Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
باب ٣٦ / ح ٤٩
كتاب الإيمان
والأوَّلان ألْيَق بمراد المصنّف وأَولى بالمقصودِ من التحذير من فعل ذلك والزَّجْر عنه
بخلاف الثالث.
وقيل: أراد بقوله: ((كفر)) أي: قد يؤُولُ هذا الفعل بشُؤْمِه إلى الكفر، وهذا بعيد، وأبعَد منه ١١٣/١
حمله على المستَحِلّ لذلك لأنه لا يطابق الترجمة، ولو كان مراداً لم يَحَصُل التفريق بين السِّباب
والقتال، فإنَّ مُستحِلَّ لَعْن المسلم بغير تأويل يكفر أيضاً، ثمَّ ذلك محمول على مَن فعلَه بغير
تأويل، وقد بَوَّبَ عليه المصنِّ في كتاب المحاربين كما سيأتي إن شاء الله تعالى(١).
ومثل هذا الحديث قوله وَله: ((لا تَرجِعوا بعدي كُفّاراً يَضْرِب بعضكم رِقاب بعض»
ففيه هذه الأجوبة، وسيأتي في كتاب الفتن (٧٠٧٦)، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ
بِبَعْضِ الْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تَقْخُلُونَ أَنْفُسَكُمْ
وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٨٥]، فدلَّ على أنَّ بعض الأعمال يُطلَق
عليه الكفر تغليظاً. وأمَّا قوله ﴿ ﴿ فيما رواه مسلم (١٧٦/١١٠): ((لَعْن المؤمن كَقَتِلِه))(٢) فلا
يخالف هذا الحديث، لأنَّ المشبّه به فوق المشبّه، والقَدْر الذي اشتركا فيه بلوغ الغاية في
التأثير: هذا في العِرْض، وهذا في النفس، والله أعلم. وقد وَرَدَ لهذا المتن سبب ذكرته في
أوَّل كتاب الفتن في أواخر ((الصحيح)) (٧٠٧٦).
٤٩- أخبرنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن مُميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ،
قال: أخبرني عُبادةُ بنُ الصامت: أنَّ رسولَ الله وَلّهِ خَرَجَ يُخْبِرُ بليلةِ القَدْر، فتلاحَى رجلانٍ مِن
المسلمينَ فقال: ((إني خرجتُ لأُخبِرَكُم بليلةِ القَدْرِ، وإِنَّه تلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فُرُفِعَتْ، وعَسَى أَنْ
يكونَ خيراً لكم، التَمِسُوها في السَّبعِ والتسعِ والخمسٍ)).
[طرفاه في: ٢٠٢٣، ٦٠٤٩]
(١) لم نقف عليه حيث أشار الحافظ، وقد وقع للبخاري نحو ما قال الحافظ في كتاب الأدب: باب رقم
(٧٤): باب من لم ير إكفار مَن قال ذلك متأولاً أو جاهلاً. والله تعالى أعلم.
(٢) وهو عند البخاري أيضاً، وسيأتي برقم (٦١٠٥).

٢٤٢
باب ٣٦ / ح ٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن حُمَيدٍ)) هو الطَّويل ((عن أنس)) وللأَصِيلِيِّ: ((حدَّثَناه أنس بن مالك)) فأمنّا
تدليس حُميدٍ. وهو من رواية صحابي عن صحابي، أنس عن عُبادة بن الصامت.
قوله: ((خَرَجَ يُخْبِرِ بليلة القَدْر)) أي: بتعيينِ ليلة القَدْر.
قوله: ((فتلاحَى رجلان)) بفتح الحاء المهملة مُشتَق من التلاحِي بكسرها: وهو التنازع
والمخاصَمة، والرجلان أفاد ابن دِحْية أنهما عبد الله بن أبي حَدْرَد - بحاءٍ مفتوحة ودال
ساكنة مُهملتَين، ثمَّ راءٍ مفتوحة ودال مُهمَلة أيضاً - وكَعْب بن مالك.
وقوله: ((فُرُفِعَت)) أي: فُرُفِعَ تعيينها عن ذِكْري، هذا هو المعتمَدهنا. والسبب فيه ما أوضحَه
مسلم (٢١٧/١١٦٧) من حديث أبي سعيد في هذه القصّة قال: «فجاءَ رجلان تحتَقّان» بتشديد
القاف، أي: يَدَّعي كل منهما أنه المحِقِ ((معهما الشيطان، فَنَسِيتها)).
قال القاضي عياض: فيه دليل على أنَّ المخاصَمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة
المعنويَّة، أي: الحِرْمان. وفيه أنَّ المكان الذي يحضُره الشيطان تُرفَع منه البَرَكة والخير.
فإن قيل: كيف تكون المخاصَمة في طلب الحق مذمومة؟ قلت: إنَّما كانت كذلك
لوقوعِها في المسجد، وهو محل الذِّكْر لا اللَّغْو، ثمَّ في الوقت المخصوص أيضاً بالذِّكْر لا اللَّغْو
وهو شهر رمضان، فالذَّم لما عَرَضَ فيها لا لذاتها، ثمّ إنَّهَا مُستلزِمة لرفع الصوت، ورفعُه
بحَضْرة رسول الله وَ ل﴿ مَنْهِيُّ عنه لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، ومن هنا يَتَّضِح مناسبة هذا
الحديث للترجمة ومطابقتها له، وقد خَفيَتْ على كثير من المتكلِّمين على هذا الكتاب.
فإن قيل: قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ يقتضى المؤاخَذة بالعمل الذي لا قَصْد فيه. فالجواب:
أنَّ المراد: وأنتم لا تَشْعُرون بالإحباط لاعتقادكم صِغَر الذَّنْب، فقد يعلم المَرْء الذَّنْب ولكن
لا يعلم أنه كبيرة، كما قيل في قوله: ((إِنَّمَا لَيُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبير)) أي: عندهما، ثمَّ قال:
((وإنَّه الكبير))(١) أي: في نَفْس الأمر.
(١) سيأتي عند المصنف برقم (٢١٦).

٢٤٣
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي/ بأنَّ المؤاخذة تَحصُل بما لم يُقصَد في الثاني إذا قُصِدَ ١١٤/١
في الأوَّل، لأنَّ مُراعاة القصد إنَّما هو في الأوَّل ثمَّ يَستَرْسِل حُكْم النيّة الأولى على مُؤْتَنَف
العمل وإِنْ عَزَبَ القصد، خيراً كان أو شراً، والله أعلم.
قوله: ((وعَسَى أنْ يكون خيراً)) أي: وإنْ كان عدم الرفع أزيد خيراً وأَولى منه، لأنه
مُتحقِّق فيه، لكن في الرفع خير مرجوٌ لاستِلْزامه مزيد الثَّواب، لكَوْنه سبباً لزيادة الاجتهاد
في التماسها، وإنَّما حصل ذلك بَبَرَكة الرسول ◌َّهِ.
قوله: ((في السبع والتسع)) كذا في مُعظَم الروايات بتقديم السبع التي أوَّلها السِّين على
التسع، ففيه إشارة إلى أنَّ رجاءَها في السبع أقوى للاهتمام بتقديمه. ووقع عند أبي نُعيم في
(المستخرج)) بتقديم التسع على ترتيب التدلّ.
واختُلِفَ في المراد بالتسع وغيرها، فقيل: لتسعِ يمضين من العشر، وقيل: لتسعِ يَبْقَينَ
من الشهر، وسنذكر بسط هذا في محلّه حيثُ ذكره المصنّف في كتاب الاعتكاف (٢٠٢٣)
إن شاء الله تعالى.
٣٧- باب سؤال جبريلَ النبيَّ ◌َّهِ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعِلْم الساعة
وبيانِ النبي ◌َّ له، ثمَّ قال: ((جاءَ جبريلُ عليه السلام يُعلِّمكم دِينَكم))
فجعل ذلك کلَّه دیناً، وما بيَّن النبيُّ ◌َآل﴾ لوفْد عبد القيس من الإيمان
وقولِ الله: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيّرَ الْإِسْلَِمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: ٨٥].
٥٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا أبو حَيّانَ التَّيْميُّ، عن أبي
زُرْعَةَ، عن أبي هُرَيرةَ قال: كان النبيُّ وَلَ بارزاً يوماً للناس فأتاه جِبْرِيلُ، فقال: ما الإيمانُ؟
قال: ((الإيمانُ أنْ تُؤْمِنَ بالله، ومَلائكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وبلِقَائِهِ، ورُسُلِهِ، وتُؤْمِنَ بالبَعْثِ)) قال: ما
الإسلامُ؟ قال: ((الإسلامُ أنْ تَعبُدَ الله ولا تُشِرِكَ به، وتُقِيمَ الصلاةَ، وتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المفروضةَ،
وتَصُومَ رمضانَ)) قال: ما الإحسانُ؟ قال: ((أنْ تَعبُدَ الله كأَنَّكَ تراه، فإنْ لم تكنْ تراه فإنَّه يَراكَ»
قال: متى السّاعةُ؟ قال: ((ما المسؤولُ عنها بأعلَمَ مِن السّائلِ، وسأُخبِرُكَ عن أشراطِها: إذا

٢٤٤
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
وَلَدَتِ الأَمَّةُ ربَّها، وإذا تَطاوَلَ رُعاةُ الإبل البُهْم في البُنْيان، في خمسٍ لا يعلمُهُنَّ إلا الله)) ثمَّ تلا
النبيُّ وَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ, عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآيةَ [لقمان:٣٤]، ثمَّ أدبَرَ فقال: ((رُدُّوه)) فلم يَرَوْا
شيئاً، فقال: ((هذا جِبْرِيلُ جاءَ يُعلِّمُ الناسَ دِينَهُم)).
قال أبو عبد الله: جعل ذلك كُلَّه مِن الإيمان.
[طرفه في: ٤٧٧٧]
قوله: ((باب سؤال جِبْريل عن الإيمان والإسلام ... )) إلى آخره، تقدَّم أنَّ المصنّف يرى أنَّ
الإيمان والإسلام عبارة عن معنّى واحد، فلمَّا كان ظاهر سؤال جِبْريل عن الإيمان
والإسلام وجوابه يقتضي تَغايُرَهما، وأنَّ الإيمان تصديق بأمورٍ مخصوصة، والإسلام إظهار
أعمال مخصوصة، أراد أن یردّذلك بالتأويل إلى طريقته.
قوله: ((وبيان)) أي: مع بيان أنَّ الاعتقاد والعمل دينٌ.
وقوله: ((وما بَيَّنَ)) أي: مع ما بيَّن للوَفْدِ أنَّ الإيمان هو الإسلام حيثُ فسَّرَه في قِصَّتهم
بما فسَّرَ به الإسلام هنا.
وقوله: ((وقول الله)) أي: مع ما دلَّتْ عليه الآية أنَّ الإسلام هو الدِّين، ودلَّ عليه خبر
أبي سفيان أنَّ الإيمان هو الدّين، فاقتضى ذلك أنَّ الإسلام والإيمان أمر واحد. هذا مُحُصَّل
کلامه.
١١٥/١
وقد نقل أبو عَوَانة الإسفراييني في «صحيحه)) (٥٣/١-٥٤) عن المُزَني صاحب
الشافعي الجَزْم بأنهما عبارة عن معنى واحد، وأنه سمع ذلك منه، وعن الإمام أحمد الجَزْم
بتَغايُرِهما، ولكُلٌّ من القولينِ أدلَّة متعارضة.
وقال الخطَّبيُّ: صَنَّفَ في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلّة للقولين، وتَباينا في
ذلك، والحق أنَّ بينهما عموماً وخصوصاً، فكل مؤمنٍ مسلمٌ، وليس كل مسلمٍ مؤمناً.
انتھی کلامه مُلَّصاً.
ومقتضاه أنَّ الإسلام لا يُطلَق على الاعتقاد والعمل معاً، بخلاف الإيمان فإنَّه يُطلَق

٢٤٥
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
عليهما معاً، ويَرِدُ عليه قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإنَّ الإسلام
هنا يتناول العمل والاعتقاد معاً، لأنَّ العامل غيرَ المعتقِد ليس بذي دينٍ مَرْضي.
وبهذا استدلَّ المُزني وأبو محمد البغويُّ فقال في الكلام علی حدیث چِبریل هذا: جعل
النبيُّ ◌َّ الإسلام هنا اسماً لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسماً لما بَطَنَ من الاعتقاد،
وليس ذاكَ لأنَّ الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأنَّ التصديق ليس من الإسلام، بل ذاكَ
تفصيل لجملةٍ كلّها شيء واحد وجماعها الدّين، ولهذا قال وَلّر: ((أتاكم يُعلِّمكم دينكم))
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ وقال: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَلِمِ دِينًا
فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولا يكون الدّين في محل الرِّضا والقَبُول إلَّا بانضمام
التصدیق. انتھی کلامه.
والذي يَظْهر من مجموع الأدلَّة أنَّ لكلٌّ منهما حقيقة شرعيَّة، كما أنَّ لكلٍّ منهما حقيقة
لُغَوَّة، لكن كل منهما مُستلزِم للآخرِ بمعنى التكميل له، فكما أنَّ العامل لا يكون مسلماً
كاملاً إلَّا إذا اعتَقَد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمناً كاملاً إلَّا إذا عَمِل، وحيثُ يُطلَق
الإيمان في موضع الإسلام أو العكس، أو يُطلَق أحدهما على إرادتهما معاً، فهو على سبيل
المجاز، ويتبيَّن المراد بالسِّياق، فإنْ وَرَدا معاً في مقام السؤال ◌ُملا على الحقيقة، وإنْ لم يَرِدا
معاً أو لم يكن في مقام سؤال، أمكنَ الحمل على الحقيقة أو المجاز بحَسَبٍ ما يَظْهر من
القرائن.
وقد حكى ذلك الإسماعيلي عن أهل السُّنّة والجماعة قالوا: إنَّهما تختلف دلالتهما
بالاقتران، فإنْ أُفرِدَ أحدهما دخل الآخرُ فيه. وعلى ذلك يُحمَل ما حكاه محمد بن نصر
وتَبِعَه ابن عبد البَرِّ عن الأكثر أنهم سَوَّوْا بينهما على ما في حديث وفد عبد القيس(١)، وما
حكاه اللالكائي وابن السَّمْعاني عن أهل السُّنّ أنهم فرَّقوا بينهما على ما في حديث جبريل،
والله الموفِّق.
(١) سيأتي برقم (٥٣).

٢٤٦
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وعِلْم السّاعة)) تفسير منه للمراد بقول جِبْريل في السؤال: متى الساعة؟ أي:
متى عِلْم الساعة؟ ولا بُدَّمن تقدير محذوف آخر، أي: متى عِلْم وقت الساعة؟
قوله: (وبيانِ النبي (وَّ)) هو مجرور، لأنه معطوف على ((عِلْم)) المعطوف على ((سؤال))
المجرور بالإضافة.
فإن قيل: لم يُبَيِّ النبي وَ له وقت الساعة، فكيف قال: وبيان النبي ◌َّ له؟ فالجواب:
أنَّ المراد بالبيان بيان أكثر المسؤول عنه فأطلقه، لأنَّ حُكْم مُعظَم الشيء حُكْم كلّه، أو
جعل الحُكْم في عِلْم الساعة بأنه لا يعلمه إلَّ الله بياناً له.
قوله: ((حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم)) هو البصري المعروف بابن عُلَيَّة، قال: أخبرنا أبو
حَيّان التَّيْمَيّ. وأورده المصنّف في تفسير سورة لُقْمان (٤٧٧٧) من حديث جَرِير بن عبد
الحميد عن أبي حَيّان المذكور، ورواه مسلم (١٠) من وجه آخر عن جَرِير أيضاً عن عُمارة
ابن القَعْقاع، ورواه أبو داود (٤٦٩٨) والنَّسائيُّ (٤٩٩١) من حديث جَرِير أيضاً عن أبي
فَرْوة، ثلاثتهم عن أبي زُرْعة، عن أبي هريرة. زاد أبو فَرْوة: وعن أبي ذرِّ أيضاً، وساق
حديثه عنهما جميعاً. وفيه فوائد زوائد سنشيرُ إليها إن شاء الله تعالى.
ولم أرَ هذا الحديث من رواية أبي هريرة إلَّا عن أبي زُرْعة بن عَمْرو بن جَرِير هذا عنه،
ولم يُخُرِّجه البخاري إلّا من طريق أبي حَيّان عنه.
وقد أخرجه مسلم (٨) من حديث عمر بن الخطّاب، وفي سياقه فوائد زوائد أيضاً.
وإنَّما لم يُخُرِّجه البخاري لاختلافٍ فيه على بعض رواته، فمشهوره رواية كَهْمَسٍ - بسينٍ
مُهمَلة قبلها ميم مفتوحة - بن الحسن، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن يحيى بن يَعمَر - بفتح
الميم أوَّله ياء تحتانيَّة مفتوحة - عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطّاب، رواه عن
١١٦/١ كَهْمَس جماعة/ من الحُفَّاظ، وتابعه مَطَر الورّاق عن عبد الله بن بُرَیدة، وتابعه سلیمان
التَّيْمِيُّ عن يحيى بن يَعمَر، وكذا رواه عثمان بن غياث عن عبد الله بن بُرَيدة لكنَّه قال: عن
يحيى بن يَعمَر وحُمَيد بن عبد الرحمن معاً عن ابن عمر، عن عمر، زاد فيه حُيداً، وحُمَيدٌ

٢٤٧
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
له في الرواية المشهورة ذِكْر لا رواية. وأخرج مسلم (١/٨ و٢ ٣ و٤) هذه الطرق ولم يَسُقْ
منها إلَّا متن الطريق الأولى وأحالَ الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير سنشيرُ إلى بعضه.
فأمَّا رواية مَطَر فأخرجها أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٦٤٧٠) وغيره، وأمَّا رواية سليمان
التَّيْميِّ فأخرجها ابن خُزَيمة في ((صحيحه)) (١) وغيره، وأمَّا رواية عثمان بن غياث
فأخرجها أحمد في ((مسنده)) (١٨٤). وقد خالفهم سليمان بن بُرَيدة أخو عبد الله، فرواه
عن يحيى بن يَعمَر عن عبد الله بن عمر قال: بينما نحنُ عند النبي وَلَّ، فجعله من مسند ابن
عمر لا من روايته عن أبيه، أخرجه أحمد أيضاً (٣٧٤). وكذا رواه أبو نُعيم في ((الحِلْية))
(٢٠٧/٥-٢٠٨) من طريق عطاء الخُراساني، عن يحيى بن يَعمَر. وكذا رُوِيَ من طريق
عطاء بن أبي رَبَاح عن عبد الله بن عمر أخرجه الطبرانيُّ (١٣٥٨١)(١).
وفي الباب عن أنس أخرجه البزَّار (٦٩٥١) والبخاري في ((خَلْق أفعال العباد)) (١٩١)
وإسناده حسن(٢)، وعن جرير البجلي أخرجه أبو عَوَانة في «صحيحه» وفي إسناده خالد بن
يزيد - وهو العمري - ولا يَصلُح للصحيح، وعن ابن عبّاس وأبي عامر الأشعَري
أخرجهما أحمد وإسنادهما حسن(٣). وفي كلٍّ من هذه الطرق فوائد سنذكرها إن شاء الله
تعالى في أثناء الكلام على حديث الباب. وإنَّما جمعت طرقها هنا وعَزَوْتها إلى مُرِّجيها
لتَسهُلَ الحَوَالة عليها فِراراً من التكرار المباين لطريق الاختصار. والله الموفّق.
قوله: ((كان النبي ◌َّ بارزاً يوماً للناس)) أي: ظاهراً لهم غير مُتجب عنهم ولا مُلتَبِس
بغيره، والبُروز: الظّهور. وقد وقع في رواية أبي فَرْوة التي أشرنا إليها بيان ذلك، فإنَّ أوَّله:
كان رسول الله وَيّ يَجلِس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يَدْري أيّهم هو، فطلبْنا إليه أنْ
(١) وكذا أخرجه أحمد برقم (٥٨٥٦) من طريق علي بن زيد بن جدعان، وإسناده ضعيف، وبرقم (٥٨٥٧)
من طريق إسحاق بن سويد، وإسناده صحيح، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨٥٢) من طريق الرُّكين بن
الربيع، وإسناده ضعيف، ثلاثتهم عن یحیی بن یعمر عن ابن عمر نفسه.
(٢) كذا قال، وفي إسناده الضحاك بن نبراس، قال فيه هو في ((التقريب)): لين الحديث.
(٣) الأول برقم (٢٩٢٤)، والثاني برقم (١٧١٦٧)، وفي كلا الإسنادين شهر بن حوشب، وهو سيئ الحفظ
كثير الوهم.

٢٤٨
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
نَجْعَل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبَنَيْنا له دُكّاناً من طين كان يَجلِس عليه،
انتھی.
واستَنْبَطَ منه القُرْطبي استحباب جلوس العالم بمكانٍ يختصُّ به ويكون مرتفعاً إذا
احتاجَ لذلك لضرورة تعلیم ونحوه.
قوله: ((فأتاه رجل)) أي: مَلَك في صورة رجل، وفي التفسير للمصنّف (٤٧٧٧): إِذْ أتاه
رجل يمشي، ولأبي فَرْوة: فإنّا لَجلوسٌ عنده إذْ أقبَلَ رجل أحسنُ الناس وجهاً، وأطيَب
الناس ريحاً، كأنَّ ثيابه لم يَمَسّها دَنَس. ولمسلم (٨) من طريق كَهْمَس في حديث عمر: بينما
نحنُ ذات يوم عند رسول الله ﴿ إِذْ طَلَعَ علینا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد
الشَّعر. وفي رواية ابن حِبَّان (١٦٨): سواد اللُّحْية، لا يُرَى عليه أثر السَّفَر ولا يعرفه منّا
أحد، حتَّى جَلَسَ إلى النبي ◌َّهِ فَأسنَدَ رُكْبَه إلى رُكْبتَه ووضَعَ كَفَّيْه على فَخِذَيْه. وفي
رواية لسليمان التَّْمِيِّ (١): ليس عليه سَخْناء السَّفَر، وليس من البلد، فتَخطَّى حتَّى بَرَكَ بين
يَدَي النبي ◌َِّ كما يَجلِس أحدنا في الصلاة، ثمَّ وَضَعَ يده على رُكْبَتَ النبيِ ﴿. وكذا في
حديث ابن عبّاس وأبي عامر الأشعَري: ثمَّ وَضَعَ يدَه على رُكْبَتَي النبي ◌ِّر. فأفادت هذه
الرواية أنَّ الضمير في قوله: ((على فخذيه)) يعود على النبي ◌ِّ، وبه جزم البَغَويُّ وإسماعيل
التَّْمِيُّ لهذه الرواية، ورَجَّحَه الطِّيبي بحثاً لأنه نَسَقُ الكلام خلافاً لما جزم به النَّووي،
ووافقه التُّورِبِشْتيُّ لأنه حمله على أنه جَلَسَ كهَيْئة المتعلِّم بين يَدَيْ مَن يتعلَّم منه، وهذا وإنْ
كان ظاهراً من السِّياق لكن وضعه يديه على فَخِذ النبيِ وَّهِ صنيع مُنَبِّه للإصغاءِ إلیه، وفيه
إشارة لما ينبغي للمسؤول من التواضُع والصَّفْح عمَّا يبدو من جَفاء السائل. والظاهر أنه
أراد بذلك المبالَغة في تعمية أمره ليُقوِّيَ الظَّن بأنه من جُفاة الأعراب، ولهذا تَخْطَّى الناس
حتَّى انتهى إلى النبيِ وَلِّ كما تقدَّم. ولهذا استغربَ الصحابة صنيعه، ولأنه ليس من أهل
البلد وجاءَ ماشياً ليس عليه أثر سَفَر.
(١) رواية سليمان التيمي أخرجها مسلم (٨) (٤)، وابن خزيمة (١) و(٣٠٦٥)، وابن حبان (١٧٣)، وابن
منده في ((الإيمان)) (١١-١٤)، وبعضهم يختصره، واللفظ المذكور هو لابن منده (١٣).

٢٤٩
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
فإن قيل: كيف عَرَفَ عمر أنه لم يعرفه أحد منهم؟ أُجيب: بأنه يحتمل أنْ يكون استَنَدَ
في ذلك إلى ظنِّه، أو إلى صریح قول الحاضرين.
قلت: وهذا الثاني أَولى، فقد جاءَ كذلك في رواية/ عثمان بن غياث(١) فإنَّ فيها: فنظر ١١٧/١
القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نَعْرِف هذا. وأفاد مسلم (١٠) في رواية عمارة بن
القَعْقاع سبب وُرود هذا الحديث، فعنده في أوَّله: ((قال رسول الله وَّهِ: سَلُوني، فهابوا أنْ
يسألوه، قال: فجاءَ رجل))، ووقع في رواية ابن مَندَهْ (٧) من طريق يزيد بن زُرَيع عن
كَهْمَس: ((بينا رسول الله وَ لَ يَخْطُب إذْ جاءَه رجل)) فكأنَّ أمره لهم بسؤاله وقع في خُطْبَته،
وظاهره أنَّ مجيء الرجل کان في حال الخطبة، فإمّا أنْ يكون وافق انقضاءها، أو كان ذكر
ذلك القَدْر جالساً وعَبَّر عنه الراوي بالخُطْبة.
قوله: ((فقال)) زاد المصنّف في التفسير (٤٧٧٧): يا رسول الله، ما الإيمان؟
فإن قيل: فكيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟ أُجيبَ بأنه يحتمل أنْ يكون ذلك مُبالَغة في
التعمية لأمره، أو ليُبيِّنَ أنَّ ذلك غير واجب، أو سَلَّمَ فلم يَنقُله الراوي.
قلت: وهذا الثالث هو المعتمَد، فقد ثبت في رواية أبي فَرْوة(٢)، ففيها بعد قوله: ((كأنَّ
ثيابه لم يَمَسّها دَنَس)): ((حتَّى سَلَّمَ من طرف البِساط فقال: السلام عليك يا محمد، فرَدَّ عليه
السلام، قال: أدنو يا محمد؟ قال: ادْنُ. فما زالَ يقول: أدنو، مِراراً ويقول له: ادْنُ)). ونحوه
في رواية عطاء عن ابن عمر(٣)، لكن قال: السلام عليك يا رسول الله. وفي رواية مَطَر
الوراق (٤): ((فقال: يا رسول الله، أدنو منك؟ قال: ادْنُ» ولم يَذكُر السلام.
(١) رواية عثمان بن غياث عند أحمد (١٨٤)، ومسلم (٨) (٣)، وأبي داود (٤٦٩٦)، وابن منده في
((الإيمان)) (٩).
(٢) رواية أبي فروة عند النسائي (٤٩٩١)، وهي عند أبي داود (٤٦٩٨) مختصرة.
(٣) عند الطبراني في ((الكبير)) (١٣٥٨١).
(٤) رواية مطر الوراق عند أبي عوانة (٦٤٧٠)، وابن منده (١٠). وأخرجها البخاري في ((خلق أفعال العباد)»
(١٩٠) مختصرة، وأخرجها مسلم (٨) (٢) لكنه لم يسق لفظها.

٢٥٠
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
فاختلفَت الروايات، هل قال له: يا محمد، أو: يا رسول الله؟ هل سَلَّمَ أو لا؟ فأمَّا
السلام فمَن ذكره مُقدّم على مَن سَکَتَ عنه.
وقال القُرْطبي بناءً على أنه لم يُسلِّم وقال: ((يا محمد)): إنَّه أراد بذلك التعميةَ فصنع
صنيع الأعراب.
قلت: ويُجمع بين الروايتين بأنه بدأ أوّلاً بنِدائه باسمِه لهذا المعنى، ثمَّ خاطبَه بقوله: يا
رسول الله. ووقع عند القُرْطبي أنه قال: السلام عليكم يا محمد، فاستَنْبَطَ منه أنه يُستَحب
للدّاخل أنْ يُعمِّم بالسلام ثمَّ يُخْصِّص مَن يريد تخصيصه. انتهى، والذي وقفت عليه من
الروايات إنَّما فيه الإفراد وهو قوله: السلام عليك يا محمد.
قوله: ((ما الإيمان؟)) قيل: قَدَّمَ السؤال عن الإيمان لأنه الأصل، وثَّى بالإسلام لأنه
يُظهِر مِصْداق الدَّعْوى، وثَلَّثَ بالإحسان لأنه مُتعلِّق بهما. وفي رواية عمارة بن القَعْقاعِ(١)
بدأ بالإسلام لأنه بالأمر الظاهر، وثنَّى بالإيمان لأنه بالأمر الباطن. ورَجَّحَ هذا الطِّيبي لما
فيه من الترَقّي. ولا شكَّ أنَّ القِصَّة واحدة اختلفَ الرُّواة في تأديتها، وليس في السِّياق
ترتيب، ويدل عليه رواية مَطَر الوراق فإنَّه بدأ بالإسلام وثنَّى بالإحسان وثَلَّثَ بالإيمان،
فالحق أنَّ الواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرُّواة، والله أعلم.
قوله: ((قال: الإيمان أنْ تُؤْمن بالله ... )) إلى آخره، دلَّ الجواب على أنه عَلِمَ أنه سأله عن
مُتعلَّقاته لا عن معنى لفظه، وإلّا لكان الجواب: الإيمان التصديق.
وقال الطِّيبي: هذا يوهم التكرار، وليس كذلك، فإنَّ قوله: ((أنْ تُؤْمن بالله)) مُضمَّن
معنى أنْ تَعتِرِف به، ولهذا عَدّاه بالباء، أي: أنْ تُصدِّق مُعترِفاً بكذا. قلت: والتصديق أيضاً
يُعَذَّى بالباءِ فلا يحتاج إلى دعوى التضمين.
وقال الكِرْمانيُّ: ليس هو تعريفاً للشيءٍ بنَفْسِه، بل المراد من المحدود الإيمانُ الشرعي،
ومن الحد الإيمانُ اللُّغَوي. قلت: والذي يَظْهر أنه إنَّما أعاد لفظ الإيمان للاعتناءِ بشأنه
(١) عند مسلم (١٠)، وابن منده (١٦).

٢٥١
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
تفخيراً لأمره، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب
﴿مَن يُحِي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾، يعني أنَّ قوله: ((أنْ تُؤْمن)) يَنحَلُّ منه الإيمان فكأنه قال:
الإيمان الشرعي تصديق مخصوص، وإلَّا لكان الجواب: الإيمان: التصديق، والإيمان بالله
هو التصديق بوجودِه وأنه مُتَّصِف بصفات الكمال مُنزَّه عن صفات النقص.
قوله: ((وملائكته)) الإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودِهم وأنهم كما وَصَفَهم الله
تعالى: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقَدَّمَ الملائكة على الكتب والرُّسُل نظراً للترتيب
الواقع، لأنه سبحانه وتعالى أرسَلَ الملَك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه مُتمسّك لمن
فضَّلَ الملَك على الرسول.
قوله: ((وكتبِه)) هذه عند الأَصِيلي هنا، واتَّفقَ الزُّواة على ذِكْرها في التفسير (٤٧٧٧)،
والإيمان بكتب الله التصديق بأنها كلام الله وأنَّ ما تَضمَّنَتْه حق.
قوله: ((وبلقائه)) كذا وقعت هنا بين الكتب والرُّسُل، وكذا لمسلم من الطريقين (٩ و١٠)، ولم ١١٨/١
تقع في بقيَّة الروايات، وقد قيل: إنَّها مُكرَّرة، لأنها داخلة في الإيمان بالبَعْث، والحق أنها غير
مُكرَّرة، فقيل: المراد بالبَعْثِ القيام من القُبور، والمراد باللّقاء: ما بعد ذلك، وقيل: اللِّقاء يَحِصُل
بالانتقال من دار الدنيا، والبَعْث بعد ذلك. ويدل على هذا رواية مَطَر الورّاق فإنَّ فيها: ((وبالموت
وبالبَعْثِ بعد الموت))، وكذا في حديثي أنس وابن عبّاس(١).
وقيل: المراد باللِّقاءِ رُؤْية الله تعالى، ذكره الخطَّبيُّ. وتعقَّبِهِ النَّووي بأنَّ أحداً لا يَقْطَعِ لنَفْسِه
بُرُؤْية الله، فإنَّهَا مُتَصّة بمَن مات مؤمناً، والمَرْء لا يَدْري بمَ يُخْتَم له، فکیف یکون ذلك من
شُروط الإيمان؟ وأُجيبَ بأنَّ المراد الإيمان بأنَّ ذلك حق في نَفْس الأمر، وهذا من الأدلَّة القويّة
الأهلِ السُّنّة في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة إذْ جُعِلَتْ من قواعد الإيمان.
قوله: ((ورُسُلِه)) وللأَصِيلِيِّ: ((وبُرُسُلِه))، ووقع في حديث أنس وابن عبَّاس: ((والملائكة
والكتاب والنبيِّينَ))، وكل من السِّياقَينِ في القرآن في ((البقرة))، والتعبير بالنبيِّين يشمل الرُّسُل
(١) سلف تخريجهما قريباً ص ٢٤٧.

٢٥٢
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
من غير عكس، والإيمان بالرُّسُل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله.
ودلَّ الإجمال في الملائكة والكتب والرُّسُل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير
تفصيل، إلَّا مَن ثبت تسميتُه فيجب الإيمان به على التعيين. وهذا الترتيب مطابق للآية:
﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ومناسبة الترتيب المذكور وإنْ كانت
الواو لا تُرتِّب، بل المراد من التقديم أنَّ الخير والرَّحْمة من الله، ومن أعظم رحمته أنْ أنزل
كتبه إلى عباده، والمتلقِّ لذلك منهم الأنبياء، والواسطة بين الله وبينهم الملائكة.
قوله ((وتُؤْمن بالبَعْثِ)) زاد في التفسير (٤٧٧٧): ((الآخر))، ولمسلم في حديث عمر (٨):
((واليوم الآخر))، فأمَّا البَعْث الآخر فقيل: ذُكر الآخِر تأكيداً كقولهم: أمسِ الذّاهبُ، وقيل:
لأنَّ البَعْث وقع مرتين: الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بُطون الأُمَّهات بعد
النُّطْفة والعَلَقة إلى الحياة الدنيا، والثانية: البَعْث من بُطون القُبور إلى محل الاستقرار. وأمّا
اليوم الآخر فقيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد بالإيمان به
التصديق بما يقع فيه من الحِساب والميزان والجنَّة والنار. وقد وقع التصريح بذِكْر الأربعة
هذه بعد ذِكْر البعث في رواية سليمان التَّيْميِّ وفي حديث ابن عبَّاس أيضاً(١).
فائدة: زاد الإسماعيلي في ((مُستخرَجه)) هنا: ((وتُؤْمن بالقَدَر))، وهي في رواية أبي فَرْوة
أيضاً(٢)، وكذا لمسلم (١٠) من رواية عُمارة بن القَعْقاع، وأكَّدَه بقوله: ((كلّه))، وفي رواية
كَهْمَس(٣) وسليمان التَّيْميِّ: ((وتُؤْمن بالقَدَرِ خيره وشَرِّه)) وكذا في حديث ابن عبّاس، وهو
في رواية عطاء عن ابن عمر (٤) بزيادة: ((وحُلْوه ومُّه من الله))، وكأنَّ الِحِكْمة في إعادة لفظ
((وتُؤْمن)) عند ذِكْر البعث الإشارة إلى أنه نوع آخر ممّا يُؤْمَن به، لأنَّ البعث سيُوجَدُ بعدُ،
وما ذُكِرَ قبله موجود الآن، وللتّنْويه بذِكْره لكثرة مَن كان يُنكِرِه من الكُفّار، ولهذا كَثُرَ
(١) سلف تخريجه ص ٢٤٧.
(٢) سلف تخريجها ص٢٤٦.
(٣) عند مسلم (٨) وغيره، ورواية سلیمان سلفت ص ٢٤٨.
(٤) عند الطبراني (١٣٥٨١).

٢٥٣
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
تَكْراره في القرآن، وهكذا الحِكْمة في إعادة لفظ ((وتُؤْمن)) عند ذِكْرِ القَدَر، كأنها إشارة إلى
ما يقع فيه من الاختلاف، فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة ((تُؤْمن))، ثمَّ قَرَّرَه بالإبدال بقوله:
((خيرِه وشَرّه، وحُلْوِهِ ومُرّه)) ثمَّ زاده تأكيداً بقوله في الرواية الأخيرة(١): ((من الله)).
والقَدَر مصدر، تقول: قَدَرْت الشيءَ، بتخفيف الدَّال وفتحها، أقدِرُه بالكسر والفتح،
قَدْراً وقَدَراً: إذا أحَطْتَ بمِقْداره. والمراد أنَّ الله تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء وأزمانها قبل
إيجادها، ثمَّ أوجَدَ ما سبقَ في عِلْمِه أنه يُوجَد، فكل مُحدَث صادر عن عِلْمِه وقُدْرَته
وإرادته، هذا هو المعلوم من الدّين بالبراهينِ القَطْعَّة، وعليه كان السَّلَف من الصحابة
وخيار التابعين، إلى أنْ حَدَثَتْ بِدْعة القَدَر في أواخر زمن الصحابة، وقد روى مسلم (٨)
القِصَّة في ذلك من طريق كَهْمَس عن ابن بُرَيدة عن يحيى بن يَعمَر قال: ((كان أوَّلَ مَن قال
في القَدَر بالبصرة مَعْبَد الْجُهَني، قال: فانطَلَقْت/ أنا وحُمَيدٌ الحِمْيري))، فذكر اجتماعهما ١١٩/١
بعبدِ الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلك فأخبره بأنه بريء ممَّن يقول ذلك، وأنَّ الله لا يَقْبَل
ثَمَّن لم يؤمن بالقَدَرِ عملاً.
وقد حكى المصنِّقون في المقالات عن طوائفَ من القَدَريَّة إنكار كَوْن البارئ عالماً
بشيءٍ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنّما يعلمها بعد گَوْنها.
قال القُرْطبي وغيره: قد انقَرَضَ هذا المذهب، ولا نَعْرِف أحداً يُنسَب إليه من المتأخّرين.
قال: والقَدَريَّة اليوم مُطبِقون على أنَّ الله عالم بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنَّما خالَفوا السَّلَف
في زعمهم بأنَّ أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وهو مع گَوْنه
مذهباً باطلاً أخَف من المذهب الأوَّل. وأمَّا المتأخّرون منهم فأنكروا تَعلَّق الإرادة بأفعال
العباد فِراراً من تَعلُّق القديم بالمحْدَث، وهم مخصومون بما قال الشافعي: إنْ سَلَّمَ القَدَري
العلمَ خُصِم. يعني يقال له: أيجوز أنْ يقع في الوجود خلاف ما تضمَّنه العلم؟ فإنْ مَنَعَ، وافق
قولَ أهل السُّنّة، وإِنْ أجازَ، لَزِمَه نسبة الجَهْل، تعالى الله عن ذلك.
(١) يعني رواية الطبراني.

٢٥٤
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
تنبيه: ظاهر السِّياق يقتضي أنَّ الإيمان لا يُطلَق إلَّا على مَن صَدَّقَ بجميع ما ذُكِر، وقد
اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على مَن آمَنَ بالله ورسوله، ولا اختلاف، لأنَّ الإيمان
برسول الله المرادُ به الإيمان بوجودِه وبما جاءَ به عن ربّه، فيدخل جميع ما ذُكِرَ تحت ذلك،
والله أعلم.
قوله: ((أنْ تَعبُّد الله)) قال النَّووي: يحتمل أنْ يكون المراد بالعبادة: معرفة الله، فيكون
عَطْف ((الصلاة)) وغيرها عليها لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أنْ يكون المراد بالعبادة:
الطاعة مُطلَقاً، فيدخل فيه جميع الوظائف، فعلى هذا يكون عَطْف ((الصلاة)) وغيرها عليها
من عَطْف الخاص على العام.
قلت: أمَّا الاحتمال الأوَّل فبعيد، لأنَّ المعرفة من مُتعلَّقات الإيمان، وأمَّا الإسلام فهو
أعمال قوليَّة وبَدنيَّة، وقد عَبَّر في حديث عمر (١) هنا بقوله: ((أنْ تَشْهَد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ
محمداً رسول الله)) فدلَّ على أنَّ المراد بالعبادة في حديث الباب: النُّطْقَ بالشَّهادتَين، وبهذا
تَبيَّن دَفْع الاحتمال الثاني. ولمَّا عَبَّر الراوي بالعبادة احتاجَ أنْ يُوضحها بقوله: ((ولا تُشِرِك
به شيئاً»، ولم يَحتَجْ إليها في رواية عمر لاستِلْزامها ذلك.
فإن قيل: السؤال عامٌّ لأنه سأل عن ماهيَّة الإسلام، والجواب خاص لقوله: ((أنْ تَعبُد))
أو (تَشْهَد))، وكذا قال في الإيمان: ((أنْ تُؤْمن))، وفي الإحسان: ((أنْ تَعبُد)). والجواب: أنَّ
ذلك لنُكْتَة الفَرْق بين المصدر وبين ((أنْ)) والفعل، لأنَّ ((أنْ تَفْعَل)) تدل على الاستقبال،
والمصدر لا يدل على زمان. على أنَّ بعض الرُّواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان
ابن غياث قال: ((شهادة أن لا إله إلا الله)) وكذا في حديث أنس(٢)، وليس المراد بمُخاطَتِه
بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحُكْم في حقّهم وحق مَن أشبَهَهم من
المکلّفین، وقد تَبَّن ذلك بقوله في آخره: «ُعلِّم الناس دينهم».
فإنْ قيل: لِمَ لم يَذكُر الحجّ؟ أجاب بعضهم باحتمال أنه لم يكن فُرِض، وهو مردود بما
(١) عند مسلم (٨).
(٢) رواية حديث عثمان وحديث أنس سلف تخريجهما ص ٢٤٧.

٢٥٥
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
رواه ابن مَندَهْ في كتاب ((الإيمان)) (١٢،١١) بإسناده الذي على شرط مسلم من طريق
سليمان التَّيْميِّ في حديث عمر أوَّله: ((أنَّ رجلاً في آخر عُمر النبي ◌َّ- جاءَ إلى رسول الله
وَلّ)) فَذَكَر الحديث بطوله، وآخر عُمره يحتمل أنْ يكون بعد حَجّة الوداع فإنَّها آخر
سَفَراته، ثمَّ بعد قُدومه بقليل دون ثلاثة أشهُر مات، وكأنه إنَّما جاءَ بعد إنزال جميع
الأحكام لتقريرِ أُمور الدّين - التي بَلَّغَها مُتَفرِّقة - في مجلس واحد، لتَنْضَبِطِ.
ويُستَبَط منه جواز سؤال العالم ما لا تَجِهَله السائل ليعلمه السامع.
وأمَّا الحج فقد ذُكِر، لكن بعض الرُّواة إمَّا ذَهَلَ عنه وإمَّا نَسيَه، والدليل على ذلك
اختلافهم في ذِكْر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كَهْمَس: ((وتحجُّ البيت إنِ استَطَعتَ
إليه سبيلاً) وكذا في حديث أنس، وفي رواية عطاء اتُراساني لم یذكُر الصوم، وفي حديث أبي
عامر ذكر الصلاة والَّكاة حَسْب، ولم يَذْكُر في حديث ابن عبّاس مزيداً على الشَّهادتَين، وذكر
سليمان التَّيْميُّ في روايته الجميع، وزاد بعد/ قوله: ((وتحج)): ((وتَعتَمِر وتَغتسل من الجنابة ١٢٠/١
وتُتْمِّم الوضوء))، وقال مَطَر الوراق في روايته: ((وتُقيم الصلاة وتُؤْتِي الَّكاة)) قال: فذكر عُرَى
الإسلام. فَتَبيَّن ما قلناه: إنَّ بعض الرُّواة ضَبَطَ ما لم يَضْبِطه غيره
قوله: ((وتُقيم الصلاة)) زاد مسلم (٩): ((المكتوبة)) أي: المفروضة. وإنَّما عَبَّر بالمكتوبة
للتَّفْنُّنِ في العبارة، فإنَّه عَبَّر في الزّكاة بالمفروضة، ولاتِّباع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا قَوْقُوتًا ﴾ [النساء: ١٠٣].
قوله: ((وتصوم رمضانَ)) استُدلَّ به على قول ((رمضان)) من غير إضافة شهر إليه،
وستأتي المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى(١).
قوله: ((الإحسان)) هو مصدر، تقول: أحسن يُحسِن إحساناً. ويتعدَّى بنفسِه وبغيره
تقول: أحسنتُ كذا: إذا أتقنتَه، وأحسنتُ إلى فُلان: إذا أوصَلْتَ إليه النفع، والأوَّل هو
المراد لأنَّ المقصود إتقان العبادة. وقد يُلْحَظ الثاني بأنَّ المخلِص مثلاً مُحسِن بإخلاصه إلى
(١) في الباب الخامس منه.

٢٥٦
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
نَفْسه، وإحسان العبادة: الإخلاص فيها والخُشوع وفَراغ البال حال التلبُّس بها ومُراقَبة
المعبود، وأشار في الجواب إلى حالتين:
أرفعهما: أنْ يَغْلِب عليه مُشاهَدة الحق بقلبِه حتَّى كأنه يراه بعَينِهِ، وهو قوله: ((كأَنَّك
تراه» أي: وهو يراك.
والثانية: أنْ يَستحضِر أنَّ الحق مُطَّلِع عليه يرى كل ما يعمل، وهو قوله: ((فإِنَّه يَراك)).
وهاتان الحالتان يُثُمِّرهما معرفة الله وخَشْيَته، وقد عَبَّر في رواية عمارة بن القَعْقاع بقوله:
((أنْ تخشى الله کأنَّك تراه) وكذا في حديث أنس.
وقال النَّووي: معناه: أَنَّك إنَّما تُراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويَراك، لگَوْنه
يَراك لا لكَوْنك تراه فهو دائماً يَراك، فأحسِنْ عبادته وإنْ لم تَرَه، فتقدير الحديث: فإنْ لم
تكنْ تراه فاستَمِرَّ على إحسان العبادة فإنَّه يَراك. قال: وهذا القَدْر من الحديث أصل عظيم
من أُصول الدّين، وقاعدة مُهمّة من قواعد المسلمين، وهو عُمْدة الصِّدّيقين، وبُغْية
السالكين، وكَثْز العارفين، ودأب الصالحين، وهو من جوامع الكَلِم التي أوتيَها وَّ، وقد
نَدَبَ أهلُ التحقيق إلى مُجالَسة الصالحين ليكون ذلك مانعاً من التلبُّس بشيءٍ من النَّقائص
احتراماً لهم واستحياء منهم، فكيف بمَن لا يزال الله مُطَّلِعاً عليه في سِرّه وعَلانيَته؟ انتهى.
وقد سبقَ إلى أصل هذا القاضي عِيَاض وغيره، وسيأتي مزيد لهذا في تفسير لُقْمان (٤٧٧٧)
إن شاء الله تعالى.
تنبيه: دلَّ سياق الحديث على أنَّ رُؤْية الله تعالى في الدنيا بالأبصار غير واقعة، وأمَّا رُؤْية
النبي ◌َّ﴿ فذاكَ لدليلِ آخر، وقد صَرَّحَ مسلم في روايته من حديث أبي أمامةَ بقوله ◌َلِّ:
((واعلموا أنَّكم لن تَرَوْا ربّكم حتَّى تموتوا))(١).
(١) لم نقف عليه عند مسلم من حديث أبي أمامة، والذي عنده (٢٩٣١) حديث عمر بن ثابت عن بعض أصحاب
النبي ◌َّهه ـ ولم يسمه - مرفوعاً بلفظ: ((تعلَّموا أنه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتى يموت))، وأما حديث أبي أمامة
فقد أخرجه ابن ماجه (٤٠٧٧)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٣٩١)، وسنده ضعيفٌ، ويشهد له مع ما قبله
حديث عبادة عند أحمد (٢٢٧٦٤) وغيره، وسنده ضعيف أيضاً، لكن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح.

٢٥٧
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
وأقدَمَ بعض غُلاة الصّوفيَّة على تأويل الحديث بغير عِلْم فقال: فيه إشارة إلى مقام
المحو والفَناء، وتقديره: فإنْ لم تكنْ - أي: فإنْ لم تَصِرْ - شيئاً وفَنِيتَ عن نفسك حتَّى
كأنَّك ليس بموجودٍ، فإنَّك حينئذٍ تراه. وغَفَلَ قائل هذا - للجَهْلِ بالعربيَّة - عن أنه لو
كان المراد ما زَعَمَ لكان قوله: ((تراه)) محذوف الألف، لأنه يصير مجزوماً، لكَوْنه على زَعْمه
جواب الشَّرْط، ولم يَرِد في شيء من طرق هذا الحديث بحذف الألف، ومَن ادَّعَى أنَّ
إثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس، فلا يُصار إليه إذْ لا ضرورة هنا. وأيضاً فلو
كان ما ادَّعاه صحيحاً لكان قوله: ((فإنَّه يَراك)) ضائعاً لأنه لا ارتباط له بما قبله، وممّا يُفْسِد
تأويله رواية كَهْمَس فإنَّ لفظها: «فإنَّك إنْ لا تراه فإنَّه يَراك))(١)، وكذلك في رواية سليمان
التَّيْمي، فسَلَّطَ النَّفي على الرُّؤْية لا على الكَوْن الذي حمل على ارتكاب التأويل المذكور،
وفي رواية أبي فَرْوة: ((فإنْ لم تَرَه فإِنَّه يَراك)) ونحوه في حديث أنس وابن عبَّاس، وكل هذا
يُبطِل التأويل المتقدِّم، والله أعلم.
فائدة: زاد مسلم (١٠) في رواية عُمارة بن القَعْقاع قول السائل: ((صَدَقْت)) عَقِب كل
جواب من الأجوبة الثلاثة، وزاد أبو فَرْوة في روايته: ((فلمَّا سَمِعْنا قول الرجل: صَدَقْت،
أنكَرْناه)»، وفي رواية كَهْمَس: ((فعَجِبْنا له يسأله ويُصَدِّقه))، وفي رواية مَطَر: ((انظُرُوا إليه
كيف يسأله، وانظُرُوا إليه كيف يُصَدِّقه))، وفي حديث أنس: «انظُرُوا وهو يسأله وهو
يُصَدِّقه كأنه أعلم منه»/ وفي رواية سليمان بن بُرَيدة: «قال القوم: ما رأينا رجلاً مثل هذا، ١٢١/١
كأنه يُعلِّم رسول الله وَّةِ، يقول له: صَدَقْتَ صَدَقْت))(٢). قال القُرْطبي: إنَّما عَجِبوا من
ذلك لأنَّ ما جاءَ به النبيَّ وَّهِ لا يُعرَف إلَّا من جِهَته، وليس هذا السائل ممَّن عُرِفَ بلِقاءِ
(١) رواية كهمس بهذا اللفظ أخرجها ابن ماجه (٦٣)، وابن منده (٥)، وأخرجه من طريق كهمس كلٌّ
من أحمد (١٩١) و(٣٦٧) و(٣٦٨)، ومسلم (٨) (١)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠)،
والنسائي (٤٩٩٠)، وابن خزيمة (٢٥٠٤)، وابن حبان (١٦٨)، وابن منده (١-٨)، عند بعضهم
مختصر، والبعض الآخر كلفظ حديث الباب عند البخاري.
(٢) أخرجه أحمد (٣٧٤) و(٣٧٥)، ولفظه عنده: قال القوم: ما رأينا رجلاً أشدَّ توقيراً لرسول الله وَلّ من
هذا، كأنه يعلِّم رسول الله آل.

٢٥٨
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
النبي ◌َّ ولا بالسَّماع منه، ثمَّ هو يسأل سؤال عارف بما يسأل عنه لأنه يخبره بأنه صادق
فيه، فَتَعَجَّبوا من ذلك تَعَجُّب المستبعِد لذلك، والله أعلم.
قوله: ((متى السّاعة)) أي: متى تقوم الساعة؟ وصَرَّحَ به في رواية عُمارة بن القَعْقَاعِ(١)،
واللام للعَهْد، والمراد يوم القيامة.
قوله: «ما المسؤولُ عنها)) ((ما)) نافية. وزاد في رواية أبي فَرْوة: ((فَنَكَسَ فلم يُحِيْه)) ثمَّ أعاد
فلم يُجِيْه ثلاثاً، ثمَّ رفع رأسه فقال: ((ما المسؤول)).
قوله: ((بأعلمَ)) الباء زائدة لتأكيدِ النَّفي، وهذا وإنْ كان مُشعِراً بالتساوي في العلم، لكنَّ
المراد التساوي في العلم بأنَّ الله تعالى استأثَرَ بعِلْمِها لقوله بعد: ((خمس لا يعلمها إلَّا الله))،
وسيأتي نظير هذا التركيب في أواخر الكلام على هذا الحديث في قوله: ((ما كنت بأعلم به
من رجل منكُم)) فإنَّ المراد أيضاً التساوي في عدم العلم به، وفي حديث ابن عبّاس هنا
فقال: ((سُبْحان الله! خمس من الغيب لا يعلمهُنَّ إلَّ الله) ثمَّ تلا الآية.
قال النَّووي: يُستَنَبَط منه أنَّ العالم إذا سُئِلَ عَّا لا يعلم، يُصرِّح بأنه لا يعلمه، ولا يكون
في ذلك نَقْص من مرتبته، بل یکون ذلك دليلاً على مزید ورعه.
وقال القُرْطبي: مقصود هذا السؤال كَفُّ السامعين عن السؤال عن وقت الساعة،
لأنهم كانوا قد أكثروا السؤال عنها كما وَرَدَ في كثير من الآيات والأحاديث، فلمَّا حصل
الجواب بما ذُكِرَ هنا حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية فإنَّ المراد بها
استِخْراج الأجوبة ليتعلَّمها السامعون ويعملوا بها، ونبّه بهذه الأسئلة على تفصيل ما
◌ُمکِن معرفته ممَّا لا يُمكِن.
قوله: (مِن السائل)) عَدَلَ عن قوله: لست بأعلم بها منك، إلى لفظ يُشعِر بالتعميم
تعريضاً للسامعین، أي: أنّ كل مسؤول و کل سائل فهو كذلك.
فائدة: هذا السؤال والجواب وقع بین عيسى ابن مريم وچېیل، لکن کان عیسی
(١) عند مسلم (١٠).

٢٥٩
باب ٣٧ / ح ٥٠
كتاب الإيمان
سائلاً وجِبْريل مسؤولاً. قال الحُميدي في ((نوادره): حدَّثنا سفيان، حدَّثنا مالك بن مِغْول،
عن إسماعيل بن رجاء، عن الشَّعْبي قال: سأل عيسى ابن مريم جِبْريل عن الساعة، قال:
فانتفضَ بأجنِحَتِه وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.
قوله: ((وسأُخبِرك عن أشراطها)) وفي التفسير (٤٧٧٧): ((ولكن سأُحدِّثُك))، وفي رواية
أبي فَرْوة: ((ولكن لها علامات تُعرَف بها»، وفي رواية كَهْمَس: «قال فأخبِرْني عن أمارَتها،
فأخبره بها فتَردَّدْنا)) فحصل التردُّد: هل ابتدأَه بذِكْر الأمارات، أو السائل سأله عن
الأمارات؟ ويُجمع بينهما بأنه ابتدأَ بقوله: ((وسأُخبرك، فقال له السائل: فأخبِرْني)»، ويدل
على ذلك رواية سليمان التَّيْميِّ ولفظها: ((ولكن إنْ شِئْت نَبَّأْتُك عن أشراطها، قال: أجَل))
ونحوه في حديث ابن عبّاس وزاد: ((فحَدِّثْني))، وقد حصل تفصيل الأشراط من الرواية
الأُخرى وأنها العلامات، وهي بفتح الهمزة جمع: شَرَط بفتحتين، كقَلَمٍ وأقلام.
ويستفاد من اختلاف الروايات: أنَّ التحديث والإخبار والإنباء بمعنَّى واحد، وإنَّما
غايَرَ بينها أهل الحديث اصطلاحاً.
قال القُرْطبي: علامات الساعة على قِسْمين: ما يكون من نوع المُعْتاد، أو غيره.
والمذكور هنا الأوَّل، وأمَّا الغير مِثل طلوع الشمس من مَغْرِبها، فتلك مُقَارِبة لها أو
مضايقة، والمراد هنا العلامات السابقة على ذلك، والله أعلم.
قوله: ((إذا وَلَدَت)) التعبير بـ(إذا)) للإشعار بتحقَّقِ الوقوع، ووقعت هذه الجملة بياناً
للأشراط نظراً إلى المعنى، والتقدير: ولادة الأَمَة وتَطاوُل الزُّعاة.
فإنْ قيل: الأشراط جمعٌ وأقلّه ثلاثة على الأصح والمذكور هنا اثنان! أجاب الكِرْمانيُّ:
بأنه قد تُسْتقرَض القِلّة للكثرة، وبالعكس،/ أو لأنَّ الفَرْق بالقِلّة والكثرة إنَّما هو في ١٢٢/١
النَّكِرات لا في المعارف، أو لفَقْدِ جمع الكثرة للفظِ الشَّرْط. وفي جميع هذه الأجوبة نظر،
ولو أُجيبَ بأنَّ هذا دليل القول الصائر إلى أنَّ أقل الجمع اثنان لَمَا بَعُدَ عن الصواب.
والجواب المرضيّ: أنَّ المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنَّما بعض الرُّواة اقتصر على اثنين منها

٢٦٠
باب ٣٧ / ح ٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
لأنه هنا ذكر الولادة والتطاول، وفي التفسير (٤٧٧٧) ذكر الولادة وتَرَؤُّس الحُفاة، وفي
رواية محمد بن بِشْر التي أخرج مسلم (٦/٩) إسنادها، وساق ابن خُزيمة (٢٢٤٤) لفظها
عن أبي حَيّان ذِكْر الثلاثة، وكذا في ((مُستخرَج)) الإسماعيلي من طريق ابن عُليَّة، وكذا
ذكرها عُمارة بن القَعْقاع(١)، ووقع مِثل ذلك في حديث عمر، ففي رواية گَهْمَس ذِكْر
الولادة والتطاول فقط ووافقه عثمان بن غياث، وفي رواية سليمان التَّيْميِّ ذِكْر الثلاثة
ووافقه عطاء اُراسانيّ، وكذا ذُكِرَتْ في حديث ابن عبّاس وأبي عامر (٢).
قوله: ((إذا وَلَدَتِ الأَمَّةُ ربَّها)) وفي التفسير (٤٧٧٧): ((ربَّتها)) بتاءِ التأنيث، وكذا في
حديث عمر، ولمحمدِ بن ◌ِشْر مثله وزاد: ((يعني السَّراري))، وفي رواية عمارة بن القَعْقاع:
((إذا رأيت المرأة تَلِد ربَّها)) ونحوه لأبي فَرْوة، وفي رواية عثمان بن غِيَات: ((الإماءُ أربابَهَنَّ»
بلفظ الجمع. والمراد بالرَّبِّ: المالك أو السَّيِّد.
وقد اختلفَ العلماء قديماً وحديثاً في معنى ذلك، قال ابن التِّين: اختُلِفَ فيه على سبعة
أوجُه، فذكرها لكنَّها مُتَداخلة، وقد لخَّصتها بلا تَداخُل فإذا هي أربعة أقوال:
الأوَّل: قال الخطَّبيُّ: معناه اتِّساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشِّرك وسَبْي
ذَراريِّهم، فإذا ملكَ الرجل الجارية واستَوَلَدَها كان الولد منها بمَنزِلة ربّها لأنه ولد سيِّدها.
قال النَّووي وغيره: إنَّه قول الأكثرين. قلت: لكن في كَوْنه المراد نظر، لأنَّ استيلاد الإماء
كان موجوداً حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشِّرك وسَبْي ذَرارِيِّهم واتِّخاذهم سَراريَّ
وقع أكثره في صَدْر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع ممّا سيقعُ
قُرْب قيام الساعة(٣).
(١) عند مسلم (١٠)، وابن منده (١٦).
(٢) سلف تخريج هذه الروايات ص ٢٤٧.
(٣) وقع بعد هذا في (أ) عبارة: ((قلت: وقوعه في صدر الإسلام حين المقالة ليس يدفع أنه أمارة لقيام الساعة،
لأن بعث نبيِّنَا وَّ﴿ دليل قرب ذلك، قال: ((بعثت أنا والساعة كهاتين ... الحديث))، وكتب عليها ((من ..
إلى)) إشارة إلى حذفها أو أنها من بعض النسخ، وكان في العبارة تحریفات أصلحناها بما تستقيم به.