Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
باب ٧٣ / ح ٦١٠٣ -٦١٠٤
كتاب الأدب
ولم أعرِف أعيان القوم المشار إليهم في هذا الحديث، ولا الشَّيء الذي تَرَخَّصَ فيه
النبيّ وََّ، ثُمَّ وجَدت ما يُمكِن أن يُعرَف به ذلك، وهو ما أخرجه مسلم (١١١٠) في
كتاب الصيام من وجه آخر عن عائشة: أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنّي أُصبح جُنُباً وأنا
أُريد الصيام، فأغتَسِل وأصوم، فقال رسول الله وَله: ((وأنا تُدرِكني الصلاة وأنا جُنُب
فأصوم)) فقال: يا رسول الله وَّه، إنَّك لست مِثلَنا، قد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما
تأخّرَ، فغَضِبَ رسول الله وَّه وقال: ((إنّ أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمَكم بما أتَّقي)»،
ونحو هذا في حديث أنس المذكور في كتاب النِّكاح (٥٠٦٣): أنَّ ثلاثة رَهْطٍ سألوا عن
عَمَل رسول الله وَّه في السِّرّ .. الحديث، وفيه قولهم: وأين نحنُ من النبيّ وََّ؟ قد غَفَرَ الله
له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّرَ، وفيه قوله لهم: ((والله إنّ لَأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم
وأُفطِرِ، وأُصَلّ وأرقُد، وأتَزَوَّج النِّساء)).
وثالث أحاديث الباب: حديث أبي سعيد: يأتي في ((باب الحياء)) (٦١١٩) بعد أربعة أبواب،
وقد تقدَّم شرحه أيضاً (٣٥٦٢) في (باب صِفَة النبيّ ◌َّ). قال ابن بَطّال: يُستَفاد منه الحُكم
بالدَّليل، لأَّهم جَزَموا بأنَّهم كانوا يَعرِفونَ ما يَكرَهه بتَغيُرِ وجهه، ونَظيرُه أنَّهم كانوا يَعِرِفونَ أَنَّه
يقرأ في الصلاة باضطرابٍ لحيته، كما تقدَّم في موضعه (٧٤٦).
٧٣- بابٌ من أکفَرَ أخاه بغیر تأويلٍ، فھو کما قال
٦١٠٣ - حدَّثني محمَّدٌ وأحمدُ بنُ سعيدٍ، قالا: حدَّثنا عُثْمانُ بنُ عمرَ، أخبرنا عليُّ بنُ
المبارَكِ، عن يحيى بنِ أبي كثير، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ عُه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((إذا
قال الرجلُ لأخِیه: یا کافرُ، فقد باءً به أحدُهما».
وقال عِكْرمةُ بنُ عَّار، عن يحيى، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ، سمعَ أبا سَلَمَةَ، سمعَ أبا هريرةَ،
عن النبيِّ ◌َلّد.
٦١٠٤ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ
رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّه قال: ((أيُّما رجلٍ قال لأخِيه: يا كافرُ، فقد باءَ بها أحدُهما)).

٥٠٢
باب ٧٣ / ح ٦١٠٥
فتح الباري بشرح البخاري
٦١٠٥ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن
ثابت ابنِ الضَّحّاكِ، عن النبيِّ وَّإِ قال: ((مَن حَلَفَ بمِلّةٍ غيرِ الإسلام كاذباً فهو كما قال،
ومَن قَتَلَ نَفَسَه بشيءٍ عُذِّبَ به في نار جِهَنَّمَ، ولَعْنُ المؤمِنِ كَقَتْلِهِ، ومَن رَمَى مُؤْمِناً بكُفْرٍ
فهو كَقَتْلِهِ)).
قوله: ((بابٌ مَن أكفَرَ أخاه بغيرِ تَأويل، فهو كما قال)) كذا قَيَّدَ مُطلَق الخبر بما إذا صَدَرَ ذلك
بغير تأويل من قائله، واستَدَلَّ لذلك في الباب الذي يليه.
قوله: ((حدَّثني محمَّد وأحمد بن سعيد، قالا: حدَّثنا عُثْمان بن عمر)) أمَّا محمَّد: فهو ابن يحيى
الذُّهْلِيّ، وأمَّا أحمد بن سعيد: فهو ابن سعيد بن صخر أبو جعفر الدَّارِمِيّ، جَزَمَ بذلك أبو نَصْر
الكلابانيّ.
قوله: ((عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة)) كذا في رواية الجميع بالعَنعَنة.
قوله: ((عن أبي هريرة)» في رواية / عِكْرمة بن عمّار المعلّقة: «أنَّه سمعَ أبا هريرة)».
٥١٥/١٠
قوله: «إذا قال الرجل لأخيه: یا کافر» تقدَّم شرحه في «باب ما يُنھَى عنه من السِّباب
واللَّعن))(١).
قوله: (وقال عكرمة بن عَّار، عن یحیی)) هو ابن أبي كثير ((عن عبد الله بن يزيد)) هو المدنيّ مولى
الأسود بن سفيان، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث المعلَّق، وحديث آخر موصول
مضى في التَّفْسیر(٢).
قوله: ((عن النبيّ ◌َّ) يعني: بهذا الحديث، وقد وَصَلَه الحارث بن أبي أُسامة في ((مُسنَدہ))،
وأبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريقه عن النَّضر بن محمَّد اليماني عن عكرمة بن عَّار به، وقد
(١) باب رقم (٤٤).
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، وتبعه على ذلك العيني في ((عمدة القاري)) ٢٢/ ١٥٧، ولم نقع له على رواية في
كتاب التفسير، وإنما روى له البخاري في تقصير الصلاة (١١١٩) من طريق مالك عنه مقروناً بأبي
النضر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي سلمة عن عائشة أم المؤمنين: أنَّ رسول الله وَ ليو كان يصلي جالساً،
فيقرأ وهو جالس ... الحديث. والله أعلم. وانظر ((تحفة الأشراف)) للمزي ٣٤٦/١٢.

٥٠٣
باب ٧٣ / ح ٦١٠٥
كتاب الأدب
أخرج مسلم (٢١٥/١٣٥) في كتاب الإيمان من طريق النَّضر بن محمَّد عن عِكْرمة عن
يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة حديثاً غير هذا، ليس فيه بين يحيى وأبي سَلَمة
واسطة، وأخرج الإسماعيليّ حديث الباب من رواية أبي حُذَيفة عن عِكْرمة بن عمَّار بهذا
السَّنَد، وقال: إنَّه موقوف لم يَذْكُر النبيّ ◌َّل فيه. انتهى، وقد رَفَعَه النَّضر بن محمَّد عن
◌ِكْرمة كما تَرَى، ودَلَّ صنيع البخاريّ على أنَّ زيادة عبد الله بن يزيد بين يحيى وأبي سَلَمة
في هذه الرِّواية المعلّقة، لم تَقدَح في رواية عليّ بن المبارك عن يحيى بدون ذِكْر عبد الله بن
يزيد عنده، إمّا لاحتمال أن يكون يحيى سمعَه من أبي سَلَمة بواسطةٍ، ثمَّ سمعَه من أبي
سَلَمة، وإمّا أن يكون لم يَعتَدّ بزيادة عِكْرمة ابن عَّار لضعفٍ حِفظه عنده. وقد استَدرَكَ
الدّارَ قُطنيُّ(١) عليه إخراجه لرواية عليّ بن المبارَك، وقال: يحيى بن أبي كثير مُدَلِّس، وقد زاد
فيه عِكْرمة رجلاً. والحقّ أنَّ مِثل هذا لا يُتَعَقَّب به البخاريّ، لأنَّه لم تَخْفَ عليه العِلّة، بل
عَرَفَها وأبرَزَها وأشارَ إلى أنَّها لا تَقدَح، وكأنَّ ذلك لأنَّ أصل الحديث معروف، ومتنه
مشهور مَرويّ من عِدّة طرق، فيُستَفاد منه أنَّ مراتب العِلَل مُتَفاوتة، وأنَّ ما ظاهره القَدْح
منها إذا انجَبَرَ زالَ عنه القَدح، والله أعلم.
ثم ذكر المصنف حديث ابن عمر في المعنى، وحديثَ ثابت بن الضَّحّاك كذلك، وتقدّم
شرحهما (٦٠٤٧) في الباب المشار إليه.
قال ابن بَطّال: كنت أسأل المهلَّب كثيراً عن هذا الحديث لصُعوبَتِه، فيُجيبني بأجوبةٍ
مُخْتَلِفة والمعنى واحد، قال: قوله: ((فهو كما قال)) يعني: فهو كاذِب لا كافر، إلّا أنَّه لمَّا
تَعَمَّدَ الكَذِب الذي حَلَفَ عليه والتَزَمَ الِلّة التي حَلَفَ بها، قال عليه السلام: «فهو كما
قال)) من التزام تلك الِلّة إن صَحَّ قصده بكذِبِه إلى التزامها في تلك الحالة، لا في وقت ثانٍ،
إذا كان على سبيل الخَديعة للمَحلوفِ له. قلت: وحاصله: أنَّه لا يصير بذلك كافراً، وإنَّما
يكون كالكافرِ في حال حَلِفِه بذلك خاصّة، وسيأتي (٦٦٥٢) أنَّ غيره ◌َلَ الحديث على
الزَّجر والتَّغليظ، وأنَّ ظاهره غير مُراد، وفيه غير ذلك من التَّأويلات.
(١) في ((الإلزامات والتتبع)) (٤).

٥٠٤
باب ٧٤ / ح ٦١٠٦- ٦١٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
٧٤- باب من لم یَرَ إکفار من قال ذلك متأوّلاً أو جاهلاً
وقال عمرُ لحَاطِبٍ بن أبي بَلْتَعة: إِنَّه نافَقَ، فقال النبيُّ وَّهِ: ((وما يُدْرِيكَ؟ لعلَّ اللهَ قد اطَّلَعَ
إلى أهلِ بَدْرٍ، فقال: قد غَفَرْتُ لكم)).
٦١٠٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَبادةَ، أخبرنا يزيدُ، أخبرنا سَلِيمٌ، حدَّثنا عَمْرو بنُ دِینارٍ، حدَّثنا
جابرُ بنُ عبدِ الله: أنَّ معاذَ بنَ جبلٍ ﴾ كان يُصَلِّ معَ النبيِّ وَِّ، ثمَّ يأتي قومَه فَيُصَلّ بهمُ الصلاةَ،
فقرأ بهمُ البقرةَ، قال: فتجوَّزَ رجلٌ فصَلَّى صلاةٌ خَفِيفةً، فَبَلَغَ ذلك معاذاً، فقال: إنَّه مُنافقٌ، فَبَلَغَ
ذلك الرجلَ، فأتى النبيَّ ◌َ، فقال: يا رسولَ الله، إنّا قومٌ نَعْمَلُ بأيدِينا وتَسْقي بنَواضحِنا، وإنَّ
معاذاً صَلَّى بنا البارحةَ، فقرأ البقرةَ، فتجوَّزْتُ، فَزَعَمَ أنّي مُنافقٌ، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((يا معاذُ أفَتَانٌ
أنتَ؟ - ثلاثاً - اقرَأْ: ﴿وَلَّمْسِ وَضُّحَهَا﴾ و﴿َسَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ونحوَها)).
٦١٠٧ - حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا أبو المغيرةِ، حدَّثْنَا الأَوْزاعيُّ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن مُميدٍ،
عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: «مَنْ حَلَفَ منكم فقال في حَلِفِه: باللات والعُزَّى،
فلْيَقُل: لا إلهَ إلا الله، ومَن قال لصاحبه: تَعالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّق)).
٦١٠٨ - حدَّثنا قُتَيةٌ، حدَّثنا ليثٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: أنَّه أدْرَكَ عمرَ
ابنَ الخطَّب في رَكْبٍ وهو يَحِلِفُ بأبيه، فناداهم رسولُ الله ◌ََّ: ((ألا إنَّ اللهَ يَنْهاكم أن تَحلِفوا
بآبائكُم، فمَن كان حالفاً فلْيَحْلِف بالله، وإلّا فِلْيَصْمُت)).
قوله: ((باب مَن لم يَرَ إِكْفار مَن قال ذلك مُتَأْوِّلاً أو جاهلاً) أي: بالحكم، أو بحال المقُول فيه.
٥١٦/١٠
قوله: ((وقال عمرُ لحاطِبٍ بن أبي بَلْتَعَةَ: إِنَّه نافَقَ)) كذا للأكثر بلفظ الفِعل الماضي، وفي رواية
الكُشْمِيهنيّ: ((مُنافق)) باسم الفاعل. وهذا طَرَف من حديث عليّ في قصَّة حاطِب بن أبي بَلتَعةً،
وقد تقدَّم موصولاً مع شرحه في تفسير سورة الممتَحنة (٤٨٩٠).
ثم ذكر حديث جابر في قصَّة معاذ بن جبل حيثُ طَوَّلَ في صلاة الصُّبح، ففارَقَه الرجل
فصَلَّى وحده، فقال معاذ: إنَّه مُنافق. وقد تقدَّم شرحه مُستَولّى في صلاة الجماعة (٧٠٠و ٧٠١)،
ومحمَّد بن عَبَادَة شيخ البخاريّ فيه؛ أبوه بفتح العين المهمَلة وتخفيف الموحّدة.

٥٠٥
باب ٧٤ / ح ٦١٠٨
كتاب الأدب
وقوله: ((فتجوَّز رجل)) بالجيم والزّاي للجميع، وحكى ابن التِّين: أنَّه رويَ بالحاءِ المهمَلة،
أي: انحازَ فصَلَّی وحده.
قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن راهويه، وأبو المغيرة: هو عبد القُدّوس بن الحجّاج
الجِمصيّ، وهو من شيوخ البخاريّ، قد حدَّث عنه كثيراً بلا واسطة. وقد تقدَّم الحديث في
تفسير سورة النَّجم (٤٨٦٠) مع شرحه، ووجه دخوله في هذا الباب واضح، قال ابن بَطّال عن
المهَلَّب: أمرُه ◌َِّ للحالفِ باللّات والعُزَّى بقولِه: لا إله إلّا الله، خشية أن يَستَدیم حاله على ما
قال، فيُخشَى عليه من حُبُوط عَمَله فيما نَطَقَ به من كلمة الكفر بعد الإيمان، قال: ومثله قوله:
((لا يَزْني الزّاني حين يَزني وهو مُؤمِن))(١)، فتَفَى عنه الإيمان في حالة الزِّنی خاصّة. انتهى، وقال
في موضع آخر: ليس في هذا الحديث إطلاق الحلف بغير الله، وإنَّما فيه تعليم مَن نَسِيَ أو جَهِلَ
فَحَلَفَ بذلك، أن يُبادِرِ إلى ما يُكَفِّرِ عنه ما وَقَعَ فيه.
وحاصله: أنَّه أرشَدَ مَن تَلَفَّظَ بشيءٍ ممّا لا ينبغي له التلفّظ به أن يُبادِر إلى ما يَرفَع الخَرَج
عن القائل أن لو قال ذلك قاصداً إلى معنى ما قال، وقد قَدَّمت توجيه هذا في شرح الحديث
المذكور. ومُناسَبة الأمر بالصَّدَقة لمن قال: أُقامرْك من حيثُ إنَّه أراد إخراج المال في الباطل،
فأمَرَ بإخراجه في الحقّ.
ثم ذکر المصنفُ حديث ابن عمر في حَلِف عمر بأبيه، وفيه النَّهي عن ذلك، وسيأتي شرحه
مُستَوفَّى في كتاب الأيمان والتُّذور (٦٦٤٦).
وقَصَدَ بِذِكْرِه هنا الإشارة إلى ما وَرَدَ في بعض طرقه: ((مَن حَلَفَ بغير الله فقد أشرَكَ))(٢)،
لكن لمَّا كان حَلِفِ عمر بذلك، قبل أن يسمع النَّهي، كان مَعذوراً فيما صَنَعَ، فلذلك اقْتَصَرَ
على نَهيه، ولم يُؤَاخِذه بذلك، لأَنَّه تأوَّلَ أنَّ حَّ أبيه عليه يقتضى أنَّه يَستَحِقّ أن يَحِلِف به، فبيَّن
النبيّ ◌َّ﴿ أَنَّ الله لا يُحِبّ لعبده أن يَحَلِف بغيره، والله أعلم.
(١) تقدم برقم (٥٥٧٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥)، وانظر لزاماً الكلام عليه في ((المسند)) (٤٩٠٤).

٥٠٦
باب ٧٥ / ح ٦١٠٩ - ٦١١٣
فتح الباري بشرح البخاري
٧٥- باب ما يجوز من الغضب والشّدّة لأمر الله تعالى
٥١٧/١٠
وقال الله تعالى: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، والتحريم: ٩].
٦١٠٩ - حدَّثنا يَسَرةُ بنُ صَفْوانَ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن الزُّهْريِّ، عن القاسمِ، عن عائشةَ
رضي الله عنها، قالت: دَخَلَ عليَّ النبيُّنَّ وفي البيتِ قِرامٌ فيه صُوَرٌ، فَتَلَوَّنَ وجهُه، ثمَّ تَناوَلَ السُّتْرَ
فهَتْكَه، وقالت: قال النبيُّ ◌َّهِ: (مِن أشَدِّ الناسِ عذاباً يومَ القيامةِ الَّذِينَ يُصَوِّرونَ هذه الصُّوَر)).
٦١١٠ - حدَّثْنا مُسَّدٌ، حذَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، حدَّنا قيسُ بنُ أبي حازِمٍ، عن
أبي مسعودٍ ◌ّه قال: أتى رجلٌ النبيَّ ◌َ، فقال: إني لأتأخّرُ عن صلاةِ الغَدَاةِ من أجْلِ فلانٍ مَّ يُطِيلُ
بنا، قال: فما رأيتُ رسولَ الله ◌ِلَ قَطُّ أَشَدَّ غَضَباً في مَوْعِظةٍ منه يومَئذٍ، قال: فقال: ((يا أيُّها الناسُ، إِنَّ
منكم مُتَفِرِينَ! فأيكم ما صَلَّى بالناسِ فَلْيَجَوَّز، فإنَّ فيهمُ المَرِيضَ والكبيرَ وذا الحاجةِ)).
٦١١١ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدّثنا ◌ُویرِیةُ، عن نافع، عن عبدِ الله څ، قال: بينا
النبيُّ ◌َّهُ يُصَلّ رَأى في قِبْلةِ المسجدِ نُخامةً، فحَكَّها بيدِهِ، فَتَغْيَّظَ ثمّ قال: ((إنَّ أحدكم إذا كان
في الصلاةِ فإنَّ اللهَ حِيَالَ وجهِهِ، فلا يَتَنَجَّمَنَّ حِيَالَ وجهِه في الصلاةِ».
٦١١٢ - حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، أخبرنا رَبِيعةُ بنُ أبي عبدِ الَّحمنِ، عن
يزيدَ مولى المُنْبَعِثِ، عن زيدِ بنِ خالدِ الجُهَنيُّ: أنَّ رجلاً سألَ رسولَ الله وَّهِ عن اللُّقَطِةِ، فقال:
«عرِّنْها سَنةً، ثمَّ اغْرِفْ وِکاءها وعِفاصھا، ثمّ استنفِقْ بها، فإن جاء ربُّها فادِّها إليه)) قال: يا
رسولَ الله، فضالةُ الغنم؟ قال: ((خُذْها، فإنَّما هي لكَ أو لأخِيكَ أو للذُّتْبِ)) قال: يا رسولَ الله،
فضالةُ الإبلِ؟ قال: فَغَضِبَ رسولُ اللهِوَِّ حَتَّى احمَرَّت وَجْنَاه - أو احمَّ وجهُه - ثمَّ قال: «ما لكَ
ولَمَا؟ معها حِذاؤُها وسِقاؤُها حتَّى يَلْقَاهَا رَبُّها)».
٦١١٣ - وقال المگُّ: حدَّثنا عبدُ الله بنُ سعيدٍ (ح)
حدَّثني محمَّدُ بنُ زيادٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثني سالمٌ
أبو النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله، عن بُشْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ﴾، قال: احْتَجَرَ
رسولُ الله ◌ِّ حُجَيرةً مُخَصَّفةً أو حَصِيراً، فخَرَجَ رسولُ الله ◌َ يُصَلِي فيها، فَتَبَّعَ إليه رجالٌ،

٥٠٧
باب ٧٥ / ح ٦١١٣
كتاب الأدب
وجاؤوا يُصَلّونَ بصلاته، ثمَّ جاؤوا ليلةً فحَضَروا وأبطَاً رسولُ اللهِ وَّر عنهم، فلم يَخْرُج
إليهم، فَرَفَعوا أصواتَهم وحَصَبوا الباب، فخَرَجَ إليهم مُغْضَباً، فقال لهم رسولُ اللهِ وَّ: ((ما
زالَ بكم صَنِيعُكم حتَّى ظَنْتُ أَنَّه سَيُكتَبُ عليكم، فعليكم بالصلاةِ في بيوتِكُم، فإنَّ خيرَ
صلاةِ المَرْءِ في بيتِه إلّ الصلاةَ المكتوبةَ)).
قوله: ((باب ما يجوز من الغضب والشِّدّة لأمرِ الله تعالى، وقال الله تعالى: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ
وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾)»/ كأنَّه يشير إلى أنَّ الحديث الوارد في أنَّه وَلّ كان يَصبِر على الأذَى ٥١٨/١٠
إنَّما هو فيما كان في حَقِّ نفسه، وأمَّا إذا كان لله تعالى فإنَّه يَمتَئِل فيه أمر الله من الشِّدّة.
وذكر فيه خمسة أحاديث تقدَّمَت كلّها، وفي كلٍّ منها ذكر غَضَب النبيّ وَ لّه في أسباب مُخْتَلِفة،
مَرجِعها إلى أنَّ ذلك كلّه كان في أمر الله، وأظهَرَ الغضب فيها ليكونَ أوكَدَ في الَّجر عنها.
الحديث الأول: حديث عائشة في القرام، وقد تقدّم شرحه في اللباس (٥٩٥٤, ٥٩٥٥).
ويَسَرة شيخه: بفتح الياء المثنّة من تحت والمهمَلة.
الثاني: حديث أبي مسعود في قصَّة تَطويل الإمام في صلاة الغَدَاة، وتقدَّم شرحه في صلاة
الجماعة (٧٠٢ و٧٠٤).
الثالث: حديث ابن عمر في النُّخامة في القِبْلة، وقد تقدَّم شرحه في أوائل كتاب الصلاة
(٤٠٦).
وقوله: ((حِيالَ وجهِه)) بكسر المهمَلة بعدها تحتانيَّة خفيفة، أي: تِلقاءه.
الرابع: حديث زيد بن خالد في اللُّقَطة، وتقدَّم شرحه هناك (٢٤٢٩).
الخامس: حديث زيد بن ثابت: احتَجَرَ رسول الله آل﴾ حجيرة، وقد تقدَّم شرحه في أبواب
الإمامة (٧٢٩).
وحُجَيرة: تصغير حُجْرة بالرَّاء، وقد تقدَّم فيه رواية بالزّاي، ويقال: بفتح أوَّله وكسر ثانيه،
والخَصَفة بفتح الخاء المعجَمة والصّاد المهمَلة ثمَّ فاء: ما يُتَّخَذ من خُوص المُقْل أو النَّخل.
وقوله فيه: ((وقال المكِّيّ)) هو ابن إبراهيم البَلْخيُّ أحد مشايخه، وقد وَصَلَه أحمد (٢١٦٣٢)،

٥٠٨
باب ٧٦ / ح ٦١١٤
فتح الباري بشرح البخاري
والدَّارِمِيُّ (١٣٦٦) في ((مُسنَدَيهما)) عن المكِّيّ بن إبراهيم بتمامه. ومحمَّد بن زياد شيخه في
الطَّريق الثّانية: هو الزّياديّ، ما له في البخاريّ سوى هذا الحديث، قال الكلاباذيّ: أخرج
له شِبه المقرون. وكذا قال ابن عَديّ: روى له استشهاداً. وكانت وفاته قبل البخاريّ بقليلٍ،
ماتَ في حُدود الخمسينَ، ويقال: سنة اثنتَينِ وخمسين، ذكر ذلك الدِّمياطيّ في ((حَواشيه))، ومحمَّد
ابن جعفر: هو غُندَر، وعبد الله بن سعيد: هو ابن أبي هند، وسياق الحديث في هذا الباب على
لفظ محمّد بن جعفر.
والغرض منه قوله: ((فخَرَجَ عليهم مُغضَباً)) والظّاهر أنَّ غَضَبه لكَونِم اجتَمَعوا بغير
أمره، فلم يَكتَفوا بالإشارة منه لكَونِه لم يَخْرُج عليهم، بل بالَغوا فحَصَبوا بابه وتَتَبَّعوه، أو
غَضِبَ لكَونِه تأخّرَ إشفاقاً عليهم لئلا تُفرَض عليهم، وهم يَظُنّونَ غير ذلك، وأبعَدَ مَن
قال: صُلِّي في مسجده بغير أمره.
وقوله في آخره: ((أفضلُ صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة)) دالّ على أنَّ المراد بالصلاة - أي: في
قوله في الحديث الآخر: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تَتَّخِذوها قُوراً)(١): صلاة
النافلة، وحكى ابن التِّين عن قوم: أنَّه يُستَحَبّ أن يجعل في بيته من فريضة، وزَيَّفَه بحديثٍ
الباب، والله أعلم.
٧٦ - باب الحذَر من الغَضَب
لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَِّرَ آلْإِثْمِ وَاَلْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾
[الشورى: ٣٧]، وقوله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السََّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِمِينَ اَلْغَيْظَ ﴾
الآية [آل عمران: ١٣٤].
٦١١٤ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسیّبِ،
عن أبي هريرةَ ، أنَّ رسولَ اللهِوَله قال: ((ليس الشَّدِيدُ بالصُّرَعةِ، إِنَّا الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ
نفسَه عندَ الغَضَبِ».
(١) تقدم برقم (٤٣٢).

٥٠٩
باب ٧٦ / ح ٦١١٥-٦١١٦
كتاب الأدب
٦١١٥ - حدَّثْنَا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْئَةَ، حدَّثْنَا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ، حدَّثنا
سليمانُ بنُ صُرَدٍ، قال: اسْتَبَّ رجلان عندَ النبيِّ وَّهِ ونحنُ عندَه جُلوسٌ، وأحدُهما يَسُبُّ
صاحبَهَ مُغْضَباً قد احمرَّ وجهُه، فقال النبيُّ ◌َِّ: ((إنّ لأعلمُ كلمةً لو قالها لَذهَبَ عنه ما تَجِدُ، لو
قال: أعوذُ بالله منَ الشَّيطان الرَّجِيمِ)) فقالوا للرجلِ: ألا تَسْمَعُ ما يقول النبيُّ ◌ََّ؟ قال: إنّي لستُ
بمجنون.
٦١١٦ - حدَّثني يحيى بنُ يوسُفَ، أخبرنا أبو بكرٍ - هو ابنُ عيَّاشٍ - عن أبي حَصِینٍ، عن
أبي صالح، عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رجلاً قال للنبيِّ وَّهِ: أَوْصِني، قال: ((لا تَغْضَب)) فَرَدَّدَ مِراراً،
قال: ((لا تَغْضَب)).
قوله: ((باب الحَذَر من الغضب، لقولِه تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ يَجْنَذِبُونَ كَبَِّرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا ٥١٩/١٠
غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وقوله عزَّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِىِ الشَّرَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ
الْغَيْظَ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ في رواية كَرِيمة إلى قوله: ﴿اَلْمُحْسِنِينَ﴾، وكأنّه أشارَ
بالآية الثّانية إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث الأوَّل في الباب، فعند أنس: أنَّ النبيَّ ◌ِّ مَرَّ بقومٍ
يَصطَرِ عونَ فقال: ((ما هذا؟» قالوا: فلانٌ ما يُصارع أحداً إلّا صَرَعَه، قال: ((أفَلا أدُلْكم على مَن
هو أشدّ منه؟ رجل كَلَّمَه رجل فَكَظَمَ غَيظَه، فغَلَبَه وغَلَبَ شيطانه، وغَلَبَ شيطان صاحبه))
رواه البزَّار (٧٢٧٢) بسندٍ حسن، وليس في الآيتينِ دلالة على التَّحذير من الغضب، إلّا أنَّه لمّا
ضَمَّ مَن يَكظِمِ غَيظه إلى مَن يَجِتَنِب الفواحش كان في ذلك إشارة إلى المقصود.
قوله: ((ليس الشَّديد بالصُّرَعةِ)) بضمِّ الصّاد المهمَلة وفتح الرَّاء: الذي يَصرَع الناس
كثيراً بقوَّتِه، والهاء للمُبالَغة في الصِّفة، والصُّرْعة بسكون الرَّاء بالعكس: وهو مَن يَصرَعه
غيرُه كثيراً، وكلُّ ما جاء بهذا الوزن بالضَّمِّ وبالسُّكونِ فهو كذلك، كهُمزَةٍ ولُمزَةٍ وحُفظَةٍ
وخُدعَة وضُحَكة، ووَقَعَ بيان ذلك في حديث ابن مسعود عند مسلم (٢٦٠٨)، وأوَّله: «ما
تَعُدّونَ الصُّرَعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يَصرَعه الرِّجال)). قال ابن التِّين: ضبطناه بفتح
الرَّاء، وقرأه بعضهم: بسكونها، وليس بشيءٍ لأنَّه عكس المطلوب، قال: وضُبِطَ أيضاً في
بعض الكتب: بفتح الصّاد وليس بشيءٍ.

٥١٠
باب ٧٦ / ح ٦١١٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إنَّما الشَّديد الذي يَمْلِك نفسه عند الغضب» في رواية أحمد (٢٣١١٥) من حديث
رجل لم يُسمِّ شَهِدَ رسولَ الله وَلَه يقول: «الصُّرَعة كلّ الصُّرَعة - كَرَّرَها ثلاثاً - الذي يَغْضَب
فيَشْتَدّ غَضَبه، ويَحَمَرّ وجهه، فيَصرَعُ غَضَبَه)).
الحديث الثاني: حديث سليمان بن صُرَد، تقدَّم شرحه في باب السِّباب واللَّعن (٦٠٤٨).
الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثني يحيى بن يوسُف)) هو الزّمّيّ بكسر الزّاي وتشديد الميم، لم أرَ
له في البخاريّ رواية إلّ عن أبي بكر بن عيَّاش. وأبو حَصِين بفتح أوَّله.
قوله: ((عن أبي صالح، عن أبي هريرة)» خالَفَه الأعمَش فقال: عن أبي صالح عن أبي سعيد.
أخرجه مُسدّد في «مُسنَده)) عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمَش، وهو على شرط البخاريّ
أيضاً لولا عَنعَنة الأعمَش.
قوله: ((أنَّ رجلاً)) هو جارية - بالجيم - ابن قدامةَ، أخرجه أحمد (١٥٩٦٤)، وابن حِبّان
(٥٦٨٩ و٥٦٩٠)، والطبرانيُّ (٢٠٩٣ و٢١٠٤) من حديثه مُبهَماً ومُفَسَّراً، ويحتمل أن يُفَسَّر
بغيره، ففي الطبرانيّ (٦٣٩٩) من حديث سفيان بن عبد الله الثَّقفيّ: قلت: يا رسول الله، قل لي
قولاً أَنتَفِع به، وأقلِلْ، قال: ((لا تَغْضَب))، وفيه(١) عن أبي الدَّرداء: قلت: يا رسول الله، دُلَّني على
عَمَل يُدخِلني الجنَّة، قال: ((لا تَغْضَب ولك الجنة))، وفي حديث ابن عمر عند أبي يَعْلى
(٥٦٨٥): قلت: يا رسول الله، قُلْ لي قولاً وأقلِل لعلّي أعقِله.
قوله: ((أوْصِني)) في حديث أبي الدَّرداء: دُلَّني على عَمَل يُدخِلني الجنَّة، وفي حديث ابن
عمرو (٣) عند أحمد (٦٦٣٥): ((ما يُباعِدني من غَضَب الله))، زاد أبو كُرَيبٍ عن أبي بكر بن
عيَّاش عند التِّرمِذيّ(٣) (٢٠٢٠): ((ولا تُكثِر عليَّ لعلّي أعِيه))، وعند الإسماعيليّ من طريق عثمان
ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عیَّاش نحوه.
(١) ليس هو في المطبوع من ((المعجم الكبير))، ولكن هو في ((الأوسط)) (٢٣٥٣)، وفي ((مسند الشاميين)) (٢١).
(٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: ابن عمر، والصواب ما أثبتناه كما في ((مسند أحمد))، و((إتحاف المهرة)»
٩/ ٥٧٧-٥٧٨.
(٣) من حديث أبي هريرة.

٥١١
باب ٧٦ / ح ٦١١٦
كتاب الأدب
قوله: ((فَرَدَّدَ مِراراً)) أي: رَدَّدَ السُّؤال يَلْتَمِس أنفَع من ذلك، أو أعَمَّ فلم يَزِده على ذلك.
قوله: «قال: لا تغضب» في روایة أبي گُریبٍ: ((کلّ ذلك یقول:/ لا تَغضَب))، وفي رواية ٥٢٠/١٠
عثمان بن أبي شَيْبة: ((قال: لا تَغْضَب ـ ثلاث مرَّات -)) وفيها بيان عَدَد المِرار، وقد تقدَّم
حديث أنس (٩٥): أنَّه وَ لَه كان يُعيد الكلمة ثلاثاً لتُهُهَم عنه، وأنَّه كان لا يُراجَع بعد ثلاث،
وزاد أحمد (٢٣١٧٢)، وابن حِبّان (٥٦٩٠) في رواية عن رجل لم يُسَمَّ قال: تَفكّرتُ فيما قال،
فإذا الغضب يجمع الشرَّ كلّه.
قال الخطَّبيُّ: معنى قوله: ((لا تَغضَب)»: اجتَنِب أسباب الغضب ولا تَتَعرَّض لما يَجلُبه،
وأمَّا نفس الغضب فلا يَتَأتَى النَّهي عنه، لأنَّه أمر طَبيعيّ لا يَزول من الجِبِلّة. وقال غيره:
ما كان من قَبِيل الطَّبع الحيوانيّ لا يُمكِن دفعه، فلا يَدخُل في النَّهي، لأنَّه من تكليف المحال،
وما كان من قَبِيل ما يُكتَسَب بالرّياضة فهو المراد. وقيل: معناه: لا تَغضَب لأنَّ أعظَم ما
يَنشَأ عنه الغضب الكِبْر، لكَونِه يقع عند ◌ُالَّفة أمر يريده فيَحمِله الكِبْر على الغضب، فالذي
يَتَوَاضَع حتَّى يذهب عنه عِزّة النَّفْس يَسْلَم من شَرّ الغضب. وقيل: معناه: لا تَفْعَل ما يأمرك
به الغضب.
وقال ابن بَطّال: في الحديث الأوَّل أنَّ تُجاهَدة النَّفْس أشدُّ من ◌ُجاهَدة العدوّ، لأنَّه ◌َلـ
جَعَلَ الذي يَملِك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوّة. وقال غيره: لعلَّ السائل كان
غَضُوباً، وكان النبيّ وَّهِ يأمر كلّ أحد بما هو أولى به، فلهذا اقتَصَرَ في وصيَّته له على ترك
الغضب.
وقال ابن التِّين: جَمَعَ رََّ في قوله: ((لا تَغْضَب)) خيرَ الدُّنيا والآخرة، لأنَّ الغضب
يَؤولُ إلى التَّقَاطُع ومَنْع الرِّفق، ورُبَّما آلَ إلى أن يُؤذيَ المغضوب عليه فينتَقصَ ذلك من
الدِّين. وقال البَيْضاويّ: لعلَّه لمَّا رأى أنَّ جميع المفاسد التي تَعرِض للإنسان إنَّما هي من
شَهْوته ومن غَضَبه، وكانت شَهْوة السائل مكسورة، فلمَّا سألَ عمَّا يَحتَرِز به عن القبائح ◌َهاه عن
الغضب الذي هو أعظم ضَرَراً من غيره، وأَنَّه إذا مَلَكَ نفسه عند حصوله كان قد قَھَرَ أقوى

٥١٢
باب ٧٦ / ح ٦١١٦
فتح الباري بشرح البخاري
أعدائه. انتهى، ويحتمل أن يكون من باب التَّنبيه بالأعلى على الأدنَى، لأنَّ أعدَى عدوّ للشَّخصِ
شيطانَه ونفسُه، والغضب إنَّما يَنشَأ عنهما، فمَن جاهَدَهما حتَّى يَغْلِبهما مع ما في ذلك من شِدّة
المعالجة كان لقَهرِ نفسه عن الشَّهوة أيضاً أقوى. وقال ابن حِبّان بعد أن أخرجه: أراد لا تَعمَل
بعد الغضب شيئاً ما نُهیت عنه، لا أنّه نهاه عن شيء جُبِلَ عليه ولا حِيلةً له في دفعه.
وقال بعض العلماء: خَلَقَ الله الغضب من النار وجعله غريزة في الإنسان، فمهما قُصِدَ
أو نُوزِعَ في غَرَض ما، اشتَعَلَت نار الغضب وثارَت حتَّى يَحَمَرّ الوجه والعينان من الدَّم،
لأنَّ البشرة تَحكِي لون ما وراءَها، وهذا إذا غَضِبَ على مَن دونه واستَشعَرَ القُدرةَ عليه،
وإن كان ممَّن فوقه تَوَلَّدَ منه انقباض الدَّم من ظاهر الجِلد إلى جوف القلب، فيَصفَرّ اللَّون
حزناً، وإن كان على النَّظير تَرَدَّدَ الدَّم بين انقباض وانبِساط، فيَحمَرٌ ويَصفَرٌ، ويَتَرتَّب على
الغضب تَغْيُر الظاهر والباطن، كَتَغْيُرِ اللَّون، والرُّعدة في الأطراف، وخروج الأفعال على
غير ترتيب، واستحالة الخِلقة، حتَّى لو رأى الغَضبانُ نفسه في حال غَضَبه لسَكَن(١) غَضَبُهُ
حياءً من قُبْح صورته واستحالة خِلقَته، هذا كلّه في الظّاهر، وأمَّا الباطن فقُبحُه أشدُّ من
الظّاهر، لأَنَّه يولّد الحِقْد في القلب، والحَسَدَ وإضمارَ السّوء على اختلاف أنواعه، بل أوّلُ(٢)
شيء يَقبُح منه: باطنه، وتَغيُّر ظاهره ثَمَرة تَغيُّر باطنه، وهذا كلّه أثره في الجسد، وأمَّا أثره في
اللِّسان فانطِلاقه بالشَّتم والفُحْش الذي يَستَحيي منه العاقل، ويَندَم قائله عند سكون الغضب،
ويظهر أثر الغضب أيضاً في الفِعل بالضَّربِ أو القتل، وإن فاتَ ذلك بهَرَبِ المغضوب عليه
رَجَعَ إلى نفسه فيُمَزِّق ثوبه ويَلطِمِ خَذَّه، ورُبَما سَقَطَ صريعاً، ورُبَّما أُغمَيَ عليه، ورُبَّمَا كَسَرَ
الآنية وضَرَبَ من ليس له في ذلك جریمة.
ومَن تأمَّلَ هذه المفاسد عَرَفَ مِقدار ما اشتَمَلَت عليه هذه الكلمة اللَّطيفة من قوله ◌ِّهِ:
٥٢١/١٠ ((لا تَغْضَب)) من الحكمة واستِجلاب المصلحة في درء المفسَدة،/ ممّا يَتَعذَّر إحصاؤه والوقوف
على نهايته.
(١) تحرفت في (س) إلى: لكان.
(٢) تحرفت في (س) إلى: أولى.

٥١٣
باب ٧٧ / ح ٦١١٧ -٦١١٨
كتاب الأدب
وهذا كلّه في الغضب الدُّنيَويّ لا الغضب الدِّينيّ، كما تقدَّم تقريره في الباب الذي قبله.
ويُعِين على ترك الغضب استحضارُ ما جاء في كَظْم الغيظ من الفضل، وما جاء في عاقبة
ثَمَرة الغضب من الوعيد، وأن يَستَعيذَ من الشَّيطان، كما تقدَّم في حديث سليمان بن صُرَد
(٦٠٤٨)، وأن يَتَوضَّأ، كما تقدَّمَتِ الإشارة إليه في حديث عَطيَّة(١)، والله أعلم.
وقال الطُّوفيّ: أقوى الأشياء في دفع الغضب استحضارُ التَّوحيد الحقيقيّ، وهو أن لا فاعل
إلّا الله، وكلُّ فاعلٍ غيرُه فهو آلة له، فمَن تُوجِّهَ إليه بمكروهٍ من جهة غيره، فاستَحضَرَ أنَّ الله
لو شاءَ لم يُمَكِّن ذلك الغير منه، اندَفَعَ غَضَبه، لأَنَّه لو غَضِبَ والحالةُ هذه كان غَضَبُه على
رَبّه جلَّ وعَلا، وهو خِلَاف العُبودِيَّة. قلت: وبهذا يظهر السِّرُّ في أمره ◌ِِّ الذي غَضِبَ
بأن يَسْتَعيذَ من الشَّيطان، لأنَّه إذا تَوجَّهَ إلى الله في تلك الحالة بالاستعاذة به من الشَّيطان
أمكَنَه استحضار ما ذُكِرَ، وإذا استمرَّ الشَّيطان مُتَلَبِّساً مُتمكِّناً من الوسوسة لم يُمكِنه من
استحضار شيء من ذلك، والله أعلم.
٧٧- باب الحياء
٦١١٧- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبَةُ، عن قَتَادةَ، عن أبي السَّارِ العَدَوِيِّ، قال: سمعتُ
عِمْرانَ بنَ حُصَينٍ، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((الحياءُ لا يأتي إلّا بخيرٍ)).
فقال بُشَيرُ بنُ كَعْبٍ: مكتوبٌ في الحِكْمةِ: إِنَّ منَ الحياءِ وَقاراً، وإنَّ منَ الحياءِ سَكِينً. فقال
له عِمْرَانُ: أُحدِّثُكَ عن رسولِ اللهِوَ﴿ وَ تُحدِّثُنِي عن صَحِيفَتِكَ!
٦١١٨ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن
سالمٍ، عن عبدِ الله بنِ عمَرَ رضي الله عنهما: مَّ النبيُّ ◌ٍَّ على رجلٍ وهو يُعاتِب أخاه في الحياءِ،
يقول: إِنَّكَ لَتَسْتَحْبِي - حتَّى كأَنَّه يقول: قد أضَرَّ بكَ - فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((دَعْه، فإنَّ الحياءَ منَ
الإيمان».
(١) أخرجه أحمد (١٧٩٨٥)، وأبو داود (٤٧٨٤)، ولفظه: ((إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار،
وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) وأشار إلى طرف منه الحافظ في شرح الحديث (٦٠٤٨).

٥١٤
باب ٧٧ / ح ٦١١٩
فتح الباري بشرح البخاري
٦١١٩ - حدَّثنا عليٌّ بنُ الجَعْدِ، أخبرنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن مولى أنسٍ - قال أبو عبد الله: اسمُه
عبدُ الله بنُ أبي عُتْبَةَ - سمعتُ أبا سعيدٍ يقول: كان النبيُّنَ ◌ّ أَشَدَّ حياءً منَ العَذْراءِ في خِدْرِها.
قوله: ((باب الحياء)) بالمدِّ، تقدَّم تعريفه في أوَّل كتاب الإيمان (١)، ووَقَعَ لابنِ دَقِيق العِيد
في ((شرح العُمْدة)): أنَّ أصل الحياء: الامتناع، ثمَّ استُعمِلَ في الانقباض، والحقّ أنَّ الامتناع من
لوازم الحياء، ولازِمِ الشَّيء لا يكون أصلَه، ولمَّا كان الامتناع لازِم الحياء كان في التَّحريض على
مُلازَمة الحياء حَضٍّ على الامتناع عن فِعل ما يُعاب. والحيا بالقصر: المطر.
وذکر فیه ثلاثة أحاديث:
الأول: قوله: ((عن قَتَادةَ» كذا قال أكثر أصحاب شُعْبة، وخالَفَهم شَبَابةُ بن سَوّار فقال:
((عن شُعْبة عن خالد بن رَباح)) بَدَل ((قَتَادة))، أخرجه ابن مِندَه(٢)، ووَقَعَ نَظير هذه القصَّة مع
عِمران بن حُصَين أيضاً للعلاءِ بن زياد، أخرجه ابن المبارَك في كتاب ((البِرّ والصِّلة)).
قوله: ((عن أبي السَّار)) بفتح المهمَلة وتشديد الواو وبعد الألف راء: اسمه حُرَيث على
الصَّحيح، وقيل: حُجَير بن الرَّبيع، وقيل غير ذلك. ووَقَعَ في رواية محمّد بن جعفر عن شُعْبة
عند مسلم (٦٠/٣٧): سمعتُ أبا السّار.
قوله: ((الحياء لا يأتي إلّا بخيرٍ)) في رواية خالد بن رباح عن أبي السَّوّار عند أحمد (١٩٨١٧)،
وكذلك في رواية أبي قَتَادة العَدَويِّ عن عِمران عند مسلم (٦١/٣٧): ((الحياء خيرٌ كلُّه))،
٥٢٢/١٠ وللطَّبَرانيِّ (٦٣/١٩)/ من حديث قُرَّة بن إياس: قيلَ لرسولِ الله وَ له: يا رسولَ الله، الحياء من
الدِّين؟ فقال: ((بل هو الدِّين كلُّه))، وللطَّبَرانيّ (٤٠٩/١٨) من وجه آخر عن عمران بن
حُصَين: ((الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنَّة)).
قوله: ((بُشَير بن كَعْب)) بالموخَّدة والمعجَمة مُصغَّر: تابِعِيّ جليل، يأتي ذِكْره في الدَّعَوات
(٦٣٠٦).
(١) في باب (١٦): الحياء من الإيمان.
(٢) الذي في المطبوع من ((كتاب الإيمان)) (١٧٧) له أن رواية شبابة كرواية الجماعة!

٥١٥
باب ٧٧ / ح ٦١١٩
كتاب الأدب
قوله: ((مكتوب في الحِكْمة)) في رواية محمَّد بن جعفر: إنَّه مكتوب في الحكمة، وفي رواية
أبي قَتَادة العَدَويِّ عند مسلم: ((فقال بُشَير بن كعب: إنّا لَنَجِد في بعض الكتب - أو
الحكمة -)) بالشكّ. والحكمة في الأصل: إصابة الحقّ بالعلم، وسيأتي بَسْط القول في ذلك
في ((باب ما يجوز من الشِّعر))(١) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((إنَّ من الحياء وَقاراً، وإنَّ من الحياء سَكِينة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: السَّكينة، بزيادة
ألِفٍ ولام، وفي رواية أبي قَتَادة العَدَويِّ: إنَّ منه سَكِينة ووقاراً لله ومنه(٢) ضعف، وهذه
الزّيادة مُتَعيِّنة ومن أجلها غَضِبَ عِمران، وإلّا فليس في ذِكْر السَّكينة والوقار ما يُنافي كونه
خيراً، أشارَ إلى ذلك ابن بَطّال، لكن يحتمل أن يكون غَضِبَ من قوله: ((منه))، لأنَّ الشَّبعیض
یُفهم أنَّ منه ما يُضادّ ذلك، وهو قد روی: أنَّه کلّه خیر.
وقال القُرطُبيّ: معنى كلام بُشَير: أنَّ من الحياء ما يَحمِل صاحبه على الوقار؛ بأن يوقِّر غيره
ویتوقّر هو في نفسه، ومنه ما تحمله على أن یسگُن عن کثیر ◌ّا یتحَّك الناس فيه من الأُمور التي
لا تَليقُ بذي المروءة، ولم يُنكِرِ عِمران عليه هذا القَدْر من حيثُ معناه، وإِنَّا أنكَرَه عليه من حيثُ
إِنَّه ساقَه في مَعرِض مَن يعارِض كلام الرَّسول بكلام غيره، وقيل: إنَّما أنكَرَ عليه لكونه خافَ أن
تختلط السُّنّة بغيرها. قلت: ولا يخفى حُسْن التَّوجيه السابق.
قوله: ((وتُحدِّثني عن صحيفَتَك)) في رواية أبي قَتَادة: فغَضِبَ عِمران حتَّى احمرَّت عيناه،
وقال: لا أُراني أُحدِّثك عن رسول الله وَلَهُ وتُعارِضُ فيه، وفي رواية أحمد (١٩٩٩٩):
وتَعرِضُ فيه بحديثِ الكتب، وهذا يُؤيِّد الاحتمال الماضي، وقد ذكر مسلم في مُقدِّمة
(صحيحه)(٣) لُبُشَير بن كعب هذا قصَّة مع ابن عبّاس تُشعِر بأنَّه كان يَتَساهَل في الأخذ عن
كلّ مَن لَقیَه.
الحديث الثاني: قوله: ((عبد العزيز بن أبي سَلَمة)) هو الماجِشُون.
(١) باب رقم (٩٠).
(٢) تحرفت في (س) إلى: وفيه.
(٣) تحت الباب رقم (٤): باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها.

٥١٦
باب ٧٧ / ح ٦١١٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((مَّ النبيّ ◌َ ﴿ على رجل يَعِظ (١) أخاه في الحياء)) تقدَّم في أوَّل كتاب الإيمان (٢٤) مع
شرحه، ولم أعرِف اسم الرجل ولا اسم أخيه إلى الآن، والمراد بوعظِهِ: أنَّه يَذكُر له ما يَتَرتَّب على
مُلازَمَته من المفسَدة.
قوله: ((الحياء من الإيمان)) حكى ابن التِّين عن أبي عبد الملك: أنَّ المراد به كمال الإيمان،
وقال أبو عُبَيد الهَرَويُّ: معناه: أنَّ المستَحِي يَنقَطِع بحيائه عن المعاصي وإن لم يكن له تَقِيَّة،
فصارَ كالإيمان القاطِعِ بينه وبين المعاصي. قال عِيَاض وغيره: إنَّما جُعِلَ الحياء من الإيمان
وإن كان غَرِيزَة؛ لأنَّ استعماله على قانون الشَّرع يحتاج إلى قَصْدٍ واكتِساب وعِلم، وأمَّا
كَونه خيراً كلّه ولا يأتي إلّا بخيرٍ فأشكَلَ حملُه على العُمُومِ، لأنَّه قد يَصُدّ صاحبه عن
مواجَهة مَن يَرتَكِب المنكرات ويَحمِله على الإخلال ببعضِ الحقوق. والجواب: أنَّ المراد
بالحياءِ في هذه الأحاديث ما یکون شرعياً، والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوقِ لیس
حياء شرعيّاً بل هو عَجْز ومَهَانة، وإنَّما يُطلَق عليه حياءً لمُشابهتِه للحياءِ الشَّرعيّ، وهو
خُلُق يَبعَث على ترك القبيح. قلت: ويحتمل أن يكون أُشيرَ إلى أنَّ مَن كان الحياءُ من خُلُقه
أنَّ الخير يكون فيه أغلَبَ، فَيَضمَحِلّ ما لعلَّه يقع منه ممَّا ذكر في جنب ما يَحِصُل له بالحياءِ
من الخير، أو لكَونِه إذا صارَ عادة وتَخلَّقَ به صاحبُه يكون سبباً لجَلبِ الخير إليه، فيكون فيه
الخير بالذّات والسَّبَب.
وقال أبو العبّاس القُرطُبيّ: الحياء المكتَسَب هو الذي جعله الشّارع من الإيمان، وهو
المكلَّف به دونَ الغَرِيزيّ، غير أنَّ مَن كان فيه غريزة منه فإنَّهَا تُعِينُهُ على المكتَسَب، وقد يَتَطَّع
بالمكتَسَبِ حتَّى يصير غريزيّاً. قال: وكان النبيّ ◌َّه قد جَمَعَ له النَّوعان، فكان في الغَرِيزيّ أشدَّ
٥٢٣/١٠ حياءً من العَذْراء في خِدْرها، وكان/ في الحياء المكتَسَب في الذّروة العُليا ێ. انتهى.
(١) كذا ذكر الحافظ هذه اللفظة هنا ((يعظ))، وهذه اللفظة إنما هي في رواية مالك عن الزهري السالفة عند
البخاري في كتاب الإيمان برقم (٢٤)، أما هنا فالرواية ((يعاتب)) بدل ((يعظ)) كما في نسخ اليونينية ونسخة
القسطلاني، وقد نصَّ الحافظ نفسه هناك في الإيمان بأنَّ رواية عبد العزيز الماجشون في كتاب الأدب:
(یعاتب)).

٥١٧
باب ٧٨ / ح ٦١٢٠
كتاب الأدب
وبهذا تُعرَف مناسبة ذكر الحديث الثالث هنا، وقد تقدَّم شرحه (٣٥٦٢) في ((باب
صِفَة النبيّ ◌َِ﴾﴾.
وقوله: (عن مولی انس - قال أبو عبد الله: اسمه عبد الله بن أبي ◌ُتبةَ)) كذا للآكثر، وحکی
الجَيَّانيّ: أنَّه وَقَعَ لبعضِ رواة الفِرَبْريِّ: عبد الله بدلَ عبد الرَّحمن(١)، وأبو عبد الله المذكور: هو
البخاريّ، هكذا جَزَمَ بتسميتِه هنا، وتقدَّم كذلك مُسَمَّى هناك (٣٥٦٢)، وفي اسمه خِلاف،
فقيل: عبد الرَّحمن، وقيل: عُبيد الله بالتَّصغير، والمعتمَد أنَّه عبد الله مُكَبَّراً.
وقوله: (العَذْراء)) بفتح المهمَلة وسكون الذّال المعجَمة ثمَّ راء ومَدّ: هي البِكْرِ، والخِدْر -
بكسر المعجَمة وسكون المهمَلة -: الموضع الذي تُحبَس فيه وتَستَتِر، والله أعلم.
٧٨ - باب إذا لم تستخي فاصنع ما شئت
٦١٢٠ - حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدَّثنا منصورٌ، عن رِبْعِيٍّ بنِ حِراشٍ، حدَّثنا
أبو مسعودٍ، قال: قال النبيُّ وَلَه ((إِنَّ مَمَّا أدْرَكَ الناسُ من كلامِ النُّبَّةِ الأولى: إذا لم تَسْتَحْيِ
فاصنع ما شئتَ».
قوله: ((باب إذا لم تَسْتَخي فاصنَعْ ما شئت)) كذا تَرجَمَ بلفظ الحديث، وضمَّه في ((الأدب
المفرَد)) (٥٩٧ و١٣١٦) إلى ترجمة الحياء.
قوله: ((زُهَير)) هو ابن معاوية أبو خَيْئمةَ، ومنصور: هو ابن المعتمِر، والإسناد كلّه كوفيّونَ،
وقد تقدّم الاختلاف فيه على رِبعيّ في آخر ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٨٣).
قوله: ((إنَّ ممََّ أدْرَكَ الناس)) وَقَعَ في حديث حُذَيفة عند أحمد (٢٣٤٤١) والبزَّار(٢): ((إنَّ
آخر ما تَعلَّقَ به أهل الجاهليَّة من كلام النُبّة الأولى)). والناس يجوز فيه الرَّفع، والعائد على ((ما))
محذوف، ويجوز النَّصب، والعائد ضمير الفاعل، وأدرَكَ بمعنى: بَلَغَ، و(إذا لم تستحي)) اسم
للكلمة المشبَّهة بتأويلِ هذا القول.
(١) هكذا وقع في أصول ((الفتح)): عبد الله بدل عبد الرحمن، وهو سبق قلم من الحافظ رحمه الله، صوابه: عبد
الرحمن بدل عبد الله، هكذا هو في ((تقييد المهمل)) ٧٣٦/٢ لأبي علي الجياني.
(٢) لفظه في ((مسند البزار)) (٢٨٣٥): ((إنَّ مما أدرك الناس ... )).

٥١٨
باب ٧٩ / ح ٦١٢١ -٦١٢٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فاصنَعْ ما شئتَ)) قال الخطَّابِيُّ: الحكمة في التَّعبير بلفظ الأمر دونَ الخبر في الحديث:
أنَّ الذي يُفّ الإنسانَ عن مواقعة الشرّ هو الحياء، فإذا تَرَگه صارَ کالمأمورِ طبعاً بارتكابٍ كلّ
شَرِّ، وقد سَبَقَ هذا الحديث والإشارة إلى شرحه في ذِكْر بني إسرائيل في أواخر أحاديث الأنبياء،
وأُشير هنا إلى زيادة على ذلك.
قال النَّوويّ في ((الأربعينَ)): الأمر فيه للإباحة، أي: إذا أردت فِعْلَ شيء فإن كان ممّا لا
تَستَحي إذا فعَلتَه من الله ولا من الناس فافعله وإلا فلا، وعلى هذا مدار الإسلام، وتوجيه ذلك:
أنَّ المأمور به الواجب والمندوب يُستَحْيَى من تركِه، والمنهيّ عنه الحرام والمكروه يُسْتَحْيَى من
فِعِلِه، وأمَّا المباح فالحياء من فِعلِه جائزٌ، وكذا من تَركِه، فتَضَمَّنَ الحديث الأحكام الخمسة.
وقيل: هو أمر تَهدِيد، كما تقدَّم توجيهه، ومعناه: إذا نُزِعَ مِنك الحياء فافعَل ما شِئت،
فإنَّ الله ◌ُجازِيك عليه، وفيه إشارة إلى تعظيم أمر الحياء.
وقيل: هو أمر بمعنى الخبر، أي: مَن لا يستحي يصنع ما أرادَ.
٧٩ - باب ما لا يُستحيا من الحقّ للتّفقُّه في الدِّين
٦١٢١ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن هشامٍ بنِ عُرْوةً، عن أبيه، عن زينبَ
ابنةِ أبي سَلَمَةَ، عن أمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قالت: جاءت أمُّ سُلَيم إلى رسولِ الله وَّ، فقالت:
يا رسولَ الله، إنَّ الله لا يَستَحي منَ الحقِّ، فهل على المرأةِ غُسْلٌ إذا احتَلَمَت؟ فقال: ((نعم، إذا
رَأْتِ الماء)».
٦١٢٢ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا محاربُ بنُ دِثارٍ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ يقول:
قال النبيُّ ◌َّه: ((مَثَلُ المؤمنِ كَمَثَلِ شَجَرةٍ خَضْراءَ، لا يَسْقُطُ ورَقُها ولا يَتَحاتِ)) فقال القومُ:
هي شَجَرةُ كذا، هي شَجَرةُ كذا، فأرَدْتُ أن أقولَ: هي النَّخْلةُ - وأنا غلامٌ شابٌّ -فاستَحْيَيتُ،
فقال: ((هِيَ النَّخْلة)).
وعن شُعْبةَ، حدَّثنا خُبَيبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن حفصِ بنِ عاصم، عن ابنِ عمرَ، مِثْلَه، وزادَ:
فَحَدَّثْتُ به عمرَ، فقال: لو كنتَ قُلتَها لكان أحَبَّ إليَّ من كذا وكذا.

٥١٩
باب ٧٩ -٨٠ / ح ٦١٢٣
كتاب الأدب
٦١٢٣ - حدَّثْنَا مُسَّدٌ، حدَّثْنَا مَرْحومٌ، سمعتُ ثابتاً، أنَّه سمعَ أنساً عنه يقول: جاءتِ امرأةٌ إِلى
النبيِّ وَّلَ تَعْرِضُ عليه نفسَها، فقالت: هل لكَ حاجةٌ فيَّ؟ فقالت ابنَتُه: ما أقلَّ حياءَها! فقال: هي
خيرٌ مِنْكِ، عَرَضَت على رسولِ الله وَل﴿ نفسها.
قوله: ((باب ما لا يُستَحيا من الحقّ للتفقُّه في الدّين)) هذا تخصيص للعُموم الماضي في الذي قبله ٥٢٤/١٠
أنَّ الحياء خير كلّه، أو يُحمَل الحياء في الخبر الماضي على الحياء الشَّرعيّ، فيكون ما عَداه ممّا يُوجَد
فيه حقيقة الحياء لغةً ليس مُراداً بالوصفِ المذكور.
وذکر فیه ثلاثةً أحاديث تقدَّمَت، وهي ظاهرة فیما تَرجَم له:
أحدها: حديث أمّ سَلَمة في سؤال أمّ سُلَيم عن احتلام المرأة، وقد تقدَّم شرحه في كتاب
الطَّهارة (٢٨٢).
ثانيها: حديث ابن عمر: ((مَثَل المؤمن مَثَل شَجَرة خَضْراء)» أورَدَه من وجهَين،
ومُناسَبته للتَّرجمة من إنكار عمر على ابنه تركه قول الذي ظَهَرَ له لكَونِهِ استَحْيَا، وَمَنّيه أن
لو کان قال ذلك.
وقوله: ((أحَبَّ إليَّ من كذا)) أي: من حُر النَّعَم، كما تقدَّم صريحاً، وقد تقدَّم شرحه في كتاب
العلم (٦١).
ثالثها: حديث أنس.
قوله: (مَرْحوم)) هو ابن عبد العزيز العَطّار.
قوله: ((جاءت امرأة)» لم أقِفْ على تعيين اسمها.
وقوله: ((فقالت ابنَته)) الضَّمير لأنسِ، واسم ابنَتَه - فيما أظنّ -: أُمَينة، بنونٍ مُصفَّر، وقد تقدَّم
شرح هذا الحديث في كتاب النكاح (٥١٢٠).
٥٢٢/١٠
٨٠ - باب قول النبيّ وَلقر: ((يسّروا ولا تعسّروا))
وكان يُحِبُّ النَّخْفِيفَ واليُسْرَ على الناسِ.
٦١٢٥ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي التَيَّاح، قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ تَ﴾، قال:

٥٢٠
باب ٨٠ / ح ٦١٢٤-٦١٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
قال النبيُّ وَلَ: (( يَسِّروا ولا تُعَشِّروا، وسَكِّنوا ولا تُنفِّروا)).
٦١٢٤ - حدَّثْني إسحاقُ، حدَّثْنَا النَّضْرُ، أخبرنا شُعْبةُ، عن سعيدِ بنِ أبي بُرْدَ، عن أبيه، عن
جَدِّه، قال: لمَّا بَعَثَه رسولُ اللهِ وَّهِ ومعاذَ بنَ جبلٍ، قال لهما: ((يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُتَفِّرًا،
وتَطاوَعا))، قال أبو موسى: يا رسولَ الله، إنّا بأرضٍ يُصْنَعُ فيها شرابٌ منَ العَسَلِ يقال له: البِتْعُ،
وشرابٌ منَ الشَّعِيرِ يقال له: المِزْر؟ فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((كلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ)).
٦١٢٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةً
رضي الله عنها، أنَّهَا قالت: ما خُيُّرَ رسولُ الله ◌ِّهِ بِينَ أمَرَينٍ قَطُّ إلا أخَذَ أيسَرَهما، ما لم يكن
إِثْماً، فإن كان إِثْماً كان أبعَدَ الناسِ منه، وما انتَقَمَ رسولُ الله ◌ِّهِ لنفسِه في شيءٍ قَطُّ، إلا أن
تُنْتَهَكَ حُرْمُ الله فيَنْتَقِمَ بها لله.
٦١٢٧- حدَّثنا أبو الثُّعْمان، حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن الأَزْرَقِ بنِ قيسٍ، قال: كنَّا على
شاطِئٍ غَرِ بالأهوازِ قد نَضَبَ عنه الماءُ، فجاء أبو بَرْزةَ الأسلَمِيُّ على فَرَسِ فصَلَّى وخَلَّى فَرَسَه،
فانطَلَقَتِ الفرسُ، فَتَرَكَ صلاَه وتَبِعَها حتَّى أَدْرَكَها فأخَذَها، ثمَّ جاء فقَضّی صلاته، وفينا
رجلٌ له رأيٌّ، فأقبَلَ يقول: انظُرُوا إلى هذا الشيخ، تَرَكَ صلاتَه من أجْلِ فَرَسٍ؟ فأقبَل فقال:
ما عَنَّفَني أحدٌ منذُ فارَقْتُ رسولَ الله ◌ِّهِ، وقال: إنَّ مَنْزِلِي مُتَراخ، فلو صَلَيْتُ وتَرَكْتُ لم آتِ
أهلي إلى اللَّيلِ، وذكر أنَّه صَحِبَ النبيَّ ◌َ لَّهُ ورَ أى من تَبِيرِه.
٦١٢٨ - حدّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ (ح) وقال اللَّيْثُ: حدَّثني يونسُ،
عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ: أنَّ أبا هريرةَ أخبره: أنَّ أعرابيّاً بالَ في
المسجدِ، فثارَ إليه الناسُ لَقَعوا به، فقال لهم رسولُ الله ◌َّهِ: «دَعُوه، وأهْرِيقُوا على بَوْلِهِ ذَنوباً من ماءٍ
- أو سَجْلاً من ماءٍ - فإِنَّمَا بُعِثْتُم مُيَسِّرِينَ ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)).
قوله: (باب قول النبيّ وَّهَ: يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وكان يُحِبّ التَّخْفيف واليُسْر(١) على الناس))
٥٢٥/١٠
أمَّا حديث: يَسِّروا، فَوَصَلَه في الباب، وأمَّا الحديث الآخر فأخرجه مالك في ((الموطَّأ)
(١) تحرفت في (س) إلى: التسري، والمثبت من (أ)، وفي (ع): والتيسير.