Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
باب ١٠٩ / ح ٦١٩٩
كتاب الأدب
((إنَّ له مُرَضِعاً في الجنَّة، لو عاشَ لكان صِدّيقاً نبيّاً، ولَأعتَقت أخواله القِبْط))(١)، وروى
أحمد (١٢٣٥٨) وابن مَندَه من طريق السُّدِّيِّ: سألتُ أنساً: كم بَلَغَ إبراهيم؟ قال: كان قد
مَلَأ المهد، ولو بَقِيَ لكان نبيّاً، ولكن لم يكن ليَبقَى، لأنَّ نبيكم آخر الأنبياء، ولفظ أحمد: لو
عاشَ إبراهيمُ ابن النبيّ ◌َ ﴿ لكان صديقاً نبيّاً، ولم يذكُر القصّة، فهذه عِدّة أحاديث صحيحة عن
هؤلاءِ الصحابة أنَّهم أطلقوا ذلك، فلا أدري ما الذي حَمَلَ النَّوويَّ في ترجمة إبراهيم المذكور من
كتاب ((تهذيب الأسماء واللُّغات)) على استنكار ذلك ومُبالَغَته حيثُ قال: هو باطل، وجَسَارة
على الكلام في المغيَّيات، ومُجازَفة وهُجوم على عظيم من الزَّلَل.
ويحتمل أن لا(٢) يكون استَحضَرَ ذلك عن الصحابة المذكورينَ، فرواه عن غيرهم ممَّن
تأخّرَ فقال ذلك، وقد استَنكَرَ قبله ابنُ عبد البَرِّ في ((الاستيعاب)) الحديث المذكور فقال:
هذا لا أدري ما هو، وقد وَلَدَ نوح مَن ليس بنبيٍّ، وكما يَلِد غيرُ النبيّ نبيّاً فكذا يجوز عكسه،
حتَّى نُسِبَ قائله إلى المجازفة والخوض في الأُمور المغيّة بغير عِلْم؛ إلى غير ذلك، مع أنَّ الذي
نُقِلَ عن الصحابة المذكورينَ إِنَّما أتوا فيه بقضيَّةٍ شَرْطيّة.
الحديث الثالث: حديث البراء: ((لمَّا ماتَ إبراهيم قال النبيّ وَّ: إنَّ له مُرضِعاً في
الجنَّة)). قال الخطَّبيُّ: هو بضمِّ الميم على أنَّه اسم فاعل من أرضَعَ، أي: مَن يُتِمّ إرضاعه،
ويفتحها، أي: أنَّ له رَضَاعاً في الجنَّة. وقال ابن التِّين في ((الصِّحاح)): امرأة مُرضِع، أي: لها
ولد تُرضِعه، فهي مُرضِعة بضمٌّ أوَّله، فإن وَصَفتَها بإرضاعِه قلت: مَرضِعة، يعني: بفتح
الميم، قال: والمعنى هنا يَصِحّ، ولكن لم يَروِه أحدٌ بفتح الميم. قلت: وَقَعَ في رواية
الإسماعيليّ: ((أنَّ له مُرضِعاً تُرضِعه في الجنَّة)) والمعنى: تُكمِل إرضاعه، لأنَّه لمَّا ماتَ كان
ابنَ ستّة عشرَ شهراً أو ثمانيةَ عشرَ شهراً على اختلاف الرِّوايتَين، وقيل: إنَّما عاشَ سبعينَ
يوماً.
(١) إسناده ضعيف جداً، فيه راوٍ متروك، فلا يصلح الاحتجاج به، وفي إطلاق الصحة عليه مجازفة من
الحافظ رحمه الله وزلَّة منه.
(٢) لفظ ((لا)) سقط من (س).

٦٢٢
باب ١٠٩ / ح ٦١٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الرابع: حديث جابر: ((سَمُّوا باسمي)) ذكره مختصراً عن آدم عن شُعْبة عن حُصَين،
وقد تقدَّم شرحه قريباً (٦١٨٧)، وقد أخرجه مسلم (٧/٢١٣٣) من وجه آخر عن شُعْبة عن
حُصَین بتمامه.
الحديث الخامس: قوله: ((ورواه أنس)) تقدَّم التّنبيه عليه قريباً في ((باب قول النبيّ وَّ:
سَمُّوا باسمي))(١).
الحديث السادس والسابع والثامن: حديث أبي هريرة: ((سَمّوا باسمي، ولا تَكَنَّوا بِكُنْيتي))،
ووَقَعَ في رواية المُستَمْلي والسَّرَخْسِيّ هنا: ((بكُنْوَتي)) وقد تقدَّم توجيهه قريباً (٦١٨٨).
قوله: ((ومَن رآني في المنام)) الحديث، هو حديثٌ آخر جمعهما الراوي بهذا الإسناد، وسيأتي
شرحه في كتاب التَّعبير (٦٩٩٣).
قوله: ((ومَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً) الحديث، هو حديثٌ آخر تقدَّم شرحه في كتاب
العلم (١١٠).
الحديث التاسع: عن أبي موسى - هو الأشعَريّ - قال: وُلِدَ لي غلام.
قوله: ((وکان أکبرَ ولدِ أبي موسى)) هذا يُشعِر بأنَّ أبا موسی کُنّي قبل أن يولد له،
وإلّا فلو كان الأمر على غير ذلك لُنّيَ بابنه إبراهيم المذكور، ولم یُنقَل أنَّه کان یُکنی أبا
إبراهيم.
الحديث العاشر: حديث المغيرة: ((انكَسَفَتِ الشمس يومَ ماتَ إبراهيم))، كذا أورَدَه
مختصراً، وقد تقدَّم في الكُسوف (١٠٦٠) بهذا الإسناد مُطوَّلاً، ومن وجه آخر (١٠٤٣) عن
زياد بن عِلاقة مُطوَّلاً أيضاً، وتقدَّم شرحه هناك.
الحديث الحادي عشر: قوله: ((رواه أبو بَكْرة، عن النبيّ ◌َ لّ) يشير إلى ما أخرجه موصولاً
في الكُسوف (١٠٤٠ و١٠٤٨) ومُعلَّقاً(٢)، لكن لم أرَ في شيء من طرق حديث أبي بَكْرة التَّصريح
(١) باب رقم (١٠٦).
(٢) في باب (١٣): لا تنكسف الشمس لموت أحد.

٦٢٣
باب ١١٠ / ح ٦٢٠٠
كتاب الأدب
بأنَّ ذلك كان يومَ ماتَ إبراهيم، إلّا في رواية أسنَدَها في ((باب كُسوف القمر)) (١٠٦٣)، مع أنَّ
مجموع الأحاديث تَدُلّ على ذلك كما قاله البيهقيّ.
قال ابن بَطّال: في هذه الأحاديث جواز التَّسمية بأسماءِ الأنبياء، وقد ثَبَتَ عن سعيد
ابن المسيّب أنَّه قال: أحَبُّ الأسماء إلى الله أسماءُ الأنبياء، وإِنَّمَا كَرِهَ عمرُ ذلك لئلّا يَسُبَّ أحدٌ
المسَمَّى بذلك، فأراد تعظيم الاسم لئلّا يُبْتَذَل في ذلك، وهو قصد حسن.
وذكر الطَّبَرِيُّ أنَّ الحُجّة في ذلك حديث أنس: ((يُسَمّونَهم محمَّداً/ ثم يَلعَنونهم))، قال: وهو ٥٨٠/١٠
ضعيف، لأنّه من رواية الحَكَم بن عَطيَّة عن ثابت عنه، وعلى تقدير ثُبُوته فلا حُجّة فيه للمنع،
بل فيه النَّهي عن لَعْن مَن يُسمَّى محمَّداً، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إلى هذا الحديث في ((باب سَمّوا
باسمي))، قال: ويقال: إنَّ طلحة قال للزُّبَيرِ: أسماء بنيَّ أسماء الأنبياء، وأسماء بنيكَ أسماء
الشُّهَداء، فقال: أنا أرجو أن يكون بنيَّ شُهَداء، وأنتَ لا تَرجُو أن يكون بَنُوك أنبياء، فأشارَ إلى
أَنَّ الذي فَعَلَه أولى من الذي فعله طلحة.
١١٠ - باب تسمية الولید
٦٢٠٠ - أخبرنا أبو نُعَيم الفَضْلُ بنُ دُكَينٍ، حدَّثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدٍ، عن
أبي هريرةَ، قال: لمَّا رَفَعَ النبيُّونَ﴿ رأسَه منَ الرَّكْعَةِ قال: ((اللهمَّ أَنج الوليدَ بنَ الوليدِ، وسَلَمَةَ
ابنَ هشامٍ، وعيَّشَ بنَ أبي رَبِيعةَ، والمستَضْعَفِينَ بمَكّةَ منَ المُؤْمِنِينَ، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتكَ على
مُضَرَ، اللهمَّ اجْعَلْها عليهم سنينَ کسِنِي يوسُفَ)).
قوله: ((باب تَسْمية الوليد) وَرَدَ في كراهية هذا الاسم حديث أخرجه الطبرانيُّ(١) من
حديث ابن مسعود: ((نَهَى رسول الله وَّلْ أَن يُسَمَّ الرجل عبدَه أو ولدَه حَرباً أو مُرّة أو وليداً))
الحديث، وسنده ضعيف جدّاً، وورَدَ فيه أيضاً حديث آخر مُرسَل أخرجه يعقوب ابن سفيان
في ((تاريخه))، والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٥٠٥/٦) من طريقه قال: حدَّثنا محمَّد بن خالد بن العبّاس
(١) في ((الأوسط)) (٦٩٤)، ولم نقف عليه في ((الكبير)) مع أنَّ الهيثمي عزاه له في ((المجمع)) ٨/ ٥٠، ووقع فيه
وفي ((الأوسط)) مكان لفظ ((حرباً): حارثاً!

٦٢٤
باب ١١٠ / ح ٦٢٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
السَّكسَكيّ، حدَّثنا الوليد بن مسلم حدَّثنا أبو عَمْرو الأوزاعيّ، وأخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل))
أيضاً من رواية بشر بن بكر عن الأوزاعيّ، وأخرجه عبد الرَّزّاق في الجزء الثّاني من
((أماليه)(١) عن مَعمَر كلاهما عن الزُّهْريّ عن سعيد بن المسيّب قال: وُلِدَ لأخي أمّ سَلَمة
ولدٌ فسَمّه الوليد، فقال رسول الله وَّهِ: ((سَمَّيْتُموه بأسماءِ فَرَاعِنَتَكم، لَيكونَنَّ في هذه الأُمّة
رجل يقال له: الوليد، هو أشَرُّ على هذه الأُمّة من فِرِعَونَ لقومِه)»، قال الوليد بن مسلم في
روايته: قال الأوزاعيُّ: فكانوا يَرَونَه الوليد بن عبد الملك، ثمَّ رأينا أنَّه الوليد بن يزيد لفتنة
الناس به حتى خَرَجوا عليه فقتلوه، وانفَتَحَتِ الفتن على الأُمّة بسببٍ ذلك وكَثُرَ فيهم القتل.
وفي رواية بشر بن بكر من الزّيادة: ((غَيِّروا اسمَه، فسَمَّوه عبد الله))، وبيَّن في روايته أنَّه أخو أمّ
سَلَمة لأُمُّها.
وهكذا أخرجه الحارث بن أبي أُسامة في ((مُسنَده))(٢) عن إسماعيل بن أبي إسماعيل عن
إسماعيل بن عيَّاش عن الأوزاعيِّ عن الزّهْريّ عن سعيد بن المسيّب، وأخرجه أبو نُعَيم في
((الدَّلائل)) من رواية الحارث، وأخرجه أحمد (١٠٩) عن أبي المغيرة عن إسماعيل بن عيَّاش فزاد
فيه: قال: حدَّثني الأوزاعيُّ وغيره عن الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر به، فزاد
فيه عمرَ، فادَّعَى ابن حِبّان أنَّه لا أصل له، فقال في كتاب ((الضُّعَفاء)» في ترجمة إسماعيل بن
عيَّش: هذا خبرٌ باطل، ما قاله رسول الله وَ ◌ّ ولا رواه عمر، ولا حدَّث به سعيد ولا الزُّهْريّ،
ولا هو من حديث الأوزاعيِّ. ثمَّ أعَلَّه بإسماعيل ابن عيَّاش.
واعتَمَدَ ابن الجَوْزيّ على كلام ابن حِبّان فأورَدَ الحديث في ((الموضوعات)) فلم يُصِبْ، فإنَّ
إسماعيل لم يَنفَرِد به، وعلى تقدير انفراده فإنَّما انفَرَدَ بزيادة عمر في الإسناد، وإلّا فأصله كما
ذكرتُ عند الوليد وغيره من أصحاب الأوزاعيِّ عنه، وعند مَعمَر وغيره من أصحاب
الزُّهْريّ، فإن كان سعيد بن المسيّب تَلَقّاه عن أمّ سَلَمة فهو على شرط الصَّحيح، ويُؤْيِّد ذلك أنَّ
له شاهداً عن أمّ سَلَمة أخرجه إبراهيم الحَرْبيّ في ((غريب الحديث)) من رواية محمّد بن إسحاق،
(١) وهو في ((مصنفه)) أيضاً (١٩٨٦١) لكنه مختصر، وليس فيه سعيد بن المسيب.
(٢) برقم (٨٠٤ - بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث).

٦٢٥
باب ١١٠ / ح ٦٢٠٠
كتاب الأدب
عن محمَّد بن عَمْرو بن(١) عطاء، عن زينب بنت أمّ سَلَمة، عن أمّها قالت: دَخَلَ عليَّ النبيّ وَل
وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد،/ فقال: ((مَن هذا؟)) قلت: الوليد، قال: ((قد اتخذتُم ٥٨١/١٠
الوليدَ حَنَاناً، غَيِّروا اسمه، فإنَّه سيكونُ في هذه الأُمّة فِرعَون یقال له: الوليد)».
وقد أخرجه الحاكم (٤/ ٤٩٤) من وجه آخر عن الوليد موصولاً بذِكْر أبي هريرة فیه،
أخرجه من طريق نُعَيم بن حمَّدٍ عن الوليد بن مسلم، وقال في آخره: قال الزُّهْريّ: إن استُخلِفَ
الوليد بن يزيد، وإلّا فهو الوليد بن عبد الملك. قلت: وعندي أنَّ ذِكْر أبي هريرة فيه من أوهام
نُعَيم بن حمّاد، والله أعلم.
ولمَّا لم يكن هذا الحديث المذكور على شرط البخاريّ أومأ إليه كعادتِه وأورَدَ في الباب
الحديث الدّالَّ على الجواز، فإنَّه لو كان مكروهاً لَغَيَّرَه النبيّ ◌َّ كعادتِه، فإنَّ في بعض طرق
الحديث المذكور الدّلالة على أنَّ الوليد بن الوليد المذكور قد قَدِمَ بعد ذلك المدينةَ مُهاجِراً - كما
مضى في المغازي (٢)- ولم يُنقَل أَنَّه ◌َ لَ غَّرَ اسمه، وأمَّا ما تقدَّم أنَّه أمَرَ بتغيير اسم الوليد فذاكَ
اسم ولدِ المذكور، فغَيَّرَه فسماه عبد الله.
وأخرج الطبرانيُّ (٢٢/ ٤١٠) في ترجمة الوليد بن الوليد بن المغيرة من طريق إسماعيل بن
أيوب المخزوميّ في قصَّة موتِ الوليد بن الوليد بعد أن جاء المدينة مُهاجِراً، وأنَّ النبيَّ ◌ِيه
دَخَلَ على أمّ سَلَمة بعد موته وهي تقول: ابكِ الوليد بن الوليدِ أبا الوليد بن المغيرة فقال: ((إن
كِدْتُم لَتَتَّخِذونَ الوليد حَنَاناً» فسَّاه عبدَ الله(٣)، ووَصَلَه ابن مَندَهْ من وجه واهٍ إلى أيوب بن
سَلَمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة، عن أبيه، عن جَدّه: أنَّه أتى النبيَّ ◌َِّ فذكره.
ومن شواهد الحديث ما أخرجه الطبرانيُّ أيضاً (٢٨٦١) من حديث معاذ بن جبل قال:
خَرَجَ علينا رسول الله وَّةِ، فذكر حديثاً فيه: قال: ((الوليد اسم فِرِعَون هادِمُ شرائع الإسلام،
يُوء بدَمِه رجل من أهل بيته)) ولكنَّ سنده ضعيف جدّاً.
(١) لفظ ((بن)) تحرَّف في (س) إلى: عن.
(٢) أشار إلى ذلك في شرح الحديث (٤٥٦٠) من كتاب التفسير، وليس في المغازي.
(٣) قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٣٩٢: فيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك.

٦٢٦
باب ١١١ / ح ٦٢٠١-٦٢٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
١١١ - باب من دَعَا صاحبَه فَقَص من اسمِه حرفاً
وقال أبو حازِمٍ، عن أبي هريرةً: قال لي النبيُّ ◌َّ: ((يا أبا هِرٍ)).
٦٢٠١ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ
عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ يَّ قالت: قال رسولُ اللهَِ: ((يا عائشُ،
هذا جِبْرِيلُ يُقْرِتُكِ السَّلامَ)) قلتُ: وعليه السلامُ ورحمةُ الله، قالت: وهو يَرَى ما لا نَرَى.
٦٢٠٢ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثْنَا وُهَيبٌ، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ ◌َ
قال: كانت أمُّ سُلَيم في الثَّقَلِ، وأَنْجَشةُ غلامُ النبيِّ ◌َهِ يَسُوقُ بِنَّ، فقال النبيُّ ◌َ: ((يَا أَنْجَشُ،
رُوَيَدَكَ سَوْقَكَ بِالقَوَاريرِ)).
قوله: ((باب مَن دَعَا صاحبَه فنَقَصَ من اسمه حَرْفاً) كذا اقتَصَرَ على حرف، وهو مُطابِق
لحديثِ عائشة في ((عائش)) ولحديثٍ أنس في ((أنجَش)).
وأمَّا حديث أبي هريرة فنازَعَ ابنُ بَطّال في مُطابَقَته فقال: ليس من الثَّرخيم، وإنَّما هو
نقل اللَّفظ من التَّصغير والتَّأنيث إلى التَّكبير والتَّذكير، وذلك أنَّه كان كَنّاه أبا هريرة وهريرةٌ
تصغير هِرّة، فخاطَبَه باسمِها مُذكَّراً، فهو نُقصانٌ في اللَّفظ وزيادةٌ في المعنى.
قلت: فهو نقص في الجملة، لكن كَوْن النَّقص منه حرفاً فيه نظرٌّ، وكأنّه لَحَظَ الاسم قبل
٥٨٢/١٠ التَّصغير وهي مِرّة، فإذا حَذَفَ الياء الأخيرة صَدَقَ أنَّه نَقَصَ من الاسم/ حرفاً، وقد تَرجَمَ في
((الأدب المفرَد)) مِثْلَه، لكن قال: ((شيئاً) بدلَ ((حرفا) وأورَدَ فيه (٨٢٨) حديث عائشة: رأيت
عثمانَ والنبيُّونَ﴿ يَضِرِب كَتِفْه يقول: ((اكتُبْ عُثْمَ)) وچِبْرِيل يُوحي إليه.
قوله: ((وقال أبو حازم عن أبي هريرة: قال لي النبيّ وَّفيه: يا أبا هِّ)) بتشديد الرَّاء ويجوز تخفيفها،
وهذا طَرَف من حديث وَصَلَه المؤلِّف رحمه الله في الأطعمة (٥٣٧٥) أوَّله: أصابني جَهِدٌ شديد،
وفيه: فإذا رسول الله وَّر قائمٌ على رأسي فقال: ((يا أبا هِرّ))، ويأتي في الرِّفاق (٦٤٥٢) حديثٌ
أوَّله: والذي لا إله إلّا هو إن كنتُ لَأَعتَمِد على الأرض بكَبدي من الجوع، وفيهِمِثْلُه.
قوله: ((يا عائشُ، هذا جبريلُ)) تقدَّم شرحه في مناقب عائشة (٣٧٦٨).

٦٢٧
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
كتاب الأدب
قوله: ((يا أَنْجَشُ رُوَيدَك)) تقدَّم شرحه في ((باب ما يجوز من الشِّعر)) (٦١٤٩) وأكثر ما
وَقَعَ في الرِّوايات بغير ترخيم، ويجوز في الشِّين الضَّمّ والفتح كما في الذي قبله.
١١٢ - باب الكُنية للصَّبيّ وقبل أن يُولَد للرَّجل
٦٢٠٣ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أبي التّيَّاح، عن أنس قال: كان النبيُّ ◌َيّ
أحسنَ الناسِ خُلُقاً، وكان لي أخٌ يقال له: أبو عُمَيٍ، قال: أحسَبُه فَطِيماً، وكان إذا جاء قال: ((يا
أبا عُمَير، ما فعل التُّغَير؟)) نُغَرِّ كان يَلْعَبُ به، فُرُبَّمَا حَضَرَ الصلاةَ وهو في بيتِنا فيأمرُ بالِسَاطِ الذي
تحتَه، فيُكْنَسُ ويُنْضَحُ، ثمَّ يقومُ ونقومُ خَلْفَه فُصَلِّي بنا.
قوله: ((باب الكُنْية للصَّبيِّ، وقبلَ أن يولد للرجلِ)» في رواية الكُشْمِیھنيّ: ((يَلِد الرجل»،
ذكر فيه قصَّة أبي عُمَير وهو مُطابِقٍ لأحدٍ رُكنَي التَّرجمة، والرُّكن الثّاني مأخوذ بالإلحاق بل
بطريقِ الأَولى، وأشارَ بذلك إلى الردّ على مَن مَنَعَ تكنية مَن لم يولد له مُستَنِداً إلى أنَّه خِلَاف
الواقع، فقد أخرج ابن ماجَهْ (٣٧٣٨) وأحمد (١٨٩٤٢) والطَّحاويُّ (٣٤٠/٤) وصَحَّحَه
الحاكم (٣٩٨/٣) من حديث صُهَيبِ: أنَّ عمر قال له: ما لكَ تُكَنَّى أبا يحيى وليس لك
ولدٌ؟ قال: إنَّ النبيّ وَّ كَنّاني، وأخرج سعيد بن منصور من طريق فُضَيلٍ بن عَمْرو: قلت
لإبراهيم: إنّ أُكَنَّى أبا النَّضر وليس لي ولدٌ، وأسمَعُ الناس يقولون: مَن اكتَنَى وليس له
ولدٌ فهو أبو جعْر، فقال إبراهيم: کان علقمة يُكنى أبا شِبْل و کان عقيماً لا يولد له. وقوله:
((جَعْر)) بفتح الجيم وسكون المهمَلة(١)، و((شِبْل)) بكسر المعجَمة وسكون الموحَّدة. وأخرج
المصنّف في ((الأدب المفرد)) (٨٤٩) عن عَلْقمة قال: كَنّاني عبد الله بن مسعود قبل أن يولد
لي.
وقد كان ذلك مُستَعمَلاً عند العرب، قال الشّاعر(٢):
لهاكُنيةِ عَمْرٍو وليس لها عَمْرُو
(١) والجَعْر: نجو الطيور والسِّباع كالغائط للإنسان.
(٢) هو أبو صخر الهذلي، انظر ((ثمار القلوب)) لأبي منصور الثعالبي ص٥٩٧.

٦٢٨
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج ابن أبي شَيْبة (٩/ ١٢-١٣) عن الزُّهْريّ قال: كان رجال من الصحابة يَكْتَنُونَ قبل
أن يولد لهم. وأخرج المصنِّف في ((باب ما جاء في قبر النبيّ وَّ) من كتاب الجنائز (١٣٩٠)
عن هلال الوزّان قال: كَنّاني عُرْوة قبل أن يولد لي. قلت: وكُنية هلال المذكور أبو عَمْرو، ويقال:
أبو أُميَّة، ويقال غير ذلك. وأخرج الطبرانيُّ (٨٤٠٥) عن عَلْقمة عن ابن مسعود: أنَّ النبيَّ وَه
گنّاه أبا عبد الرَّحمن قبل أن يولد له، وسنده صحيح.
قال العلماء: كانوا يُكَنُّونَ الصبيَّ تَفاؤُلاً بأنَّه سيعيشُ حتَّى يولد له، وللأمنِ من
التَّلقیب، لأنَّ الغالب أنَّ مَن یذكُر شخصاً فُعظِّمه أن لا یَذكُرَه باسمِه الخاصّ به، فإذا كانت له
كُنية أمِنَ من تلقيبه، ولهذا قال قائلهم: بادِرُوا أبناءَكم بالكُنَى قبل أن تَغلِب عليها الألقاب،
وقالوا: الكُنية للعَرَبِ كاللَّقَبِ للعَجَم، ومن ثَمَّ كُرِهَ للشَّخص أن يُكَنّي نفسه إلّا إن قَصَدَ
التَّعريف.
قوله: ((عبد الوارث)) هو ابن سعيد، وأبو التّيَّاحِ بمُثنّةٍ فوقائيّة ثمَّ تحتانيَّة ثقيلة
٥٨٣/١٠ مفتوحَتَينِ/ ثمَّ مُهمَلة: هو يزيد بن حُميدٍ، والإسناد كلّه بصريّونَ، وقد تقدَّم (٦١٢٩) من
رواية شُعْبة عن أبي التّيَّاح في ((باب الانبساط إلى الناس))، وقد أخرجه النَّسائيُّ (١٠٠٩٣)
من طريق شُعْبة هكذا، ومن وجه آخر (١٠٠٩٦) عن شُعْبة عن قَتَادة عن أنس، ومن وجه
ثالث (١٠٠٩٢) عن شُعْبة عن محمّد بن قيس عن حُميدٍ عن أنس، والمشهور الأوَّل، ويحتمل أن
یکون لشُعْبةَ فیه طرق.
قوله: ((كان النبيّ ◌َ﴿ أحسَنَ الناس خُلُقاً)) هذا قاله أنس تَوطِئةً لما يريد بذِكْرِه من قصَّة
الصبيّ، وأوَّل حديث شُعْبة المذكور عن أنس قال: إن كان النبيّ وَّ لُيُخالطنا، ولأحمد
(١٢٩٧٩) من طريق المثنَّى بن سعيد عن أبي التيَّاح عن أنس: كان النبيّ وَّهِ يزور أمّ
سُلَيم، وفي رواية محمّد بن قيس المذكور: كان النبيّ وَّه قد اختَلَطَ بنا أهل البيت؛ يعني:
لبيتِ أبي طلحة وأُمّ سُلَيم، ولأبي يَعْلى (٢٨٣٦) من طريق محمَّد بن سِيرِين عن أنس: كان
النبيّ مَ ل ◌ِ يَغْشانا ويُخالطنا، وللنَّسائيِّ (١٠٠٩١) من طريق إسماعيل بن جعفر عن حُميدٍ عن

٦٢٩
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
كتاب الأدب
أنس: كان النبيّ وَل﴿ يأتي أبا طلحة كثيراً، ولأبي يَعْلى (٣٧٦٤ و ٣٧٦٩) من طريق خالد بن
عبد الله عن حُميدٍ: كان يأتي أمّ سُلَيم وينام على فِراشها، وكان إذا مَشَى يَتَوكَّأ، ولابنٍ سعد
(٤٢٧/٨) وسعيد بن منصور عن ربعيّ بن عبد الله بن الجارود عن أنس: كان يزور أمَّ
سُلَیم فتُحِفه بالشّيء تصنعه له.
قوله: ((وكان لي أخ يقال له: أبو عُمَير)) هو بالتَّصغير، وفي رواية حَمَّاد بن سَلَمة عن ثابت
عن أنس عند أحمد (١٤٠٧١): ((كان لي أخ صغير)) وهو أخو أنس بن مالك من أمّه، ففي
رواية المثنَّى بن سعيد المذكورة: وكان لها - أي: أمّ سُلَيم - ابنٌ صغير، وفي رواية حُميدٍ عند
أحمد (١٢٩٥٧): وكان لها من أبي طلحة ابن يُكْنى أبا عُمَير، وفي رواية مروان بن معاوية
عن حُميدٍ عند ابن أبي عمر: كان بُنِيُّ لأبي طلحة، وفي رواية عُمارة بن زاذانَ عن ثابت عند
ابن سعد (٤٣١/٨): أنَّ أبا طلحة كان له ابن قال: أحسبه فطيماً(١)، في بعض النُّسَخ: ((فطيم))
بغير ألفٍ، وهو محمول على طريقة مَن يَكتُب المنصوب المنوَّن بلا ألف، والأصل: فطيمٌ، لأنَّه
صِفَة ((أخ)) وهو مرفوع، لكن تَخْلَّلَ بين الصِّفة والموصوف ((أحسبه))، وقد وَقَعَ عند أحمد من
طريق المثنَّى بن سعيد(٢) مِثل ما في الأصل ((فطيم)) بمعنى مفطوم، أي: انتهى إرضاعه.
قوله: ((وكان)) أي: النبيّ وَليل ((إذا جاء)) زاد مروان بن معاوية في روايته: إذا جاء لأُمِّ سُلَیم
يُمازحه، ولأحمد (١٢٩٥٧) في روايته عند ◌ُمیدٍ مثله، وفي أُخرى (١٢١٣٧): يُضاحكه، وفي
رواية محمَّد بن قيس: يُهازِله، وفي رواية المثنَّى بن سعيد عند أبي عَوَانة: يُفاكهه.
قوله: ((يا أبا عُمَير)) في رواية رِبعيّ بن عبد الله: فزارَنا ذات يوم فقال: ((يا أمّ سُلَیم، ما شأني
أَرَى أبا عُمَير ابنَك خائرَ النَّفْس» بمُعجَمةٍ ومُثلَّثة، أي: ثقيل النَّفْس غير نشيط، وفي رواية مروان
ابن معاوية وإسماعيل بن جعفر كلاهما عن حُميدٍ: فجاء يوماً وقد ماتَ نُغيره، زاد مروان: الذي
كان يَلْعَب به، زاد إسماعيل: فوَجَدَه حزيناً، فسألَ عنه فأخبرته فقال: ((يا أبا عُمَير))، وساقَه
(١) قوله: ((أحسبه فطيماً)) لم يرد في المطبوع من ((الطبقات)).
(٢) هذه الرواية عند أحمد (١٣٢٠٩) من طريق عبد الوارث بن سعيد، وليست في رواية المثنى بن سعيد (١٢٩٧٩)،
ولفظة ((فطیم)) وردت منصوبة في نسخ ((المسند)).

٦٣٠
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
أحمد (١٣٠٧٧) عن يزيد بن هارون عن حُميدٍ بتمامه، وفي رواية حَمَّاد ابن سَلَمة المشار إليها:
فقال: ((ما شأن أبي عُمَير حزيناً؟)) وفي رواية رِبْعيّ بن عبد الله: فجَعَلَ يمسح رأسه ويقول، وفي
رواية عمارة بن زاذانَ: فكان يَستَقبِله ویقول.
قوله: ((ما فعل النُّغَيرِ؟)) بنونٍ ومُعجَمة وراء مُصغَّر، وكَرَّرَ ذلك في رواية حَمَّاد بن سَلَمة.
قوله: (نُغير كان يَلْعَب به)) وهو طيرٌ صغير واحده نُغَرة وجمعه نِغْران، قال الخطَّبيُّ: طُوَيْرٌ له
صوت، وفيه نظرٌ فإنَّه وَرَدَ في بعض طرقه أنَّه الصَّعْو بمُهمَلتینِ بوزنِ العفو، کما في رواية رِبعيّ:
فقالت أمّ سُلَيم: ماتت صَعْوتُه التي كان يَلعَب بها، فقال: ((أَيْ أبا عُمَير، ماتَ النُّغير؟)) فدَلَّ
على أنَّهما شيء واحد، والصَّعْو لا يُوصَف بحُسنِ الصَّوت، قال الشّاعر(١):
كالصَّغْوِ يَرتَعُ فِي الرِّياضِ وإنَّما حُبِسَ الهَزَارُ لأَنَّه يَتَرِئَمُ
قال عياض: النُّغير طائر(٢) يُشبِهِ العُصفور، وقيل: هي فِراخ العصافير، وقيل: هي نوع
٥٨٤/١٠ من الحُمَّر، بضمِّ المهمَلة/ وتشديد الميم ثمَّ راء، قال: والرَّاجح أنَّ النَّغير طائر أحمر المنقار.
قلت: وهذا الذي جَزَمَ به الجَوْهريّ، وقال صاحبا ((العين)) و((المحكم)): الصَّعْو: صغير المِنِقار
أحمر الرَّأس.
قوله: ((فُرُبَّمَا حَضَرَ الصلاةَ وهو في بيتنا.)) إلى آخره، تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الصلاة
(٣٨٠)، وتقدَّمَت الإشارة إليه قريباً أيضاً.
وفي هذا الحديث عِدّة فوائد جمعها أبو العبّاس أحمد بن أبي أحمد الطََّريُّ المعروف بابنِ
القاصِّ الفقیه الشافعيّ صاحب التصانيف، في جُزء مُفرد، بعد أن أخرجه من وجھینِ عن
شُعْبة عن أبي التيَّاح، ومن وجھین عن حُمیدٍ عن أنس، ومن طریق محمّد بن سِیرین، وقد
جمعتُ في هذا الموضع طرقه وتَتَبَّعت ما في رواية كلٌّ منهم من فائدة زائدة. وذكر ابنُ
القاصِّ في أوَّل كتابه: أنَّ بعض الناس عابَ على أهل الحديث أنَّهم يَرُؤُونَ أشياء لا فائدة
(١) هو ابن أبي البغل الكاتب المتوفى سنة ٣١٣ هـ، انظر ((اللطائف والطرائف)) لأبي منصور الثعالبي ١/ ٥٠.
(٢) في (س): طائر معروف. بزيادة لفظ ((معروف))، والصواب إسقاطه كما في الأصلين، لأنه ليس في كلام القاضي
عياض في ((المشارق)) ١٩/٢.

٦٣١
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
كتاب الأدب
فيها، ومَثَّلَ ذلك بحديثٍ أبي عُمَير هذا، قال: وما دَرَى أنَّ في هذا الحديث من وجوه الفقه
وفُنون الأدب والفائدة ستّينَ وجهاً. ثمَّ ساقَها مبسوطة، فلخَّصتُها مُستَوفياً مقاصده، ثمَّ
أتبَعتُه بما تيسر من الزّوائد عليه فقال: فيه استحباب التَّتي في المشي، وزيارة الإخوان،
وجواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبيَّة إذا لم تكن شابّة وأُمِنَتِ الفتنة، وتخصيص الإمام
بعض الرَّعيَّة بالزيارة، ومُخَالَطة بعض الرَّعيَّة دونَ بعض، ومَشْي الحاكم وحدَه، وأنَّ كَثْرة
الزيارة لا تُنِقِص المودّة، وأنَّ قوله: ((زُر غِبّاً تَزْدَد حُبًا)(١) مخصوص بمَن يزور لطَمَعٍ، وأنّ
النَّهي عن كَثْرة مُالَطة الناس مخصوص بمَن يَخْشَى الفتنة أو الضَّرَر.
وفيه مشروعيَّة المصافحة لقولِ أنس فيه: ما مَسِستُ كَفّاً أليَن من كَفِّ رسول الله وَلاَ(٢)،
وتخصيص ذلك بالرجلِ دونَ المرأة، وأنَّ الذي مضى في صِفَتِه وَّهِ: أنَّه كان شَئْنِ الكَفَّينِ(٣)،
خاصّ بعَبَالة الجسم لا بخُشونة اللَّمس.
وفيه استحبابُ صلاة الزّائر في بيت المَزُور ولا سيّما إن كان الزائر ممّن يُتَبَّك به، وجواز
في.
الصلاة على الحصير، وترك التقزُّز لأنَّه عَلِمَ أنَّ في البيت صغيراً وصَلَّى مع ذلك في البيت
وجَلَسَ فیه.
وفيه أنَّ الأشياء على يقينِ الطَّهارة لأنَّ نَصْحهم البِساط إنَّما كان للتَّنظيفِ.
وفيه أنَّ الاختيار للمُصَلّي أن يقوم على أرْوَح الأحوال وأمكنها، خِلَافاً لمن استَحَبَّ من
المشدِّدينَ في العبادة أن يقوم على أجهَدِها.
وفيه جواز حمل العالم عِلمه إلى مَن يستفيده منه، وفضيلة لآلٍ أبي طلحة ولبیتِه إذ صارَ في
بیتھم قبلة يُقطَع بصِخَّتِها.
وفيه جواز المازَحة وتكرير المزح وأنَّها إباحة سُنّة لا رُخْصة، وأنَّ مُمازَحة الصبيّ الذي لم
يُميِّز جائزةٌ، وتکریر زیارة الممزوح معه.
(١) سلف الكلام عليه عند شرح الحديث (٦٠٧٩).
(٢) سلف برقم (١٩٧٣).
(٣) انظر شرح الحديث (٣٥٦١).

٦٣٢
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه ترك التكبُّر والتَّرفُّع، والفَرْق بين كَوْن الكبير في الطَّريق فيَتوقَّر أو في البيت
فيَمزَحِ، وأنَّ الذي وَرَدَ في صِفَة المنافق أنَّ سِرّه يُخالف عَلانيتَه ليس على عُمومه. وفيه
الحكم على ما يظهر من الأمارات في الوجه من حزنٍ أو غيره.
وفيه جواز الاستدلال بالعَيْن على حال صاحبها، إذ استَدَلَّ وَّهِ بالحزنِ الظّاهر على الحزن
الكامن حتَّی حَكَمَ بأنَّه حزین فسألَ أمّه عن سبب حزنه.
وفيه التَّطُّف بالصَّديق صغيراً كان أو كبيراً، والسُّؤال عن حاله، وأنَّ الخبر الوارد في الزَّجر
عن بكاء الصبيّ محمول على ما إذا بَكَى عن سبب عامداً، ومن أذّى بغير حَقٍّ.
وفيه قَبُول خيرِ الواحد، لأنَّ الذي أجابَ عن سبب حزنٍ أبي عُمَير كان كذلك. وفيه
جواز تكنية مَن لم يولد له، وجواز لَعِبِ الصَّغير بالطَّر، وجواز ترك الأبَوينِ ولدهما
الصَّغِيرِ يَلعَبُ بما أُبِيحَ اللَّعِب به، وجواز إنفاق المال فيما يَتَلَهَّى به الصَّغير من المباحات،
وجواز إمساك الطَّير في القَفَص ونحوِهِ، وقَصُّ جناح الطَّير، إذ لا يَخْلُو حال طير أبي عُمَير
من واحد منهما، وأيّهما كان الواقع التَحَقَ به الآخر في الحكم.
وفيه جواز إدخال الصَّيد من الحِلّ إلى الحَرَم وإمساكه بعد إدخاله، خِلَافاً لمن مَنَعَ من
إمساكه وقاسَه علی مَن صادَ ثمّ أحرمَ فإنَّه يجب عليه الإرسال.
٥٨٥/١٠ وفيه جواز تصغير الاسم ولو كان لحيوانٍ، وجواز مواجهة الصَّغير بالخِطاب خِلافاً لمن/
قال: الحكيم لا يُواجِه بالخِطاب إلّا مَن يَعِقِل ويفهم، قال: والصَّواب الجواز حيثُ لا يكونُ
هناك طلب جواب، ومن ثَمَّ لم يُخاطِبه في السُّؤال عن حاله بل سألَ غيره.
وفيه مُعاشرة الناس على قَدْر عقولهم. وفيه جواز قَيلُولة الشَّخص في بيت غير بيت
زوجته ولو لم تكن فيه زوجته، ومشروعيَّة القَيلُولة، وجواز قيلولة الحاكم في بیت بعض
رَعيَّتَه ولو كانت امرأة (١)، وجواز دخول الرجلِ بيتَ المرأة وزوجُها غائب ولو لم يكن مَحرَماً إذا
انتَفَتِ الفتنة.
(١) الذي رجحه الحافظ ابن حجر في شرح الحديث (٦٢٨٢) أن هذا من خصوصيات النبي وَلّ، فتنبه.

٦٣٣
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
كتاب الأدب
وفيه إكرام الزّائر، وأنَّ التَّنَعُم الخفيف لا يُنافي السُّنّة، وأنَّ تشييع المَزُورِ الزّائرَ ليس
على الوجوب.
وفيه أنَّ الكبير إذا زارَ قوماً واسَى بينهم، فإنَّه صافَحَ أنساً، ومازَحَ أبا عُمَیر، ونامَ علی فِراش
أمّ سُلَيم، وصَلَّى بهم في بيتهم حتَّى نالوا كلُّهم من بَرَكَتِهِ، انتهى ما لَخَّصتُه من كلامه فيما استَنْبَطَ
من فوائد حديث أنس في قصَّة أبي عُمَیر.
ثمَّ ذكر فصلاً في فائدة تَتَبُّع طرق الحديث، فمن ذلك: الخروجُ من خِلَاف مَن شَرَطَ
في قَبُول الخبر أن تَتَعَدَّد طرقه، فقيل: لاثنَيْنٍ، وقيل: لثلاثةٍ، وقيل: لأربعةٍ، وقيل: حتَّى يَستَحِقْ
اسمَ الشُّهرة، فكان في جميع الطُّرق ما يَحَصُل المقصود لكلِّ أحدٍ غالباً، وفي جمع الطّرق أيضاً
ومَعِرِفة مَن رواها وكَمّيَّتَها العلمُ بمراتب الرُّواة في الكَثْرة والقِلّة. وفيها الاطّلاع على عِلّ الخبر
بانكشاف غَلَط الغالط وبيان تدليس المدَلِّس وتوصيل المعَنعَن.
ثمَّ قال: وفيما يَسَّرَه الله تعالى من جمع طرق هذا الحديث واستنباط فوائده، ما يَحَصُل به
التَّمييز بين أهل الفَهْم في النَّقْل وغيرهم ثمّن لا يَهتَدي لتحصيلِ ذلك، مع أنَّ العين المستَنبَط منها
واحدة، ولكن من عجائب اللَّطيف الخبير أنَّها تُسقَى بماءٍ واحد، ويُفضَّل بعضها على بعض في
الأُكُل؛ هذا آخر كلامه مُلخَّصاً.
وقد سَبَقَ إلى التَّنبيه على فوائد قصَّة أبي عُمَير بخُصوصِها من القُدَماء أبو حاتم
الرَّازيُّ، أحدُ أئمّة الحديث وشيوخ أصحاب السُّنَن، ثمَّ تَلاه الِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) ثمَّ
تَلاه الخطّابِيّ، وجميع ما ذَكَروه يقرُب من عشرة فوائد فقط، وقد ساقَ شيخنا في ((شرح
التِّرمِذيّ)) ما ذكره ابنُ القاصّ بتمامه، ثمَّ قال: ومن هذه الأوجُه ما هو واضح، ومنها
الخفيّ، ومنها المتعَسَّف، قال: والفوائد التي ذكرها آخِراً وأكمَلَ بها السِّينَ هي من فائدة
جمع طرق الحديث لا من خُصوص هذا الحديث.
وقد بَقِيَ من فوائد هذا الحديث: أنَّ بعض المالكيَّة والخطَّبيّ من الشافعيّة استدلّوا به على
أنَّ صيد المدينة لا يَحَرُم، وتُعقِّبَ باحتمال ما قاله ابن القاصّ أنَّه صِيدَ في الحِلّ ثمَّ أُدخِلَ الحَرَم

٦٣٤
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
فلذلك أُبِيحَ إمساكه، وبهذا أجابَ مالك في ((المدَوَّنة))، ونَقَلَه ابن المنذِر عن أحمد والكوفّينَ،
ولا يَلزَم منه أنَّ حَرَم المدينة لا يَحَرُم صيدُه.
وأجابَ ابن التِّين بأنَّ ذلك كان قبل تحريم صيد حَرَم المدينة، وعَكَسَه بعضُ الحنفيَّة فقال:
قصَّة أبي عُمَير تَدُلّ على نَسخِ الخبر الدّالِّ على تحريم صيد المدينة، وكِلا القولَينِ مُتَعقَّب.
وما أجابَ به ابنُ القاصّ من مُخاطَبة مَن لا يُميِّز، التَّحقیقُ فيه جواز مواجهته بالخِطاب إذا
فُهِمَ الخِطاب وكان في ذلك فائدة ولو بالتَّأنيسِ له، وكذا في تعليمه الحكمَ الشَّرعيّ عند قصد
تمرينه عليه من الصِّغَر كما في قصَّة الحسن بن عليّ لمَّا وَضَعَ الثَّمرة في فيه قال له: ((كِخْ كِخْ، أمَّا
علمتَ أنّا لا نأكُل الصَّدَقة)) وقد تقدَّم بسطُه في موضعه (١٤٩١)، ويجوز أيضاً مُطلَقاً إذا كان
القصد بذلك خِطابَ مَن حَضَرَ أو استفهامَه ممَّن يَعقِل، وكثيراً ما يقال للصَّغير الذي لا يفهم
أصلاً إذا كان ظاهرَ الوَعْك: كيف أنتَ؟ والمراد سؤال كافلِه أو حاملِه.
وذكر ابن بَطّال من فوائد هذا الحديث أيضاً: استحباب النَّضح فيما لم يُتَقَّن طهارته.
وفيه أنَّ أسماء الأعلام لا يُقصَد معانيها، وأنَّ إطلاقها على المسَمَّى لا يَستَلِزِم الكذِب، لأنَّ
الصبيّ لم يكن أباً وقد دُعيَ أبا عُمَير. وفيه جواز السَّجْع في الكلام إذا لم يكن مُتَكلَّفاً، وأنَّ
٥٨٦/١٠ ذلك لا يَمتَنِعِ من النبيّ كما امتَنَعَ منه إنشاءُ الشِّعر. وفيه إتحاف الزّائر بصنيع ما يعرف أنَّه/
يُعجِبُه من مأكول أو غيره.
وفيه جواز الرّواية بالمعنى، لأنَّ القصَّة واحدة وقد جاءت بألفاظٍ مُتَلِفة. وفيه جواز
الاقتصار على بعض الحديث، وجواز الإتيان به تارةً مُطوَّلاً وتارةً مُلخَّصاً، وجميع ذلك يحتمل
أن يكون من أنس ويحتمل أن يكون ممَّن بعده، والذي يظهر أنَّ بعض ذلك منه والکثیر منه ممَّن
بعده، وذلك يظهر من اتّحاد المخارج واختلافها.
وفيه مسحُ رأس الصَّغير للمُلاطَفة، وفيه دعاء الشّخص بتصغير اسمِه عند عَدَم الإيذاء،
وفيه جواز السُّؤال عَّا السائلُ به عالم لقولِه: ((ما فعل النُّغير؟)) بعد عِلْمه بأنَّه ماتَ.
وفيه إكرام أقارب الخادِم وإظهار المحبّة لهم، لأنَّ جميع ما ذُكِرَ من صنيع النبيّ وَِّ مع أمّ

٦٣٥
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
كتاب الأدب
سُلَيم وذَوِيها كان غالبُه بواسطة خِدْمة أنس له.
وقد نُوزِعَ ابن القاصّ في الاستدلال به على إطلاق جواز لَعِبِ الصَّغیر بالطَّیر، فقال
أبو عبد الملك: يجوز أن يكون ذلك منسوخاً بالنَّهي عن تعذيب الحيوان، وقال القُرطُبيّ:
الحقّ أن لا نسخَ، بل الذي رُخِّصَ فيه للصَّبيِّ إمساك الطَّرِ ليَتَلَى به، وأمَّا تمكينه من تعذيبه
ولا سيَّما حتَّى يموت فلم يُبَح قَطُّ.
ومن الفوائد التي لم يَذكرها ابنُ القاصّ ولا غيره في قصَّة أبي عُمَير: أنَّ عند أحمد(١) في
آخر رواية عمارة بن زاذانَ عن ثابت عن أنس: ((فمَرِضَ الصبيّ فَهَلَكَ)) فذكر الحديث في
قصَّة موته وما وَقَعَ لِأُمِّ سُلَيم من كِتمان ذلك عن أبي طلحة حتَّى باتَ معها، ثمَّ أخبَرَته
لمَّا أصبَحَ فأخبر النبيَّ وَ ◌ّ بذلك فدَعَا لهما فحَمَلَت ثمَّ وَضَعَت غلاماً، فأحضَرَه أنسُ إلى
النبيّ وَلّهِ فِحَنَّكَه وسَّه عبد الله، وقد تقدَّم شرح ذلك مُستَوفَّى في كتاب الجنائز (١٣٠١)،
وتأتي الإشارة إلى بعضه في ((باب المعاريض)) (٢) قريباً.
وقد جَزَمَ الدِّمياطيّ في ((أنساب الخَزَرَج)) بأنَّ أبا عُمَير ماتَ صغيراً، وقال ابن الأثير
في ترجمته في الصحابة: لعلَّه الغلام الذي جَرَى لأُمَّ سُلَيم وأبي طلحة في أمره ما جَرَى،
وكأنَّه لم يَستَحضِر رواية عُمارة بن زاذانَ المصرِّحة بذلك فذكره احتمالاً، ولم أرَ عند مَن ذكر
أبا عُمَير في الصحابة له غير قصَّة النُّغير، ولا ذَكَروا له اسماً، بل جَزَمَ بعض الشُّاح بأنَّ
اسمه كُنْيته، فعلى هذا يكونُ ذلك من فوائد هذا الحديث، وهو جَعْل الاسم المصَدَّر بأبٍ
أو أمِّ اسماً علماً من غير أن یکون له اسمٌ غيره، لكن قد ◌ُؤخذ من قول أنس في رواية رِبعيّ(٣) ابن
(١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فهو من هذا الطريق عند ابن سعد في ((الطبقات)) ٤٣١/٨، وابن حبان
(٧١٨٨)، وأما أحمد فهو عنده بنحو هذه القصة برقم (١٣٠٢٦) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت،
وهو أيضاً من هذا الطريق عند مسلم (٢٤٥٧) (١٠٧)، لكن ليس في رواية سليمان هذه أنَّ الصبي
الذي مات هو أبو عمير.
(٢) باب رقم (١١٦).
(٣) عند ابن سعد ٤٢٧/٨، والطبراني في «الأوسط)) (٢٥٣٥)، وعند ابن سعد وابن حبان أيضاً في طريق عمارة بن
زاذان، ومثله في رواية حميد الطويل عند أحمد (١٢٩٥٧)، وفي رواية ثابت عند أبي داود (٤٩٦٩).

٦٣٦
باب ١١٢ / ح ٦٢٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الله: ((يُكنى أبا عُمَير)) أنَّ له اسماً غير كُنْتِه.
وأخرج أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجَهْ (١٦٥٣) من رواية (١) هُشَيم [عن أبي بشراً عن
أبي عُمَير بن أنس بن مالك عن عُمومة له حديثاً، وأبو عُمَير هذا ذَكَروا أنَّه كان أكبر ولِدٍ
أنس وذَكَروا أنَّ اسمه عبد الله كما جَزَمَ به الحاكم أبو أحمد وغيره، فلعلَّ أنساً سَمّه باسم
أخيه لأُمُّه وكَنّاه بكُنْيْتِهِ، ويكونُ أبو طلحة سَمَّى ابنه الذي رَزَقَه خَلَفاً من أبي عُمَير باسم أبي
عُمَیر لكنَّه لم يُگنِّه بگنیتِه، والله أعلم.
ثمَّ وجدتُ في ((كتاب النِّساء)) لأبي الفَرَج بن الجَوْزيّ قد أخرج في أواخره في ترجمة أمّ
سُليم من طريق محمّد بن عَمْرو - وهو أبو سهل البصريّ، وفيه مقالُ ۔ عن حفص بن
عُبيد الله عن أنس: أنَّ أبا طلحة زوج أمِّ سُلَيم كان له منها ابنٌ يقال له: حفص، غلام قد
تَرَعرَعَ، فأصبَحَ أبو طلحة وهو صائم في بعض شُغله، فذكر قصَّة نحو القصّة التي في
((الصَّحيح)) بطولها في موت الغلام ونومها مع أبي طلحة، وقولها: أرأيتَ لو أنَّ رجلاً
أعارَك عاريَّة ... إلى آخره، وإعلامهما النبيّ وَّهم بذلك ودعائه لهما وولادتهما وإرسالها الولدَ
إلى النبيّ وَّه لِيُحَنِّكه. وفي القصَّة مُخالَفة لما في ((الصَّحيح)): منها أنَّ الغلام كان صحيحاً فماتَ
بَغْتَة، ومنها أنَّه تَرَعَرَعَ، والباقي بمعناه، فعُرِفَ بهذا أنَّ اسم أبي عُمَير حفص، وهو واردٌ على
مَن صَنَّفَ في الصحابة وفي المبهَمات، والله أعلم.
ومن النَّوادِرِ التي تتعلَّق بقصَّة أبي عُمَير ما أخرجه الحاكم في ((علوم الحديث))(٢) عن
أبي حاتم الرَّازيِّ أنَّه قال: حَفِظَ الله أخانا صالح بن محمَّد - يعني الحافظ الملَقَّب جَزَرة -
٥٨٧/١٠ فإنَّه لا يزال يَسُطنا غائباً وحاضراً، كَتَبَ إليَّ أَنَّه لمََّ/ ماتَ الذُّهْلِيُّ - يعني بنيسابور - أجلَسوا
شيخاً لهم يقال له: مَحمِش، فأملَى عليهم حديث أنس هذا فقال: يا أبا عَمير، ما فعل البعير؟ قاله
(١) رواية ابن ماجه وحدها عن هشيم، وأما رواية أبي داود (١١٥٧) والنسائي (١٥٥٧) فمن طريق شعبة عن أبي
بشر - وهو جعفر بن أبي وحشية - عن أبي عمير. وما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، واستدركناه من
عند ابن ماجه.
(٢) ص١٤٦.

٦٣٧
باب ١١٣ / ح ٦٢٠٤
كتاب الأدب
بفتح عين عُمَير بوزنِ عَظيم، وقال بموخَّدةٍ مفتوحة بَدَل النُّون وأهمَلَ العين بوزنِ الأوَّل،
فصَخَّفَ الاسمَينِ معاً.
قلت: وَحَمِش هذا لَقَبٌ، وهو بفتح الميم الأولى وكسر الثّانية بينهما حاءٌ مُهمَلة ساكنة
وآخره مُعجَمة، واسمه: محمّد بن يزيد بن عبد الله النَّيسابوريّ السُّلَميّ، ذكره ابن حبان في
((الثقات)) وقال: روى عن يزيد بن هارون وغيره، وكانت فيه دُعَابة.
١١٣ - باب التّگنّ بأبي تُراب وإن كانت له گُنیةٌ أخرى
٦٢٠٤ - حدَّثنا خالدُ بنُ مَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ، قال: حدَّثني أبو حازِمِ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ
قال: إنْ كانت أحَبَّ أسماءِ عليٍّ عَّ إليه لَأبو تُرابٍ، وإن كان لَيَفْرَحُ أن نَدْعُوَها، وما سَمَاه
أبو تُرابٍ إِلّ النبيُّ وَّةِ، غاضَبَ يوماً فاطمةَ فخَرَجَ فاضْطَجَعَ إلى الجِدار في المسجدِ، فجاءه
النبيُّ وَّهِ يَتَبَعُهُ فقال: هو ذا مُضْطَجِعٌ في الجِدار، فجاءه النبيُّ نَّهِ وَامْتَلاَ ظَهْرُه تُراباً، فَجَعَلَ
النبيُّ ◌َِّ﴿ يَمْسَحُ الُّرَابَ عن ظهرِهِ ويقول: ((اجلِسْ يا أبا تُرابٍ)).
قوله: ((باب التَّكنّي بأبي تُراب وإن كانت له كُنْية أُخرَى)) وذكر فيه قصّة عليّ بن أبي
طالب في ذلك، وقد تقدَّمَت بأتمّ من هذا السِّياق في مناقبه (٣٧٠٣)، وفيه بيان الاختلاف
في سبب ذلك وأنَّ الجمع بينهما ◌ُمتَنِعِ، ثمَّ ظَهَرَ لي إمكانُ الجمع وقد ذكرتُه في بابه من کتاب
الاستئذان(١)، وقد ثَبَتَ في حديث عبد المطَّلِب بن ربيعة عند مسلم (١٠٧٢) في قصَّة طويلة: أنَّ
علیاً ه﴾ قال: أنا أبو حسن.
قوله في السَّنَد: ((سلیمان)) هو ابن بلال، وقوله: ((عن سهل بن سعد)) في رواية الإسماعيليّ
وأبي نُعَيم من طريق أبي بكر بن أبي شَيْبة عن خالد بن تَلَدٍ شيخ البخاريّ فيه بهذا السَّنَد:
سمعت سهلَ بن سعد.
وقوله: «وما سماه أبو تراب إلّا النبيّ پێ)) قال ابن الِّين: صوابه: أبا تراب. قلت: وليس
(١) سيأتي هذا الحديث في كتاب الاستئذان برقم (٦٢٨٠)، ولم يذكر هناك شيئاً في الجمع بينهما، وهذا الجمع الذي
أشار إليه الحافظ سيأتي في شرح آخر هذا الباب هنا!

٦٣٨
باب ١١٣ / ح ٦٢٠٤
فتح الباري بشرح البخاري
الذي وَقَعَ في الأصل خطأً، بل هو موجَّه على الحكاية، أو على جَعْلِ الكُنية اسماً. وقد وَقَعَ
في بعض النُّسَخِ: ((أبا تراب)) ونَبَّهَ على اختلاف الرِّوايات في ذلك الإسماعيليّ، ووَقَعَ في رواية
أبي بكر المشار إليها آنفاً بالنَّصب أيضاً.
وقوله: ((إن كانت لَأَحَبَّ أسمائه إليه)) فيه إطلاق الاسم على الكُنية، وأنَّثَ ((كانت))
باعتبار الكُنية. قال الكِرْمانيُّ: ((إنْ)» مُفَّفة من الثَّقيلة و((كانت)) زائدة، و «أحَبَّ)) منصوب
على أنَّه اسم إنَّ، وهي وإن خُفِّفَت لكن لا يُوجِب تخفيفُها إلغاءَها. قلت: ولم يَتَعيَّن ما
قال، بل كانت على حالها، وأشارَ سهل بذلك إلى انقضاء مَحَبَّته بموتِه، وسهل إنَّما حدَّث
بذلك بعد موت عليّ بدهٍ.
وقال ابن التِّين: وأنَّثَ ((كانت)) على تأنيث الأسماء مِثل: ﴿ وَحَمَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق: ٢١]،
ومثل: كما شَرِقَتِ صَدْر القَناة(١)، كذا قال، وما تقدَّم أولى.
وقوله: ((وإن كان لَيَفرَح أن نَدعُوَها)) بنونٍ مفتوحة ودال ساكنة والواو محرَّكة بمعنى:
نذكرها، كذا للنَّسَفيّ، ولأبي ذرِّ عن المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ، ووَقَعَ في روايتنا من طريق
أبي الوَقْت: ((أن يُدْعاها)) وهو بتحتانيَّةٍ أوَّلَه مضمومة، ولسائرِ الرُّواة: ((يُدعَى بها)) بضمٍّ أوَّله،
أي: يُنادَى بها، وهي رواية المصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٨٥٢) عن شيخه المذكور هنا بهذا
الإسناد، وكذا لأبي نُعَيم من طريق أبي بكر بن أبي شَيْبة المذكورة، وفي رواية عثمان بن أبي شَيْبة
عن خالد بن محَدٍ: أن يدعوَہ بها.
٥٨٨/١٠ وقوله: ((فاضطَجَعَ إلى الجِدار في المسجد)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: إلى جِدار المسجد، وعنه:
((في)) بدلَ ((إلى))، وفي رواية النَّسَفيّ: إلى الجِدار إلى المسجد، وقد تقدَّم في أبواب المساجد (٤٤١)
بلفظ: فإذا هو راقد في المسجد، وهو يُقوِّي رواية الأكثر هنا.
وقوله: (يَتَِّعه)) بتشديد المثنّاة والعينُ مُهمَلة، وللكُشْمِيهنيّ: يَبْتَغيه، بتقديم الموحَّدہ ثمَّ
(١) هذا بعض عَجُز بیت للأعشى، کما في ((لسان العرب)» (صدر)، وهو:
وتَشرَقُ بالقول الذي قد أَذْعتَهُ كمَا شَرِقَت صدرُ القَناةِ من الدَّم

٦٣٩
باب ١١٣ / ح ٦٢٠٤
كتاب الأدب
مُثنّاة والغَيْن مُعجَمة بعدها تحتانيَّة.
ويُستَفاد من الحديث جوازُ تكنية الشّخص بأكثرَ من كُنية، والتَّلقيب بلفظ الكُنية وبما
يُشْتَقّ من حال الشَّخص، وأنَّ اللَّقَب إذا صَدَرَ من الكبير في حَقِّ الصَّغير تَلَقّه بالقَبُولِ
ولو لم يكن لفظه لفظَ مَدْح، وأنَّ مَن ◌َمَلَ ذلك على التَنقيص لا يُلتَفَت إليه، وهو كما كان
أهل الشّام يَنْتَقِصونَ ابن الزُّبَيرِ بزَعمِهم حيثُ يقولون له: ابن ذات النِّطاقين، فيقول: تلك
شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها(١).
قال ابن بَطّال: وفيه أنَّ أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طُبِعَ عليه
البشرُ من الغضب، وقد يدعوه ذلك إلى الخروج من بيته ولا يُعاب عليه. قلت: ويحتمل أن
يكون سبب خروج عليّ خَشْيَةَ أن يَبْدُوَ منه في حالة الغضب ما لا يَلِيق بجَناب فاطمة رضي الله
عنهما، فحَسَمَ مادّة الكلام بذلك إلى أن تَسكُن فَوْرةُ الغضب من كلٌّ منهما.
وفيه كَرَم خُلُقَ النّبِيّ ◌َّهِ لأَنَّه تَوجَّهَ نحو عليّ لِيَتَرَضّاهِ، ومَسَحَ التُراب عن ظَهرِه لِيَسُطَهِ،
وداعَبَه بالكُنية المذكورة المأخوذة من حالته، ولم يُعاتبه على مُغاضَبَتَه لابنتِه مع رفيع مَنزِلَتها عنده،
فيُؤخَذ منه استحبابُ الرِّفق بالأصهار وترك مُعاتَبتهم إبقاءً لمودَّتِهِم، لأنَّ العِتاب إنَّما يُحْشَى مَمَّن
يُحِشَى منه الحِقدُ لا ممَّن هو مُتَّه عن ذلك.
تنبيه: أخرج ابن إسحاق والحاكم (٣/ ١٤٠-١٤١) من طريقه (٢) من حديث عمَّار: أنَّه كان
هو وعليّ في غزوة العُشَيرة فجاء النبيُّ وَلِهِ فوجَدَ عليّاً نائماً وقد عَلَاه تراب، فأيقَظَه وقال له: ((ما
لَكَ أبا تُراب؟» ثمَّ قال: ((ألا أُحدِّثك بأشقَى الناس)) الحديث، وغزوة العُشيرة كانت في أثناء
السَّنة الثّانية قبل وقعة بدر، وذلك قبل أن يَتزوَّج عليٌّ فاطمة، فإن كان محفوظاً أمكَنَ الجمعُ بأن
يكون ذلك تكرَّر منه بَّه في حقّ عليّ، والله أعلم.
(١) هذا عَجُز بيت لأبي ذؤيب الهذلي كما في ((ديوان الهذلیین)) ٢١/١، وهو:
وعيّرها الواشُونَ أني أُحبُّها وتلكِ شَكَاةٌ ظاهرٌ عنكِ عارُها
(٢) وأخرجه من طريقه أيضاً أحمد في («مسنده)) (١٨٣٢١)، وانظر تمام الكلام عليه فيه.

٦٤٠
باب ١١٤ / ح ٦٢٠٥ - ٦٢٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقد ذكر ابن إسحاق عَقِبَ القصَّة المذكورة قال: حدَّثني بعض أهل العلم: أنَّ عليّاً
كان إذا غَضِبَ على فاطمة في شيء لم يُكلِّمها، بل کان یأخُذ تراباً فيَضَعُه على رأسه، وكان
النبيّ ◌َّ﴿ إذا رأى ذلك عَرَفَ فيقول: ((ما لَكَ يا أبا تراب؟)) فهذا سبب آخر يُقوِّي التعدُّد،
والمعتمَد في ذلك كلّه حديث سَهْل في الباب، والله أعلم.
١١٤ - باب أَبغض الأسماء إلى الله عزَّ وجلَّ
٦٢٠٥ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزُّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ قال:
قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((أَختَى الأسماءِ يومَ القيامةِ عندَ الله، رجلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأملاكِ)).
[طرفه في: ٦٢٠٦]
٦٢٠٦ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ
روايةً قال: ((أَخنَعُ اسمٍ عندَ الله - وقال سفيانُ غيرَ مَّةٍ: ((أَخنَعُ الأسماءِ عندَ الله - رجلٌ تَسَمَّی
بمَلِكِ الأملاكِ».
قال سفيانُ: يقول غیرُه: تفسیرُه شاهانْ شاهْ.
قوله: ((باب أبغض الأسماء إلى الله عزَّ وجلَّ)) كذا تَرجَمَ بلفظ: ((أبغَض)) وهو بالمعنى، وقد
٥٨٩/١٠ وَرَدَ بلفظ: ((أخبَث))/ بمُعجَمةٍ وموخَّدة ثمَّ مُثلَّئة، وبلفظ: (أغيَظ)) وهما عند مسلم (٢١/٢١٤٣)
من وجه آخر عن أبي هريرة، ولابنِ أبي شَيْبة عن مجاهد بلفظ: ((أكرهُ الأسماء)).
ونَقَلَ ابن التِّين عن الدّاووديِّ قال: وَرَدَ في بعض الأحاديث: («أبغَضُ الأسماء إلى الله خالد
ومالك)) قال: وما أُراه محفوظاً، لأنَّ في الصحابة مَن تَسَمَّى بهما، قال: وفي القرآن تسمية خازنٍ
النار مالكاً(١)، قال: والعباد وإن كانوا يموتونَ فإنَّ الأرواح لا تَفنَى. انتهى كلامه، فأمَّا الحديث
الذي أشارَ إليه، فما وقفتُ عليه بعد البحث، ثمَّ رأيت في ترجمة إبراهيم بن الفضل المدنيّ - أحد
الضُّعَفاء - من مَناكِيره عن سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة رَفَعَه: «أَحَبُّ الأسماء إلى الله ما سُمَّ به
وله والحارث(٢) وهمّام، وأكذُب الأسماء خالد ومالك، وأبغضُها إلى الله ما سُمّيَ لغيره))، فلم
(١) يشير إلى الآية ٧٧ من سورة الزخرف: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَغْضِ عَيْنَا رَبُّكَ﴾.
(٢) هكذا في الأصلين، وهو الموافق لما في ((الكامل)) لابن عدي ٢٣١/١ حيث أخرجه في ترجمة إبراهيم بن الفضل.