Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ باب ١٧ / ح ٢٥ كتاب الإيمان . من مُكمِّلات الإيمان، فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أنَّ القَضيَّة في نَفْسها ممّا يُهْتَم به وإنْ لم يكن هناك مُنكِرٌ. قال الراغبُ: الحياء انقباضُ النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليَرتدِعَ عن ارتكاب كل ما يُشتهى فلا يكون كالبهيمة. وهو مُركَّب من ◌ُبْن وعِفّة، فلذلك لا يكون المُستَحي فاسقاً، وقَلَّما يكون الشُّجاع مُستَحياً. وقد يكون لمُطلَقِ الانقباض كما في بعض الصِّبْيان. انتهى مُلخَّصاً. وقال غيره: هو انقباض النفس خَشْيةَ ارتكاب ما يُكرَه، أعم من أنْ يكون/ شرعيّاً أو ٧٥/١ عقليّاً أو عُرْفيّاً، ومُقابل الأوَّل فاسقٌ، والثاني مجنون، والثالث أبلَه. قال: وقوله وَلَّه: ((الحياء شُعْبةٌ من الإيمان)) أي: أثر من آثار الإيمان. وقال الحَلِيمي: حقيقة الحياء خوفُ الذَّم بنسبة الشَّر إليه. وقال غيره: فإنْ كان في مُرَّم فهو واجب، وإنْ كان في مكروه فهو مندوب، وإنْ كان في مباح فهو العُرْفي، وهو المراد بقوله: ((الحياء لا يأتي إلَّا بخيرٍ))(١). ويجمع كل ذلك أنَّ المباحَ إنَّما هو ما يقع على وَفْق الشرع إثباتاً ونفياً، والله أعلم. وجاء عن بعض السَّلَف: رأيتُ المعاصِيَ نَذَالةً(٢)، فتركتُها مُروءةً، فصارت دِیانةً. وقد يَتَوَلَّد الحياء من الله تعالى من التقلُّب في نِعَمِه فيَستَحي العاقل أنْ يَستَعين بها على معصيته، وقد قال بعض السَّلَف: خَفِ الله على قَدْر قُدْرَته عليك، واستَحْي منه على قَدْر قُرْبه منك، والله أعلم. ١٧ - بابٌ ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ٢٥- حدّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، قال: حدَّثنا أبو رَوْحِ الحَرَمِيُّ بنُّ عُمَارةَ، قال: حدَّثنا شُعْبةُ، عن واقٍ بنِ محمَّدٍ، قال: سمعتُ أبي يُحدِّثُ عن ابن عمر، أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قال: «أُمِرْتُ أنْ (١) سيأتي برقم (٦١١٧). (٢) في (س): مذلة، وهو خطأ. ١٦٢ باب ١٧ / ح ٢٥ فتح الباري بشرح البخاري أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، ويُقِيمُوا الصلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فإذا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنّي دِماءَهم وأَموالَهم إلا بحقِّ الإسلامِ وحِسابُهم على الله)). قوله: ((باب)) هو منوَّن في الرواية، والتقدير: هذا بابٌ في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَإِن تَابُواْ﴾، وتجوز الإضافة، أي: بابُ تفسير قوله. وإنَّما جُعِلَ الحديث تفسيراً للآية لأنَّ المراد بالتوبة في الآية الرُّجوع عن الكفر إلى التوحيد، ففَسَّرَه قوله وَلِ: ((حتَّى يَشْهَدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمداً رسول الله)). وبين الآية والحديث مناسبة أُخرى، لأنَّ التخليةَ في الآية والعِصْمة في الحديث بمعنّی واحد، ومناسبة الحديث لأبواب الإيمان من جهة أُخرى: وهي الردُّ على المُرْجِئة حيثُ زَعَموا أنَّ الإيمان لا يحتاج إلى الأعمال. قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن محمَّد)) زاد ابن عساكر: ((المسنَدي)) وهو بفتح النون كما مضى(١) ((قال: حدَّثنا أبو رَوْح)) هو بفتح الراء. قوله: ((الحَرَمي)) هو بفتح المهمَلتَين، وللأَصِيلِيِّ: حَرَميّ، وهو اسم بلفظ النَّسَب تُثَبَت فيه الألف واللام وتُحذَف، مِثل مَكِّي بن إبراهيم الآتي بعد. وقال الكِرْماني: أبو رَوْحِ كُنْيته، واسمه ثابت والحَرَمي نسبَته، كذا قال. وهو خطأ من وجهين: أحدهما: في جَعْله اسمَه نسبةً، والثاني: في جَعْله اسمَ جدِّه اسمَه، وذلك أنه حَرَمي ابن عُمارة بن أبي حَفْصة، واسم أبي حَفْصة نابت، وكأنه رأى في كلام بعضهم: واسمه نابت، فظَنَّ أنَّ الضمير يعود على حَرَمي لأنه المتحدَّث عنه، وليس كذلك بل الضمير يعود على أبي حَفْصة لأنه الأقرب، وأكَّدَ ذلك عنده وُرودُه في هذا السَّنَد ((الخَرَمي)) بالألف واللام، وليس هو منسوباً إلى الحَرَم بحالٍ، لأنه بصري الأصل والمولد والمنْشَأ والمسكن والوفاة. ولم يَضْبِط نابتاً كعادته فكأنه ظَنَّه بالمثلَّثة كالجادّة، والصحيح أنَّ أوَّله نون. قوله: ((عن واقد بن محمَّد)) زاد الأَصِيلي: ((يعني ابن زيد بن عبد الله بن عمرَ)) فهو من (١) في ((هدى الساري)) في آخر الفصل السادس. ١٦٣ باب ١٧ / ح ٢٥ كتاب الإيمان رواية الأبناء عن الآباء، وهو كثير، لكنَّ رواية الشَّخْص عن أبيه عن جدّه أقل، وواقد هنا روی عن أبيه عن جدِّ أبيه. وهذا الحديث غريب الإسناد تفرَّد بروايته شُعْبة عن واقد، قاله ابن حِبَّان، وهو عن شُعْبةَ عزيز تفرَّد بروايته عنه حَرَمي هذا وعبد الملك بن الصَّبّاح، وهو عزيز عن حَرَمي تفرَّد به عنه المسنَدي وإبراهيمُ بن محمد بن عَرْعَرة، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عَوَانة وابن حِبَّان (١٧٥) والإسماعيلي وغيرهم. وهو غريب عن عبد الملك/ تفرَّد به عنه أبو غَسّان مالكُ ٧٦/١ ابن عبد الواحد شيخ مسلم (٢٢)، فاتَّفقَ الشیخان على الحُكْم بصِخَتِه مع غَرابته، ولیس هو في ((مسند أحمد)) على سَعَته. وقد استَبعَدَ قوم صِحَّته بأنَّ الحديث لو كان عند ابن عمر لَما ترك أباه يُنازِع أبا بكر في قتال مانعي الزَّكاة، ولو كانوا يعرفونه لَمَا كان أبو بكرٍ يُقِرُّ عمرَ على الاستدلال بقوله عليه الصلاة والسلام: ((أُمِرْتُ أنْ أُقاتل الناسَ حتَّى يقولوا: لا إله إلَّا الله))، ويَنتِقِل عن الاستدلال بهذا النَّص إلى القياس إذْ قال: لَأُقاتلَنَّ مَن فَرَّقَ بين الصلاة والزَّكاة (١)، لأنها قَرينَتُها في كتاب الله. والجواب: أنه لا يلزم من كَوْن الحديث المذكور عند ابن عمرَ أنْ يكون استَحضَرَه في تلك الحالة، ولو كان مُستَحْضِراً له، فقد يحتمل أنْ لا يكون حَضَرَ المُنَاظَرة المذكورة، ولا يَمتَنع أنْ يكون ذكره لهما بعدُ. ولم يستدلَّ أبو بكر في قتال مانعي الزَّكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضاً من قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه: ((إلَّا بحقِّ الإسلام))، قال أبو بكر: والزَّكاة حق الإسلام. ولم ينفرد ابن عمرَ بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضاً بزيادة الصلاة والزَّكاة فيه كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الزّكاة (١٣٩٩)(٢). (١) سيأتي عند المصنف برقم (١٤٠٠). (٢) ولم يفصّل الكلام عليه هناك بل أحال إلى هذا الموضع هنا وإلى كتاب أحكام المرتدين (٦٩٢٤)، ولم يشر إلى هذه الزيادة في حديث أبي هريرة، وهي في حديثه عند أحمد في («المسند» (٨٥٤٤)، وابن خزيمة (٢٢٤٨)، وسنده حسن. ١٦٤ باب ١٧ / ح ٢٥ فتح الباري بشرح البخاري وفي القِصَّة دليل على أنَّ السُّنّة قد تخفَى على بعض أكابر الصحابة ويَطَّلِعِ عليها آحادُهم، ولهذا لا يُلتَفتُ إلى الآراء ولو قَويَتْ مع وجود سُنّةٍ تخالفُها، ولا يقال: كيف خَفيَ ذا على فُلان؟ والله الموفّق. قوله: ((أُمِرْتُ)) أي: أمَرَني الله، لأنه لا آمِرَ لرسول الله وَ لَهَ إلَّ الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: أُمِرْتُ، فالمعنى: أمَرَني رسول الله وَّهِ، ولا يحتمل أنْ يريد: أمَرَني صحابي آخر، لأنهم من حيثُ إنَّهِم مُجْتَهِدون لا يَحَتَجّون بأمر مُجْتَهِد آخر، وإذا قاله التابعي احتُمِل. والحاصل أنَّ مَن اشْتَهَرَ بطاعة رئيس إذا قال ذلك فُهِمَ منه أنَّ الآمِر له هو ذلك الَّئيس. قوله: ((أنْ أُقاتِل)) أي: بأنْ أُقاتل، وحذف الجار من ((أن)) کثیر. قوله: ((حتَّى يَشْهَدوا)) جُعِلَتْ غايةُ المقاتلة وجود ما ذُكِرٍ، فمقتضاه أنَّ مَن شهد وأقام وآتى عُصِمَ دَمُه ولو جَحَدَ باقي الأحكام، والجواب: أنَّ الشهادة بالرّسالة تتضمَّن التصديقَ بما جاءَ به، مع أنَّ نص الحديث وهو قوله: ((إلَّا بحقِّ الإسلام)) يدخل فيه جميع ذلك. فإن قيل: فلِمَ لم يكتفِ به ونَصَّ على الصلاة والزّكاة؟ فالجواب: أنَّ ذلك لعِظَمِهما والاهتمام بأمرهما، لأنهما أُمَّا العبادات البدنيَّة والماليّة. قوله: ((ويقيموا الصلاة)) أي: يُداوِموا على الإتيان بها بشُروطِها، من: قامَت السّوقُ: إذا نَفَقَت، وقامَت الحرب: إذا اشتدَّ القتال. أو المراد بالقيام الأداء - تعبيراً عن الكل بالجزءٍ - إذ القيام بعضُ أركانها. والمراد بالصلاة المفروضةُ منها، لا جنسُها، فلا تَدخُل سَجْدةُ التِّلاوة مثلاً وإنْ صَدَقَ اسم الصلاة عليها. وقال الشيخ محبي الدِّين النَّووي في هذا الحديث: إنَّ مَن ترك الصلاة عَمْداً قُتِل. ثمَّ ذكر اختلاف المذاهب في ذلك. وسُئِلَ الکِرْماني هنا عن حُكْم تارك الَّكاة، وأجاب بأنَّ حُكْمھما واحدٌ لاشتراکهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أمَّا في القتل فلا. والفَرْق أنَّ المُمتنِعِ من إيتاء الزَّكاة يُمكِن أنْ تُؤْخَذ منه قَهْراً، بخلاف الصلاة، فإنِ انتهى إلى نصب القتالِ ليمنعَ الزّكاةَ قُوتِل، وبهذه ١٦٥ باب ١٧ / ح ٢٥ كتاب الإيمان الصورة قاتَلَ الصِّدّيقُ مانعي الزَّكاة، ولم يُنْقَل أنه قتلَ أحداً منهم صَبْراً. وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظر، للفَرْقِ بين صيغة ◌ُقاتل وأَقتُل، والله أعلم. وقد أطنَبَ ابنُ دَقِيق العيد في ((شرح العُمْدة)) في الإنكار على مَن استدلَّ بهذا الحديث على ذلك وقال: لا يلزم من إباحة المقاتَلَة إباحةُ القتلِ، لأنَّ المقاتَلَةَ مُفاعلة تستلزم وقوعَ القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل. وحكى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسَبيلِ، قد يَحِل قتالُ الرجلِ ولا يَحِلُّ قتلُه. قوله: ((فإذا فعلوا ذلك)) فيه التعبير بالفعل عمَّا بعضُه قَولٌ، إمّا على سبيل التغليب، وإمَّا على إرادة المعنى الأعم، إذ القول فعلُ اللِّسان. قوله: ((عَصَموا)) أي: مَنَعوا، وأصل العِصْمة/ من العِصام: وهو الخيط الذي يُشدُّ به فَمُ ٧٧/١ القِرْبة ليمنعَ سَيَلان الماء. قوله: ((وحِسابهم على الله)) أي: في أمر سرائرهم، ولفظة ((على)) مُشعِرٌ بالإيجاب، وظاهرُها غير مراد، فإمَّا أنْ تكون بمعنى اللام أو على سبيل التشبيه، أي: هو كالواجبٍ على الله في تحقّق الوقوع. وفيه دليل على قَبُول الأعمال الظاهرة والحُكْم بما يقتضيه الظاهرُ، والاكتفاء في قَبُول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافاً لمن أَوجَبَ تعلُّمَ الأدلَّة، وقد تقدَّم ما فيه(١). ويُؤخَذ منه تركُ تكفير أهل البِدَع المُقِرّين بالتوحيدِ المُلتَزِمين للشَّرائع، وقَبُول توبة الکافر من کفرِه، من غیر تفصیل بین کفر ظاهر أو باطنٍ. فإن قيل: مُقتَضى الحديث قتالُ كلِّ مَن امتَنَعَ من التوحيد، فكيف تُرِكَ قتال مُؤدّي الجِزْية والمعاهد؟ فالجواب من أوجُه: (١) في الباب رقم (١٣) من كتاب الإيمان: باب قول النبي ◌َّ: ((أنا أعلمكم بالله)) وأن المعرفة فعل القلب. ١٦٦ باب ١٨ فتح الباري بشرح البخاري أحدها: دعوى النَّسْخِ بأنْ يكون الإذنُ بأخذِ الجِزْية والمعاهدة مُتأخِّراً عن هذه الأحاديث، بدليلٍ أنه مُتأخّر عن قوله تعالى: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. ثانيها: أنْ يكون من العام الذي خُصَّ منه البعض، لأنَّ المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تَخَلَّفَ البعضُ لدليلٍ لم يَقدَحْ في العموم. ثالثها: أنْ يكون من العام الذي أُريدَ به الخاصُّ، فيكون المراد بالناس في قوله: ((أُقاتل الناسَ)) أي: المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النَّسائي (٣٩٦٦) بلفظ: (أُمِرْت أنْ أُقاتلَ المشركين))(١). فإن قيل: إذا تَمَّ هذا في أهل الجِزْيَةَ لم يَتِمَّ في المعاهَدين ولا فيمَن مَنَعَ الجِزْية، أُجيبَ بأنَّ المُمتنِعِ في ترك المقاتَلَة رفعُها لا تأخيرُها مُدّةً كما في الهُدْنة، ومُقاتَلَةُ مَن امتَنَعَ من أداء الجِزْية بدليلِ الآية. رابعها: أنْ يكون المراد بما ذُكِرَ من الشهادة وغيرها التعبيرُ عن إعلاء كلمة الله وإذْعان المخالفين، فيَحصُل في بعضٍ بالقتلِ وفي بعضٍ بالجِزْية، وفي بعضٍ بالمعاهدة. خامسها: أنْ يكون المراد بالقتال هو، أو ما يقوم مقامَه، من جِزْية أو غيرها. سادسها: أنْ يقال: الغرضُ من ضَرْب الجِزْية اضطرارُهم إلى الإسلام، وسبب السبب سببٌ، فكأنه قال: حتَّى يُسلِموا أو يَلتَزِموا ما يُؤَدّيهم إلى الإسلام، وهذا أحسن، ويأتي فيه ما في الثالث، وهما أَحسنُ(٢) الأجوبة، والله أعلم. ١٨ - باب مَن قال: إنَّ الإيمان هو العمل لقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]. وقال عِدّةٌ من أهلِ العلم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (١ ) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ -٩٣]: عن قول: لا إله إلا الله. وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَمِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. (١) وهي أيضاً رواية لأبي داود (٢٦٤٢)، وهي عندهما من طريقين عن حميد الطويل عن أنس. (٢) في (ع) بدل قوله: ((وهما أحسن)): وهذا أحسن، وفي (س): وهو آخر. ١٦٧ باب ١٨ كتاب الإيمان قوله: ((باب من قال» هو مضاف حَتْماً. قوله: ((إنَّ الإيمان هو العمل)) مطابقة الآيات والحديث لما تَرجَمَ له بالاستدلال بالمجموع على المجموع، لأنَّ كل واحد منها دالٌّ بمُفرَدِه على بعض الدَّعْوى، فقوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] عامٌّ في الأعمالِ، وقد نقل جماعة من المفسِّرين أنَّ قوله هنا: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ معناه: تُؤْمنون، فيكون خاصّاً، وقوله: ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] خاصٍّ بعمل اللِّسان على ما نقل المؤلِّف، وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] عامّ أيضاً. وقوله في الحديث: ((إيمانٌ بالله)) في جواب ((أُّ العمل أفضل؟)) دالٌّ على أنَّ الاعتقاد والنُّطْق من جملة الأعمال. فإن قيل: الحديث: يدل على أنَّ الجهاد والحج ليسا من الإيمان لما تقتضيه (ثمَّ)) منَ المغايرة والترتيب، فالجواب: أنَّ المراد بالإيمان هنا التصديقُ، وهذه حقيقتُه، والإيمان كما تقدَّم يُطلَق على الأعمال البدنيّة لأنها من مُكمِّلاته. قوله: ﴿أُوْرِثْتُمُوهَا﴾/ أي: صُيِّرتْ لكم إرثاً. وأَطلَقَ الإرثَ مَجَازاً عن الإعطاء لتحقَّقِ ٧٨/١ الاستحقاق. و((ما)) في قوله: ((ب)) إمَّا مصدريَّة، أي: بعملكم، وإمَّا موصولة، أي: بالذي كُنتُم تعملون. والباء للمُلابسة أو للمُقابلة(١). فإنْ قيل: كيف الجمعُ بين هذه الآية وحديث: ((لن يدخلَ أحدُكم الجنَّة بعَمِله))(٢)؟ فالجواب أنَّ المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرَّد عن القَبُول، والمثبت في الآية دخولها بالعمل المتقبَّل، والقَبُول إنَّما يَحصُل برحمة الله، فلم يَحَصُل الدُّخول إلَّ برحمة الله. وقيل في الجواب غير ذلك كما سيأتي عند إيراد الحديث المذكور. (١) الصواب أن الباء هنا للسببية، بخلاف الباء في حديث: ((لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله)) فإنها للعِوَض والمقابلة. (س). (٢) سيأتي عند المصنف برقم (٦٤٦٤) من حديث عائشة. ١٦٨ باب ١٨ فتح الباري بشرح البخاري تنبيه: اختلفَ الجواب عن هذا السؤال، وأُجيبَ بأنَّ لفظ ((مِن)) مرادٌ في كل منهما، وقيل: وقع باختلاف الأحوال والأشخاص، فأُجيبَ كل سائل بالحال اللَّائق به، وهذا اختيار الحَلِيمي ونقله عن القَفّال. قوله: ((وقال عِدَّةٌ) أي: جماعة من أهل العلم، منهم أنس بن مالك رُوِّينا حديثَه مرفوعاً في التِّرمِذي (٣١٢٦) وغيره وفي إسناده ضعف. ومنهم ابن عمرَ رُوِّينا حديثه في التفسير للطبري (١٤/ ٦٧)، و((الدُّعاء)) للطبراني (١٤٩٥)(١). ومنهم مجاهد رُوِّيناه عنه في ((تفسير عبد الرزاق» (٢/ ٣٥١) وغيره(٢). قوله: ﴿لَنَسْئَلَنَّهُمْ .. ﴾ إلى آخره، قال النَّووي: معناه: عن أعمالهم كلِّها، أي: التي يتعلَّق بها التكليف، وتخصیص ذلك بالتوحید دعوى بلا دلیل. قلت: لتخصيصِهم وجه من جهة التعميم في قوله: ((أجمعينَ)) بعد أنْ تقدَّم ذِكرُ الكُفّار إلى قوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، فيدخل فيه المسلمُ والكافرُ، فإنَّ الكافر مُخاطَب بالتوحيدِ بلا خلاف، بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف، فمَن قال: إنَّهم مُخاطَبون يقول: إنَّهم مسؤولون عن الأعمال كلّها، ومَن قال: إنَّهم غير مُخاطَبين يقول: إنَّما يُسألون عن التوحيد فقط، فالسؤال عن التوحيد مُتَّفَق عليه. فهذا هو دليل التخصيص، فحمل الآية عليه أَوْلى، بخلاف الحمل على جميع الأعمال لما فيه من الاختلاف، والله أعلم. قوله: ((وقال)) أي: الله عزَّ وجلَّ ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ أي: الفَوْز العظيم ﴿فَلْيَعْمَلِ اَلْعَمِلُونَ ﴾ أي: في الدنيا. والظاهر أنَّ المصنّ تأوَّلها بما تأوَّلَ به الآيتين المتقدِّمَتَين، أي: فلْيؤمن المؤمنون، أو يُحمل العملُ على عمومه لأنَّ مَن آمَنَ لا بُدَّ أنْ يَقْبَل(٣)، ومَن قَبِلَ فمن حقّه أنْ يعمل، ومَن عَمِلَ لا بُدَّ أنْ يَنال، فإذا وصل قال: لمِثلِ هذا فليعمل العاملون. (١) موقوفاً على ابن عمر وإسناده ضعيف. (٢) ورواه الطبراني أيضاً في ((الدعاء)) (١٤٩٦) و(١٤٩٧)، وإسناده ضعيف. (٣) أي: لا بد أن يقبل ما جاء به الرسول وَ ل﴾، إذ لا يتمُّ إيمانه إلا بذلك. (س). ١٦٩ باب ١٨ / ح ٢٦ كتاب الإيمان تنبيه: يحتمل أنْ يكون قائل ذلك المؤمنُ الذي رأى قَرينَه، ويحتمل أنْ يكون كلامه انقَضَى عند قوله: ﴿اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠] والذي بعده ابتداءٌ من قول الله عزَّ وجلَّ أو بعض الملائكة، لا حكاية عن قول المؤمن. والاحتمالات الثلاثة مذكورة في التفسير، ولعلَّ هذا هو السِّر في إبهام المصنِّف القائل، والله أعلم. ٢٦- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونسَ وموسى بنُ إسماعيلَ، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سَعْدٍ، قال: حدَّثنا ابنُّ شِهابٍ، عن سعيدٍ بنِ المسيَّب، عن أبي هُرَيرة: أنَّ رسول الله وَّ سُئِلَ أيُّ العملِ أفضَلُ؟ فقال: ((إيمانٌ بالله ورسوله)) قِيلَ: ثمَّ ماذا؟ قال: ((الجهادُ في سَبيلِ الله)) قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: (حَجِّ مَبْرورٌ)). [طرفه في: ١٥١٩] قوله: ((حدَّثنا أحمدُ بن يونس)) هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليَرْبوعي الكوفي، نُسِبَ إلی جده. قوله: ((سُئِلَ)) أُبهمَ السائلُ، وهو أبو ذرِّ الغِفاري، وحديثه في العِثْق (٢٥١٨). قوله: ((قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: الجهاد)) وقع في ((مسند الحارث بن أبي أسامة)) عن إبراهيم ابن سعد: ((ثمَّ جهاد))، فواخَى بين الثلاثة في التنكير، بخلاف ما عند المصنّف. وقال الكِرْماني: الإيمان لا يتكرَّر كالحج، والجهاد قد يتكرّر، فالتنوين للإفراد الشَّخْصِي، والتعريف للكمال؛ إذ الجهاد لو أُتيَ به مَّة مع الاحتياج إلى التكرار لَمَا كان أفضل. وتُعُقِّبَ عليه بأنَّ التنكير من جملة وجوهه التعظيمُ، وهو يُعْطي الكمال، وبأنَّ التعريف من جملة وجوهه العَهْدُ، وهو يُعْطي الإفراد الشَّخْصى، فلا يُسلَّم الفَرْق. قلت: وقد ظهر من رواية الحارث التي ذكرتُها أنَّ التنكير والتعريف فيه من تصرُّف الرُّواة، لأنَّ ◌َرَجَه واحد، فالإطالة في طلب الفَرْق في مثل هذا غير طائلة، والله الموفِّق. قوله: ((حَجِّ مَبْرور)) أي: مقبول، ومنه: بَرَّ حَجُّك، وقيل: المَبْرور الذي لا يخالطه إثم، وقيل: الذي/ لا رياءَ فيه. ٧٩/١ ١٧٠ باب ١٩ / ح ٢٧ فتح الباري بشرح البخاري فائدة: قال النَّووي: ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذرِّ(١) لم يَذْكُر الحج وذكر العِثْقِ، وفي حديث ابن مسعود(٢) بدَأ بالصلاة ثمَّ البِرِّ ثمَّ الجهاد، وفي الحديث المتقدِّم (١١) ذكر السلامة من اليد واللِّسان. قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال واحتياج المخاطَبین، وذِكْر ما لا يعلمُه السائل والسامعون وتركِ ما عَلِموه، ويُمكِن أنْ يقال: إنَّ لفظة ((مِن)) مرادة کما يقال: فُلان أعقل الناس، والمراد: من أَعقلِهم، ومنه حديث: ((خيرُكم خيرُكم لأهلِه)) (٣)، ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خيرَ الناس. فإن قيل: لمَ قَدَّمَ الجهاد وليس برُكْنٍ على الحج وهو رُكْن؟ فالجواب: أنَّ نفعَ الحج قاصرٌ غالباً، ونفعَ الجهاد مُتعدٍّ غالباً، أو كان ذلك حيثُ كان الجهاد فرضَ عينٍ - ووقوعُه فرضَ عينٍ إذْ ذاكَ مُتكرِّر - فكان أهَمَّ منه فقُدِّم، والله أعلم. ١٩ - باب إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، فإذا كان على الحقيقةِ فهو على قوله جَلَّ ذِكرُه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ٢٧ - حدَّثنا أبو اليَمَان، قال: أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْري، قال: أخبرني عامرُ بن سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، عن سَعْدٍ عَّهِ: أنَّ رسولَ الله ◌َّ أَعطَى رَهْطاً - وسَعْدٌ جالسٌ - فتركَ رسولُ الله ◌َيِّ رجلاً هو أعجَبُهم إليَّ، فقلتُ: يا رسولَ الله، ما لكَ عن فُلانٍ، فوالله إني لأُراه مُؤْمِناً! فقال: ((أو مُسلِماً)) فسَكَتُّ قليلاً، ثمَّ غَلَبَتي ما أعلَمُ منه فعُدْتُ لِمَقالتي، فقلتُ: ما لكَ عن فُلان؟ فوالله إني لأُراه مُؤْمِناً! فقال: ((أو مُسلِم)) فسَكَتُّ قليلاً، ثمَّ غَلَبَتي ما أَعلَمُ منه، فعُدْتُ (١) الذي أخرجه البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤). (٢) الذي أخرجه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٨٥). (٣) أخرجه الترمذي (٣٨٩٥)، وابن حبان (٤١٧٧) من حديث عائشة بسند صحيح. ١٧١ باب ١٩ / ح ٢٧ كتاب الإيمان لِمَقالتي، وعاد رسولُ الله ◌َّهِ ثُمَّ قال: ((يا سَعْدُ، إني لأُعطي الرجلَ وغيرُه أحبُّ إليَّ منه، خشيةَ أنْ یکُبَّه الله في النار)). ورواه يونسُ وصالحٌ ومَعمَرٌ وابنُ أخي الزُّهْري، عن الزُّهْريّ. [طرفه في: ١٤٧٨] قوله: ((باب إذا لم يكنِ الإسلام على الحقيقة)) حَذَفَ جواب قوله: ((إذا)) للعِلْم به كأنه يقول: إذا كان الإسلام كذلك لم يُنْتَفَعْ به في الآخرة. ومُحصَّل ما ذكره واستدلَّ به: أنَّ الإسلامَ يُطلَق ويُراد به الحقيقة الشرعيَّة، وهو الذي يُرادِف الإيمانَ(١) وينفع عند الله، وعليه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقوله تعالى: ﴿فَا وَحَدْنَا فِيهَا غَيّرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]، ويُطلَق ويُراد به الحقيقة اللُّغَويَّة، وهو مجرَّد الانقياد والاستِسْلام، فالحقيقة في كلام المصنِّف هنا هي الشرعيَّة. ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيثُ إنَّ المسلم يُطلَق على مَن أظهَر الإسلامَ وإنْ لم يُعلَم باطنُه، فلا يكون مؤمناً لأنه ممَّن لم تَصْدُق عليه الحقيقة الشرعيَّة، وأمَّا اللُّغَويَّة فحاصلٌ. قوله: ((عن سَعدٍ)) هو ابنُ أبي وَقَّاصٍ، كما صرَّح به الإسماعيليُّ في روايته، وهو والدُ عامر الرواي عنه، كما وقع في الزّكاة عند المصنِّ (١٤٧٨) من رواية صالح بن کَیْسان، قال فيها: ((عن عامر بن سعدٍ، عن أبيه))، واسمُ أبي وَقَّاصٍ مالكٌ، وسيأتي تمامُ نسبه في مناقب سعدٍ (٣٧٢٥) إن شاء الله تعالى. قوله: ((أعطَى رَهْطا) الرَّهْط: عددٌ من الرجال من ثلاثة إلى عشرةٍ، قال القَزّاز: ورُبَّما جاوزوا ذلك قليلاً، ولا واحد له من لفظه، ورَهْطُ الرجل: بنو أبيه الأدنى، وقيل: قبيلتُه. وللإسماعيليِّ من طريق ابن أبي ذِئْب: أنه جاءَه رَهْطٌ فسَألوه، فأعطاهم فترك رجلاً منهم. قوله: ((وسَعْدٌ جالسٌ)) فيه تجرید. (١) في (أ): کمال الإيمان. ١٧٢ باب ١٩ / ح ٢٧ فتح الباري بشرح البخاري ٨٠/١ وقوله: ((أعجَبهم إليَّ) فيه الْتِفات، / ولفظه في الزَّكاة (١٤٧٨): ((أعطَى رَهْطاً وأنا جالس)) فساقه بلا تجريد ولا الْتِفات، وزاد فيه: ((فقُمْت إلى رسول الله وَ﴿ فسارَرْتُه))، وغَفَلَ بعضُهم فعَزا هذه الزّيادة إلى مسلم (١٥٠) فقط. والرجل المتروك اسمه جُعَيل بن سُراقةَ الضَّمْري، سَّاه الواقدي في «المغازي)). قوله: «ما لك عن فُلان؟)) يعني: أُّ سبب لعُدولكَ عنه إلى غيره؟ ولفظ ((فُلان)) كِنايةٌ عن اسم ◌ُبهم بعد أنْ ذُكِرٍ. قوله: ((فوالله)) فيه القَسَم في الإخبار على سبيل التأكید. قوله: ((لَأُراه)) وقع في روايتنا من طريق أبي ذرِّ وغيره بضم الهمزة هنا وفي الزَّكاة، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره. وقال الشيخ محيي الدِّين رحمه الله: بل هو بفتحها، أي: أعلَمُه، ولا يجوز ضمُّها فيصير بمعنى: أظُنّه؛ لأنه قال بعد ذلك: غَلَبَني ما أَعلمُ منه. انتهى. ولا دلالة فيما ذكر على تَعَيُّن الفتح لجواز إطلاق العِلم على الظَّن الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، سَلَّمْنا لكن لا يلزم من إطلاق العلم أنْ لا تكون مُقدِّماتُه ظَنِيَّة فيكون نظريّاً لا يقينيّاً، وهو المُمكِن هنا، وبهذا جزم صاحب ((المُفْهم في شرح مسلم)) فقال: الرواية بضم الهمزة. واستنْبَطَ منه جواز الخَلِفِ على غَلَبة الظَّن، لأنَّ النبيَّ ◌َّ ما نهاه عن الخَلِف، كذا قال، وفيه نظر لا يَخَفَى، لأنه أقسَمَ على وِجْدان الظَّن وهو كذلك، ولم يُقْسِم على الأمر المظنون كما ظُن. قوله: ((فقال: أو مُسلِم)) هو بإسكان الواو لا بفتحها، فقيل: هي للتَّنْويع، وقال بعضهم: هي للتَّشْريك، وأنه أمره أنْ يقولهما معاً لأنه أحوط، ويَرُدُّ هذا رواية ابن الأعرابي في «معجمه)) (٢٠٨) في هذا الحديث فقال: ((لا تَقُل: مؤمن بل مسلم))، فوَضَحَ أنها للإضراب، وليس معناه الإنكار، بل المعنى: أنَّ إطلاق المسلم على مَن لم يُخْتَبَر حالُه الخِبْرَةَ الباطنة أَوْلى من إطلاق المؤمن، لأنَّ الإسلام معلوم بحُكْم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدِّين مُلخَّصاً. ١٧٣ باب ١٩ / ح ٢٧ كتاب الإيمان وتعقّبه الكِرْماني بأنه يلزم منه أنْ لا يكون الحديث دالًّا على ما عُقِدَ له الباب، ولا يكون لَرَدِّ الرسول وَلّل على سعد فائدة. وهو تعقُّب مردود، وقد بَيَّنّا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبلُ، ومُحصَّل القصّة: أنَّ النبيَّ وَّلِ كان يُوسِع العطاء لمن أظهَرَ الإسلام تألُّفاً، فلمَّا أعطَى الرَّهْط - وهم من المؤلّفة - وترك جُعَيلاً وهو من المهاجرين، مع أنَّ الجميع سَألوه، خاطَبَه سعد في أمره لأنه كان يرى أنَّ جُعَيلاً أحق منهم لما اختَبَرَه منه دونهم، ولهذا راجَعَ فيه أكثر من مرّة، فأرشَدَه النبي ◌ٍَّ إلى أمرين: أحدهما: إعلامُه بالحِكْمة في إعطاء أُولئكَ وحِرْمان جُعَيلٍ مع كَوْنه أحبَّ إليه ثمّن أعطَى، لأنه لو ترك إعطاء المؤلّف لم يُؤْمَن ارتِدادُه فيكونَ من أهل النار. ثانيهما: إرشادُه إلى التوقُّف عن الثَّنَاء بالأمر الباطن دون الثَّناء بالأمر الظاهر، فَوَضَحَ بهذا فائدة رَدِّ الرسولِ وَ لَّ على سعدٍ، وأنه لا يستلزم مَحْضَ الإنكار عليه، بل كان أحدُ الجوابينِ على طريق المَشُورة بالأَوْلى، والآخر على طريق الاعتذار. فإنْ قيل: كيف لم تُقْبل شهادةُ سعدٍ جُعَيلِ بالإيمان، ولو شهد له بالعدالة لَقُبِلَ منه وهي تستلزم الإيمانَ؟ فالجواب: أنَّ كلام سعدٍ لم يَخْرُجْ مَخَرَجَ الشهادة، وإنَّما خرج غَرَجَ المدح له والتوسُّل في الطََّب لأجلِه، فلهذا نُوقِشَ في لفظه حتَّى ولو كان بلفظ الشهادة، لما اسْتَلْزَمَتِ المَشُورة عليه بالأمر الأَوْلِى رَدَّ شهادته، بل السِّياق يُرشِد إلى أنه قَبِلَ قوله فیه بدلیل أنه اعتَذَرَ إلیه. ورُوِّینا في ((مسند محمد بن هارون الرُّویاني)) وغيره بإسنادٍ صحيح إلى أبي سالم الجَيْشاني عن أبي ذرٍّ: أنَّ رسول الله وَّه قال له: ((كيف ترى جُعَيلاً؟)) قال: قلت: كشَكْله من الناس؛ يعني المهاجرين، قال: ((فكيف ترى فُلاناً؟)) قال: قلت: سيِّد من سادات الناس، قال: ((فجُعَيلٌ خير من مِلْء الأرض من فُلان)) قال: قلت: ففُلان هكذا وأنتَ تَصْنَع به ما تَصْنَع؟! قال: ((إنَّه رأسُ قَومِه، فأنا أَتْأَلَّفُهم به)). فهذه مَنزِلة جُعَيلِ المذكورِ عند النبي ◌َلِّ كما ترى، فظهرتْ بهذا الحِكْمة في حِزْمانه وإعطاء غيره، وأنَّ ذلك لمصلحة التأليف كما قَرَّرْناه. ١٧٤ باب ١٩ / ح ٢٧ فتح الباري بشرح البخاري وفي حديث الباب من الفوائد: التفرقة بين حقيقتَي الإيمان والإسلام، وتركُ القَطْع بالإيمان الكامل لمن لم يُنَصَّ عليه، وأمَّا منع القَطْع بالجنَّة فلا يُؤخَذ من هذا صريحاً وإنْ ٨١/١ تَعرَّضَ له بعض / الشارحين، نعم هو كذلك فيمَن لم يَئُبُت فيه النصُّ. وفيه الرَّد على غُلاة المُرْجِئة في اكتفائهم في الإيمان بنُطْقِ اللِّسان. وفيه جواز تصرُّف الإمام في مال المصالح وتقديم الأهَم فالأهَم وإِنْ خَفيَ وجهُ ذلك على بعض الرَّعيَّة. وفيه جوازُ الشفاعة عند الإمام فيما يعتقد الشافعُ جوازَه، وتنبيه الصغير للکبیر على ما يظن أنه ذَهَلَ عنه، ومُراجَعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يُؤَدِّ إلى مفسدة، وأنَّ الإسرار بالنصيحة أَوْلى من الإعلان كما ستأتي الإشارة إليه في كتاب الزَّكاة (١١٤٧٨): «فقُمْت إليه فسارَرْتُه))، وقد يتعيَّن إذا جَرَّ الإعلانُ إلى مفسدة. وفيه: أنَّ مَن أُشيرَ عليه بما يعتقدُه المُشيرُ مصلحةً لا يُنِكرُ عليه، بل يُبيَّن له وجهُ الصواب. وفيه: الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابتِه، وأنْ لا عَيْبَ على الشافع إذا رُدَّتْ شفاعتُه لذلك. وفيه: استحبابُ ترك الإلحاح في السؤال كما استَنَبَطَه المؤلِّف منه في الزّكاة، وسيأتي تقريره هناك إن شاء الله تعالى. قوله: ((إني لَأُعطي الرجلَ)) حُذِفَ المفعول الثاني للتَّعْميم، أي: أيَّ عطاء كان. قوله: ((أعجَبُ إليَّ)) في رواية الكُشْمِيهَني: ((أحبُّ)) وكذا لأكثر الرُّواة، ووقع عند الإسماعيلي بعد قوله: ((أحب إليَّ منه)): ((وما أُعطيه إلَّا تَخَافةَ أنْ يَكُبَّه الله ... )) إلى آخره. ولأبي داود (٤٦٨٣) من طريق مَعمَر: ((إني أُعطي رجالاً، وأدعُ مَن هو أحبُّ إليَّ منهم لا أُعطيه شيئاً، تَخَافَةَ أنْ يُكَبُّوا في النار على وجوههم)). ١٧٥ باب ١٩ / ح ٢٧ كتاب الإيمان قوله: ((أنْ يَكُبَّه)) هو بفتح أوَّله وضم الكاف يقال: أكَبَّ الرجل: إذا أطرَق، وكَبَّه غيره: إذا قَبَه، وهذا على خلاف القياسي، لأنَّ الفعل اللازم يتعدَّى بالهمزة، وهذا زيدَتْ عليه الهمزةُ فقُصِر. وقد ذكر المؤلِّف هذا في كتاب الزَّكاة (١٤٧٨) فقال: يقال: أكَبَّ الرجل: إذا كان فعله غير واقع على أحد، فإذا وقع الفعل قلت: كَبَّه وكَبَبْتُه. وجاءَ نظير هذا في أحرُف يسيرة منها: أنسَلَ ريشُ الطائرِ ونَسَلْتُه، وأنَزَفَت البئرُ ونَزَفْتُها، وحكى ابن الأعرابي في المتعدِّي: كَبَّه وأَكَبَّه معاً. تنبيه: ليس فيه إعادة السؤال ثانياً ولا الجواب عنه(١). وقد رُوِيَ عن ابن وَهْبٍ ورِشْدينَ بن سعدٍ جميعاً عن يونس عن الزّهْري بسندٍ آخر قال: عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف عن أبيه. أخرجه ابن أبي حاتم(٢)، ونقل عن أبيه أنه خطأً من راويه، وهو الوليد بن مسلم عنهما (٣). قوله: ((ورواه يونسُ)) يعني ابن يزيد الأَيلي، وحديثه موصول في كتاب ((الإيمان)) لعبد الرحمن بن عمرَ الزُّهْري الملقَّب رُسْتَهْ - بضم الراء وإسكان السِّين المهمَلتَين، وقبل الهاء مُثنَّة من فوقُ مفتوحة - ولفظه قريب من سياق الكُشْمِيهَني، ليس فيه إعادة السؤال ثانياً ولا الجواب عنه. قوله: ((وصالح)) يعني: ابن كَيْسان، وحديثه موصول عند المؤلِّف في كتاب الزَّكاة (١٤٧٨). وفيه من اللَّطائف رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وهم صالح والزُّهري وعامر. قوله: ((ومَعمَر)) يعني: ابن راشد، وحديثه عند أحمد بن حنبل (١٥٢٢) والحميدي (٦٩) وغيرهما عن عبد الرزاق عنه، وقال فيه: إنَّه أعاد السؤال ثلاثاً. (١) يريد في رواية الكشميهني كما سيأتي لاحقاً، وكما في ((إرشاد الساري)) للقَسْطلّاني ١/ ١١٢. (٢) في ((العلل)) ٢/ ١٥١. (٣) الذي في المطبوع من ((العلل)) أن الذي رواه عنهما: هو مروان بن محمد، وهو الطاطَري، فما ذكره الحافظ سبق قلمٍ منه رحمه الله. ١٧٦ باب ١٩ / ح ٢٧ فتح الباري بشرح البخاري ورواه مسلم (١٥٠) عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عُيَينة، عن الزّهْري. ووقع في إسناده وَهْمٌ منه أو من شيخه، لأنَّ مُعظَم الروايات في ((الجوامع)) و((المسانيد)) عن ابن عُيَينة، عن مَعمَر، عن الزُّهْري، بزيادة مَعمَر بينهما، وكذلك حدَّث به ابن أبي عمرَ شيخُ مسلمٍ في («مسنده)) عن ابن عُيَينة، وكذلك أخرجه أبو نُعيم في ((مُستخرَجه)) (٣٧٦) من طريقه، وزَعَمَ أبو مسعود في ((الأطراف)) أنَّ الوَهْم من ابن أبي عمر، وهو مُحْتَمِل لأنْ يكون الوَهْمُ صَدَرَ منه لمَّا حدَّث به مسلماً، لكن لم يتعيَّن الوَهْمُ في جِهَته، وحمله الشيخ محبي الدِّين على أنَّ ابن عُيَينةَ حدَّث به مَرّة بإسقاط مَعمَر ومرّة بإثباته، وفيه بُعْدٌ، لأنَّ الروايات قد تَضافَرَتْ عن ابن عُبَينَةَ بإثبات مَعمَر، ولم يُوجَد بإسقاطه إلَّا عند مسلم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط كما قدَّمناه، وقد أوضحت ذلك بدلائلِه في كتابي («تغليق التعليق». وفي رواية عبد الرزاق عن مَعمَر من الزّيادة: قال الزّهْري: فنرى أنَّ الإسلامَ الكلمةُ، والإيمان العملُ. وقد استُشكِلَ هذا بالنَّظَر إلى حديث سؤال جِبْرِيل(١)، فإنَّ ٨٢/١ ظاهره يخالفُه. ويُمكِن أنْ يكون مراد الزّهْري أنَّ المَرْء يُحكم بإسلامه/ ويُسمَّى مسلماً إذا تَلفَّظَ بالكلمة - أي: كلمة الشهادة - وأنه لا يُسمَّى مؤمناً إلَّ بالعمل، والعملُ يشمل عملَ القلب والجوارح، وعملُ الجوارح يدل على صِدْقه. وأمَّا الإسلام المذكور في حديث جِبْريل، فهو الشرعي الكامل المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَنَ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: ٨٥]. قوله: ((وابن أخي الزُّهْري عن الزُّهْري)) يعني أنَّ الأربعة المذكورين رَوَوْا هذا الحديث عن الزُّهْري بإسناده كما رواه شعيبٌ عنه، وحديث ابن أخي الزُّهْري موصول عند مسلم (١٥٠)، وتكرَّر فيه السؤالُ والجوابُ ثلاث مرات، وقال في آخره: ((خَشْيَةَ أنْ يُكَبَّ)) على البناء للمفعول. (١) سيأتي من حديث أبي هريرة برقم (٥٠). ١٧٧ باب ٢٠ / ح ٢٨ كتاب الإيمان وفي رواية ابن أخي الزُّهْري لطيفةٌ، وهي رواية أربعة من بني زُهْرة على الولاء: هو وعمُّه وعامر وأبوه. ٢٠ - بابٌ السلامُ من الإسلام وقالَ عَّارٌ: ثلاثٌ مَن جمعَهُنَّ فقد جمعَ الإيمان: الإنصافُ من نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السلام للْعالَم، والإنفاقُ مِن الإقْتار. ٢٨ - حدَّثْنَا قُتَبةُ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، عن أبي الخير، عن عبدِ الله ابنِ عَمْرٍو: أنَّ رجلاً سأل رسولَ الله وَّهِ: أَيُّ الإسلام خيرٌ؟ قال: «تُطعِمُ الطَّعامَ، وتَقْرأُ السلامَ على مَن عَرَفْتَ ومَن لم تَعرِفْ)). قوله: «بابٌ)) هو منوَّن. وقوله: ((السلامُ منَ الإسلام)) زاد في رواية كَرِيمة: ((إفشاءُ السلام)) والمراد بإفشائه: نَشْرُه ◌ِراً وجَهْراً، وهو مطابق للمرفوع في قوله: ((على مَن عَرَفْتَ ومَن لم تَعرِف)). وبيانُ كَوْنه من الإسلام تقدَّم في ((باب إطعام الطعام)) (١٢) مع بقيَّة فوائده. وغايَرَ المصنّف بين شيخيه اللَّذَينِ حَدَّثاه عن الليث، مراعاةً للإتيان بالفائدة الإسنادیَّة وهي تكثير الطرق حيثُ يحتاج إلى إعادة المتن، فإنَّه لا يعيد الحديثَ الواحدَ في موضعَينِ على صورة واحدة. فإنْ قيل: كان يُمكِنُهُ أنْ يجمعَ الْحُكْمَينِ في ترجمة واحدة ويُخُرِّجَ الحديثَ عن شيخيه معاً، أجاب الكِرْمانيُّ باحتمال أنْ يكون كُلِّ من شيخيه أورده في مَعرِض غير المعِرِض الآخر، وهذا ليس بطائلِ، لأنه مُتوقُّف على ثبوت وجود تصنيفٍ مُبَّب لكلٍّ من شيخيه، والأصل عدمُه، ولأنَّ مَن اعتنى بترجمة كُلٌّ من قُتَيبة وعَمْرو بن خالد لم يذكر أنَّ لواحدٍ منهما تصنيفاً على الأبواب، لأنه يلزمُ منه أنَّ البخاري يُقلِّد في التراجم، والمعروف الشائع عنه أنه هو الذي يَسْتَنِط الأحكامَ من الأحاديث ويُترجِمُ بها ويتفنَّن في ذلك بما لا يُدرِكُه ١٧٨ باب ٢٠ / ح ٢٨ فتح الباري بشرح البخاري فيه غيرُه، ولأنه يبقى السؤال بحاله إذْ لا يَمتَنع معه أنْ يجمعَهما المصنّف، ولو كان سمعهما مُفترِقَين. والظاهر من صنيع البخاري أنه يَقصِد تعديد شُعَب الإيمان كما قدَّمناه، فخَصَّ كل شُعْبة ببابٍ تنويهاً بذِكْرِها، وقَصْدُ التنويه يحتاج إلى التأكيد ولذلك غايَرَ بين الترجمتين. قوله: ((وقال عمَّار)) هو ابن ياسر، أحد السابقين الأوَّلين، وأثرُه هذا أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب ((الإيمان)) من طريق سفيان الثَّوْري، ورواه يعقوبُ بن شَيْبةَ في («مسنده) من طريق شُعْبةَ وزهير بن معاويةَ وغيرهما، كلّهم عن أبي إسحاقَ السَّبِيعي، عن صِلَة بن زُفَر، عن عمَّار، ولفظ شُعْبة: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه فقدِ استَكْمَلَ الإيمانَ)) وهو بالمعنى. وهكذا(١) رُوِّيناه في ((جامع مَعمَر)) عن أبي إسحاق، وكذا حدَّث به عبد الرزاق في («مصنَّفه)) (١٩٤٣٩) عن مَعمَر، وحدَّث به عبد الرزاق بأَخَرةٍ فرفعه إلى النبي ◌َّ، كذا أخرجه البزَّار في «مسنده» (١٣٩٦) وابن أبي حاتم في ((العِلَل)) (١٤٥/٢) كلاهما عن الحسين (٢) بن عبد الله الكوفي، وكذا رواه البَغَوي في ((شرح السُّنّة)) من طريق أحمد بن كَعْب الواسطيِّ (٣)، وكذا أخرجه ابنُ الأعرابي في ((معجمه)) (٧٢١) عن محمد بن ٨٣/١ الصَّاح الصنعاني، ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعاً،/ واستَغربَه البزَّار، وقال أبو زُرعة: هو خطأٌ. قلت: وهو معلول من حيثُ صناعةُ الإسناد، لأنَّ عبد الرزاق تغيَّر بأَخَرةٍ، وسماعُ هؤلاء منه في حال تغيُّره، إلّا أنَّ مثله لا يُقالُ بالرَّأْي فهو في حُكْم المرفوع، وقد رُوِّيناه مرفوعاً من وجهٍ آخر عن عمَّار، أخرجه الطبرانيُّ في ((الكبير)) وفي إسناده ضعف، وله شواهد أُخرى بَيَّنتُها في ((تغليق التعليق)). قوله: ((ثلاث)) أي: ثلاثُ خِصالٍ، وإعرابُه نظير ما مرَّ في قوله: ((ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه))، (١) أي: موقوفاً على عمار. (٢) تحرف عند البزار وفي (ع) و(س) إلى: الحسن. والحُسين هذا له ترجمة في ((الجرح والتعديل)) ٥٨/٣. (٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((شرح السنة)) مسنداً، وهو فيه ١/ ٥٢ من غير إسناد. ١٧٩ باب ٢١ / ح ٢٩ كتاب الإيمان والعالَم: بفتح اللام، والمراد به هنا: جميع الناس، والإقْتار: القِلّة، وقيل: الافتقار، وعلى الثاني فـ ((مِن)) في قوله: ((من الإقتار)) بمعنی: مع، أو بمعنى: عند. قال أبو الزِّناد بن سِراج وغيرُه: إنَّما كان مَن جمع الثلاث مُستكمِلاً للإيمان لأنَّ مَدارَه عليها، لأنَّ العبد إذا اتَّصَفَ بالإنصاف لم يترك لمولاه حقّاً واجباً عليه إلَّا أدَّاهُ، ولم يترك شيئاً مما نهاه عنه إلَّ اجتَنَبه، وهذا يجمع أركان الإيمان، وبَذْلُ السلام يتضمَّن مكارمَ الأخلاق والتواضُعَ وعدمَ الاحتقار، ويَحَصُل به التالُفُ والتحابُبُ، والإنفاقُ من الإقتار يتضمَّن غايةَ الكَرَم، لأنه إذا أنفَقَ مع الاحتياج كان مع التوسُّع أكثر إنفاقاً، والنَّفَقة أعم من أنْ تكون على العيالِ واجبةً أو مندوبةً، أو على الضيف والزائر، وكَوْنُه من الإقتار يستلزم الوُثوقَ بالله والزهدَ في الدنيا وقِصَرَ الأَملِ وغيرَ ذلك من مُهمّات الآخرة. وهذا التقرير يُقوِّي أنْ يكون الحديث مرفوعاً، لأنه يُشبِهِ أنْ يكون كلامَ مَن أُوتِيَ جوامعَ الكَلِم، والله أعلم. ٢١- باب گُفران العَشِیر، و کفرٍ دون کفٍ فيه أبو سعيد الخُذْريُّ عن النبيِّ ◌َلِّ. ٢٩ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلمةَ، عن مالك، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن ابن عبّاس، قال قال النبيُّ ◌َّةِ: ((أُرِيتُ النارَ فإذا أكثرُ أهلِها النِّساءُ يَكْفُرْنَ)) قيل: أَيكفُرنَ بالله؟ قال: ((يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكفُرْنَ الإحسانَ، لو أَحسنتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهْرَ ثمَّ رَأتْ منكَ شيئاً قالت: ما رَأيتُ منكَ خيراً قَطُّ). [أطرافه في: ٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧] قوله: ((باب كفران العَشير، وكفر دون كفر)) قال القاضي أبو بكر بن العربيِّ في ((شرحه): مراد المصنّف أنْ يُبيِّن أنَّ الطاعات كما تُسمَّى إيماناً كذلك المعاصي تُسمَّى كفراً، لكن حيثُ يُطلَق عليها الكفر لا يُراد به الكفرُ المخرِجُ عن الِلَّة. قال: وخَصَّ كفرانَ العَشير من بين أنواع الذَّنوب لدقيقةٍ بديعة وهي قوله ◌َّهِ: «لو أَمَرْتُ أحداً أنْ يَسجُدَ ١٨٠ باب ٢١ / ح ٢٩ فتح الباري بشرح البخاري لأحدٍ، لَأَمَرْتُ المرأة أنْ تَسجُدَ لزوجها)»(١)، فقَرَنَ حقَّ الزوج على الزوجة بحقِّ الله، فإذا كَفَرَت المرأةُ حق زوجها - وقد بَلَغَ من حقّه عليها هذه الغايةَ - كان ذلك دليلاً على تهاوُنها بحقِّ الله، فلذلك أُطلق عليها الكفرُ لكنَّه كفر لا يُخْرِج عن الِلّهِ. ويُؤخذ من كلامه مناسبةُ هذه الترجمة لأُمور الإيمان، وذلك من جهة گوْنِ الکفر ضد الإيمان. وأمَّا قول المصنّف: ((وكفرِ دون كفر)) فأشار بذلك إلى أثرٍ رواه أحمدُ في كتاب ((الإيمان)» من طريق عطاء بن أبي رَباح وغيرِه(٢). وقوله: «فيه أبو سعيد» أي: يدخل في الباب حديث رواه أبو سعيد، وفي رواية كَرِيمة: ((فيه عن أبي سعيد)) أي: مرويٌّ عن أبي سعيد. وفائدة هذا الإشارة إلى أنَّ للحديث طريقاً غير الطريق المُساقة. وحديث أبي سعيد أخرجه المؤلِّف في الحيض (٣٠٤) وغيره من طريق عِيَاض بن عبد الله عنه، وفيه قوله ﴿ للنساء: ((تَصَدَّقْن، فإني رأيتُكُنَّ أكثرَ أهلِ النار)) فقلن: وبمَ يا رسول الله؟ قال: ((تُكثِرْنَ اللَّعْن، وتَكفُرْنَ العَشيرَ» الحديث. ويحتمل أنْ يريد بذلك حديثَ أبي سعيد أيضاً: ((لا يَشكُرُ اللهَ مَن لا يَشكُرُ الناسَ))(٣) قاله القاضي أبو بكر المذكور، (١) رواه جمعٌ من الصحابة، فأخرجه أحمد (١٩٤٠٣)، وابن ماجه (١٨٥٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وأحمد (٢١٩٨٦) من حديث معاذ بن جبل، وأحمد (٢٤٤٧١)، وابن ماجه (١٨٥٢) من حديث عائشة، والدارمي (١٤٦٣)، وأبو داود (٢١٤٠) من حديث قيس بن سعد، والدارمي (١٤٦٤) من حديث بريدة، والترمذي (١١٥٩) من حديث أبي هريرة. (٢) وأخرجه أيضاً عن عطاءٍ في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ [المائدة: ٤٤] إسماعيلُ القاضي في ((أحكام القرآن)) كما في ((تغليق التعليق)) ٤٣/٢ -٤٤، والمروزيُّ في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٥٧٥)، والطبري في تفسيره)) ٢٥٦/٦، ورجال إسناده ثقات رجال الصحيح. وروي أيضاً عن ابن عباس عند الحاكم في ((المستدرك)) ٣١٣/٢، وعنه البيهقي في ((السنن)) ٨/ ٢٠، وسنده جيد، وهو عند أحمد في كتاب ((الإيمان)) كما في ((التغليق)) ٢/ ٤٤ من طريق آخر عن ابن عباس بمعناه، ورجاله ثقات رجال الصحيح. (٣) أخرجه أحمد (١١٢٨٠)، والترمذي (١٩٥٥)، وإسناده ضعيف، لكن له شواهد يصح بها مُساقة في التعليق على ((المسند».