Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ باب ٢٩ / ح ٣٩ كتاب الإيمان صحيح من حديث أعرابي لم يُسمِّه أنه سمع رسولَ الله وَلَّ يقول: ((خيرُ دينِكم أيسرُه)». والدِّين جنس، أي: أحب الأديان إلى الله الحَنيفيَّة. والمراد بالأديان: الشَّرائعُ الماضية قبل أنْ تُبدَّلَ وتُنسَخ. والحَنيفيَّة: مِلَّة إبراهيم، والحَنِيف في اللُّغة: مَن كان على مِلَّة إبراهيم، وسُمَِّ إِبراهيم حَنيفاً لميلِه عن الباطل إلى الحقّ؛ لأنَّ أصل الحَنَفِ المَيلُ، والسَّمْحةُ: السَّهْلة، أي: أنها مبنيَّة على السهولة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ قِلَّةَ أَبِكُمْ إِزَهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. وهذا الحديث المعلَّق لم يُسنِده المؤلّف في هذا الكتاب، لأنه ليس على شرطه، نعم وَصَلَه في كتاب ((الأدب المفرَد)» (٢٨٧)، وكذا وَصَلَه أحمد بن حنبل (٢١٠٧) وغيرُه من طريق محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، وإسناده حسن. استعمله المؤلّف في الترجمة لكَوْنه متقاصراً عن شرطه، وقَوّاه بما دلَّ على معناه لتَنَاسُب السهولة والیُسْر. قوله: ((حدَّثنا عبد السلام بن مُطَهَّر)) أي: ابن حُسام البصري، وكُنْيته أبو ظَفَر، بالمعجَمة والفاء المفتوحتين. قوله: ((حدّثنا عمر بن علي)) هو المقدَّمي، بضم الميم وفتح القاف والدَّال المشدَّدة، وهو بصري ثقة، لكنَّه مُدلِّس شديد التدليس، وَصَفَه بذلك ابنُ سعد وغیرُه. وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وصَحَّحَه - وإنْ كان من روایة مُدلِّس بالعنعنة - لتصريحه فيه بالسَّماع من طريق أُخرى، فقد رواه ابن حِبَّان في (صحيحه)) (٣٥١) من طريق أحمد بن المِقْدام - أحد شيوخ البخاري - عن عمر بن علي المذكور قال: ((سمعت مَعْنَ بنَ محمد)) فذكره، وهو من أفراد معن بن محمد، وهو مَدَني ثقة قليل الحديث، لكن تابعه على شِقّه الثاني ابنُ أبي ذِئْب عن سعيد، أخرجه المصنّف في كتاب الرِّقاق (٦٤٦٣) بمعناه، ولفظه: ((سَدِّدوا وقَرِّبوا)) وزاد في آخره: ((والقصدَ القصدَ تَبلُغوا))، ولم يَذكُر شِقّه ٢٠٢ باب ٢٩ / ح ٣٩ فتح الباري بشرح البخاري الأوَّل، وقد أشرنا إلى بعض شواهده ومنها حديث عُرْوةَ الفُقَيْميِّ - بضم الفاء وفتح القاف - عن النبي ◌َّهِ قال: ((إنَّ دِينَ الله يُسْرٌ))، ومنها حديث بُرَيدة قال: قال رسول الله رَله: («عليكم هَذْياً قاصداً، فإنَّه مَن يُشادَّ هذا الدِّينَ يَغْلِبْه)) رواهما أحمد(١) وإسناد كلٍّ منهما حسن. قوله: ((ولن يُشادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَه» هكذا في روايتنا بإضمار الفاعل، وثبت في رواية ابن السَّكن وفي بعض الروايات عن الأَصِيلي بلفظ: ((ولن يُشادَّ الدّين أحدٌ إلَّا غَلَبَه))، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي وأبي نُعيم وابن حِبَّان (٣٥١) وغيرهم. والدِّين منصوب على المفعوليَّة، وكذا في روايتنا أيضاً، وأضمَرَ الفاعل للعِلْم به، وحكى صاحب ((المطالع)) أنَّ أكثر الروايات برفع الدِّين، على أنَّ ((يُشاد)) مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعلُه، وعارَضَه النَّووي بأنَّ أكثر الروايات بالنصب، ويُجمَع بين كلاميهما بأنه بالنّسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ويؤيِّد النصب لفظ حديث بُرَيدة عند أحمد (٢٢٩٦٣): ((إنَّه مَن شادَّ هذا الدِین یغلبه)) ذكره في حدیث آخر يصلُح أنیکون هو سبب حديث الباب. والمُشادَّة بالتشديد: المغالبة، يقال: شادَّه يُشادُّه مُشادّة: إذا قاواه، والمعنى: لا يتعمَّق أحد في الأعمال الدينيّة ويترك الرِّفَقَ إلَّا عَجَزَ وانقَطَعَ فَيُغْلَب. قال ابن المنيِّر: في هذا الحديث عَلَمٌّ من أعلام النُّبوّة، فقد رأينا ورأى الناسُ قبلَنا أنَّ كل مُتنطِّع في الدِّين ينقطع، وليس المراد منعَ طلب الأكمل في العبادة فإنَّه من الأُمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدِّي إلى المَلَال، أو المبالَغة في التطوُّع المُفْضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمَن باتَ يُصلِّ الليل كلَّه ويغالب النوم إلى أنْ غَلَبْه عيناه في آخر الليل فنامَ عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أنْ خرج الوقت المختار، أو إلى أنْ طَلَعَت الشمسُ فخرج وقتُ الفريضة، وفي حديث مِحْجَن بن الأدرَع عند أحمد: (١) حديث عروة الفقيمي في ((المسند)) برقم (٢٠٦٦٩)، وفي إسناده ضعف لكنه حسن بشواهده، وحديث بريدة - وهو ابن الحُصَيب - فيه برقم (٢٢٩٦٣)، وإسناده قوي. ٢٠٣ باب ٢٩ / ح ٣٩ كتاب الإيمان ((إِنَّكم لن تنالوا هذا الأمرَ بالمغالبة، وخيرُ دِينِكُم أيسرُ))(١). وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرُّخْصة الشرعيَّة، فإنَّ الأخذ بالعزيمة في موضع الرُّخصة تنطَّع، كمَن / يترك التيمُم عند العَجْز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله ٩٥/١ إلى حصول الضَّرَر. قوله: ((فسَدِّدوا)) أي: الْزَموا السَّدَاد: وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللُّغة: السَّداد: التوسُّط في العمل. قوله: ((وقارِبُوا)) أي: إنْ لم تستطيعوا الأخذَ بالأكمل فاعملوا بما يَقُب منه. قوله: ((وأَبشِروا)) أي: بالثَّواب على العمل الدائم وإنْ قَلَّ، والمراد: تبشير مَن عَجَزَ عن العمل بالأكمل بأنَّ العَجْز إذا لم يكن من صَنيعِه لا يستلزم نَقْصَ أجرِهِ، وأَبهَمَ المبشَّر به تعظيماً له وتفخيماً. قوله: ((واستَعِينوا بالغَدْوة)) أي: استعينوا على مُداوَمة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشِّطة. والغَدْوة بالفتح: سَيْرُ أوَّل النهار، وقال الجَوْهري: ما بين صلاة الغَدَاة وطلوع الشمس. والرَّوْحة بالفتح: السَّيْر بعد الزَّوال. والدُّلْة بضم أوَّله وفتحه وإسكان اللام: سَيْر آخر الليل، وقيل: سير الليل كلِّه، ولهذا عَبَّر فيه بالتبعيض، ولأنَّ عمل الليل أشقُّ من عمل النهار. وهذه الأوقات أطيَبُ أوقاتِ المسافر، وكأنه وَِّ خاطَبَ مُسافراً إلى مَقصِد فنبّهه على أوقات نشاطه، لأنَّ المسافر إذا سافر الليلَ والنهارَ جميعاً عَجَزَ وانقَطَع، وإذا تَحرَّى السيرَ في هذه الأوقات المنشِّطة أمكنتْه المداومةُ من غير مَشَقّة. وحُسْنُ هذه الاستعارة: أنَّ الدنيا في الحقيقة دار ثُقْلَة إلى الآخرة، وأنَّ هذه الأوقات بخصوصها أروَحُ ما يكون فيها البدَن للعبادة. (١) الشطر الأول منه عنده برقم (١٨٩٧١) وفي سنده ضعف، والشطر الثاني عنده بنحوه برقم (١٨٩٧٦) وفي سنده ضعف أيضاً، والحديث حسن بشواهده. ٢٠٤ باب ٣٠ / ح ٤٠ فتح الباري بشرح البخاري وقوله في رواية ابن أبي ذِئْب (٦٤٦٣): ((القصدَ القصدَ)) بالنصب فيهما على الإغراء، والقصدُ: الأخذ بالأمر الأوسط. ومناسبة إيراد المصنّف لهذا الحديث عَقِبَ الأحاديث التي قبله، ظاهرة من حيثُ إنَّها تَضمَّنَت الترغيبَ في القيام والصيام والجهاد، فأراد أنْ يُبيِّن أنَّ الأَوْلى للعامل بذلك أنْ لا يُجِهِدَ نفسَه بحيثُ يَعجِزُ وينقطع، بل يعمل بتَلطُّفٍ وتدريج ليَدُومَ عملُه ولا ينقطع. ثمَّ عاد إلى سياق الأحاديث الدَّالّة على أنَّ الأعمال الصالحة معدودةٌ من الإيمان فقال: ٣٠ - باب الصلاة من الإيمان وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني: صَلاتكُم عند البيتِ. ٤٠- حدَّثْنَا عَمرُو بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البراء: أنَّ النبيَّ ﴿﴿ كان أوَّلَ ما قَدِمَ المدينةَ نَزَلَ على أجدادِهِ - أو قال: أخوالِه ــ مِن الأنصار، وأنَّه صَلَّى قِبَلَ بيتٍ المقدِسِ ستَّةَ عشرَ شهراً أو سبعةَ عشرَ شهراً، وكان يُعجِبُهُ أنْ تكونَ قِبْلتُهُ قِبَلَ البيتِ، وأنَّه صَلَّى أوَّلَ صلاةٍ صَلَّاها العصرَ وصَلَّى معَه قومٌ، فخَرَجَ رجلٌ مَمَّنْ صَلَّى معَه فمَرَّ على أهلِ مسجدٍ وهم راكعُونَ، فقال: أشهَدُ بالله لقد صَلَّيتُ معَ رسولِ الله وَلَ قِبَلَ مَكّةَ، فدارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ، وكانتِ اليهودُ قد أعجَبَهم إذْ كان يُصلِّ قِبَلَ بيتِ المقدِسِ وأهلُ الكتاب، فلمَّا وَلَّى وَجْهَه قِبَلَ البيتِ أَنكَرُوا ذلكَ. قال زهيرٌ: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ في حديثه هذا: أنَّه مات على القِبْلةِ قبلَ أنْ تُحوَّلَ رجالٌ وَقُتِلُوا، فلم نَدْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾. [أطرافه في: ٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢] قوله: ((باب)» هو مرفوع بتنوينٍ وبغير تنوين، والصلاة: مرفوع على التنوين فقوله: ((وقولُ الله)) مرفوع عَطْفاً على ((الصلاة))، وعلى عدمه مجرورٌ مضاف. ٩٦/١ قوله: ((يعني: صلاتَكُم)) وقع التنصيصُ على هذا التفسير من الوجه/ الذي أخرج منه المصنّف حديثَ الباب، فروى الطَّيالسي (٧٥٨) والنَّسائيُّ (ك ١٠٩٣٦) من طريق شريك ٢٠٥ باب ٣٠ / ح ٤٠ كتاب الإيمان وغيره عن أبي إسحاق عن البراء في الحديث المذكور: ((فأنزل الله ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس)) وعلى هذا فقول المصنِّف: ((عند البيت)) مُشكِل، مع أنه ثابت عنه في جمیع الروايات، ولا اختصاص لذلك بگوْنِه عند البيت. وقد قيل: إنَّ فيه تصحيفاً والصواب يعني: صلاتكم لغير البيت. وعندي أنه لا تصحيفَ فيه بل هو صواب، ومقاصد البخاري في هذه الأُمور دقيقة، وبيان ذلك: أنَّ العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي ◌َّهِ يتوجَّه إليها للصلاة وهو بمكَّة، فقال ابن عبَّاس وغيرُه: كان يُصلّي إلى بيت المقدس، لكنَّه لا يَستدِر الكعبة بل يجعلُها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق آخرون: أنه كان يُصلِّي إلى بيت المقدس. وقال آخرون: كان يُصلِّ إلى الكعبة، فلمَّا تَحوَّلَ إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النَّسْخ مرتين، والأوَّل أصح لأنه يجمع بين القولين، وقد صَخَّحَه الحاكم وغيره من حديث ابن عبّاس(١). وكأنَّ البخاري أراد الإشارة إلى الجَزْم بالأصحِّ من أنَّ الصلاة لمَّا كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولَويَّة، لأنَّ صلاتَهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع، فأحرَى أنْ لا تضيعَ إذا بَعُدوا عنه، فتقدیر الكلام: يعني صلاتكم التي صَلَّيتُموها عند البيت إلى بيت المقدس. تنبيه (٢): المراد ببيت المقدس: المسجدُ الذي هو أوَّل المساجد وَضْعاً، وثانيها قَدْراً، ويقال لأرضه: الأرضُ المقدَّسة، وهي إِيلِيَاء، وقيل: أريحا، قال الفرزدق: وبَيتانِ: بيتُ الله نحنُ نزورُهُ وبيتٌ بأعلى إيلياءَ مُشرَّفُ ... قوله: ((حدَّثنا عَمْروُ بن خالد)) هو بفتح العين وسكون الميم، وهو أبو الحسن الحَرَّاني (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مستدرك الحاكم))، وهو عند أحمد (٢٩٩١). (٢) هذا التنبيه إلى آخر بيت الفرزدق سقط من (س). ٢٠٦ باب ٣٠ / ح ٤٠ فتح الباري بشرح البخاري نزيل مِصْر، أحد الثَّقات الأثبات. ووقع في رواية القابِسي وعَبْدوس(١) كلاهما عن أبي زيد المَرْوزي، وفي رواية أبي ذرِّ عن الكُشْمِيهَني: ((عُمَر بن خالد)) بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبّه عليه من القدماء أبو علي الغَسَّاني، وليس في شيوخ البخاري مَن اسمه عمر بن خالد، بل ولا في جميع رجاله، ولا في رجال أحد من الكتب السِّة. قوله: ((حدّثنا زهير)) هو ابن معاوية، أبو خيثمةَ الجُعْفيُّ الكوفي، نزيل الجزيرة وبها سمع منه عَمْرو بن خالد. قوله: ((حدَّثنا أبو إسحاق)) هو السَّبِيعيُّ، وسماع زهير منه - فيما قال أحمدُ - بعد أنْ بدَأ تغيُّرُه، لكن تابعه عليه عند المصنّف (٣٩٩) إسرائيلُ بن يونسَ حَفيدُه وغیرُه. قوله: ((عن البراء)) هو ابن عازِب الأنصاري، صحابي ابن صحابي. وللمصنِّ في التفسير (٤٤٩٢) من طريق الثَّوْري عن أبي إسحاق: ((سمعت البراء)»، فأُمنَ ما يُخْشَى من تدلیس أبي إسحاق. قوله: ((أوَّلَ)) بالنصب، أي: في أوَّل زمن قُدومِه، و ((ما)) مصدريَّة. قوله: ((أو قال: أخواله)) الشَّك من أبي إسحاق، وفي إطلاق أجداده أو أخواله مجاز، لأَنَّ الأنصار أقاربه من جهة الأُمومة، لأنَّ أُمَّ جدّه عبدِ المطَّلِب بن هاشم منهم، وهي سَلْمَى بنت عَمْرو، أحد بني عَدي بن النَّجّار، وإنَّما نزل النبي وَ لّ بالمدينة على إخوتهم بني مالك بن النَّجّار، ففیه علی هذا مجاز ثانٍ. قوله: ((قِبَل بيت المقدس)) بكسر القاف وفتح الموحّدة، أي: إلى جهة بيت المقدس. قوله: ((سنَّة عشر شهراً أو سبعة عشر)) كذا وقع الشَّك في رواية زهير هذه هنا، وفي التفسير أيضاً (٤٤٨٦) عن أبي نُعيم عنه، وكذا في رواية الثَّوْري عنده (٤٤٩٢)، وفي رواية إسرائيل عند المصنّف (٣٩٩) وعند التِّرمِذي أيضاً (٣٤٠). ورواه أبو عَوَانة في (صحيحه)) (١١٦٥ و١٥٣٧) عن عَّر بن رَجَاء وغيره، عن أبي (١) في (س): القابسي عن عبدوس. وهو خطأ. ٢٠٧ باب ٣٠ / ح ٤٠ كتاب الإيمان نُعيم فقال: ((ستة عشر)) من غير شك، وكذا لمسلم (١١/٥٢٥) من رواية أبي الأحوص، وللنَّسائي (ك١٠٩٣٣ و١٠٩٣٦) من رواية زكريًّا بن أبي زائدة وشريك، ولأبي عَوَانة أيضاً (١١٦٣) من رواية عمَّار بن رُزَيق - بتقديم الراء مصغَّراً - كلَّهم عن أبي إسحاق، وكذا لأحمد (٢٩٩١) بسند صحيح عن ابن عبّاس. وللبزَّار (٣٣٩٩) والطبراني (١٧/١٧) من حديث عَمْرو بن عَوْف: ((سبعة عشر))(١)، وكذا للطبراني (١٢٤٩٨) عن ابن عبَّاس(٢). والجمع بين الروايتين سَهْل بأنْ يكون مَن جزم بستةَ عشرَ لَفَّقَ من شهر القُدوم وشهر التحويل شهراً وألْغَى الأيامَ الزائدة، ومَن جزم بسبعةَ عشرَ عَدَّهما معاً، ومَن شكَّ تَردَّدَ في ذلك، وذلك أنَّ القُدوم كان في شهر ربيع الأوَّل بلا/ خلاف، وكان التحويل في نصف ٩٧/١ شهر رجب من السنة الثانية على الصحیح، وبه جزم الجمهورُ، ورواه الحاكم بسندٍ صحيح عن ابن عبّاس. وقال ابن حِبَّان: ((سبعة عشر شهراً وثلاثة أيام)) وهو مبنيٌّ على أنَّ القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأوَّل. وشَدَّتْ أقوال أُخَر، ففي ابن ماجة (١٠١٠) من طريق أبي بكر بن عيَّاش، عن أبي إسحاق في هذا الحديث: ((ثمانية عشر شهراً))، وأبو بكر سيِّئ الحِفْظ وقد اضطَربَ فيه، فعند ابن جَرِير (٣/٢) من طريقه في روايةٍ: ((سبعة عشر))، وفي رواية: ((ستة عشر))، وخَرَّجَه بعضهم على قول محمد بن حَبيب: أنَّ التحويل كان في نصف شَعْبان، وهو الذي ذكره النَّووي في ((الرَّوْضة)) وأقرَّه، مع كَوْنه رَجَّحَ في ((شرحه) لمسلمٍ رواية ((ستة عشر شهراً)) لكَوْنها مجزوماً بها عند مسلم، ولا يستقيم أنْ يكون ذلك في شَعْبان إلَّا إِنْ الْغَى شهري القُدوم والتحويل، وقد جزم موسى بن عُقْبةَ بأنَّ التحويلَ كان في جمادى الآخرة. (١) وإسناده ضعيف جداً. (٢) وفي إسناده جهالة. ٢٠٨ باب ٣٠ / ح ٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ومن الشُّذوذ أيضاً رواية ((ثلاثة عشر شهراً)) ورواية ((تسعة أشهُر)) أو ((عشرة أشهُر)) ورواية ((شهرين)) ورواية ((سنتين))، وهذه الأخيرة يُمكِن حملها على الصواب. وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأوَّل، فجملة ما رُوِيَ تسع روايات. قوله: ((وأنه صَلَّى أوَّلَ)) بالنصب لأنه مفعول ((صَلَّى)) و((العصرَ)) كذلك على البدليَّة، وأعربَه ابن مالك بالرفع، وفي الكلام مُقدَّر لم يُذكَر لوضوحه، أي: أوَّل صلاة صَلَّاها مُتوجِّهاً إلى الكعبة صلاة العصر. وعند ابن سعد (٢٤٣/١): ((حُوِّلَت القِبْلةُ في صلاة الظُّهر أو العصر)) على التردُّد، وساق ذلك من حديث عُمارة بن أَوْس قال: صَلَّينا إحدى صلاتَي العَشِيِّ. : والتحقيق أنَّ أوَّل صلاة صَلَّاها في بني سَلِمة لمَّا مات بِشرُ بنُ البراء بن معرور الظُّهرُ، وأوَّل صلاة صَلَّاها بالمسجد النبوي العصر، وأمَّا الصبحُ فهو من حديث ابن عمر بأهلِ قُباءٍ (١)، وهل كان ذلك في جمادى الآخرة أو رَجَب أو شَعْبان؟ أقوال. قوله: ((فخَرَجَ رجلٌ)) هو عَبَّاد بن بِشْر بن قَيْظيّ كما رواه ابن مَندَهْ من حديث نُوَيلةٍ(٢) بنت أَسلم(٣). وقيل: هو عَبَّاد بن نَبِيك، بفتح النون وكسر الهاء، وأهل المسجد الذين مرَّ بهم قيل: هم من بني حارثة(٤). وقيل: هو عَبَّاد بن بِشْر الذي أخبر أهل قُباء في صلاة الصبح كما سيأتي بيان ذلك في حديث ابن عمر حيثُ ذكره المصنّف في كتاب الصلاة (٤٠٣)، ونذكر هناك تقرير الجمع بين هذين الحديثين وغيرهما مع التنبيه على ما فيهما من الفوائد إن شاء الله تعالى. (١) سيأتي برقم (٤٠٣). (٢) تحرفت في (س) إلى: طويلة. (٣) وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٣٤٦١)، والطبراني ٢٤/ (٥٣٠)، وسنده حسن. (٤) في (س): بني سلمة، وهو خطأ، وسيأتي على الصواب أيضاً عند الحديث (٤٠٣). ٢٠٩ باب ٣٠ / ح ٤٠ كتاب الإيمان قوله: ((أشهَد بالله) أي: أَحلِفُ، قال الجَوْهري: يقال: أشهَدُ بكذا، أي: أحلِفُ به. قوله: ((قِبَل مَكّة)) أي: قِبَل البيت الذي في مكَّة، ولهذا قال: ((فدارُوا كما هم قِبَل البيت))، و((ما)) موصولة، والكاف للمُبادَرة، وقال الكِرْمانيُّ: للمُقارَنة، و((هم)) مُبتدَأ، وخبره محذوف. .. قوله: ((قد أعجَبَهم)) أي: النبي ◌َ قوله: ((وأهلُ الكتاب)) هو بالرفع عَطْفاً على اليهود، من عَطْف العامِّ على الخاص. وقيل: المراد النَّصارى، لأنهم من أهل الكتاب، وفيه نظر؛ لأنَّ النَّصارى لا يُصلُّون لبيت المقدس، فكيف يُعجِبهم؟ وقال الكِرْمانيُّ: كان إعجابهم بطريق التبعيَّة لليهود. قلت: وفيه بُعْد؛ لأنهم أشدُّ الناس عداوةً لليهود. ويحتمل أنْ يكون بالنصب، والواو بمعنی «مع)) أي: يُصلّي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس. واختلف في صلاته إلى بيت المقدس وهو بمگّة، فروی ابن ماجه (١٠١٠) من طريق أبي بكر بن عيَّاش المذكورة قال: ((صَلَّينا مع رسول الله ◌ِّ نحوَ بيت المقدس ثمانيةَ عشرَ شهراً، وصُرِفَت القِبْلةُ إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين)) وظاهره أنه كان يُصلِّي بمكّة إلى بيت المقدس مَخْضاً. وحكى الزُّهْريُّ خلافاً في أنه هل كان يجعل الكعبةَ خلفَ ظَهْره، أو يجعلها بينه وبين بيت المقدس؟ قلت: وعلى الأوَّل فكان يجعل المِيزاب خلفه، وعلى الثاني كان يُصلّي بين الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانیین. وزَعَمَ ناسٌٌ أنه لم يَزَلْ يستقبل الكعبة بمكَّة، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ استقبل بيتَ المقدِس ثمَّ نُسِخ، وحمل ابن عبد البَرِّ هذا على القول الثاني. ويؤيِّد حمَلَه على ظاهره إمامةُ جِبْريل، ففي بعض طرقه: أنَّ/ ذلك كان عند باب البيت(١). (١) وهذه الرواية عند الشافعي في ((مسنده)) ١/ ٥٠ بسند حسن عن ابن عباس. ٩٨/١ ٢١٠ باب ٣٠ / ح ٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنكروا ذلك)) يعني اليهود، فنزلت ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٢]. وقد صَرَّحَ المصنِّف بذلك في روايته من طريق إسرائيل (٣٩٩). قوله: ((قال زهيرٌ)) يعني: ابن معاوية بالإسناد المذكور، بحذف أداة العَطْف کعادته، ووَهِمَ مَن قال: إنَّه مُعلَّق، وقد ساقه المصنّف في التفسير (٤٤٨٦) مع جملة الحديث عن أبي نُعيم، عن زهير سياقاً واحداً. قوله: ((أنه مات على القِبْلة)) أي: قِبْلة بيت المقدس قبلَ أنْ تُحوَّل ((رجالٌ وَقُتِلوا)) ذِكْر القتلِ لم أرَهُ إلَّا في روایة زهیر، وباقي الروايات إنّما فيها ذكر الموت فقط، وكذلك روى أبو داود (٤٦٨٠) والتِّرمِذي (٢٩٦٤) وابن حِبَّان (١٧١٧) والحاكم (٢٦٩/٢) صحيحاً عن ابن عبَّاس(١). والذين ماتوا بعد فرض الصلاة وقبلَ تحويل القِبْلة من المسلمين عشرةٌ أَنفُسٍ، فبمكّة من قُرَيش: عبد الله بن شِهاب والمطَّلِب بن أزهَر الزُّهْرِيّان والسَّكْران بن عَمْرو العامري، وبأرض الحبشة منهم: حَطَّاب - بالمهملة - بن الحارث الجُمَحِيُّ وعَمْرو بن أُميَّةِ الأسَدُّ وعبد الله بن الحارث السَّهْمي وعُرْوة بن عبد العُزَّى وعَديّ بن نَضْلة العَدَويّان، ومن الأنصار بالمدينة: البراء بن معرور - بمُهمَلات - وأسعد بنُ زُرَارة. فهؤلاء العشرةُ مُتَّفَق عليهم، ومات في المدَّة أيضاً إياس بن معاذ الأَشھَلي، لكنَّه ◌ُتلَف في إسلامه. ولم أجِدْ في شيء من الأخبار أنَّ أحداً من المسلمين قُتِل قبل تحويل القِبْلة، لكن لا يلزم من عدم الذِّكْر عدمُ الوقوع، فإنْ كانت هذه اللفظة محفوظة، فتُحمَل على أنَّ بعض المسلمين ممّن لم يَشتَهِر قُتِل في تلك المدَّة في غير الجهاد، ولم يُضبط اسمه لقِلّة الاعتناء بالتاريخ إذْ ذاك. ثمّ وجدتُ في المغازي ذِكْر رجل اختُلِفَ في إسلامه وهو سُوَيد بن الصامت، فقد ذكر (١) رووه كلهم من حديث سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وحديث سماك عن عكرمة خاصةً فيه اضطراب، وانظر ((المسند)) (٢٦٩١). ٢١١ باب ٣١ / ح ٤١ كتاب الإيمان ابنُ إسحاقَ أنه لَقِيَ النبيَّ ◌َ له قبل أنْ تَلْقاه الأنصارُ في العَقَبة، فعَرَضَ عليه الإسلام فقال: إنَّ هذا القولَ حسنٌّ. وانصَرَفَ إلى المدينة فقُتِل بها في وَقْعة بعاث - بضم الموحّدة وإهمال العين وآخره مثلَّثة - وكانت قبل الهجرة، قال: فكان قومُه يقولون: لقد قُتِل وهو مسلمٌ، فيحتمل أن يكون هو المراد. وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أنْ يُراد مَن قُتِل بمكّة من المستضعَفين كأبَويْ عَّار. قلت: يحتاج إلى ثبوت أنَّ قتلهما بعد الإسراء. تنبيه: في هذا الحديث من الفوائد: الرّد على المُرْجِئة في إنكارهم تسمية أعمال الدِّين إيماناً. وفيه أنَّ تمنِّي تغيير بعض الأحكام جائز إذا ظهرت المصلحةُ في ذلك. وفيه بيان شرف المصطفى ﴿ ﴿ وكَرامَتِه على ربِّه لإعطائه له ما أحبّ من غير تصريح بالسؤال. وفيه بيانُ ما كان عليه الصحابة من الحِرْص على دينهم والشَّفَقة على إخوانهم، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لمَّ نزل تحريمُ الخمر كما صَحَّ من حديث البراء أيضاً(١) فنزل ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُوْ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، ولملاحظة هذا المعنى عَقَّبَ المصنِّف هذا الباب بقوله: (باب حُسْن إسلام المَرْء)) فذكر الدليل على أنَّ المسلم إذا فعل الحسنة أُثيبَ عليها. ٣١- بابُ حُسْن إسلام المَرْء ٤١- قال مالكٌ: أخبرني زيدُ بنُ أسلَم، أنَّ عطاءَ بنَ يسارٍ أخبرَه، أنَّ أبا سعيدِ الخُدْريَّ أخبرَه، أنَّ سَمِعَ رسولَ اللهِوَ لَ يقولُ: ((إذا أسلَمَ العَبْدُ فحَسُنَ إسلامُه، يُكفِّرُ الله عنه كلَّ سَيِّةٍ (١) أخرجه الترمذي (٣٠٥٠) و(٣٠٥١)، وأبو يعلى (١٧١٩) و(١٧٢٠)، وابن حبان (٥٣٥٠) و(٥٣٥١) من طريق أبي إسحاق السبيعي عن البراء، وأبو إسحاق لم يسمعه من البراء كما في رواية أبي يعلى، لكن يشهد له حديث أنس عند البخاري (٢٤٦٤). ٢١٢ باب ٣١ / ح ٤١ فتح الباري بشرح البخاري كان أَزْلَفَها، وكان بعدَ ذلكَ القِصاصُ، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبع مئةِ ضِعْفٍ، والسيَِّةُ بمثلِها إلَّا أنْ يتجاوَزَ الله عنها)». قوله: ((قال مالك)» هكذا ذكره مُعلَّقاً، ولم يُوصِلْه في موضع آخر من هذا الكتاب، وقد وَصَلَه أبو ذرِّ الْهَرَويُّ في روايته للصحيح فقال عَقِبَه: أخبرناه النَّضْرَوي - هو ٩٩/١ العبّاس بن الفضل - قال: حدَّثنا الحسن بن إدريس قال: حدَّثنا هشام بن خالد/ حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن مالك، به. وكذا وَصَلَه النَّسائي (٤٩٩٨) من رواية الوليد بن مسلم، حدَّثنا مالك، فذكره أتمَّ ممَّا هنا كما سيأتي، وكذا وَصَلَه الحسنُ بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع، والبزَّارُ من طريق إسحاق الفَرْوي، والإسماعيليُّ من طريق عبد الله بن وَهْب، والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٢٤) من طريق إسماعيل بن أبي أُوَيْس، كلّهم عن مالك، وأخرجه الدَّارَقُطني من طريق أُخرى عن مالك، وذكر أنَّ مَعْن بن عيسى رواه عن مالك فقال: ((عن أبي هريرة)» بدلَ: أبي سعيد، وروايته شاذَّة، ورواه سفيان بن عُبَينَةَ عن زيد بن أسلم عن عطاء مُرسَلاً، ورُوّيناه في ((الِخِلَعيّات)). وقد حَفِظَ مالكٌ الوصلَ فيه، وهو أتقنُ لحديث أهل المدينة من غيره، وقال الخطيب: هو حديث ثابت. وذكر البزَّارُ أنَّ مالكاً تفرَّد بوَصْلِه. قوله: ((إذا أسلمَ العبد)) هذا الحُكْم يشترك فيه الرجال والنساء، وذكره بلفظ المذكَّر تغليباً. قوله: ((فحَسُنَ إسلامُه)) أي: صار إسلامُه حسناً باعتقاده وإخلاصه ودخوله فيه بالباطن والظاهر، وأنْ يَستحضِرَ عند عمله قُرْبَ ربِّه منه واطّلاعَه عليه، كما دلَّ عليه تفسیرُ الإحسان في حدیث سؤال چِبریل کما سيأتي (٥٠). قوله: ((يُكفِّرُ الله)) هو بضم الراء، لأنَّ ((إذا)) وإنْ كانت من أدوات الشَّرْط، لكنَّها لا تجزم، واستعمل الجواب مضارعاً وإنْ كان الشَّرْط بلفظ الماضي لكنَّه بمعنى المستقبل، وفي رواية البَزَّار: ((كَفَّرَ الله)) فواخَى بينهما. ٢١٣ باب ٣١ / ح ٤١ كتاب الإيمان قوله: ((كان أزلَفَها)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((زَلَفها)»، وهي بتخفيف اللام كما ضَبَطَه صاحب ((المشارق))، وقال النَّووي بالتشديد، ورواه الدَّارَ قُطنيُّ من طريق طَلْحة بن يحيى عن مالك بلفظ: ((ما من عبد يُسلِمِ فَيَحسُن إسلامُه، إلَّا كتب الله له كلَّ حسنة زَلَفَها، ومَحَا عنه كلَّ خطيئة زَلَفَها)) بالتخفيف فيهما. وللنَّسائي (٤٩٩٨) نحوه لكن قال: ((أَزْلَفَها)). وزَلَّفَ - بالتشديد . وأزلَفَ بمعنَّى واحد، أي: أسلَفَ وقَدَّم، قاله الخطّابيُّ. وقال في ((المحكم): أزلَفَ الشيء: قَرَّبَه، وزَلَفَه مُنَّفاً ومُثقَّلاً: قَدَّمَه. وفي ((الجامع)): الزُّلْفة تكون في الخير والشَّر. وقال في ((المشارق)): زَلَفَ بالتخفيف، أي: جمع وكَسَب. وهذا يَشمَل الأمرين، وأمَّ القُرْبة فلا تكون إلَّا في الخير، فعلى هذا تترجَّح رواية غير أبي ذرّ، لكن منقول الخطّابي يساعدها. وقد ثبت في جميع الروايات ما سقط من رواية البخاري وهو كتابة الحسنات المتقدِّمة قبل الإسلام. وقوله: (كَتَب الله)) أي: أمَرَ أنْ يُكتَب، وللدَّارَ قُطني من طريق زيد بن شعيب عن مالك بلفظ: ((يقول الله لملائكَتِهِ: اكتُبُوا))، فقيل: إنَّ المصنّف أسقَطَ ما زاده غيرُه عَمْداً، لأنه مُشكِل على القواعد. وقال المازَرِي: الكافر لا يصح منه التقرُّب، فلا يُثاب على العمل الصالح الصادر منه في شِرْكِهِ، لأنَّ من شرطِ المتقرِّب أنْ يكون عارفاً لمن يَتقرَّب إليه، والكافر ليس كذلك. وتابعه القاضي عِيَاض على تقرير هذا الإشكال، واستَضعَفَ ذلك النَّووي فقال: الصواب الذي عليه المحقِّقون - بل نقل بعضُهم فيه الإجماعَ - أنَّ الكافر إذا فعل أفعالاً جميلةً كالصدقة وصِلَة الرَّحِم، ثمَّ أسلمَ ومات على الإسلام، أنَّ ثواب ذلك يُكتَب له(١)، وأمَّا دعوى أنه مُخالفٌ للقواعدِ فغير مُسلَّم، لأنه قد يُعتَدُّ ببعض أفعال الكافر في الدنيا ككَفّارة الظِّهار، فإنَّه لا يلزمُه إعادتُها إذا أسلم وتُجزئه. انتهى. وقد يقال: الحق أنه لا يلزم من كتابة الثَّواب للمسلم في حال إسلامه تفضُّلاً من الله (١) ويشهد لذلك ظاهر حديث حكيم بن حزام الآتي عند المصنف برقم (١٤٣٦). ٢١٤ باب ٣١ / ح ٤١ فتح الباري بشرح البخاري وإحساناً، أنْ يكون ذلك لكَوْن عمله الصادر منه في الكفر مقبولاً، والحديث إنَّما تَضمَّنَ كتابةَ الثَّواب ولم يتعرَّض للقَبُول، ويحتمل أنْ يكون القَبُول يصير مُعلَّقاً على إسلامه، فِيُقْبَل ويُثاب إنْ أسلمَ وإلَّا فلا، وهذا قوي، وقد جزم بما جزم به النَّوويُّ إبراهيمُ الحربيُّ ١٠٠/١ وابنُ بَطَّال وغيرهما من / القدماء، والقُرْطبي وابن المنيِّر من المتأّرين. قال ابن المنيِر: المخالف للقواعدِ دعوى أنْ يُكتَب له ذلك في حال كفرِه، وأمَّا أنَّ الله يضيف إلى حسناته في الإسلام ثواب ما كان صَدَرَ منه ممّا كان يظنُّه خيراً، فلا مانع منه كما لو تفضّل عليه ابتداءً من غير عَملِ، وكما يتفضَّل على العاجز بثواب ما كان يعمل وهو قادر، فإذا جازَ أنْ يكتب له ثواب ما لم يعمل البَّةَ، جازَ أنْ يكتب له ثواب ما عَمِلَه غیر موفّ الشُّروط. وقال ابن بَطَّال: لله أنْ يتفضَّل على عباده بما شاءَ ولا اعتراض لأحدٍ عليه. واستدلَّ غيرُه بأنَّ مَن آمَنَ من أهل الكتاب يُؤْتَى أجرَه مرتين، كما دلَّ عليه القرآنُ والحديثُ الصحيحُ(١)، وهو لو مات على إيمانه الأوَّل لم ينفعْه شيءٌ من عمله الصالح، بل يكون هَباءً منثوراً. فدلَّ على أنَّ ثواب عمله الأوَّل يُكتَب له مضافاً إلى عمله الثاني، وبقوله وَ لمَّا سألتْه عائشةُ عن ابن جُدْعان وما كان يصنعُه مِن الخير: هل ينفعُه؟ فقال: ((إنَّه لم يقل يوماً: ربِّ اغْفِرْ لي خطيئَتَي يومَ الدِّين))(٣)، فدلَّ على أنه لو قالها بعد أنْ أسلمَ، نَفَعَه ما عَمِلَه في الكفر. قوله: ((وكان بعد ذلك القِصاصُ)) أي: كتابة المُجازاة في الدنيا، وهو مرفوع بأنه اسم ((كان))، ويجوز أنْ تكون ((كان)) تامّة، وعَبَّر بالماضي لتحقَّقِ الوقوع فكأنه وقع، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَىَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ ﴾ [الأعراف: ٤٤]. (١) يعني بالقرآن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَانْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ﴾ الآيات من سورة القصص [٥٢-٥٤]، ويعني بالحديث حديث أبي موسى الأشعري الآتي برقم (٩٧). (٢) أخرجه مسلم (٢١٤). ٢١٥ باب ٣١ / ح ٤٢ كتاب الإيمان وقوله: ((الحسنةُ)) مُبتدَأ و((بعشر)) الخبر، والجملة استئنافيَّة، وقوله: ((إلى سبع مئةٍ)) مُتعلِّق بمُقدَّرٍ، أي: مُنتَهية. وحكى الماوَرْدي: أنَّ بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية فَزَعَمَ أنَّ التضعيف لا يتجاوز سبع مئةٍ ضعفٍ، ورُدَّ عليه بقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] والآية مُحْتَمِلة للأمرين، فيحتمل أنْ يكون المراد: أنه يُضاعف تلك المضاعَفة بأنْ يجعلها سبع مئةٍ، ويحتمل أنه يُضاعف السبعَ مئةٍ بأنْ يزيد عليها، والمصرِّح بالرَّدِّ عليه حديثُ ابن عبَّاس المخرَّج عند المصنّف في الرِّقاق (٦٤٩١) ولفظه: ((كتب الله له عشرَ حسناتٍ إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة)). قوله: ((إلّا أنْ يتجاوز الله عنها)) زاد سَمّويه في «فوائده)): («إلّا أنْ يغفرَ الله وهو الغفورُ)). وفيه دليل على الخَوَارج وغيرهم من المكفِّرين بالذُّنوب والُوجِبين الخُلُودِ المذنبين في النار، فأوَّلُ الحديث يردّ على مَن أنكر الزِّيادةَ والنقصَ في الإيمان، لأنَّ الحُسْن تتفاوت درجاتُه، وآخرُه يردّ على الخَوَارج والمعتزلة. ٤٢- حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا مَعمَرٌ، عن هَّام، عن أبي هُرَيرةَ قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((إذا أحسنَ أحَدُكُم إسلامَه، فكلُّ حَسنةٍ يَعمَلها تُكتَبُ له بعشر أمثالها إلى سبع مئةِ ضِعْفٍ، وكلُّ سَيِّةٍ يَعمَلُها تُكتَبُ له بمثلها)». قوله: ((عن همَّام)) هو ابن مُنبِّه، وهذا الحديث من نسخته المشهورة المرويَّة بإسنادٍ واحد عن عبد الرزاق، عن معمر، عنه. وقد اختلفَ العلماء في إفراد حديثٍ من نسخةٍ: هل يساق بإسنادها ولو لم يكن مُبتدَأَ به، أو لا؟ فالجمهور على الجواز ومنهم البخاري، وقيل: يَمتَنع، وقيل: يَبدَأ أبداً بأوَّل حديث ويَذكُر بعده ما أراد. وتَوسَّطَ مسلم فأتى بلفظٍ يُشعِرُ بأنَّ المفرَدَ من جملة النُّسْخة، فيقول في مِثل هذا إذا انتهى الإسنادُ: فذكر أحاديثَ منها كذا، ثمَّ يَذكُر أيَّ حدیث أراد منها. ٢١٦ باب ٣٢ / ح ٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إذا أحسن أحدُكُم إسلامَه)) كذا له ولمسلم (١٢٩ / ٢٠٥) وغيرهما، ولإسحاق ابن راهويه في ((مسنده)) عن عبد الرزاق: ((إذا حَسُنَ إسلامُ أحدكم» وكأنه رواه بالمعنى، لأنه من لوازمه. ورواه الإسماعيلي من طريق ابن المبارَك عن مَعمَر كالأوَّل. والخِطاب بأحدِكم بحَسَبٍ اللفظ للحاضرين، لكنَّ الحُكْمَ عام لهم ولغيرهم باتِّفاقٍ، وإنْ حصل التنازع في كيفيَّة التناول، أهي بالحقيقة اللُّغَويَّة أو الشرعيَّة أو بالمجاز. قوله: ((فكل حَسنة)) يُنْئ أنَّ اللام في قوله/ في الحديث الذي قبله: ((الحسنةُ بعشِ ١٠١/١ ق أمثالِها)» للاستغراق. قوله: ((بمِثْلِها» زاد مسلم وإسحاق والإسماعيلي في روايتهم: ((حتَّى يَلْقَى الله عَزَّ وجلَّ)). ٣٢- باب أحب الدِّين إلى الله أدوَمُه ٤٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةً: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ِ دَخَلَ عليها وعندَها امرأةٌ فقال: ((مَن هذه؟)) قالت: فُلامةُ؛ تَذْكُرُ من صَلاتِها، قال: (مَهْ، عَلَيْكُمْ بما تُطِيقُونَ، فوالله لا يَمَلُّ اللهُ حتَّى تَمَلُّوا)). وكان أحبَّ الدِّينِ إليه ما دامَ عليه صاحبه. [طرفه في: ١١٥١] قوله: ((باب أحب الدِّين إلى الله أدومُه)) مراد المصنّف الاستدلال على أنَّ الإيمان يُطلَق على الأعمال، لأنَّ المراد بالدِّينِ هنا العمل، والدِّين الحقيقي هو الإسلام، والإسلام الحقيقي مرادف للإيمان، فيصح بهذا مقصودُه. ومناسبته لِمَا قبله من قوله: ((عليكم بما تُطيقونَ))، لأنه لمَّ وَرَدَ أنَّ الإسلام تَحِسُن بالأعمال الصالحة، أراد أنْ يُنَبِّه على أنَّ جهاد النفس في ذلك إلى حَدِّ المغالَبة غير مطلوب، ٢١٧ باب ٣٢ / ح ٤٣ كتاب الإيمان وقد تقدَّم بعضُ هذا المعنى في ((باب الدّين يُسْرٌ)) (١)، وفي هذا ما ليس في ذاكَ على ما سنوضحه إن شاء الله تعالى. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطَّان. قوله:((عن هشام)) هو ابن عُرْوة بن الزُّبَير. قوله: ((فقال: مَن هذه؟)) للأَصِيلي: ((قال: مَن هذه؟)) بغير فاء، ويُوَجَّه على أنه جواب سؤال مُقدَّر، كأنَّ قائلاً قال: ماذا قال جبريلُ (٢) حين دخلَ؟ قال: قال: مَن هذه؟ قوله: ((قالت: فُلانةُ)) هذه اللفظة کِناية عن کل عَلَم مؤنَّث فلا ینصرفُ، زاد عبد الرزاق (٢٠٥٦٦) عن مَعمَر عن هشام في هذا الحديث: ((حسنة الهيئة)). قوله: (تَذْكُرُ)) بفتح التاءِ الفَوْقانيَّة، والفاعل عائشة. ورُويَ بضم الياء التَّحتانية على البناء لما لم يُسمَّ فاعله، أي: يَذكُرون أنَّ صلاتها كثيرة. ولأحمد عن يحيى القَطَّان: ((لا تنامُ، تُصلِّ))(٣)، وللمصنّف في كتاب صلاة الليل (١١٥١) مُعلَّقاً عن القَعْنبي، عن مالك، عن هشام، وهو موصول في ((الموطَّا)) للقَعْنبيِّ وَحْدَه في آخره: ((لا تنام بالليل)). وهذه المرأة وقع في رواية مالك المذكورة أنها من بني أسد، ولمسلم (٧٨٥/ ٢٢٠) من رواية الزّهْري عن عُرْوة في هذا الحديث: أنها الحَوْلاء بالمهملة والمد تأنيثُ الأَحوَل - وهو اسمها - بنت تُوَيْت بمُثنَّاتين مصغَّراً، ابن حَبيب بفتح المهملة، ابن أسد بن عبد العُزَّى، من رَهْط خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، وفي روايته أيضاً: ((وزَعَموا أنها لا تنام الليلَ)) وهذا يؤيِّد الرواية الثانية في أنها نَقلَتْ عن غيرها. فإنْ قيل: وقع في حديث الباب حديث هشام: دخل عليها وهي عندها، وفي رواية الزُّهْري: أنَّ الحَوْلاء مَرَّتْ بها، فظاهره التغاير، فيحتمل أنْ تكون المارَّة امرأة غيرها من (١) باب رقم (٢٩). (٢) ذِكْر جبريل هنا سبق قلم من المصنف، إذ لم يُذكَر جبريل في الحديث، والسائل إنما هو النبي وَلؤل. (٣) رواية الإمام أحمد عن يحيى القطان في ((المسند)) (٢٤٢٤٥)، وليس فيها: ((لا تنام، تصلي)) فلعله أراد رواية مسلم التي من طريق يحيى القطان برقم (٧٨٥) (٢٢١). ٢١٨ باب ٣٢ / ح ٤٣ فتح الباري بشرح البخاري بني أسَد أيضاً، وأنَّ قِصَّتها تعدَّدت. والجواب: أنَّ القِصَّة واحدة، ويُبيِّ ذلك رواية محمد بن إسحاق عن هشام في هذا الحديث ولفظه: ((مَرَّتْ برسول الله وَِّ الْحَوْلاء بنت تُوَيْت)) أخرجه محمد بن نصر في كتاب ((قيام الليل)) له (٢٣٦)، فيُحمل على أنها كانت أوَّلاً عند عائشةَ فلمَّا دخل النبي وَلَ على عائشةَ قامت المرأة، كما في رواية حَمَّد بن سَلَمةَ الآتية، فلمَّا قامت لتَخرُجِ مَرَّتْ به في خلال ذهابها فسأل عنها، وبهذا تجتمع الروايات. تنبيه: قال ابن التِّين: لعلَّها أمِنَتْ عليها الفتنة، فلذلك مَدَحَتْها في وجهها. قلت: لكنْ في رواية حَمَّاد بنِ سَلَمَةَ عن هشام في هذا الحديث تدلُّ على أنها ما ذكرتْ ذلك إلَّا بعد أنْ خرجت المرأة، أخرجه الحسن بنُ سفيان في ((مسنده)) من طريقه ولفظه: («كانت عندي امرأةٌ، فلمَّا قامت قال رسول الله وَه: مَن هذه يا عائشة؟ قلت: يا رسول الله، هذه فلانٌ، وهي أعبدُ أهل المدينة)) فذكر الحديث. ١٠٢/١ قوله: ((مَهْ)) قال الجَوْهري: هي كلمة مبنيّة على السُّكون، وهي اسم سُمِّيَ به الفعل، والمعنى: اكفُف، يقال: مَهْمَهْتُهُ: إذا زَجَرْته، فإنْ وَصَلْتَ نَوَّنتَ فقلت: مَهٍ. وقال الدَّاوودي: أصل هذه الكلمة: ما هذا! كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظة فقالوا: مَه، فصَيَّروا الكلمتين كلمة. وهذا الزَّجْر يحتمل أنْ يكون لعائشة، والمراد نهيُها عن مَدْح المرأة بما ذكرت، ويحتمل أنْ يكون المراد النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعةٌ من الأئمّة، فقالوا: يُكرَه صلاة جمیع اللیل کما سيأتي في مكانه. قوله: ((عَليكُم بما تُطِيقونَ)) أي: اشْتَغِلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومةَ عليه، فمنطوقُه يقتضى الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومُه يقتضي النهي عن تكلُّف ما لا يطاق. وقال القاضي عِيَاض: يحتمل أنْ يكون هذا خاصّاً بصلاة الليل، ويحتمل أنْ يكون عامّاً في الأعمال الشرعيَّة. ٢١٩ باب ٣٢ / ح ٤٣ كتاب الإيمان قلت: سبب وُروده خاص بالصلاة، ولكنَّ اللفظ عام، وهو المعتبَرَ. وقد عَبَّر بقوله: ((عليكم)) مع أنَّ المخاطَب النساء، طلباً لتعميم الحُكْم، فغُلِّبَت الذَّكور على الإناث. قوله: ((فوالله)) فيه جواز الخَلِفِ من غير استحلاف. وقد يُستَحب إذا كان في تفخيم أمر من أُمور الدِّین أو حتِّ علیه أو تنفیر من محذور. قوله: ((لا يَمَلُّ اللهُ حتَّى تَمَلُّوا)) هو بفتح الميم في الموضعَين، والمَلال: استثقال الشيء ونُفور النفس عنه بعد مَحَبَّته، وهو مُحالٌ على الله تعالى باتِّفاقٍ. قال الإسماعيلي وجماعة من المحقّقين: إنَّما أُطلِقَ هذا على جهة المقابلة اللفظيَّة مَجَازاً كما قال تعالى: ﴿ وَجَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ونظائرُه كثيرةٌ. قال القُرْطبي: وجهُ مَجازه: أنه تعالى لمَّا كان يَقْطَع ثوابَه عمَّن يَقْطَع العمل ملالاً، عَبَّر عن ذلك بالمَلال من باب تسمية الشيء باسم سببه. وقال الهَرَويُّ: معناه: لا يَقْطَع عنكم فضله حتَّى تملُّوا سؤاله، فتَزْهَدوا في الرَّغْبة إليه. وقال غيره: معناه: لا يَتَنَاهَى حقُّه عليكم في الطاعة حتَّى يَتَنَاهَى جُهْدُكم، وهذا كلّه بناء على أنَّ((حتَّى)) على بابها في انتهاء الغاية وما يترتَّب عليها من المفهوم. وجَنَحَ بعضهم إلى تأويلها فقيل: معناه: لا يَمَلُّ الله إذا مَلَلْتُم، وهو مُستعمل في كلام العرب يقولون: لا أفعل كذا حتَّى يَبْيَضَّ القارُ (١)، أو حتَّى يَشِيبَ الغُرابُ. ومنه قولهم في البَليغ: لا ينقطع حتَّى ينقطع خُصومُه، لأنه لو انقَطَعَ حين ينقطعون لم يكن له عليهم مَزْيَّة. وهذا المثال أشبَه من الذي قبله؛ لأنَّ شَيْب الغُراب ليس مُمكِناً عادة، بخلاف المَلَل من العابد. وقال المازَرِي: قيل إنَّ ((حتَّى)) هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يَمَلُّ وتملُّون، فنَفَى عنه المللَ وأثبتَه لهم. قال: وقيل: ((حتَّى)) بمعنى: حين. والأوَّل ألْيَق وأجرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظيَّة. ويؤيِّده ما وقع في بعض طرق حديث عائشةَ بلفظ: ((اكلَفوا (١) أي: الزِّفت. ٢٢٠ باب ٣٢ / ح ٤٣ فتح الباري بشرح البخاري من العمل ما تُطيقون، فإنَّ الله لا يَمَلُّ من الثَّواب حتَّى تَمَلُّوا من العمل))، لكن في سنده موسى بن عُبيدة وهو ضعيف(١). وقال ابن حِبَّان في (صحيحه)) (٣٥٣): هذا من ألفاظ التعارُف التي لا يَتَهِيَّأ للمُخاطَبِ أنْ يعرفَ القصدَ مَّا يُخاطَبُ به إلَّا بها. وهذا رأيه في جميع المتشابه. قوله: ((أحبَّ)) قال القاضي أبو بكر بن العربي: معنى المحبَّة من الله: تَعُّق الإرادة بالثَّواب (٢)، أي: أكثر الأعمال ثواباً أدوَمُها. قوله: ((إليه)) في رواية المُستَمْلي وحدَه: ((إلى الله))، وكذا في رواية عبدة عن هشام عند إسحاق بن راهويه في «مسنده)) (٦٢٤)، وكذا للمصنِّف (٥٨٦١) ومسلم (٢١٥/٧٨٢) من طريق أبي سَلَمة، ولمسلم (٢١٨/٧٨٢) عن القاسم، كلاهما عن عائشة، وهذا موافقٌ لترجمة الباب، وقال باقي الرُّواة عن هشام: ((وكان أحبَّ الدِّين إليه)) أي: إلى رسول الله وَّهه ١٠٣/١ وصَرَّحَ به المصنّف في الرُّقاق (٦٤٦٢)/ في رواية مالك عن هشام، وليس بين الروايتين تَخالف، لأنَّ ما كان أحبَّ إلى الله كان أحب إلى رسوله وَل. قال النَّووي: بدوام القليل تستمرُّ الطاعة بالذِّكْر والمُراقَبة والإخلاصِ والإقبال على الله، بخلاف الكثير الشاق، حتَّى يَنْمِوَ القليلُ الدائم بحيثُ يزيد على الكثير المُنقطِعِ أضعافاً كثيرة. وقال ابن الجوزي: إنَّما أحبَّ الدائمَ لمعنيَين: أحدهما: أنَّ التارك للعمل بعد الدُّخول فيه كالمُعِرِضِ بعد الوَصْل، فهو مُتَعرِّض للذَّم، ولهذا وَرَدَ الوعيدُ في حق مَن حَفِظَ آيةً ثمَّ نَسِيَها(٣)، وإنْ كان قبل حِفْظها لا يتعيَّن عليه. (١) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) ٢٩/ ١٢٥ في أول سورة المزمِّل، وانظر آخر شرح الحديث (١١٥١). (٢) هذا من التأويل الباطل، والحق الذي عليه أهل السُّنة: أن معنى المحبة غيرُ معنى الإرادة، والله سبحانه موصوف بها على الوجه الذي يليق بجلاله، ومحبتُه لا تشابه محبةَ خلقه، كما أن إرادته لا تشابه إرادة خلقه، وهكذا سائرُ صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. (س). (٣) روي ذلك من حديث أنس بن مالك عند أبي داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦)، وفيه: ((لم أرَ ذنباً أعظم من سورةٍ من القرآن أو آيةٍ أُوتيَها رجلٌ ثم نسيها)». وسنده ضعيف.