Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
ح ٧
كتاب بدء الوحي
قوله: ((مِن محمَّد)) فيه أنَّ السُّنّة أنْ يَبدَأ الكاتبُ(١) بنَفْسِه، وهو قول الجمهور، بل حكى
فيه النَّحّاس إجماع الصحابة، والحقّ إثبات الخلاف.
وفيه أنَّ ((مِن)) التي لابتداءِ الغاية تأتي في غيرِ الزَّمان والمكان، كذا قاله أبو حَيّان،
والظاهر أنها هنا لم تُخرُج عن ذلك، لكن بارتكاب مجاز.
زاد في حديث دِخْية: وعنده ابنُ أخ له أحمرُ أزرَقُ سَبْط الرأس. وفيه: لمَّ قرأ الكتاب
سَخِرَ فقال: لا تَقرَأْه، إنَّه بدأَ بنَفْسِه. فقال قَيْصَر: ليقرأنَّه، فقَرَأه. وقد ذكر البزَّار في
((مسنده)(٢) عن دِخْية الكَلْبي: أنه هو ناولَ الكتاب لقَيْصَر، ولفظه: بَعَثَني رسول الله وَل
بكتابه إلى قَيْصرَ فأعطيتُه الكتاب.
قوله: ((عَظيم الرّوم)) فيه عُدول عن ذِكْره بالملِكِ أو الأمير، لأنه معزول بحُكْم الإسلام،
لكنَّه لم يُخْلِه عن إكرامٍ لمصلحة التألُّف. وفي حديث دِخْية أنَّ ابن أخي قَيْصر أنكر أيضاً كَوْنه
لم يقل: ملك الرّوم.
قوله: ((سلام على مَن اتَّبَعَ الهُدَى)) في رواية المصنّف في الاستئذان (٦٢٦٠): ((السلام))
بالتعريف. وقد ذُكِرَتْ في قِصَّة موسى وهارون مع فِرْعَون، وظاهر السِّياق يدل على أنه
من جملة ما أُمِرا به أنْ يقولاه. فإن قيل: كيف يُبدَأ الكافر بالسلام؟ فالجواب أنَّ المفسّرين
قالوا: ليس المراد من هذا التحيَّة، إنَّما معناه: سَلِمَ من عذاب الله مَن أسلم، ولهذا جاءَ بعده
﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨]، وكذا جاءَ في بقيَّة هذا الكتاب: ((فإنْ تَوَلَّيْتَ
فإنَّ عليك إثمَ الأَرِيسَيِّينَ)). فمُحصَّل الجواب: أنه لم يَبدَأ الكافر بالسلام قَصْداً وإنْ كان
اللفظ يُشعِرِ به، لكنَّه لم يدخل في المراد لأنه ليس مَمَّنِ اتَّبَعَ الهُدَى، فلم يُسلِّم عليه.
قوله: ((أمَّا بعدُ)) في قوله: ((أمّا)) معنى الشَّرْط، وتُستَعمَل لتفصيل ما يُذكَر بعدها غالباً،
وقد تَرِدُ مُستأنَفة لا للتفصيل كالَّتي هنا(٣)، وقال الكِرْمانيُّ: هي هنا للتفصيل، والتقديرُ:
(١) في (ع) و(س): الكتاب.
(٢) برقم (٢٣٧٤ - كشف الأستار عن زوائد البزار)، وسنده مسلسل بالضعفاء.
(٣) زاد في (س) بعد هذا: وللتفصيل والتقرير.
:
٨٢
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
أمَّا الابتداء فهو باسم الله، وأمَّا المكتوب فهو من محمد رسول الله ... إلى آخره، كذا قال.
ولفظة ((بعدُ)) مبنيّة على الضم، وكان الأصل أنْ تُفتَح لو استمرَّتْ على الإضافة، لكنَّها
قُطِعَتْ عن الإضافة فبُنيَتْ على الضم، وسيأتي مَزِيد لذلك في الكلام عليها في كتاب
الجمعة (٩٢٢) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((بدِعاية الإسلام)) بكسر الدَّال، من قولك: دَعَا يدعو دِعايةً، نحو: شَكَا يَشْكو
شِكايةً. ولمسلم (١٧٧٣ / ٧٤): ((بداعية الإسلام)) أي: بالكلمة الدّاعية إلى الإسلام، وهي
شهادة أن لا إله إلَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، والباء موضع: إلى.
وقوله: ((أسلِمْ تَسلَمْ)) غايةٌ في البلاغ، وفيه نوع من البديع وهو الجِناس الاشتقاقي.
قوله: ((يُؤْتِك)) جوابٌ ثانٍ للأمر. وفي الجهاد (٢٩٤١) للمؤلّف: ((أسلِم ... أسلِم
يُؤْتِك)) بتَكْرار ((أسلِم))، فيحتمل التأكيد، ويحتمل أنْ يكون الأمر الأوَّل للدُّخول
في الإسلام والثاني للدَّوام عليه كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ،﴾ الآية [النساء: ١٣٦]، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوَّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ الآية
[القصص: ٥٤]. وإعطاؤُه الأجر مرتين لكَوْنه كان مؤمناً بنبيِّه ثمَّ آمَنَ بمحمدٍ بَّهِ، ويحتمل
أنْ يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه ومن جهة أنَّ إسلامه يكون سبباً لإدخال
أتباعه، وسيأتي التصريح بذلك في موضعه من حديث الشّعْبي من كتاب العلم (٩٧) إن
شاء الله تعالى.
واستنْبَطَ منه شيخنا شيخ الإسلام: أنَّ كل مَن دانَ بدين أهل الكتاب كان في حُكْمهم
في المُنَاكَحة والذَّبائح، لأنَّ هِرَقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، بل ثمّن دخل في
النصرانيَّة بعد التبديل، وقد قال له ولقومِه: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾ [آل عمران: ٧٠]، فدلَّ على
٣٩/١ أنَّ لهم/ حُكْم أهل الكتاب، خلافاً لمن خَصَّ ذلك بالإسرائيليّين أو بمَن عُلِمَ أنَّ سَلَفه ممَّن
دخل في اليهوديّة أو النصرانيَّة قبل التبديل، والله أعلم.
قوله: ((فإنْ تَولَّْتَ)) أي: أعرَضْت عن الإجابة إلى الدُّخول في الإسلام. وحقيقة التولّي
٨٣
ح ٧
كتاب بدء الوحي
إنَّما هو بالوجه، ثمَّ استُعمِلَ مَجازاً في الإعراض عن الشيء، وهي استعارة تَبعيَّة.
قوله: ((الأرِيسيّينَ)) جمع أَرِيسي، وهو نسبةٌ إلى أَرِيس بوَزْن فَعِيل، وقد تُقْلَب همزتُه ياءً،
وجاءت به رواية أبي ذرٍّ والأَصِيلي وغيرهما هنا.
قال ابن سِيدَهْ: الأَرِيس: الأكّار، أي: الفَلّاح، عند ثَعْلَب، وعند كُرَاعٍ: الإِرِّيس(١): هو
الأمير. وقال الجَوْهري: هي لغة شاميَّة، وأنكر ابن فارس أنْ تكون عربيَّة، وقيل في
تفسيره غير ذلك لكن هذا هو الصحيح هنا، فقد جاءَ مُصرَّحاً به في رواية ابن إسحاق عن
الزُّهْري بلفظ: ((فإنَّ عليك إثم الأكّارِينَ)) زاد البَرْقاني في روايته: يعني الحَرَّاثين، ويؤيِّده
أيضاً ما في رواية المدائني من طريق مرسلة: ((فإن عليك إثم الفلاحين))، وكذا عند أبي عُبيد
في كتاب «الأموال)» (٥٥) من مُرسَل عبد الله بن شدَّاد: ((وإنْ لم تَدخُل في الإسلام فلا تَحُلْ
بين الفلاحين وبين الإسلام)) قال أبو عُبيد: المراد بالفلّاحين أهل مملكته، لأنَّ كل مَن كان
يَزْرَع فهو عند العرب فلاح، سواء كان يلي ذلك بنَفْسِه أو بغيره.
قال الخطَّبي: أراد أنَّ عليه إثم الضُّعَفاء والأتباع إذا لم يُسلِموا تقليداً له، لأنَّ الأصاغر
أتباع الأكابر.
قلت: وفي الكلام حذفٌ دلَّ المعنى عليه وهو: فإنَّ عليك مع إثمك إثمَ الأريسيّين،
لأنه إذا كان عليه إثم الأتباع بسبب أنهم تَبِعوه على استمرار الكفر، فلَأنْ يكون عليه إثم
نَفْسه أَولى، وهذا يُعَد من مفهوم الموافقة، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرٌَ وِزْرَ
أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، لأنَّ وِزْر الآثِم لا يَتحَمِّله غيرُه، ولكنَّ الفاعل المتسبِّب والمتلِّس
للسيِّئَات يتحمل من جِهتَين: جهة فعله، وجهة تَسَيُّه.
وقد وَرَدَ تفسير الأريسيّين بمعنَّى آخر، فقال الليث بن سعد عن يونس في رواية
الطبراني في «الكبير)) (٧٢٧٠) من طريقه: الأريسيّون: العَشّارونَ؛ يعني: أهل المَكْس،
والأوَّل أظهَر. وهذا إنْ صَحَّ أنه المراد، فالمعنى المبالَغة في الإثم، ففي ((الصحيح)) في المرأة
(١) هي عند كُراعٍ من باب فِعِّيل كما في ((اللسان)» (أرس).
٨٤
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
التي اعترفَتْ بالزِّنى: ((لقد تابتْ توبةً لو تابها صاحب مَكْسٍ لَقُبِلَت))(١).
قوله: ((و﴿ يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾ إلى آخره)» هكذا وقع بإثبات الواو في أوَّله، وذكر القاضي
عِيَاض أنَّ الواو ساقطة من رواية الأَصِيلي وأبي ذرٍّ، وعلى ثبوتها فهي داخلة على مُقدَّر
معطوف على قوله: ((أدعوك))، فالتقدير: أدعوك بدِعاية الإسلام، وأقول لك ولأتباعك
امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾. ويحتمل أنْ تكون من كلام أبي سفيان، كأنه لم
يَحَفَظ جميع ألفاظ الكتاب، فاستَحضَرَ منها صدر الكتاب فذكره، وكذا الآية، فكأنَّه قال
فیه: کان فیه كذا، وكان فيه: يا أهل الكتاب، فالواو من كلامه لا من نَفْس الكتاب.
وقيل: إنَّ النبي وَّل كتب ذلك قبل نزول الآية فوافق لفظُه لفظَها لمَّا نزلت، والسبب
في هذا أنَّ هذه الآية نزلت في قِصَّة وَفْد نَجْران، وكانت قِصَّتهم سنةَ الوُفود سنة تسع،
وقِصَّة أبي سفيان كانت قبل ذلك سنة سِت، وسيأتي ذلك واضحاً في المغازي (٤٣٨٠).
وقيل: بل نزلت سابقة في أوائل الهجرة، وإليه يُومِئ كلام ابن إسحاق. وقيل: نزلت في
اليهود. وجَوَّزَ بعضهم نزولها مرتین، وهو بعيد.
فائدة: قيل: فيه دليل على جواز قراءة الجُنُب للآية أو الآيتين، وبإرسال بعض القرآن
إلى أرض العَدوِّ وكذا بالسَّفَر به. وأغربَ ابن بَطَّال فادَّعَى أنَّ ذلك نُسِخَ بالنهي عن السَّفَر
بالقرآنِ إلى أرض العدو، ويحتاج إلى إثبات التاريخ بذلك. يُحتمل أنْ يقال: إنَّ المراد
بالقرآنِ في حديث النهي عن السَّفَر به، أي: المُصحَف، وسيأتي الكلام على ذلك في
موضعه (٢٩٩٠).
وأمَّا الْجُنُب فيحتمل أنْ يقال: إذا لم يَقصِد التِّلاوة جاز، على أنَّ في الاستدلال بذلك
من هذه القِصَّة نظراً، فإنَّها واقعةُ عينٍ لا عمومَ فيها، فيتقيّدُ الجواز على ما إذا وقع احتياجٌ
إلى ذلك كالإبلاغ والإنذار كما في هذه القصّة، وأمَّا الجواز مُطلَقاً حيثُ لا ضرورةَ فلا
يَتَّجِه، وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الطَّهارة (٢) إن شاء الله تعالى.
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٦٩٥) (٢٣) من حديث بريدة الأسلمي.
(٢) انظر: كتاب الوضوء، باب (٣٦): قراءة القرآن بعد الحدث وغيره.
٨٥
ح ٧
كتاب بدء الوحي
وقد اشتملتْ هذه الجُمَل القليلة التي يتضمَّنُها بعض هذا الكتاب على الأمر بقوله:
((أَسلِم))، والترغيب بقوله: ((تَسْلَم ويُؤْتِك))، والزَّجْر بقوله: ((فإنْ تَوَلَيْتَ))،/ والترهيب بقوله: ٤٠/١
(فإنَّ عليك إثم الأريسيِّين))، والدّلالة بقوله: ((يا أهل الكتاب))، وفي ذلك من البلاغة ما لا
يَخْفَى، وكيف لا وهو كلام مَن أُوتِيَ جوامعَ الكَلِم ◌َلِلّ.
قوله: ((فلمَّا قال ما قال)) يحتمل أنْ يشير بذلك إلى الأسئلة والأجوبة، ويحتمل أن يشير
بذلك إلى القِصَّة التي ذكرها ابن الناطور بعدُ، والضمائر كلّها تَعُود على هِرَقل.
والصَّخَب: اللَّغَط، وهو اختلاط الأصوات في المخاصمة، زاد في الجهاد (٢٩٤١):
«فلا أدري ما قالوا)).
قوله: ((فقلت لأصحابي)) زاد في الجهاد: ((حین خَلَوْتُ بهم)).
قوله: ((أَمِرَ)) هو بفتح الهمزة وكسر الميم، أي: عَظُم، وسيأتي في تفسير ((سُبْحان))
(٤٧١١).
و (ابن أبي كَبْشة)) أراد به النبيَّ وَليه؛ لأنَّ أبا كَبْشة أحد أجداده، وعادة العرب إذا
انْتَقَصَتْ نَسَبَتْ إلى جد غامض، قال أبو الحسن النَّسّابة الجُرْجاني: هو جَدُّ وَهْبٍ جَدِّ
النبيِّ ◌َِّ لأُمِّه. وهذا فيه نظر، لأنَّ الذي عليه أهلُ النَّسَب أن(١) وَهْباً جدَّ النبي ◌َّ اسم
أُمّه عاتكة بنت الأوقَص بن مُرّة بن هلال، ولم يقل أحد من أهل النَّسَب: إنَّ الأوقَص
يُكْنى أبا كَبْشة. وقيل: هو جد عبد المطَّلِّب لأُمِّه، وفيه نظر أيضاً، لأنَّ أُم عبد المطَّلِب
سَلْمَى بنت عَمْرو بن زيد الخَزْرَجي، ولم يقل أحد من أهل النَّسَب: إنَّ عَمْراً يُكْنى أبا
كَبْشة. ولكن ذكر ابن حَبيب في ((المحبَّ))(٢) جماعة من أجداد النبي ◌َّ من قِبَل أبيه ومن
قِبَل أُمّه، كلّ واحد منهم يُكْنى أبا کَبْشة.
وقيل: هو أبوه من الرَّضاعة واسمه الحارث بن عبد العُزَّى، قاله أبو الفتح الأزدي
(١) قوله: ((الذي عليه أهل النسب أن)) سقط من (س).
(٢) تحرف في (س) إلى: المجتبى. وما نقله الشارح عن ابن حبيب في ((المحبر)) هو فيه ص ١٢٩.
٨٦
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
وابن ماكُولًا، وذكر يونس بن بُكَير عن ابن إسحاق، عن أبيه، عن رجال من قومه: أنه
أسلمَ و کانت له بنت تُسمَّی کَبْشة يُكْنی بها.
وقال ابن قُتَيبة والخطَّبي والدَّارَقُطنيّ: هو رجل من خُزاعة خالف قُرَيشاً في عبادة
الأوثان فعَبدَ الشِّعْرَى فنَسَبوه إليه للاشتراك في مُطلَق المخالفة، وكذا قاله الزُّبَير، قال:
واسمه وَجْز بن عامر بن غالب.
قوله: ((إِنَّه يَخافُه)) هو بكسر الهمزة استئنافاً تعليليّاً، لا بفتحها لوجود اللام في ((لَيخافُه)»
في رواية أُخرى (٤٥٥٣).
قوله: ((مَلِك بني الأصفَر)) هم الرُّوم، ويقال: إنَّ جدّهم رُوم بن عيص بن إسحاق
تزوَّج بنت ملك الحبشة، فجاءَ لون وَلَده بين البياض والسَّواد فقيل له: الأصفَر، حكاه ابن
الأنباري. وقال ابن هشام في ((التِّيجان)): إنَّمَا لُقِّبَ الأصفَر، لأنَّ جَدَّته سارةَ زوجَ إبراهيم
حَلَّتْه بالذَّهَب.
قوله: ((فما زِلْتُ مُوقِنا)) زاد في حديث عبد الله بن شدَّاد عن أبي سفيان: ((فما زِلْتُ
مَرْعوباً من محمد حتَّى أسلمْتُ)) أخرجه الطبراني (٧٢٧٤).
وقوله: ((حتَّى أدخلَ اللهُ عليَّ الإسلام)) أي: فأظهَرتُ ذلك اليقين، وليس المراد أنَّ ذلك
الیقین ارتفع.
قوله: ((وكان ابنُ الناطور)) هو بالطاءِ المهملة، وفي رواية الحَمُّوِي بالظاءِ المعجَمة، وهو
بالعربيَّة: حارس البُسْتان. ووقع في رواية الليث عن يونس(١): ((ابن ناطورا)) بزيادة ألف
في آخره، فعلى هذا هو اسم أعجميّ(٢).
(١) أخرج هذه الرواية الطبراني في «المعجم الكبير)) (٧٢٧٠).
(٢) جاء في (ع) و(س) بعد هذا ما نصه:
تنبيه: الواو في قوله: ((وكان)) عاطفة، والتقدير: عن الزّهْري أخبرني عُبيد الله، فذكر الحديث، ثمَّ
قال الزُّهْري: وكان ابن الناطور يُحدِّث، فذكر هذه القصّة، فهي موصولة إلى ابن الناطور لا مُعلَّقة كما
زَعَمَ بعض مَن لا عنايةَ له بهذا الشَّأْن، وكذلك أغرَبَ بعض المغاربة فَزَعَمَ أنَّ قصّة ابن الناطور مرويّة =
٨٧
ح ٧
كتاب بدء الوحي
قوله: ((صاحبَ إيلياءَ)) أي: أميرها، وهو منصوب على الاختصاص أو الحال، أو مرفوع
على الصِّفة، وهي رواية أبي ذرٍّ، والإضافة التي فيه تقوم مقام التعريف. وقول مَن زَعَمَ أنَّها
في تقدير / الانفصال، في مقام المنع.
٤١/١
و((هِرَقَلَ)) بفتح اللام معطوف على إيلياء، وأطلق عليه الصُّحْبة له إمَّا بمعنى التبَع،
وإمَّا بمعنى الصداقة، فاستعملَ ((صاحب)) في معنيين: مجازي وحقيقي، لأنه بالنِّسبة إلى
إيلياء أمير وذاكَ مَجاز، وبالنِّسبة إلى هِرَقل تابع وذلك حقيقة، قال الكِرْمانيُّ: وإرادة المعنَينِ
الحقيقي والمجازي من لفظ واحد جائز عند الشافعي، وعند غيره محمول على إرادة معنى
شامل لهما، وهذا يُسمَّى عمومَ المجاز.
وقوله: ((سُقُفّا)) بضم السِّین والقاف کذا في روایة غیر أبي ذرِّ، وهو منصوب على أنه خبر
((كان))، و((يُحدِّث)) خبرٌ بعد خبر. وفي رواية الكُشْمِيهَني: ((سُقِفَ)) بكسر القاف على ما لم
يُسمَّ فاعله، وفي رواية المُستَمْلِي والحَقُّوِيِّ (١) مثله لكن بزيادة ألف في أوَّله، والأُسْقُفُّ
والسُّقُفُّ: لفظ أعجمي، ومعناه رئيس دين النَّصارى أو عالمُهم، وقيل: عربيّ؛ وهو
الطَّويل في انحِناء، وقيل ذلك للرَّئيسِ لأنه يَتَخاشَع.
وقال بعضهم: لا نظير له في وَزْنه إلَّ الأُسْرُبُّ وهو الرَّصاص، لكن حكى ابن سِيدَهُ
= بالإسناد المذكور عن أبي سفيان عنه، فكأنه لمَّا رآها لا تصريح فيها بالسّماع حملها على ذلك، وقد بيَّن أبو
نُعَيم في ((دلائل النُّبّة)) أنَّ الزُّهْري قال: لقيته بدمشق في زَمَن عبد الملك بن مروان. وأظنّه لم يَتَحَمَّل عنه
ذلك إلَّا بعد أنْ أسلَمَ، وإِنَّمَا وَصَفَه بكَوْنه كان سُقُفّاً لِيُبِّه على أنه كان مُطَّلِعاً على أسرارهم عالماً بحقائق
أخبارهم، وكأنَّ الذي جَزَمَ بأنه من رواية الزُّهْري عن عُبيد الله اعتَمَدَ على ما وقع في ((سيرة ابن
إسحاق)) فإنَّه قَدَّمَ قصة ابن الناطور هذه على حديث أبي سفيان، فعنده: عن عبيد الله عن ابن عبّاس أنَّ
هِرقل أصبح خبيث النفس، فذكر نحوه. وجَزَمَ الحُفَّاظ بما ذَكَرتُه أوَّلاً، وهذا ما ينبغي أنْ يُعَدَّ فيما وقع
من الإدراج أوَّل الخبر، والله أعلم.
قلنا: وهذا التنبيه لم يرد في (أ) هنا، وقد جاء نحوه بعد شرحه على قوله: ((سقفّا)) لاحقاً.
(١) في (ع) و(س): والسرخسي. وهو خطأ، وقد ذكر القسطّلاني في ((إرشاد الساري)) ٨٢/١ هذه الرواية
عن المستملي والحموي ولم يذكر السرخسي.
٨٨
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
آخر: وهو الأُسْكُفُّ للصّانع، ولا يَرِدُ الأُتْرُجُّ لأنه جمع والكلام إنَّما هو في المفرَد.
وعلى رواية أبي ذرِّ يكون الخبر الجملة التي هي ((يُحدِّث أنَّ هِرَقل))، والواو في قوله:
((وكان)) عاطفةً، والتقدير: عن الزُّهْري أخبرني عبيد الله بن عبد الله، فذكر حديث أبي
سفيان بطوله، ثمَّ قال الزّهْري: وكان ابن الناطور يُحدِّث. وهذا صورته الإرسال، لكن في
((الدلائل)) لأبي نعيم: أنَّ الزّهريَّ قال: لَقِيتُهُ بدمشقَ زمنَ عبد الملك بن مروان(١)، وأظنُّهُ
لم يَتحمَّلْ عنه ذلك إلا بعد أن أَسلم، وإنما وَصفَه الزهريُّ بكونه سُقُفّاً، ليُشعِرَ من تقدُّمِه
عندهم أنه أَجدَرُ باطلاعه على أسرارهم، ووَهِمَ بعضُ المغاربة فزعم أنَّ ناقلَ ذلك عن
ابن الناطور أبو سفيان، وهو راوي أول الحديث، وروايةٌ أبي نعيم في ((الدلائل)) تردُّ
علیه(٢).
قوله: ((حین قَدِمَ إیلیاء» يعني: في هذه الأيام، وهي عند غلبة جنوده على جنود فارس
وإخراجهم، وكان ذلك في السنة التي اعتَمَرَ فيها النبي ◌ِِّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبية، وبَلَغَ المسلمين
نُصْرةُ الرّوم على فارسَ ففَرِحوا. وقد ذكر التِّرمِذي (٣١٩٠-٣١٩٤) وغيرُه القصّةَ مُستَوفاةً
في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ ) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤ - ٥]، وفي
أوَّل الحديث في الجهاد عند المؤلِّف (٢٩٤١) الإشارةُ إلى ذلك.
قوله: ((خَبِيثَ النفسِ)) يعني: رَديء النفس غيرَ طَيِّيها، أي: مهموماً. وقد يُستَعملُ في
كَسَل النفس، وفي ((الصحيح)) (٦١٧٩): ((لا يقولَنَّ أحدُكم: خَبُثَتْ نَفْسي)» كأنه كَرِهَ
اللفظ، والمراد بالخِطاب المسلمون، واستعمالُ ذلك في حق هِرَقل غيرُ ثُمتنِع. وصَرَّحَ في
رواية ابن إسحاق بقولهم له: لقد أصبحتَ مهموماً.
و((البَطارقة)) جمع بِطْريق، بكسر أوَّله: وهم خَواصُّ دولة الرّوم.
(١) وهي رواية ابن إسحاق عن الزهري وأخرجها عنه الطبري في (تاريخه)) ٦٤٩/٢، والطبراني في ((الكبير))
(٧٢٧١).
(٢) من قوله: ((لكن في الدلائل)) إلى هنا، لم يرد هنا في (س)، وقد جاء فيها نحوه مع ما قبله من الكلام على
الواو في قوله: ((وكان)) سابقاً بعد شرحه على قوله: ((وكان ابن الناطور)).
٨٩
ح ٧
كتاب بدء الوحي
قوله: ((حَزّاءً)) بالمُهمَلة وتشديد الزَّاي آخره همزة منوَّنة، أي: كاهناً، يقال: حَزَا
- بالتخفيف - تجزُو حَزْواً، أي: تَكَمَّن.
وقوله: ((يَنظُر في النُّجوم)) إنْ جعلتَها خبراً ثانياً فلا بُعْدَ(١)، لأنه كان يَنظُر في الأمرین،
وإنْ جعلتها تفسيراً للأوَّلِ فالكِهانة تَسْتِنِدُ تارةً إلى إلْقاء الشَّياطين، وتارةً تُستفاد من
أحكام النُّجوم، وكان كُلٌّ من الأمرينِ في الجاهليّة سائغاً ذائعاً، إلى أنْ أظهَرَ الله الإسلام
فانكَسَرَتْ شَوْكَتُهم، وأبطَلَ الشرعُ الاعتماد عليهم، وكان ما اطَّلَعَ عليه هِرَقل من ذلك
بمُقتَضى حِساب المنجِّمين أنهم زَعَموا أنَّ المولد النبويَّ كان بقِران العُلْويَّينِ بُرْجِ العَقْرب،
وهما يقترنان في كل عشرين سنةً مَرّةً إلَّا أنْ تَسْتَوفيَ الثلاثةُ (٢) بُروجَها في سِتّين سنة، فكان
ابتداءُ العشرين الأولى المولد النبويَّ في القِران المذكور، وعند تمام العشرين الثانية مجيءَ
جِبْرِيلَ بالوحي، وعند تمام الثالثة فتحَ خيبرَ وعُمْرةَ القَضيَّة التي جَرَّتْ فتحَ مَّة وظُهورَ
الإسلام، وفي تلك الأيام رأى هِرَقُلُ ما رأى.
ومن جملة ما ذَكَروه أيضاً: أنَّ بُرْج العَقْرب مائي، وهو دليل مُلْك القوم الذين
يَخْتَتِنون، فكان ذلك دليلاً إلى انتقال المُلْك إلى العرب، وأمَّا اليهود فليسوا المراد هنا، لأنَّ
هذا لمن سينتقلُ إليه المُلْك لا لمن انقَضَى مُلْكُه.
فإن قيل: كيف ساغَ للبخاريِّ إيراد هذا الخبر المُشعِر بتقوية قول المنجِّمين والاعتماد
على ما تدل عليه أحكامُهم؟ فالجواب: أنه لم يَقصِد ذلك، بل قَصَدَ أنْ يُبيِّن أنَّ الإشارات
بالنبِّ وَّةِ جاءَتْ من كل طريق وعلى لسان كل فريق من كاهن أو مُنجِّم، يُحِقٍ أو مُبْطِل،
إنسي أو جِنِّي، وهذا من أبدَع ما يشير إليه عالمٌ أو يحتجُ به مُتَج.
وقد قيل: إنَّ الحَزّاء هو الذي يَنظُر في الأعضاء وفي خِيلان الوجه فيَحكُم على
صاحبها بطريق الفِراسة. وهذا إنْ ثبت فلا يلزم منه حَصْرُه في ذلك، بل / اللَّائق ٤٢/١
(١) في (ع) و(س) يدل قوله: «فلا بُعْد)»: صح.
(٢) في (ع) و(س): المثلثة. والمراد بالعُلْويَّين في علم الفلك: زُحَل والمشتري.
٩٠
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
بالسِّياق في حق هِرَقل ما تقدَّم.
قوله: ((مُلْك الخِتان)) بضم الميم وإسكان اللام، وللكُشْمِيهَني بفتح الميم وكسر اللام.
قوله: ((قد ظهر)) أي: غَلَب، يعني دلَّه نظرُه في حُكْم النُّجوم على أنَّ مُلْك الخِتان ظَهَر،
أي: بَدَا أو (١) غَلَب، وهو كما قال، لأنَّ في تلك الأيام كان ابتداء ظُهور النبيِنَ ◌َّإِذْ صالَحَ
كُفّارَ مكَّة بالحُدَيْبية وأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحَا فُِّينًا﴾ [الفتح: ١]، إذْ فتحُ مكَّة
كان سببُهُ نَقْضَ قُرَيشِ العَهْدَ الذي كان بينهم بالحُدَيْبية، ومُقدِّمة الظُّهورِ ظُهورٌ.
قوله: ((من هذه الأمّة)) أي: من أهل هذا العصر، وإطلاق الأُمّة على أهل العصر كلِّهم
فيه تَجُّز، وهذا بخلاف قوله بعدُ: ((هذا مُلْك هذه الأُمّة قد ظهر)) فإنَّ مراده به العربُ
خاصّة، على أنه وقع في رواية الليث عن يونس: ((فمَن يختتنُ من هذه الأُمم؟))، وهذا
أَوجهُ(٢)، والحَصْر في قولهم: ((إلَّا اليهود)» هو بمُقتَضى عِلْمهم، لأنَّ اليهود كانوا بإيلياء
- وهي بيت المقدس - كثيرين تحت الذِّلّة مع الرّوم، بخلاف العرب، فإنَّهم وإنْ كان منهم
مَن هو تحت طاعة ملك الرّوم كآلِ غَسّان، لكنَّهم كانوا ملوكاً برأسِهم.
قوله: ((فلا يُهمَّنَّك)) بضم أوَّله، من أهَمّ: أثارَ الهَمَّ.
وقوله: ((شأنُهم)) أي: أمرهم.
و((مَدائن)) مهموزٌ جمع مدينة، قال أبو علي الفارسي: مَن جعله فَعِيلة من قولك: مَدَن
بالمكان، أي: أقام به، هَمَزَه كقبائل، ومَن جعله مَفْعَلة من قولك: دِين، أي: مُلك، لم يَهْمِزه
کمعایش. انتهى.
وما ذكره في معايش هو المشهور، وقد روى خارجةُ عن نافع القارئ الهمزَ في ((معائش)) (٣)،
وقال القَزّاز: مَن هَمَزَها تَوهَّتَها من فَعِيلة لشَبَهِها بها في اللفظ. انتهى.
(١) قوله:((ظهر، أي: بدا أو)) سقط من (س)، وفيها: ملك الختان قد غلب.
(٢) من قوله: ((على أنه وقع)) إلى هنا سقط من (س). ورواية الليث هذه عند الطبراني في ((الكبير)) (٧٢٧٠).
(٣) يعني في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَ﴾ [الأعراف: ١٠، والحجر: ٢٠]، وقد غلَّط الإمام أبو بكر بن
مجاهد في كتابه ((السبعة)) قراءةَ نافع هذه بالهمز.
٩١
ح ٧
كتاب بدء الوحي
قوله: ((فبينما هم على أمرهم)) أي: في هذه المَشُورة.
قوله: ((أُتيَّ هِرَقلُ برجلٍ)) لم يَذْكُر مَن أحضَرَه. وملك غَسّان هو صاحب بُصْرَى الذي
قدَّمنا ذِكْره، وأشرنا إلى أنَّ ابن السَّكن روى أنه أرسَلَ من عنده عَديَّ بن حاتم، فيحتمل
أنْ يكون هو المذكور، والله أعلم.
قوله: ((عن خبر رسول الله ◌َّ) فَسَّرَ ذلك ابن إسحاق في روايته فقال: ((خرج من بين
أظهُرنا رجل يَزْعُم أنه نبي، فقد اتَّبَعَه ناس وصدَّقوه، وخالفه ناس، فكانت بينهم ملاحمُ
في مَواطن، فتركتُهم وهم على ذلك))، فبيَّن ما أُجِلَ في حديث الباب لأنه يُوهم أنَّ ذلك
كان في أوائل ما ظهر النبي ◌َّه. وفي رواية أنه قال: جَرِّدوه، فإذا هو مُتَتِن، فقال: هذا
والله الذي رأيتُه، أعطِه ثوبه.
قوله: ((هم يَخْتَِنونَ)) في رواية الأَصِيلي: ((هم مُتَتِنُونَ)) بالميم، والأوَّل أفيد وأشمل.
قوله: ((هذا مُلْك هذه الأُمّة قد ظهر)) كذا لأكثر الرُّواة بالضم ثمَّ السُّكون، وللقابسي
بالفتح ثمَّ الكسر، ولأَبي ذرِّ عن الكُشْمِيهَني وَحْدَه: ((يَملِك)) فعل مضارع، قال القاضي:
أظُنّها ضمّة الميم اتَّصلَتْ بها فَتَصَحَّفَت، ووَجَّهَه السُّهَيلي في ((أماليه)) بأنه مُبتدَأُ وخبرٌ، أي:
هذا المذكور يَملِك هذه الأُمّة. وقيل: يجوز أنْ يكون ((يَملِك)) نَعْتاً، أي: هذا رجل يَملِك
هذه الأُمّة.
وقال شيخنا: يجوز أنْ يكون المحذوف هو الموصول على رَأْي الكوفيِّين والأخفش(١)،
أي: هذا الذي يَملِك، وهو نظير قوله: ((وهذا تَحمِلين طَلِيقُ))(٢). على أنَّ الكوفيِّين يُجُوِّزون
استعمال اسم الإشارة بمعنى الاسم الموصول، فيكون التقدير: الذي يَملِك، من غير حذف،
قلت: لكنَّ اتِّفاق الرّواة على حذف الياء في أوَّله دالَّ على ما قال القاضي فيكون شاذاً، على
(١) كلمة ((والأخفش)) سقطت من (س).
(٢) هو قطعة من عَجُز بيت قاله يزيد بن مفرِّغ في بغلةٍ كما في ((اللسان)» (عدس):
عَدَسْ ما لعَبَّادٍ عليكِ إمارةٌ نجوتٍ وهذا تَحمِلينَ طليقُ
٩٢
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
أَنَّني رأيت في أصل مُعتمَدٍ وعليه علامة السَّرَخْسي بباءٍ موحّدة في أوَّله، وتوجيهها أقرب
من توجيه الأوَّل، لأنه حينئذٍ تكون الإشارة بهذا إلى ما ذكره من نظره في حُكْم النُّجوم،
والباء مُتعلِّقة بظَهَر، أي: هذا الحُكْم ظهر بمُلْكِ هذه الأُمّة التي تَخْتَتِن.
قوله: (بُرُوميّةَ)) بالتخفيف، وهي مدينة معروفة للرّوم. و((خْصَ)) مجرور بالفتحة مَنَع
صَرْفَه العَلَميَّةُ والتأنيث. ويحتمل أنْ يجوز صَرْفه.
قوله: ((فلم يَرِمْ)) بفتح أوَّله وكسر الراء، أي: لم يَرُخْ من مكانه، هذا هو المعروف، وقال
الدَّاوودي: لم يَصِلْ إلی هِمْص وزيفوه.
قوله: ((حتَّى أتاه كتابٌ من صاحبه)) وفي حديث دِخْية(١) الذي أشرتُ إليه قال: فلمَّا
خَرَجوا أدخلَني عليه وأرسَلَ إلى الأُسْقُفِّ وهو صاحب أمرهم فقال: هذا الذي كنَّا
نَنْتَظِر، وبَشَرَنا به عيسى، أمَّا أنا فمُصَدِّقُه ومُتَّبِعُه. فقال له قَيْصَر: أمَّا أنا إنْ فعلتُ ذلك
ذهب مُلْكي، فذكر القصّة، وفي آخره: فقال لي الأُسْقُفُّ: خُذْ هذا الكتاب واذهَبْ إلى
صاحبك فاقرَأُ عليه السلام وأخبِرْه أنّي أشهَد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وأنّي
٤٣/١ قد آمَنْت به وصَدَّقْتُه، وأنهم قد أنكروا عليَّ ذلك،/ ثمَّ خرج إليهم فقتلوه.
وفي رواية ابن إسحاق: أنَّ هِرَقل أرسَلَ دِخْية إلى ضغاطر الرّوميِّ وقال: إنَّه في الرُّوم
أجوَزُ قولاً منّي، وإنَّ ضُغاطرَ المذكورَ أظهَرَ إسلامَه وألْقَى ثيابهَ التي كانت عليه، ولَبِسَ
ثياباً بيضاً وخرج على الرّوم فدَعَاهم إلى الإسلام، وشهِدَ شهادة الحق، فقاموا إليه فضربوه
حتَّى قتلوه. قال: فلمَّا رجع دِحْيةُ إلى هِرَقَلَ قال له: قد قلت لك إنّا نخافهم على أنفسنا،
فضغاطرُ كان أعظمَ عندهم منّي.
قلت: فيحتمل أنْ يكون هو صاحب رُومية الذي أُبهمَ هنا، لكن يُعكِّر عليه ما قيل: إنَّ
دِخْية لم يَقْدَم على هِرَقَلَ بهذا الكتاب المكتوب في سنة الحُدَيْبية، وإِنَّا قَدِمَ علیه بالكتاب
المكتوب في غَزْوة تبوك، فالراجح أنَّ دِخْية قَدِمَ على هِرَقل أيضاً في الأولى، فعلى هذا يحتمل
(١) الذي أخرجه البزار (٢٣٧٤ - كشف الأستار)، وسنده ضعيف جداً.
٩٣
ح ٧
كتاب بدء الوحي
أنْ تكون وقعت لكلّ من الأُسْقُفِّ وهو ضغاطرُ قصّةُ قتل كُلٌّ منهما بسببها، أو وقعت
لضغاطرَ قِصَّتان إحداهما التي ذكرها ابن الناطور وليس فيها أنه أسلمَ ولا أنه قُتِل، والثانية
التي ذكرها ابنُ إسحاقَ فإنَّ فيها قِصَّته مع دِخْية وفيها أنه أسلمَ وقُتِل، والله أعلم.
قوله: (وسارَ هِرَقلُ إلى حِمْصَ)) لأنها كانت دار مُلْكه كما قدَّمناه، وكانت في زمانهم أعظمَ
من دمشق. وكان فتحها على يد أبي عُبيدةَ بنِ الجَرَّاح، سنة سِتَّ عشرةَ بعد هذه القِصَّة بعشِ
سنین.
قوله: ((وأنه نبي)) يدل على أنَّ هِرَقَلَ وصاحبَه أقرَّا بِنُبوّة نبيّنا {َ﴿، لكنَّ هِرَقل كما ذكرنا
لم يَستَمِّرَّ على ذلك بخلاف صاحبه.
قوله: ((فَأَذِنَ)) من الإذنِ بالقصر، وفي رواية المُستَمْلي وغيره بالمدِّ ومعناه: أَعلَمَ.
و((الدَّسْكَرة)) بسكون السِّين المهملة: القَصْر الذي حَوْله بيوت، وكأنه دخل القَصْر ثمَّ
أغلَقَه وفَتَحَ أبواب البيوت التي حَوْلَه وأذِنَ للرّومِ في دخولها، ثمَّ أغلَقَها ثمَّ اطَلَعَ عليهم
فخاطَبَهم، وإنَّما فعل ذلك خَشْبةَ أنْ يَئِبوا به كما وَثَبوا بضغاطر.
قوله: ((والرَّشَد)) بفتحتين ((وأنْ يَثْبُتَ مُلْكُكم)) لأنهم إنْ تَمَادَوْا على الكفر كان سبباً
لذهاب مُلْكهم، كما عَرَفَ هو ذلك من الأخبار السالفة.
قوله: ((فُتُبَابِعوا)) بِمُنَّةٍ ثمَّ موخَّدة، وللكُشْمِيهَني بمُثَّاتين وموخَّدة، وللأَصِيلِيِّ: ((فنُبايع)»
بنونٍ وموحّدة.
قوله: ((لهذا النبي)) كذا لأبي ذرٍّ، وللباقين بحذف اللام.
قوله: ((فحاصُوا)) بمُهملتَين، أي: نَفَروا، وشَبَّهَهم بالوُحوشِ لأنَّ نَفْرَتَها أشدُّ من نَفْرة
البهائم الإنسيَّة، وشَبَّهَهم بالحُمْرِ دون غيرها من الوحوش لمناسبة الجَهْل وعدم الفِطْنة بل
هم أضل.
قوله: ((وَأَيِسَ)) في رواية الكُشْمِيهَني والأَصِيلي: ((ويَئِسَ)) بياتَينِ تحتانيَّتَينِ وهما بمعنى:
قَنَطَ، والأوَّل مقلوب من الثاني.
٩٤
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((من الإيمان)) أي: من إيمانهم لما أظهَروه، ومن إيمانه لأنه شَحَّ بمُلْكِه كما قدَّمنا،
وكان يجب أنْ يُطيعوه فيستمرَّ مُلْكُه ويُسلِمَ ويُسلموا بإسلامه، فما أيِسَ من الإيمان إلَّا
بالشَّرْطِ الذي أراده، وإلا فقد كان قادراً على أنْ يَفِرَّ عنهم ويتركَ مُلْكه رَغْبةً فيما عند الله،
والله الموفِّق.
قوله: ((آنفاً)) أي: قريباً، وهو منصوب على الحال.
قوله: ((فقد رَأيتُ)) زاد في التفسير (٤٥٥٣): فقد رأيت منكُم الذي أحبَبْتُ.
قوله: ((فكان ذلك آخرَ شأن مِرَقلَ)) أي: فيما يتعلَّق بهذه القِصَّة المتعلِّقة بدُعائه إلى
الإيمان خاصّة، لا أنه انقَضَى أمرُه من حينئذٍ ومات، أو أنه أطلق الآخريَّةَ بالنّسبة إلى ما في
عِلْمه، وهذا أوجَه، لأنَّ هِرَقل وقعت له قِصَص أُخرى بعد ذلك، منها ما أشرنا إليه من
تجهيزه الجيوش إلى مُؤْتة، ومن تجهيزه الجيوش أيضاً إلى تبوك، ومُكاتبة النبي ◌َّ له ثانياً،
وإرسالُه إلى النبيِّ وَ لَهَ بِذَهَبِ قَسمَه بين أصحابه كما في رواية ابن حِبَّان (٤٥٠٤) التي
أشرنا إليها قبلُ وأبي عبيد (٦٢٨).
وفي «المسند)» (١٥٦٥٥) من طريق سعيد بن أبي راشد عن (١) التَّنُوخي رسولِ هِرَقل،
قال: قَدِمَ رسولُ اللهِ وَيهِ تَبَوكَ فِبَعَثَ دِحْية إلى هِرَقل، فلمَّا جاءَه الكتابُ دَعا قِسِّيسي
الرُّومِ وبَطارقَتَها، فذكر الحديث، قال: فَنَخَروا (٢) حتَّى إنَّ بعضهم خرج من بُرْنُسه، فقال:
اسكُتوا، فإنَّما أرَدْت أنْ أعلمَ مسُّککم بدینکم(٣).
وروى ابنُ إسحاقَ عن خالد بن يسار عن رجل من قدماء أهل الشام: أنَّ هِرَقَلَ لمَّا
٤٤/١ أراد الخروج من الشام إلى القُسْطَنْطينيّة عَرَضَ على الرّوم أُموراً: إمَّا الإسلام/ وإمَّا الجِزْية،
وإمَّا أنْ يُصالحَ النبيَّ وََّ على الشام(٤) ويبقى لهم ما دون الدَّرْب، فأبُوْا، وأنه انطَلَقَ حتَّى
(١) لفظة ((عن)) سقطت من (ع) و(س).
(٢) في (س): فتحيَّروا. وهو تحريف.
(٣) وفي سنده مقال.
(٤) قوله: ((على الشام)) سقط من (ع) و(س).
٩٥
ح ٧
كتاب بدء الوحي
إذا أشرَفَ على الدَّرْبِ استقبل أرضَ الشام ثمَّ قال: السلام عليك أرضَ سوريَّةَ - يعني
الشامَ - تسليمَ المُودِّع، ثمَّ رَكَضَ حتَّى دخل القُسْطَنْطِينِيَّةُ(١). واختلفَ الأخباريّون هل
هو الذي حاربَه المسلمون في زمن أبي بكر وعمرَ أو ابنُه، والأظهَر أنه هو، والله أعلم.
تنبيه: لمَّا كان أمرُ هِرَقلَ في الإيمان عند كثير من الناس مُستَبّهَماً، لأنه يحتمل أنْ يكون
عدم تصريحه بالإيمان للخوفِ على نَفْسه من القتل، ويحتمل أنْ يكون استمرَّ على الشَّك
حتَّى مات على الكفر، وقال الراوي في آخر القصّة: ((فكان ذلك آخر شأن هِرَقِل))، خَتَمَ به
البخاري هذا الباب الذي استفتَحَه بحديث (الأعمال بالنِّيّات)) كأنه قال: إِنْ صَدَقَتْ نيَّتُه
انتفعَ بها في الجملة، وإلَّ فقد خاب وخَسِر. فظهرتْ مناسبة إيراد قِصَّة ابن الناطور في بدء
الوحي لمُناسبتِها حديثَ الأعمالِ المُصَدَّرَ البابِ به. ويُؤْخَذ للمصنّف من آخر لفظ في
هذه القِصَّة بَراعةُ الاختِتام، وهو واضح ممَّا قَرَّرْناه.
فإن قيل: ما مناسبة حديث أبي سفيان في قِصَّة هِرَقَلَ ببدءِ الوحي؟ أُجيبَ بأنه تَضمَّنَ
كيفيَّةَ حالِ الناسِ مع النبيِّ وَّهِ في ذلك الابتداء، ولأنَّ الآية التي كتبها إلى هِرَقل للدُّعاءِ
إلى الإسلام مُلْتِئِمةٌ مع الآية التي في الترجمة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَاً
إِلَى نُوحٍ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا ﴾ الآية
[الشورى: ١٣]، فبان أنه أوحى إليهم كلّهم أنْ أقيموا الدِّين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿سَوَآَ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤].
تكميل: ذكر السُّهَيلي أنه بَلَغَه أنَّ هِرَقل وضَعَ الكتاب في قَصَبة من ذَهَب تعظيماً له، وأنهم
لم يزالوا يَتَوارثونَه حتَّى كان عند ملك الفرنج الذي تَغَلَّبَ على طُلَيْطِلة، ثمَّ كان عند سِبْطه،
فحدَّثني بعضُ أصحابِنا أنَّ عبد الملك بن سعد(٢) أحدَ قوّادِ المسلمين اجتمع بذلك الملك
فأخرج له الكتاب، فلمَّا رآه استعبَرَ وسأل أنْ يُمكِّنَه من تقبيله، فامتَنَع.
(١) وخالد بن يسار جهَّله أبو حاتم كما في ((الجرح والتعديل)) ٣/ ٣٦٢.
(٢) وفي ((الروض الأنف)) للسهيلي ١٩٧/٤: عبد الملك بن سعيد، وذكر أن هذا الكتاب كان عند بعض
ملوك الأندلس من الفرنج.
٩٦
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وأنبأني غيرُ واحد عن القاضي نور الدّين بن الصائغ الدِّمشقي قال: حدَّثني
سيفُ الدّين قليج المنصوري قال: أرسَلَني الملك المنصور قلاوون إلى ملك المغرب(١)
بهديَّةٍ، فأرسَلَني ملك المغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة فقَبِلَها، وعَرَضَ عليَّ الإقامة عنده
فَأَبَيْتُ، فقال لي: لَأُتِحِفِنَّكَ بِتُحْفِةِ سَنيَّةٍ، فأخرج لي صُنْدوقاً مُصَفَّحاً بذَهَبٍ، فأخرج منه
مِقْلَمة ذَهَب، فأخرج منها كتاباً قد زالَتْ أكثرُ حروفِهِ، وقد الْتَصَقَتْ عليه خِرْقة حریر
فقال: هذا كتاب نبيكم الجَدّي قَيْصَر، ما زِلْنا نَتَوارَته إلى الآن، وأوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى
قيصرَ(٢) أنه ما دامَ هذا الكتابُ عندنا لا يزال المُلْك فينا، فنحنُ نَحْفَظُه غايةَ الحِفْظِ
ونُعَظِّمُه ونَكْتُمه عن النَّصارى ليَدومَ المُلْك فينا. انتهى.
ويؤيِّد هذا ما وقع في حديث سعيد بن أبي راشد الذي أشرت إليه آنفاً: أنَّ النبيَّ وَيه
عَرَضَ على التنوخي رسولِ هِرَقَلَ الإسلامَ فامتَنَع، فقال له: ((يا أخا تَنُوخ، إني كتبت إلى
مَلِكِكِم بصَحيفةٍ فأمسَكَها، فلن يزال الناسُ يجدون منه بأساً ما دامَ في العَيْش خيرٌ))(٣).
وكذلك أخرج أبو عُبيد في كتاب ((الأموال)» (٥٨) من مُرسَل عُمَير بن إسحاق قال: كتب
رسولُ اللهِوَّةٍ إلى كِسِرَى وقَيْصر، فأمَّا كِسَرَى فلمَّا قرأ الكتاب مَزَّقَه، وأمَّا قَيْصَر فلمَّا قرأ
الكتاب طَوَاه ثمَّ رفعه، فقال رسول الله وَله: ((أمَّا هؤلاء فيُمَزَّقون، وأمَّا هؤلاء فستكون
لهم بقيَّة)).
ويؤيِّده ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ◌ََّ لمَّا جاءَه جوابُ كِسْرَى قال: ((مَّقَ الله مُلْكَه))، ولمَّا
جاءَه جوابُ هِرَقَلَ قال: (ثَبَّتَ الله مُلْكَه))(٤)، والله أعلم.
قوله: ((رواه صالحُ بن كَيْسانَ ويونسُ ومَعمَرٌ عن الزُّهْري)) قال الكِرْمانيُّ: يحتمل ذلك
وجهين: أنْ يرويَ البخاريُّ عن الثلاثة بالإسناد المذكور، كأنه قال: أخبرنا أبو اليَمَان،
(١) في (س) في الموضعين: الغرب.
(٢) قوله: ((عن آبائهم إلى قيصر)) سقط من (ع) و(س).
(٣) أخرجه أحمد في «المسند» (١٥٦٥٥) وفي سنده مقال.
(٤) لم نقف عليه مسنداً، وقد ذكره البيهقي في (سننه)) ٩/ ١٧٧ عن الشافعي عن النبي وَلي مرسلاً.
٩٧
ح ٧
كتاب بدء الوحي
أخبرنا هؤلاء الثلاثة عن الزُّهْري، وأنْ يروي عنهم بطريقٍ آخر، كما أنَّ الزّهْري يحتمل
أيضاً في رواية الثلاثة أن يروي لهم عن عُبيد الله عن ابن عبَّاس، وأنْ يرويَ لهم عن غيره.
هذا ما يحتمل اللفظُ، وإنْ كان الظاهر الاتّحاد.
قلت: هذا الظاهر كافٍ لمن شَمَّ أدنى رائحةٍ من عِلْم الإسناد، والاحتمالاتُ العقليَّةُ ٤٥/١
المجرّدةُ لا مَدْخَلَ لها في هذا الفَن، وأمَّا الاحتمال الأوَّل فأشدُّ بُعْداً، لأنَّ أبا اليَمَان لم يَلْحِقْ
صالحَ بنَ كَيْسان ولا سمع من يونس، وهذا أمر يتعلَّق بالنقل المحض فلا يُلتفت إلى ما
عداه، ولو كان من أهل النقل لاطَّلَعَ على كيفيَّة رواية هؤلاء الثلاثة لهذا الحديث
بخصوصه فاستَراحَ من هذا التردُّد، وقد أوضحت ذلك في كتابي ((تغليق التعليق)) وأُشير
هنا إليه إشارة مُفْهمة:
فروايةُ صالح المذكورِ أخرجها المؤلِّفُ في كتاب الجهاد (٢٩٤٠- ٢٩٤١) بتمامها من طريق
إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن صالح بنِ كَيْسان، عن الزُّهْري، عن عُبيدِ الله بنِ عبد الله، عن ابن عبَّاس،
وفيها من الفوائد الَّوائد ما أشرت إليه في أثناء الكلام على هذا الحديث قبلُ، لكنَّه انتهى حديثُه
عند قول أبي سفيان: ((حتَّى أدخلَ الله عليَّ الإسلام)) زاد هنا: ((وأنا كارهٌ)) ولم يَذكُر قصّةَ ابنِ
الناطور. وكذا أخرجه مسلم (١٧٧٣) بدونها من حديث إبراهيمَ المذكور.
وروايةُ يونسَ - وهو ابنُ يزيدَ الأيليُّ - عن الزُّهْري بهذا الإسناد أخرجها المؤلِّف مختصرةً
في الجهاد (٢٨٠٤) من طريق الليث، وفي الاستئذان (٦٢٦٠) مُختصَرة أيضاً من طريق ابن
المبارك، كلاهما عن يونس، عن الزُّهْري، بسنده بعَينِهِ، ولم يَسُقْه بتمامه، وقد ساقه بتمامه الطبراني
(٧٢٧٠) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، وذكر فيه قصّةَ ابنِ الناطور.
ورواية مَعمَر عن الزُّهْري، كذلك ساقها المؤلِّف بتمامها في التفسير (٤٥٥٣)، وقد
أشرنا إلى بعض فوائدَ زائدةٍ فيما مضى أيضاً، وذكر فيه من قِصَّة ابن الناطور قِطْعة مُختصَرةً
عن الزُّهْري ولم يُسمِّه(١).
(١) في (س) بدل قوله: ((ولم يُسمِّه)): مرسلة.
٩٨
ح ٧
فتح الباري بشرح البخاري
فقد ظهر لك أنَّ أبا اليَمَان ما روى هذا الحديثَ عن واحد من هؤلاء الثلاثة(١)، وأنَّ
الزُّهْري إِنَّما رواه لأصحابه بسندٍ واحد عن شيخ واحد وهو عُبيد الله بن عبد الله، ولو
احتمل أنْ يرويَه لهم أو لبعضِهم عن شيخ آخر لكان ذلك اختلافاً قد يفضي إلى
الاضطراب المُوجِب للضَّعْف، فلاحَ فسادُ ذلك الاحتمال، والله سبحانه وتعالى الموفِّق
والهادي إلى الصواب، لا إله إلا هو.
(١) في هامش (أ) إشارة إلى نسخة أخرى ما نصه: فقد ظهر لك أن أحاديث الثلاثة عند المصنف عن غير أبي
اليمان. قلنا: وقد أُقحمت هذه العبارة من قوله: ((أن أحاديث)) في (س) بإثر قوله: ((وهو عبيد الله بن
عبد الله)).
٩٩
باب ١
كتاب الإيمان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإِيمَان
١ - بابُ الإيمان وقولِ النبيِّ وَّ: ((بُنِيَ الإسلامُ على خمس))
وهو قولٌ وفِعلٌ، ويزيدُ ويَنقُصُ، قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَّا مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]،
﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَّى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ آَهْتَدَوْاْ هُدَّى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ
أُهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَانَتُهُمْ تَقْوَنُهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيَمَنًا﴾ [المدثر: ٣١]،
وقولُه: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتَهُ هَذِهِ: إِيمَنَا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقولُه
جَلَّ ذِكرُه: ﴿فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقولُه تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنًا
وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
والحُبُّ في الله والبُغْضُ في الله مِن الإيمان.
وكَتَبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى عَدِيٍّ بنِ عَدِيٌّ: إنَّ لِلإيمانِ فرائضَ وشرائحَ وحُدُوداً وسُنَناً،
فمَنِ استَكْمَلَها استكمَلَ الإيمانَ، ومَن لم يَستكمِلْها لم يَستكمِلِ الإيمانَ، فإنْ أعِشْ فسأُبيِّنُها
لَكُم حتَّى تَعمَلُوا بها، وإنْ امُتْ فما أنا على صُحْبَتِكُم بحَرِیصٍ.
وقال إبراهيمُ: ﴿وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلْبِىٍ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وقال معاذٌ: اجلِسْ بنا نؤمن ساعةً.
وقال ابنُ مسعودٍ: اليقينُ الإيمانُ كلُّه.
وقال ابنُ عمّرَ: لا يَبلُغُ العَبْدُ حقيقةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ ما حاكَ في الصَّدْر.
وقال مجاهدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ .. ﴾ [الشورى: ١٣]: أو صَيْناكَ يا محمَّدُ وإِيّاه ◌ِدِيناً واحِداً.
٤٦/١
وقال ابنُ عبَّاس: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]: سَبِيلاً وسُنّةً.
١٠٠
باب ١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الإيمان)) هو خبر مُبتدَأ محذوف تقديره: هذا كتاب
الإيمان. وكِتاب: مصدر، يقال: كتب يكتب كتابةً وكتاباً، ومادّةُ ((كتب)) دالّة على الجمع
والضم، ومنها: الكَتِيبة والكتابة، استعملوا ذلك فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول
الجامعة للمسائل، والضمُّ فيه بالنّسبة إلى المكتوب من الحروف حقيقةٌ، وبالنّسبة إلى المعاني
المرادةِ منها مَجَازٌّ، والباب موضوعُه المدخَل، فاستعمالُه في المعاني مجاز.
والإيمان لغةً: التصديق، وشرعاً: تصديق الرسول فيما جاءَ به عن ربِّه، وهذا القَدْر مُتَّفَق
عليه. ثمَّ وقع الاختلافُ: هل يُشتَرَط مع ذلك مزيدُ أمرٍ من جهة إبداء هذا التصديق
باللِّسان المعبِّر عمّا في القلب، إذ التصديقُ من أفعال القلوب؟ أو من جهة العمل بما صَدَّقَ به
من ذلك كفعل المأمورات، وترك المنھیَّات، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
والإيمانُ - فيما قيل - مُشتَق من الأَمْن، وفيه نظر لتَبايُنِ مدلولَي الأمن والتصديق، إلَّا
إِنْ لُوحِظَ فيه معنَى مَجَازي فيقال: أَمِنَه: إذا صَدَّقَه، أي: أَمنَه التكذيبَ.
ولم يستفتح المصنّفُ بدءَ الوحي بكتابٍ، لأنَّ المقدّمة لا تُستفتَح بما يُستفتح به غيرُها،
لأنها تَنْطَوي على ما يتعلَّق بما بعدها، واختلفَت الروايات في تقديم البسملة على ((كتاب))
أو تأخیرها ولگُلِّ وجهٌ، الأوَّل ظاهر، ووجه الثاني - وعليه أكثر الروايات - أنه جعل
الترجمةَ قائمةً مقام تسمية السورة، والأحاديثُ المذكورةُ بعد البسملة كالآيات مُستفتَحةٌ
بالبسملة.
قوله: ((باب قول النبي ◌َّهُ: بُنِيَ الإسلام على خمس)) سقط لفظ ((باب)) من رواية
الأَصِيلي، وقد وَصَلَ الحديثَ بعدُ تامّاً، واقتصاره على طرفه من تسمية الشيء باسم بعضِه،
والمراد: باب هذا الحديث.
قوله: ((وهو)) أي: الإيمان ((قولٌ وفِعْل، ويزيد ويَنقُص)) وفي رواية الكُشْمِيهَني:
((قولٌ وعملٌ))، وهو اللفظ الوارد عن السَّلَف الذين أطلقوا ذلك، ووَهِمَ ابنُ التِّين
فظَنَّ أنَّ قوله: ((وهو)) إلى آخره، مرفوع لمَّا رآه معطوفاً، وليس ذلك مرادَ المصنّف،