Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ باب ٥٧ / ح ٦٠٦٥ كتاب الأدب إلى أنَّ الاغترار به أكثر من الكذب المحض، لخَفائه غالباً ووضوح الكذِب المحض. قوله: ((فإنَّ الظَّنّ أكذَب الحديث)) قد استُشكِلت تسمية الظَّنّ حديثاً، وأُجيبَ: بأنَّ المراد عَدَم مُطابقته الواقع، سواء كان قولاً أو فِعلاً، ويحتمل أن يكون المراد ما يَنشَأ عن الظَّنّ، فوُصِفَ الظَّنّ به مجازاً. قوله: ((ولا تَجَسَّسوا، ولا تَحَسَّسوا)» إحدَى الكَلمَتَينِ بالجيم والأُخرى بالحاءِ المهمَلة، وفي كلّ منهما حذف إحدَى التاءَينِ تخفيفاً، وكذا في بَقيَّة المناهي التي في حديث الباب، والأصل: تَتَحَسَّسوا. قال الخطّابيُّ: معناه لا تَبحَثوا عن عيوب الناس ولا تَتَّبِعوها، قال الله تعالى حاكياً عن يعقوب عليه السلام: ﴿اذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾ [يوسف: ٨٧]، وأصل هذه الكلمة التي بالمهمَلة من الحاسّة إحدى الحَواسّ الخمس، وبالجيم: من الجَسّ، بمعنى اختبار الشّيء باليَدِ، وهي إحدَى الحَواسّ، فتكون التي بالحاءِ أَعَمَّ. وقال إبراهيم الحَرْبيّ: هما بمعنَى واحد. وقال ابن الأنباريّ: ذكر الثّاني للتَّأكيدِ، كقولهم: بُعداً وسُحْقاً(١)، وقيل: بالجيم: البحث عن عَوْراتهم، وبالحاءِ: استماع حديث القوم، وهذا رواه الأوزاعيُّ عن يحيى بن أبي كثير أحد صِغار التابِعِينَ. وقيل: بالجيم: البحث عن بَواطِن الأُمور، وأكثرُ ما يقال في الشّ، وبالحاءِ: البحث عنّا يُدرَك بحاسّة العين والأُذُن، وَرَجَّحَ هذا القُرطُبيّ، وقيل: بالجيم: تَتُّعُ الشَّخص لأجلِ غيره، وبالحاءِ: تَتَبُّعه لنفسِه، وهذا اختيار ثَعَلَب. ويُستَنَى من النَّهي عن التَّجَسُّس ما لو تَعيَّنَ طريقاً إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلاً، كأن يُبِرِ ثقةً بأنَّ فلاناً خَلا بشَخصٍ ليقتُلُه ظُلماً، أو بامرأةٍ لِيَزنيَ بها، فيُشرَع في هذه الصّورة التَّجَسُّس والبحث عن ذلك حَذَراً من فوات استدراكه، نَقَلَه النَّوويّ عن ((الأحكام السُّلطانَيَّة)) للاوَرْديِّ واستَجادَه، وأنَّ كلامه: ليس للمُحتَسِبِ أن يَبحَث عمَّ لم يظهر من المحرَّمات، ولو غَلَبَ على الظَّنّ اسْتِسْرار أهلها بها إلّا هذه الصّورة. (١) تحرَّفت في (س) إلى: ((وسخطاً). ٤٤٢ باب ٥٧ / ح ٦٠٦٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ولا تَحَاسَدوا)) الحَسَد: تَمنّي الشَّخص زَوالَ النِّعمة عن مُستَحِقّ لها، أعَمُّ من أن يَسعَى في ذلك أو لا، فإن سَعَى كان باغياً، وإن لم يَسعَ في ذلك ولا أظهَرَه ولا تَسَبَّبَ في تأكيد أسباب الكراهة التي نُّهي المسلم عنها في حقّ المسلم، نُظِرَ: فإن كان المانعُ له من ذلك العجزُ بحيثُ لو تمكَّنَ لَفَعَلَ، فهذا مأزور، وإن كان المانعُ له من ذلك التَّقوى، فقد يُعذَر؛ لأنَّه لا يستطيع دفع الخواطِرِ النَّفْسانيَّة، فيكفيه في مُجاهَدَتها أن لا يعمل بها ولا يَعِزِم على العَمَل بها، وقد أخرج عبد الرَّزّاق (١٩٥٠٤) عن مَعمَر عن إسماعيل بن أُمَيَّة رَفَعَه: ((ثلاث لا يَسْلَم منها أحد: الطُِّرة والظَّنّ والحَسَد)) قيل: فما المخرَج منها يا رسول الله؟ قال: ((إذا تَطَيََّتَ فلا تَرجِع، وإذا ظَنَت فلا تُحقِّق، وإذا حَسَدتَ فلا تَبغ))(١)، وعن الحسن البصريّ قال: ما من آدَمَيّ إلّا وفيه الحَسَد. فمَن لم يُجَاوِز ذلك إلى البَغي والظُّلم لم يَتَبَعه منه شيء. قوله: ((ولا تَدابَروا)) قال الخطَّبيُّ: لا تَهاجروا فيَهجُر أحدكم أخاه، مأخوذ من تَولية الرجل الآخرَ دُبُرَه: إذا أعرَضَ عنه حين يراه. وقال ابن عبد البَرِّ: قيل للإعراض: مُدابَرة، لأنَّ مَن أبغَضَ أعرَضَ، ومَن أعرَضَ ولَّى دُبُره، والمحِبّ بالعكس. وقيل: معناه لا يَستأثِر أحدكم على الآخر، وقيل للمُستأثِرِ: مُستَدِبِرٍ، لأنَّه يولّ دُبُرُه حين يَستأثِر بشيءٍ دونَ ٤٨٣/١٠ الآخر. وقال المازريُّ: معنى التَّدابُر: / المعاداة، يقول: دابَرتُه، أي: عادَيته. وحكى عِيَاضٍ أنَّ معناه: لا تُجادِلوا ولكن تَعاونوا. والأوَّل أوْلى، وقد فَسَّرَه مالك في ((الموطَّأ)» (٩٠٧/٢) بأخصّ منه، فقال إذ ساقَ حديث الباب عن الزُّهْريّ بهذا السَّنَد: ولا أحسِب التَّدابُر إلّا الإعراض عن السَّلام، يُدبِر عنه بوجهه. وكأنَّه أخَذَه من بقيّة الحديث: ((يلتقيان فيُعرِض هذا، ويُعرِض هذا، وخيرهما الذي يَبدَأ بالسَّلام))(٢)، فإنَّه يُفهم أنَّ صُدور السَّلام منهما أو من أحدهما يَرفَع ذلك الإعراض، وسيأتي مزيد لهذا في ((باب الهجرة)(٣)، ويُؤْيِّده ما أخرجه الحسين بن الحسن المروزيُّ في زيادات كتاب ((البِرّ والصِّلة)) لابن المبارك بسندٍ (١) وأخرجه باللفظ المذكور ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (١٩٦٢)، والطبراني (٣٢٢٧) من حديث حارثة بن النعمان مرفوعاً. (٢) قطعة من حديث أبي أيوب الآتي برقم (٦٠٧٧). (٣) باب رقم (٦٢). ٤٤٣ باب ٥٧ / ح ٦٠٦٥ كتاب الأدب الحسين بن الحسن المروزيُّ في زيادات كتاب ((البِرّ والصِّلة)) لابنِ المبارَك بسندٍ صحيح عن أنس قال: التَّدابُر: التَّصارُم. قوله: (ولا تَبَاغَضوا)) أي: لا تَتَعاطَوا أسباب البُغض، لأنَّ البُغض لا يُكتَسَب ابتداء. وقيل: المراد النَّهي عن الأهواء المضِلّة المقتَضِية للتَّبَاغُضِ. قلت: بل هو لأعمَّ من الأهواء، لأنَّ تعاطي الأهواء ضرب من ذلك. وحقيقة التَّبَاغُض أن يقع بين اثنينٍ، وقد يُطلَق إذا كان من أحدهما، والمذموم منه ما كان في غير الله تعالى، فإنَّه واجب فيه ويُثابُ فاعله لتعظيمِ حقّ الله، ولو كانا أو أحدهما عند الله من أهل السَّلامة، کمَن يُؤَدّیه اجتهاده إلى اعتقادٍ يُنافي الآخر فيبغُضه علی ذلك، وهو معذُور عند الله. قوله: ((وكونوا عبادَ الله إخواناً)) بلفظ المنادى المضاف، زاد مسلم (٣٠/٢٥٦٣) في آخره من رواية أبي صالح عن أبي هريرة: ((كما أمَرَكم الله))، ومثله عنده (٢٤/٢٥٥٩) من طريق قَتَادة عن أنس. وهذه الجملة تُشبِهِ التَّعليل لما تقدَّمَ، كأنَّه قال: إذا تَرَكتُم هذه المنهيّات كنتُم إخواناً، ومفهومه: إذا لم تَترُكوها تَصِيروا أعداء، ومعنى كونوا إخواناً: اكتَسِبوا ما تَصِيرونَ به إخواناً مَّا سَبَقَ ذِكْره وغير ذلك من الأُمور المقتضية لذلك إثباتاً ونفياً. وقوله: ((عِبادَ الله)) أي: يا عباد الله، بحذفٍ حرف النِّداء، وفيه إشارة إلى أنَّكم عَبِيدُ الله، فحَقّكم أن تتواخوا بذلك، قال القُرطُبيّ: المعنى: كونوا كَإِخوانِ النَّسَب في الشَّفَقة والرَّحمة والمحبّة والمواساة والمعاونة والنَّصيحة، ولعلَّ قوله في الرِّواية الزائدة: ((كما أمَرَكم الله)) أي: بهذه الأوامر المقدَّمِ ذِكْرها، فإنَّها جامعة لمعاني الأُخوّة، ونسبتها إلى الله، لأنَّ الرَّسول مُبلِّغ عن الله، وقد أخرج أحمد (٢٢٢٩٨) بسندٍ حسن عن أبي أمامةَ مرفوعاً: ((لا أقول إلّا ما أُقْوَّل)»، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((كما أمَرَكم الله)): الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]، فإنَّه خبر عن الحالة التي شُرِعَت للمؤمنينَ، فهو بمعنى الأمر. قال ابن عبد البَرِّ: تَضَمَّنَ الحديث تحريم بُغْض المسلم والإعراض عنه وقَطِيعته بعد صُحبَتَه بغير ذنب شرعيّ، والحَسَد له على ما أُنْعِمَ به عليه، وأن يُعاملَه مُعامَلَةَ الأخ ٤٤٤ باب ٥٧ / ح ٦٠٦٥ فتح الباري بشرح البخاري النَّسيب، وأن لا يُنقِّب عن مَعايِبه، ولا فرقَ في ذلك بين الحاضر والغائب، وقد يَشتَرِك المِّت مع الحيّ في کثیر من ذلك. تنبيه: وَقَعَ في رواية عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن هَّام في هذا الحديث من الزّيادة: (ولا تَنَافَسوا))(١)، وكذا وَقَعَت في حديث أبي هريرة من رواية الأعرَجِ(٢)، وسأُبيِّن الاختلاف فيها في الباب الذي بعده، ووَقَعَ عند مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة (٢٥٦٣/ ٣٠) في آخره: ((كما أمَرَكم الله)) وقد نَبَّهتُ عليها. ولمسلم أيضاً (٢٩/٢٥٦٣) من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة فيه: ((ولا يَبَعْ بعضُكم على بيع بعض)»، وأفرَدَ هذه الزيادة في البيوع (١٥١٥) من وجه آخر، ومثله له (٢٥٦٣/ ٣٢) من رواية أبي سعيد مولى عامر بن كُرَيز عن أبي هريرة، وزاد بعد قوله: ((إخواناً): ((المسلم أخو المسلم، لا يَظلِمِه ولا تَخِذُله ولا يَحِقِره، بحَسبٍ امرئٍ من الشّ أن يَقِر أخاه المسلم، كلَّ المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه، التَّقوی هاهنا» ویشیر إلى صدره، وزاد في رواية أُخرى من هذه الطَّريق: ((إنَّ الله لا يَنظُرُ إلى أجسادِكم ولا إلى صُوَرِكم، ولكن يَنظُر إلى قلوبكم))، وقد أفرَدَها أيضاً من وجه آخر عن أبي هريرة، وزاد البخاريّ (٥١٤٤) من رواية جعفر بن رَبيعة عن الأعرج فيه زيادة سأذكرها في الباب الذي بعده. وهذه الطَّريق من رواية مولى ٤٨٤/١٠ عامر أجَمَعُ/ ما وَقَفتُ عليه من طرق هذا الحديث عن أبي هريرة، وكأنَّه كان يُحدِّث به أحياناً مختصراً وطَوْراً بتمامه، وقد فَرَّقَه بعض الرُّواة أحاديث، ومَمَّن وَقَعَ عنده بعضه مُفرَّقاً ابن ماجه في کتاب الزُّهد من کتابه (٤٢١٣). وهو حديث عظيم اشتَمَلَ على جُمل من الفوائد والآداب المحتاج إليها. الحدیث الثاني: حديث أنسُ. قوله: ((لا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، ولا تَدابَروا)» هكذا اقتَصَرَ الحُفّاظ من أصحاب (١) أخرجها أحمد (٨١١٨)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٤١٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (١١١٥٢). (٢) عند مسلم (٢٥٦٣) (٢٨). ٤٤٥ باب ٥٨ / ح ٦٠٦٦ كتاب الأدب الزُّهْريّ عنه على هذه الثلاثة، وزاد عبد الرَّحمن بن إسحاق عنه فيه: (ولا تَنافَسوا))، ذكر ذلك ابن عبد البَرِّ في ((التَّمهيد)) (١١٦/٦)، والخطيب في ((المدرَج)) (٧٣٩/٢ -٧٤٠)، قال: وهكذا قال سعيد بن أبي مريم عن مالك عن ابن شهاب، وقد قال الخطيب وابن عبد البَرِّ: خالَفَ سعيد جميع الرُّواة عن مالك في ((الموطَّأ)) وغيره، فإنَّهم لم يَذكُروا هذه الكلمة في حديث أنس، وإنَّما هي عندهم في حديث مالك عن أبي الزِّناد - أي: الحديث الذي يلي هذا - فأدرَجَها ابن أبي مريم في إسناد حديث أنس، وكذا قال حمزة الكنانيّ: لا أعلم أحداً قالها عن مالك في حديث أنس غیر سعید. وسيأتي الكلام على حُكم التَّهاجُر، والتّنبيه على زيادة وَقَعَت في آخر حديث أنس هذا بعد ثلاثة أبواب (٦٠٧٦) إن شاء الله تعالى. ٥٨- بابٌ ﴿َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الَّنِّ إِنَّ وَلَا تَجَسُواْ﴾ [الحجرات: ١٢] ٦٠٦٦ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ عُهُ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((إيّاكم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أَكَذَبُ الحديثِ، ولا تَحَسَّسوا، ولا تَجَسَّسوا، ولا تَنَاجَشوا، ولا تَحَاسَدوا، ولا تَبَاغَضوا، ولا تَدابَروا، وكونوا عبادَ الله إخْواناً)». قوله: ((باب ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الَِّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلَّنِ إِنْرَّ وَلَا تَّسُواْ﴾)) كذا للجميع، إلّا أنَّ لفظ ((باب)) سَقَطَ من رواية أبي ذرٍّ. وأورد فيه حديث أبي هريرة من رواية مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنه فقط، وزَعَمَ ابن بَطّال وتَبِعَه ابن التِّينِ: أنَّ البخاريّ أورَدَ فيه حديث أنس - أي: المذكور في الباب الذي قبله -، ثمَّ حكى ابن بَطّال عن المهلَّب: أنَّ مُطابَقَته للتَّرجمة من جهة أنَّ البُغض والحَسَد يَنشَآنِ عن سوء الظَّنّ، قال ابن التِّين: وذلك أنَّما يَتأوَّلان أفعال مَن يُبغِضانه ويَحَسُدانه على أسوأ التَّأويل. انتهى، والذي وقَفتُ عليه في النُّسَخ التي وَقَعَت لنا كلّها: أنَّ حديث أنس في الباب الذي قبله ولا إشكال فيه. ٤٤٦ باب ٥٨ / ح ٦٠٦٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله فيه: ((ولا تَنَاجَشوا ولا تَحَاسَدوا)) كذا في جميع النُّسَخ التي وقَفتُ عليها من البخاريّ بالجيم والشّين المعجمة، من النَّجْش وهو أن يزيد في السِّلعة وهو لا يريد شِراءَها، ليقعَ غيرُه فيها، وقد تقدَّم بيانه وحُكمُه في كتاب البيوع (٢١٤٢)، والذي في جميع الرِّوايات عن مالك بلفظ: ((ولا تَنافَسوا)) بالفاءِ والسّين المهمَلة، وكذا أخرجه الدّارَ قُطنيُّ في ((الموطَّت)) من طريق ابن وهب ومَعْن وابن القاسم وإسحاق بن عيسى بن الطَّاع ورَوْح بن عُبَادة ويحيى بن يحيى التَّميميّ والقَعْنبيّ ويحيى بن بُكَير ومحمَّد بن الحسن ومحمَّد ابن جعفر الوَرْكانيّ وأبي مُصعَب وأبي حُذافة(١)، كلُّهم عن مالك. وكذا ذكره ابن عبد البَرِّ من رواية يحيى بن يحيى اللَّيثيِّ وغيره عن مالك، وكذا أخرجه مسلم (٢٨/٢٥٦٣) عن يحيى بن يحيى التَّميميّ، وكذلك أخرجه مسلم من رواية سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، ولكنَّه أخرج من طريق الأعمَش عن أبي صالح بلفظ: ((ولا تَناجَشوا)) كما وَقَعَ عند البخاريّ، ومن طريق أبي سعيد مولى عامر بن كُرَيز كذلك، فاختُلِفَ فيها على أبي هريرة ثمَّ على أبي صالح عنه، فلا يَمْتَنِعِ أن يُخْتَلَف فيها على مالك، إلّا أنّي ما وجَدتُ ما ٤٨٥/١٠ يَعضُد رواية عبد الله بن يوسف هذه، ويَبعد أن يجتمع الجميع على شيء/ ويَنْفَرِد واحد بخِلافه ويكون محفوظاً. ولم أرَ الحديث في نُسخَتِي من ((مُستَخرَج الإسماعيليّ)) أصلاً، فلا أدري سَقَطَ عليه أو سَقَطَ من النُّسخة، وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من رواية الوَرْكانيّ عن مالك، ووَقَعَ فيه عنده: ((ولا تَنافَسوا)) كالجماعة، ولكنَّه قال في آخره: أخرجه البخاريّ عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ولم يُنْبِّه على هذه اللَّفظة، فما أدري هل وَقَعَ في نُسخَته على وِفاق الجماعة، أو على ما عندنا ولم يَعتَنِ ببيان ذلك؟ ولم أرَ مَن نَبَّهَ على هذا الموضع، حتَّى إنَّ الحميديّ ساقَه من البخاريّ وحده (٢) من رواية جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة، وهذه الطَّريق قد مضت في أوائل النِّکاح (٥١٤٣ و٥١٤٤)، ولیس (١) أبو مصعب: هو أحمد بن أبي بكر الزهري المدني، وأبو حذافة: هو أحمد بن إسماعيل بن محمد بن نبيه القرشي المدني. (٢) في ((الجمع بين الصحيحين)) (٢٤٨٤). ٤٤٧ باب ٥٩ / ح ٦٠٦٧-٦٠٦٨ كتاب الأدب فيها هذه اللَّفظة المختلف فيها، ولكن فيها بعد قوله: ((إخواناً)): ((ولا يَخْطُب الرجل على خطبة أخيه حتَّى يَنكِحِ أو يَتْرُك))، قال: وأخرجه البخاريّ أيضاً من حديث مالك. فساقَه بهذا السَّنَد والمتن بتمامه دونَ اللَّفظة التي أتكلّم عليها، وقال: هكذا أخرجه البخاريّ في ((الأدب))، وأغفَلَه أبو مسعود، ولكنَّه ذكر أنَّه أخرجه من رواية شُعَيب عن أبي الزِّناد، ولم أجِد ذلك فيه إلّا من رواية شُعَيب عن الزُّهْريّ عن أنس(١). قال الحميديُّ: وأخرجه البخاريّ من رواية همَّام عن أبي هريرة نحوه، ومن رواية طاووسٍ عن أبي هريرة مِثل رواية الأعرج سواء. قلت: ورواية طاووسٍ تأتي في الفرائض (٦٧٢٤). قال الحُميديُّ: وقد أخرجه مسلم (٢٨/٢٥٦٣) أيضاً من رواية مالك عن أبي الزِّناد، فساقَه، وفيه: ((ولا تَنافَسوا))، قال: فهو مُتَّفَق عليه من رواية مالك لا من أفراد البخاريّ. وكأنَّه استَدرَكَ ذلك على نفسه، والغرض من ذلك: أنَّ الحميديّ مع تَتَبُّعه واعتنائه لم يُنْبِّه على ما وَقَعَ في هذه اللَّفظة من الاختلاف، وكذا أغفَلَ ابنُ عبد البَرِّ الشَّبيه عليها، وهي على شرطه في (التَّمهيد))، وكذلك الدّارَقُطْنيّ، ولو تَفَطَّنَ لها لَساقَها في ((غرائب مالك)) كعادتِه في أنظارها، ولكنَّه لم يَتعرَّض لها، فلعلَّها من تغيير بعض الرُّواة بعد البخاريّ، والله أعلم. ٥٩- باب ما يجوز من الظّنّ ٦٠٦٧ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، قالت: قال النبيُّ نَّهَ: ((ما أظُنُّ فلاناً وفلاناً يَعرِ فان من دِينِنا شيئاً) قال اللَّيْثُ: كانا رجلَينِ منَ المنافِقِينَ. [طرفه في: ٦٠٦٨] ٦٠٦٨ - حدَّثنا ابنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيث ... بهذا، وقالت: دَخَلَ عليَّ النبيُّ وَلّ يوماً، وقال: ((يا عائشةُ، ما أظُنُّ فلاناً وفلاناً يَعرِفان دِينَنا الذي نحنُ عليه)». (١) تقدمت برقم (٦٠٦٥). ٤٤٨ باب ٦٠ / ح ٦٠٦٩- ٦٠٧٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب ما يجوز من الظّنّ)) كذا للنَّسَفيّ، ولأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيّ، وكذا في ابن بَطّال، وفي رواية القابِسيّ والجُرجانيّ: ((ما يُكرَه))، وللباقينَ: ((ما يكون))، والأوَّل أليق بسياق الحديث. قوله: ((ما أظُنّ فلاناً وفلاناً)) لم أقِفْ على تسميتهما، وقد ذكر اللَّيث في الرِّواية الأولى أنَّهما كانا مُنافقَينٍ. قوله: ((يَعرِفان من ديننا شيئاً» وفي الرِّواية الأُخرى: ((يَعِرِفان ديننا الذي نحنُ عليه))، قال الدّاووديُّ: تأويل اللَّيث بعيد، ولم يكن النبيّ نَّهِ يَعِرِف جميع المنافقينَ. كذا قال، وقال غيره: الحديث لا يُطابِقِ التَّرجمة؛ لأنَّ في التَّرجمة إثبات الظَّنّ، وفي الحديث نفي الظَّنّ. والجواب: أنَّ النَّفي في الحديث لظنِّ النَّفي لا لنفي الظَّنّ، فلا تَنافي بينه وبين التَّرجمة. ٤٨٦/١٠ وحاصل التَّرجمة: أنَّ مِثل هذا الذي وَقَعَ/ في الحديث ليس من الظَّنّ المنهيّ عنه، لأنّه في مقام التَّحذير من مِثل مَن كان حاله كَحالِ الرجُلَين، والنَّهي إنَّما هو عن الظَّنّ السّوء بالمسلم السالم في دينه وعِرْضه، وقد قال ابن عمر: إنّ كنّا إذا فقَدنا الرجل في ◌ِشاء الآخرة أسأنا به الظَّنّ(١)، ومعناه أنَّه لا يَغيبُ إلّا لأمرِ سَيِّئ، إمّا في بَدَنه وإمّا في دِينه. ٦٠ - باب سَترِ المؤمن على نفسه ٦٠٦٩- حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ أخي ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله، قال: سمعتُ أبا هريرةَ، يقول: سمعتُ رسولَ الله وَّةِ، يقول: ((كلُّ أَمَّتِي مُعافى إلّ المجاهِرِينَ، وإنَّ منَ المَجاهَرةِ أن يَعْمَلَ الرجلُ بِاللَّيلِ عَمَلاً، ثمَّ يُصْبِحَ وقد سَتَرَه الله، فيقولَ: يا فلانُ عَمِلْتُ البارحةَ كذا وكذا، وقد باتَ يَستُرُه رَبُّ ویُصبحُ يْشِفُ سِتْرُ الله عنه)). ٦٠٧٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن قَتَادةَ، عن صَفْوانَ بنِ مُحِرِز: أنَّ رجلاً سألَ ابنَ عمرَ: كيفَ سمعتَ رسولَ الله وَ لّهِ يقول في النَّجْوَى؟ قال: ((يَدْنو أحدُكم من رَبِّه حتَّى (١) أخرجه البزار (٥٨٤٧) و(٥٨٤٨)، والطبراني (١٣٠٨٥). ٤٤٩ باب ٦٠ / ح ٦٠٧٠ كتاب الأدب يَضَعَ كَتَفَه عليه، فيقول: عَمِلْتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عَمِلْتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فِيُقْرِّرُه، ثمَّ يقول: إنّ سَتَرْتُ عليكَ في الدُّنْيا، فأنا أغفِرُها لكَ اليومَ)). قوله: ((باب سَتْرِ المؤمن على نفسه)) أي: إذا وَقَعَ منه ما يُعاب، فيُشْرَع له ويُندَب إليه. قوله: «عبد العزيز بن عبد الله» هو الأُويسيّ. قوله: ((عن ابن أخي ابن شِهاب)) هو محمَّد بن عبد الله بن مسلم الزّهْريّ، ووَقَعَ في رواية لأبي نُعَيم في ((المستخرَج)) من وجه آخر عن عبد العزيز شيخ البخاريّ فيه: حدّثنا إبراهيم ابن سعد عن محمَّد بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب. وقد روى إبراهيم بن سعد عن الزُّهْريّ نفسه الكثير(١)، ورُبَّما أدخَلَ بينهما واسطة مثل هذا. قوله: ((عن ابن شهاب)) في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه (٢): عن ابن أخي ابن شِهاب عن عَمّه، أخرجه مسلم (٢٩٩٠) والإسماعيليّ. قوله: ((كلّ أمَّتي مُعافَ)) بفتح الفاء مقصور، اسم مفعول من العافية، وهو إمّا بمعنى: عفا الله عنه، وإمّا: سَلَّمَه الله وسَلَّمَ منه. قوله: ((إلّا المجاهِرِينَ)) كذا للأكثر، وكذا في رواية مسلم و ((مُستَخرَجَي)) الإسماعيليّ وأبي نُعَيم: بالنَّصب، وفي رواية النَّسَفيّ: ((إلّا المجاهِرونَ)) بالرَّفع، وعليها شرح ابن بَطّال وابن التِّين، وقال: كذا وَقَعَ، وصوابه عند البصريّينَ بالنَّصب، وأجازَ الكوفيّونَ الرَّفع في الاستثناء المنقَطِع. كذا قال، وقال ابن مالك: ((إلّا)) على هذا بمعنى ((لكنْ))، وعليها خَرَّجوا قراءة ابن كثير وأبي عَمْرو: ﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّ امرأتك﴾ أي: لكنِ امرأتك ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ﴾ [هود:٨١]، وكذلك هنا المعنى: لكنِ المجاهرونَ بالمعاصي لا يُعافَوْنَ، فالمجاهرونَ مُبْتَدَأْ، والخبر محذوف. وقال الكِرْمانيُّ: حَقُّ الكلام النَّصب، إلّا أن يقال: العفو بمعنى التَّرك، وهو نوع من النَّفي، ومُحصَّل الكلام: كلّ واحد من الأُمّة يُعفَى عن ذَنْبه ولا يُؤاخذ (١) تصحفت في (س) إلى: الكبير. (٢) قوله: ((عن أبيه)) ليس في ((صحيح مسلم) ولا في (تحفة الأشراف)) ٩/ ٤٥٥. ٤٥٠ باب ٦٠ / ح ٦٠٧٠ فتح الباري بشرح البخاري به إلّا الفاسق المعلِن. انتهى، واختَصّرَه من كلام الطِّيِيِّ، فإنَّه قال: كُتبَ في نسخة ((المصابيح)): ((المجاهرونَ)) بالرَّفع، وحَقّ النَّصب، وأجابَ بعض شُرّاح ((المصابيح)): بأنَّه مُستَّى من قوله: ((مُعانَى)) وهو في معنى النَّفي، أي: كلّ أمَّتي لا ذَنْب عليهم إلّ المجاهرونَ. ٤٨٧/١٠ وقال الطِّييُّ: والأظهَر أن يقال: المعنى: كلّ / أمَّتي يُتَرَكونَ في أمر الغَيبة إلّ المجاهرونَ، والعفو بمعنى التَّرك، وفيه معنى النَّفي كقوله: ﴿وَيَأْىَ اللهُ إلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. والمجاهر: الذي أظهَرَ معصيته، وكَشَفَ ما سَتَرَ الله عليه فيُحدِّث بها. وقد ذكر النَّوويّ: أنَّ مَن جاهَرَ بفِسِقِه أو بدعَته جازَ ذِكْرُه بما جاهَرَ به دونَ ما لم يجاهر به. انتهى، والمجاهر في هذا الحديث يحتمل أن يكون مِن: جاهَرَ بكذا بمعنى: جَهَرَ به. والنُّكتة في التَّعبير بفاعلٍ إرادة المبالَغة، ويحتمل أن يكون على ظاهر المفاعَلة، والمراد: الذين يُجاهِر بعضهم بعضاً بالتحدُّثِ بالمعاصي، وبَقيَّة الحديث تُؤَكِّد الاحتمال الأوَّل. قوله: ((وإنَّ من المجاهَرة)» كذا لابنِ السَّكَن والكُشْمِيهنيّ، وعليه شَرَح ابن بَطّال، وللباقينَ: ((المَجَانة)) بدلَ ((المجاهَرة))، ووَقَعَ في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد: ((وإنَّ من الإجهار)) كذا عند مسلم، وفي رواية له: ((الهِجار(١))، وفي رواية الإسماعيليّ: ((الإهْجار))، وفي رواية لأبي نُعَيم في ((المستخرَج): ((وإن من الجِهار(٢))، فتَحَصَّلنا على أربعة، أشهرها: الجِهار، ثمَّ تقديم الهاء وبزيادة ألف قبل كلّ منهما، قال الإسماعيليّ: لا أعلم أنّ سمعت هذه اللَّفظة في شيء من الحديث، يعني: إلّا في هذا الحديث. وقال عِيَاض: وَقَعَ للعُذْريّ والسِّجزيّ في مسلم: ((الإجهار))، وللفارسيِّ: ((الإهجار)) وقال في آخره: وقال زُهَير: الجِهار. هذه الرِّوايات من طريق ابن سفيان وابن أبي ماهان عن مسلم، وفي أُخرى عن ابن سفيان في رواية زُهَير: ((الهِجار))، قال عِيَاض: الجِهار والإجهار والمجاهَرة كلّه صواب بمعنى الظُّهور والإظهار، ويقال: جَهَرَ وأجهَرَ بقولِه وقراءته: إذا أظهَرَ وأعلَنَ، لأَنَّه راجع لتفسير قوله أوَّلاً: ((إلّا المجاهرونَ))، قال: وأمَّا ((المجانة)) فتصحيف، وإن (١) تحرَّفت في (س) إلى: الجهار. (٢) تحرَّفت في (س) إلى: اهِجار. ٤٥١ باب ٦٠ / ح ٦٠٧٠ كتاب الأدب کان معناها لا يبعد هنا، لأنَّ الماچِن هو الذي يستهتر في أُموره، وهو الذي لا يُبالي بما قال وما قيل له. قلت: بل الذي يظهر رُجْحان هذه الرِّواية، لأنَّ الكلام المذكور بعده لا يرتاب أحدٌ أَنَّه من المجاهَرة، فليس في إعادة ذِكْره كبير فائدة، وأمَّا الرّواية بلفظ: ((المجانة)) فتُفيد معنَى زائداً وهو أنَّ الذي يُجاهِر بالمعصية يكون من جُملة المُجّان، والمجانة مذمومة شرعاً وعُرفاً، فيكون الذي يُظهِر المعصية قد ارتَكَبَ محذورَينِ: إظهار المعصية وتَلُّسه يفعلِ المُجّان. قال عِيَاض: وأمَّا الإهجار فهو الفُحْش والخنا وكَثْرة الكلام، وهو قريب من معنى المجانة، يقال: أهجَرَ(١) في كلامه، وكأنَّه أيضاً تصحيف من الجِهار أو الإجهار، وإن كان المعنى لا يَبعُد أيضاً هنا، وأمَّا لفظ: ((الهِجار)) فبعيد لفظاً ومعنّى، لأنَّ الِهِجار: الحبل أو الوَتر تُشَدّ به يد البعير، أو الحَلْقة التي يُتَعلَّم فيها الطَّعن، ولا يَصِحّ له هنا معنَى، والله أعلم. قلت: بل له معنّى صحيح أيضاً؛ فإنَّه يقال: هَجَرَ وأهجَرَ إذا أفحَشَ في كلامه، فهو مِثْل جَهَرَ وأجهَرَ، فما صَحَّ في هذا صَحَّ في هذا، ولا يَلزَم من استعمال الهِجار بمعنى الحبل أو غيره أن لا يُستَعمَل مصدَراً من الهُجر بضمِّ الهاء. قوله: ((البارحة)) هي أقرَب ليلة مَضَت من وقت القول، تقول: لَقيتُه البارحة، وأصلها من بَرِحَ: إذا زالَ. وورَدَ في الأمر بالسَّتِرِ حديثٌ ليس على شرط البخاريّ، وهو حديث ابن عمر رَفَعَه: ((اجتَنِبوا هذه القاذورات التي نَهَى الله عنها، فمَن ألَمَّبشيءٍ منها فليَستَتِ بسِترِ الله)) الحديث، أخرجه الحاكم (٢٤٤/٤)، وهو في ((الموطَّأ)) (٨٢٥/٢) من مُرسَل زيد بن أسلَمَ. قال ابن بَطّال: في الجهر بالمعصية استخفافٌ بحَقِّ الله ورسوله وبصالحي المؤمنينَ، وفيه ضَرْبٌ من العِناد لهم. وفي السَّتر بها السَّلامةُ من الاستخفاف، لأنَّ المعاصي تُذِلّ أهلها، ومن إقامةِ الحدّ عليه إن كان فيه حدّ، ومن التَّعزير إن لم يوجِب حَدّاً، وإذا تَخَّضَ حقّ الله فهو أكرَم الأكرَمِينَ ورحمتُهُ سَبَقَت غَضَبه، فلذلك إذا سَتَرَه في الدُّنيا لم يَفضَحه في الآخرة، والذي يُجاهِر یفوتُه جمیع ذلك، وبهذا یُعرف موقع إیراد حديث النَّجوی عَقِب حديث الباب. (١) في الأصلين ((هجر))، والمثبت من (س) و((إكمال المعلم)). ٤٥٢ باب ٦٠ / ح ٦٠٧٠ فتح الباري بشرح البخاري وقد استُشكِلَت مُطابقَته للتَّرجمة من جهة أنَّها معقودة لسَترِ المؤمن على نفسه، والذي في الحديث سَترُ الله على المؤمن، والجواب أنَّ الحديث مُصرِّح بذَمِّ مَن جاهَرَ بالمعصية، فَيَسْتَلِم ٤٨٨/١٠ مَدح/ مَن تستَّ، وأيضاً فإنَّ سَتر الله مُستَلِزِم لسَتِرِ المؤمن على نفسه، فمَن قَصَدَ إظهار المعصية والمجاهَرة بها أغضَبَ رَبّه فلم يَستُره، ومَن قَصَدَ التَّسَتُّر بها حياءً من رَبّه ومن الناس مَنَّ الله عليه بسَتره إيّاه. وقيل: إنَّ البخاريّ أشار بذِكْر هذا الحديث في هذه التَّرجمة إلى تقوية مذهبه: أنَّ أفعال العباد مخلوقة لله. قوله: ((عن صَفْوان بن مُحِرِز)) في رواية شَيْبانَ عن قَتَادة: ((حدَّثنا صفوان))، وتقدَّم التَّنبيه عليها في تفسير سورة هود (٤٦٨٥)، وصفوان مازِنيّ بصريّ، وأبوه: بضمٍّ أوَّله وسكون المهمَلة وكسر الرَّاء ثمَّ الزّاي، ما له في البخاريّ سوى هذا الحديث وآخر تقدَّم في بَدْء الخلق (٣١٩٠) عنه عن عِمْران بن حُصَين، وقد ذكرهما في عِدّة مواضع. قوله: ((أنَّ رجلاً سألَ ابن عمر)) في رواية همَّام عن قَتَادة الماضية في المظالم (٢٤٤١) عن صفوان قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر آخِذٌ بيدِه، وفي رواية سعيد وهشام عن قَتَادة في تفسير هود (٤٦٨٥): بينا ابنُ عمر يطوف إذا عَرَضَ له رجل. ولم أقِفْ على اسم السائل، لكن يُمكِن أن يكون هو سعيد بن جُبَير، فقد أخرج الطبرانيُّ (١٣٧٢٨) من طريقه قال: قلت لابنِ عمر: حَدِّثني ... فذكر الحديث. قوله: ((كيف سمعت)) في رواية سعيد وهشام: ((فقال: يا أبا عبد الرَّحمن)) وهي كُنِيةٌ عبد الله بن عمر. قوله: ((كيف سَمعتَ رسول الله يقول في النَّجْوى؟)) هي ما تَكلَّمَ به المرء يُسمِع نفسه ولا يُسمِع غيره، أو يُسمِع غيره سِرّاً دونَ مَن يليه، قال الرَّاغِب: ناجَيتُه: أي: سارَرْته، وأصله: أن تَخُلُوَ في نَجْوة من الأرض، وقيل: أصله من النَّجاة وهي أن تنجو بسِرِّك من أن يُطَّلَع عليه، والنَّجوى أصله المصدر، وقد يوصَف بها فيقال: هو نَجوى وهم نَجوى، والمراد بها هنا: المناجاة التي تقع من الرَّبّ سبحانه وتعالى يوم القيامة مع المؤمنينَ، وقال الكِرْمانيُّ: أُطلقَ على ذلك النَّجوى لمُقابَلة مُخاطَبة الكفَّار على رؤوس الأشهاد هناك. ٤٥٣ باب ٦٠ / ح ٦٠٧٠ كتاب الأدب قوله: ((يَذْنو أحدكم من رَبّه)) في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة: ((يَدنو المؤمن من رَبّه)) أي: يَقرُب منه قُربَ کَرامة وعُلوِّ مَنِزِلة. قوله: ((حَتَّى يَضَعِ كَنَفْه)) بفتح الكاف والنُّون بعدها فاء، أي: جانبه، والكَنَف أيضاً: السِّتر، وهو المراد هنا، والأوَّل مجاز في حقّ الله تعالى، كما يقال: فلان في گنَف فلان، أي: في حِمايتِه وكِلاءَته. وذكر عِيَاض أنَّ بعضهم صَحَّفَه تصحيفاً شَنيعاً، فقال بالمثنّاة بَدَل النُّون. ويُؤدِّد الرُّوایة الصَّحیحة: أنَّه وقع في رواية سعید بن ◌ُبیر(١) بلفظ: «يجعله في حِجابه))، زاد في رواية همَّام: ((وسِتره)). قوله: ((فيقول: عَمِلْتَ كذا وكذا)) في رواية همَّامٍ: ((فيقول: أتعرِفُ ذنب كذا وكذا؟»، زاد في رواية سعيد وهشام: «فيُقرِّره بذُنوبِه))، وفي رواية سعيد بن جُبَير: ((فيقول له: اقرأ صحيفَتك. فيقرأ، ويُقرِّره بذنبٍ ذنب، ويقول: أتعرِفُ أتعرِف؟». قوله: ((فيقول: نعمْ)) زاد في رواية همَّام: ((أيْ: رَبّ))، وفي رواية سعيد وهشام: ((فيقول: أعرف)). قوله: ((ثُمَّ يقول: إنّي سَتّتها عليك في الدُّنْيا، وأنا أغفرها لك اليوم)» في رواية سعيد بن جُبیر: ((فِيَلْتَّفِتِ يَمْنَةً وَيَسْرةً فيقول: لا بأس عليك إِنَّك في سِتري، لا يَطَّلِعِ على ذُنوبكَ غيري))، زاد همّام وسعيد وهشام في روایتهم: ((فُعْطَی کتابَ حسناته))، ووَقَعَ في بعض روايات سعيد وهشام: ((فُيُطوى)) وهو خطأ، وفي رواية سعيد بن جُبَير: ((اذهَب فقد غَفَرتها لك)). ووَقَعَ عند الثلاثة: ((وأمَّا الكافر والمنافق))، ولِبعضِهم: ((الكفَّار والمنافقونَ))، وفي رواية سعيد وهشام(٢). ((وأمَّا الكافر فيُنادَى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨])). وقد تقدَّم في تفسير هود أنَّ الأشهاد جمع شاهد، مثل: أصحاب وصاحب، وهو أيضاً جمع شهيد كَشريفٍ وأشراف. (١) عند الطبراني في ((الكبير)) (١٣٧٢٨)، وقد أشار إليها الحافظ قريباً. (٢) لفظة ((وهشام)) لم ترد في الأصلين، وأثبتناها من (س). ٤٥٤ باب ٦٠ / ح ٦٠٧٠ فتح الباري بشرح البخاري قال المهلَّب: في الحديث تَفَضُّل الله على عباده بسَتره لذُنوِهِم يوم القيامة، وأنَّه يَغْفِر ذُنوب مَن شاءَ منهم، بخِلَاف قول مَن أنفَذَ الوعيد على أهل الإيمان، لأنَّه لم يَستَئِنِ في هذا ٤٨٩/١٠ الحديث ممَّن يَضَع عليه كَنَفه ويستره أحداً إلّ الكفَّار والمنافقينَ، فإنَّهم الذينَ يُنادَى/ عليهم على رؤوس الأشهاد باللَّعنة. قلت: قد استَشعَرَ البخاريّ هذا، فأورَدَ في كتاب المظالم (٢٤٤١) هذا الحديث ومعه حديث أبي سعيد (٢٤٤٠): ((إذا خَلَصَ المؤمنونَ من النار حُبِسوا بقَنطَرةٍ بين الجنَّة والنار يَتَقَاصُونَ مَظالم كانت بينهم في الدُّنيا، حتَّى إذا هُذِّبوا ونُقُوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة)) الحديث، فدَلَّ هذا الحديث على أنَّ المراد بالذُّنوبِ في حديث ابن عمر: ما يكون بين المرء ورَبّه سبحانه وتعالى دونَ مَظالم العباد، فمُقتَضَى الحديث أنَّها تحتاج إلى المقاصصة، ودَلَّ حديث الشَّفاعة أنَّ بعض المؤمنينَ من العُصاة يُعذَّب بالنار ثمَّ يُرَج منها بالشَّفاعة، كما تقدَّم تقريره في كتاب الإيمان(١). فدَلَّ مجموع الأحاديث على أنَّ العُصاة من المؤمنينَ في القيامة على قسمَينِ: أحدهما: مَن مَعْصِيَتَه بينه وبين رَبِّه، فدَلَّ حديث ابن عمر على أنَّ هذا القسم على قسمَينِ: قسم تكون معصيته مستورةً في الدُّنيا، فهذا يَستُّرها الله عليه في القيامة وهو بالمنطوق، وقسم تكون معصيته مُجاهَرة، فدَلَّ مفهومه على أنَّه بخلاف ذلك. والقسم الثّاني: مَن تكون معصيته بينه وبين العباد، فهم على قسمَينِ أيضاً: قسم تَرجَح سَيِّئَاتُهم على حسناتهم، فهؤلاءِ يقعونَ في النار ثمَّ يُحُرَجونَ بالشَّفاعة، وقسم تَتَساوى سَيَِّاتُهم وحسناتهم فهؤلاءِ لا يَدخُلُونَ الجنَّة حتَّى يقع بينهم التَّقاصّ كما دَلَّ عليه حديث أبي سعيد، وهذا كلّه بناء على ما دَلَّت عليه الأحاديث الصَّحيحة أن ... (٢) يفعله باختياره، وإلّا فلا يجب على الله شيء، وهو يفعل في عباده ما يشاء. (١) أشار إلى ذلك اللفظ في كتاب الإيمان، عند الحديث رقم (٢٢)، باختصار، وأحال تقرير البحث على حديث الشفاعة الآتي في كتاب الرقاق (٦٥٥٨) و(٦٥٥٩). (٢) هكذا بیاض هنا في الأصلین، وكذا في أصل (س). ٤٥٥ باب ٦١ / ح ٦٠٧١- ٦٠٧٢ كتاب الأدب ٦١ - باب الکېر وقال مجاهدٌ: ﴿ ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩]: مُستكبِراً في نفسِه، عِطْفُه: رَقَبْتُه. ٦٠٧١ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، حدَّثنا مَعبَدُ بنُ خالدِ القَيسيُّ، عن حارثةَ ابنِ وَهْبِ الخُزَاعِيِّ، عن النبيِّ ◌َيٍ، قال: «ألا أُخْبِرُكم بأهلِ الجنَّةِ؟ كلُّ ضَعِيفٍ مُتَضاعفٍ، لو أقسَمَ على الله لأبَه، ألا أُخْبِرُكم بأهلِ النار؟ كلُّ عُثُلُّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبٍ)). ٦٠٧٢ - وقال محمَّدُ بنُ عيسى: حدَّثْنَا هُشَيمٌ، أخبرنا مُميدٌ الطَّوِيلُ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالكِ، قال: كانت الأَمَّةُ من إماءِ أهلِ المدينةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رسولِ الله ◌َّةِ، فَتَنْطَلِقُ به حَيثُ شاءَتْ. قوله: ((باب الكِبْر)) بكسر الكاف وسكون الموحّدة ثمَّ راء، قال الرَّاغِب: الکبر والتکثُّ والاستكبار مُتَقارب، فالكِبر: الحالة التي يتخصَّص بها الإنسان من إعجابه بنفسِه، وذلك أن يرى نفسه أكبرَ من غيره، وأعظَمُ ذلك أن يَتَكَبَّر على رَبّه بأن يَمْتَنِعِ من قَبُول الحقّ والإذعان له بالتَّوحيدِ والطاعة، والتكبُّر يأتي على وجهَينِ: أحدهما: أن تكون الأفعال الحسنة زائدة على محاسن الغير، ومن ثَمَّ وُصِفَ سبحانه وتعالى بالمتكبِّرِ. والثّاني: أن يكون مُتَكلِّفاً لذلك مُتَشَبِّعاً بما ليس فيه، وهو وصف عامّة الناس، نحو قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَ كُلِّ قَآپٍ مُتکېٍّ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]، والمستکېِر مِثله. وقال الغَزاليّ: الكِبر على قسمَينٍ: فإن ظَهَرَ على الجوارح يقال: تَكَبُّر، وإلّا قيل: في نفسه كِبْرِ، والأصل هو الذي في النَّفْس، وهو الاسترواح إلى رُؤية النّفس، والكِبر يستدعي مُتَكَبَّراً عليه يرى نفسه فوقه، ومُتَكَبَّراً به، وبه يَنفَصِل الكِبر عن العُجْب، فمَن لم يُحْلَق إلّا وحده يُتَصَوَّر أن يكون مُعجَباً لا مُتَكَبِراً. قوله: ((وقال مجاهد:/ ﴿ثَانَِ عِطْفِهِ ﴾: مُستَكِراً في نفسه، عِطفه: رَقَبته)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ عن ٤٩٠/١٠ وَزْقاء عن ابن أبي نَجِیح عن مجاهد، قال في قوله تعالى: ﴿ نَانِىعِطْفِهِ﴾ قال: رقبته، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾ قال: مُستَكِراً في نفسه، ومن طريق قَتَادة قال: لا وِيَ عُنُقُه، ومن طريق الشُّدِّئِّ: ﴿ قَانِعِطْفِهِ﴾ أي: مُعرِض ٤٥٦ باب ٦١ / ح ٦٠٧٢ فتح الباري بشرح البخاري من العَظَمة، ومن طريق أبي صَخْر المدنيّ قال: كان محمَّد بن كعب يقول: هو الرجل يقول: هذا شيء ثَنَيت عليه رِجلي، فالعِطف: هو الرِّجل، قال أبو صخر: والعرب تقول: العِطف العُنُق. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد: أنَّها نزلت في النَّضر بن الحارث. ثم ذکر فیه حدیثین: أحدهما: حديث حارثة بن وهب، وقد تقدَّم شرحه في تفسير سورة ﴿ت﴾ (٤٩١٨)، والغرض منه: وصف المستَكِر بأنَّه من أهل النار. وقوله: ((ألا أُخبِرِكم بأهلِ الجنَّةُ؟ كلّ ضعيف)) هو برفع ((كلّ))، لأنَّ التَّقدير: هم كلّ ضعيف ... إلى آخره، ولا يجوز أن يكون بَدَلاً من ((أهل)). ثانيهما: حديث أنس. قوله: ((وقال محمّد بن عيسى)) أي: ابن أبي نَجِيح المعروف بابنِ الطَّاعِ، بمُهمَلةٍ مفتوحة وموحّدة ثقيلة، وهو أبو جعفر البغداديّ نَزيل أذَنة، بفتح الهمزة والمعجَمة والنّون، وهو ثقة عالم بحديثٍ هُشَيم، حتَّى قال عليّ بن المَدِينيّ: سمعت يحيى القَطّان وابن مَهديّ يسألانه عن حديث هُشَيم، وقال أبو حاتم: حدَّثنا محمّد بن عيسى بن الطَّاع الثِّقة المأمون، ورَجَّحَه على أخيه إسحاق بن عيسى، وإسحاق أكبر من محمَّد. وقال أبو داود: كان يَتَفَقَّه، وكان يحفظ نحو أربعينَ ألف حديث. وماتَ سنة أربع وعشرينَ ومئتَين، وحدَّث عنه أبو داود بلا واسطة، وأخرج التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) والنَّسائيُّ وابن ماجَهْ من حديثه بواسطةٍ، ولم أرَ له في البخاريّ سوى هذا الموضع، وموضع آخر في الحجّ (١٧٦٩): ((قال محمَّد بن عيسى: حدَّثنا))، قال حمّاد(١): ولم أرَ في شيء من نُسَخ البخاريّ تصريحه عنه بالتَّحديث، وقد قال أبو نُعَيم بعد تخريجه: ذكره البخاريّ بلا رواية، وأمَّا الإسماعيليّ فإنَّه قال: قال البخاريّ: قال محمَّد بن عيسى، فذكره ولم يُرِّج له سنداً، وقد ضاقَ تَخَرَجه على أبي نُعَيم أيضاً، فساقَه في (١) حماد: هو ابن شاكر النسفي، أحد رواة (صحيح البخاري) عنه، توفي سنة ٣١١هـ. انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٥/١٥. ٤٥٧ باب ٦١ / ح ٦٠٧٢ كتاب الأدب (مُستَخرَجه)) من طريق البخاريّ، وغَفَلَ عن كَونه في ((مُسنَد أحمد))، وأخرجه أحمد (١١٩٤١) عن هُشَيم شيخ محمّد بن عيسى فيه، وإنَّما عَدَلَ البخاريّ عن تخريجه عن أحمد بن حَبَل لتصريحِ مُميدٍ في رواية محمَّد بن عيسى بالتَّحديث، فإنَّه عنده: ((عن هُشَيم أخبرنا حُميدٌ عن أنس)) وُميدٌ مُدَلِّس، والبخاريّ يُرِّج له ما صَرَّحَ فيه بالتَّحديثِ(١). قوله: ((فَتَنْطَلِقِ به حيثُ شاءَتْ)) في رواية أحمد: فَتَنْطَلِقِ به في حاجتها، وله (١٢٧٨٠) من طريق عليّ بن زيد عن أنس: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لَتَجيء فتأخُذ بيَدِ رسول الله وَّ﴾، فما يَنزِع يده من يَدها حتَّى تذهب به حيثُ شاءَت. وأخرجه ابن ماجه (٤١٧٧) من هذا الوجه، والمقصود من الأخذ باليَدِ: لازِمُه، وهو الرِّفق والانقياد. وقد اشتَمَلَ على أنواع من المبالَغة في التَّواضُع لِذِكْرِه المرأة دونَ الرجل، والأَمَة دونَ الحُرّة، وحيثُ عَمَّمَ بلفظ الإماء أيّ أمةٍ كانت، وبقولِه: ((حيثُ شاءَت)) أي: من الأمكِنة. والتَّعبير بالأخذِ باليَدِ إشارة إلى غاية التَّصَرُّف، حتَّى لو كانت حاجتها خارج المدينة، والتَمَسَت منه مُساعَدَتها في تلك الحاجة(٢) لساعدها على ذلك، وهذا دالٌ على مزيد تَواضُعه وبراءته من جميع أنواع الكِبر ێ. وقد وَرَدَ في ذَمّ الكِبر ومَدح التَّواضُع أحاديث، من أصحّها ما أخرجه مسلم (٩١) عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ وَ ل﴿ قال: ((لا يَدخُل الجنَّة مَن كان في قلبه مثقال ذَرّة من كِبر)) فقيل: إنَّ الرجل يُحِبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونَعلُه حسنة، قال: ((الكِبر بَطَر الحقّ وغَمط الناس)) والغَمْطَ بفتح المعجَمة وسكون الميم بعدها مُهمَلة: هو الازدراء والاحتقار، وقد أخرجه الحاكم (٢٦/١) بلفظ: ((الكِبر مَن بَطِرَ الحقّ وازدَرَى الناس))، والسائل المذكور يحتمل أن يكون ثابت بن قيس، فقد روى الطبرانيُّ (١٣١٠) بسندٍ حسن عنه: أنَّه سألَ عن (١) بل أخرج له البخاري في ((صحيحه) أحاديث لم يصرح فيها بالسماع من أنس، وهذه الأحاديث محمولة على الاتصال، لأنه سمعه من ثابت بن أسلم البناني أو ثبته فیه ثابت، كما قال شعبة بن الحجاج، وثابت ثقة حجة من رجال الشیخین. (٢) في الأصلين ((الحالة))، والمثبت من (س). ٤٥٨ باب ٦١ / ح ٦٠٧٢ فتح الباري بشرح البخاري ٤٩١/١٠ ذلك،/ وكذا أخرج (٦٤٧٩) من حديث سواد بن عَمْرو: أنَّه سألَ عن ذلك. وأخرج عبد بن ◌ُميدٍ (٦٧٣) من حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((الكِبر السَّفَه عن الحقّ، وَغَمْصُ الناس)) فقال: یا نبيَّ الله، وما هو؟ قال: («السَّفَه أن یکون لك على رجل مال فينکره فيأمره رجل بتقوى الله فيأبى، والغَمْصُ: أن يَجِيء شامخاً بأنِفِه، وإذا رأى ضُعَفاء الناس وفُقَراءَهم لم يُسلِّم عليهم، ولم تَجلِس إليهم مَحَقَرة لهم))(١). وأخرج التِّرمِذيّ (١٥٧٣)، والنَّسائيُّ (ك٨٧١١)، وابن ماجَهْ (٢٤١٢)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (١٩٨)، والحاكم (٢٦/٢) من حديث ثوبانَ عن النبيّ وَّ: ((مَن ماتَ وهو بريء من الكِبر والغُلول والدَّين دَخَلَ الجنَّة)). وأخرج أحمد (١١٧٢٤)، وابن ماجَهْ (٤١٧٦)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٦٧٨) من حديث أبي سعيد رَفَعَه: ((مَن تَوَاضَعَ لله درجة رَفَعَه الله درجة، حتَّى يجعله الله في أعلى عِلّينَ، ومَن تَكَبَّرَ على الله درجة وضَعَه الله درجة، حتَّى يجعله في أسفل سافلينَ))(٢). وأخرج الطبرانيُّ في («الأوسط)) (٥٤٣) عن ابن عمر رَفَعَه: «إيّاكم والكِبر، فإنَّ الكِبر يكون في الرجل وإنَّ عليه العَباءة»، ورواته ثقات(٣). وحكى ابن بَطّال عن الطَّبَرَيِّ: أنَّ المراد بالكِيرِ في هذه الأحاديث: الگُفْر، بدليل قوله في الأحاديث: ((على الله))، ثمَّ قال: ولا يُنكَر أن يكون من الكبر ما هو استكبار على غير الله تعالى، ولكنَّه غير خارج عن معنى ما قلناه، لأنَّ مُعتَقِد الكِبر على رَبّه يكون لخلقِ الله أشدّ استحقاراً. انتهى، وقد أخرج مسلم (٢٨٦٥) من حديث عِيَاض بن حمارٍ - بكسر المهمَلة وتخفيف الميم -: أنَّ رسول الله وَِّ قال: ((إنَّ الله أوحَى إليَّ أن تَواضَعوا، حتَّى لا يَبغي أحدٌ على أحد)) الحديث، والأمر بالتَّواضُع تَهي عن الكِبر فإنَّه ضِدّه، وهو أعَمُّ من الكفر وغيره. واختُلِفَ في تأويل ذلك في حقّ المسلم، فقيل: لا يَدخُل الجنَّة مع أوَّل الدّاخِلِينَ، وقيل: لا يَدخُلها بدون مجازاة، وقيل: جَزاؤُه أن لا يَدخُلها ولكن قد يُعفَى عنه، وقيل: وَرَدَ مَورِد (١) في إسناده من لا يعرف. (٢) إسناده ضعيف. (٣) فيه سويد بن عبد العزيز، قال في ((التقريب)): ضعيف. ٤٥٩ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٣ -٦٠٧٥ كتاب الأدب الزَّجر والتَّغليظ، وظاهره غير مُراد، وقيل: معناه: لا يَدخُل الجنَّة حال دخولها وفي قلبه كِبر، حكاه الخطّبيّ، واستَضعَفَه النَّوويّ فأجادَ؛ لأنَّ الحديث سيقَ لذَمِّ الكِبر وصاحبه، لا للإخبار عن صِفَة دخول أهل الجنَّة الجنَّة. قال الطِّبيُّ: المقام يقتضي حمل الكِبر على مَن يَرتَكِب الباطل، لأنَّ تحرير الجواب إن كان استعمال الزينة لإظهار نِعمة الله فهو جائز أو مُستَحَبّ، وإن كان للبَطَرِ المؤَدّي إلى تَسفيه الحقّ وتَحَقِير الناس والصَّدّ عن سبيل الله فهو المذموم. ٦٢ - باب الهِجرة وقولِ النَّبِّ وَّ: ((لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ)) ٦٠٧٣، ٦٠٧٤، ٦٠٧٥- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: حدَّثني عَوْفُ بنُ الطُّقَبلِ - وهو ابنُ أخي عائشةَ زَوْجِ النبيِّ وَ ﴿ لأُمُّها - أنَّ عائشةَ حُدِّثَت أنَّ عبد الله ابنَ الزُّبَيرِ قال في بيع أو عطاءٍ أعطَّه عائشةُ: والله لَتَنَتَهِيَنَّ عائشةُ، أو لأحجُرَنَّ عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم. قالت: هو لله عليَّ نَذْرٌ أن لا أُكلِّمَ ابنَ الزُّبَيرِ أبداً، فاستَشْفَعَ ابنُ الزُّبَيِ إليها حينَ طالَتِ الهِجْرةُ، فقالت: لا والله، لا أُشَفِّعُ فيه أحداً، ولا أتحَنَّثُ إلى نَذْري، فلمَّاً طالَ ذلك على ابنِ الزُّبَيرِ، كَلَّمَ المِسْوَرَ بنَ مَخرَمةَ وعبدَ الرَّحمنِ بنَ الأسوَدِ بنِ عبدِ يَغوثَ، وهما من بني زُهْرةَ، وقال لهما: أنشُدُكُما بالله لمَا أَدْخَلْتُماني على عائشةَ، فإنَّهَا لا يَحِلُّ لها أن تَنْذُرَ قَطِيعَتِي، فَأقبَلَ به المِسْوَرُ وعبدُ الرَّحمنِ مُشتَمِلَيْنِ بأردِيَتِهما، حتَّى استأذَنا على عائشةَ، فقالا: السَّلامُ عليكِ ورحمةُ الله وبَرَكاتُه، أنَدْخُل؟ قالت عائشةُ: ادْخُلوا، قالوا: كلُّنا؟ قالت: نعم، ادْخُلوا كلُّكُم - ولا تعلمُ أنَّ معهما ابنَ الزُّبَيِ - فلمَّا دخلوا دَخَلَ ابنُ الزُّبَيرِ الحِجابَ، فاعْتَقَ عائشةَ وطَفِقَ يُناشدُها ويَبْكِي، وطَفِقَ المِسْوَرُ وعبدُ الرَّحمنِ يُناشدانها إلّا ما كَلَّمَتْه، وقَبِلَت منه، ويقولان: إنَّ النبيَّ ◌َّهِ نَهَى عَمَّا قد علمْتِ منَ الهِجْرةِ، وأنّه لا يَحِلُّ لمسلم أن يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ لَيَالٍ، فلمَّا أكثروا على عائشةَ منَ التَّذْكِرةِ والتَّحْرِيجِ، طَفِقَت تُذكِّرُهما وتَبْكي، وتقولُ: إِنّ نَذَرْتُ، والنَّذْرُ شديدٌ، فلم يزالا بها حتَّى كَلَّمَتِ ابنَ الزُّبَيرِ، وأعتَقَت في نَذْرِها ذلك ٤٦٠ باب ٦٢ / ح ٦٠٧٥ فتح الباري بشرح البخاري أربعينَ رَقَبَةً، وكانت تَذْكُرُ نَذْرَها بعدَ ذلك، فتَبْكي حتَّى تَبْلَّ دُموعُها خِمارَها. قوله: ((باب الهِجْرة)) بكسر الهاء وسكون الجيم، أي: ترك الشَّخص مُكالمة الآخر إذا ٤٩٢/١٠ تَلاقَيا، وهي في الأصل التَّرك، فِعلاً كان أو قولاً، وليس المراد بها مُفارَقة الوطن، فإنَّ تلك تقدَّم حُکمها. قوله: ((وقول النبيّ (قل : لا تَحِلّ لرجلٍ أن يَهُر أخاه فوق ثلاث ◌َيالٍ)) قد وَصَلَه في الباب عن أبي أيوب، وأراد هنا أن يُبيِّ أنَّ عُمومه مخصوص بمَن هَجَرَ أخاه بغير موجِبٍ لذلك، قال النَّوويّ: قال العلماء: تَحُرُم الهجرة بين المسلمينَ أكثر من ثلاث لَيالٍ بالنَّصِّ، وتُباح في الثلاث بالمفهوم، وإنَّما عُفيَ عنه في ذلك لأنَّ الآدميّ مجبول على الغضب، فسومِحَ بذلك القَدْر ليرجِع ویزول ذلك العارض. وقال أبو العبّاس القُرطُبيّ: المعتَبَر ثلاث لَيَالٍ، حتَّى لو بَدَأ بالهجرة في أثناء النَّهار أُلغيَ البعض، وتُعتَبَر ليلة ذلك اليوم، وينقضى العَفْو بانقضاءِ اللَّيلة الثّالثة. قلت: وفي الجزم باعتبار اللَّيالي دونَ الأيام ◌ُود، وقد مضى في ((باب ما نُهي عن التَّحاسُد)) في رواية شُعَيب (٦٠٦٥) في حديث أبي أيوب بلفظ: ((ثلاثة أيام))، فالمعتمَد أنَّ المَرَخّص فيه ثلاثة أيام بَيالِها، فحيثُ أُطلِقَتِ اللَّيالي أُرِيدَ بأيامها، وحيثُ أُطلِقَتِ الأيامِ أُريدَ بَياليها، ويكون الاعتبار مُضيّ ثلاثة أيام بلَيالِها مُلَفَّقة، إذا ابتُدِثَت مثلاً من الظُّهر يوم السَّبت كان آخرها الظُّهر يوم الثلاثاء، ويحتمل أن يُلغَى الكسر، ويكون أوَّل العَدَد من ابتداء اليوم أو اللَّيلة، والأوَّل أحوط. ثم ذکر فیه ثلاثة أحادیث: الحديث الأول: فيه عن ثلاثة من الصحابة شيء مرفوع، وباقيه عنهم وعن رابع موقوف. قوله: ((حدَّثني عَوْف بن الطَّفَيل - وهو ابن أخي عائشة ـ)) كذا عند النَّسَفيّ وأبي ذرٍّ، وعند غيرهما وكذا أخرجه أحمد (١٨٩٢٣) عن أبي اليَمَان شيخ البخاريّ فيه، فقال: عَوْف ابن مالك بن الطَّفَيل، وهو ابن أخي عائشة لأمّها، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق