Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ باب ٩٦ / ح ٦١٦٨-٦١٧١ كتاب الأدب قوله: ((واختَصَرَه شُعْبة، عن قَتَادةَ، سمعت أنْساً)) وَصَلَه مسلم (١٦٤/٢٦٣٩) من رواية محمَّد بن جعفر عن شُعْبة، ولم يَسُق لفظه، بل أحالَ به على رواية سالم بن أبي الجَعْد عن أنس، وساقَها أحمد في «مسنده)) (١٢٧٦٩) عن محمّد بن جعفر ولفظه: جاء أعرابيّ إلى النبيّ ◌َّ فقال: متى الساعة؟ قال: ((ما أعدَدتَ لها؟)) قال: حُبَّ الله ورسوله. قال: ((أنتَ مع مَن أحبَبت))، وهو موافق لرواية همَّام، فكأنَّ مُراد البخاريّ بالاختصار ما زادَه هَمَّام في آخر الحديث من قوله: فقلنا: ونحنُ كذلك؟ قال: ((نعم)) ففَرِ حنا يومَئذٍ فَرَحاً شديداً، فمرَّ غلام ... إلى آخره. ٩٦ - باب علامة الحب في الله لقوله تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ٦١٦٨ - حدَّثْنا بِشرُ بنُ خالدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبةَ، عن سليمانَ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، عن النبيِّ وَّرِ أَنَّه قال: ((المَرْءُ معَ مَن أَحَبَّ)). [طرفه في: ٦١٦٩] ٦١٦٩- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ ﴾: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله وَّةِ، فقال: يا رسولَ الله، كيفَ تقولُ في رجلٍ أحَبَّ قوماً ولم يَلْحَق بهم؟ فقال رسولُ الله وَِّ: ((المَرْءُ معَ مَن أَحَبَّ)). تابَعَه جَرِيرُ بنُ حازِمٍ وسليمانُ بنُ قَرْمٍ وأبو عَوَانَةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله، عن النبيِّ ێ. ٦١٧٠- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى، قال: قيل للنبيٍّ وَّ: الرجلُ يُحِبُّ القومَ ولمَّا يَلْحَق بهم؟ قال: ((المَرْءُ معَ مَن أَحَبَّ)). تابَعَه أبو مُعاوِيةَ ومحمَّدُ بنُ عُبيدٍ. ٦١٧١- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا أبي، عن شُعْبةَ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ، عن سالم بنِ أبي الجَعْدِ، عن أنسِ بنِ مالكِ: أنَّ رجلاً سألَ النبيَّ وَّةِ: متى الساعةُ يا رسولَ الله؟ قال: ((ما أعدَدْتَ لها؟)) ٥٨٢ باب ٩٦ / ح ٦١٧١ فتح الباري بشرح البخاري قال: ما أعدَدْتُ لها من كَثيرِ صلاةٍ ولا صومٍ ولا صَدَقةٍ، ولكنّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه، قال: ((أنتَ معَ مَن أحبَيْتَ)). ٥٥٨/١٠ قوله: ((باب علامة الحُبّ في الله، لقولِه تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ﴾)) ذكر فيه حديث: ((المرءُ مع مَن أحَبَّ)) قال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون المراد بالتَّرجمة محبّة الله للعبد، أو ◌َحَبّة العَبد لله، أو المحبّة بين العباد في ذات الله بحيثُ لا يَشوبُها شيء من الرّياء، والآية مُساعِدة للأوَّلَين، واتِّاعُ الرَّسول علامةٌ للأُولَى لأنَّهَا مُسَبِّة للاتِّباع، وللثّانية لأنَّها سببه. انتهى، ولم يَتعرَّض لمطابقة الحديث للترجمة، وقد توقَّفَ فيه غير واحد. والمشكِلِ منه جَعْلُ ذلك علامةَ الحُبّ في الله، وكأنَّه محمول على الاحتمال الثّاني الذي أبداه الكِرْمانيّ، وأنَّ المراد علامة حُبّ العَبد لله، فدَلَّتِ الآية أنَّها لا تَحصُل إلّا باتِباع الرَّسول، ودَلَّ الخبر على أنَّ اتِباعِ الرَّسول وإن كان الأصل أنَّه لا يَحَصُل إلّ بامتثال جميع ما أُمِرَ به، أنَّه قد يَحَصُل من طريق التَّفَضُّل باعتقادِ ذلك وإن لم يَحصُل استيفاء العَمَل بمُقتَضاه، بل مَحَبّهُ مَن يعمل ذلك كافيةٌ في حصول أصل النَّجاة والكَونِ مع العامِلِين بذلك، لأنَّ مَبَّتَهم إنَّما هي لأجلِ طاعَتِهِم، والمحبّةُ من أعمال القلوب، فأثابَ الله مُحِبّهم على مُعتَقَده، إذ النّيَّة هي الأصل والعَمَل تابع لها، وليس من لازِم المعيَّة الاستواءُ في الدَّرَجات. وقد اختُلِفَ في سبب نزول الآية، فأخرج ابن أبي حاتم (٦٣٣/٢) عن الحسن البصريّ قال: كان قوم يَزْعُمونَ أنَّهم يُحِّونَ الله، فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقاً من عَمَل، فأنزلَ الله هذه الآية. وذكر الكَلْبِيّ في ((تفسيره)) عن ابن عبّاس: أنَّها نزلت حين قال اليهود: ﴿غَحْنُ أَبْتَوُاْ اللَّهِ وَأَحِبَُّمُ﴾ [المائدة: ١٨]. وفي ((تفسير)) محمّد بن إسحاق عن محمَّد بن جعفر ابن الزُّبَير: نزلت في نصارَى نَجْران، قالوا: إنَّما نَعبُد المسيح حُبّاً لله وتعظيماً له. وفي تفسير الضَّحّاك عن ابن عبّاس: أنَّها نزلت في قريش، قالوا: إنَّما نَعبُد الأصنام حُبّاً لله لتُقَرِّنا إليه زُلفَی، فنزلت. ٥٨٣ باب ٩٦ / ح ٦١٧١ كتاب الأدب قوله: ((شُعْبة، عن سليمان)) هو الأعمَش، وفي رواية أبي داود الطَّيالسيّ (٢٥١): ((عن شُعْبة عن الأعمش)). قوله: ((عن أبي وائل)) في رواية الطَّيالسيِّ: ((عن شُعْبة عن الأعمَش سمعَ أبا وائل))، وكذا في رواية عَمْرو بن مرزوق(١): ((عن شُعْبة عن الأعمش سمعتُ أبا وائل)). قوله: ((عن عبد الله)) هكذا رواه أصحاب شُعْبة فقالوا: عن عبد الله، ولم يَنسُبوه، منهم: ابن أبي عَديّ عند مسلم (٢٦٤٠)، وأبو داود الطَّالسُّ عند أبي عَوَانة، وعَمْرو بن مرزوق عند أبي نُعَيم، وأبو عامر العَقَديّ ووَهْب بن جَرِير عند الإسماعيليّ، وحكى الإسماعيليّ عن بُندار أنَّه عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعَريّ، واستَدَلَّ برواية سفيان الثَّوريّ عن الأعمَش الآتية عَقِبَ هذا، وسيأتي ما يُؤيِّده، ولكنَّ صنيع البخاريّ يقتضي أنَّه كان عند أبي وائل: عن ابن مسعود وعن أبي موسى جميعاً، وأنَّ الطَّريقَينِ صحيحان، لأنَّه بيَّن الاختلاف في ذلك ولم يُرجِّح، ولِذا ذكر أبو عَوَانة في ((صحيحه)) عن عثمان بن أبي شَيْبة: أنَّ الطَّريقَينِ صحيحان. قلت: ويُؤيِّد ذلك أنَّ له عن ابن مسعود أصلاً، فقد أخرج أبو نُعَيم في كتاب ((المحِبّينَ)) من طريق عَطيَّة عن أبي سعيد قال: أتيت أنا وأخي عبدُ الله بن مسعود فقال: سمعتُ النبيّ ◌َ﴿ ... فذكر الحديث، وأخرجه أيضاً من طريق مَسرُوق عن عبد الله به. قوله: ((جَرِير، عن الأعْمَش، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله بن مسعود)) ثمَّ قال في آخره: ((تابَعَهُ جَرِير بن حازِم)) فيه إشارة إلى أنَّ جَرِيراً الأوَّل: هو ابن عبد الحميد، وأمَّا مُتَابَعة جَرِير بن حازِم فوصَلَها أبو نُعَيم في كتاب ((المحِبّينَ)) من طريق أبي الأزهَر أحمد بن الأزهَر عن وهب بن جَرِير، حدَّثنا أبي، سمعت الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، فذكره ولم يَنسُب عبد الله. قوله: (وسليمان بن قَرْم)) هو بفتح القاف وسكون الرَّاء، ومُتَابَعَته هذه وَصَلَها مسلم (١) عند الشاشي في ((مسنده)) (٥٧٦) و(٥٧٧)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٨٩)، وسيعزوها الحافظ بعد قليل لأبي نعيم. ٥٨٤ باب ٩٦ / ح ٦١٧١ فتح الباري بشرح البخاري (٢٦٤٠) من طريق أبي الجوَّاب عَّر بن رُزَيق(١) - بتقديم الرَّاء - عنه عن عبد الله، وعَطَفَها على رواية شُعْبة فقال: مِثله، وساقَ أبو عَوَانة في ((صحيحه) لفظها ولم يَنسُب عبد الله أيضاً، وساقَها الخطيب في كتاب ((المكَمَّل)) مُطوَّلة. ٥٥٩/١٠ قوله: ((وأبو عَوَانة، عن / الأعْمَش)) يعني أنَّ الثلاثة رَووه عن الأعمَش عن أبي وائل عن عبد الله، وأبو عَوَانة هذا: هو الوضّاح، وأمَّا أبو عَوَانة صاحب ((الصَّحیح)) فاسمه يعقوب، ومُتَابَعة أبي عَوَانة وَصَلَها أبو عَوَانة يعقوب، والخطيب في كتاب ((المكَمَّل)) من طريق يحيى بن حمّاد عنه، وقال فيه أيضاً: عن عبد الله، ولم يَنسُبه. قوله: ((حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سُفْيان)) هو الثَّوريّ. قوله: ((عن أبي موسى)) هكذا صَرَّحَ به أبو نُعَيم، وأخرجه أبو عَوَانة من رواية قبيصة عن سفيان الثَّوريّ فقال: عن عبد الله، ولم يَنسُبه، وهذا يُؤْيِّد قول بُندار: إنَّ عبد الله حيثُ لم يُنْسَب فالمراد به في هذا الحديث أبو موسى، وأنَّ مَن نَسَبَه ظنَّ أنَّه ابن مسعود لكَثْرة ◌َجيء ذلك على هذه الصّورة في رواية أبي وائل، ولكنَّه هنا خَرَجَ عن القاعِدة، وتَبيَّن برواية مَن صََّحَ أنَّه أبو موسى الأشعريّ أنَّ المراد بعبد الله: عبد الله بن قيس، وهو أبو موسى الأشعَريّ، ولم أرَ مَن صَرَّحَ في روايته عن الأعمَش أنَّه عبد الله بن مسعود، إلّا ما وَقَعَ في رواية جَرِير بن عبد الحميد هذه عند البخاريّ عن قُتَيبة عنه، وقد أخرجه مسلم (٢٦٤٠) عن إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شَيْبة، كلاهما عن جَرِير، فقال: ((عن عبد الله)) حَسْبُ، وكذا قال أبو يَعْلى (٥١٦٦) عن أبي خَيْئمةَ، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية جعفر بن العبّاس، وأبو عَوَانة من رواية إسحاق بن إسماعيل، كلّهم عن جَرِير به، وكلّ مَن ذكر البخاريّ أنَّه تابَعَه إنَّما جاء من روايته أيضاً: عن عبد الله، غير منسوب، وكذا أخرجه أبو عَوَانة من رواية شَيْبانَ عن الأعمَش، فقال: عبد الله، ولم يَنْسُبه. قوله: ((تابَعَه أبو معاوية ومحمَّد بن عُبيد)) يعني: عن الأعمش، وهذه المتابَعة وَصَلَها مسلم (١) كذا قال الحافظ رحمه الله في اسم أبي الجوَّاب، وهو سهو، والصواب أنَّ اسمه أخْوصُ بن جَوَّاب، أما عَمّار بن رُزَيق فكنيته أبو الأخوص، والله أعلم. ٥٨٥ باب ٩٦ / ح ٦١٧١ كتاب الأدب (٢٦٤١) عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَير عنهما، وقال في روايته: عن أبي موسى، وهكذا أخرجه أبو عَوَانة من طريق محمَّد بن كُنَاسة عن الأعمَش، ووجَدتُ للأعمَشِ فيه إسناداً آخر أخرجه الحسن بن رَشِيق في ((شيوخ مَكّة)) له عن جعفر بن محمَّد السُّوسيّ عن سَهْل بن عثمان عن حفص بن غياث عن الأعمَش عن الشَّعْبيّ عن عُرْوة بن مُضرِّس به، وقال: غريب تفرَّد به سَهْل. قلت: ورجاله ثقات، إلّا أنّ لا أعرف جعفر بن محمَّد، ولعلَّه دَخَلَ علیه متن حدیث في إسناد حديث. قوله: ((جاء رجل)) في حديث أبي موسى: ((قيلَ للنبيِّ وَ))، ووَقَعَ في رواية أبي معاوية ومحمَّد بن عُبيد: ((أتى النبيَّ نَّهَ رجلٌ))، وأولَى ما فُشِّرَ به هذا المبهم: أنَّه أبو موسى راوي الحديث، فعند أبي عَوَانة من رواية محمَّد بن كُنَاسة عن الأعمَش في هذا الحديث عن شَقِيق: عن أبي موسى قلتُ: يا رسول الله ... فذکر الحدیث، ولکن یُعگِّر علیه ما وَقَعَ في رواية وهب ابن جَرِير التي تقدَّم ذِكْرها من عند أبي نُعَيم، فإنَّ لفظه: عن عبد الله قال: جاء أعرابيّ، فقال: يا رسول الله، إنّي أُحِبّ قوماً ولا ألحق بهم ... الحديث، وأبو موسى إن جازَ أن يُهِم نفسه فيقول: أتى رجل، فغير جائز أن يَصِف نفسه بأنَّه أعرابيّ، وقد وَقَعَ في حديث صفوان بن عَسّال الذي أخرجه التِّرمِذيّ (٢٣٨٧)، والنَّسائيُّ (ك١١١١٤) وصَخَّحَه ابن خُزيمةَ من طريق عاصم ابن بَهَدَلة عن زِرّ بن حُبَيْشٍ قال: قلت لصفوان بن عَسّال: هل سمعتَ من رسول الله وَ ل في الهوى شيئاً؟ قال: نعم، كنَّا مع رسول الله في مَسِير، فناداه أعرابيٌّ بصوتٍ له جَهوَرِيّ فقال: أيا محمَّد، فأجابَه النبيّ ◌َِّ على قَدْرِ ذلك، فقال: ((هاؤُمُ)) قال: أرأيت المرء يُحِبّ القوم ... الحدیث. وأخرج أبو نُعَيم في ((كتاب المحبّينَ)) من طريق مسروق عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: أتى أعرابيّ فقال: يا رسول الله، والذي بَعَثَك بالحقِّ إنّي لَأُحِبّك ... فذكر الحديث، فهذا الأعرابيّ يحتمل أن يكون هو صفوان بن قُدامةَ، فقد أخرج الطبرانيُّ (٢٠٢٢)، وصَحَّحَه أبو عَوَانة من حديثه قال: قلت: يا رسول الله إنّي أُحِبّك، قال: ((المرء مع مَن أحَبَّ)). وقد وَقَعَ هذا السُّؤال لغير مَن ذُكِرَ، فعند أبي عَوَانة أيضاً، وأحمد (٢١٣٧٩)، وأبي داود (٥١٢٦)، وابن حِبّان ٥٨٦ باب ٩٦ / ح ٦١٧١ فتح الباري بشرح البخاري ٥٦٠/١٠ (٥٥٦) من طريق / عبد الله بن الصّامت: عن أبي ذرِّ قال: قلت: يا رسول الله، الرجل يُحِبّ القوم ... الحديث ورجاله ثقات، فإن كان مضبوطاً أمكنَ أن يُفَسَّر به المبهم في حديث أبي موسى، لكنِ المحفوظ بهذا الإسناد عن أبي ذرٍّ: الرجل يعمل العَمَل من الخير، ويَحمَّدُه الناسُ علیه، كذا أخرجه مسلم (٢٦٤٢) وغيره، فلعلَّ بعض رواته دخَلَ علیه حدیث في حدیث. قوله: ((كيف تقول في رجل أحَبَّ قوماً ولم يَلْحَق بهم؟)) في رواية سفيان الآتية: ((ولمَّا يَلحَق بهم)) وهي أبلَغُ؛ فإنَّ النَّفي بـ((لّ) أبلَغُ من النَّفي بـ((لم))، فيُؤْخَذ منه أنَّ الحُكم ثابت ولو بعد اللَّحاق. ووَقَعَ في حديث أنس عند مسلم (٢٦٣٩/ ١٦٣): ((ولم يَلحَق بعَمَلِهم»، وفي حديث أبي ذرِّ المشار إليه قبلُ: ((ولا يستطيع أن يعمل بعَمَلِهم))، وفي بعض طرق حديث صفوان بن عَسّال عند أبي نُعَيم: ((ولم يعمل بمِثلِ عَمَلهم)) وهو يُفسِّر المراد. قوله: ((المَرْء مع مَن أَحَبَّ)) قد جَعَ أبو نُعَيم طرق هذا الحديث في جُزء سَمّه: ((كتاب المحِّينَ مع المحبوبينَ)) وبَلَغَ الصحابة فيه نحو العشرينَ، وفي رواية أكثرهم بهذا اللَّفظ، وفي بعضها بلفظ أنس الآتي عَقِبَ هذا. قوله: ((حدَّثنا عبدان)) هو عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي رَوّاد، ويقال: إنَّ أباه تفرَّد برواية هذا الحديث عن شُعْبة، وضاقَ مَرَجُه على الإسماعيليّ وأبي نُعَيم فأخرجاه من طريق البخاريّ عنه، وأخرجه مسلم (١٦٤/٢٦٣٩) عن واحد عن عبدان، ووَقَعَ لي من رواية أُخرى عن شُعْبة أخرجه أبو نُعَيم في ((المحِبّينَ)) من طريق السُّمَيدَع بن واهب عنه، وقد رواه منصور عن سالم بن أبي الجَعْد كما سيأتي في كتاب الأحكام (٧١٥٣)، وأخرجه أبو عَوَانة من رواية الأعمش عن سالم، واستَغرَبَه. قوله: ((أنَّ رجلاً)) تقدَّم القول في تسميته في الباب الذي قبله. قوله: ((مَتَى الساعة؟)) هكذا في أكثر الرِّوايات عن أنس، ووَقَعَ في روایة جَرِير عن منصور في أوَّله: بينما أنا ورسول الله وَ لّهِ خارجَينٍ من المسجد، فلَقينا رجل عند سُدّة المسجد، ٥٨٧ باب ٩٧ / ح ٦١٧٢ -٦١٧٣ كتاب الأدب فقال: يا رسولَ الله، متى الساعة؟ وفي رواية أبي المَلِيحِ الرَّقِّيّ عن الزُّهْريّ عن أنس: خَرَجَ رسول الله ◌َّ﴿ فَتَعرَّضَ له أعرابيّ، أخرجه أبو نُعَيم، وله من طريق شَرِيك ابن (١) أبي نَمِر عن أنس: دَخَلَ رجل والنبيُّ نَّهِ يَخْطُب، ومن رواية أبي ضَمْرة عن حُميدٍ عن أنس: جاء رجل فقال: متى الساعة؟ فقامَ النبيّ وَّم إلى الصلاة، ثمَّ صَلَّى، ثمَّ قال: ((أين السائل عن الساعة؟»، ويُجمَع بينها: بأن سألَ والنبيّ ◌َّهِ يَخْطُب فلم يُحِبِه حينئذٍ، فلمَّ انصَرَفَ من الصلاة وخَرَجَ من المسجد رآه فتَذَكَّرَ سؤاله، أو عاودَه الأعرابيّ في السُّؤال فأجابَه حينئذٍ. قوله: ((ما أعْدَدْت لها؟)) قال الكِرْمانيُّ: سَلَكَ مع السائل أُسلوبَ الحكيم، وهو تَلَقّي السائل بغير ما يَطلُب ممّا يَهمّه أو هو أهمّ. قوله: ((أنتَ مع مَن أحْبَيْت)) زاد سَلّام بن أبي الصَّهباء عن ثابت عن أنس: ((إِنَّك مع مَن أحبَبت، ولَك ما احتَسَبت)) أخرجه أبو نُعَيم، وله مِثله من طريق قُرّة بن خالد عن الحسن عن أنس، وأخرج أيضاً من طريق أشعَث عن الحسن عن أنس: ((المرء مع مَن أحَبَّ، وله ما اكتَسَبَ))، ومن طريق مسروق عن عبد الله: ((أنتَ مع مَن أحبَبتَ، وعليك ما اكتَسَبت، وعلى الله ما احتسبت)). ٩٧ - باب قول الرَّجل للرَّجل: اخسَأْ ٦١٧٢- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا سَلْمُ بنُ زَرِيرٍ، سمعتُ أبا رَجاءٍ، سمعتُ ابنَ عبَّاسِ رضي الله عنهما: قال رسولُ الله ◌َ﴿ لابنِ صائدٍ: «قد خَبَأْتُ لكَ خَبِيئاً، فما هو؟)) قال: الُُّّ، قال: ((اخسأُ)). ٦١٧٣- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني سالمُ بنُ عبدِ الله، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ أخبَرَه: أنَّ عمرَ بنَ الخطَّبِ انطَلَقَ معَ رسولِ الله وَّهِفِي رَهْطٍ من أصحابِهِ قِبَلَ ابنِ صَّدٍ، حَتَّى وَجَدَه يَلْعَبُ معَ الغِلْمان في أَطُمِ بنِي مَغَالةَ، وقد قارَبَ ابنُ صَيّادِ يومَئذٍ الخُلُمَ، فلم يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رسولُ الله ◌ِِّ ظهره بيدِه، ثمَّ قال: ((أَتَشهَدُ أنّ رسولُ الله؟)) فتَظَرَ إليه، فقال: (١) تحرفت في (س) إلى: عن. ٥٨٨ باب ٩٧ / ح ٦١٧٤ -٦١٧٥ فتح الباري بشرح البخاري أشهَدُ أنَّكَ رسولُ الأُمِّّينَ، ثمّ قال ابنُ صَيّادٍ: أتشهَدُ أنّ رسولُ الله؟ فَرَضَّه النبيُّ ◌َ، ثمَّ قال: ((آمَنْتُ بالله ورُسُلِه))، ثمَّ قال لابنِ صَيّادٍ: ((ماذا تَرَى؟)) قال: يأتيني صادِقٌ و کاذِبٌ، قال رسولُ الله ◌ََّ: ((خُلِّطَ عليكَ الأمرُ))، قال رسولُ الله ◌َيَ: ((إنّ خَبَأْتُ لكَ خَبِيئاً)) قال: هو الدُّخّ، قال: ((اخسَأْ، فَلَن تَعْدُوَ قَدْرَكَ)) قال عمرُ: يا رسولَ الله، أتأذَنُ لي فيه أضرِبْ عُنُقَه؟ قال رسولُ الله ◌َّ: ((إنْ يكن هو، لا تُسَلَّطُ عليه، وإنْ لم يكن هو، فلا خيرَ لكَ في قَتْلِه)). ٦١٧٤ - قال سالمٌ: فسمعتُ عبدَ الله بنَ عمرَ يقول: انطَلَقَ بعدَ ذلك رسولُ اللهِوَلّهِ وَ أُبُّ ابنُ كَعْبِ الأنصاريُّ يَؤُمّانِ النَّخْلَ التي فيها ابنُ صَيّادٍ، حَتَّى إذا دَخَلَ رسولُ الله ◌ِِّ طَفِقَ رسولُ الله ◌ِّ يَتَّقَي بجُذُوعِ النَّخْلِ، وهو يَخْتِلُ أن يَسْمَعَ مِن ابنِ صَيّادٍ شيئاً قبلَ أن يراه، وابنُ صَيّادٍ مُضْطَجِعٌ على فِراشه في قَطِيفةٍ له فيها رَمْرَمٌ - أو زَمْزَمَةٌ - فَرَأَت أمُّ ابنٍ صَيّادٍ النبيَّ ◌َه وهو يَتَّقي بجُذوعِ النَّخْلِ، فقالت لابنِ صَيّادٍ: أَيْ صافٍ - وهو اسمُه - هذا محمَّدٌ، فتَنَاهَى ابنُ صَيّادٍ، قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((لو تَرَكَتُهُ بَيَّنَ)). ٦١٧٥ - قال سالمٌ: قال عبدُ الله: قامَ رسولُ اللهِوَلَه في الناسِ، فَأَثْنَى على الله بما هو أهلُه، ثَّ ذكرَ الدَّجّالَ فقال: «إنّي أُنذِرُ كُمُوه، وما مِن نبيِّ إِلَّ وقد أنذَرَ قومَه، لقد أنذَرَ نوحٌ قومَه، ولكنِّي سأقولُ لكم فيه قولاً لم يَقُلْه نبيٌّ لقومِه: تعلمونَ أنَّه أعوَرُ، وأنَّ اللهَ ليس بأعوَرَ)). قال أبو عبد الله: خَسَأْتُ الكلبَ: بعَّدْتُه، ﴿خَسِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]: مبْعَدِين. قوله: ((باب قول الرجل للرجلِ: اخسَأْ)) سيأتي بيانه في آخر الباب، قال ابن بَطّال: اخسَأْ: زَجْرٌ للكلبِ وإبعاد له، هذا أصل هذه الكلمة، واستعملَتها العرب في كلّ مَن قال أو فعل ما لا ينبغي له ممّا يُسخِطُ الله. ٥٦١/١٠ ذكر فيه حديث ابن عبّاس قال: ((قال رسول الله بِ له لابنِ صَيّاد: قد خَبَأْتُ لك خَبْئاً، قال: فما هو؟ قال: الدُّخّ، قال: اخسَأ))، وأخرجه من رواية عبد الله بن عمر قال: ((انطَلَقَ عمرُ مع رسول اللّه ◌َ ﴿ فِي رَهْط من أصحابه قِبَلَ ابن صَيّاد)» فذكر الحديث مُطوَّلاً، وفيه: ((اخسَأْ فَلَن تَعدُوَ قَدرَك))، وقد سَبَقَ مُطوَّلاً في أواخر كتاب الجنائز (١٣٥٤). ٥٨٩ باب ٩٨ / ح ٦١٧٦ كتاب الأدب وقوله في هذه الرِّواية: ((فَرَضَّه النبيُّ نَلِ)) قال الخطَّبيُّ: وَقَعَ هنا بالضّادِ المعجَمة وهو غلط، والصَّواب بالصّاد المهمَلة، أي: قَبَضَ عليه بثوبِهِ يَضُمّ بعضَه إلى بعض، وقال ابن بَطّال: مَن رواه بالمعجَمة فمعناه: دَفَعَه حتَّى وَقَعَ فَتَكَسَّرَ، يقال: رُضَّ الشَّيءُ فهو رَضِيض ومَرضُوض: إذا انگَسَرَ. قوله: ((قال أبو عبد الله: خَسَأْتُ الكَلْبَ: بَعَّدْتُه، ﴿خَسِمِينَ﴾: مُبْعَدِينَ)) ثَبَتَ هذا في رواية المُستَمْلي وحده، وهو قول أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَسِمِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] أي: قاصِينَ مُبعَدينَ، يقال: خَسَأْته/ عنِّي، وخَسَأَ هو، يعني: يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى. ٥٦٢/١٠ وقال في قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِنًا﴾ [الملك: ٤] أي: مُبعَداً. وقال الرَّاغِب: خَسَأَ البَصَرُ: انقَبَضَ عن مَهانةٍ، وخَسَأْتُ الكلبَ فخَسَا، أي: زَجَرتُهُ مُستَهيناً به فانزَجَرَ. وقال ابن التِّين في قوله في حديث الباب «اخسَا»: معناه: اسكُتْ صاغِراً مطروداً. وثَبَتَتِ الهمزة في آخر ((اخسَأ)) في رواية، وحُذِفَت في أُخرى بلفظ: ((اخسَ)) وهو تخفيف. ٩٨ - باب قول الرَّجل: مرحباً وقالت عائشةُ: قال النبيُّوَّ لفاطمةَ عليها السَّلام: ((مَرْحباً بابنَتِي)). وقالت أمّ هانئٍ: جِئْتُ إلى النبيِّ وََّ، فقال: ((مَرْحباً بأُمِّ هاني)). ٦١٧٦ - حدَّثْنا عِمْرانُ بنُ مَيسَرَةَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أبو التيَّاحِ، عن أبي جَمْرةَ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لمَّا قَدِمَ وَفْدُ عبدِ الفَيسِ على النبيِّ نَِّ قال: ((مَرْحباً بالوَفْدِ الَّذِينَ جاؤوا غيرَ خَزَايا ولا نَدَامَى)) فقالوا: يا رسولَ الله، إنّا حَيٍّ من رَبِيعةَ، وبينَنَا وبِينَكَ مُضَرُ، وإنّا لا نَصِلُ إليكَ إلا في الشَّهْرِ الحرامِ، فَمُرْنا بأمرٍ فَصْلٍ نَدْخُلُ به الجنَّةَ، ونَذْهُو به مَن وَراءَنا، فقال: ((أربعٌ وأربعٌ: أقيموا الصلاةَ، وآتُوا الزكاةَ، وصومُ رمضانَ، وأَعطُوا خُمُسَ ما غَنِمْتُم، ولا تَشْرَبوا في الدُّبَاءِ والحَنْتَمِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ)). قوله: ((باب قول الرجل: مَرْحباً)) كذا للأكثر، وفي رواية المُسْتَمْلي: ((باب قول النبيّ ◌ِلّه مَرَحَباً)). قال الأصمَعيّ: معنى قوله: ((مَرحَباً)): لَقِيتَ رُحباً وسَعَة. وقال الفَرّاء: نُصِبَ على ٥٩٠ باب ٩٨ / ح ٦١٧٦ فتح الباري بشرح البخاري المصدر، وفيه معنى الدُّعاء بالرُّحبِ والسَّعة، وقيل: هو مفعول به، أي: لَقِيتَ سَعَة لا ضيقاً. قوله: ((وقالت عائشة: قال النبيّ وَ﴿ لفاطمة: مَرْحباً بابتَتَي)) هذا طَرَف من حديث تقدَّم موصولاً في علامات النُّبوّة (٣٦٢٣) من رواية مسروق عن عائشة قالت: أقبَلَت فاطمة تمشي .. الحديث، وفيه القَدرُ المعلَّق، وقد تقدَّم شرحه هناك. قوله: ((وقالت أمّ هانئ: جِئْت النبيَّ ◌َِّ، فقال: مَرْحباً بأُمِّ هانى)) هذا طَرَف من حديث تقدَّم موصولاً في مواضع: منها في أوائل الصلاة (٣٥٧) من رواية أبي مُرّة مولى عَقِيل عن أمّ هانئ، وفيه اغتسال النبيّ وَّ وغيرُ ذلك. ثم ذكر حديث ابن عبّاس في وفد عبدٍ قيسٍ، وفيه قوله وَّ: ((مَرحَباً بالوفدِ))، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الإيمان (٥٣) وفي كتاب الأشربة(١) مُستَوفَى، وأخرجه هنا من طريق أبي التّيَّاح - بالمثنّاة الفَوْقانيَّة المفتوحة وتشديد التَّحتانيَّة وآخره مُهمَلة، واسمه يزيد بن حُميدٍ - عن أبي جَمْرة، بالجيم والرَّاء. ووَقَعَ في سياق متنه ألفاظ ليست في رواية غيره، منها قوله: ((مَرحَباً بالوفدِ الذينَ جاؤوا))، ومنها قوله: ((أربع وأربع، أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأعطوا ◌ُسَ ما غَنِمتُم، ولا تشربوا)) الحديث، والمعنى: آمُركم بأربعٍ وأنهاكم عن أربع كما في رواية غيره. ومنها: جَعلُه إعطاءَ الخُمُس من جُملة الأربع، وفي سائر الرِّوايات هي زائدة على الأربع. وقد أخرج ابن أبي عاصم في هذا الباب حديث بُرَيدة: أنَّ عليّاً لمَّا خَطَبَ فاطمة قال له النبيّ ◌َّ: ((مَرحَباً وأهلاً))، وهو عند النَّسائيِّ (ك١٠٠١٦)، وصَخَّحَه الحاكم(٢)، وأخرج فيه أيضاً من حديث عليّ: استأذَنَ عَّار بن ياسر على النبيّ وَّ، فقال: ((مَرَحَباً بالطيِّبِ المطيّب))، وهو عند التِّرمِذيّ (٣٧٩٨) وابن ماجَهْ (١٤٦) والمصنّف في ((الأدب المفرَد)) (١٠٣١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٧٠٧٥) والحاكم (٣٨٨/٣)، وأخرج ابن أبي عاصم وابن السُّنِّيّ فيه أحاديث أُخرى غير هذه. (١) في شرحه على الأحاديث (٥٥٩٢- ٥٥٩٦) الواردة في باب (٨): ترخيص النبي ◌َّ في الأوعية والظروف بعد النھي. (٢) لم نقف عليه في ((مستدركه)) ولم يعزُه له الحافظ نفسه في («إتحاف المهرة)). ٥٩١ باب ٩٩ / ح ٦١٧٧-٦١٧٨ كتاب الأدب ٩٩ - بابٌ يُدعَی الناسُ بآبائهم ٦١٧٧ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ ◌َّ قال: ((الغادِرُ يُرْفَعُ له لِواءٌ يومَ القيامةِ، يقال: هذه غَدْرةُ فُلانِ بنِ فلانٍ». ٦١٧٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكٍ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((إنَّ الغادِرَ يُنْصَبُ له لِواءٌ يومَ القيامةِ، فيقال: هذه غَدْرةُ فلانِ بنِ فلانٍ». قوله: ((بابٌ يُدْعَى الناسُ بآبائهم)) كذا للأكثر، وذَكَرِه ابن بَطّال بلفظ: «هل يُدعَى ٥٦٣/١٠ الناس))، زاد في أوَّله ((هل))، وقد وَرَدَ في ذلك حديثٌ لأُمِّ الدَّرداء سأُنبّه عليه في ((باب تحویل الاسم))(١)، واستَغنى المصنِّف عنه لمَّا لم يكن على شرطه بحديثِ الباب: وهو حديث ابن عمر في الغادِرِ يُرفَع له لواء، لقولِه فيه: ((غَدرة فلان بن فلان))، فتَضَمَّنَ الحديث أنَّه يُسَب إلى أبيه في الموقِف الأعظم. ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ في الرِّواية الأولى: ((يُنصَب)) بدلَ ((يُرِفَع))، قال الكِرْمانيُّ: الرَّفع والنَّصب هنا بمعنَى واحد، يعني لأنَّ الغرض إظهارُ ذلك. وقال ابن بَطّال: في هذا الحديث رَدُّ لقولٍ مَن زَعَمَ أنَّهم لا يُدعَونَ يوم القيامة إلّا بأُمَّهاتهم ستراً على آبائهم. قلت: هو حديث أخرجه الطبراني (١١٢٤٢) من حديث ابن عبَّاس (٢) وسنده ضعيف جدّاً، وأخرج ابن عَديّ (٣٤٣/١) من حديث أنس مِثلَه وقال: مُنكَر، أورَدَه في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الطَّبَرَيِّ. قال ابن بَطّال: والدُّعاء بالآباءِ أشدّ في التَّعريف، وأبلَغُ في التَّمييز، وفي الحديث جواز الحُكم بظواهر الأمور. قلت: وهذا يقتضي حَمَ الآباء على مَن كان يُنسَب إليه في الدُّنيا، لا على ما هو في نفس الأمر، وهو المعتمد، ويُنظَر کلامه من شرحه. (١) باب رقم (١٠٨). (٢) مرفوعاً بلفظ: ((إنَّ الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده)) هكذا هو عند بعض مَن خرّجه من الطبراني بلفظ: ((أمهاتهم)) وهو ظاهر صنيع الحافظ ابن حجر، لكن وقع في المطبوع من (معجمه الكبير)) وعند البعض الآخر ممن خرَّجه منه بلفظ: ((بأسمائهم))، مما يشير إلى أنه وقع في نسخة خلاف في هذا الحرف، والله تعالى أعلم. ٥٩٢ باب ١٠٠ / ح ٦١٧٩ - ٦١٨٠ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن أبي جَمْرة: والغَدْر على عُمومه في الجليل والحقير. وفيه أنَّ لصاحبٍ كلّ ذنب من الذُّنوب التي يريد الله إظهارَها علامةً يُعرَف بها صاحبها، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ اُلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١]، قال: وظاهر الحديث أنَّ لكلِّ غَدرةٍ لواء، فعلى هذا يكون للشَّخصِ الواحد عِدّة ألوية بعَدَدِ غَدَراته، قال: والحكمة في نصب اللِّواء: أنَّ العقوبة تقع غالباً بضِدِّ الذَّنب، فلمَّا كان الغَدرُ من الأُمور الخفيَّة، ناسَبَ أن تكون عقوبَتُهُ بالشُّهرة، ونصبُ اللِّواء أشهرُ الأشياء عند العرب. ١٠٠ - بابٌ لا يقل: خَبُثَتْ نفسي ٦١٧٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدّثنا سفيانُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، عن النبيِّ وََّ قال: ((لا يقولَنَّ أحدُكم: خَبُثَت نفسي، ولكنْ ليَقُلْ: لَقِسَت نفسي)». ٦١٨٠ - حدَّثْنَا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن يونُسَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي أمامةَ بنِ سَهْلٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َّه قال: ((لا يقولَنَّ أحدُكم: خَبُنَت نفسي، ولكنْ لِيَقُل: لَقِسَت نفسي)). تابَعَه ◌ُقَيَلٌ. قوله: ((بابٌ لا يَقُل: خَبُّئَت نفسي)) بفتح الخاء المعجَمة وضمِّ الموحّدة بعدها مُثلَّثة ثمَّ مُثنّة، ويقال: بفتح الموحّدة، والضَّمُّ أصوب، قال الرَّاغِب: الحُبث: يُطلَق على الباطل في ٥٦٤/١٠ الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفِعَال./ قلت: وعلى الحرام والصِّفات المذمومة القوليَّة والفِعليَّة. أَوردَ حديثَ عائشة بلفظ: ((لا يقولنَّ أحدكم: خَبُشَت نفسي، ولكن ليَقُل: لَقِسَتْ نفسي)»، وحديثَ سهل بن حُنَيف مثلَه سواءً. قال الخطَّبيُّ تَبَعاً لأبي عُبيد: لَقِسَت وخَبُثَت بمعنّى واحد. وإِنَّمَا كَرِهَ وَِّ من ذلك اسمَ الخُبث، فاختارَ اللَّفظة السالمة من ذلك، وكان من سُنَّته تبديلُ الاسم القبيح بالحسن. وقال غيره: معنى لَقِسَت: غَثَتْ، بغَينِ مُعجَمة ثمَّ مُثَلَّثة، وهو يَرجِع أيضاً إلى معنى خَبُثَت، وقيل: معناه: ساءَ خُلُقها، وقيل: مالَت به إلى الدَّعَة. ٥٩٣ باب ١٠٠ / ح ٦١٨٠ كتاب الأدب وقال ابن بَطّال: هو على معنى الأدب وليس على سبيل الإيجاب، وقد تقدَّم في الصلاة (١١٤٢) في الذي يَعقِد الشَّيطانُ على قافية رأسه فيُصبِحِ خبيث النَّس، ونَطَقَ القرآن بهذه اللَّفظة فقال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]. قلت: لكن لم يَرِدْ ذلك إلّا في مَعرِض الذَّمّ، فلا يُنافي ذلك ما دلَّ عليه حديث الباب من كراهة وصف الإنسان نفسَه بذلك. وقد سَبَقَ لهذا عِيَاض فقال: الفَرْق أنَّ النبيَّ ◌َّ أخبر عن صِفَة شخصٍ مذموم الحال، فلم يَمْتَنِعِ إطلاقُ ذلك اللَّفظ عليه. وقال ابن أبي جَمْرة: النَّهي عن ذلك للنَّدب، والأمر بقولِه: (لَقِسَت)) للنَّبِ أيضاً، فإن عَبَّرَ بما يُؤَدّي معناه كَفَى، ولكن تَرَكَ الأَوْلى. قال: ويُؤخَذ من الحديث استحباب مُجانَبة الألفاظ القبيحة والأسماء، والعُدول إلى ما لا قُبحَ فيه، والخُبث واللَّقَس وإن كان المعنى المراد يَتأدَّى بكلٍّ منهما، لكن لفظ الخُبث قبيح، ويجمع أُموراً زائدة على المراد، بخِلَاف اللَّفس، فإنَّه يَخْتَصّ بامتلاءِ المِعِدة. قال: وفيه أنَّ المرء يَطلُب الخير حتَّى بالفَأْلِ الحسن، ويُضيف الخير إلى نفسه ولو بنسبةٍ ما، ويَدْفَع الشّ عن نفسه مهما أمكنَ، ويَقطَع الوُصْلة بينه وبين أهل الشّ حتَّى في الألفاظ المشتَرَكة. قال: ويَلتَحِقِ بهذا أنَّ الضَّعيف إذا سُئلَ عن حاله لا يقول: لست بطيِّبٍ، بل يقول: ضعيف، ولا يُحْرِج نفسه من الطيِّين فيُلحِقها بالخبيثين. تنبيه: أخرج أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) حديث سهل من طريق شَبِيب بن سعيد عن يونس بن يزيد عن الزّهْريّ، ثمَّ قال: أخرجه البخاريّ عن عَبْدان عن ابن المبارك عن موسى، وقال: هو موسى بن عُقْبة، والصَّحيح يونس. قلت: لم أقِفْ عليه في الأصول المعتمَدة من رواية أبي ذرٍّ إلّا عن يونس، وكذا في رواية النَّسَفيّ. قوله: ((تابَعَه عُقَيل)) يعني: عن الزُّهْريّ بسندِه المذكور والمتن، وهذه المتابعة وَصَلَها الطبرانيُّ (٥٥٧٠) من طريق نافع بن يزيد عن عُقَيل، وسَقَطَت من رواية أبي ذرٍّ، وثَبَتَت للنَّسَفيّ والباقينَ. ٥٩٤ باب ١٠١ / ح ٦١٨١- ٦١٨٢ فتح الباري بشرح البخاري ١٠١ - بابٌ لا تسبُّوا الدّهر ٦١٨١- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني أبو سَلَمَةَ، قال: قال أبو هريرةَ ﴾: قال رسولُ الله وَّهِ: ((قال الله: يَسُبُّ بنو آدمَ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْرُ بَيَدِي اللَّيلُ والنَّهارُ)». ٦١٨٢- حدَّثنا عيَّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، حدَّثْنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((لا تُسمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، ولا تقولوا: خَيْبةَ الذَّهْرِ، فإنَّ اللهَ هو الذَّهْرُ)). [طرفه في: ٦١٨٣] قوله: ((بابٌ لا تَسُبّوا الَّهْر)) هذا اللَّفظ أخرجه مسلم (٥/٢٢٤٦) من حديث هشام ٥٦٥/١٠ ابن حسَّان عن محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة/ فذكره، وبعده: ((فإنَّ الله هو الدَّهر)». قوله: ((اللَّيث، عن يونس، عن ابن شهاب)) قال أبو عليّ الجيَّانيّ: هكذا للجمیع إلّا لأبي عليّ بن السَّكَن، فقال فيه: ((اللَّيث عن عُقَيل عن ابن شِهاب))، وهكذا وَقَعَ في ((الزُّهْرِيّات)) للذُّهْلِيّ من روايته عن أبي صالح عن اللَّيث، ولكن لفظه: ((لا يَسُبّ ابنُ آدم الدَّهرَ))، قال أبو عليّ الجيَّانيّ: الحديث محفوظ ليونس عن ابن شهاب، أخرجه مسلم (١/٢٢٤٦) من طريق ابن وهب عنه. قلت: الحديث عند اللَّيث عن شيخَين، وقد أخرجه يعقوب بن سفيان وأبو نُعَيم من طريقه قال: حدَّثنا أبو صالح وابن بُكَير قالا: حدَّثنا اللَّيث حدَّثني یونس به. قوله: ((قال الله: يَسُبّ بنو آدم الذَّهْرَ، وأنا الدَّهْر بيَدِي اللَّیلُ والنّهار)» هذه روایة یونس ابن يزيد عن الزُّهْريّ، ورواية مَعمَر بعدها بلفظ: ((ولا تقولوا: يا خَيْبة الدَّهر، فإنَّ الله هو الدَّهر))، وأوَّله: ((لا تُسمّوا العِنَبَ الكَرْم))، ويأتي شرحه في الباب الذي بعده. وقد اختُلِفَ على مَعمَر في شيخ الزُّهْريّ: فقال عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن مَعمَر: عنه عن أبي سَلَمة، وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر: عن الزُّهْريّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، ٥٩٥ باب ١٠١ / ح ٦١٨٢ كتاب الأدب ولفظه: ((قال الله: يُؤذيني ابنُ آدم، يقول: يا خَيْبة الدَّهر)) الحديث، أخرجه مسلم (٣/٢٢٤٦)، وهكذا قال سفيان بن عُيَينةَ عن الزُّهْريّ عن سعيد، أخرجه أحمد (٧٢٤٥) عنه، ولفظه: (يُؤذيني ابنُ آدم، يَسُبّ الدَّهرَ وأنا الذَّهر، بيدي الأمر، أُقُلِّب اللَّيل والنَّهار)) وقد مضى في التَّفسير (٤٨٢٦) من هذا الوجه، وسيأتي في التَّوحيد (٧٤٩١)، وهكذا أخرجه مسلم (٢/٢٢٤٦) وغيره من رواية سفيان بن عُيَينةَ. قال ابن عبد البَرِّ: الحديثان للزّهريِّ عن أبي سَلَمة وعن سعيد بن المسيّب جميعاً صحيحان. قلت: قال النَّسائيُّ: كلاهما محفوظ، لكن حديث أبي سَلَمة أشهرهما. قلت: ولعبد الرَّزّاق فيه عن مَعمَر إسناد آخر أخرجه مسلم (٢٢٤٧/ ٦) أيضاً من طريقه، فقال: عن أيوب عن محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة، بلفظ: ((لا يَسُبّ أحدُكم الدَّهر، فإنَّ اللهَ هو الدَّهر، ولا يقولن أحدكم للعِنَبِ: الكَرْم)) الحديث، وأخرجه أحمد (٨٢٣٢) من رواية همَّام عن أبي هريرة بلفظ: ((لا يَقُل ابن آدم: يا خَيْبة الدَّهر، إنّ أنا الدَّهر، أُرسِل اللَّيل والنَّهار، فإذا شِئتُ قَبَضتُهما))، وأخرجه مالك في ((الموطَّأ)) (٢/ ٩٨٤) عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: ((لا يقولنَّ أحدُكُم))، والباقي مِثل رواية عبد الأعلى عن مَعمَر، لكن وَقَعَ في رواية يحيى بن يحيى اللَّيْئِيِّ عن مالك في آخره: ((فإنَّ الدَّهر هو الله))، قال ابن عبد البَرِّ(١): خالَفَ جميعَ الرُّواة عن مالك، وجميع رواة الحديث مُطلَقاً، فإنَّ الجميع قالوا: ((فإنَّ الله هو الدَّهر))، وأخرجه أحمد (١٠٤٣٨) من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: ((لا تَسُبّوا الدَّهر فإنَّ الله قال: أنا الدَّهر، الأيام واللَّيالي لي أُجَدِّدها وأُبلِيها، وآتي بملوكٍ بعد ملوك)» وسنده صحيح. قوله: ((ولا تقولوا: خَيبةَ الدَّهْر)) كذا للأكثر، وللنَّسَفيّ: ((يا خيبةَ الدَّهر)»، وفي غير البخاريّ: ((واخَيبةَ الدَّهر))(٢). (١) في ((التمهيد)) ١٥٢/١٨، لكن الذي وقع في رواية يحيى الليثي فيما بين أيدينا من نسخه الخطية: «فإِنَّ الله هو الدهر)) موافقاً لما عند غيره من رواة ((الموطأ)»! (٢) انظر ((مسند أحمد)) (٨٢٣٢)، و((صحيح ابن حبان)) (٥٧١٣). ٥٩٦ باب ١٠١ / ح ٦١٨٢ فتح الباري بشرح البخاري الخَيْة - بفتح الخاء المعجَمة وإسكان التَّحتانيَّة بعدها موحّدة -: الحِرمان، وهي بالنَّصبِ على النُّدْبة، كأنَّه فَقَدَ الدَّهرَ لما يَصدُر عنه ثمَّا يَكرَهه، فنَدَبَه مُتَفَجِّعاً عليه أو مُتَوجِّعاً منه. وقال الدّاووديُّ: هو دعاء على الذَّهر بالخيبة، وهو كقولهم: قَحَطَ اللهُ نَوْءَها، يدعونَ على الأرض بالقَحْط، وهي كلمة هذا أصلها ثمَّ صارت تُقال لكلِّ مذموم. ووَقَعَ في رواية العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم (١) بلفظ: ((وادَهْرَهْ، وادَهْرَهْ))، ومعنى النَّهي عن سَبِّ الدَّهر: أنَّ مَن اعتَقَدَ أنَّه الفاعل للمكروه فسَبَّه أخطأً، فإنَّ الله هو الفاعل، فإذا سببتُم مَن أنزَلَ ذلك بكم رَجَعَ السَّبُّ إلى الله، وقد تقدَّم شرح الحديث في تفسير سورة الجاثية (٤٨٢٦). ومُحصَّل ما قيل في تأويله ثلاثة أو جُه: أحدها: أنَّ المراد بقوله: ((أنَّ الله هو الذَّهر)) أي: المدبِّر للأُمورِ. ثانيها: أنَّه على حذف مُضاف، أي: صاحب الدَّهر. ثالثها: التَّقدير: مُقَلِّب الذَّهر، ولذلك عَقَّبَه بقولِه: ((بَيَدِي اللَّيْلِ والنَّهار))، ووَقَعَ في ٥٦٦/١٠ رواية زيد بن أسلَمَ عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ((بيَدي اللَّيل/ والنَّهار أُجَدِّده وأُبِلِيه، وأذهَب بالملوكِ)) أخرجه أحمد (١٠٤٣٨)(٢). وقال المحَقِّقونَ: مَن نَسَبَ شيئاً من الأفعال إلى الدَّهر حقيقةً كفرَ، ومَن جَرَى هذا اللَّفظ على لسانه غير مُعتَقِد لذلك فليس بكافٍ، لكنَّه يُكرَه له ذلك لشَبِهِه بأهلِ الكُفر في الإطلاق، وهو نحو التَّفصيل الماضي في قولهم: مُطِرْنا بكذا (١٠٣٨). وقال عِيَاض: زَعَمَ بعض مَن لا تحقيق له أنَّ الدَّهر من أسماء الله، وهو غَلَطٌ، فإنَّ الدَّهر مُدّة زمان الدُّنيا، وعَرَّفَه بعضهم: بأنَّه أمَدُ مفعولات الله في الدُّنيا أو فِعلُه لما قبل الموت، وقد تَسَّكَ الجَهَلة من الدَّهْرِيَّة والمعَطِّلة بظاهرِ هذا الحديث، واحتَجّوا به على مَن لا رُسوخَ له في (١) لم يخرجه مسلم، وهو عند أحمد في ((مسنده)) (٧٩٨٨)، ولفظه فيه: ((وادهراه)). (٢) لفظه عنده: ((الأيام والليالي لي، أجدِّدها وأُبليها، وآتي بملوك بعد ملوك)). ٥٩٧ : باب ١٠٢ كتاب الأدب العلم، لأنَّ الدَّهر عندهم حَرَكات الفَلَك وأمَدُ العالم ولا شيء عندهم ولا صانعَ سواه، وكَفَی في الردّ عليهم قوله في بَقَيَّة الحديث: ((أنا الدَّهر، أُقَلِّب ليلَه وتَهارَه)) فكيف يُقَلِّب الشَّيءُ نفسَه؟! تعالى الله عن قولهم عُلوّاً كبيراً. وقال الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة: لا يخفى أنَّ مَن سَبَّ الصَّنعة فقد سَبَّ صانعها، فمَن سَبَّ نفس اللَّيل والنَّهار أقدَمَ على أمر عظيم بغیر معنًى، ومَن سَبَّ ما يجري فيهما من الحوادث، وذلك هو أغلَبُ ما يقع من الناس، وهو الذي يُعطيه سياق الحديث حيثُ نَفَى عنهما التَّأثير، فكأنَّه قال: لا ذنبَ لهما في ذلك، وأمَّا الحوادث فمنها ما يجري بوساطة العاقل المكلَّف، فهذا يُضاف شرعاً ولغةً إلى الذي أُجريَ على يَدَيه، ويُضاف إلى الله تعالى لكَونِه بتقديره، فأفعال العباد من أكسابهم، ولهذا تَرَتَّبَت عليها الأحكام، وهي في الابتداء خلقُ الله، ومنها ما يجري بغير وساطة فهو منسوب إلى قُدْرة القادر، وليس للَّيلِ والنَّهار فِعلٌ ولا تأثير لا لغةً ولا عقلاً ولا شرعاً، وهو المعنيّ في هذا الحديث، ويَلتَحِق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل. ثمَّ أشارَ بأنَّ النَّهي عن سَبِّ الدَّهر تنبيه بالأعلى على الأدنَى، وأنَّ فيه إشارة إلى تركِ سَبِّ كلّ شيءٍ مُطلَقاً إلّا ما أَذِنَ الشَّرعُ فيه، لأنَّ العِلّة واحدة، والله أعلم، انتهى مُلخَّصاً. واستنِطَ منه أيضاً: مَنعُ الحِيلة في البيوع كالعِينة، لأنَّه نَهَى عن سَبِّ الدَّهر لما يؤول إليه من حيثُ المعنى، وجعله سَبّاً لخالقِه. ١٠٢ - باب قول النبيّ وَّ: ((إنّما الكَرْمُ قلبُ المؤمن)» وقد قال: ((إنَّما المفلِسُ الذي يُفْلِسُ يومَ القيامةِ)). كقوله: ((إنَّا الصُّرَعةُ الذي يَمْلِكُ نفسَه عندَ الغضبِ». كقوله: ((لا مَلِكَ إلّا اللهُهُ فَوَصَفَه بانتهاءِ المُلْكِ، ثمَّ ذكر الملوكَ أيضاً فقال: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل:٣٤]. ٥٩٨ باب ١٠٢ / ح ٦١٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ٦١٨٣- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ﴾، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((ويقولون: الكَرْمُ، إِنَّا الكَرْمُ قَلْبُ المؤمنِ)). قوله: ((باب قول النبيّ وَّهِ: إِنَّا الكَرْمُ قَلْبُ المؤمن، وقد قال: إنَّما المفلِس الذي يُفْلِس يومَ القيامة، كقوله: إنَّما الصُّرَعة الذي يَمْلِك نفسَه عندَ الغضب، كقوله: لا مَلِكَ إلّا الله، فوَصَفَه بانتهاءِ الملك، ثمَّ ذكر الملوك أيضاً فقال: ﴿إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾) غَرَضُ البخاريّ: أنَّ الحَصر ليس على ظاهره، وإنَّما المعنى: أنَّ الأحقّ باسم الكَرْم قلبُ المؤمن، ولم يُرِدْ أنَّ غيره لا يُسَمَّى كَرماً، كما أنَّ المراد بقوله: ((إنَّما المفلِس)) مَن ذُكِرَ، ولم يُرِدِ أنَّ مَن يُفلِس في الدُّنيا لا يُسَمَّى مُفلِساً، وبقولِه: ((إنَّما الصُّرَعة)) كذلك، وكذا قوله: ((لا مَلِكَ إلّا الله) لم يُرِد أنَّه لا يجوز أن يُسَمَّى غيرُه مَلِكاً، وإنَّما أراد الملِكَ الحقيقيَّ وإن سُمّيَ غيره مَلِكاً، واستَشهَدَ ٥٦٧/١٠ لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ﴾، / وفي القرآن من ذلك عِدّة أمثلة كقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ﴾ [يوسف: ٤٣] في صاحب یوسف وغیره. وأشارَ ابن بَطّال إلى أنَّه يُؤخَذ من ذلك تركُ المبالَغة والإغراق في الوصف إذا كان الموصوف لا يَستَحِقّ ذلك، وحديث: ((إنَّما المفلِس)) يأتي الكلام عليه في الرِّقاق(١)، وحديث: ((إنَّمَا الصُّرَعة)) تقدَّم قريباً (٦١١٤)، وحديث: ((لا مَلِك إلّا الله)) يأتي الكلام عليه في ((باب أبغَض الأسماء إلى الله)(٢). ووَقَعَ لبعضِ الرُّواة هنا بلفظ: ((لا مُلكَ إلّا لله)) بضمِّ الميم وسكون اللّام وحذف الألف بعد قوله: ((إلّا))، والأوَّل هو اللّائق للسِّياق. قوله: ((ويقولون: الكَرْم، إنَّما الكَرْمُ قَلْبُ المؤمن)) هكذا وَقَعَ في هذه الرّواية من طريق سفيان بن عُيَينةَ قال: حدَّثنا الزُّهْريّ عن سعيد، ووَقَعَ في الباب الذي قبله من رواية مَعمَر عن الزُّهْريّ عن أبي سَلَمة بلفظ: ((لا تُسمّوا العِنبَ الكرمَ))، وهي رواية ابن سِيرِين عن أبي هريرة عند مسلم (٨/٢٢٤٧)، وعنده من طريق همَّام عن أبي هريرة: ((لا يَقُل أحدكم للعِنَبِ: الكَرْمِ، إِنَّما الكَرمُ الرجل المسلم))، وله (٢٢٤٨) من حديث وائل بن حُجْرِ: ((لا تقولوا: (١) انظر شرح الحديث (٦٤٤٥)، وقد وصله مسلم في ((صحيحه)) (٢٥٨١). (٢) باب رقم (١١٤). ٥٩٩ باب ١٠٢ / ح ٦١٨٣ كتاب الأدب الكَرْم، ولكن قولوا: العِنَب والحَبْلة)) والواو في قوله في الباب: ((ويقولون)) عاطفةٌ على شيء حُذِفَ هنا، وكأنَّه الحديث الذي قبله. وقد أخرجه ابن أبي عمر في ((مُسنَده)) عن سفيان - ومن طريقه الإسماعيليّ - فقال في أوَّله: ((يقولون)) بغير واو، وأخرجه الْحُميديُّ في «مُسنَدَه)) (١٠٩٩) - ومن طريقه أبو نُعَيم - وذكره بالواو كما ذكره البخاريُّ عن عليّ بن عبد الله، وكذا أخرجه أحمد في «مُسنَده)) (٧٢٥٧) عن سفيان، ولكن قال فيه: عن أبي هريرة رَفَعَه، وقال مرَّة: يَبلُغ به، وقال مرَّة: قال رسول الله وَّل. وأخرجه مسلم (٧/٢٢٤٧) عن ابن أبي عمر وعَمْرو الناقد قالا: حدَّثنا سفيان، بهذا السَّنَد قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تقولوا: كَرْم، فإنَّ الكَرْم قلبُ المؤمن». وقوله: ((ويقولون: الكَرْم)) هو مُبْتَدَأ وخبره محذوف، أي: يقولون: الكرمُ شجرُ العِنَب. وقد أخرج الطبرانيُّ (٧٠٨٧) والبزَّار (٤٦٤٨) من حديث سَمُرة رَفَعَه: ((إنَّ اسم الرجل المؤمن في الكُتُب الكَرْم، من أجل ما كرَّمه الله على الخَليقة، وإنَّكم تَدْعونَ الحائط من العِنَب الكَرْمَ)) الحديث(١). قال الخطَّبيُّ ما مُلخَّصه: إنَّ المراد بالنَّهي تأكيدُ تحريم الخمر بمَحْوِ اسمها، ولأنَّ في تبقية هذا الاسم لها تقريراً لما كانوا يَتَوهَّمونَه من تَكَرُّم شاربها، فنَهَى عن تسميتها كَرْماً، وقال: ((إنَّما الكَرمُ قلب المؤمن)) لما فيه من نور الإيمان وهُدَى الإسلام، وحكى ابن بَطّل عن ابن الأنباريّ: أنَّهم سَمَّوا العنبَ كَرماً لأنَّ الخمر المتَّخَذة منه تَحُثّ على السَّخاء، وتأمر بمكارم الأخلاق، حتَّى قال شاعرهم: والخمرُ مُشتَقّة المعنى منَ الكَرَمِ وقال آخر: شُقِقتُ من الصَّبَا واشتُقَّ مِنِّي كما اشتُقَّتْ منَ الكَرَمِ الكُرومُ (١) قال الهيثمي في ((المجمع)) ٥٥/٨: في إسناد الطبراني مجاهيل، وفي إسناد البزار يوسف بن خالد السَّمتي متروك. ٦٠٠ باب ١٠٢ / ح ٦١٨٣ فتح الباري بشرح البخاري فلذلك نَهَى عن تسمية العِنَب بالكَرْم، حتَّى لا يُسَمّوا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكَرَم، وجُعِلَ المؤمن الذي يَتَّقي شُربَها ويَرَى الكَرمَ في تركها أحقَّ بهذا الاسم. انتهى، وأمَّا قول الأزهَريّ: سُمّيَ العِنَب كَرماً لأَنَّه ذُلِّلَ لقاطفِه وليس فيه سُلّاءِ(١) يَعِرُ جانيه، ويَحمِل الأصل منه مِثْلَ ما تَحمِلِ النَّخلة فأكثر، وكلّ شيء كَثُرَ فقد كَرُمَ، فهو صحيح أيضاً من حيثُ الاشتِقاق، لكنَّ المعنى الأوَّل أنسب للَّهي. وقال النَّوويّ: النَّهي في هذا الحديث عن تسمية العِنَب كَرماً وعن تسمية شجرها أيضاً للكراهية. وحكى القُرطُبيّ عن المازَريّ: أنَّ السَّبَب في النَّهي أنَّه لمَّا حُرِّمَت عليهم الخمر وكانت طباعهم تَحَّهم على الكَرَم، كَرِهَ وَّلَ أن يُسَمَّى هذا المحرَّم باسم تَهيج طِباعُهم إليه عند ذِكْره فيكون ذلك كالمحرِّكِ لهم، وتَعقَّبَه بأنَّ مَحَلّ النَّهي إنَّما هو تسمية العِنَب كَرْماً، وليستِ العِنَبَة مُحُرَّمة، والخمر لا تُسمَّى عِنَبَة، بل العِنَب قد يُسَمَّى خمراً باسم ما يؤول إليه. قلت: والذي قاله المازَريّ موجَّه، لأنَّه يُحمَل على إرادة حَسْم المادّة بتركِ تسمية أصل الخمر بهذا الاسم الحسن، ولذلك وَرَدَ النَّهي تارةً عن العِنَب وتارةً عن شجرة العِنَب، ٥٦٨/١٠ فيكون التَّفير بطريق / الفَحْوى، لأنَّه إذا نَهَى عن تسمية ما هو حلال في الحال بالاسم الحسن لِما يَحَصُل منه بالقوّة ممَّا يُنْهَى عنه، فلَأن يَنْهَى عن تسمية ما يُنْهَى عنه بالاسم الحسن أَحرَی. وقال الشَّيخ أبو محمّد بن أبي جَمْرة ما مُلخَّصه: لمَّا كان اشتِقاق الكَرْم من الكَرَم، والأرض الكَرِيمة هي أحسن الأرض، فلا يَلِيق أن يُعبَّر بهذه الصِّفة إلّا عن قلب المؤمن الذي هو خير الأشياء، لأنَّ المؤمن خير الحيوان، وخير ما فيه قلبُه، لأنَّه إذا صَلَحَ صَلَحَ الجسدُ كلّه، وهو أرض لنبات شجرة الإيمان. قال: ويُؤخَذ منه أنَّ كلّ خير باللَّفظِ أو المعنى أو بهما أو مُشتَقّاً منه أو مُسَمَّى به، إنَّما يُضاف بالحقيقة الشَّرعيَّة، لأنَّ الإيمان وأهله وإن أُضيفَ إلى ما عَدَا ذلك فهو بطريق المجاز. (١) السُّلّاء: شوك النخل.