Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ باب ١٠٣ / ح ٦١٨٤ كتاب الأدب وفي تشبيه الكَرْم بقلبٍ المؤمن معنَى لطيف، لأنَّ أوصاف الشَّيطان تجري مع الكَرْمة كما يجري الشَّيطان في بني آدم مَجَرَى الدَّم (١)، فإذا غَفَلَ المؤمن عن شيطانه أو قَعَه في المخالفة، كما أنَّ مَن غَفَلَ عن عصير كَرمِه تَخْمَّرَ فَتَنَجَّسَ. ويُقوِّي الشَّبَه أيضاً أنَّ الخمر يعود خَلَّا من ساعته بنفسِه أو بالتَّخليلِ فيعود طاهراً، كذا المؤمن يعود من ساعته بالتَّوبة النَّصُوح طاهراً من ◌ُبْث الذُّنوب المتقدِّمة التي كان مُتَنَجِّساً باتِّصافه بها، إمّا بباعِثٍ من غيره من مَوعِظة ونحوها وهو كالتَّخليلِ، أو بباعِثٍ من نفسه وهو كالتَّخَلَّلِ، فينبغي للعاقلِ أن يَتعرَّض لمعالجة قلبه لئلّا يَهلِكَ وهو على الصِّفة المذمومة. تنبيه: الحَبَلة المذكورة في حديث وائل عند مسلم (٢٢٤٨) بفتح المهمَلة وحُكيَ ضمُّها وسكون الموحّدة وبفتحها أيضاً وهو أشهر: هي شجرة العِنَب، وقيل: أصل الشَّجَرة، وقيل: القَضِيب منها، وقال في ((المحكم)): الحَبَل - بفتحَتَينِ - شَجَر العِنَب، الواحدة حَبَلة، وبالضَّمِّ ثمَّ السُّكون: الكَرْم، وقيل: الأصل من أُصوله، وهو أيضاً اسم ثَمَر السَّمُر والعِضَاه. ١٠٣ - باب قول الرّجل: فِداكَ أبي وأمّي فيه الزُّبَيرُ، عن النبيِّ وََّ. ٦١٨٤- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثني سَعْدُ بنُ إبراهيمَ، عن عبدِ الله ابنِ شدَّادٍ، عن عليٍّ عَ﴾، قال: ما سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يَفْدِي أحداً غيرَ سعدٍ، سمعتُه يقول: (ارمِ فِذَاكَ أَبي وأُمَي)) أظُنُّه يومَ أُحُدٍ. قوله: ((باب قول الرجل: فِداكَ أبي وأُمّي)) تقدَّم ضبط ((فِداكَ)) ومعناه في ((باب ما يجوز من الرَّجَز والشِّعر)) قريباً(٢). قوله: ((فيه الزُّبَيرِ، عن النبيّ وَّ) يشير إلى ما وَصَلَه في مناقب الزُّبَير بن العَوّام (٣٧٢٠) من طريق عبد الله بن الزُّبَير قال: جُعِلتُ أنا وعمر بن أبي سَلَمة يوم الأحزاب في النِّساء ... الحديث، (١) الحديث في ذلك سلف برقم (٢٠٣٨). (٢) باب رقم (٩٠). ٦٠٢ باب ١٠٤ / ح ٦١٨٥ فتح الباري بشرح البخاري وفيه قول الزُّبَير: فلمَّا رجعتُ جَمَعَ لي النبيُّ وَّهِ أَبويه، فقال: ((فِداكَ أبي وأُمّي)). قوله: ((يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، وسفيان: هو الثّوريّ. قوله: (يَقْدِي)) بفتح أوَّله وسكون الفاء للكُشْمِيهنيّ، ولغيره بضمٌ أوَّله والفاء المفتوحة والتَّشديد، وقد تقدَّم في مناقب سعد بن أبي وقّاص (٣٧٢٥) بيانُ الجمع بين حديث الزُّبَير المذكور في الباب في إثبات التَّفدية له، وبين حديث عليّ هذا في نفي ذلك عن غير سعد، وكأنَّ البخاريّ رَمَزَ بذلك إلى هذا الجمع، وغَفَلَ مَن خَصَّ حديثَ الزُّبَير بتخريج مسلم (٢٤١٦) مع إخراج البخاريّ له، ورمزِه إليه في هذا الباب. وقوله في آخر هذا الحديث: ((أظنّه يومَ أُحُد» تقدَّم الجزم بذلك في رواية إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه في غزوة أُحُد من كتاب المغازي (٤٠٥٩)، ولفظه: فإنّ سمعته يقول: ((ارمِ ٥٦٩/١٠ سعدُ، فِداكَ أبي / وأُمّ))، وتقدَّم هناك سببُ هذا القول لسعدِ بن أبي وقّاص ﴾ ١٠٤ - باب قول الرَّجل: جعلني الله فداك وقال أبو بكرٍ للنبيِّ بَّهِ: فَدَيناكَ بآبائِنا وأُمُّهاتِنا. ٦١٨٥ - حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّلِ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، عن أنسِ بنِ مالكِ: أنَّه أقبَلَ هو وأبو طَلْحةَ معَ النبيِّ وَّهِ، ومَعَ النبيِّ ◌َّهِ صَفِيَّةُ مُرْدِفَها على راحلَتِهِ، فلمَّا كانوا ببعضِ الطَّريقِ عَثَرَتِ الناقةُ، فصُرِعَ النبيُّ نَّهِ والمرأةُ، وأنَّ أبا طَلْحَةَ قال: أحسِبُ اقتَحَمَ عن بَعِيرِهِ، فأتى رسولَ اللهِوَلَه فقال: يا نبيَّ الله، جَعَلَني الله فِدَاكَ، هل أصابكَ من شيءٍ؟ قال: ((لا، ولكن عليكَ بالمرأةِ»، فألقَىَ أبو طَلْحةَ ثوبَه على وجهِهِ، فقَصَدَ قَصْدَها فألقَى ثوبَه عليها، فقامَتِ المرأةُ، فشَدَّ لهما على راحلَتِهما، فَرَكِبا، فسارُوا حَتَّى إذا كانوا بظَهْرِ المدينةِ - أو قال: أشرفوا على المدينةِ - قال النبيُّ ◌َّهِ: ((آسِبُونَ تائبونَ عابدونَ، لَرَبِّنا حامِدونَ)) فلم يَزَلْ يقولها حتَّى دَخَلَ المدينةَ. قوله: ((باب قول الرجل: جَعَلَني الله فِداك)) أي: هل يُباح أو يُكرَه؟ وقد استَوعَبَ الأخبارَ الدّالَّة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أوَّل كتابه ((آداب الحكماء))، وجَزَمَ بجوازٍ ذلك، فقال: ٦٠٣ باب ١٠٤ / ح ٦١٨٥ كتاب الأدب للمَرءِ أن يقول ذلك لسُلطانِهِ ولكبيره، ولِذَوِي العلم ولمن أحَبَّ من إخوانه، غير محظور عليه ذلك، بل يُثاب عليه إذا قَصَدَ توقيرَه واستعطافه، ولو كان ذلك محظوراً لنَهَى النبيُّ ◌َِّ قائلَ ذلك، ولَأعلمَه أنَّ ذلك غير جائز أن يقال لأحدٍ غيره. قوله: ((وقال أبو بكر للنبيِّ ◌َ: فَدَيناك بآبائنا وأُمَّهاتنا)) هو طَرَف من حديث لأبي سعيد رَفَعَه: ((إِنَّ عبداً خَيَّرَه الله بين الدُّنيا وبين ما عنده، فاختارَ ما عنده)) فقال أبو بكر: فَدَيناك بآبائنا وأُمَّهاتنا ... الحديث، وقد تقدَّم موصولاً في مناقب أبي بكر (٣٦٥٤) مع شرحه(١). ثم ذكر حديث أنس في إرداف صَفيَّة، قد تقدَّم شرحه في أواخر كتاب اللِّباس (٥٩٦٨)، والمراد منه قول أبي طلحة: ((يا نبيّ الله، جَعَلَني الله فداك، هل أصابك شيء؟)) وقد تَرجَمَ أبو داود (٥٢٢٦) نحو هذه التَّرجمة، وساقَ حديث أبي ذرٍّ: «قلت للنبيِّ وَِّ: لَبَّيَكَ وسَعدَيك، جَعَلَني الله فداك)) الحديث، وكذا أخرجه البخاريّ في (الأدب المفرد)) (٨٠٣) في التَّرجمة. قال الطبري(٣): في هذه الأحاديث دليلٌ على جواز قول ذلك، وأمَّا ما رواه مُبارَك بن فَضَالة عن الحسن قال: دَخَلَ الزُّبَير على النبيّ وَِّ وهو شاكٍ، فقال: كيف تَّجِدُك جَعَلَني الله فداكَ؟ قال: ((ما تَرَكتَ أعرابيّتك بعدُ؟!»، ثمَّ ساقَه من هذا الوجه ومن وجه آخر(٣)، ثمَّ قال: لا حُجّة في ذلك على المنع، لأنَّه لا يُقاوِمُ تلك الأحاديث في الصِّحّة. وعلى تقدير ثُبوت ذلك فليس فيه صريح المنع، بل فيه إشارة إلى أنَّه تَرَك الأَولى في القول للمريضِ، إمّا بالتَّأنيسِ والملاطَفة، وإمّا بالدُّعاءِ والتَّوجُّع. فإن قيل: إنَّما ساغَ ذلك لأنَّ الذي دَعَا بذلك كان أبَواه مُشِرِكَين، فالجواب: أنَّ قول أبي طلحة كان بعد أن أسلَمَ، وكذا أبو ذَرّ، وقول أبي بكر كان بعد أن أسلَمَ أبَواه، انتهى مُلخَّصاً. ويُمكِن أن يُعتَرَض: بأنَّه لا يَلزَم من تسويغ قول ذلك للنبيِّ وَّهِ أَن يَسُوغ لغيره، لأنَّ (١) وانظر الحديث (٣٩٠٤) أيضاً. (٢) في (تهذيب الآثار - مسند عليّ)) ١٠٩/٣ وما بعدها. وقد تحرَّف ((الطبري)) في (س) إلى: الطبراني. (٣) وكلا الوجهين ضعيف، فالمرويُّ عن الحسن - وهو البصري - مرسل، ومراسيله ضعيفة، والوجه الثاني عن محمد بن المنكدر مرسلاً أيضاً، وفي إسناده ابنه المنكدر وهو ليِّن الحديث. ٦٠٤ باب ١٠٥ / ح ٦١٨٦ فتح الباري بشرح البخاري نفسه أعَزُّ من أنفُس القائلينَ وآبائهم ولو كانوا أسلموا، فالجواب ما تقدَّم من كلام ابن أبي عاصم، فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّ الأصل عَدَم الخصوصيَّة. وأخرج ابن أبي عاصم(١) من حديث ابن ٥٧٠/١٠ عمر: أنَّ النبيَّ ◌َّ قال لفاطمة: ((فداكِ أبوك))، ومن حديث ابن/ مسعود: أنَّ النبيَّ نَلِّ قال لأصحابه: ((فداکم أبي وأُمّ))، ومن حديث أنس: أنَّه ێ قال مثل ذلك للأنصار. ١٠٥ - باب أحبِّ الأسماء إلى الله عزَّ وجلَّ ٦١٨٦ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُبَينَةَ، حدَّثنا ابنُ المنكَدِر، عن جابرٍ ﴾، قال: وُلِدَ لرجلٍ مِنّا غلامٌ فَسَّاه القاسمَ، فقُلْنا: لا نَكْنِيكَ أبا القاسمِ ولا كرامةَ، فأخبَرَ النبيَّ ◌َِّ، فقال: ((سَمِّ ابنَكَ عبدَ الَّحمنِ)). قوله: ((باب أحَبِّ الأسماء إلى الله عزَّ وجلَّ)) وَرَدَ بهذا اللَّفظ حديث أخرجه مسلم (٢١٣٢) من طريق نافع عن ابن عمر رفعه: ((إنَّ أحَبَّ أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرَّحمن))، وله شاهد من حديث أبي وهب الجُشَميّ، وسيأتي التَّبيه عليه بعد باب، وآخر عن مجاهد عند ابن أبي شَيْبة (٦٦٧/٨) مِثله، قال القُرطُبيّ: يَلْتَحِقِ بهذَينِ الاسمَينِ ما كان مِثلُهما كعبد الرحيم وعبد الملِك وعبد الصَّمَد، وإنَّما كانت أحَبَّ إلى الله لأنَّهَا تَضَمَّنَت ما هو وصفٌ واجب لله، وما هو وصفٌ للإنسان وواجب له، وهو العُبودِيَّة، ثمَّ أُضيفَ العَبدُ إلى الرَّبّ إضافةً حقيقيّة، فصَدَقَت أفراد هذه الأسماء وشَرُفَت بهذا التَّركيب فحَصَلَت لها هذه الفضيلة. وقال غيره: الحكمة في الاقتصار على الاسمَينِ أنَّه لم يقع في القرآن إضافةٌ عبدٍ إلى اسم من أسماء الله تعالى غيرهما، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ، لَمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال في آية أُخرى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]، ويُؤْيِّده قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ آَدْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]. وقد أخرج الطبرانيُّ (٢٠/ ٣٨٣) من حديث أبي زُهَيرِ الثَّقفيّ رَفَعَه: ((إذا سَمَّيْتُم (١) يعني في «آداب الحكماء)»، وحديث ابن عمر أخرجه أيضاً ابن حبان (٦٩٦) لكن بلفظ: ((فداك أبي وأمي))، وحديث ابن مسعود أخرجه أيضاً أحمد (٣٨٠٦) وابن حبان (٦٤٣١) وغيرهما، وحديث أنس أخرجه ابن أبي عاصم أيضاً في ((الآحاد والمثاني)) (١٧٣٥) والطبراني في ((مسند الشاميين)) (٢٩٢٠)، وفي إسناد حديثي ابن عمر وأنس ضعف. ٦٠٥ باب ١٠٥ / ح ٦١٨٦ كتاب الأدب فَعَبِّدوا))، ومن حديث ابن مسعود (٩٩٩٢) رَفَعَه: ((أحَبُّ الأسماء إلى الله ما تُعُبِّدَ به))، وفي إسناد کلِّ منهما ضعف. قوله: ((عن جابر: وُلِدَ لرجلٍ مِنّ غلام)) اسم الرجل المذكور لم أقِفْ عليه. قوله: ((فسَّه القاسمَ)) مُقْتَضَى رواية مسلم (٤/٢١٣٣) عن رِفاعة بن الهيثم عن خالد الواسطي بالسَّنَد المذكور هنا: ((فسَمَاه محمَّداً))، إلّا أنَّه أورَدَه عَقِبَ رواية عَثَرِ - وهو بوزنٍ جعفر: بعينٍ مُهمَلة ثمَّ موخَّدة ساكنة ثمَّ مُثلَّثة - عن حُصَين بالسَّنَد المذكور هنا: ((فسَمَاه محمَّداً) فذكر الحديث، وفي آخره: ((سَمُّوا باسمي ولا تَكنَّوا بِكُنْيتي، فإنَّا بُعِثتُ قاسماً أقسِم بينكم))، ثمَّ ساقَ رواية خالد وقال: بهذا الإسناد، ولم يذكر: ((فإنَّا بُعِثت قاسماً أقسِم بينكم))، وكأنَّ الاختلاف فيه على خالد، فإنَّ الإسماعيليّ أخرجه من رواية وُهَيب بن بَقيَّة عن خالد فقال: ((فسَّاه القاسم))، وأخرجه أحمد (١٤٢٤٩) عن هُشَيم عن خُصَين فقال: ((سَّاه القاسم))، وأخرجه أيضاً (١٤٩٧٣) من رواية مَعمَر عن منصور كذلك. وأخرجه أبو نُعَيم من رواية يوسف القاضي عن مُسدَّد عن خالد فقال: ((سَمّاه باسم النبيّ وَّ))، وهكذا قاله أبو عَوَانة عن حُصَين، أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج على مسلم)). وهذا يقتضي ترجيحَ رواية رِفاعة بن الهيثم، وأخرجه أحمد (١٥١٣٠) عن زياد البَكّائيّ عن منصور كما قال رِفاعة، وقد وَقَعَ الاختلاف فيه على شُعْبة أيضاً في ((باب قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ وَلِلَّسُولِ﴾ يعني: قَسْمَ ذلك)) من كتاب فرض الخُمُس، فأخرجه البخاريّ هناك (٣١١٤) عن أبي الوليد عن شُعْبة عن سليمان - وهو الأعمَش - ومنصور وقَتَادة قالوا: سمعنا سالماً - أي: ابن أبي الجَعْد - عن جابر قال: وُلِدَ لرجلٍ مِنّا غلام، فأراد أن يُسَمَّه محمَّداً، قال: وقال عمرو - يعني ابن مرزوق - عن شُعْبة عن قَتَادة بسندِه: أراد أن يُسَمّيه القاسم، وأورَدَه (٣١١٥) من رواية سفيان الثَّوريّ عن الأعمَش فقال: أراد أن يُسَمّيه القاسم، وأخرجه مسلم (٣/٢١٣٣) من رواية جَرِير عن منصور فقال فيه: ◌ُلِدَ لرجلٍ مِنّا غلام فسَمَاه محمَّداً، فقال له قومه: لا/ نَدَعُك تُسمّيه باسم رسول الله وَّهِ، فانطَلَقَ إليه ٥٧١/١٠ بابنِهِ حامله على ظَهْره، فقال: يا رسول الله، وُلِدَ لي غلام فسَمَّيته محمَّداً ... فذكر الحديث، ٦٠٦ باب ١٠٥ / ح ٦١٨٦ فتح الباري بشرح البخاري وقد بيَّن شُعْبة أنَّ في رواية منصور عن سالم عن جابر أنَّ الأنصاريّ قال: حملتُه على عُنُقي، أورَدَه البخاريّ في فرض الخُمُس (٣١١٤)، وقد تقدَّم أنَّه يقتضي أن يكون من مُسنَد الأنصاريّ من رواية جابر عنه، وسائر الرِّوايات عن سالم بن أبي الجَعْد يقتضي أنَّه من مُسنَد جابر، وفيه أو رَدَه أصحاب المسانيد والأطراف، وقَدَّمتُ في فرض الخُمُس: أنَّ رواية مَن قال: أراد أن يُسَمّيه القاسم، أرجَحُ، وذكرتُ وجه رُجْحانه، ويُؤيِّده أنَّه لم يُخْتَلَف على محمَّد بن المنكَدِر عن جابر في ذلك، كما أخرجه المؤلِّف في آخر الباب الذي يليه (٦١٨٩). قوله: «لا نَکنیك أبا القاسم، ولا کرامةً» في الرِّوایة التي في الباب بعده من هذا الوجه: ((ولا نُنْعِمُكَ عيناً)، هو من الإنعام، أي: لا نُنعِمُ عليك بذلك فتَقَرَّ به عينُك، ويُؤخَذ منه مشروعيَّة تكنية المرء بمَن يولد له، ولا يَخْتَصّ بأوَّل أولاده. قوله: ((فَأُخْبِرَ النبيُّ وَلِ)) كذا للأكثر: بضمِّ الهمزة على البناء للمجهول، ولبعضِهم بالبناءِ للفاعل، ويُؤيِّده ما في الباب الذي بعده بلفظ: فأتى النبيَّ ◌َّهِ. قوله: ((فقال: سَمِّ ابنَك عبد الرّحمن)) في مُطابقة التَّرجمة لحديثِ جابر عُسْر، وأقرَبُ ما قيل: أَّهم لمَّا أنكَروا عليه التَّكَنّي بكُنية النبيّ ◌َّةِ، اقتَضَى مشروعيَّةَ الكُنية، وأنَّه لمَّا أمَرَه أن يُسَمّيه عبد الرَّحمن، اختارَ له اسماً يَطِيب خاطِرُه به إذا غَيَّرَ الاسم، فاقتَضَى الحال أنَّه لا يشير عليه إلّا باسم حسن، وتوجيه كَونه أحسنَ تقدَّم في أوَّل الباب. قال بعض شُرّاح (المشارق)): لله الأسماء الحُسنَى، وفيها أُصول وفروع، أي: من حيثُ الاشتِقاق، قال: وللأُصولِ أُصول، أي: من حيثُ المعنى، فأُصول الأُصول: اسمان: الله والرَّحمن، لأنَّ كلَّ منهما مُشْتَمِل على الأسماء كلّها، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، ولذلك لم يَتَسَمَّ بهما أحد. وما وَرَدَ من رحمُنِ الْيَمامة غيرُ وارد لأنَّه مُضاف، وقول شاعرهم: وأنتَ غَيْثُ الوَرَى لا زِلتَ رَحمانا تَغالٍ في الكفر وليس بواردٍ، لأنَّ الكلام في أنَّه لم يَتَسَمَّ به أحد، ولا يُردّ إطلاقُ مَن أطلقَه ٦٠٧ باب ١٠٦ / ح ٦١٨٧ - ٦١٨٩ كتاب الأدب وصفاً لأنَّه لا يَسْتَلِزِمِ التَّسمية بذلك، وقد لُّقِّبَ غير واحد: الملِك الرحيم، ولم يقع مِثْلُ ذلك في الرَّحمن، وإذا تَقرَّرَ ذلك كانت إضافة العُبوديَّة إلى كلّ منهما حقيقة مَحَضة، فظَهَرَ وجه الأحَبِّيَّة، والله أعلم. ١٠٦ - باب قول النبيِّ وَّ: ((سمُّوا باسمي، ولا تَكَنَّوا بكُنيتي)) فيه أنسُ، عن النبيِّ وَلؤ. ٦١٨٧ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا خالدٌ، حدَّثنا حُصَينٌ، عن سالم، عن جابرِ ﴾، قال: وُلِدَ لرجلٍ مِنّا غلامٌ فسَّه القاسمَ، فقالوا: لا نَكْنِيهِ حتَّى نسألَ النبيَّ ◌َّةِ، فقال: ((سَمُّوا باسْمِي، ولا تَگنّوا بگُنيتي)». ٦١٨٨ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرِينَ، سمعتُ أبا هريرةَ، قال أبو القاسمِ وَّ: ((سَمُّوا باسْمِي، ولا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي)). ٦١٨٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمعتُ ابنَ المنكَدِرِ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما: وُلِدَ لرجلٍ مِنّا غلامٌ فسَّاه القاسمَ، فقالوا: لا نَكْنِيكَ بِأَبِي القاسم، ولا نُنْعِمُكَ عَيناً، فأتى النبيَّ ◌َ فَذَكَر ذلك له، فقال: ((سَمِّ ابنَكَ عبدَ الرَّحمنِ)). قوله: ((باب قول النبيّ وَّرِ: سَمّوا باسمي ولا تَكَنَّوا)) بفتح الكاف وتشديد النُّون، وهو على ٥٧٢/١٠ حذف إحدَى التاءَينِ، أو بسكون الكاف وضمّ النّون، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ولا تَكتَنوا)) بسکون الکاف وفتح المثنّة بعدها نون. قوله: ((بكُنيَتي)) في رواية الأَصِيلِيّ: (بكُنْوتي)) بالواو بدلَ الثَّحتانيَّة وهي بمعناها، كَنَوتُه وكَنَّته بمعنَّى، قال عِيَاض: رَوَوْه كلّهم في عِدّة مواضع بالياء، وقد تقدَّم معنى الكُنية والتَّعريف بها في أوائل المناقب في ((باب كُنية النبيّ وَلات)(١). قوله: (فيه أنس)) يشير إلى ما تقدَّم موصولاً في البيوع (٢١٢٠ و٢١٢١) ثمَّ في صِفَة النبيّ وَّلـ (١) باب رقم (٢٠). ٦٠٨ باب ١٠٦ / ح ٦١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري (٣٥٣٧) من طريق حُميدٍ عن أنس بهذا، وفيه قصَّة سيأتي التّنبيه عليها، ولفظه: ((سَمُّوا باسمي ولا تَكَنَّوا بكُنْيتي)). ثُمَّ ذكر فيه حديث جابر في ذلك، ثمَّ حديث أبي هريرة، ثمَّ حديث جابر من وجه آخر، فأمَّا حديث أبي هريرة فاقتَصَرَ فيه على المتن، ولفظه كحديث أنس المذكور، وأمَّا حديث جابر ففي الرِّواية الأولى من طريق سالم - وهو ابن أبي الجَعْد - عنه: وُلِدَ لرجلٍ مِنّا غلام فسَّه القاسم، فقالوا: لا نَكْنِيك حتَّى نسأل النبيّ وَطِّ، وفي الرِّواية الثّانية من طريق محمَّد بن المنكَدِر عنه: فقلنا: لا نَكْنيك بأبي القاسم، ولا نُنعِمك عيناً، فيُجمَع بين هذا الاختلاف: إمّا بأنَّ بعضهم قال هذا وبعضهم قال هذا، وإمّا أنَّهم مَنَعوا أوَّلاً مُطلَقاً، ثمَّ استَدرَكوا فقالوا: حتَّى نسأل. وفي الرِّواية الأولى أيضاً: فقال: («سَمّوا باسمي، ولا تَكَنّوا بِكُنْيتي))، وفي الرِّواية الثّانية: فقال: ((سَمِّ ابنك عبد الرّحمن))، ويُجمَع بينهما: بأنَّ أحد الراویینِ ذکر ما لم یذکُر الآخر. وقوله: ((لا نَكْنِيكَ)) بفتح أوَّله مع التَّخفيف وبضمِّه مع التَّشديد، و((نُنِعِمك)) بضمِّ أوَّله. قال النَّوويّ: اختُلِفَ في التَّكَنّي بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: الأوَّل: المنعِ مُطلَقاً، سواء كان اسمه محمَّداً أم لا، ثَبَتَ ذلك عن الشافعيّ. والثّاني: الجواز مُطلَقاً، ويَخْتَصَ النَّهيُ بحياته وَل. والثالث: لا يجوز لمن اسمه محمَّد ويجوز لغيره. قال الرَّافعيّ: يُشبِه أن يكون هذا هو الأصحّ، لأنَّ الناس لم يزالوا يفعلونَه في جميع الأعصار من غير إنكار. قال النَّوويّ: هذا مخالف لظاهرِ الحديث، وأمَّا إطباقُ الناس عليه، ففيه تقوية للمذهبِ الثّاني، وكأنَّ مُستَندَهم ما وَقَعَ في حديث أنس المشار إليه قبلُ: أنَّه وَ﴿ كان في السّوق، فسمعَ رجلاً يقول: يا أبا القاسم، فالتَفَتَ إليه فقال: لم أَعنِك، فقال: ((سَمّوا باسمي، ولا تَكَنَّوا بِكُنْيتي)) قال: ففَهموا من النَّهي الاختصاصَ بحياته للسَّبَب المذكور، وقد زالَ بعده وَّهَ. انتهى مُلخَّصاً، وهذا السَّبَب ثابت في ((الصَّحيح))، فما خَرَجَ صاحب القول المذكور عن الظّاهر إلّا بدليلٍ. ٦٠٩ باب ١٠٦ / ح ٦١٨٩ كتاب الأدب ومَّا نُنَبِّه عليه أنَّ النَّوويّ أورَدَ المذهب الثّالث مقلوباً، فقال: يجوز لمن اسمه محمَّد دونَ غيره، وهذا لا يُعرَف به قائل، وإنَّما هو سَبقُ قلم، وقد حكى المذاهب الثلاثة في ((الأذكار)) على الصَّواب، وكذا هي في الرَّافعيّ. وما تَعقَّبَه السُّبكيُّ عليه أنَّه رَجَّحَ منعَ التَّكنية بأبي القاسم مُطلَقاً، ولمَّا ذكر الرَّافعيَّ في خُطبة ((المنهاج)) كَنَاه فقال: ((المحرَّر)) للإمام أبي القاسم الرَّافعيّ، وكان يُمكِنِه أن يقول: للإِمام الرَّافعيّ فقط، أو يُسَمّيه باسمِه ولا يَكْنيهِ بالكُنية التي يَعتَقِد المصنّف مَنعَها. وأُجيبَ باحتمال أن يكون أشارَ بذلك إلى اختيار الرَّافعيّ الجواز، أو إلى أنَّه مُشْتَهِر بذلك، ومَن شُهِرَ بشيءٍ لم يَمْتَنِعِ تعريفُه به، ولو كان بغير هذا القصد فإنَّه لا يَسُوغ، والله أعلم. وبالمذهبِ الأوَّل قال أهلُ الظاهر، وبالَغَ بعضهم فقال: لا يجوز لأحدٍ أن يُسَمّي ابنَه القاسم لئلّا يكنى أبا القاسم. وحكى الطَّبَرُّ مذهباً رابعاً: وهو المنع من التَّسمية بمحمَّدٍ مُطلَقاً، وكذا التَّكنّي بأبي القاسم مُطلَقاً، ثمَّ ساقَ من طريق سالم بن أبي الجَعْد: كَتَبَ عمر: لا تُسمّوا أحداً باسم نبيّ؛ واحتَجَّ لصاحبٍ هذا القول بما أخرجه(١) من طريق الحَكَم بن عَطيَّة عن ثابت عن أنس رَفَعَه: ((يُسَمّونَهم محمَّداً ثمَّ يَلعَنونَهم))، وهو حديث أخرجه البزَّار (٦٨٩٥)، وأبو يَعْلى (٣٣٨٦) أيضاً وسنده ليِّن، قال عِيَاض: والأشبه أنَّ عمر إنَّما فعل ذلك إعظاماً] لاسم النبيّ وَ﴿ لِئِلَّا يُنْتَهَك، وقد كان سمعَ رجلاً يقول لمحمَّدِ بن زيد بن الخطّاب: یا محمَّد فَعَلَ الله بك وفَعَلَ، فَدَعَاه وقال: ألا أرَى رسولَ الله ◌ِوَ لَ يُسَبّ بك، فغَيَّرَ اسمه. قلت: أخرجه أحمد (١٧٨٩٦) والطبرانيُّ (٥٤٤/١٩) من طريق عبد الرَّحمن بن بن أبي ليلى: نَظَرَ عمرُ إلى ابن عبد الحميد وكان اسمه محمَّداً ورجل يقول له: فعل اللهُ بك يا محمَّد، فأرسَلَ إلى ابن زيد بن الخطّاب، فقال: ألا أَرَى رسولَ اللهِ وَلَ يُسَبّ بك، فسَّاه عبد الَّحمن، وأرسَلَ إلى بني طلحة وهم سبعة ليُغيِّر أسماءَهم، فقال له محمَّد - وهو كبيرهم -: والله لقد ٥٧٣/١٠ (١) في ((تهذيب الآثار - مسند عبد الرحمن بن عوف)) ص ٤٠٥. ٦١٠ باب ١٠٦ / ح ٦١٨٩ فتح الباري بشرح البخاري سَّاني النبيّ ◌َِّ محمَّداً، فقال: قوموا فلا سبيل إليكُم؛ فهذا يدلُّ على رُجوعه عن ذلك. وحكى غيرُه مذهباً خامساً: وهو المنع مُطلَقاً في حياته، والتّفصیل بعده بین مَن اسمه محمَّد وأحمد فيمتنع، وإلّا فيجوز. وقد وَرَدَ ما يُؤيِّد المذهب الثّالث الذي ارتضاه الرَّافعيّ ووَهّاه النَّوويّ، وذلك فيما أخرجه أحمد (١٤٣٥٧) وأبو داود (٤٩٦٦)، وحَسَّنَه التِّرمِذيّ (٢٨٤٢) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٨١٦) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر رَفَعَه: ((مَن تَسَمَّى باسمي فلا يَكِتَنِي بكُنْتِي، ومَن اكتَنَى بِكُنْيتي فلا يَتَسَمَّى باسمي)) لفظ أبي داود وأحمد من طريق هشام الدَّستُوائيِّ عن أبي الزُّبَير، ولفظ التِّرمِذيّ وابن حِبّان من طريق حُسَين بن واقد عن أبي الزُّبَير: «إذا سَمَّيْتُم بي فلا تَكَنَّوا بي، وإذا كُنَُّم بي فلا تَسمَّوا بي)»، قال أبو داود: ورواه الثَّوريّ عن ابن جُرَیج مثلَ رواية هشام، ورواه مَعقِل عن أبي الزُّبَير مثل رواية ابن سِيرِين عن أبي هريرة، قال: ورواه محمَّد بن عَجْلانَ عن أبيه عن أبي هريرة مثل رواية أبي الزُّبیر. قلت: ووَصَلَه(١) البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (٨٤٤)، وأبو يَعْلى ولفظه: ((لا تَجمَعوا بين اسمي وكُنْيتي))(٢)، والتِّرمِذيّ (٢٨٤١) من طريق اللَّيث عنه، ولفظه: أنَّ النبيَّ ◌َ نَهَى أن يُجمَع بين اسمه وكُنْيته، وقال: ((أنا أبو القاسم، الله يُعطي وأنا أَقْسِمُ)). قال أبو داود: واختُلِفَ على عبد الرحمن بن أبي عمرة وعلى أبي زُرعة بن عمرو وموسی ابن يَسار عن أبي هريرة على الوجهَينِ. قلت: وحديث ابن أبي عَمْرة أخرجه أحمد (١٥٧٣٤) وابن أبِي شَيْبة (٨/ ٦٧٢) من طريقه عن عَمّه رَفَعَه: ((لا تَجِمَعوا بين اسمي وكُنْيتي))، وأخرج الطبرانيُّ (٥٤٧/١٩) من حديث محمَّد بن فَضَالة قال: قَدِمَ رسول الله وَ لَهُ المدينةَ وأنا ابن أُسبوعين، فأُتيَ بي إليه فمسح على رأسي، وقال: ((سَمُّوه باسمي، ولا تکنُوه بگنيتي))، ورواية أبي زُرعة عند أبي يَعْلى (٦١٠٢) بلفظ: ((مَن تَسَمَّی باسمي فلا يَكتَني بكُنْيتي)». (١) يعني طريق محمد بن عجلان عن أبيه. (٢) وأخرجه أيضاً بهذا اللفظ أحمد (٩٥٩٨) عن يحيى القطان عن ابن عجلان. ٦١١ باب ١٠٦ / ح ٦١٨٩ كتاب الأدب واحتُجَّ للمذهبِ الثّاني بما أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٨٤٣) وأبو داود (٤٩٦٧) وابن ماجَه(١) وصَخَّحَه الحاكم (٢٧٨/٤) من حديث عليّ قال: قلت: يا رسول الله، إن وُلِدَ لي من بعدك ولدٌ أُسَمّيه باسمِك وأُكَنّيه بِكُنْيْتِك؟ قال: ((نعم))، وفي بعض طرقه: ((فسَّاني محمَّداً وكَنّاني أبا القاسم))، وكان رُخصة من النبيّ ◌ِّ لعليٍّ بن أبي طالب، رُوِّينا هذه الرُّخصة في ((أمالي الجَوْهريّ))، وأخرجها ابن عَسَاكر في التَّرجمة النبويَّة (٢) من طريقه وسندها قويّ، قال الطَّبَريُّ: في إباحة ذلك لعليٍّ ثمَّ تكنية عليٍّ ولدَه أبا القاسم إشارةٌ إلى أنَّ النَّهي عن ذلك كان على الكراهة لا على التَّحريم، قال: ويُؤيِّد ذلك أنَّه لو كان على التَّحريم لَأنكَرَه الصحابة، ولمَا مَكَّنوه أن يُكَنّي ولده أبا القاسم أصلاً، فدَلَّ على أنَّهم إنّما فهموا من النَّهي السَّنزیه. وتُعقّب بأنّه لم ینحَصِر الأمر فيما قال، فلعلَّهم علموا الرُّخصة له دون غيره كما في بعض طرقه، أو فهموا تخصيص النَّهي بزمانه وَلّةِ، وهذا أقوى، لأنَّ بعض الصحابة سَمَّى ابنه محمَّداً وكَنّاه أبا القاسم، وهو طلحة بن عُبيد الله، وقد جَزَمَ الطبرانيُّ: أنَّ النبيَّ ◌َ ليل هو الذي كَنّه، وأخرج ذلك (٢٥/ ٤٥٩) من طريق عيسى بن طلحة عن ظِئر محمَّد بن طلحة، وكذا يقال: إنَّ كنية كلٌّ من المحمَّدِينَ: ابن أبي بكر، وابن سعد، وابن جعفر بن أبي طالب، وابن عبد الرّحمن بن عَوْف، وابن حاطِب بن أبي بَلتَعةَ، وابن الأشعَث بن قيس: أبو القاسم، وأنَّ آباءَهم كَنَّوهم بذلك، قال عِيَاض: وبه قال جمهور السَّلَف والخَلَف وفقهاء الأمصار، وأمَّا ما أخرجه أبو داود (٤٩٦٨) من حديث عائشة: أنَّ امرأة قالت: يا / رسول الله، إنّي ٥٧٤/١٠ سَمَّيت ابني محمَّداً وكَنَّيته أبا القاسم، فذُكِرَ لي أنَّك تَكرَه ذلك، قال: ((ما الذي أحَلَّ اسمي وحَرَّمَ كُنْيتي؟))، فقد ذكر الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (١٠٥٧): أنَّ محمَّدَ بن عِمران الحَجَبِيَّ تفقَّد به عن صَفيَّة بنت شَيْبة عنها، ومحمَّد المذكور مجهول، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً فلا دلالةَ فيه على الجواز مُطلَقاً، لاحتمال أن يكون قبل النَّهي. (١) لم يخرجه ابن ماجه، وإنما هو الترمذي (٢٨٤٣). (٢) من ((تاريخ دمشق)) ٤١/٣ -٤٢. ٦١٢ باب ١٠٧ / ح ٦١٩٠ - ٦١٩٠م فتح الباري بشرح البخاري وفي الجملة أعدَلُ المذاهب المذهبُ المفضَّل المحكيّ أخيراً مع غَرابَته، وقال الشَّيخ أبو محمَّد ابن أبي جَمْرة بعد أن أشارَ إلى ترجيح المذهب الثّالث من حيثُ الجواز: لكنَّ الأَولى الأخذ بالمذهبِ الأوَّل، فإنَّه أبرأ للذِّمّة وأعظَم للحُرْمة، والله أعلم. ١٠٧ - باب اسم الخَزْن ٦١٩٠ - حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حَدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ابنِ المسيّبِ، عن أبيه: أنَّ أباه جاء إلى النبيِّ نَلِ، فقال: ((ما اسمُكَ؟)) قال: حَزْنٌ، قال: «أنتَ سَهْلٌ))، قال: لا أُغيِّرُ اسماً سَّانِيهِ أبي. قال ابنُ المسيّبِ: فما زالَتِ الحُزُونَةُ فينا بَعْدُ. ٦١٩٠°م- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله ومحمودٌ - هو ابن غَيْلانَ - قالا: حدَّثْنَا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ابنِ المسيّبِ، عن أبيه، عن جَدِّه ... بهذا. [طرفه في: ٦١٩٣] قوله: ((باب اسم الحَزْن)) بفتح المهمَلة وسكون الزّاي: ما غَلُظَ من الأرض، وهو ضِدّ السَّهل، واستُعمِلَ في الخُلُق يقال: في فلان حُزونة، أي: في خُلُقْه غِلْظة وقَساوة. قوله: ((عن ابن المسيّب)) هو سعيد، وسَّاه أحمد في روايته (٢٣٦٧٣) عن عبد الرَّزّاق، وكذا محمود بن غَيْلان وأحمد بن صالح وغيرهما. قوله: ((عن أبيه: أنَّ أباه جاء)) كذا رواه إسحاق بن نَصْر عن عبد الرَّزّاق، وتابَعَه أحمد عن عبد الرَّزّاق فقال في روايته: عن أبيه: أنَّ النبيَّ وَِّ قال لجدِّه، وكذا أخرجه ابن حِبّان (٥٨٢٢) من طريق محمَّد بن أبي السّرِيّ عن عبد الرَّزّاق، وأورَدَه المصنِّ عَقِبَه عن محمود ابن غَيْلان وعليّ بن عبد الله كلاهما عن عبد الرَّزاق، فقالا في روایتهما: عن أبيه عن جَدّه، وكذا أورَدَه أبو داود (٤٩٥٦) عن أحمد بن صالح، والإسماعيليّ من طريق إسحاق ابن الضَّيف كلاهما عن عبد الرَّزّاق، وفيه: عن جَدّه: أنَّ النبيَّ وَّ قال له، وهذا الاختلاف على عبد الرَّزّاق، وبحَسَبِه يكون الحديث إمّا من مُسنَد المسيّب بن خَزْن على الرِّواية الأولى، وإمّا من مُسنَد حَزْن بن أبي وهب والده على الرِّواية الثّانية، وقد أعرَضَ الْحُميديُّ تَبَعاً لأبي ٦١٣ باب ١٠٧ / ح ٦١٩٠م كتاب الأدب مسعود عن الرِّواية الثّانية، وأورَدَ الحديث في مُسنَد المسيّب، وأمَّا الكَلَاباذيّ فجَزَمَ بأنَّ الحديث من مُسنَد حَزْن، وهذا الذي ينبغي أن يُعتَمَد، لأنَّ الزّيادة من الثِّقة مقبولة، ولا سيّما وفيهم ابنُ المَدِينيّ. قوله: ((قال: أنتَ سَهْل» في رواية الإسماعيليّ من طريق محمود بن غَیْلان، ومن طريق إسحاق بن الضَّيف جمیعاً: قال: ((بل اسمك سَهل)). قوله: ((لا أُغيِّر اسماً)) في رواية أحمد بن صالح: فقال: لا، السَّهل يُوطَاً ويُمتَهَن؛ ويُجمَع بأنَّه قال كلَّ من الكلامَينِ، فَتَقَلَ بعضُ الرُّواة ما لم يَنقُله الآخر. قوله: ((فما زالَتِ الحُزونة فينا بَعْدُ)) في رواية أحمد بن صالح: فظننتُ أنَّه سيُصيبُنَا بَعْده حُزونة. قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عبد الله ومحمود، هو ابن غَيْلان)) كذا ثَبَتَ للأكثر، وسَقَطَ ((محمود)) من رواية الأَصِيليّ عن أبي أحمد الجُرجانيّ، وقد أخرجه الإسماعيليّ عن الهيثم بن خَلَف عن محمود ابن غَيْلان كما قال البخاريّ ولفظُه كما قَدَّمتُه، / وأخرجه أبو نُعَيم عن أبي أحمد - وهو الغِطْريفيّ ٥٧٥/١٠ - عن الهيثم فقال في السَّنَد: عن أبيه أنَّ أباه جاء، والمعتمَد ما قال الإسماعيليّ. قال ابن بَطّال: فيه أنَّ الأمر بتحسينِ الأسماء وبتغيير الاسم إلى أحسن منه ليس على الوجوب، وسيأتي مزيد هذا في الباب الذي يليه. وقال ابن التِّين: معنى قول ابن المسيّب: ((فما زالَت فينا الحُزونة)) يريد امتناعَ التَّسهيل فيما يريدونَه. وقال الدّاووديُّ: يريد الصُّعوبة في أخلاقهم، إلّا أنَّ سعيداً أفضَى به ذلك إلى الغضب في الله. وقال غيره: يشير إلى الشِّدّة التي بَقِيَت في أخلاقهم، فقد ذكر أهل النَّسَب أنَّ في ولده سوء خُلُق معروف فيهم لا يكاد يُعدَم منهم. تنبيه: قال الكِرْمانيُّ هنا: قالوا: لم يَروِ عن المسيّب بن حَزْن - وهو وأبوه صحابيّان - إلّا ابنه سعيد بن المسيّب، وهذا خِلاف المشهور من شرط البخاريّ أنَّه لم يَروِ عن أحدٍ ليس له إلّا راوٍ واحد. قلت: وهذا المشهور راجع إلى غَرابَته، وذلك أنَّه لم يدَّعِه إلّا الحاكم ومَن تَلَقَّى ٦١٤ باب ١٠٨ / ح ٦١٩١ فتح الباري بشرح البخاري كلامه، وأمَّا المحَقِّقونَ فلم يَلتَزِموا ذلك، وحُجَّتهم أنَّ ذلك لم يُنقَل عن البخاريّ صريحاً، وقد وُجِدَ عَمَلُه على خِلَافه في عِدّة مواضع: منها هذا، فلا(١) يُعتَدّ به، وقد قَرَّرتُ ذلك في ((النُّكَت على علوم الحديث))، وعلى تقدير تسليم الشَّرط المذكور، فالجواب عن هذا الموضع: أنَّ الشَّرط المذكور إنَّما هو في غير الصحابة، وأمَّا الصحابة فكلّهم عُدول فلا يقال في واحد منهم بعد أن ثبتت صُحبته: مجهول، وإن وقع ذلك في کلام بعضھم فھو مرجوح، ويحتاج مَن ادَّعَى الشَّرطَ في بَقِيَّة المواضع إلى الأجوبة. ١٠٨ - باب تحويل الاسم إلى اسم أُحسَنَ منه ٦١٩١- حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ، قال: حدَّثني أبو حازِمٍ، عن سَهْلٍ قال: أُتِيَ بالمنذِرِ بنِ أبي أُسَيدٍ إلى النبيِّنَّهِ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَه على فَخِذِه وأبو أُسَيدٍ جالسٌ، فَلَهَا النبيُّ وَّهِ بِشيءٍ بِينَ يَدَيِهِ، فأمَرَ أبو أُسَيدٍ بابنِهِ فاحتُمِلَ من فَخِذِ النبيِّ ◌َِّ، فاستَفاقَ النبيُّ ◌َّل فقال: ((أينَ الصبيُّ؟)) فقال أبو أُسَيدٍ: قَلَبْناهُ يا رسولَ الله، قال: ((ما اسمُه؟)) قال: فلانٌ، قال: ((ولکنْ أَسْمِهِ المنذر»، فسماه یومئذٍ المنذر. قوله: ((باب تحويل الاسم إلى اسم أحسَنَ منه)) هذه التَّرجمة مُنتَزَعة ممّا أخرج ابن أبي ٥٧٦/١٠ شَيْبة (٦٢٣/٨) من مُرسَل عُرْوة: كان/ النبيّ ◌َ ﴿ إذا سمعَ الاسمَ القبيح حَوَّلَه إلى ما هو أحسنُ منه، وقد وَصَلَه اللُّرمِذيّ (٢٨٣٩) من وجه آخر عن هشام بذِكْر عائشة فيه. وفیه ثلاثة أحاديث: الأول: حديث سهل بن سعد. قوله: ((أُتيَ بالمنذِرِ بن أبي أُسَيدِ إلى النبيّ ◌َِّ حين وُلِدَ)) أبو أُسَيدٍ - بالتَّصغير - صحابيّ مشهور، وله أحاديث في ((الصَّحيح))، وتقدَّم ذِكْر ولده هذا في صلاة الجماعة (٢) وفي المغازي (٣٩٨٥)، وتقدَّمَت روايته عن أبيه في كتاب الطَّلاق(٣)، وكان الصحابة إذا وُلِدَ لأحدِهم الولد أتى به (١) تحرَّف في (س) إلى: فلان. (٢) انظر كتاب الأذان: ٦٣ - باب من شكا إمامه إذا طوَّل، بين يدي الحديث (٧٠٤). (٣) الذي تقدمت روايته في كتاب الطلاق برقم (٥٢٥٥) هو حمزة بن أبي أُسيد لا منذرٌ. ٦١٥ باب ١٠٨ / ح ٦١٩٢ كتاب الأدب النبيَّ وَّهِ لِيُحَنّكه ويباركَ عليه، وقد تكرَّر ذلك في الأحاديث. قوله: «فَوَضَعَه على فَخِذه)) يعني: إكراماً لأبيه. قوله: ((فَلَهَا النبيُّ ◌َّ بشيءٍ بين يَدَيه)) أي: اشْتَغَلَ، وكلُّ ما شَغَلَك عن شيء فقد ألهاك عن غيره، قال ابن التِّين: رويَ لَهِيَ بوزنٍ عَلِمَ، وهي اللَّغة المشهورة، وبالفتح لغة طِّئ. قوله: ((فاسْتَفَاقَ النبيُّ وََّ)) أي: انقَضَى ما كان مُشتَغِلاً به، فأفاقَ من ذلك فلم يَرَ الصبيَّ فسألَ عنه، يقال: أفاقَ من نومه ومن مرضه واستَفاقَ بمعنَى. قوله: ((قَلَبْناه) بفتح القاف وتخفيف (١) اللّام بعدها موحّدة ساكنة، أي: صَرَفْناه إلى مَنزِله، وذكر ابن التِّين: أنَّه وَقَعَ في روايته: أقلَبْناه بزيادة همزة أوَّله، قال: والصَّواب حذفها، وأثبتَها غيره لغةً. قوله: ((ما اسمه؟ قال: فلان)) لم أقِفْ على تعيينه، فكأنَّه كان سَمّاه اسماً ليس مُستَحسَناً فسَكَتَ عن تعيينه، أو سَمّاه فنَسِيَه بعض الرُّواة. قوله: ((ولكنْ أَسْمِهِ المنذِرَ» أي: ليس هذا الاسمُ الذي سَمَّتَه به اسمه الذي یلیق به، بل هو المنذِر، قال الدّاووديُّ: سَمّاه المنذِر تَفاؤُلاً أن يكون له عِلمٌ يُنذِر به. قلت: وتقدَّم في المغازي (٤٠٩٣)(٢): أنَّه سُمّيَ المنذِرَ بالمنذِرِ بن عَمْرو الساعديّ الخزرجيّ، وهو صحابيّ مشهور من رَهْط أبي أُسَيدٍ. الحديث الثاني: ٦١٩٢- حدَّثْنَا صَدَقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، عن شُعْبةَ، عن عطاءِ بنِ أبي ميمونةَ، عن أبي رافع، عن أبي هريرةَ: أنَّ زينبَ كان اسمُها بَرّةَ، فقِيلَ: تُزَكّي نفسَها، فسَمّاها رسولُ الله ◌َ﴾ زینبَ. قوله: ((عطاء بن أبي ميمونة)) هو ابن هلال مولى أنس، وأبو رافع: هو نُفَيع الصّائغ. (١) هكذا في الأصلين على الصواب، وفي (س): وتشديد اللام، وهو خطأ. (٢) لكن الحافظ هناك أورد احتمالاً أن يكون المراد به المنذر بن الزبير أو المنذر بن أبي أسيد. ٦١٦ باب ١٠٨ / ح ٦١٩٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّ زينب كان اسمُها بَرّة)) بفتح الموحّدة وتشديد الرَّاء، كذا في رواية محمَّد بن جعفر - وهو غُندَر - عن شُعْبة، ووافَقَه جماعة. وقال عَمْرو بن مرزوق عن شُعْبة بهذا السَّنَد عن أبي هريرة: كان اسم ميمونة بَرّة، أخرجه المصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٨٣٢) عنه، والأوَّل أكثر، وزينب: هي بنت جَحْش، أو بنت أبي سَلَمة، والأُولى زوج النبيّ وَّهِ والثّانية رَبيبته، وكلٌّ منهما كان اسمها أوَّلاً بَرّة فَغَيَّرَه النبيّ ◌ََّ، كذا قال ابن عبد البَرّ. وقصَّة زينب بنت جَحْش أخرجها مسلم (٢١٤٢) وأبو داود (٤٩٥٣) في أثناء حديثٍ عن زينب بنت أمّ سَلَمة قال: سُمِّيتُ بَرّة، فقال النبيّ مَ: ((لا تُزكّوا أَنفُسَكم، فاللهُ أعلمُ بأهلِ البِرّ منكم)) قالوا: ما نُسَمّيها؟ قال: ((سَمُّوها زينب))، وفي بعض روايات مسلم: وكان اسم زينب بنت جَحْش بَرّة، وقد أخرج الدّارَ قُطنيُّ في ((المؤتَلِفِ))(١) بسندٍ فيه ضعف: أنَّ زينب بنت جَحْش قالت: يا رسول الله، اسمُ أَبي(٢) بُرَّة، فلو غَيَّرَتَه، فإنَّ البُرَّة صغيرة، فقال: (لو كان مسلماً لَسَمَّيته باسمِ من أسمائها، ولكن هو جَحْش فالجحش أكبر من البُرَّة))، وقد وَقَعَ مِثْلُ ذلك لجويريةَ بنت الحارث أمّ المؤمنينَ، فأخرج مسلم (٢١٤٠) وأبو داود (١٥٠٣) والمصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٨٣١) عن ابن عبّاس قال: كان اسم جويرية بنت الحارث بَرّة، فَحَوَّلَ النبيُّ ◌َ﴿ اسمَها فسَمّها جويرية، كَرِهَ أن يقول: خَرَجَ من عندبَرّة. قوله: ((فقيل: تُزَكّي نفسها)) أي: لأنَّ لفظة ((بَرّة)) مُشتَقّة من البِرّ، وكذلك وَقَعَ في قصّة جويرية: كَرِهَ أن يقال: خَرَجَ من عند بَرّة، وقال في قصَّة زينب: ((الله أعلمُ بأهلِ البِرّمنكم)). الحديث الثالث: ٦١٩٣- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، حدَّثنا هشامٌ: أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهم، قال: أخبرني عبدُ الحميدِ بنُ مُبَيرِ بنِ شَيْبةَ، قال: جَلَستُ إلى سعيدِ بنِ المسيّبِ، فحدَّثني أنَّ جَدَّه حَزْناً قَدِمَ (١) لم نقف عليه في المطبوع منه. (٢) في (أ) و(س): ((يا رسول الله اسمي))، وهو خطأً والتصويب من (ع) و((الروض الأنف)) للسهيلي ٢١٦/٢، وانظر ((الإكمال)) لابن ماكولا ٢٥٤/١. ٦١٧ باب ١٠٨ / ح ٦١٩٣ كتاب الأدب على النبيِّ ◌َّةِ، فقال: ((ما اسمُكَ؟)) قال: اسمي حَزْنٌ، قال: ((بل أنتَ سَهْلٌ)) قال: ما أنا بمُغيِّرٍ اسماً ستانیهِ أبي. قال ابنُ المسيّبِ: فما زالَت فينا الحُزونةُ بَعْدُ. قوله: ((هشام)) هو ابن يوسف، وعبد الحميد بن جُبَير بن شَيْبة، أي: ابن عثمان الحَجَبيّ. قوله: ((فحدَّثني أنَّ جَدّه حَزْناً) هكذا أرسَلَ سعيدٌ الحديث لمَّا حدَّث به عبد الحميد، ولمَّا حدَّث به الزّهْرِيَّ وَصَلَه عن أبيه/ كما تقدَّم بيانه في الباب الذي قبله، وهذا على قاعدة ٥٧٧/١٠ الشافعيّ: أنَّ المرسَل إذا جاء موصولاً من وجه آخر تَبَيَّن صِحّةٌ تَخَرَج المرسَل، وقاعدة البخاريّ: أنَّ الاختلاف في الوصل والإرسال لا يَقدَحُ المرسَلُ في الموصول إذا كان الواصل أحفظَ من المرسل، كالذي هنا، فإنَّ الزُّهْريّ أحفظُ من عبد الحميد. قال الطَّبَرُّ: لا تَنبَغي التَّسمية باسمٍ قبيح المعنى، ولا باسمٍ يقتضي التَّزكيةَ له، ولا باسمِ معناه السَّبّ. قلت: الثّالث أخصُّ من الأوَّل، قال: ولو كانت الأسماء إنَّما هي أعلام للأشخاص لا يُقْصَد بها حقيقة الصِّفة، لكن وجه الكراهة أن يسمع سامعٌ بالاسم فيَظُنَّ أَنَّهِ صِفَة للمُسَمَّى، فلذلك كان ◌َّهِ يُحُوِّل الاسم إلى ما إذا دُعيَ به صاحبه كان صِدقاً، قال: وقد غَيَّرَ رسول الله وَ ﴿ِعِدّة أسماء، وليس ما غَيَّرَ من ذلك على وجه المنع من التَّسَمّي بها، بل على وجه الاختيار، قال: ومن ثَمَّ أجازَ المسلمونَ أن يُسَمَّى الرجلُ القبيح بحَسَنٍ، والفاسد بصالحٍ، ويدلّ عليه أنَّه ◌ِ لّهلم يُلزِم حَزْناً لمَّ امتَنَعَ من تحويل اسمه إلى سَهْل بذلك، ولو كان ذلك لازِماً لمَا أَقَرَّه على قوله: لا أُغَيِّر اسماً سَمّانيه أبي، انتهى مُلخَّصاً. وقد وَرَدَالأمرُ بتحسینِ الأسماء، وذلك فيما أخرجه أبو داود (٤٩٤٨)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٨١٨) من حديث أبي الدَّرداء رَفَعَه: ((إِنَّكم تُدعَونَ يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكُم، فَأَحسِنوا أسماءَكُم)) ورجاله ثقات، إلّا أنَّ في سنده انقطاعاً بين عبد الله بن أبي زكريّا راويه عن أبي الدَّرداء [وأبي الدَّرداء] فإنَّه لم يُدرِكِه، قال أبو داود: وقد غَيَّرَ النبيُّ وَّهِ اسْمَ العاص وعَتَلة - بفتح المهملة والمثنّة بعدها لام - وشيطان وغُراب وحُبَاب - بضمِّ المهمَلة وتخفيف ٦١٨ باب ١٠٩ / ح ٦١٩٤-٦١٩٧ فتح الباري بشرح البخاري الموحّدة - وشِهاب وحَرْب وغير ذلك. قلت: والعاصي الذي ذكره هو مُطيع بن الأسود العَدَويُّ والد عبد الله بن مُطيع، ووَقَعَ مِثله لعبد الله بن الحارث بن جَزْء وعبد الله بن عَمْرو وعبد الله بن عُمر، أخرجه البزَّار (٣٧٨٩)، والطبرانيُّ(١) من حديث عبد الله بن الحارث بسندٍ حسن، والأخبار في مِثل ذلك كثيرة، وعَتَلة: هو عُتبة بن عبدِ السُّلَمَيّ، وشيطان: هو عبد الله، وغُراب: هو مسلم أبو رائطة، وحُبَاب: هو عبد الله ابن عبد الله بن أبيّ، وشهاب: هو هشام بن عامر الأنصاريّ، وحَرْب: هو الحسن بن عليّ سَمّاه عليّ أوَّلاً حَرباً، وأسانيدها مُبيَّنَة في كتابي في الصحابة(٢). ١٠٩ - باب من سمَّى بأسماء الأنبياء وقال أنسُِّ: قَبَّلَ النبيُّ ◌َّهِ إبراهيمَ، يعني: ابنَه. ٦١٩٤ - حدَّثنا ابنُ نُمَير، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشْر، حدَّثنا إسماعيلُ، قلتُ لابنِ أبي أوْلَى: رأيتَ إِبراهيمَ ابنَ النبيِّ وََّ؟ قال: ماتَ صغيراً، ولو قُضِيَ أن يكونَ بعدَ محمَّدٍ وَِّ نبيٌّ عاشَ ابنُه، ولكن لا نبيَّ بعدَه. ٦١٩٥ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، أخبرنا شُعْبةُ، عن عَدِيٍّ بنِ ثابتٍ، قال: سمعتُ البراءَ قال: لمَّا ماتَ إبراهيمُ عليه السلام قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((إنَّ له مُرْضِعاً في الجنَّةِ». ٦١٩٦- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن حُصَينِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن سالم بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ الله ◌ِ: ((سَمُّوا باسْمِي، ولا تَكْتَنُوا بِكُنْيتي، فإنَّا أنا قاسمٌ أَقْسِمُ بينكم)). ورواه أنسٌّ، عن النبيِّ وَّ. ٦١٩٧ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، حدَّثنا أبو حَصِينٍ، عن أبي صالحٍ، (١) الحديث ليس في المطبوع من ((المعجم الكبير))، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٥٣/٨ معزوّاً له مع البزار، وليس في الرواية ذِكرٌ لعبد الله بن عمرو، وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو سيّئ الحفظ. (٢) وانظر ((مجمع الزوائد)) للحافظ الهيثمي ٥١/٨ فما بعد. ٦١٩ باب ١٠٩ / ح ٦١٩٨ -٦١٩٩ كتاب الأدب عن أبي هريرةَ عُه، عن النبيِّ وَّه قال: ((سَمُّوا باسْمي، ولا تَكَنَّوا بكُنْيتي. ومَن رآني في المنامِ فقد رآني، فإنَّ الشَّيطانَ لا يَتَمثَّلُ صُورتي. ومَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَبَوَّأْ مَفْعَدَه منَ النارِ)). ٦١٩٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى قال: وُلِدَ لي غلامٌ، فَأَتَيْتُ به النبيَّ ◌َِّ فِسَمّاه إبراهيمَ، فحَنَّكَه بتَمْرةٍ ودَعَا له بالبَرَ كةِ، ودَفَعَه إليّ. و کان أکبر ولدِ أبي موسى. ٦١٩٩ - حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا زائدةُ، حدَّثنا زيادُ بنُ عِلَاقَةَ، سمعتُ المغيرةَ بنَ شُعْبةَ، قال: انكَسَفَتِ الشمسُ يومَ ماتَ إِبراهيمُ. رواه أبو بَكْرةَ، عن النبيِّ ◌َلَّ. ٥٧٨/١٠ قوله: ((باب مَن سَمَّى بأسماء الأنبياء)) في هذه التَّرجمة حديثان صريحان: أحدهما: أخرجه مسلم (٢١٣٥) من حديث المغيرة بن شُعْبة عن النبيّ وَّةِ: (إنَّهم كانوا يُسَمُّونَ بأسماءِ أنبيائهم والصالحينَ قبلهم)). ثانيهما: أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) والنَّسائيُّ (٣٥٦٥) والمصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٨١٤) من حديث أبي وهب الجُشَميّ - بضمِّ الجيم وفتح المعجَمة - رَفَعَه: ((تَسَمَّوا بأسماءِ الأنبياء، وأحَبُّ الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرَّحمن، وأصدَقُها: حارث وهمَّام، وأقبَحُها: حرب ومُرّة). قال بعضهم: أمَّا الأوَّلان فِلِمَا تقدَّم في ((باب أحَبِّ الأسماء إلى الله)(١)، وأمَّا الآخران فلأنَّ العبد في حَرْث الدُّنيا أو حَرْث الآخرة، ولأَنَّه لا يزال يَهُمُّ بالشَّيءٍ بعد الشَّيء، وأمَّا الأخيران فلِمَا في الحرب من المكاره ولِمَا في مُرّةَ من المرارة. وكأنَّ المؤلّف رحمه الله لمَّا لم يكونا على شرطه، اكتَفَى بما استنَبَطَه من أحاديث الباب وأشارَ (١) باب رقم (١٠٥). ٦٢٠ باب ١٠٩ / ح ٦١٩٩ فتح الباري بشرح البخاري بذلك إلى الردّ على مَن كَرِهَ ذلك، كما تقدَّم عن عمر (١): أنَّه أراد أن يُغيِّر أسماء أولاد طلحة، وكان سَمّهم بأسماء الأنبياء. وأخرج البخاريّ أيضاً في ((الأدب المفرَد)) (٣٦٧) في مثل ترجمة هذا الباب حديث يوسف بن عبد الله بن سَلّام قال: سَمّاني النبيّ وَله يوسف ... الحديث، وسنده صحيح، وأخرجه التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٣٣٢)، وأخرج ابن أبي شَيْبة (٨/ ٦٦٧) بسندٍ صحيح عن سعيد بن المسيّب قال: أحَبُّ الأسماء إليه أسماء الأنبياء. ثمَّ ذكر فيه أحدَ عشرَ حديثاً موصولة ومُعلَّقة: الأوَّل: حديث أنس. قوله: ((وقال أنس: قَبَّلَ النبيّ ◌َله إبراهيم، يعني: ابنه)» ثَبَتَ هذا التَّعليق في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهنيّ وحده، وهو في رواية النَّسَفيّ أيضاً، وهو طَرَف من حديث طويل تقدَّم موصولاً في الجنائز (١٣٠٣). الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا ابن نُمَير)) هو محمَّد بن عبد الله بن نُمَير نُسِبَ لجدِّه، ومحمّد ابن بشر: هو العَبْديّ، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، والإسناد كلّه كوفيّون. قوله: ((قلت لابن أبي أوْلَى)) هو عبد الله الصحابيُّ ابن الصحابيّ. قوله: ((رأيت إبراهيم ابن النبيّ بَّه؟ قال: ماتَ صَغيراً)) تَضَمَّنَ كلامُه جوابَ السُّؤال بالإشارة إليه، وصَرَّحَ بالزّيادة عليه، كأنَّه قال: نعم رأيته، لكن ماتَ صغيراً، ثمَّ ذكر السَّبَب في ذلك. وقد رواه إبراهيم بن حُميدٍ عن إسماعيل بن أبي خالد بلفظ: قال: نعم، كان أشبه الناس به، ماتَ وهو صغير، أخرجه ابن مَندَه والإسماعيليّ من طريق جَرِير عن إسماعيل: سألتُ ابن أبي أَوفَى عن إبراهيم ابن النبيّ ◌َلِّ، مِثْلُ أيّ شيء كان حين ماتَ؟ قال: كان صبيّاً. قوله: ((ولو قُضِيَ أن يكون بعدَ محمَّد نبيٌّ عاشَ ابنُه)) إبراهيم ((ولكن لا نبيَّ بعدَه)) هكذا جَزَمَ به عبد الله بن أبي أوفَ، ومثلُ هذا لا يقال بالرَّأي، وقد تَوارَدَ عليه جماعة: فأخرج ابن ٥٧٩/١٠ ماجَهْ (١٥١١) من حديث ابن عبّاس قال: لمَّا ماتَ إبراهيم ابن النبيّ ◌َلّهِ صَلَّى/ عليه، وقال: - (١) في شرح الباب السالف برقم (١٠٦).