١/١ على الدَّابّة عند الجَمْرة)) فأورد الحديث من طريق مالك عن ابن شهاب (١٧٣٦) فذكره کالذي هنا، ثمَّ من طریق ابن جُرَیج (١٧٣٧) نحوہ، ثمّ من طریق صالح بن کَیْسان عن ابن شِهاب (١٧٣٨) بلفظ: ((وَقَفَ رسول الله ◌َّ على ناقته)) قال: فذكر الحديث، ولم يَسُقْ لفظه، وقال بعده: تابعه مَعمَر عن الزّهْري. انتهى. ورواية مَعمَر وَصَلها أحمد (٦٤٨٤) ومسلم (١٣٠٦/ ٣٣٢) والنَّسائيُّ (ك٤٠٩٢) وفيها: رأيت رسول الله وَ له بمنّى علی ناقته. قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُوَيس. قوله: ((حَجّة الوداع)) هو بفتح الحاء ويجوز كسرها. قوله: ((للناس يَسألونَه)) هو إِمَّا حال من فاعل ((وَقَفَ)) أو من الناس، أو استئناف بياناً لسبب الوقوف. قوله: ((فجاءَ رجل)) لم أعرف اسم هذا السائل ولا الذي بعده في قوله: ((فجاءَ آخر)) والظاهر أنَّ الصحابي لم يُسمِّ أحداً لكثرة مَن سأل إذْ ذاك، وسيأتي بسط ذلك في الحج. قوله: ((ولا حَرَجَ)) أي: لا شيء عليك مُطلَقاً من الإثم، لا في الترتيب ولا في ترك الفِدْیة. هذا ظاهره. وقال بعض الفقهاء: المراد نفي الإثم فقط، وفيه نظر، لأنَّ في بعض الروايات الصحيحة: ٣٨٢ باب ٢٤ / ح ٨٤ فتح الباري بشرح البخاري ((ولم يأْمُر بِكَفّارةٍ))(١)، وسيأتي مباحث ذلك في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. ورجال هذا الإسناد کلّهم مدنُّون. ٢٤ - باب من أجاب الفُتْيا بإشارة اليد والرَّأْس ٨٤- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، قال: حدّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ وَّرَ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ، فقال: ذَبَحْتُ قبلَ أنْ أرمِيَ؟ فأومَا بَيَدِه فقال: ((لا حَرَجَ)) وقال: حَلَقْتُ قبلَ أنْ أذبَحَ؟ فأومَأْ بيَدِه: ((ولا حَرَجَ)). [أطرافه في: ١٧٢١، ١٧٢٢، ١٧٢٣، ١٧٣٤، ١٧٣٥، ٦٦٦٦] قوله: ((باب مَن أجاب الفُتْيا بإشارة اليد والرَّأْس)) الإشارة باليدِ مُستفادة من الحديثين المذكورَينِ في الباب أوَّلاً، وهما مرفوعان، وبالرأسِ مُستفادة من حديث أسماء فقط (٨٦)، وهو من فعل عائشة، فيكون موقوفاً لكن له حُكْم المرفوع، لأنها كانت تُصلِّي خَلْف النبي 90* وكان في الصلاة یری من خلفه، فيدخل في التقرير. قوله: ((وُهَيب)) بالتصغير: هو ابن خالد، من حُفَّاظ البصرة، مات سنة خمس وستّين وقيل: تسع وِتّين، وأرَّخَه الدِّمْياطي في حواشي نسخته سنة سِت وخمسين وهو وَهْم. وأيوب: هو السَّخْتِياني، وعِكْرمة: هو مولى ابن عبّاس، والإسناد كلُّه بصريُّون. قوله: ((سُئِلَ)) هو بضم أوَّله ((فقال)) أي: السائل ((ذَبَحْت قبل أنْ أرمي)) أي: فهل عليَّ شيء؟ قوله: ((فأومَأْ بَيَدِه فقال: لا حَرَج)) أي: عليك. وقوله: ((فقال)) يحتمل أنْ يكون بياناً لقوله: ((أومَأ) ويكون من إطلاق القول على الفعل كما في الحديث الذي بعده: ((فقال هكذا بَيَدِه))، ويحتمل أنْ يكون حالاً، والتقدير: فأومَا بَيَدِه قائلاً: لا حَرَج، فجمع بين الإشارة والنُّطْقِ، والأوَّل ألْيَق بترجمة المصنِّف. قوله: ((وقال: حَلَقْت)) يحتمل أنَّ السائل هو الأوَّل، ويحتمل أنْ يكون غيره ويكون (١) لم نقف على هذه الرواية فيما بين أيدينا من مصادر. ٣٨٣ باب ٢٤ / ح ٨٥ كتاب العلم التقدير: فقال سائل كذا، وقال آخر كذا، وهو الأظهَر ليوافق الرواية التي قبله حيثُ قال: فجاءً آخر. قوله: «فأوما بیدِه: ولا حَرَج)» کذا ثبتت الواو في قوله: ((ولا حَرَج»، ولیست عند أبي ذرِّ في الجواب الأوَّل. قال الكِرْمانيُّ: لأنَّ الأوَّل كان في ابتداء الحُكْم، والثاني عَطْف على المذكور أوَّلاً. انتهى، وقد ثبتت الواو في الأوَّل أيضاً في رواية الأَصِيلي وغيره. ٨٥- حذَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا خَنْظلةُ، عن سالم قال: سمعتُ أبا هُرَيرةَ، عن ١٨٢/١ النبيِّ وَِّ قال: ((يُقبَضُ العلمُ، ويَظهَرُ الجَهْلُ والفتنُ، ويَكثُرُ الهَرْجُ)) قيل: يا رسولَ الله، وما الهَرْجُ؟ فقال هكذا بيَدِه فحَرَّفَها؛ كأنَّه يريدُ القتلَ. [أطرافه في: ١٠٣٦، ١٤١٢، ٣٦٠٨، ٣٦٠٩، ٤٦٣٥، ٤٦٣٦، ٦٠٣٧، ٦٥٠٦، ٦٩٣٥، ٧٠٦١، ٧١١٥، ٧١٢١] قوله: «حدّثنا المِّيّ)) هو اسم ولیس بنَسَبِ، وهو من کِبَار شيوخ البخاري كما سنذكره في ((باب إثم مَن كَذَبَ)) (١٠٩). قوله: ((أخبرنا حَنْظلة)) هو ابن أبي سفيان بن عبد الرحمن الجُمَحِيُّ المدني. قوله: ((عن سالم)) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطّاب. وفي رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان الراوي عن حَنْظلة قال: ((سمعت سالمً)) وزاد فيه: ((لا أدري كم رأيتُ أبا هريرة قائماً في السّوق يقول: يُقبَض العلم)) فذكره موقوفاً، لكن ظهر في آخره أنه مرفوع. قوله: ((يُقْبَض العلم)) يُفسِّر المراد بقوله قبل هذا: ((يُرفَع العلم)) والقَبْض يُفسِّرِه حديث عبد الله بن عَمْرو الآتي بعدُ (١٠٠) أنه يقع بموت العلماء. قوله: (ویَظْهر الجهل)» هو من لازم ذلك. قوله: ((والفتن)) في رواية الأَصِيلي وغيره: ((وتَظْهَر الفتن)). ٣٨٤ باب ٢٤ / ح ٨٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((الهَرْج)) هو بفتح الهاء وسكون الراء بعدها جيم. قوله: ((فقال هكذا بيَدِه)) هو من إطلاق القول على الفعل. قوله: ((فحَرَّفَها)) الفاء فيه تفسيريَّة كأنَّ الراويَ بيَّن أنَّ الإيماء كان مُرَّفاً. قوله: «كأنه يريد القتل)) كأنَّ ذلك فُهمَ من تحريف اليد وحركتها كالضارب، لكنَّ هذه الزِّيادة لم أرَها في مُعظَم الروايات وكأنها من تفسير الراوي عن حَنْظلة، فإنَّ أبا عَوَانة رواه عن عبَّاس الدُّوري، عن أبي عاصم، عن حَنْظلة وقال في آخره: وأرانا أبو عاصم كأنه يَضْرِب عُنُق الإنسان. وقال الكِرْمانيُّ: الهَرْج: هو الفتنة، فإرادة القتل من لفظه على طريق التجوُّز، إذْ هو لازم معنى الهَرْج، قال: إلّا أنْ يَثْبُت وُرودِ الهَرْج بمعنى القتل لغةً. قلت: وهي غَفْلة عمَّا في البخاري في كتاب الفتن (٧٠٦١)، والهَرْج: القتل بلسان الحبشة. وسيأتي بقيَّة مباحث هذا الحديث هناك إن شاء الله تعالى. ٨٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن فاطمةَ، عن أسماءَ، قالت: أتيتُ عائشةَ وهي تُصلِّ فقلتُ: ما شأنُ الناس، فأشارت إلى السَّماءِ، فإذا الناسُ قِيامٌ، فقالت: سُبْحانَ الله! قلتُ: آيةٌ؟ فأشارت برَأْسِها، أي: نَعَم، فقُمْتُ حتَّى عَلَني الغَشْيُ، فجعلتُ أصُبُّ على رَأْسِي الماءَ، فحَمِدَ اللهَ عزَّ وجلَّ النبيُّ ◌ِّهِ وأثْنَى عليه، ثمَّ قال: ((ما من شيءٍ لم أكُنْ أُرِيْتُه إِلَّا رَأيْتُهُ فِي مَقَامي حتَّى الجنَّةُ والنارُ، فَأُوحِيَ إليَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في قُبُورِكُم مِثلَ أو قَرِيباً - لا أدري أيَّ ذلكَ قالت أسماءُ - من فتنةِ المسيح الدَّجَال، يُقالُ: ما عِلْمُكَ بهذا الرجلِ؟ فأمَّا المؤمنُ أو المُوقِنُ - لا أدري بأيّهما قالت أسماءُ - فيقول: هو محمَّدٌ رسولُ الله، جاءَنا بالبَيِّنَاتِ والهُدَى فأَجَبْنا واتَّبَعْنا، هو محمَّدٌ ثلاثاً، فيُقالُ: نَمْ صالحاً، قد عَلِمْنا إنْ كنتَ لَمُوقِناً به، وأمَّا المنافقُ أو المُرْتَابُ - لا أدري أيَّ ذلكَ قالت أسماءُ - فيقول: لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئاً فقلتُه)». [أطرافه في: ١٨٤، ٩٢٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧] ٣٨٥ باب ٢٤ / ح ٨٦ كتاب العلم قوله: ((هشام)) هو ابن عُرْوة بن الزُّبَير ((عن فاطمة)) هي بنت المنذر بن الزَّبَير، وهي ١٨٣/١ زوجة هشام وبنت عمّه. قوله: ((عن أسماء)) هي بنت أبي بكر الصِّدّيق، زوج الزُّبَير بن العَوّام، وهي جَدّة هشام وفاطمة جميعاً. قوله: ((فقلت: ما شأنُ الناس؟)) أي: لما رَأت من اضطرابهم. قوله: ((فأشارت)) أي: عائشة إلى السماء، أي: انكَسَفَت الشمس. قوله: ((فإذا الناس قيام)) كأنها الْتفتَتْ من حُجْرة عائشة إلى مَن في المسجد فوَجَدَتهم قياماً في صلاة الكسوف، ففيه إطلاق الناس على البعض. قوله: ((فقالت: سُبْحان الله!)) أي: أشارت قائلة: سُبْحان الله. قوله: ((قلت: آيةٌ؟)) هو بالرفع خبر مُبتدَأ محذوف، أي: هذه آية، أي: علامة، ويجوز حذف همزة الاستفهام وإثباتها. قوله: ((فقُمْت)) أي: في الصلاة. قوله: ((حتَّى عَلاني)) كذا للأكثر بالعين المهملة وتخفيف اللام، وفي رواية كَرِيمة: (تَجَلّاني)) بمُثَنَّاةٍ وجيم ولام مُشدَّدة، وجِلال الشيء: ما غُطّيَ به. والغَشْي: بفتح الغين وإسكان الشّين المعجمتينِ وتخفيف الياء، وبكسر الشّين وتشديد الياء أيضاً: هو طرف من الإغماء، والمراد به هنا: الحالة القريبة منه فأطلقتْه مجازاً، ولهذا قالت: ((فجعلت أصُبُّ على رأسي الماء)) أي: في تلك الحال ليذهب. ووَهِمَ مَن قال بأنَّ صَبَّها كان بعد الإفاقة، وسيأتي تقرير ذلك في كتاب الطَّهارة (١٨٤)، ویأتي الكلام على هذا الحديث أيضاً في صلاة الكسوف (١٠٥٣) إن شاء الله تعالى. قوله: ((أُرِيته)) هو بضم الهمزة. قوله: ((حتَّى الجنَّة والنار)) رُوّيناه بالحَرَكات الثلاث فيهما. ٣٨٦ باب ٢٥ / ح ٨٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (مِثلَ أو قريباً)) كذا هو بتركِ التنوين في الأوَّل وإثباته في الثاني، قال ابن مالك: توجيهه أنَّ أصله: مِثْلَ فتنة الدَّجّال أو قريباً من فتنة الدَّجّال، فحُذِفَ ما أُضيفَ إلى ((مِثل)) وتُرِكَ على هَيْتَتَه قبل الحذف، وجازَ الحذف لدلالة ما بعده عليه، وهذا كقول الشاعر: بين ذِراعَيْ وجَبْهة الأسدِ(١) تقديره: بين ذراعي الأسد وجَبْهة الأسد. وقال الآخر: أمام وخَلْف المَرْء من لُطْف ربّه کَوالئْ تَزْوي عنه ما هو يَحذَّرُ وفي رواية بتركِ التنوين في الثاني أيضاً، وتوجيهه أنه مضاف إلى ((فتنة)) أيضاً، وإظهار حرف الْجَرّ بين المضاف والمضاف إليه جائز عند قوم. وقوله: ((لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء)) جملة مُعترِضة بيَّن بها الراوي أنَّ الشَّك منه هل قالت له أسماء ((مِثل)) أو قالت: ((قريباً)، وستأتي مباحث هذا المتن في كتاب الجنائز (١٣٧٣) إن شاء الله تعالى. تنبيه: وقع في نسخة الصغاني هنا: قال ابن عباس: ﴿مَرْقَدِنَا﴾: تخرجنا. وفي ثبوت ذلك نظر، لأنه لم يقع في الحدیث لذلك ذِكْر وإنْ كان قد يظهر له مناسبة، وقد ذُكر ذلك في موضعه من سورة یس(٢). ٢٥ - باب تحريض النبيِّ وَِّ وفدَ عبد القيس على أن يحفظوا الإيمانَ والعلمَ ويُخبِرِوا مَن وراءَهم وقال مالكُ بنُ الحُوَبِرِث: قال لنا النبيُّ ◌َّهِ: ((ارجِعُوا إلى أهلِيكُم فعلِّمُوهم). ٨٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا غُندَرٌ، قال: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن أبي جَمْرةَ قال: (١) هذا عَجُز بيت للفرزدق - كما في ((خزانة الأدب)) ٣١٩/٢، الشاهد (١٣٦) - وصدره: يا مَن رأى عارضاً أُسَرُّ لهُ (٢) في كتاب التفسير: (٦٥) تفسير سورة يس آية (٣٦). ٣٨٧ باب ٢٥ / ح ٨٧ كتاب العلم كنتُ أَتَرجِمُ بينَ ابن عبّاس وبينَ الناس، فقال: إنَّ وَفْدَ عبدِ القيسِ أَتَوُا النبيَّ ◌َّ فقال: ((مَنِ الوَفْدُ - أو مَنِ القومُ _؟)) قالوا: رَبِيعةُ. فقال: ((مَرْحباً بالقوم - أو بالوَقْدِ - غيرَ خَزَايا ولا نَدامَى)) قالوا: إنّا نَأْتِيكَ من شُقّةٍ بعيدةٍ وبيننا وبينَكَ هذا الحَيُّ من كُفّار مُضَرَ، ولا نستطيعُ أنْ نَأْتَكَ إلَّا في شهرٍ حرامٍ، فمُرْنا بأمْرٍ نُخبِرُ به مَن وراءَنا نَدخُلُ به الجنَّةَ، فأمَرَهم بأربع ونَهاهم عن أربعٍ: أمَرَهم بالإيمان بالله عزَّ وجلَّ وَحْدَه، قال: «هل تَدرُونَ ما الإيمانُ/ بالله ١٨٤/١ وَحْدَه؟)) قالوا: الله ورسولُه أعلَمُ، قال: ((شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزَّكاة، وصومُ رمضانَ، وتُعْطُوا الخُمُسَ مِن المَغْنَمِ)) ونَهاهم عن الدُّاءِ والحَنْتَم والمُزْقَّت؛ قال شُعْبةُ: ورُبّما قال النَّقِيرِ، ورُبَّما قال: المُقِيَّر، قال: ((احفَظُوه وأَخِرُوه مَن وراءَكُمْ)). قوله: ((باب تحريض)) هو بالضاد المعجَمة ومَن قالها بالمهملة هنا فقد صَخَّف. قوله: ((وقال مالك بن الحُوَيرِث)) هو بصيغة تصغير الحارث. وهذا التعليق طرف من حديث له مشهور يأتي في الصلاة (٦٢٨). قوله: ((أبي جَمْرة)) هو بالجيم والراء كما تقدَّم. قوله: ((من شُقّة)) بضم الشّين المعجمة وتشديد القاف. قوله: ((وتُعْطوا)) كذا وقع، وهو منصوب بتقديرِ ((أنْ))، وساغَ التقدير لأنَّ المعطوف عليه اسم، قاله الكِرْمانيُّ. قلت: قد رواه أحمد (٢٠٢٠) عن غُندَر فقال: ((وأنْ تُعْطوا)) فكأنَّ حذفها من شيخ البخاري. قوله: ((قال شُعْبة: ورُبَّما قال: النَّقير)) أي: بالنون المفتوحة وتخفيف القاف المكسورة ((ورُبَما قال: المُقِيَّر)) أي: بالميم المضمومة وفتح القاف وتشديد الياء المفتوحة، وليس المراد أنه كان يتردّد في هاتين اللفظتَينِ ليُثْبِت إحداهما دون الأُخرى؛ لأنه يلزم من ذِكْرِ المُقُيَّر التكرار لسَبْقِ ذِكْر المُزفَّت لأنه بمعناه، بل المراد أنه كان جازماً بذِكْر الثلاثة الأُوَل، شاكّاً في الرابع وهو النَّقير، فكان تارة يَذكُره وتارة لا يَذكُره، وكان أيضاً شاكّاً في التلفّظ بالثالثِ ٣٨٨ باب ٢٦ / ح ٨٨ فتح الباري بشرح البخاري فكان تارة يقول: المُزْفَّت، وتارة يقول: المُقيّر. هذا توجيهه فلا يُلتَفت إلى ما عداه. وقد تقدَّمتْ مباحث هذا الحديث في أواخر كتاب الإيمان، وأخرجه المصنّف هناك (٥٣) عالياً عن علي بن الجَعْد عن شُعْبة، ولم يتردَّد إلَّا في المُزُقَّت والمُقَيَّر فقط، وجزم بالنَّقير، وهو يؤيِّد ما قلته، والله أعلم. قوله: ((وأَخبِروه)) هو بفتح الهمزة وكسر الباء، وللكُشْمِيهَنيّ: ((وأَخِروا)) بحذف الضمير. ٢٦ - باب الرّحلة في المسألة النازلة ٨٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبو الحسن، قال: أخبرنا عبدُ الله، قال: أخبرنا عمرُ بنُ سعيد ابنِ أبي حسينٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي مُلَيكةَ، عن عُقْبَةَ بنِ الحارث: أنَّه تزوَّج ابنةً لأَبي إهاب بنِ عَزِيز فَأَتَتْه امرأةٌ فقالت: إني قد أرضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتي تزوَّج، فقال لها عُقْبةُ: ما أعلَمُ أَنَّكِ أرضَعْتِنِي ولا أخبَرِي، فَرَكِبَ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ بِالمدينةِ فسأَلَه، فقال رسولُ الله ◌ِله: ((كيفَ وقد قيلَ؟!)) ففارَقَها عُقْبةُ ونَكَحَتْ زوجاً غيرَه. [أطرافه في: ٢٠٥٢، ٢٦٤٠، ٢٦٥٩، ٢٦٦٠، ٥١٠٤] قوله: ((باب الرِّحْلة)) هو بكسر الراء بمعنى الارتجال، وفي روايتنا أيضاً بفتح الراء، أي: الواحدة، وأمَّا بضمها فالمراد به الجهة، وقد تُطلَق على مَن يُرْتَحل إليه، وفي رواية كَرِيمة: ((وتعليم أهله)) بعد قوله: ((في المسألة النازلة))، والصواب حذفها لأنها تأتي في باب آخر. قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المبارك. قوله: ((حدَّثني عبد الله بن أبي مُلَيكة)) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيكة، نُسِبَ إلى جدّه. قوله: ((عن عُقْبة بن الحارث)) سيأتي تصريحه بالسَّماع من عُقْبة في كتاب النكاح (٥١٠٤) خلافاً لمن أنكره، وسيأتي الخلاف في كُنْية عُقْبة في قِصَّة خُبَيب بن عَدي (٣٠٤٥). ٣٨٩ باب ٢٧ / ح ٨٩ كتاب العلم قوله: ((أنه تزوَّج ابنة)) اسمها غَنِيَّة بفتح المعجمة وكسر النون بعدها ياء تحتانيَّة مُشدَّدة، وكُنْيتها أُم يحيى كما يأتي في الشَّهادات (٢٦٥٩)، وهَجَمَ الكِرْماني فقال: لا يُعرَف اسمها. وأبو إهاب: بكسر الهمزة، لا أعرف اسمه، وهو مذكور في الصحابة. و((عَزِيز)): بفتح العين المهملة وكسر الزَّاي وآخره زاي أيضاً كما تقدَّم في المقدّمة، ومَن ١٨٥/١ قاله بضم أوَّله فقد خَرَّف. قوله: ((فأتته امرأة)» لم أقف على اسمها. قوله: ((ولا أخبرتني)) بكسر المثنَّة، أي: قبل ذلك، كأنه اتَّهَمَها. قوله: ((فَرَكِبَ)) أي: من مكَّة لأنها كانت دار إقامته. والفَرْق بين هذه الترجمة وترجمة (باب الخروج في طلب العلم)) أنَّ هذا أخص وذاكَ أعم، وستأتي مباحث هذا الحديث في كتاب الشَّهادات (٢٦٤٠) إن شاء الله تعالى. قوله: ((ونَكَحَتْ زوجاً غيره)) اسم هذا الزوج ظُرَيْب، بضم المعجَمة المُشالة وفتح الراء وآخره موحّدة مصغّراً. ٢٧ - باب التَّنَاؤُب في العلم ٨٩- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزّهْريّ (ح) قال أبو عبدِ الله: وقال ابنُ وَهْب: أخبرنا يونسُ، عن ابن شِهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ أبي ثَوْرٍ، عن عبدِ الله بنِ عِبَّاس، عن عمرَ قال: كنتُ أنا وجارٌ لي مِن الأنصار في بني أَمِيَّةَ بن زيدٍ، وهي من عَوَالي المدينة، وكنّا نَتَنَّاوَبُ التّزُولَ على رسولِ الله وَّةِ، يَنزِلُ يوماً وأنزِلُ يوماً، فإذا نزلتُ حِثْتُه بخيرِ ذلكَ اليومِ مِن الوحي وغيرِه، وإذا نَزَلَ فعل مثلَ ذلكَ، فَزَلَ صاحبي الأنصاريُّ يومَ نَوْبَتِهِ فضربَ بابِي ضَرْباً شَدِيداً، فقال: أَثَمَّ هو؟ ففَزِعتُ فخرجتُ إليه فقال: قد حَدَثَ أمْرٌ عَظِيمٌ. قال: دخلتُ على خَفْصةَ فإذا هي تَبْكي فقلتُ: طَلَّقَكُنَّ رسولُ اللهِوَّهُ؟ قالت: لا أدري، ثمَّ دخلتُ على النبيِّ وَيه فقلتُ وأنا قائمٌ: أطَلَّقْتَ نساءَكَ؟ قال: ((لا)) فقلتُ: الله أكبرُ. [أطرافه في: ٢٤٦٨، ٤٩١٤،٤٩١٣، ٥١٩١،٤٩١٥، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣] ٣٩٠ باب ٢٧ / ح ٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب التَّنَاؤُب)) هو بالنون وضم الواو من ((الثَّوْبة)) بفتح النون. قوله: ((وقال ابن وَهْب)) هذا التعليقِ وَصَلَه ابن حِبَّان في ((صحيحه)) (٤١٨٧) عن ابن قُتَيبة، عن حَرْملة، عنه بسنده، وليس في روايته قول عمر: «كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار نَتَنَاوب التُّزول)» وهو مقصود هذا الباب، وإنَّما وقع ذلك في رواية شعيب وَحْدَه عن الزُّهْري، نَصَّ على ذلك الذُّهْلِيُّ والدَّارَ قُطني والحاكم وغيرهم، وقد ساق المصنّف الحديث في كتاب النكاح (٥١٩١) عن أبي اليَمَان وَحْدَه أتمَّ مَمَّا هنا بكثيرٍ، وإنَّما ذكر هنا رواية يونس بن يزيد ليُوضِح أنَّ الحدیث کلّه ليس من أفراد شعيب. قوله: ((عن عُبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَوْر)) هو مَكِّي نَوْفَلِيٌّ، وقد اشترك معه في اسمه واسم أبيه، وفي الرواية عن ابن عبّاس وفي رواية الزُّهْري عنهما: عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود المدني الهُذَلی، لکنَّ روایته عن ابن عبّاس کثیرة في ((الصحیحین))، ولیس لابن أبي ثَوْر عن ابن عبّاس غير هذا الحديث الواحد. قوله: ((وجارٌ لي)) هذا الجار هو عِثْبان بن مالك، أفاده ابن القَسْطلّاني(١)، لكن لم يَذكُر دليله. قوله: ((في بني أُميّة)) أي: في ناحية بني أُميَّةَ، سُمّيَت البُقْعة باسم مَن نزلها. قوله: ((أَثَمَّ)) هو بفتح المثلَّئة. قوله: ((دخلتُ على خَفْصة)) ظاهر سياقه يُوهم أنه من كلام الأنصاري، وإنَّما الدّاخل على حَفْصة عمر، وللكُشْمِيهَني: ((فدخلتُ على حَفْصة)) أي: قال عمر: فدخلت على حَفْصة، وإنَّما جاءَ هذا من الاختصار، وإلا ففي أصل الحديث بعد قوله: ((أمر عظيم)): ((طَلَّقَ رسول الله وَّه نساءَه. قلت: قد كنت أظُن أنَّ هذا كائن، حتَّى إذا صَلَّيتُ الصبح (١) هو الشيخ الإمام قطب الدين أحمد بن محمد المصري الشافعي ابن القسطلاني، شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة، توفي سنة ٦٨٦هـ. وذكر شهاب الدين القسطلاني في ((إرشاد الساري)) ١٨٨/١ عن ابن بشكوال أنه أوس بن حَوْلِيّ، وعلَّل ذلك بأن النبي وَ لل آخى بينه وبين عمر، ثم تعقبه القسطلاني فقال: لكن لا يلزم من المؤاخاة الجوار. ٣٩١ باب ٢٨ / ح ٩٠ كتاب العلم شَدَدْت عليَّ ثيابي ثمَّ نزلت، فدخلتُ على حَفْصة))؛ يعني أُم المؤمنين بنته. ١٨٦/١ وفي هذا الحديث الاعتمادُ على خبر الواحد، والعمل بمَراسيل الصحابة. وفيه أنَّ الطالب لا يَغْفُل عن النَّظَر في أمر معاشه ليَستَعين على طلب العلم وغيره، مع أخذه بالحَزْم في السؤال عمَّا يَفُوته يوم غَيْبته، لما عُلِمَ من حال عمر أنه كان يَتَعانَى التِّجارة إذْ ذاكَ كما سيأتي في البيوع (٢٠٦٢). وفيه أنَّ شرط التواتر أنْ يكون مُستَنَد نَقَلَتِهِ الأمرَ المحسوس، لا الإشاعة التي لا يُدرَى مَن بدأ بها. وسيأتي بقيّة الكلام عليه في النكاح (٥١٩١) إن شاء الله تعالى. ٢٨ - باب الغضب في المَوْعِظة والتعليم إذا رأى ما يَكرَه ٩٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن ابن أبي خالدٍ، عن قيسٍ بن أبي حازِمِ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله، لا أكادُ أُدرِكُ الصلاةَ ممَّ يُطوِّلُ بنا فلانٌ، فما رَأيْتُ النبيَّ نَّهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غضباً من يُومِئِذٍ، فقال: ((أيُّها الناسُ، إِنَّكُم مُنفِّرُونَ، فمَن صَلَّى بالناسِ فَلْيُخَفِّف، فإنَّ فيهمُ المريضَ والضَّعِيفَ وذا الحاجةِ)). [أطرافه في: ٧٠٢، ٧٠٤، ٧١٥٩،٦١١٠] قوله: ((باب الغضب في الموعظة. حدَّثنا محمَّد بن كثير)) هو العَبْدي، ولم يُرِّج للصَّنْعانيِّ شيئاً. قوله: «أخبرني سفیان)) هو الثّوْريّ ((عن ابن أبي خالد» هو إسماعيل. قوله: ((قال رجل)) قيل: هو حَزْم بن أَبی کَعْب. قوله: ((لا أكاد أُدرِك الصلاة)) قال القاضي عِيَاض: ظاهره مُشكِل، لأنَّ التطويل يقتضي الإدراك لا عدمه، قال: فكأنَّ الألف زِيدَتْ بعد ((لا)) وكأنَّ (أُدرِكُ)) كانت أتُرُك. قلت: هو توجیه حسن لو ساعدَتْه الرواية. وقال أبو الزِّناد بن سِراج: معناه أنه كان به ضعف، فكان إذا طَوَّلَ به الإمام في القيام ٣٩٢ باب ٢٨ / ح ٩١ فتح الباري بشرح البخاري لا يَبلُغ الرُّكوع إلَّا وقد ازداد ضعفه فلا يكاد يُتِمُّ معه الصلاة. قلت: وهو معنى حسن، لكن رواه المصنَّ (٧٠٤) عن الفِرْيابي عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: ((إني لأتأخّر عن الصلاة)) فعلى هذا فمراده بقوله: ((إني لا أكاد أُدرِك الصلاة)) أي: لا أقُرُب من الصلاة في الجماعة، بل أتأخّر عنها أحياناً من أجل التطويل، وسيأتي تحرير هذا في موضعه في الصلاة، ويأتي الخلاف في اسم الشاكي والمشكو. قوله: ((أشَد غضباً) قيل: إنَّمَا غَضِبَ لتقدُّم نهيه عن ذلك. قوله: ((وذا الحاجة)) كذا للأكثر، وفي رواية القابسي: ((وذو الحاجة)) وتوجيهه: أنه عُطِفَ على موضع اسم ((إنَّ) قبل دخولها، أو هو استئناف. ٩١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا أبو عامٍ، قال: حدَّنا سليمانُ بنُ بلالِ المَدِينُّ، عن رَبِيعةَ بن أبي عبدِ الرحمن، عن يزيدَ مولى المُنْبَعِث، عن زيدِ بنِ خالدِ الجُهَنِيّ: أنَّالنبيَّ ◌َه سأله رجلٌ عن اللَّقَطة، فقال: ((اعِرِفْ وِكاءَها - أو قال: وِعاءَها - وعِفاصَها ثمَّ عَرِّفْها سنةً، ثمّ استَمْتِعْ بها، فإنْ جاءَ ربُّها فأدِّها إليه)) قال: فضالَةُ الإبل؟ فغَضِبَ حتَّى احَمَرَّتْ وَجْتَاه - أو قال: احمَّ وجهُه - فقال: ((وما لكَ ولها؟ مَعَها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْها حتَّى يَلْقاها ربُّها)» قال: فضالَةُ الغَنَم؟ قال: ((لك، أو لأخِيكَ، أو للذِّئْبِ)). [أطرافه في: ٢٣٧٢، ٢٤٢٧، ٢٤٢٨، ٢٤٢٩، ٢٤٣٦، ٢٤٣٨، ٥٢٩٢، ٦١١٢] قوله: ((سأله رجل)) هو عُمَير والدمالك، وقيل غيره كما سيأتي في اللَّقَطة (٢٤٢٧). ١٨٧/١ قوله: ((وِكاءَها)) هو بكسر الواو: ما يُربَط به، والعِفاص بكسر العين المهملة: هو الوعاء بكسر الواو. قوله: ((فغَضِبَ)) إمَّا لأنه كان نهى قبل ذلك عن الْتِقاطها، وإمَّا لأنَّ السائل قَصَّرَ في نهْمه فقاسَ ما يتعيَّن الْتِقاطه على ما لا یتعیَّن. قوله: ((سِقاؤها)) هو بكسر أوَّله، والمراد بذلك أجوافها، لأنها تشرب فتَكْتَفي به أياماً. قوله: ((وحِذاؤُها)) بكسر المهملة ثمَّ ذال مُعجَمة والمراد هنا: خُفّها. وستأتي مباحث هذا ٣٩٣ باب ٢٨ / ح ٩٢ كتاب العلم الحديث في كتاب البيوع (٢٤٢٩) إن شاء الله تعالى. ٩٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاء، قال: حدثنا أبو أُسامةَ، عن بریدٍ، عن أبي بُرْدً، عن أبي موسى قال: سُئِلَ النبيُّ ◌َّه عن أشياءَ كَرِهَها، فلمَّا أُكثِرَ عليه غَضِبَ ثمّ قال للناس: ((سَلُوني عَّ شِئْتُم)) قال رجلٌ: مَن أَبي؟ قال: ((أبوكَ حُذَافةُ)) فقام آخرُ فقال: مَن أَبي يا رسولَ الله؟ فقال: ((أبوكَ سالمٌ مولى شَيْبةَ)) فلمَّا رأى عمرُ ما في وجهِه قال: يا رسولَ الله، إنّا نَتُوبُ إلى الله عزَّ وجلَّ. [طرفه في: ٧٢١٩] قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن العلاء)) تقدَّم هذا الإسناد في ((باب فضل مَن عَلِمَ وعَلَّمَ)) (٧٩). قوله: ((سُئِلَ النبي ◌َّر عن أشياء)) كان منها السؤال عن الساعة وما أشبه ذلك من المسائل، كما سيأتي في حديث ابن عبّاس في تفسير المائدة (٤٦٢٢). قوله: ((قال رجل)) هو عبد الله بن حُذافة - بضم أوَّله وبالذَّال المعجَمة والفاء - القُرَشي السَّهْمي كما سمَّه في حديث أنس الآتي (٩٣). قوله: ((فقام آخر)) هو سعد بن سالم مولى شَيْبة بن ربيعة، سَّه ابن عبد البَرِّ في (التمهيد)) (٢٩١/٢١) في ترجمة سُهَيل بن أبي صالح منه، وأغفَلَه في ((الاستيعاب))، ولم يَظْفَر به أحد من الشارحين ولا مَن صَنَّفَ في المُبهَمات ولا في أسماء الصحابة، وهو صحابي بلا مِرْية لقوله: ((فقال: مَن أَبي يا رسول الله))، ووقع في ((تفسير مُقاتل)) في نحو هذه القِصَّة: أنَّ رجلاً من بني عبد الدّار قال: مَن أبي؟ قال: سعد، نَسَبَه إلى غير أبيه بخلاف ابن حُذافة. وسيأتي مزيد لهذا في تفسير سورة المائدة. قوله: ((فلمَّا رأى عمر)) هو ابن الخطّاب ((ما في وَجْهه)) أي: من الغضب ((قال: يا رسول الله إنّا نتوب إلى الله) أي: مَّا يُوجِب غضبك. وفي حديث أنس الآتي بعدُ (٩٣): ((أنَّ عمر بَرَكَ على رُكْبتَه فقال: رَضِينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ نبيّا))، والجمع بينهما ظاهر بأنه قال جميع ذلك، فنقل كلٌّ من الصحابيَّينِ ما حَفِظ، ودلَّ على اتّحاد المجلس اشتراكُهما في نقل قِصَّة عبد الله بن حُذافة. ٣٩٤ باب ٢٩ / ح ٩٣ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: قَصَرَ المصنّف الغضب على الموعظة والتعليم دون الحُكْم، لأنَّ الحاكم مأمور أنْ لا يَقْضِيَ وهو غَضْبان، والفَرْق أنَّ الواعظ من شأنه أنْ يكون في صورة الغَضبان، لأنَّ مقامه يقتضي تكلُّف الانزعاج لأنه في صورة المنذِر، وكذا المعلِّم إذا أنكر على مَن یتعلّم منه سوء فهم ونحوه، لأنه قد یکون أدعَی للقَبُول منه، وليس ذلك لازماً في حق كل أحد، بل يختلف باختلاف أحوال المتعلِّمین، وأمّا الحاكم فهو بخلاف ذلك كما يأتي في بابه(١). فإنْ قيل: فقد قَضَى عليه الصلاة والسلام في حال غضبه حيثُ قال: أبوك فلان. فالجواب أن يقال: أوَّلاً: ليس هذا من باب الحكم، وعلى تقديره فيقال: هذا من خصوصيّاته لمحلِّ العِصْمة، فاستَوى غضبه ورِضَاه، ومجرَّد غضبه من الشيء دالٌ على تحريمه أو كراهته، بخلاف غيره وَا﴾. ٢٩ - باب من بَرَكَ على ركبتيه عند الإمام أو المحدِّث ٩٣ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْري، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكِ: ١٨٨/١ أنَّ رسولَ الله وَ لَه ◌َخَرَجَ، فقام/ عبدُ الله بنُ حُذَافَةَ، فقال: مَن أَب؟ فقال: ((أبوكَ حُذافةُ)) ثمَّ أكثرَ أنْ يقول: ((سَلُونِي)) فبَرَكَ عمرُ على رُكْبَتَه، فقال: رَضِينا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ وَِّنبيّاً، فسَكَتَ. [أطرافه في: ٥٤٠، ٧٤٩، ٤٦٢١، ٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٩٠،٧٠٨٩، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥] قوله: ((باب مَن بَرَكَ)) هو بفتح الموحَّدة والراء المخَفَّفة، يقال: بَرَكَ البعير: إذا استناخ، واستُعمِلَ في الآدمي مجازاً. قوله: ((خَرَجَ فقام عبد الله بن حُذافة)) فيه حذف يَظْهر من الرواية الأخرى، والتقدير: خرج فسُئِلَ فأكثروا عليه فغَضِبَ فقال: سَلوني، فقام عبد الله. قوله: ((فقال: رَضِينا بالله ربّا)) قال ابن بَطَّل: فَهِمَ عمر منه أنَّ تلك الأسئلة قد تكون (١) في كتاب الأحكام: ٣١ - باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان؟ ح (٧١٥٨). ٣٩٥ باب ٣٠ / ح ٩٤ كتاب العلم على سبيل التعَنُّت أو الشَّك، فخَشِيَ أنْ تَنزِل العقوبة بسبب ذلك فقال: رَضِينا بالله ربّاً ... إلى آخره، فَرَضِيَ النبي ◌َّ بذلك فسَكَت. ٣٠ - باب من أعاد الحديثَ ثلاثاً لِيُفْهَمَ عنه فقال: ((أَلَا وقولُ الزُّورِ)) فما زالَ يُكرِّرُها. وقال ابنُ عمر: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((هل بَلَّغْتُ؟)) ثلاثاً. قوله: ((باب مَن أعاد الحديث ثلاثاً لِيُفهَم)) هو بضم الياء وفتح الهاء، وفي روايتنا أيضاً بكسر الهاء، لكن في رواية الأَصِيلي وكَرِيمة: «ليُفهَم عنه)» وهو بفتح الهاء لا غير. قوله: ((فقال: أَلَا وقولُ الزُّور)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: ((فقال النبي ◌ِّ) وهو طرف مُعلَّق من حديث أبي بَكْرة المذكور في الشَّهادات (٢٦٥٤) وفي الدّيات (٦٩١٩)(١) الذي أوَّله: ((ألّا أُنْبِّكم بأكبر الكبائر)) ثلاثاً، فذكر الحديث، ففيه معنى الترجمة لگونه قال لهم ذلك ثلاثاً. قوله: «فما زالَ يُكرِّرها» أي: في مجلسه ذلك. والضمير يعود على الكلمة الأخيرة وهي قول الزُّور، وسیأتي الكلام علیه إن شاء الله تعالى في مكانه. قوله: ((وقال ابن عمر)) هو طرف أيضاً من حديث مذكور عند المصنِّف في كتاب الحدود (٦٧٨٥) أوَّله: ((قال رسول الله وَ لَه في حَجّة الوداع: أيُّ شهر هذا؟)) فذكر الحديث وفيه هذا القَدْر المعلَّق، وقوله: ((ثلاثاً) مُتعلِّق بـ((قال))، لا بقوله: ((بَلَّغْتُ)). ٩٤- حدَّثنا عَبْدةُ، قال: حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُّ المشنَّى، قال: حدَّثنا ثُمامةُ بنُ عبدِ الله، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَِّ: أنَّه كان إذا سَلَّمَ سَلَّمَ ثلاثاً، وإذا تَكَلَّمَ بكَلِمةٍ أعادها ثلاثاً. [طرفاه في: ٩٥، ٦٢٤٤] (١) هو بعد کتاب الدیات في أول كتاب استتابة المرتدين. ٣٩٦ باب ٣٠ / ح ٩٥ فتح الباري بشرح البخاري ٩٥- حدَّثنا عَبْدَةُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ المثنَّى، قال: حدَّثَنَا ثُمامةُ بنُ عبدِ الله، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌ٍَّ: أَنَّه كان إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمةٍ أعادها ثلاثاً حتَّى تُفْهَمَ عنه، وإذا آتَى على قومٍ فسَلَّمَ عليهم سَلَّمَ عليهم ثلاثاً. قوله: ((حدَّثْنَا عَبْدة)) هو ابن عبد الله الصَّفّار، ولم يُخُرِّج البخاري عن عبدة بن عبد الرحيم المَرْوزيّ، وهو من طبقة عبدة الصفّار، وفي رواية الأَصِيلي: حدَّثنا عبدة الصفّار. قوله: ((حدَّثنا عبد الصمَد)) هو ابن عبد الوارث بن سعيد، يُكنَى أبا سَهْل، والمثنَّى والد عبد الله هو بضم الميم وفتح المثلَّثة وتشديد النون المفتوحة: وهو ابن عبد الله بن أنس بن ١٨٩/١ مالك/ وثُمامة عمُّه. ورجال هذا الإسناد كلّهم بصرتُّون. قوله: ((عن النبي ◌ِّ: أنه كان)) أي: من عادة النبي وَّهِ، والمراد أنَّ أنساً مُبِرٍ عَّ عَرَفَه من شأن النبيِ وَ ل﴿ وشاهَدَه، لا أنَّ النبيَّ نَّهِ أخبره بذلك. ويؤيِّد ذلك أنَّ المصنّف أخرجه في كتاب الاستئذان (٦٢٤٤) عن إسحاق - وهو ابن منصور - عن عبد الصمد بهذا الإسناد إلى أنس فقال: ((إنَّ النبيِ وَالإِ كان)). قوله: ((كان إذا تَكَلَّمَ)) قال الكِرْماني: مِثل هذا التركيب يُشعِر بالاستمرار عند الأُصولیّين. قوله: ((بكَلِمةٍ» أي: بجملةٍ مفيدة. قوله: ((أعادها ثلاثاً) قد بيَّن المراد بذلك في نَفْس الحديث بقوله: ((حتَّى تُفْهَم عنه)» وللتِّمِذيّ (٣٦٤٠) والحاكم في ((المستدرك)) (٤/ ٢٧٣): ((حتَّى تُعقَل عنه)). ووَهِمَ الحاكم في استدراكه وفي دعواه أنَّ البخاري لم يُخرِّجه، وقال التِّرمِذي: حسن صحيح غريب، إنَّا نَعْرِفه من حديث عبد الله بن المثنَّى. انتهى، وعبد الله بن المثنَّى ممّن تفرَّد البخاري بإخراج حديثه دون مسلم، وقد وثَّقه العِجْلُّ والِّرمِذي، وقال أبو زُرْعة وأبو حاتم: صالح، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن مَعِين: ليس بشيءٍ، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقوي. قلت: لعلَّه أراد في بعض حديثه، وقد تقرَّر أنَّ البخاري حيثُ يُخْرِّج لبعض مَن فيه ٣٩٧ باب ٣٠ / ح ٩٦ كتاب العلم مَقَال لا يُخْرِّج شيئاً ممَّا أُنْكِرَ عليه، وقول ابن مَعِين: ليس بشيءٍ، أراد به في حديث بعَينِهِ سُئِلَ عنه، وقد قَوّاه في رواية إسحاق بن منصور عنه. وفي الجملة فالرجل إذا ثبتت عدالتُه، لم يُقبَل فيه الجَرْح إلَّا إذا كان مُفسَّراً بأمرٍ قادح، وذلك غير موجود في عبد الله بن المثنّى هذا، وقد قال ابن حِبَّان لمَّا ذكره في ((الثِّقات)): رُبَّما أخطأً. والذي أُنكِرَ عليه إنَّما هو من روايته عن غير عمّه ثُمامة، والبخاري إنَّما أخرج له عن عمّه هذا الحديث وغيره، ولا شكَّ أنَّ الرجل أضبطُ لحديث آل بيته من غيره. وقال ابن المنيِّر: نبّه البخاري بهذه الترجمة على الرَّد على مَن كَرِهَ إعادة الحديث، وأنكر على الطالب الاستعادة وعَدَّه من البلادة، قال: والحق أنَّ هذا يختلف باختلاف القرائح، فلا عَيْب على المستفيد الذي لا يَحِفَظ من مَرّة إذا استَعاد، ولا عُذْر للمفيدِ إذا لم يُعِدْ، بل الإعادة عليه آكَدُ من الابتداء، لأنَّ الشُّروع مُلْزِم. وقال ابن التِّين: فيه أنَّ الثلاث غاية ما يقع به الاعتذار والبيان. قوله: ((وإذا أتى على قوم)) أي: وكان إذا أَتى. قوله: ((فسَلَّمَ عليهم)) هو من تَتِمّة الشَّرْط، وقوله: ((سَلَّمَ عليهم)) هو الجواب. قال الإسماعيلي: يُشبِهِ أنْ يكون ذلك كان إذا سَلَّمَ سلامَ الاستئذان على ما رواه أبو موسى وغيره، وأمَّا أَنْ يَمُرَّ المارُّ مُسلِّماً فالمعروف عدم التكرار. قلت: وقد فَهِمَ المصنِّف هذا بعينه، فأورد هذا الحديث مقروناً بحديث أبي موسى في قِصَّته مع عمر كما سيأتي في الاستئذان (٦٢٤٤-٦٢٤٥)، لكن يحتمل أنْ يكون ذلك كان يقع أيضاً منه إذا خَشِيَ أنْ لا يُسمَع سلامه، وما اذَّعاه الكِرْمانيُّ من أنَّ الصّيغة المذكورة تفيد الاستمرار، ممّا يُنازَع فيه، والله أعلم. ٩٦- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْرِ، عن يوسفَ بنِ ماهَكَ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرٍو، قال: تَخَلَّفَ رسولُ اللهِ وَلَ فِي سَفَرِ سافَرْناه فأدرَكَنا وقد أرهَقْنا الصلاةَ - صلاةَ العصرِ - ونحنُ نَتوضَّأُ، فجَعَلْنا نَمْسَحُ على أرجُلِنا، فنادَى بأعلى صَوْتِهِ: ((وَيْلٌ ٣٩٨ باب ٣١ / ح ٩٧ فتح الباري بشرح البخاري للأعقابِ مِن النار)) مرَّتين أو ثلاثاً. [انظر: ٦٠] قوله في حديث عبد الله بن عَمْرو: ((فأدرَكَنا)) هو بفتح الكاف. وقوله: ((أرهَقْنا)) بسكون القاف، وللأَصِيليّ: أرهَقَتْنا. وقوله: ((صلاةَ العصر)) هو بدل من ((الصلاة)) إنْ رفعاً فرفعٌ، وإنْ نصباً فنصبٌ. قوله: ((مرتين أو ثلاثاً)) هو شك من الراوي، وهو يدل على أنَّ الثلاث ليست شرطاً، بل المراد التفهيم، فإذا حصل بدونها أجَزَأ. وسيأتي الكلام على المتن في الطَّهارة (١٦٣) إن شاء الله تعالی. ٣١- باب تعليم الرجل أَمَتَه وأهله ١٩٠/١ ٩٧- أخبرنا محمَّدُ بنُّ سَلَامٍ، أخبرنا المحاربيُّ، قال: حدَّثنا صالحُ بنُ حَيّانَ، قال: قال عامٌ الشَّعْبِيُّ: حدَّثني أبو بُرْدَةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: («ثلاثةٌ لهم أجْرانِ: رجلٌ من أهل الكتاب آمَنَ بنبيّه وآمَنَ بمحمَّدٍ، والعبدُ المملُوكُ إذا أدَّى حقَّ الله وحقَّ مَوَالِيه، ورجلٌ كانت عنده أَمَّةٌ فأدَّبها فأحسنَ تَأْدِيبَها، وعَلَّمَها فأحسنَ تَعْلِيمَها، ثمَّ أَعتَقَها فتزوّجها، فلَهُ أجْرانِ». ثمَّ قال عامرٌ: أعطَيْنَاكَها بغيرِ شيءٍ، قد كان يُركَبُ فيما دُونَها إلى المدينة. [أطرافه في: ٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٠١١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣] قوله: ((باب تعليم الرجل أمَتَه وأهله)) مطابقة الحديث للترجمة في الأَمَة بالنصّ، وفي الأهل بالقياس، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسُنَن رسوله، آكد من الاعتناء بالإماء. قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن سَلَام)) كذا في روايتنا من طريق أبي ذرٍّ، وفي رواية كَرِيمة: ((حدّثنا محمد هو ابن سَلَام))، وللأَصِيلِيِّ: ((حدَّثنا محمد)) حَسْب، واعتَمَدَ المِزّيُّ في ((الأطراف)» عليها فقال: رواه البخاري عن محمدٍ، قيل: هو ابن سَلَام. قوله: «أخبرنا» في روایة کریمة: «حدَّثنا المحاربي» وهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد، ٣٩٩ باب ٣١ / ح ٩٧ كتاب العلم وليس له عند البخاري سوى هذا الحديث وحديث آخر في العيدين، وذكر أبو علي الجَيَّاني أنَّ بعض أهل بلدهم صَحَّفَ ((المحاربي)) فقال: البخاري، فأخطأ خطأ فاحشاً. قوله: ((حدَّثنا صالح بن حَيّان)) هو صالح بن صالح بن مسلم بن حَيّان، نُسِبَ إلى جدِّ أبيه، وهو بفتح المهملة وتشديد الياء التَّحتانية، ولَقبُه حَيٌّ وهو أشهر به من اسمه، وكذا مَن يُنسَب إليه يقال للواحدٍ منهم غالباً: فلان ابن حَيٍّ كصالح بن حَي هذا، وهو ثقة مشهور، وفي طبقته راوٍ آخر كوفي أيضاً يقال له: صالح بن حَيّان القُرَشي، لكنَّه ضعيف، وقد وَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّ البخاري أخرج له، فإنَّه إنَّما أخرج لصالح بن حَيّ، وهذا الحديث معروف بروايته عن الشَّعْبي دون القُرَشي، وقد أخرجه البخاري من حديثه من طرق: منها في الجهاد (٣٠١١) من طريق ابن عُبَينَةَ قال: حدَّثنا صالح بن حَي(١) سمعت الشَّعْبي، وأصرح من ذلك أنه أخرج الحديث المذكور في كتاب ((الأدب المفرد)) (٢٠٣) بالإسناد الذي أخرجه هنا فقال: صالح بن حَي. قوله: (قال عامر)) أي: قال صالح: قال عامر، وعادتهم حذف ((قال)) إذا تكرَّرتْ خَطّاً لا نُطْقاً. قوله: ((عن أبيه)) هو أبو موسى الأشعري کما صرّح به في العِتْق (٢٥٤٤) وغيره. قوله: (ثلاثةٌ لهم أجرانٍ)) ((ثلاثة)) مُبتدَأْ، والتقدير: ثلاثة رجالٍ، أو رجالٌ ثلاثةٌ، ((ولهم أجران» خبره. قوله: ((رجلٌ)) هو بدل تفصيل، أو بدل كلٍّ بالنَّظَر إلى المجموع. قوله: ((من أهل الكتاب)) لفظ الكتاب عامّ ومعناه خاص، أي: المنَّل من عند الله، والمراد به التوراة والإنجيل كما تظاهَرَتْ به نصوص الكتاب والسُّنّة حيثُ يُطلَق أهل الكتاب، وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصّة إنْ قلنا: إنَّ النصرانيَّة ناسخة لليهوديّة، كذا قَرَّرَه جماعة، ولا يحتاج إلى اشتراط النَّسْخ، لأنَّ عيسى عليه الصلاة والسلام كان قد أُرسِلَ (١) زاد في (س): ((أبو حيان قال)). ٤٠٠ باب ٣١ / ح ٩٧ فتح الباري بشرح البخاري إلى بني إسرائيل بلا خلاف، فمَن أجابه منهم نُسِبَ إليه، ومَن كذَّبَه منهم واستمرَّ على يهوديَته لم يكن مؤمناً فلا يتناوله الخبر، لأنَّ شرطه أنْ يكون مؤمناً بنبِّه. نعم، مَن دخل في اليهوديَّة من غير بني إسرائيل، أو لم يكن بحَضْرة عيسى عليه السلام فلم تَبلُغه دعوته، يَصْدُق عليه أنه يهودي مؤمن، إذْ هو مؤمن بنبيّه موسى عليه السلام ولم يُكذِّب ١٩١/١ نبيّاً/ آخر بعده، فمَن أدرَكَ بِعْثة محمد ◌َ لَّ مَّن كان بهذه المثابة وآمَنَ به لا يُشكِل أنه يدخل في الخبر المذكور، ومن هذا القَبيل العرب الذين كانوا باليَمَنِ وغيرها ممَّن دخل منهم في اليهوديّة ولم تَبلُغهم دعوة عيسى عليه السلام، لكَوْنه أُرسِلَ إلى بني إسرائيل خاصّة. نعم، الإشكال في اليهود الذين كانوا بحَضْرة النبي وَلِّ، وقد ثبت أنَّ الآية الموافقة لهذا الحديث وهي قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوَّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] نزلت في طائفة آمنوا منهم كعبدِ الله بن سَلام وغيره، ففي الطبراني (٤٥٦٣) من حديث رِفاعة القُرَظي قال: نزلت هذه الآيات فيَّ وفيمَن آمَنَ معي. وروى الطبرانيُّ بإسنادٍ صحيح عن علي بن رِفاعة القُرَظي قال: خرج عشرة من أهل الكتاب - منهم أبي رِفاعةُ - إلى النبي ◌َِّ فآمنوا به فأُوذوا، فنزلت ﴿ الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] الآيات(١)، فهؤلاء من بني إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمرُّوا على اليهوديّة إلى أنْ آمنوا بمحمدٍ ﴾، وقد ثبت أنهم يُؤْتَوْنَ أجرهم مرتین. قال الطِّيبي: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذْ لا يَبِعُد أنْ يكون طَرَيان الإيمان بمحمدٍ رَله سبباً لقَبُول تلك الأديان وإنْ كانت منسوخة. انتهى، وسأذكُرُ ما يؤیِّده بعدُ. ويُمكِن أنْ يقال في حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنَّهم لم تبلُغهم دعوة عيسى عليه السلام، لأنها لم تَنتَشِر في أكثر البلاد، فاستمرُّوا على يهوديَّتهم مؤمنين بنبيِّهم موسى عليه السلام، إلى أنْ جاءَ الإسلام فآمنوا بمحمدٍ ◌َّهِ، فبهذا يرتفع الإشكال إن شاء الله تعالى. (١) حديث علي بن رفاعة ليس في المطبوع من ((معجم الطبراني الكبير))، وهو في ((تاريخ البخاري الكبير)) ٢٧٤/٦-٢٧٥، و((تفسير الطبري)) ٨٩/٢٠.