Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٥ كتاب الأدب عليّ بن المَدِينيّ من رواية الأوزاعيِّ وصالح بن كَيْسانَ ومَعمَر ثلاثتهم عن الزّهْريّ، ففي رواية الأوزاعيِّ عنه: حدَّثني الطَّفَيل / بن الحارث وكان من أزْد شَنُوءة، وكان أخاً لها من ٤٩٣/١٠ أمّها أمّ رومان، وفي رواية صالح عنه: حدَّثني عَوف بن الطَّفَيل بن الحارث، وهو ابن أخي عائشة لأُمِّها، وفي رواية مَعمَر: عَوف بن الحارث بن الطَّفَيل. قال عليّ بن المَدِينيّ: هكذا اختَلَفوا، والصَّواب عندي - وهو المعروف -: عَوف بن الحارث بن الطفيل بن سَخْبَرَةَ - يعني: بفتح المهملة والموخَّدة بينهما مُعجَمة ساكنة - قال: والطّفيل أبوه هو الذي روى عبدُ الملِك بن عُمَير عن رِبعيّ بن حِراش عنه، يعني حديث: ((لا تقولوا: ما شاءَ الله وشاءَ فلان)) أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٧٥٥) وابن ماجَهْ (٢١١٨)، وكذا أخرج أحمد (١٨٩٢١ و١٨٩٢٢) طريق مَعمَر والأوزاعيِّ. وقال إبراهيم الخَرْبيّ في كتاب ((النَّهي عن الهجران)) - بعد أن أورَدَه من طريق مَعمَر وشُعَيب وصالح والأوزاعيِّ كما تقدَّمَ، ومن طريق عبد الرَّحمن بن خالد بن مُسافر عن الزُّهْريّ: عن عوف بن الحارث بن الطُّفَيل، ومن طريق التُّعمان بن راشد عن الزُّهْريّ: عن عُرْوة عن المِسوَر -: هذا وهمٌّ، قال: وكذا وَهِمَ الأوزاعيُّ في قوله: الطَّفَيل بن الحارث، وصالح في قوله: عَوف بن الطَّفَيل بن الحارث، وأصاب مَعمَر وعبد الرَّحمن بن خالد في قولهما: عوف بن الحارث بن الطُّفَيل. كذا قال، ثمَّ قال: الذي عندي أنَّ الحارث بن سَخْبَرَةَ الأزديَّ قَدِمَ مَكّة ومعه امرأته أمّ رُومان بنت عامر الكِنانيَّة، فحالَفَ أبا بكر الصِّدّيق، ثمَّ ماتَ فخَلَفَ أبو بكر على أمّ رُومان، فولدت له عبد الرّحمن وعائشة، وكان لها من الحارث الطُّفَيلُ بن الحارث، فهو أخو عائشة لأُمِّها، وولدَ الطَّفَيل بن الحارث عَوْفاً، وله عن عائشة رواية غير هذه، وهو الذي حدَّث عنه الزّهْريّ. انتهى، فعلى هذا يكون الذي أصاب في تسميته ونَسَبه صالحُ بنُ كَيْسانَ، وأمَّا مَعمَر وعبد الرَّحمن بن خالد فقَلَبَاه، والأوَّل هو الذي صَوَّبَه عليّ بن المَدِينيّ. وقد اختُلِفَ على الأوزاعيّ؛ فالرِّواية التي ذكرها الحَرْبيّ عنه هي رواية الوليد بن مسلم، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن كثير عن الأوزاعيِّ على وَفْق رواية مَعمَر وابن خالد، وأمَّا شُعَيب في رواية أحمد (١٨٩٢٣) فقَلَبَ الحارثَ أيضاً ٤٦٢ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٥ فتح الباري بشرح البخاري فسمّاه مالكاً، وحَذَفَه البخاري في رواية أبي ذرِّ فأصاب، وسَكَتَ عن تسمية جَدّه، وقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (٣٩٧) رواية عبد الرَّحمن بن خالد كذلك، وإذا تَحرَّرَ ذلك، ظَهَرَ أنَّ الذي جَزَمَ به ابنُ الأثير في ((جامع الأصول)) من أنَّه عوفُ بن مالك بن الطُّفَيل ليس بجيِّدٍ، والاختلاف المذكور كلّه في تحرير اسم الراوي هنا عن عائشة ونَسَبِهِ، إلّا رواية النُّعمان بن راشد فإنَّهَا شاذّة، لأنَّه قَلَبَ شيخ الزّهْريّ فجعله عُرْوة بن الزُّبَيرِ، والمحفوظ رواية الجماعة، على أنَّ للخبرِ من رواية عُرْوة أصلاً كما تقدَّم في أوائل مناقب قریش، لكنَّه من غیر رواية الزُّهْريّ عنه. قوله: ((أنَّ عائشة حُدِّثَتْ)) كذا للأكثر: بضمٍّ أوَّله وبحذفِ المفعول، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيّ: ((حدَّثْه) والأوَّل أصحّ، وَيُؤيِّده أنَّ في رواية الأوزاعيِّ: ((أَنَّ عائشة بَلَغَها))، ووَقَعَ في رواية مَعمَر على الوجهَين، ووَقَعَ في رواية صالح أيضا: ((حدَّثْه)). قوله: ((في بيع أو عطاء أعْطَّه عائشة)) في رواية الأوزاعيِّ: في دار لها باعَتها، فسَخِطَ عبد الله بن الزُّبَير بيعَ تلك الدّار. قوله: ((لَنْتَهَيَنَّ عائشةُ)) زاد في رواية الأوزاعيِّ: فقال: أما والله لَتنتهيَنَّ عائشة عن بيع رِباعها، وهذا مُفسِّر لما أُبهمَ في رواية غيره، وكذا لما تقدَّم في مناقب قريش (٣٥٠٥) من طريق عُرْوة قال: كانت عائشة لا تُمسِك شيئاً مما جاءها من رِزق الله تَصَدَّقَت به، وهذا لا يُخالف الذي هنا لأنَّه يحتمل أن تكون باعَتِ الرِّباع لتَتَصَدَّق بِثَمَنِها. وقوله: (لَتنتهيَنَّ أَو لَأحجُرَنَّ عليها)) هذا أيضاً يُفسِّر قوله في رواية عُرْوة: ((ينبغي أن يُؤخَذ علی یدیہا)). قوله: (لله عليَّ نَذْر أن لا أُكلُّم ابن الزُّبَير أبداً) في رواية عبد الرّحمن بن خالد: ((كلمةً أبداً»، وفي رواية مَعمَر: ((بكلمةٍ))، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق الأوزاعيِّ بَدَل قوله: ٤٩٤/١٠ أبداً: ((حتَّى يُفرِّق الموت بيني وبينه))، قال ابن / التِّين: قولها: ((أن لا أُكلِّم)) تقديره: عليَّ نَذر إن كَلَّمته. انتهى، ووَقَعَ في بعض الرِّوايات بحذفٍ: ((لا)) وشَرَحَ علیھا الکِرْمانيُّ، وضَبَطَها بالكسر ٤٦٣ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٥ كتاب الأدب بصيغة الشَّرط، قال: وهو الموافق للرِّواية المتقدِّمة في مناقب قريش بلفظ: ((لله عليَّ نَذر إن كَلَّمته))، فعلى هذا يكون النَّذر مُعلَّقاً على كلامه، لا أنَّهَا نَذَرَت ترك كلامه ناجِزاً. قوله: ((فاستَشْفَعَ ابنُ الزُّبَير إليها حين طالَتِ الهِجْرة)) كذا للأكثر، ووَقَعَ في رواية السَّرَخْسِيّ والمُستَمْلي: ((حَتَّى)) بَدَل: ((حين)، والأوَّل الصَّواب، ووَقَعَ في رواية مَعمَر على الصَّواب، زاد في رواية الأوزاعيِّ: فطالَت هِجَرَتها إيّاه، فنَقَصَه الله بذلك في أمره كلّه، فاسْتَشْفَعَ بكلِّ جَدير(١) أنَّهَا تُقبَل عليه، وفي الرّواية الأُخرى عنه: فاستَشفَعَ عليها بالناس فلم تَقبَل، وفي رواية عبد الرَّحمن بن خالد: فاستَشفَعَ ابن الزُّبَير بالمهاجِرينَ، وقد أخرج إبراهيم الحَرْبيّ من طريق حُميدٍ بن قيس أنَّ(٢) عبد الله بن الزُّبَير قال، فذكر نحو هذه القصَّة، قال: فاستَشفَعَ إليها بعُبيدِ بن عُمَير، فقال لها: أين حديثٌ أخبَرِنِيه عن النبيّ وَِّ أَنَّه نَهَى عن الصَّرْم(٣) فوق ثلاث؟. قوله: ((فقالت: لا والله لا أُشَفِّع)) بكسر الفاء الثَّقيلة. قوله: ((فيه أحداً) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أبدا) بَدَل قوله: ((أحداً))، وجَمَعَ بين اللَّفْظَينِ في رواية عبد الرّحمن بن خالد، وكذا في رواية معمر. قوله: ((ولا أتحَنَّث إلى نَذْري)) في رواية مَعمَر: ولا أحنَثُ في نَذْري، وفي رواية الأوزاعيِّ: فقالت: والله لا آثَم فيه، أي: في نَذْرِها، أو في ابن الزُّبَيرِ، وتكون ((في)) سببيَّة. قوله: «فلمَّا طالَ ذلك على ابن الزُّبَيرِ كَلَّمَ الِسْوَر بن تَخَرَمةَ وعبد الرَّحمن بنَ الأسود بن عبد يَغُوث - وهما من بني زُهْرة -)) أمَّا الِسوَر فهو ابن مَرَمةَ بن نَوفَل بن أُهَيب بن زُهْرة بن كِلاب، وأمَّا عبد الرَّحمن فجَدّه يَغُوث - بفتح التَّحتانيَّة وضمّ المعجَمة وسكون الواو بعدها (١) في (ع): بكل أحد، والمثبت من (أ) و(س). (٢) تحرَّفت في (س) إلى: بن. (٣) تحرَّفت في (س) إلى: الصوم، والمثبت من (أ)، ووقع في (ع): الهجر، وهما بمعنى. وقد أخرج البخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٠٢)، وابن حبان (٥٦٦٤) وغيرهما من حديث هشام بن عامر رفعه: ((لا يحل لمسلم أن یصارم مسلماً فوق ثلاث ... )) الحديث. ٤٦٤ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٥ فتح الباري بشرح البخاري مُثلَّثة - وهو ابن وُهَيب بن عبد مناف بن زُهْرة، يجتمع مع المِسوَر في عبد مَناف بن زُهْرة، ووُهَيب وأُهَيب أخَوان، وماتَ الأسود قبل الهجرة ولم يُسلم، وماتَ النبيّ ◌َّهِ وعبد الرّحمن صغير فذُكِرَ في الصحابة، وله في ((البخاريّ)) غير هذا الموضع حديثٌ عن أُبيِّ ابن كعب سيأتي قريباً (٦١٤٥)، ووَقَعَ في رواية عُرْوة المتقدِّمة: فاستَشْفَعَ إليها برجالٍ من قريش، وبأخوال رسول الله وَ ل﴿ خاصّة، وقد بيَّنت هناك معنى هذه الحَؤْولة وصِفَة قَرابة بني زُهْرة برسولِ الله ێ﴾ من قِبَل أبيه وأُمّه. قوله: ((أنشُدُما بالله لَما)) بالتَّخفيفِ و((ما)) زائدة، ويجوز التَّشديد، حكاه عِیَاض، يعني: إلّا، أي: لا أطلُب إلّا الإدخال عليها، ونَظَّرَه بقوله تعالى: ﴿لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، وقوله: ﴿لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [الطارق: ٤] فقد قُرِئا بالوجهَين، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: إلّا أدخَلْتُماني، زاد الأوزاعيُّ: فسألَمَا أن يَشتَمِلا عليه بأرديَتِهما. قوله: ((فإنَّها)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فإِنَّه)) والهاء ضمير الشَّأن. قوله: ((لا تَحِلّ لها أن تَنْذُر قَطيعَتي)) لأنَّه كان ابن أُختها، وهي التي كانت تَتَوَّ تَربيّته غالباً. قوله: ((فقالا: السَّلام عليكِ ورحمة الله وبَرَكاته)) في رواية مَعمَر: ((فقالا: السَّلام على النبيّ ورحمة الله))، فيحتمل أن تكون الكاف في الأوَّل مفتوحة. قوله: ((أنَدْخُل؟ قالت: نعم. قالوا: كلّنا؟ قالت: نعمْ)) في رواية الأوزاعيِّ: قالا: ومَن مَعَنا؟ قالت: ومَن مَعَكُما. قوله: ((فَاعْتَنَقَ عائشة، وطَفِقَ يُناشدها ويَبْكي)) في رواية الأوزاعيِّ: فَبَكَى إليها وبَكَت إليه وقَبَّلَها، وفي روايته الأُخرى عند الإسماعيليّ: وناشَدَها ابن الزُّبَير الله والرَّحِم. قوله: ((ويقولان: إنَّ النبيّ ◌َ ◌ّهِ قد نَهَى عَّا قد عَلِمْتِ من الهِجْرة، وأنه لا يَحِلّ لمسلم أن يَهْجُر أخاه فوق ثلاث لَيالٍ)) في رواية مَعمَر: ((أنَّه لا تَحِلّ)) بحذفِ الواو، وهو كالتَّفسير لما قبله، ويُؤيِّد ذلك ورود الحديث مرفوعاً من طريق أُخرى كحديثَي أنس وأبي أيوب اللَّذَينِ ٤٦٥ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٥ كتاب الأدب بعده، وهذا القَدْر هو المرفوع من الحديث، وهو هنا من مُسنَد المِسوَر وعبد الرَّحمن ابن الأسود وعائشة جميعاً، فإنَّهَا أقَرَّتهما على ذلك، وقد/ غَفَلَ أصحاب الأطراف عن ذِكْره في ٤٩٥/١٠ مُسنَد عبد الرَّحمن بن الأسود لكَونِهِ مُرسَلاً، ولكن ذَكَروا أنظاره فيَلزَمهم من هذه الحَيْثِيَّة، وله عن عائشة طريق أُخرى تقدَّم بيانها(١) وأنَها من رواية حُميدٍ بن قيس عن عُبيد بن عُمَير عنها، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٩١٣) من طريق أُخرى عن عائشة، وجاء المتن عن جماعة كثيرة من الصحابة یزید بعضهم على بعض کما سأُبِّنُه بعد. تنبيه: ادَّعَى المحِبّ الطَّبَرَيُّ: أنَّ الهِجران المنهيّ عنه: تركُ السَّلام إذا النَقَيا، ولم يقع ذلك من عائشة في حقّ ابن الزُّبَير، ولا يخفى ما فيه، فإنَّهَا حَلَفَت أن لا تُكلِّمه، والحالف يَحِرِص على أن لا يَنَث، وتركُ السَّلامِ داخلٌ في ترك الكلام، وقد نَدِمَت على سَلامها عليه، فدَلَّ على أنَّهَا اعتَقَدَت أنَّهَا حَنِثَت، ويُؤيِّده ما كانت تُعتِقِه في نَذْرها ذلك. قوله: ((فلمَّا أكثروا على عائشة من التَّذْكِرة)) أي: التَّذكير بما جاء في فضل صِلة الرَّحِم والعفو وكظم الغيظ. قوله: ((والتَّحْرِيج)) بحاءٍ مُهمَلة ثمَّ الجيم، أي: الوقوع في الخَرَج، وهو الضِّيق لما وَرَدَ في القَطيعة من النَّهي، وفي رواية مَعمَر: التَّخويف. قوله: ((فلم يزالا بها حتَّى كَلَّمَت ابن الزُّبَيرِ)) في رواية الأوزاعيِّ: فكَلَّمَته بعدَما خَشِيَ أن لا تُكلِّمه، وقَبِلَت منه بعد أن كادت أن لا تَقبَل منه. قوله: ((وأعْتَقَت في نَذْرها ذلك أربعينَ رَقَبة)) في رواية الأوزاعيّ: ثمَّ بَعَثَت إلى اليمن بمالٍ، فابتيعَ لها به أربعونَ رَقَبةً فأعتَقَتها كفَّارةً لنَدرها، ووَقَعَ في رواية عُرْوة المتقدِّمة: فأرسَلَ إليها بعشرِ رِقاب فأعتَقَتهم، وظاهره أنَّ عبد الله بن الزّبَيرِ أرسَلَ إليها بالعشرة أوَّلاً، ولا يُنافي رواية الباب أن تكون هي اشتَرَت بعد ذلك تمام الأربعينَ فأعتَقَتهم، وقد وَقَعَ في الرِّواية الماضية (٣٥٠٥): ثمَّ لم تَزَل حتَّى بَلَغَت أربعينَ. (١) تقدمت الإشارة إليها عند الحافظ قريباً، وأنه أخرجها إبراهيم الحربي. ٤٦٦ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٦ - ٦٠٧٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وكانت تَذْكُرُ نَذْرها)) في رواية الأوزاعيِّ: قال عَوف بن الحارث: ثمَّ سَمِعتُها بعد ذلك تَذْكُرُ نَذرها ذلك، ووَقَعَ في رواية عُرْوة (٣٥٠٥) ((أنَّها قالت: ودِدت أنّ جَعَلت حين حَلَفت عَمَلاً، فأعمَله فأفرغ منه))، وبيَّنْتُ هناك ما يحتمله كلامها هذا. ٦٠٧٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن أنسِ بنِ مالك، أنَّ رسولَ اللهِوَ لِ قال: ((لا تَبَاغَضوا ولا تَحاسَدوا، ولا تَدابروا، وكونوا عبادَ الله إخواناً، ولا يَحِلُّ لمسلمٍ أَن يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ لَيَالٍ». ٦٠٧٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عطاءِ بنِ یزیدَ اللَّهِيِّ، عن أبي أيوب الأنصاريِّ، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: ((لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ لَيَالٍ، يَلْتَقِيان فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا، وخيرُ هما الذي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ». [طرفه في: ٦٢٣٧] الحديث الثاني، والثالث: حديث الزُّهْريّ عن أنس، وعن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب، وقد تقدَّم حديث أنس (٦٠٥٦) في ((باب التَّحاسُد))، وأراد بإيرادِهما معاً: أنَّه عند الزُّهْريّ على الوجهین، لأنّه أخرج من طریق مالك عنه عن شیخیه، وأوَّل حديث أبي أيوب عنه: ((لا يَحِلّ لرجل)) كما عَلَّقَه أوَّلاً، وزاد فيه: ((يَلتَقيان))، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فِيَلتَقيان)» بزيادة فاء. قوله: ((عن عطاء بن يزيد اللَّيثيِّ، عن أبي أيوب)) هكذا أنَّفَقَ أصحاب الزّهْريّ، وخالَفَهم عُقَيل(١) فقال: عن عطاء بن يزيد عن أُبيّ، وخالَفَهم كلّهم شَبِيبُ بن سعيد عن يونس عنه فقال: عن عُبيد الله - أو عبد الرّحمن - عن أَبيِّ بن كعب. قال إبراهيم الحَرْبيّ: أمَّا شَبِيب فلم يَضبط سنده، وقد ضَبَطَه ابن وهب عن يونس فساقَه على الصَّواب، أخرجه مسلم (٢٥٦٠)، وأمَّا عُقَيل فلعلَّه سَقَطَ عليه لفظ ((أيوب)) فصارَ ((عن أُبيّ)) فنَسَبَه من قِبَل نفسه، فقال: ((ابن کعب» فوهم في ذلك. (١) أخرج روايته الطبراني في «الكبير» (٣٩٦٠)، وابن عدي في ((الكامل)) ٢٣٠/٤. ٤٦٧ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٧ كتاب الأدب قوله: ((فوق ثلاث)) ظاهره إباحة ذلك في الثلاث، وهو من الرِّفق، لأنَّ الآدَميّ في طَبعه الغَضبُ وسوء الخُلُق ونحو ذلك، والغالب أنَّه يَزول أو يَقِلّ في الثلاث. قوله: ((فُعْرِض هذا ويُعْرِض هذا، وخيرهما الذي يَبْدَأ بالسَّلام)) زاد الطبراني(١) من طريق أُخری عن الزُّهْريّ: «یسِقِ إلی الجنَّة))، ولأبي داود (٤٩١٢) بسندٍ صحیح من حديث أبي هريرة: «فإن مرَّت به ثلاث فلَفيَه فليُسَلِّم عليه، فإن رَدّ عليه فقد اشتَرَكا في الأجر، وإن لم يَرُدّ عليه فقد باءَ بالإثم، وخَرَجَ المسلم من الهجرة))، ولأحمد (١٦٢٥٧) والمصنّف في ((الأدب المفرَد)) (٤٠٢) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٥٦٦٤) من حديث هشام بن عامر: ((فإنَّهما ناكبان(٢) عن الحقّ ما داما على صِرَامِهما، وأوَّلهما فيئاً يكون سبقه كفَّارة))، فذكر نحو حديث أبي هريرة، وزاد في آخره: «فإن ماتا على صِرَامِهما لم يَدخُلا الجنَّة جميعاً». قوله: ((وخير هما الذي يَبْدَأْ بالسَّلام)»/ قال أكثر العلماء: تَزول الهجرة بمُجرَّدِ السَّلام ورَدّه، ٤٩٦/١٠ وقال أحمد: لا يَبرأ من الهجرة إلّا بعَودِه إلى الحال التي كان عليها أوّلاً. وقال أيضاً: تركُ الكلام إن كان يُؤذيه لم تَنقَطِعِ الهجرة بالسَّلام. وكذا قال ابن القاسم، وقال عِيَاض: إذا اعتَزَلَ كلامه لم تُقبَل شَهادتُه عليه عندنا ولو سَلَّمَ عليه. يعني: وهذا يُؤيِّد قول ابن القاسم. قلت: ويُمكِنِ الفَرق بأنَّ الشَّهادة يُتوقَّى فيها، وتركُ المكالمة يُشعِر بأنَّ في باطنه عليه شيئاً، فلا تُقبَل شهادته عليه، وأمَّا زَوال الهجرة بالسَّلام عليه بعد تركه ذلك في الثلاث فليس بمُمتَنِعِ، واستُدِلَّ للجُمهورِ بما رواه الطبرانيُّ (٨٩٠٤) من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود في أثناء حدیث موقوف، وفيه: ورُ جوعه أن يأتي فيُسَلِّم عليه. واستُدِلَّ بقولِه: ((أخاه)) على أنَّ الحُكم يَخْتَصّ بالمؤمنينَ. وقال النَّوويّ: لا حُجّة في قوله: ((لا يَحِلّ لمسلمٍ)) لمن يقول: الكفَّار غير مُخاطَبين بفُروع الشَّريعة، لأنَّ التَّقييد بالمسلم لكَونِه الذي يَقبَل خطاب الشَّرع ويَنْتَفِع به، وأمَّا الَّقييد بالأُخوّة فدالٌ على أنَّ للمسلم أن يهجُر الكافر من غیر تقیید. (١) في ((الأوسط)) (٧٨٧٤)، وإسناده ضعيف. وقد تحرَّف الطبراني في (أ) و(س) إلى: الطبري. (٢) تصحفت في (س) إلى: ناکثان. ٤٦٨ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٧ فتح الباري بشرح البخاري واستُدِلَّ بهذه الأحاديث على أنَّ مَن أعرَضَ عن أخيه المسلم وامتَنَعَ من مُكالَته والسَّلام عليه أثِمَ بذلك، لأنَّ نفي الِحِلّ يُثِتُ (١) التَّحريم، ومُرتَكِب الحرام آثِم. قال ابن عبد البَرِّ: أجمَعوا على أنَّه لا يجوز الهجران فوق ثلاث، إلّا لمن خافَ من مُكالَته ما يُفسِد عليه دِينَه، أو يَدخُل منه على نفسه أو دُنياه مَضَرّة، فإن كان كذلك جازَ، ورُبَّ هَجٍ جميل خيرٌ من مُخَالَطة مُؤذية. وقد استُشكِلَ على هذا ما صَدَرَ من عائشة في حقّ ابن الزُّبَير، قال ابن التِّين: إنَّما يَنْعَقِد النَّذر إذا كان في طاعة الله: عليَّ(٢) أن أُعْتِقَ أو أن أُصَلّي، وأمّا إذا كان في حَرام أو مكروه أو مُباح فلا، ونَذْرُ تركِ(٣) الكلام يُفضي إلى التَّهاجُر، وهو حَرام أو مكروه. وأجابَ الطََّرِيُّ بأنَّ المحَّم إِنَّما هو ترك السَّلام فقط، وأنَّ الذي صَدَرَ من عائشة ليس فيه أنَّها امتَنَعَت من السَّلام على ابن الزُّبَير ولا من رَدِّ السَّلام عليه لمَّا بَدَأها بالسَّلام، وأطالَ في تقرير ذلك، وجعله نَظيرَ مَن كانا في بَلَدَينٍ لا يجتمعان، ولا يُكلِّم أحدهما الآخر ولَيسا مع ذلك مُتَهاجِرَين، قال: وكانت عائشة لا تأذَن لأحدٍ من الرِّجال أن يدخل عليها إلّا بإذنٍ، ومَن دَخَلَ كان بينه وبينها حِجاب إلّا إن كان ذا مَحَرَم منها، ومع ذلك لا يَدخُل عليها حِجابها إلّا بإذنِها، فكانت في تلك المدّة مَنَعَت ابن الزُّبَير من الدُّخول عليها. كذا قال، ولا يخفى ضعف المأخَذ الذي سلَگه من أو جُه لا فائدة للإطالة بها. والصَّواب ما أجابَ به غيره: أنَّ عائشة رأت ابن الزُّبَير ارتَكَبَ بما قال أمراً عظيماً، وهو قوله: لَأَحجُرَن عليها، فإنَّ فيه تنقيصاً لقَدْرها، ونسبةً لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التَّذير الموجِب لمنعِها من النَّصَرُّف فيما رَزَقَها الله تعالى، مع ما انضافَ إلى ذلك من كونها أمّ المؤمنينَ وخالَته أُخت أمّه، ولم يكن أحد عندها في مَنزِلَته كما تقدَّم التَّصريح به في أوائل مناقب قريش (٣٥٠٥)، فكأنَّها رأت أنَّ في ذلك الذي وَقَعَ منه نوع عُقُوق، والشَّخص يَستَعظِم ثمّن يَلوذُ به ما لا يَستَعَظِمه من الغريب، فرأت أنَّ مجازاتَه على ذلك بتركِ مُكالَته، كما نَهَى النبيُّ وَله (١) في (س): يستلزم، والمثبت من الأصلين. (٢) كذا في الأصلين، وفي (س): في طاعة، كلِلُّهِ عليَّ. (٣) في (س): فلا نَذْرَ، وتركُ، والمثبت من الأصلين. ٤٦٩ باب ٦٣ / ح ٦٠٧٨ كتاب الأدب عن كلام كعب بن مالك وصاحبَيه عُقوبةً لهم لتَخلَّفِهم عن غزوة تَبُوك بغير عُذر(١)، ولم يَمنَع من كلام مَن تَخَلَّفَ عنها من المنافقينَ مُؤْاخَذةً للثلاثة لعظيم مَنزِلَتهم، وازدِراءَ بالمنافقينَ لحَقارَتِهِم، فعلى هذا يُحمَل ما صَدَرَ من عائشة. وقد ذكر الخطَّابُّ: أنَّ هَجْر الوالد ولدَه والَّوج زوجتَه ونحو ذلك لا يَتَضَيَّقُ بالثلاث، واسْتَدَلَّ بَأَنَّهَ وَِّ هَجَرَ نساءَه شهراً(٣)، وكذلك ما صَدَرَ من كثير من السَّلَف في استِجازَتهم ترك مُكالَة بعضهم بعضاً مع عِلمِهم بالنَّهي عن المهاجرة. ولا يخفى أنَّ هنا مقامَينِ: أعلى وأدنَى، فالأعلى: اجتنابُ الإعراض جُملةً، فَيَبْذُل السَّلامِ والكلام والموادَدَة بكلِّ طريق، والأدنَى: الاقتصارُ على السَّلام دونَ غيره، والوعيد الشَّديد إنَّما هو لمن يَتْرُك المقام الأدنَى. وأمَّا الأعلى فمَن تَرَكَه من / الأجانب فلا يَلحَقه اللَّوم، ٤٩٧/١٠ بخِلَاف الأقارب فإنَّه يَدخُل فيه قَطِيعة الرَّحِم، وإلى هذا أشارَ ابن الزُّبَير في قوله: ((فإنَّه لا يَحِلُّ لها قَطِيعَتي)) أي: إن كانت هِجَرَتي عُقوبةً على ذَنْبي فليكن لذلك أمَد، وإلّا فتأبيد ذلك يُفضِي إلى قَطيعة الرَّحِم، وقد كانت عائشة عِلِمَت بذلك، لكنَّها تَعارَضَ عندها هذا والنَّرُ الذي التَزَمَتِه، فلمَّا وَقَعَ من اعتذار ابن الزُّبَير واستشفاعه ما وَقَعَ، رَجَحَ عندها تركُ الإعراض عنه، واحتاجَت إلى التَّكفير عن نَذْرها بالعِتقِ الذي تقدَّم ذِكْره، ثمَّ كانت بعد ذلك يَعرِض عندها شَكٌّ في أنَّ التَّكفير المذكور لا يكفيها، فتُظهِر الأَسَف على ذلك إمّا نَدَماً على ما صَدَرَ منها من أصل النَّذر المذكور، وإمّا خَوفاً من عاقبة ترك الوفاء به، والله أعلم. ٦٣ - باب ما يجوزُ من الهِجْران لمن عصی وقال كَعْبٌ حينَ تَخَلَّفَ عن النبيِّوَّهُ ونَهَى النبيُّ ◌َِّالمسلمينَ عن كلامِنا، وذكر خمسينَ ليلةً. ٦٠٧٨ - حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا عبدٌ عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله وَّهِ: ((إنّ لأعرِفُ غَضَبَكِ ورِضاكٍ)) قالت: قلتُ: وكيفَ تَعْرِفُ ذاكَ یا (١) تقدم برقم (٤٤١٨). (٢) تقدم برقم (١٩١٠) و(٥٢٠٢). ٤٧٠ باب ٦٣ / ح ٦٠٧٨ فتح الباري بشرح البخاري رسولَ الله؟ قال: ((إنَّكِ إذا كنتِ راضيةً قلتٍ: بلى ورَبِّ محمَّدٍ، وإذا كنتِ ساخطةً قلتِ: لا ورَبِّ إبراهيمَ)). قالت: قلتُ: أجَل، لستُ أُهاجِرُ إلَّ اسمَكَ. قوله: (باب ما يجوز من الهِجْران لمن عَصَى)) أراد بهذه التَّرجمة بيان الهجران الجائز، لأنَّ عُمُوم النَّهي مخصوص بمَن لم يكن لهَجْره سبب مشروع، فتَبيَّن هنا السَّبَب المسوِّع للهَجرِ، وهو لمن صَدَرَت منه معصية، فيَسُوغ لمن اطَّلَعَ عليها منه هَجرُه عليها لِيَكُفَّ عنها. قوله: ((وقال كَعْب)) أي: ابن مالك الأنصاريّ ((حين تَخْلَّفَ عن النبيّ وَّ: وَغَى النبيّ ◌َّ المسلمينَ عن كلامنا، وذكر خمسينَ ليلة)) وهذا طَرَف من الحديث الطّويل، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَى في أواخر المغازي (٤٤١٨). وذكر حديث عائشة: ((إنّي لَأَعرِف غَضَبكِ ورِضاكٍ)) وقد تقدَّم شرحه في ((باب غيرة النِّساء ووجدهنَّ» في كتاب النكاح (٥٢٢٨). قال المهلَّب: غَرَض البخاريّ في هذا الباب أن يُبيِّ صِفَة الهِجْران الجائز، وأنَّه يَتَنَوَّع بقَدْرِ الجُرم، فمَن كان من أهل العِصيان يَستَحِقّ الهِجران بتركِ المكالمة كما في قصّة كعب وصاحبَيه، وما كان من المغاضَبة بين الأهل والإخوان فيجوز الهَجْر فيه بتركِ التَّسمية مثلاً، أو بتركِ بَسْط الوجه مع عَدَم هَجْر السَّلام والكلام. وقال الکِرْمانُّ: لعله أراد قياس هِجران مَن يُخالف الأمر الشرعيّ على هِجران اسم مَن يُخالف الأمر الطَّبيعيّ. وقال الطَّبَرِيُّ: قصَّة كعب بن مالك أصلٌ في هِجران أهل المعاصي. وقد استُشكِّلَ كَونِ هِجران الفاسق أو المبتَدِعِ مشروعاً ولا يُشرَع هِجران الكافر وهو أشدُّ جُرماً منهما، لكونهما من أهل التَّوحيد في الجملة، وأجابَ ابن بَطّل: بأنَّ لله أحكاماً فيها مصالح للعِبادِ وهو أعلم بشأنها، وعليهم الَّسليم لأمره فيها، فجَنَحَ إلى أنَّه تَعَبُّد لا يُعقَل معناه. وأجابَ غيره: بأنَّ الهجران على مَرتَبَتَينِ: الهجران بالقلب، والهجران باللِّسان، فهِجران الكافر بالقلبٍ وبتركِ التَّدُّد والتَّعاوُن والتَّنَاصُر، لا سيّما إذا كان حَربيّاً، وإنَّما لم يُشرَع هِجْرانه بالكلام لعَدَمِ ارتداعه بذلك عن كفره، بخِلَاف العاصي المسلم فإنَّه يَنْزَجِر بذلك غالباً، ٤٧١ باب ٦٤ / ح ٦٠٧٩ كتاب الأدب ويَشتَرِك كلّ من الكافر والعاصي في مشروعيَّة مُكالَتَه بالدُّعاءِ إلى الطاعة، والأمر المعروف والنّهي عن المنكر، وإنَّما المشروع تركُ المكالمة بالموادّة ونحوها. قال عِيَاض: / إِنَّما اغتُفِرَت مُغاضَبة عائشة للنبيِّ نَّهِ مع ما في ذلك من الحَرَج - لأنَّ ٤٩٨/١٠ الغَضَب على النبيّ وَ له معصية كبيرة - لأنَّ الحامل لها على ذلك الغيرة التي جُبِلَت عليها النِّساء، وهي لا تَنشَأ إلّا عن فرط المحبّة، فلمَّا كان الغضب لا يَسْتَلِزِمِ البُغض اغتُفِرَ، لأنَّ البُغض هو الذي يُفضِي إلى الكفر أو المعصية، وقد دَلَّ قولها: ((لا أهجُر إلّ اسمك)) على أنَّ قلبها مملوء بمَحبَّتِه وَلِهِ. قوله: (أجَلْ)) بوزنِ (نَعَم)) ومعناه. وقال الأخفَش: إلّا أنَّ ((نعم)) أحسن من ((أجَل)) في جواب الاستفهام، و((أجَل)) أحسن من ((نعم)) في التَّصديق. قلت: وهي في هذا الحديث على وَفْق ما قال. ٦٤ - باب هل يزورُ صاحبه كلّ يومٍ، أو بُكرةً وعشيّاً؟ ٦٠٧٩ - حدَّثنا إبراهيمُ، أخبرنا هشامٌ، عن مَعْمٍَ. وقال اللَّيثُ: حدَّثني عُقَيلٌ، قال ابنُ شِهابٍ: فأخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، أنَّ عائشةَ زَوْجَ النبيِّ وَِّ قالت: لم أعقِل أبَوَيَّ إلا وهما يَدِينان الدِّينَ، ولم يَمُرَّ عليهما يومٌ إلا يأتينا فيه رسولُ اللهِ وَّهِ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، فبينما نحنُ جُلوسٌ في بيتٍ أبي بكرٍ في نَحْرِ الظَّهِيرةِ، قال قائلٌ: هذا رسولُ اللهِ وَّةِ، في ساعةٍ لم يكن يأتِينا فيها، قال أبو بكرٍ: ما جاء به في هذه الساعةِ إلّا أمرٌ، قال: ((إنّي قد أُذِنَ لي بالخروچِ». قوله: ((باب هل يَزورُ صاحبه كلّ يوم، أو بُكْرة وعَشيّاً؟)) قيل: العَشِيّ: من الزَّوال إلى العَتَمة، وقيل: إلى الفجر، وقال ابن فارس: العَشاء - بالفتح والمدّـ: الطَّعام، وبالكسر: من الزَّوال إلى العَتَمة، والعَشيّ: من الَّوال إلى الفجر. قوله: (هشام)) هو ابن یوسف. قوله: ((عن مَعْمَر. وقال اللَّيث: حدَّثني عُقَيل)) وفي بعض النَّسخ: ((ح وقال اللَّيث))، وهذا ٤٧٢ باب ٦٤ / ح ٦٠٧٩ فتح الباري بشرح البخاري التَّعليق سَبَقَ مُطوَّلاً في ((باب الهجرة إلى المدينة)) (٣٩٠٥) موصولاً عن يحيى بن بُكَير عن اللَّيث. قوله: ((قال ابن شِهاب: فأخبرني عُرْوة)) كأنَّ هذا سياق مَعمَر، وكأنَّه كان عنده قبل قوله: (لم أعقِل أبَويَّ)) كلام آخر فعَطَفَ هذا عليه. وقد وَقَعَ عند أحمد (٢٥٦٢٦) عن عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن ابن شِهاب: ((قال: وأخبرني عروة)) كذا رأيته فيه بالواو، وأمَّا رواية عُقَيل فلفظه في ((باب الهجرة إلى المدينة)): عن ابن شهاب: أخبرني عُرْوة عن عائشة قالت: لم أعقِل ... إلى آخره. وقد استُشكِلَ كَون أبي بكر كان يُجُوِج النبيّ وَّه إلى أن يتكلَّف المجيء إليه، وكان يُمكِنِه هو أن يفعل ذلك، وأجابَ ابن التِّين بأنَّه لم يكن يَجيء إلى أبي بكر لمُجرَّدِ الزّيارة بل لما يَتَزايد عنده من عِلم الله، ولم يَتَّضِح لي هذا الجواب، ويحتمل أن يقال: إنَّه ليس في الخبر ما يَمنَع أنَّ أبا بكر كان يَجِيء إليه ◌َّهِ في اللَّيل والنَّهار أكثر من مرَّتَين، ويحتمل أن يقال: كان سبب ذلك أنَّه ◌ِّل كان إذا جاء إلى بيت أبي بكر يأمَن من أذَى المشرِكينَ، بخلاف ما لو جاء أبو بكر إليه. ويحتمل أن يكون مَنزِل أبي بكر كان بين بيت النبيّ وَّ وبين المسجد فكان يَمُرّ به، والمقصود المسجد، وكان يَشهَده كلَّما مرَّ به، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوفَّى بطولِه في ((باب الهجرة إلى المدينة)). وكأنَّ البخاريّ رَمَزَ بالتَّرجمة إلى تَوهِين الحديث المشهور: ((زُر غِبّاً تَزْدَد حُبّا))، وقد وَرَدَ من طرق أكثرها غرائب لا يخلو واحد منها من مقال، وقد جمع طرقه أبو نُعَيم وغيره، وجاء من حديث عليّ وأبي ذرِّ وأبي هريرة وعبد الله بن عَمْرو وأبي بَرْزة وعبد الله بن عمر وأنس وجابر وحبيب بن مَسلَمةَ ومعاوية بن حَيْدة، وقد جمعتها في جُزء مُفرَد، وأقوى طرقه ما أخرجه الحاكم في (تاريخ نيسابور))، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٨٢/١٠)، والحافظ أبو محمَّد ٤٩٩/١٠ ابن السَّقّاء/ في «فوائده)) من طريق أبي عَقيل يحيى بن حبيب بن إسماعيل ابن عبد الله ابن حبيب ابن أبي ثابت عن جعفر بن عَوْن عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة، وأبو عَقيل كوفيّ ٤٧٣ باب ٦٤ / ح ٦٠٧٩ كتاب الأدب مشهور بكُنْيْتِهِ، قال ابن أبي حاتم: سمعَ منه أبي(١) وهو صَدوق، وذكره ابن حِبّان في ((الثِّقات)) وقال: رُبَّما أخطَأ وأغرَبَ. قلت: واختُلِفَ عليه في رفعه ووقفه، وقد رَفَعَه أيضاً يعقوب بن شَيْبة عن جعفر بن عَوْن، رُوِّيناه في ((فوائد أبي محمَّد بن السَّقّاء)) أيضاً عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن جَدّه يعقوب، واختلف فيه على جعفر بن عون، فرواه عبد بن مُيدٍ في «تفسیره)) عنه عن أبي جَنَابٍ(٢) الكَلْبِيّ عن عطاء عن عُبيد بن عُمَير موقوفاً في قصّة له مع عائشة، وأخرجه ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٦٢٠) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: دَخَلتُ أنا وعُبيد ابن عمير على عائشة، فقالت: يا عُبيد بن عُمَير، ما يَمنَعك أن تَزورَنا؟ قال: قول الأوَّل: زُر غِبّاً تَزْدَد حُبّاً. فقال عبد الله بن عُمَير(٣): دَعونا من بَطالَتكم هذه، وأخبرينا بأعجَب شيء رأيته من رسول الله ◌َّةٍ، فذكرتِ الحديث في صلاته وَله. وجزم أبو عُبيد في ((الأمثال)) بأنَّه من أمثال العرب، وكان هذا الكلام شائعاً في المتقدِّمينَ، فَرُوّيناه في ((فوائد أبي محمَّد السَّقّاء)) قال: أنشدونا هلال بن العلاء: اللَّهُ يَعلَمُ أنَّني لك أخلَصُ الثَّقَلَينِ قَلْبا زُورُوا على الأيام غِبّا لكنْ لقولِ نبيّنا: ـّاً منكمُ يَزدادُ حُبّا ولقولِه: مَن زارَ غِيـ قلت: وكان يمكنه أن يُوچِز فيقول: لكنْ لقولِ نبيّا مَن زارَ غِبّاً زادحُبّا (١) كذا في (س)، وجاء في الأصلين: سمعه منه أبي، وفي ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ١٣٧/٩: سمعت منه مع أبي. (٢) تصحفت في (ع) إلى: حيان، وفي (س) إلى: حبان، والمثبت من (أ) وهو الصواب، وهو أبو جناب الكلبي: واسمه یحیی بن أبي حية. (٣) كذا قال، والذي في ((صحيح ابن حبان)): فقالت: دعونا من رطانتكم. وهذا يعني أنَّ القائل عائشة. ثم قال عبيد بن عمير: أخبرينا بأعجب شيء ... إلى آخره. ٤٧٤ باب ٦٥ / ح ٦٠٨٠ فتح الباري بشرح البخاري وقد أنشَدونا لأبي محمَّد بن هارون القُرطُبيّ راوي ((الموطَّأ)»: أقِلَّ زيارةَ الإخوا نِ تَزدَدْ عندهم قُرْبــا فإنَّ المصطَفى قدقا لَ: زُرْغِبّاً تَزِدْ حُبّا قلت: ولا مُنافاة بين هذا الحديث وحديث الباب، لأنَّ عُمومه يقبل التَّخصيص، فيُحمَل على مَن ليست له خَصُوصيَّة مَودّة ثابتة، فلا يَنقُص كَثْرة زيارته من مَنزِلَته. قال ابن بَطّال: الصَّديق الملاطِف لا يزيده كَثْرة الزيارة إلّا محبّة، بخلاف غيره. ٦٥ - باب الزيارة، ومَن زار قوماً فطَعِم عندهم وَزارَ سَلْمَانُ أبا الدَّرْدَاءِ فِي عَهْدِ النبيِّ ◌َِِّ، فَأَكَلَ عندَه. ٦٠٨٠ - حذَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَام، أخبرنا عبدُ الوهَّاب، عن خالدِ الحَذَّاءِ، عن أنسِ بنِ سِيرِينَ، عن أنسِ بنِ مالكِ : أنَّ رسولَ اللهَ ◌ّوزارَ أهلَ بيتٍ في الأنصار، فطَعِمَ عندَهم طعاماً، فلمَّا أرادَ أن يَخْرُجَ أُمَرَ بمكانٍ منَ البيتِ، فنُضِحَ له على بساطٍ، فصَلَّى عليه ودَعا لهم. قوله: ((باب الزّيارة)) أي: مشروعيَّتها ((ومَن زارَ قوماً فطَعِمَ عندَهم)) أي: من تمام الزّيارة أن يُقدِّم للزّائِرِ ما حَضَرَ، قاله ابن بَطّال، قال: وهو ممّا يُثبّت المودّة ويزيد في المحبّة. قلت: وقد ٥٠٠/١٠ وَرَدَ في ذلك حديث أخرجه الحاكم وأبو / يَعْلى من طريق عبد الله بن عُبيد بن عُمَير قال: دَخَلَ على جابر نَفَرٌ من أصحاب النبيّ ◌َّهِ، فَقَدَّمَ إليهم خُبزاً وخَلَّا فقال: كُلوا، فإنّي سمعت رسول الله وَيه يقول: ((نِعمَ الإدام الخَلّ، إنَّه هلاكٌ بالرجلِ أن يَدخُل إليه النَّفَر من إخوانه، فيَحتَقِر ما في بيته أن يُقدِّمه إليهم، وهلاكٌ بالقومِ أن يَحتَقِروا ما قُدِّمَ إليهم))(١). وورَدَ في فضل الزيارة أحاديث، منها: عند التِّرمِذيّ (٢٠٠٨) وحَسَّنَه، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٢٩٦١) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن عادَ مريضاً أو زارَ أخاً له في الله، ناداه مُنادٍ: طِیت وطابَ تمشاك، وتَبَّات من الجنَّة منزلاً))، وله شاهد عند البزار (٦٤٦٦) من حديث أنس (١) لم نقف عليه في ((المستدرك))، ورواية أبي يعلى (١٩٨١) و(٢٢٠١) مختصرة جداً، واللفظ المذكور أخرجه أحمد (١٤٩٨٥)، والبيهقي ٢٧٩/٧ - ٢٨٠، وإسناد هذه الطريق ضعيف. ٤٧٥ باب ٦٥ / ح ٦٠٨٠ كتاب الأدب بسندٍ جيِّد، وعند مالك (٩٥٣/٢-٩٥٤)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٧٧) من حديث معاذ بن جبل مرفوعاً: ((حَقَّت مَّتَي للمُتَزاوِرینَ فيَّ)) الحديث، وأخرجه أحمد بسند صحيح من حديث عِتبان بن مالك(١)، وعند الطبرانيّ (٧٣٨٩) من حديث صفوان بن عَسّال رَفَعَه: ((مَن زارَ أخاه المؤمن خاضَ في الرَّحمة حتَّى يَرجِع)). قوله: ((وزارَ سَلْمان أبا الدَّرْداء في عَهْد النبيّ وَلِّ، فَأْكَلَ عندَه)) هو طَرَف من حديث لأبي جُحَيفةَ تقدَّم مُستَوَّى مشروحاً في كتاب الصيام (١٩٦٨). قوله: ((عبد الوهّاب)) هو ابن عبد المجيد الثَّقفيّ. قوله: ((زارَ أهلَ بيتٍ من الأنصار)) هم أهل بيت عِتبان بن مالك، كما مضى في الصلاة (٦٧٠) من وجه آخر عن أنس بن سِيرِين بأتمّ من هذا السّياق، وأوَّله: قال رجل من الأنصار للنبيِّ وَّ: إنّي لا أستطيع الصلاة مَعَك، وصَنَعَ طعاماً ... الحديث، وأورَدَه في صلاة الضُّحَى (١١٧٩)، وقصَّة ◌ِتبان وطلبه من النبيّ ◌َّه أن يُصَلّي في بيته قد تقدَّمَت في الصلاة (٤٢٥) أيضاً مُطوَّلة، وفيها: أَنَّه وَ له بعد أن صَلَّى في بيته تأخّرَ حتَّى أَكَلَ عندهم، وفيه قصَّة مالك بن الدُّخشُم، ووَقَعَ له ◌َ ﴾نحو القصّة التي في هذا الباب في بيت أبي طلحة، كما سيأتي في («باب ◌ُنية الصَّبيّ)) (٦٢٠٣) من طريق أبي التّيَّاحِ عن أنس، فإنَّ فيه ذِكْر البِساط ونَضْحه، لكن ليس فيه ذِكْرِ الطَّعام. نعم في رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلحَة عن أنس: أنَّ جَدَّته مُلَيكة دَعَت رسول الله وَّ لطعامٍ صَنَعَته (٢)، وفيه ذِكْر نَضْح الحَصير والصلاةِ بهم، لكن ليس في أوَّله القصّة التي في رواية أنس بن سيرين عن أنس أنَّ الرجل قال: لا أستطيع الصلاة مَعَك، فإنَّ هذا القَدْر مُخْتَصّ بقصَّة ◌ِتبان، فَتَعيَّنَ الحمل عليه، ووهمَ مَن رَجَّحَ أنَّه بيت أبي طلحة. وفي الحديث استحباب الزّيارة، ودعاء الزّائر لمن زارَه وطَعِمَ عنده. (١) لم نقف عليه في ((مسند أحمد)) من حديث عتبان بن مالك، ولم يذكره الحافظ نفسه في ((أطراف المسند)) من حديث عتبان، والذي في («مسند أحمد)) (٢٢٠٦٤) هو حديث معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت - والذي عزاه الحافظ هنا إلى ابن حبان - وحديث عمرو بن عبسة (١٩٤٣٨) وسنده ضعيف. (٢) سلف برقم (٣٨٠). ٤٧٦ باب ٦٦ / ح ٦٠٨١ فتح الباري بشرح البخاري ٦٦ - باب من تجمَّل للوفود ٦٠٨١ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عبدُ الصَّمَد، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: قال لي سالم بنُ عبدِ الله: ما الإستَبْرَق؟ قلتُ: ما غَلُظَ منَ الدِّيباج وخَشُنَ منه، قال: سمعتُ عبد الله يقول: رَأی عمرُ علی رجلٍ حُلّةً من إستبرقٍ، فأتى بها النبيَّ ێ، فقال: يا رسولَ الله، اشتَرِ هذه فالبَسْها لوَفْدِ الناسِ إذا قَدِموا عليكَ. فقال: (إنَّا يَلْبَسُ الحَرِيرَ مَن لا خَلاقَ له)) فَمَضَى في ذلك ما مَضَى، ثمَّ إِنَّ النبيَّلَهَ بَعَثَ إليه بِحُلّةٍ، فأتى بها النبيَّ ◌َلَفقال: بَعَثْتَ إِلَّ بَهَذِهِ وقد قلتَ في مِثْلِها ما قلتَ؟ قال: ((إنَّما بَعَنْتُ إليكَ لتُصِيبَ بها مالاً)). فكان ابنُ عمَرَ بَكْرَه العَلَمَ في الثَّوْبِ؛ لهذا الحدیثِ. قوله: ((باب مَن تَجَمَّلَ للوفودِ» أي: حَسَّنَ هيئته بالملبوسِ ونحوه لمن يَقْدُمُ عليه، والوفود: جمع وافد، وهو مَن يَقدَمُ على مَن له أمر أو سُلطان زائراً أو مُستَرفِداً، والمراد هنا من قول عمر: ((لِلوفودِ»: مَن كان يَرِدُ على النبيّ ◌َّه ◌َمَّن يُرسِلهم قَبائلهم يُبَايِعونَ لهم على ٥٠١/١٠ الإسلام، ويَتَعلَّمونَ أُمور الدِّين حتَّى يُعلِّموهم، وإنَّما أورَدَ التَّرجمة بصورة الاستفهام/ لأنَّ النبيَّ وَّهِ أَنكَرَ على عمر، فالظّاهر أنَّه إنَّما أنكَرَ لُبْس الحرير بقَرِينة قوله: ((إنَّما يَلْبَس هذه)، ولم يُنكِرِ أصل التَّجَمُّل، لكنَّه مُتَمَل مع ذلك. ذكر فيه حديثَ ابن عمر في قصَّة حُلّة عُطارِد، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوفى في كتاب اللِّباس (٥٨٤١)، وعبد الصَّمَد في سنده: هو ابن عبد الوارث. وقوله: ((وَخَشُنَ)) بفتح الخاء وضمِّ الشّين المعجَمتَينِ للأكثر، ولِبعضِهم: بالمهمَلَتَين. وشاهد التَّرجمة منه قول عمر: تَجَمَّلْ بها للوفد، وأقَرَّه النبيّ ◌َّه على ذلك. وقد اعتَرَضَها الدّاووديُّ فقال: كان ينبغي أن يقول: التَّجَمُّل للوفودِ، لأنَّه لا يقال: فَعَلَ كذا، إلّا لمن صَدَرَ منه الفِعل، وليس في الحديث أنَّه وَّهِ فعل ذلك، وجوابه أنَّ معنى التَرجمة: مَن فعل ذلك مُتَمسِّكاً بما دَلَّ عليه الحديث المذكور. وقوله في آخر الحديث: ((وكان ابن عمر يَكرَه العَلَم في الثَّوب؛ لهذا الحديث)) قال ٤٧٧ باب ٦٧ / ح ٦٠٨٢-٦٠٨٣ كتاب الأدب الخطّبيُّ: مذهب ابن عمر في هذا مذهب الورَع، وكان ابن عبّاس يقول في روايته: إلّا عَلَماً في ثوب، وذلك لأنَّ مِقدار العَلَم لا يقع عليه اسم اللُّس، قال: ولو أنَّ رجلاً حَلَفَ أن لا يَلْبَس غَزْل فلانة، فأخَذَ ثوباً فَنَسَجَ فيه من غَزْلها ومن غَزْل غيرها، وكان الذي من غَزْلها لو انْفَرَدَ لم يَبلُغ إذا نُسِجَ أن يُحصَّل منه شيء مما يقع على مِثله اسم اللُّبس، لم يحنَث. كذا قال، وقد تقدَّم في كتاب اللُّباس (٥٨٢٩-٥٨٣٠) من رواية أبي عثمان عن عمر في النَّهي عن لُبْس الحرير: ((إلّا موضع إصبعينٍ أو ثلاث أو أربع)) وتقدَّم شرح ذلك مُستَوفَى هناك. ٦٧ - باب الإخاء والحِلْف وقال أبو جُحَيفةَ: آخَى النبيُّ ◌َ بِينَ سَلْمَانَ وأبي الدَّرْداءِ. وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ: لمَّا قَدِمْنا المدينةَ آخَى النبيُّ وَّهِ بيني وبينَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ. ٦٠٨٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن مُميدٍ، عن أنسٍ، قال: لمَّا قَدِمَ علينا عبدُ الرَّحمنِ، فَآَخَى النبيُّ ◌َّهِ بينَه وبينَ سَعْدِ بنِ الرَّبِيَعِ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((أَوْلِم ولو بشاةٍ)). ٦٠٨٣- حدَّنا محمَّدُ بنُ صَبّاح، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زكريّا، حدَّثنا عاصمٌ، قال: قلتُ لأنسِ ابنِ مالكٍ: أَبَلَغَكَ أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((لا حِلْفَ في الإسلام)»؟ فقال: قد حالَفَ النبيُّ ◌َلـ بينَ قُرَيشٍ والأنصار في داري. قوله: ((باب الإخاء والحِلْف)) بكسر المهملة وسكون اللّام، وبفتح المهمَلة وكسر اللّام: هو المعاهدة، وقد تقدَّم بيانها في أوائل الهجرة(١). قوله: ((آَخَى النبيّ ◌َ ◌ّ بين سَلْمان وأبي الدَّرْداء)» هو طَرَف من الحديث الذي أشرت إليه في الباب الذي قبله(٢)، وقد تقدَّم في ((باب الهجرة إلى المدينة)) أنَّه ◌َ له آخى بين الصحابة(٣)، وأخرج (١) بل في الكفالة عند حديث (٢٢٩٤). (٢) بین یدي الحديث (٦٠٨٠). (٣) باب رقم (٥٠) ((كيف آخى النبي ◌َّ بين أصحابه)) من كتاب مناقب الأنصار. ٤٧٨ باب ٦٧ / ح ٦٠٨٣ فتح الباري بشرح البخاري أحمد(١)، والبخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٥٦٨) بسندٍ صحيح عن أنس قال: آخَى النبيّ وَّ بين ابن مسعود والزُّبَير، والأحاديث في ذلك كثيرة شهيرة، وذكر غير واحد: أنَّه آخَى وَلّ بين أصحابه مرَّتَينِ: مرَّة بين المهاجِرِينَ فقط، ومرَّة بين المهاجِرِينَ والأنصار. قوله: ((وقال عبد الرّحمن بن عَوْف: لمَّا قَدِمْنا المدينة آَخَى النبيّ ◌َّ بيني وبين سَعْد بن الَّبيع، فقال النبيّ وَّهُ: أَوْلم ولو بشاةٍ)) هذا طَرَف من حديث تقدَّم موصولاً في فضائل الأنصار(٢)، وقَدَّمت شيئاً يَتَعلَّق به في أبواب الوليمة (٥١٦٧). قوله: ((حدَّثنا إسماعيل بن زكريّا)) لمحمَّدٍ بن الصَّاح فيه شيخ آخر، فإنَّ مسلماً أخرجه (٢٠٤/٢٥٢٩) عنه عن حفص بن غياث عن عاصم. قوله: (عاصم)) هو ابن سليمان الأحول. قوله: «قلت لأنس بن مالك: أَبَلَغَك أنَّ رسول الله وَّرِ قال: لا حِلْف في الإسلام؟ فقال: قد حالَفَ النبيّ ◌َله بين قُریش والأنصار في داري» ووقع في رواية أبي داود (٢٩٢٦) من ٥٠٢/١٠ رواية سفيان بن عُيَينةَ عن عاصم قال: / سمعت أنس بن مالك يقول: حالَفَ .. ، فذكره بلفظ ((المهاجِرِينَ)) بدلَ ((قريش))، فقيل له: أليس قال: ((لا حِلف في الإسلام)»؟ قال: قد حَالَفَ .. ، فذكر مثله، وزاد: مرَّتَينِ أو ثلاثاً. وأخرجه مسلم بنحوِه مختصراً، وعُرِفَ من رواية الباب تسمية السائل عن ذلك، وذكره المصنّف في الاعتصام (٧٣٤٠ و ٧٣٤١) مختصراً خالياً عن السُّؤال، وزاد في آخره: وقَنَتَ شهراً يَدعُو على أحياءٍ من بني سُلَيم، وحديث القُنوت من طريق عاصم مضى في الوتر (١٠٠٢) وغيره. وأمَّا الحديث المسؤول عنه فهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٢٥٣٠) عن جُبَير بن مُطعِم عن النبيّ وَّ قال: ((لا حِلْف في الإسلام، وأيُّما حِلفٍ كان في الجاهليَّة لم يَزِده الإسلام إلّا شِدّة))، وأخرجه التُّرمِذيّ (١٥٨٥) من (١) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، واقتصر الحافظ نفسه على عزوه إلى ((الأدب المفرد)) في كتابه («إتحاف المهرة)) ٥٠١/١، ولم يعزه لأحمد. (٢) الذي في فضائل الأنصار برقم (٣٧٨٠) صورته صورة الإرسال، وقد تقدم في البيوع برقم (٢٠٤٨) من حديث عبد الرحمن بن عوف من طريق ظاهره الاتصال. ٤٧٩ باب ٦٧ / ح ٦٠٨٣ كتاب الأدب حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه، ولفظه(١). وأخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)) عن عبد الله بن أبي أوفَ نحوه باختصارٍ (٢)، وأخرج أيضاً أحمد (١٦٥٥)، وأبو يَعْلى (٨٤٤)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٣٧٣)، والحاكم (٢١٩/٢ -٢٢٠) من حديث عبد الرّحمن بن عَوْف مرفوعاً: ((شَهِدتُ مع عُمومَتي حِلْف المطيَِّينَ، فما أُحِبّ أن أنكُثه))، وحِلْف المطيّبين كان قبل المبعَث بمُدّةٍ، ذكره ابن إسحاق وغيره، وكان جمعٌ من قريش اجتَمَعوا، فتَعاقَدوا على أن يَنصُروا المظلوم ويُنصِفوا بين الناس، ونحو ذلك من خلال الخير، واستَمَّ ذلك بعد المبعَث. ويُستَفاد من حديث عبد الرَّحمن بن عَوْف: أنَّهم استَمُرُّوا على ذلك في الإسلام، وإلى ذلك الإشارة في حديث جُبَير بن مُطعِم. وتَضَمَّنَ جواب أنس إنكار صَدْر الحديث، لأنَّ فیه نفي الخلف، وفيما قاله هو إثباته، ويُمكِن الجمع: بأنَّ المنفيّ ما كانوا يَعتَبِرونَه في الجاهليَّة من نَصْر الحليف ولو كان ظالماً، ومن أخْذِ الثَّأر من القبيلة بسببٍ قتل واحد منها، ومن التَّوارث ونحو ذلك، والمثبت ما عَدا ذلك من نَصْر المظلوم، والقيام في أمر الدّين ونحو ذلك من المستَحَبّات الشَّرعيَّة كالمصادقة والموادَدة وحِفظ العهد، وقد تقدَّم حديث ابن عبّاس (٤٥٨٠) في نسخ التَّوارُث بين المتعاقدَين، وذكر الدّاووديُّ أنَّهم كانوا يورِّثونَ الحَليف السُّدُس دائماً فُنُسِخَ ذلك. وقال ابن عُيَينةَ: حَلَ العلماء قول أنس: ((حالَفَ)) على المؤاخاة. قلت: لكن سياق عاصم عنه يقتضي أنَّه أراد المحالَفة حقيقة، وإلّا لما كان الجواب مُطابِقاً، وترجمة البخاريّ ظاهرة في المغايرة بينهما، وتقدَّم في الهجرة إلى المدينة ((باب كيف آخَى النبيّ وَ لّ بين أصحابه))(٣)، وذَكَر الحديثَينِ المذكورَينِ هنا أوَّلاً ولم يَذكُر حديث الحِلف، وتقدَّم ما يَتَعلَّق بالمؤاخاة المذكورة هناك. (١) كذا وقع في الأصلين و(س) دون ذكر لفظه، وذكر في هامش (س) أنه وقع هنا بياض في أصلها، قلنا: ولفظه عند الترمذي: أنَّ رسول الله وَّه قال في خطبته: «أوْفُوا بحلف الجاهلية، فإنه لا يزيده الإسلام إلّا شدة، ولا تُحدِثوا حِلفاً في الإسلام)». (٢) لم نقف عليه. (٣) باب رقم (٥٠) من كتاب مناقب الأنصار. ٤٨٠ باب ٦٨ / ح ٦٠٨٤ -٦٠٨٥ فتح الباري بشرح البخاري قال النَّوويّ: المنفيّ حِلف التَّوارُث وما يَمنَع منه الشَّرع، وأمَّا التَّحالُف على طاعة الله ونَصْر المظلوم والمؤاخاة في الله تعالى، فهو أمر مُرَغَّب فيه. ٦٨ - باب التّبسّم والضّحك وقالت فاطمةُ عليها السَّلام: أسَرَّ إليّ النبيُّ ◌ََّ، فِضَحِكْت. وقال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ الله هو أضْحَكَ وأبكى. ٦٠٨٤ - حدَّثْنَا حِبّانُ بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رِفاعةَ القُرَظيَّ طَلَّقَ امرأته فَبَتَّ طلاقَها، فتزوَّجَها بعدَه عبدُ الرَّحمنِ بنُ الَّبِيِ، فجاءتِ النبيَّ ◌ََّ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّها كانت عندَ رِفاعةَ، فطَلَّقَها آخِرَ ثلاثٍ تَطْلِيقاتٍ، فتزوَّجَها بعدَه عبدُ الرَّحمنِ بنُ الزَّبِيرِ، وإِنَّه والله ما معه یا ٥٠٣/١٠ رسولَ الله إلا مِثلُ هذه الهُدْبةِ - لِهُدْبةٍ أَخَذَتْها من جِلْبابها - قال: وأبو بكرٍ جالسٌ/ عندَ النبيِّ ◌َ﴾، وابنُ سعیدِ بنِ العاص جالسٌ بباب الحُجْرةِ لیُؤْذَنَ له، فطَفِقَ خالدٌ ینادي أبا بكر: يا أبا بكرٍ، ألا تَزْجُرُ هذه عَّا تَجَهَرُ به عندَ رسولِ الله وَّةِ! وما يزيدُ رسولُ اللهِ وَِّ على التبسُّمِ، ثمَّ قال: ((لعلَّكِ تُريدِينَ أن تَرْجِعي إلى رِفاعةَ؟ لا حتَّى تَذوقي عُسَيلتَه، ويَذْوقَ عُسَيلتَكِ)). ٦٠٨٥ - حذَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن صالحِ بنِ كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبد الحميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطَّب، عن محمَّدِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: استأذَن عمرُ بنُّ الْخَطَّابِ ﴾ على رسولِ اللهِوَّةِ، وعندَه نِسْوةٌ من قُرَيشٍ يَسْأَلنَه ويَسْتَكْثِرْنَه عاليةً أصواتُهُنَّ على صوتِهِ، فلمَّا استَأذَنَ عمرُ تَبَادَرْنَ الحِجَابَ، فأذِنَ له النبيُّ ◌َ فِدَخَلَ، والنبيُّ نَلِ يَضْحَكُ، فقال: أضْحَكَ الله ◌ِنَّكَ يا رسولَ الله، بأبي أنتَ وأُمّي، فقال: ((عَجِبتُ من هؤلاءِ اللّاتِي كُنَّ عندي، لمَّا سمعْنَ صوتَكَ تَبادَرْنَ الِحِجابَ)). فقال: أنتَ أحقُّ أن يَبنَ يا رسولَ الله، ثمَّ أقبَلَ عليهنَّ، فقال: يا عَدُوّات أنْفُسِهِنَّ! أنهَبتَني ولم تَبِنَ رسولَ الله وَهِ؟ فقُلْنَ: إِنَّكَ أَفَظُّ وأغلَظُ من رسولِ الله وَّه قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِيهِ يا ابنَ الخطّاب! والَّذي نفسي بيده، ما لَقِيَكَ الشَّيطانُ سالكاً فجّاً إلّا سَلَكَ فجّاً غيرَ فجِّكَ)).