Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
باب ٣٦ / ح ٦٠٢٧
كتاب الأدب
٦٠٢٧ - وكان النبيُّ وَرِ جالساً، إذا جاء رجلٌ يَسْألُ، أو طالبُ حاجةٍ، أقبَلَ بوَجْهِه فقال:
((اشفَعُوا فلْتُؤْجَرُوا، ولْيَقْضِ الله على لسان نبيِّه ما شاءً)).
٤٥٠/١٠
قوله: ((باب تَعاوُن المؤمنينَ بعضِهم بعضاً)) بِجَرِّ ((بعضهم)) على البَدَل، ويجوز الضَّمّ.
قوله: ((سفيان)) هو الثوري، وبُرَيد بن أبي بُرْدَة بموحدة وراء، مصغر: هو ابن عبد الله
ابن أبي بُرْدة بن أبي موسى نسب لجده، وكنية بُريد: أبو بردة أيضاً. وقد أخرجه النسائي(١)
من طريق يحيى القطان: حدَّثنا سفيان حدَّثني أبو بُرْدة بن عبد الله بن أبي بُرْدة، فذكره.
قوله: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدّ بعضه بعضاً) اللّام فيه للجنسِ، والمراد بعض المؤمنينَ
للبعض، وقوله: ((يَشُدّ بعضه بعضاً)) بيان لوجه التَّشبيه، وقال الكِرْمانيُّ: نُصِبَ ((بعضاً) بنَزَع
الخافض، وقال غيره: بل هو مفعول: يَشُدّ، قلت: ولِكِلُّ وجهٌ.
قال ابن بَطّال: والمعاونة في أُمور الآخرة، وكذا في الأُمور المباحة من اللُّنيا مندوب إليها،
وقد ثَبَتَ حديث أبي هريرة: ((واللهُ في عَوْن العَبد ما دامَ العَبد في عَوْن أخيه))(٢).
قوله: ((ثمَّ شَبَّكَ بين أصابعه)) هو بيان لوجه التَّشبيه أيضاً، أي: يَشُدّ بعضهم بعضاً مِثلَ
هذا الشَّدّ، ويُستَفاد منه أنَّ الذي يريد المبالَغة في بيان أقواله يُمَثِّلها بحَرَكاته ليكونَ أوقَع في
نَفْس السامع.
قوله: ((وكان النبيّ وَّهِ جالساً، إذا(٣) جاء رجل يَسْأل، أو طالب حاجة، أقبَلَ بوَجْهِه فقال:
اشفَعوا)» هكذا وَقَعَ في النَّسَخِ من رواية محمَّد بن يوسف الفِرْيابيّ عن سفيان الثَّوريّ، وفي
تركيبه قَلَق، ولعلَّه كان في الأصل: كان إذا كان جالساً إذا جاء رجل ... إلى آخره، فحذفَ
اختصاراً أو سَقَطَ على الراوي لفظ: ((إذا كان))، على أنَّني تَتَبَّعت ألفاظ الحديث من الطُّرق فلم
(١) رواية النسائي في ((المجتبى)) (٢٥٦٠)، وفي ((الكبرى)) (٢٣٥٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وليس من
طريق يحيى القطان، ورواية يحيى القطان أخرجها أحمد (١٩٦٦٧)، ولكن أخرج النسائي شطره الثاني من طريق
يحيى القطان (٢٥٥٦) كما سيشير إليه الشارح بعد قليل.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).
(٣) ((في (ع) و(س): ((إذ))، والمثبت من (أ).

٣٨٢
باب ٣٦ / ح ٦٠٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
أرَه في شيء منها بلفظ جالساً، وقد أخرجه أبو نُعَيم من رواية إسحاق بن زُرَيق عن الفِرْيابيّ
بلفظ: كان رسول الله وَ﴿ إذا جاءه السائل أو طالب الحاجة أقبَلَ علينا بوجهه .. الحديث،
وهذا السّياق لا إشكال فيه (١)، وأخرجه النَّسائيُّ (٢٥٥٦) من طريق يحيى القَطّان عن
سفيان مختصراً اقتَصَرَ على قوله: ((اشفَعوا تُؤْجَروا ... )) إلى آخره، وأخرجه الإسماعيليّ من
رواية عمر بن عليّ المقدَّميِّ عن سفيان الثَّوريّ، لكنَّه جعله كلَّه من قول النبيّ ◌َ لام فقال: قال
رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنّ أوتَى فأُسأل أو تُطلَب إليّ الحاجة وأنْتُم عندي، فاشفَعُوا)) الحديث. وقد
أخرجه المصنّف في الباب الذي يليه (٦٠٢٨) من رواية أبي أسامة عن بُرَيدٍ، ولفظه: عن
النبيّ وَّ أَنَّه كان إذا أتاه السائلُ أو صاحبُ الحاجة .. ومن هذا الوجه أخرجه مسلم(٣)،
وتقدَّم في الزكاة (١٤٣٢) من رواية عبد الواحد بن زياد عن بُرَيدٍ بلفظ: كان إذا جاءه السائل
أو طُلِبَتْ إليه الحاجة، وكذا أخرجه مسلم (٢٦٢٧) من رواية عليّ بن مُسهِر وحفص بن غِيَات
كلاهما عن بُرَيدِ بلفظ: كان إذا أتاه طالبُ حاجة أقبَلَ على جُلَسائه فقال .. فذكره.
قوله: ((فلْتُؤْجَروا)) كذا للأكثر، وفي رواية كَرِيمة: ((تُؤْجَروا))، وقال القُرطُبيّ: وَقَعَ في
أصل مسلم: ((اشفَعوا تُؤجَروا)) بالجزمِ على جواب الأمر المضَمَّن معنى الشَّرط، وهو واضح،
وجاء بلفظ: ((فلتُؤْجَروا)) وينبغي أن تكون هذه اللّام مكسورة لأنَّها لام كَي، وتكون الفاء
زائدة كما زيدَت في حديث: ((قوموا فِلِأُصَلّيَ لكم))(٣) ويكون معنى الحديث: اشفَعوا كَي
تُوجَروا، ويحتمل أن تكون لام الأمر، والمأمور به التَّعَرُّض للأجرِ بالشَّفاعة(٤)، فكأنَّه قال:
(١) قال العيني في ((عمدة القاري)) ١١٥/٢٢ متعقباً للحافظ ابن حجر على هذا الكلام: لا قلق في التركيب
أصلاً، وآفة هذا الكلام ممن ظن أنَّ ((جالساً)) خبر كان، وليس كذلك، وإنما خبر كان هو قوله: ((أقبل
علينا))، و((جالساً)) نصب على الحال من ((النبي)).
(٢) لم يخرجه مسلم من هذا الوجه، إنما أخرجه البخاري نفسه من هذا الوجه (٧٤٧٦) في كتاب التوحيد،
باب في المشيئة والإرادة، أما مسلم فقد أخرجه من طريق علي بن مسهر وحفص بن غياث وسيشير إليها
الشارح بعد قليل.
(٣) تقدم برقم (٨٦٠).
(٤) وعليه جاءت الرواية (٣٨٠) بلفظ: ((قوموا فلأصلِّ لكم)).

٣٨٣
باب ٣٦ / ح ٦٠٢٧
كتاب الأدب
اشفَعوا فتعرَّضوا بذلك للأجر، وتُكسَر هذه اللّام على أصل لام الأمر، ويجوز تسكينها
تخفيفاً لأجلِ الحركة التي قبلها./ قلت: ووَقَعَ في رواية أبي داود (٥١٣١): ((اشفَعوا لتُؤْجَروا)) ٤٥١/١٠
وهو يُقَوِّي أنَّ اللّام للتَّعليل، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن تكون الفاء سبيّة واللام بالكسر وهي لام
كَي، وقال: جازَ اجتماعهما لأنَّهما لأمرٍ واحد، ويحتمل أن تكون جَزائيَّة جواباً للأمر، ويحتمل أن
تكون زائدة على رأي، أو عاطفة على ((اشفَعوا)) واللّام لام الأمر، أو على مُقدَّر، أي: اشفَعوا
لْتُؤجَروا فلتُؤْجَروا، ولفظ: اشفَعوا تُؤْجَروا في تقدير: إن تَشْفَعوا تُؤْجَروا، والشَّرط يَتَضَمَّن
السَّبَبيَّة، فإذا أتى باللّام وَقَعَ التَّصريح بذلك.
وقال الطِّبيُّ: الفاء واللّام زائدَتان للتَّأكيدِ، لأنَّه لو قيل: اشفَعوا تُؤْجَروا صَحَّ، أي:
إذا عَرَضَ المحتاج حاجته عليَّ فاشفَعُوا له إليَّ، فإنَّكم إن شَفَعتُم حَصَلَ لكم الأجر، سواء
قَبِلتُ شَفاعَتكم أم لا، ويُجري الله على لسان نبيّه ما شاءَ، أي: من موجبات قضاء الحاجة أو
عَدَمها، أي: إن قَضَيتُها أو لم أقضِها فهو بتقدير الله تعالی وقضائه.
تنبيه: وَقَعَ في حديثٍ عن ابن عبَّاس سنده ضعيف رَفَعَه: ((مَن سَعَى لأخيه المسلم في
حاجةٍ قُضيَت له أو لم تُقضَ غُفِرَ له))(١).
قوله: ((ولْيَقْضِ الله على لسان نبيّه ما شاءَ» كذا ثَبَتَ في هذه الرِّواية: ((وليقضٍ)) باللّام، وكذا في
رواية أبي أُسامة التي بعدها للكُشْمِيهنيّ فقط، وللباقينَ: ((ويقضي)» بغير لام، وفي رواية مسلم
من طريق عليّ بن مُسهِر وحفص بن غياث: ((فليقضِ)) أيضاً. قال القُرطُبيّ: لا يَصِحّ أن تكون
هذه اللّم لام الأمر، لأنَّ الله لا يُؤْمَر، ولا لام كَي لأَنَّ ثَبَتَ في الرّواية: ((وليَقضِ)) بغير ياء، ثمَّ
قال: يحتمل أن تكون بمعنى الدُّعاء، أي: اللهمَّ اقض، أو الأمر هنا بمعنى الخبر.
وفي الحديث الحَضّ على الخير بالفِعِلِ وبالتَّسَبُّبِ إليه بكلِّ وجه، والشَّفاعةُ إلى الكبير في
كَشِف كُرْبة ومَعُونة ضعيف، إذ ليس كلّ أحد يَقدِر على الوصول إلى الرَّئيس ولا التَّمَكُّن منه
(١) ذكره الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) ١٤١/١ في ترجمة أحمد بن بكر البالسي، وقال: حديث موضوع بسند
صحيح، وعزاه للمنذري في جزء ((غفران الذنوب)). قلنا: وأورده السيوطى أيضاً في ((تنوير الحوالك)) ١/ ٨٥
وعزاه لأبي أحمد الناصح في ((فوائده)).

٣٨٤
باب ٣٧ / ح ٦٠٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
ليَلِج عليه أو يوضّح له مُراده لِيَعرِف حاله على وجهه، وإلّا فقد كان ◌َّ لا يحتجب.
قال عِيَاض: ولا يُستَنَى من الوجوه التي تُستَحَبّ الشَّفاعة فيها إلّا الحدود، وإلّا فما لا
حَدَّ(١) فيه تجوز الشَّفاعة فيه، ولا سيّما ممَّن وَقَعَت منه الهُفْوة أو كان من أهل السِّتر والعفاف،
قال: وأمَّا المصِرُّونَ على فسادهم المشتَهِرونَ في باطلهم فلا يُشفَع فيهم، ليُزُجَروا عن ذلك.
٣٧- باب قول الله تعالى:
مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]
قال أبو موسى: ﴿كِفْلَيْنِ﴾: أجْرَين بالحَبَشِيَّةِ.
﴿كِفْلٌ﴾: نَصِيبٌ.
٦٠٢٨- حلَّثنا محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدثنا أبو أُسامةً، عن بُریدِ، عن أبي بُزْدةً، عن أبي موسى، عن
النبيِّ وَِّ، أَنَّه كان إذا أَتَاهُ السائلُ أو صاحبُ الحاجةِ قال: ((اشفَعُوا فلتؤْجَرُوا، ولْيَقْضِ الله على
لسان رسوله ما شاءَ)).
قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ﴾)) كذا لأبي
ذرٍّ، وساقَ غيره إلى قوله: ﴿مُقِينًا﴾، وقد عَقَّبَ المصنِّف الحديث المذكور قبله بهذه التَّرجمة
إشارة إلى أنَّ الأجر على الشَّفاعة ليس على العموم، بل مخصوص بما تجوز فيه الشَّفاعة وهي
الشَّفاعة الحسنة، وضابِطُها ما أَذِنَ فيه الشَّرع دونَ ما لم يأذَن فيه، كما دَلَّت عليه الآية، وقد أخرج
الطَّبَرِيُّ بسندٍ صحيح عن مجاهد قال: هي في شَفاعَة الناس بعضهم لبعضٍ، وحاصله أنَّ مَن
٤٥٢/١٠ شَفَعَ/ لأحدٍ في الخير كان له نَصيبٌ من الأجر، ومَن شَفَعَ له في الباطل كان له نَصيبٌ من
الوِزْر، وقيل: الشَّفاعة الحسنة: الدُّعاء للمؤمنِ، والسَّيِّئَة: الدُّعاء عليه.
قوله: ((قال أبو موسى: كِفْلَينِ: أجْرَينِ بالحَبَشِيَّةِ) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق
عن أبي الأحوص عن أبي موسى الأشعَريّ في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ.﴾
[الحديد: ٢٨] قال: ضِعفَينِ بالْحَبَشِيَّة أجرَينِ.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: لأحد.

٣٨٥
باب ٣٨ / ح ٦٠٢٩-٦٠٣٢
كتاب الأدب
قوله: ((كِفْل: نَصِيب)) هو تفسير أبي عُبِيدَة، وقال الحسن وقَتَادةُ: الكِفِل: الوِزْر والإثم.
وأراد المصنّ أنَّ الكِفِل يُطلَق ويُراد به النَّصيب، ويُطلَق ويُراد به الأجر، وأنَّه في آية النِّساء
بمعنی اجزاء، وفي آية الحديد(١) بمعنى الأجر.
ثم ذَكَر حديث أبي موسى، وقد أشرتُ إلى ما فيه في الذي قبله. ووَقَعَ فیه: «إذا أتاه صاحب
الحاجة)) وعند الكُشْمِيهنيّ: ((صاحب حاجة)).
٣٨- بابٌ لم يَكُن النبيّ ◌َّ فاحشاً ولا مُتَفَاحِشاً
٦٠٢٩ - حذَّثنا حفصُ بنُ عُمَرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، سمعتُ أبا وائلِ، سمعتُ مَسْروقاً،
قال: قال عبدُ الله بنُ عَمرو(ح)
حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثْنَا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ، عن مَسْروقٍ، قال: دَخَلْنا
على عبدِ الله بنِ عَمْرٍو حينَ قَدِمَ مِعَ معاويةً إلى الكوفةِ، فَذَكَر رسولَ الله وَلِّ، فقال: لم يكن فاحِشاً
ولا مُتَفَخِّشاً. وقال: قال رسولُ اللهِوَاهَ: ((إنَّ من خَيرِكُم أحسَنَكُمْ خُلُقاً».
٦٠٣٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ سَلَام، أخبرنا عبدُ الوهّاب، عن أيوبَ، عن عبدِ الله بنِ أبي
مُلَيكَةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ يهودَ أتوا النبيَّ ◌َّهِ فقالوا: السَّامُ عليكم، فقالت عائشةُ:
عليكم ولَعَنكُمُ الله وغَضِبَ الله عليكم، قال: ((مَهْلاً يا عائشةُ، عليكِ بالرِّفْقِ، وإيّاكِ والعُنْفَ
والفُحْشَ)) قالت: أوَلم تَسْمَع ما قالوا؟ قال: ((أوَلم تَسْمعي ما قلتُ؟ رَدَدْتُ عليهم، فيُسْتَجابُ
لی فیھم، ولا يُسْتَجابُ لهم فيَّ)».
٦٠٣١ - حذَّثنا أصبَغُ، قال: أخبرَني ابنُ وَهْب، أخبرنا أبو يحيى، هو فُلَيحُ بنُ سُليمانَ، عن
هلال بنِ أُسامةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﴾، قال: لم يكنِ النبيُّ ◌ِ لَ سَبّاباً ولا فَحّاشاً ولا لَعَاناً،
كان يقول لأحدِنا عندَ المَعْتِبةِ: ((ما لَه تَرِبَ جَبِينُه)).
[طرفه في: ٦٠٤٦]
٦٠٣٢ - حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عيسى، حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سَواءٍ، حدَّثْنَا رَوْحُ بنُ القاسمِ، عن محمَّدِ بنِ
(١) يعني قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُوا اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].

٣٨٦
باب ٣٨ / ح ٦٠٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
المنكَدِرِ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّ رجلاً استأذَنَ على النبيِّ وََّ، فلمَّاً رآه قال: ((بِشْسَ أخو العَشِيرةِ،
وبْسَ ابنُ العَشِيرة) فلمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النبيُّ ◌َّهِ فِي وَجْهِه وانبَسَطَ إليه، فلمَّ انطَلَقَ الرجلُ قالت له
عائشةُ: يا رسولَ الله، حينَ رأيتَ الرجلَ قلتَ له كذا وكذا، ثمَّ تَطَلَّقْتَ في وَجْهِه وانبَسَطْتَ إليه!
فقال رسولُ الله ◌َّ: ((يا عائشةُ، متى عَهِدْتِي فاحِشاً؟ إنَّ شَرَّ الناسِ عندَ الله مَنْزِلَةٌ يومَ القيامةِ مَن
تَرَكَه الناسُ اتَّقَاءَ شَرِّهِ».
[طرفاه في: ٦٠٥٤، ٦١٣١]
قوله: ((بابٌ لم يكن النبيُّ ◌َ﴿ فاحشاً ولا مُتَفاحشاً) كذا للأكثر، وللگُشْمِیھنیّ: ((ولا
٤٥٣/١٠
مُتَفَخِّشاً) بالتَّشديدِ، كما في لفظ حديث عبد الله بن عَمْرو في الباب، ووَقَعَ في بعضها
بلفظ: ((مُتَفاحشاً). والفُحْش: كلّ ما خَرَجَ عن مِقْداره حتَّى يُستَقْبَح، ويَدخُل في القول
والفِعل والصِّفة، يقال: طويلٌ فاحشُ الطّول: إذا أفرَطَ في طوله، لكنِ استعماله في القول
أكثر. والمتفَحِّش - بالتَّشديدِ -: الذي يَتَعَمَّد ذلك ويُكثِرِ منه ويتكلَّفه. وأغرَبَ الدَّاوُوديُّ
فقال: الفاحش: الذي يقول الفُحْش، والمتفَخِّش: الذي يَستَعمِل الفُخْش ليُضحِك
الناس.
وذکر فیه أربعة أحاديث:
الحديث الأول: حديث عبد الله بن عَمْرو، أورَدَه من طريق شُعْبة عن سليمان - وهو
الأعمَش - سمعتُ أبا وائل، ومن طريق جَرِير عن الأعمش عن شَقِيق بن سَلَمة - وهو
أبو وائل المذكور-، وقد تقدَّم المتن بتمامه في صِفَة النبيّ وَلِّ (٣٥٥٩) وما جاء في معناه،
وفيه أيضاً قوله: ((إنَّ من خيركم أحسنكم أخلاقاً»، ووَقَعَ هنا للكُشْمِيهنيّ: ((إنَّ خيرَكُم))،
وتَبيَّن بالرّواية الأُخرى أنَّ (مِن)) مُرادة فيه. ووَقَعَ للأکثر: ((أخيرگُم)» بوزنِ أفضلكم
ومعناه، وهي على الأصل، والرِّواية الأُخرى بمعناها، يقال: فلان خيرٌ من فلان، أي:
أفضل منه، وقد أخرج أحمد (٢١٧٦٤) والطبرانيُّ (٤٠٤) وصحَّحه ابن حِبّان (٥٦٩٤) من
حديث أُسامة رَفَعَه: ((إنَّ الله لا يُحِبّ كلّ فاحِشٍ مُتَفَخِّش)).

٣٨٧
باب ٣٨ / ح ٦٠٣٢
كتاب الأدب
الحديث الثاني: حديث عائشة في قصَّة اليهود، وقد تقدَّم قريباً (٦٠٢٤) في ((باب الرِّفق)) وأنَّ
شرحه يأتي في الاستئذان (٦٢٥٦)، ووَقَعَ هنا: ((يا عائشة عليك بالرِّفق، وإيّاكِ والعُنفَ
والفُحْش)) وقد حكى عِيَاض عن بعض شيوخه أنَّ عين العُنف مُثَلَّثة والمشهور ضَمُّها.
الحديث الثالث: حديث أنس.
قوله: ((سَبّاباً» بالمهمَلة وموحَّدتَينِ الأولى ثقيلة.
قوله: ((كان يقول لأحدِنا عندَ المَعْتِبة)) بفتح الميم وسكون المهمَلة وكسر المثنّاة الفَوقَيَّة
- ويجوز فتحها - بعدها موحّدة، وهي مصدر عَتَبَ عليه يَعْتِب عَتَباً وعِتَاباً ومَعتَبَة
ومُعاتَبة، قال الخليل: العِتاب: مُخاطَبة الإدلال، ومُذاكَرة الموجَدة.
قوله: ((ما لَه ◌َرِبَ جَبِينُ)) قال الخطَّبيُّ: يحتمل أن يكون المعنى: خَرَّ لوجهه فأصاب التُرابَ
جَبِينُهُ، ويحتمل أن يكون دعاء له بالعبادة كأن يُصَلّي فِيَتَرَب جَبِينُهُ، والأوَّل أشبه لأنَّ
الجَبين لا يُصَلَّى عليه، قال ثَعلَب: الجَبِينان يَكتَنِفان الجبهة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَمِينِ﴾
[الصافات: ١٠٣] أي: ألقاه على جَبِينه. قلت: وأيضاً فالثّاني بعيد جدّاً، لأنَّ هذه الكلمة
استعملَها العرب قبل أن يَعرِفوا وضع الجَبهة بالأرضِ في الصلاة. وقال الدَّاوُودُّ: قوله:
(تَرِبَ جَبِينُهُ) كلمة تقولها العرب جَرَت على ألسِتَتَهم، وهي من التُّراب، أي: سَقَطَ جَبِينُهُ
للأرض، وهو كقولهم: رَغِمَ أنفُه، ولكن لا يُرادُ معنى قوله: «تَرِبَ جَبينه)»، بل هو نظير ما تقدَّم
في قوله: (تَرِبَت يَمِينُك))(١)، أي: أنَّها كلمة تجري على اللِّسان ولا يُراد حقيقتُها.
الحديث الرابع: حديث عائشة.
قوله: ((حدَّثْنا عَمْرو بن عيسى)) هو أبو عثمان الضُّبَعيُّ البصريّ، ثقة مُستَقيم الحديث
قاله ابن حِبّان، وما له في البخاريّ سوى هذا الحديث وآخر في كتاب الصلاة (١٢٠٢).
وشيخه محمَّد بن سواء: هو أبو الخطّاب السَّدُوسيُّ البصريّ، ثقة أيضاً، له عند البخاريّ
هذا الحديث وآخر في المناقب (٣٦٨٦). وشيخه رَوْح بن القاسم مشهورٌ كثيرُ الحديث،
(١) انظر شرح الحديث (٥٠٩٠).

٣٨٨
باب ٣٨ / ح ٦٠٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تابَعَه عن محمَّد بن المنكَدِر سفيانُ بن عُيَينة كما سيأتي في ((باب اغتياب أهل الفساد))
(٦٠٥٤) وفي ((باب المداراة)) (٦١٣١)، ومَعمَرٌ عند مسلم (٢٥٩١)، وسياق رَوْح أتمّ.
قوله: ((عن عُرْوة، عن عائشة)) في رواية ابن عُيَينَةَ: سمعتُ عُرْوة أنَّ عائشة أخبَرَته.
قوله: ((أنَّ رجلاً)) قال ابن بَطّال: هو عُبَينة بن حِصْن بن حُذَيفة بن بَدْر الفَزاريّ، وكان
يقال له: الأحمَق المطاع، ورَجَا النبيُّ ◌َّهبإقباله عليه تألَّفَه ليُسلِم قومُه لأنَّه كان رئيسهم،
وكذا فَسَّرَه به عِيَاض ثمَّ القُرطُبيّ والنَّوويّ جازِمينَ بذلك، ونَقَلَه ابن التِّين عن الدَّاوُوديِّ
٤٥٤/١٠ لكن احتمالاً لا جَزْماً، وقد أخرجه عبد الغَنِي بن سعيد في ((المبهمات)) من طريق عبد الله/
ابن عبد الحَكَم عن مالك أنَّه بَلَغَه عن عائشة: استأذَنَ عُيَينة بن حِصْن على النبيّ ◌َِّ
فقال: ((بئسَ ابنُ العَشيرة)) الحديث، وأخرجه ابن بَشْكُوال في ((المبهَمات)) (٣٣٠/١) من
طريق الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثير أنَّ عُسَينةَ استأذَنَ، فذكره مُرسَلاً. وأخرج عبد الغني
أيضاً من طريق أبي عامر الخرّاز عن أبي يزيد المدنيّ عن عائشة قالت: جاء مَرَمةُ بن نَوفَل
يَستأذِن، فلمَّا سمِعَ النبيُّ وَ﴿ صوته قال: ((بئسَ أخو العَشِيرة)) الحديث، وهكذا وَقَعَ لنا في
أواخر الجزء الأوَّل من ((فوائد أبي إسحاق الهاشميّ))، وأخرجه الخطيب(١)، فيُحمّل على
التعدُّد. وقد حكى المنذري في ((مختصره)) القولَينِ فقال: هو عُبَينة، وقيل: مَرَمة. وأمَّا
شيخنا ابن الملقِّن فاقتَصَرَ على أنَّه مَرَمةُ، وذكر أنَّه نَقَلَه من حاشية بخَطِّ الدِّمياطِيّ فقَصَّرَ،
لكنَّه حكى بعد ذلك عن ابن التِّن أنَّه جَوَّزَ أنَّه عُبَينة، قال: وصَرَّحَ به ابن بَطّال.
قوله: (بِشْسَ أخو العَشِيرة وبْسَ ابن العَشِيرة)» في رواية مَعمَر: ((بِئْسَ أخو القوم وابن
القوم (٣)) وهي بالمعنى، قال عِيَاض: المراد بالعَشيرة: الجماعة أو القَبِيلة، وقال غيره: العَشِيرة:
الأدنى إلى الرجل من أهله، وهم ولد أبيه وجَدّه.
قوله: ((فلما جَلَسَ تَطَلَّق) بفتح الطاء المهملة وتشدید اللام، أي: أبدى له طلاقة وجهه، يقال:
وجهه طَلْق وطَلِيقٍ، أي: مُستَرسِل مُنَبَسِط غير عَبُوس، ووَقَعَ في رواية ابن عامر: بَشَ في
(١) في ((تاريخ بغداد)» ٢١٣/١٤ من حديث عائشة، لكن لم يُسَمَّ فيه الرجل.
(٢) في رواية معمر عند مسلم (٢٥٩١): وابن العشيرة.

٣٨٩
باب ٣٨ / ح ٦٠٣٢
كتاب الأدب
وجهه، ولأحمد (٢٤٥٠٥) من وجه آخر عن عائشة: واستأذَنَ آخَرُ فقال: ((نِعمَ أخو العشيرة»
فلمَّا دَخَلَ لم يَشْ له ولم يَنبَسِط كما فعل بالآخر، فسألته .. فذكر الحديث.
قال الخطّابيُّ جَمَعَ هذا الحديث عِلماً وأدَباً، وليس في قول النبيّ ◌َّه في أمَّته بالأُمورِ التي
يُسَمّيهم بها ويُضيفُها إليهم من المكروه غِيْبة، وإنَّما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل
الواجب عليه أن يُبيِّن ذلك ويُفصِح به ويُعرِّف الناسَ أمرَه، فإنَّ ذلك من باب النَّصيحة
والشَّفَقة على الأُمّة، ولكنَّه لما جُبِلَ عليه من الكَرَم وأُعطيه من حُسْنِ الخُلُق أظهَرَ له البَشاشة
ولم يُحِيْهِ بالمكروه؛ لِتَقْتَدي به أمَّته في اتِّقاء شَرِّ مَن هذا سبيله، وفي مُداراتِهِ لَيَسلَموا من شَرّه
وغائلته. قلت: وظاهر كلامه أن يكون هذا من ◌ُملةِ الخصائص، وليس كذلك، بل كلُّ مَن
اطَلَعَ من حال شخص على شيء وخَشِيَ أنَّ غيره يَغتَرّ بجميلٍ ظاهره فيقع في تَحذورٍ ما، فعليه
أن يُطلِعِه على ما تَحَذَر من ذلك قاصداً نَصيحَته، وإنَّما الذي يُمكِنِ أن يَخْتَصّ به النبيّ ◌َِّ أن
يُكشَف له عن حال مَن يَغتَرّ بشَخصٍ من غير أن يُطلِعِه المغتَرّ على حاله، فيَدُمّ الشَّخص
بحَضرَتِه لَيَتَجَنَّبَه المغتَرّ ليكونَ نَصيحة، بِخِلَاف غيرِ النبيّ ◌َّ فإِنَّ جواز ذَمّه للشَّخْصِ يَتَوقَّف
على تَحَقُّق الأمر بالقولِ أو الفِعل ممّن یرید نُصْحه.
وقال القُرطُبيّ: في الحديث جواز غِيْبة المعلِن بالفِسِقِ أو الفُحْش ونحو ذلك؛ من
الجَور في الحُكم والدُّعاء إلى البِدعة، مع جواز مُداراتِهِم اتِّقاءَ شَرّهم ما لم يُؤَدِّ ذلك إلى
المداهنة في دِين الله تعالى. ثمَّ قال - تَبَعاً لعِيَاضٍ -: والفَرق بين المداراة والمداهنة: أنَّ
المداراة بَذلُ الدُّنيا لصلاح الدُّنيا أو الدّين أو هما معاً، وهي مُبَاحَة، ورُبَّما استُحِبَّت،
والمداهنة تَرْكُ الدِّين لصلاح الدُّنيا، والنبيّ وَ إِنَّمَا بَذَلَ له من دُنياه حُسْن عِشَرَته والرِّفق
في مُكالَته، ومع ذلك فلم يَمدَحْه بقولٍ، فلم يُناقِض قولُه فيه فِعلَه، فإنَّ قوله فيه قول حَّ،
وفِعله معه حُسْن عشرة، فيَزول مع هذا التَّقرير الإشكال بحَمدِ الله تعالی.
وقال عِيَاض: لم يكن عُبَينة - والله أعلمُ - حينئذٍ أسلَمَ، فلم يكن القول فيه غِيْبة، أو كان
أسلَمَ ولم يكن إسلامه ناصحاً، فأراد النبيّ وَل﴿ أن يُبيِّن ذلك لئلّا يَغْتَرّ به مَن لم يَعرِف باطنه،

٣٩٠
باب ٣٨ / ح ٦٠٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
وقد كانت منه في حياة النبيّ وَّهِ وبعده أُمورٌ تَدُلّ على ضعف إيمانه، فيكون ما وَصَفَه به
النبيُّ نَّه من جُملة علامات النُّبَوّة، وأمَّا إلانَةُ القول له بعد أن دَخَلَ فعلى سبيل التَّلُّف له.
ثمَّ ذكر نحو ما تقدَّمَ.
وهذا الحديث أصل في المداراة، وفي جواز غِيْبة أهل الكفر والفِسْق ونحوهم، والله
أعلم.
قوله: ((مَتَى عَهِذْتني فاحشاً)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فحّاشاً)) بصيغة المبالَغة.
٤٥٥/١٠
قوله: ((مَن تَرَكَه الناس))/ في رواية ابن(١) عُيَينة (٦٠٥٤): ((مَن تَرَكَه أو ودَعَه الناس)).
قال المازَرِيُّ: ذكر بعض النُّحاة أنَّ العرب أماتوا مصدر ((يَدَع)) وماضيه، والنبيُّ ◌َِّ أَفصَحُ
العرب، وقد نَطَقَ بالمصدَرِ في قوله: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعات)»(٢) وبماضيه في
هذا الحديث. وأجابَ عِيَاض بأنَّ المراد بقولهم: أماتوه، أي: تَرَكوا استعماله إلّا نادِراً،
قال: ولفظ ((أماتوه)) يدلّ عليه، ويُؤْيِّد ذلك أنَّه لم يُنقَل في الحديث إلّا في هذَينِ الحديثِينِ
مع شَكِّ الراوي في حديث الباب مع كَثْرة استعمال ترك، ولم يَقُل أحد من النُّحاة: إنَّه لا
جوز.
قوله: ((اتِّقاءَ شَرّه)) أي: قُبْح كلامه، لأنَّ المذكور كان من جُفاة العرب.
وقال القُرطُبيّ: في هذا الحديث إشارة إلى أنَّ عُيَينةَ المذكور خُتِمَ له بسوءٍ، لأنَّ النبيَّ
وَِّ اتَّقَى فُحِشَه وشَرّه، أخبر أنَّ مَن يكون كذلك يكون شَرَّ الناس مَنزِلة عند الله يوم
القيامة. قلت: ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال، فإنَّ الحديث وَرَدَ بلفظ العُمُوم، فمَن
أَتَّصَفَ بالصِّفة المذكورة فهو الذي يَتَوجَّه عليه الوعيد، وشَرطُ ذلك أن يموت على ذلك،
ومن أين له أنَّ عُيَينَ ماتَ على ذلك؟ واللَّفظ المذكور يحتمل لأن يُقيَّد بتلكَ الحالة التي
قيل فيها ذلك، وما المانع أن يكون تابَ وأنابَ؟ وقد كان عُيَينة ارتَدَّ في زمن أبي بكر
(١) لفظة ((ابن)) سقطت من (س).
(٢) أخرجه مسلم (٨٦٥) من حديث ابن عمر وأبي هريرة.

٣٩١
باب ٣٩
كتاب الأدب
وحارَبَ، ثمَّ رَجَعَ وأسلَمَ وحَضَرَ بعض الفُتُوح في عهد عمر، وله مع عمر قصَّة ذُكِرَت في
تفسير الأعراف (٤٦٤٢)، ويأتي شرحُها في كتاب الاعتصام (٧٢٨٦) إن شاء الله تعالى،
وفيها ما يدلّ على جفائه.
والحديث الذي فيه أنَّه («أحمَقُ مُطاعٌ)) أخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن
الأعمش عن إبراهيم النَّخَعيِّ قال: جاء عُيَينة بن حِصْن إلى النبيّ ◌َّ وعنده عائشة، فقال:
مَن هذه؟ قال: ((أمّ المؤمنينَ)) قال: ألا أنزِلُ لك عن أجمَل منها؟ فغَضِبَت عائشة وقالت:
مَن هذا؟ قال: ((هذا أحمَقٌّ مُطاع))، ووَصَلَه الطبرانيُّ (٢٢٦٩) من حديث جَرِير وزاد فيه:
((اخرُج فاستأذِن)) قال: إنَّها يمينٌ عليَّ أن لا أستأذِن على مُضَريّ. وعلى تقدير أن يَسلّم له
ذلك وللقاضي قبله في عُيَينة لا يَسلَم له ذلك في تَخَرَمةً بن نَوفَل، وسيأتي في ((باب المداراة))
(٦١٣١) ما يدلّ على أنَّ تفسير المبهم هنا بمَخرَمةَ هو الرَّاجح.
٣٩- باب حُسْن الخُلُق والسَّخاءِ وما يُكرَه من البُخل
وقال ابنُ عبَّاسٍ: كان النبيُّنَّهِ أَجْوَدَ الناسِ، وأجْوَدُ ما يكونُ في رمضانَ.
وقال أبو ذَرِّ لما بَلَغَه مَبْعَثُ النبيِّ وَِّ قال لأَخِيه: اركَب إلى هذا الوادي، فاسْمَع من قولِه،
فَرَجَعَ فقال: رأيتُه يأمرُ بمَكارم الأخلاق.
قوله: ((باب حُسْن الخُلُق والسَّخاءِ وما يُكرَه من البُخْل)) جَمَعَ في هذه التَّرجمة بين هذه الأُمور ٤٥٦/١٠
الثلاثة، لأنَّ السَّخاء من جُملة مَحاسِن الأخلاق، بل هو من أعظَمِها، والبُخلُ ضِدُّه.
فأمَّا الْحُسْن فقال الرَّاغِب: هو عبارة عن كلّ مَرغوبٍ فيه، إمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة
الغَرَض(١)، وإمّا من جهة الحِسّ(٢)، وأكثر ما يقال في عُرْف العامّة فيما يُدرَك بالبَصَر، وأكثر ما
جاء في الشّرع فيما يُدرَك بالبصيرة. انتهى مُلخَّصاً.
وأمَّا الْخُلُق فهو بضمِّ الخاء واللّام ويجوز سكونها، قال الرَّاغِب: الخَلْق والخُلُق - يعني
(١) تصحفت في (س) إلى: العرض، والمثبت من الأصلين، وفي ((مفردات الراغب)): الهوى.
(٢) تصحفت في (س) إلى: الحسن.

٣٩٢
باب ٣٩
فتح الباري بشرح البخاري
بالفتح وبالضَّمِّ - في الأصل بمعنَى واحد، كالشَربِ والشُّرب، لكن خُصَّ الخَلق الذي
بالفتح بالهيئات والصُّوَر المدرَكة بالبَصَر، وخُصَّ الْخُلُق الذي بالضَّمِّ بالقوى والسَّجايا
المدرَكة بالبصيرة. انتهى، وقد كان النبيّ ◌َ لّ يقول: ((اللهمَّ كما حَسَّنتَ خَلْقي فحَسِّن خُلُقي)»
أخرجه أحمد (٣٨٢٣) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٩٥٩)، وفي حديث عليٍّ الطّويل في دعاء الافتتاح
عند مسلم (٧٧١): ((واهْدِني لأحسَنِ الأخلاق، لا يَهدِي لأحسَنِها إلّا أنت)). وقال القُرطُبيّ
في ((المفهم)»: الأخلاق أوصافُ الإنسان التي يُعامِل بها غيره، وهي مَحمُودة ومذُومة،
فالمحمُودة على الإجمال: أن تكون معَ غيرك على نفسك، فتُنصِف منها ولا تُنصِف لها، وعلى
التَّفْصِيل: العفو والحِلْم والجُود والصَّبر وتَحمُّل الأذى والرَّحمةُ والشَّفَقة وقضاء الحوائج
والتَّوادُد ولِينُ الجانب ونحو ذلك، والمذموم منها ضِدُّ ذلك.
٤٥٧/١٠ / وأمَّا السَّخاء فهو بمعنى الجُود، وهو بَذْل ما يُقْتَنَى بغير عِوَض، وعطْفُه على حُسْن الخُلُق
من عطْف الخاصّ على العامّ، وإنَّما أُفرِدَ للتَّنويه به.
وأمَّا البُخْل: فهو مَنْع ما يُطلَب ممَّا يُقتَنَى، وشَرُّه ما كان طالبه مُستَحِقّاً، ولا سيّما إن
كان من غير مال المسؤول. وأشارَ بقولِه: ((وما يُكرَه من البُخل)) إلى أنَّ بعض ما يجوز إطلاق
اسم البُخْل عليه قد لا يكون مَذْمُوماً.
ثم ذكر المصنف في الباب ثمانية أحاديث، الأوّلان معلّقان:
الحديث الأول: قوله: ((وقال ابن عبّاس: كان النبيُّ ◌َلِّ أَجْوَد الناس)) تقدَّم موصولاً في
كتاب الإيمان (٦)، وتقدَّم شرحه في كتاب الصيام (١٩٠٢)، وفيه بيان السَّبَب في أكثريَّة
جوده ټ﴾ في رمضان.
الحديث الثاني: قوله: ((وقال أبو ذَرِّ لمَّا بَلَغَه مَبْعَث النبيّ وَّرَ قال لأخيه .. )) إلى آخره، كذا
للأكثر بتكرير قال، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((وكان أبو ذَرٍّ ... )) إلى آخره، وهي أولى، وهذا
طَرَف من قصَّة إسلام أبي ذرٍّ، وقد تقدَّمَت موصولة مُطوَّلة في المبعَث النَّبويّ (٣٨٦١)
مشروحة. والغرض منه هنا قوله: ((يأمر بمَكارمِ الأخلاق)) والمكارم جمع مَكُرُمة بضمٌ
الرَّاء وهي من الكَرَم.

٣٩٣
باب ٣٩ / ح ٦٠٣٣
كتاب الأدب
قال الرَّاغِب: وهو اسمٌ للأخلاق، وكذلك للأفعال المحمودة، قال: ولا يقال للرجل:
كريم حتَّى يظهر ذلك منه، ولمَّا كان أكرَم الأفعال ما يُقْصَد به أشرَف الوجوه، وأشرَفها ما
يُقْصَد به وجه الله تعالى، وإنَّما يَحَصُل ذلك من المتَّقي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَنْقنگمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وكلَّ فائق في بابه یقال له: کریم.
٦٠٣٣ - حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عَوْنٍ، حدَّثنا حَادٌ، هو ابنُ زَیدٍ، عن ثابتٍ، عن أنس، قال: كان
النبيُّ وَ ◌ّهِ أحسنَ الناسِ وأجْوَدَ الناسِ وأشجَعَ الناسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المدينةِ ذاتَ ليلةٍ،
فانطَلَقَ الناسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فاستَقبَلهمُ النبيُّ ◌ِ ﴿ه قد سَبَقَ الناسَ إلى الصَّوْتِ، وهو يقول:
(لَمْ تُراعُوا، لَمْ تُراعُوا)) وهو على فَرَسٍ لأبي طَلْحَةَ عُرْىٍ، ما عليه سَرْجٌ، في عُنُقِهِ سَيفٌ، فقال:
((لقد وجَدْتُهُ بَحْراً، أو إنَّه لَبَحْرٌ)).
الحديث الثالث: حديث أنس قال: ((كان النبيّ وَل﴿ أحسن الناس)) أي: أحسنهم خَلْقاً وخُلُقاً
((وأجود الناس)) أي: أكثرهم بَذلاً لما يَقدِر عليه ((وأشجَع الناس)) أي: أكثرهم إقداماً مع عَدَم
الفِرار، وقد تقدَّم شرح الحديث المذكور في كتاب الهِبة (٢٦٢٧)، واقتصار أنس على هذه
الأوصاف الثلاث من جوامع الكلم لأنَّها أمّهات الأخلاق، فإنّ في کلّ إنسان ثلاث قوّى:
أحدها: الغضبيَّة وكمالها الشَّجاعة.
ثانيها: الشَّهوائيّة وكمالها الجود.
ثالثها: العقليَّة وكمالها النُّطق بالحكمة.
وقد أشارَ أنس إلى ذلك بقوله: ((أحسن الناس)) لأنَّ الحُسن يَشمَل القول والفِعل، ويحتمل
أن يكون المراد بأحسن الناس حُسن الخِلقة، وهو تابع لاعتدال المزاج الذي يَتْبَع صَفاء النَّفْس
الذي منه جَودة القَريحة التي تَنشَأ عنها الحكمة، قاله الكِرْمانيّ.
وقوله: ((فزعَ أهل المدينة» أي: سمعوا صوتاً في اللّيل فخافوا أن يهجُم عليهم عدوّ.
وقوله: ((فاستَقْبَلهم النبيّ وَّهِ، قد سَبَقَ الناس إلى الصَّوت)) أي: أنَّه سَبَقَ فاستَكشَفَ
الخبر، فلم يَجِد ما يخاف منه فرَجَعَ یُسَگِّنهم.

٣٩٤
باب ٣٩ / ح ٦٠٣٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: (لم تُراعُوا)) هي كلمة تُقال عند تسكين الرَّوع تأنيساً، وإظهاراً للرِّفْقِ بالمخاطَبِ.
الحديث الرابع: حديث جابر.
٦٠٣٤ - حذَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سُفيانُ، عن ابنِ المنكَدِرِ، قال: سمعتُ جابراً ﴾
يقول: ما سُئْلَ النبيُّ ◌َِ عن شيءٍ قَطُّ فقال: لا.
قوله: ((سُفْيان)) هو النّوريّ.
قوله: ((عن ابن المنكَدِر)) في رواية الإسماعيليّ من طريق أبي الوليد الطَّيالسيِّ، ومن طريق
عبد الله - وهو ابن المبارك - كلاهما عن سفيان: ((سمعت محمَّد بن المنگدِر)).
قوله: ((ما سُئلَ النبيّ وَّهِ عن شيء قَطَّ فقال: لا)) كذا للجميع، وكذا في «الأدب المفرد»
(٢٩٨) من طريق ابن عُيَينةَ سمعت ابن المنكَدِر، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من الطَّريقَينِ
المذكورَين، وكذا عند مسلم (٢٣١١) من طريق سفيان بن عُيَينةَ عن ابن المنكَدِر بلفظ: ((ما
سُئِلَ شيئاً قَطُّ فقال: لا))، قال الكِرْمانيُّ: معناه: ما طُلِبَ منه شيء من أمر الدُّنيا فمَنَعَه، قال
الفَرَزدَق:
ما قال لا قَطُّ إلّا فِي تَشَهُّدِه(١)
قلت: وليس المراد أنَّه يُعطي ما يُطلَب منه جَزماً، بل المراد أنَّه لا يَنطِقِ بالردّ، بل إن
کان عنده أعطاه إن کان الإعطاء سائغاً وإلّ سگتَ. وقد وَرَدَ بیان ذلك في حديثٍ مُرسَل
لابنِ الحنفيَّة أخرجه ابن سعد (٣٦٨/١) ولفظه: إذا سُئلَ فأراد أن يفعل قال: ((نعم)) وإذا
لم يُرِدِ أن يفعل سَكَتَ، وهو قريب من حديث أبي هريرة الماضي في الأطعمة (٣٥٦٣): ما
عابَ طعاماً قَطْ، إن اشتهاه أُكَلَه وإلّا تَرَكَه. وقال الشَّيخ ◌ِزُّ الدّين بن عبد السَّلام: معناه لم يَقُل:
((لا)) مَنعاً للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذاراً كما في قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَآ أَجِدُ
(١) البيت من البسيط، وعجزه:
لولا التشهُّدُ كانت لاءَه نعمُ
انظر: ((ديوانه)) ١٧٩/٢.

٣٩٥
باب ٣٩ / ح ٦٠٣٥
كتاب الأدب
مَآ / أَخْلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] ولا يخفى الفَرق بين قول: لا أجِد ما أحملكم، وبين: لا ٤٥٨/١٠
أحملكم. قلت: وهو نَظير ما تقدَّم (٣١٣٣) في حديث أبي موسى الأشعريّ لمَّا سألَ
الأشعَريّونَ الحِملان، فقال النبيّ ◌َّ: ((ما عندي ما أحمِلكم)) لكن يُشكِل على ما تقدَّم أنَّ
في حديث الأشعَريّ المذكور أنَّه وَّهِ حَلَفَ لا يَحمِلهم فقال: ((والله لا أحملكم)) فيُمكِن أن
يُخْصّ من عُمُوم حديث جابر بما إذا سُئلَ ما ليس عنده والسائل يَتَحقَّق أنَّه ليس عنده
ذلك، أو حيثُ كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السُّكوت من الحالة الواقعة أو من حال
السائل، كأن يكون لم يَعرِف العادة، فلو اقتَصَرَ في جوابه على السُّكوت مع حاجة السائل
لَتَادَى على السُّؤال مثلاً، ويكون القَسَم على ذلك تأكيداً لقطع طَمَع السائل، والسِّ في
الجمع بين قوله: ((لا أجِد ما أحِلكم)) وقوله: ((والله لا أحِلكم)) أنَّ الأوَّل: لبيان أنَّ الذي
سألَه لم يكن موجوداً عنده، والثّاني: أنَّه لا يتكلَّف الإجابة إلى ما سُئلَ بالقَرضِ مثلاً أو
بالاستيهاب؛ إذ لا اضطرار حينئذٍ إلى ذلك، وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الأيمان والنُّذور
(٦٦٧٨ و٦٧٢١).
وفَهِمَ بعضهم من لازمٍ عَدَم قول: ((لا)) إثبات ((نعم))، ورَتَّبَ عليه أنَّه يَلزَم منه تحريم
البُخل، لأنَّه من القواعد أنَّه وَ ﴿ إذا واظَبَ على شيء كان ذلك علامة وجوبه، والتَّرجمة
تقتضي أنَّ البُخل مَكروه. وأُجيبَ بأنَّه إذا تَمَّ هذا البحث حُلَتِ الكراهة على التَّحريم،
لكنَّه لا يَتِمّ لأنَّ الذي يَحُرُم من البُخل ما يَمنَع الواجب، سَلَّمنا أنَّه يدلّ على الوجوب لكن
على مَن هو في مقام النُّة، إذ مُقابلُه نقصٌ مُنَزَّه عنه الأنبياء، فيَختَصّ الوجوب بالنبِّ ◌َِّ،
والتَّرجمة تَتَضَمَّن أنَّ من البُخل ما يُكرَه، ومُقابله أنَّ منه ما يَحِرُم كما أنَّ فيه ما يُباح بل ويُستَحَبّ
بل ويَجِب، فلذلك اقتَصَرَ المصنّف على قوله: يُكرَه.
٦٠٣٥ - حدَّثْنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني شَقِيقٌ، عن
مسروقٍ، قال: كنَّا جُلوساً معَ عبدِ الله بنِ عَمرٍو يُحدِّثُنا، إذ قال: لم يكن رسولُ اللهِوَالِ فاحشاً
ولا مُتَفَخِّشاً، وإِنَّه كان يقول: ((إنَّ خِيارَكم أحاسِنُكُم أخلاقاً».

٣٩٦
باب ٣٩ / ح ٦٠٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الخامس: حديث مسروق: ((كنّا جُلوساً عند عبد الله بن عَمْرو بن العاص))
ورجاله إلى الصحابيِّ كوفيّونَ، وقد دَخَلَها كما تقدَّم صريحاً في هذا الحديث في ((باب صِفَة
النبيّ ◌َ لي))(١).
قوله: ((لم يكن فاحشاً) تقدَّم شرحه في الباب المذكور وهو الحديث السادس عشرَ منه.
وقوله فيه: ((إنَّ خياركم أحاسِنُكم أخلاقاً) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((أحسَنُكُم)) ووَقَعَ في
الرِّواية الماضية: ((إنَّ من خياركُم)) وهي مُرادَة هنا. وقد أخرج أبو يَعْلى (٤٢٤٠) من
حديث أنس رَفَعَه: ((أكمَلُ المؤمنينَ إيماناً أحسنهم خُلُقاً)، وللتِّرمِذيِّ (١١٦٢) وحَسَّنَه
والحاكم (٣/١) وصَحَّحَه من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((إنَّ من أكمل المؤمنينَ [إيماناً](٢)
أحسنهم خُلُقاً)، ولأحمد (٢٠٨٣١) بسندٍ رجاله ثقات(٣) من حديث جابر بن سَمُرة نحوه
بلفظ: ((أحسن الناس إسلاماً)، وللتِّرمِذيِّ (٢٠١٨) من حديث جابر رَفَعَه: ((إنَّ من
أُحِبكم إليَّ وأقربكم منِّي مَجَلِساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً»، وأخرجه البخاريّ في
((الأدب المفرد)» (٢٧٢) من حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه، ولأحمد (١٧٧٣٢)
والطبرانيِّ (٥٨٨/٢٢) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٨٢) من حديث أبي ثَعْلبة نحوه وقال:
((أحاسنكم أخلاقاً» وسياقه أتمّ، وللبخاريٍّ في الأدب المفرد (٢٩١) وابن حِبّان (٤٨٦)
والحاكم (١٢١/١) والطبرانيٌ (٤٧١) من حديث أُسامة بن شَرِيك: قالوا: يا رسول الله مَن
أحَبُّ عِباد الله إلى الله؟ قال: ((أحسنهم خُلُقاً)، وفي رواية عنه: ما خير ما أُعطيَ الإنسان؟
قال: ((خُلُق حسن)).
ومن الأحاديث الصَّحيحة في حُسن الخُلُق حديث النَّوَاس بن سَمعان رَفَعَه: ((البِرّ محُسْن
الخُلُق)) أخرجه مسلم (٢٥٥٣) والبخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٢٩٥)، وحديث أبي الدَّرداء
رَفَعَه: ((ما شيء أثقَل في الميزان من حُسْن الخُلُق)) أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)» (٢٧٠)
(١) تقدم ذلك صريحاً في رواية مسلم (٢٣٢١) والتي ذكرها الحافظ عند شرح الحديث (٣٥٥٩).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، وأثبتناه من الترمذي والحاكم.
(٣) قوله: رجاله ثقات، فيه نظر، راجع تفصيله في ((المسند)).

٣٩٧
باب ٣٩ / ج ٦٠٣٥
كتاب الأدب
وأبو داود (٤٧٩٩) والتِّرمِذيّ (٢٠٠٣) وصَحَّحَه هو وابن حِبّان (٤٨١)، وزاد التِّرمِذيّ
فيه - وهو عند البزَّار (٤٠٩٨) -: ((وإنَّ صاحب حُسْن الخُلُق لَيَبلُغ درجة صاحب الصوم
والصلاة))، وأخرجه أبو داود (٤٧٩٨) وابن حِبّان (٤٨٠) أيضاً والحاكم (١/ ٦٠) من حديث
عائشة نحوه، وأخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٩٧٠ و٦٢٨٣) والحاكم (٦٠/١) من حديث
أبي هريرة(١)، وأخرجه الطبرانيُّ (٧٥٤) من حديث أنس نحوه، وأحمد (٧٠٥٢) والطبرانيُّ
(١٤٢/١٣) (٢) من حديث عبد الله بن عَمْرو، وأخرج التِّرمِذيّ (٢٠٠٤) وابن حِبّان
(٤٧٦) وصَخَّحاه، وهو عند البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٢٨٩) من حديث/ أبي هريرة: سُئلَ ٤٥٩/١٠
النبيّ وَ﴿ عن أكثر ما يُدخِل الناس الجنَّة، فقال: (تَقوى الله وحُسْن الخُلُق))، وللبزَّار (٥٨٤٤)
بسندٍ حسن من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((إنَّكم لن تَسَعُوا الناس بأموالكم، ولكن يَسَعهم منكم
بَسْط الوجه وحُسْن الْخُلُق))، والأحاديث في ذلك كثيرة.
وحكى ابن بَطّال تَبَعاً للطَّبَرِيِّ خِلَافاً: هل حُسن الخُلُق غريزة، أو مُكتَسَب؟ وَسَّكَ مَن
قال بأنَّه غريزة بحديثِ ابن مسعود: ((إنَّ الله قَسَمَ أخلاقكم كما قَسَمَ أرزاقگُم)) الحديث، وهو
عند البخاريّ في ((الأدب المفرد)) (٢٧٥)، وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطاً في كتاب القَدَر.
وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): الخُلُقَ جِبِّة في نوع الإنسان، وهم في ذلك مُتَفاوتونَ، فمَن
غَلَبَ عليه شيء منها إن كان محمُوداً وإلّا فهو مأمور بالمجاهَدة فيه حتَّى يصير محمُوداً، وكذا إن
كان ضعيفاً فیرتاضُ صاحبه حتَّى يقوى.
قلت: وقد وَقَعَ في حديث الأَشَجّ العَصَريّ عند أحمد (١٧٨٢٨) والنَّسائيِّ (ك٧٦٩٩)
والبخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (٥٨٤) وصَحَّحَه ابنِ حِبّان (٧٢٠٣) أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((إنَّ
فيك لخَصلَتَينِ يُحِبّهما الله: الحِلم، والأناة)) قال: يا رسول الله، قديماً كانا فيَّ أو حديثاً؟ قال:
((قديماً)) قال: الحمد الله الذي جبَلَني على خُلُقَينِ يُحِبّهما. فترديده السُّؤال وتقريره عليه
يُشعِر بأنَّ في الخُلُق ما هو جِيلِيٌّ، وما هو مُكتَسَب.
(١) وهو في ((الأدب المفرد)) للمصنف برقم (٢٨٤).
(٢) وفي («الأوسط)) (٣١٢٦).

٣٩٨
باب ٣٩ / ح ٦٠٣٦ -٦٠٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
٦٠٣٦ - حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غسَّانَ، قال: حدَّثني أبو حازم، عن سَهْلٍ
ابنِ سعدٍ، قال: جاءتٍ امرأةٌ إلى النبيِّ ◌َِّ بُرْدَةٍ - فقال سَهْلٌ لِلْقومٍ: أَتَذْرونَ ما البُرْدة؟ فقال
القومُ: هي الشَّمْلةُ، فقال سَهْلٌ: هي شَمْلٌ منسوجةٌ فيها حاشيُها - فقالت: يا رسولَ الله، أكْسُوكَ
هذه؟ فأخَذَها النبيُّ وَِّ مُخْتَاجاً إليها فَبِسَها، فرآها عليه رجلٌ منَ الصَّحابةِ، فقال: يا رسولَ الله، ما
أحسنَ هذه! فاكْسُنِيها. فقال: ((نعم))، فلمََّ قامَ النبيُّ ◌َ لامَهُ أصحابُه، قالوا: ما أحسنْتَ حينَ
رأيتَ النبيَّ وَّهِ أَخَذَها مُخْتَاجاً إليها، ثمَّ سألتَه إياها وقد عَرَفْتَ أَنَّه لا يُسْألُ شيئاً فِيَمْنَعَه. فقال:
رَجَوْتُ بَرَكَتَها حينَ لَبِسَها النبيُّ نَ﴿ِ، لَعَلِّ أُكَفَّنُ فيها.
٦٠٣٧ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبَرَني مُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ،
أنَّ أبا هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ:(يَتَقَارَبُ الزّمانُ ويَنْقُصُ العَمَلُ، ويُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ))
قالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: ((القَتَلُ القَلُ)).
الحديث السادس: حديث سَهْل بن سعد في قصَّة البُرْدة التي سألَ الصحابيّ لتكونَ كَفَنه،
والغرض منه قولهم للَّذي طلبَها: «سألتَه إيّاها وقد عَرَفتَ أَنَّه لا يُسأل شيئاً فَيَمنَعَه))، وقد تقدَّم
شرح الحديث مُستَوفَّى في أوائل الجنائز (١٢٧٧).
وفي قولهم: ((سألته إيّاها)) استعمال ثاني الضَّمیرَينِ مُنفَصِلاً، وهو المتعیّن هنا فِراراً من
الاستثقال، إذ لو قاله مُتَّصِلاً فإنَّه يصير هكذا: سألتُموها، قال ابن مالك: والأصل أن لا
يُستَعَمَل المنفَصِل إلّا عند تَعذُّر المتَّصِل، لأنَّ الاتّصال أخصَر وأبيَن، لكن إذا اختَلَفَ الضَّميران
وتَقارَبا فالأحسن الانفصال نحو هذا، فإن اختَلَفا في الرُّتبة جازَ الاتِّصال والانفصال، مثل:
أعطَيْتُكَه وأعطَيتُك إيّاه.
الحديث السابع: حديث أبي هريرة: ((يَتَقارَب الزَّمان)) وسيأتي شرحه في كتاب الفتن
(٧٠٦١).
وقوله فيه: ((ويَنقُصِ العَمَل)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ويَنقُص العلم)) وهو المعروف
في هذا الحدیث، وللآخرِ وجه.

٣٩٩
باب ٣٩ / ح ٦٠٣٨
كتاب الأدب
وقوله فيه: ((ويُلْقَى الشُّحّ)) وهو مقصود الباب، وهو أخصُّ من البُخل، فإنَّه بُخْل مع
حِرص. واختُلِفَ في ضبط ((يلقى)) فالأكثر على أنَّه بسكون اللّام، أي: يوضع في القلوب
فيَكثُر، وهو على هذا بالرَّفع، وقيل: بفتح اللّام وتشديد القاف، أي: تُعطَى القلوبُ الشُّحّ، وهو
على هذا بالنَّصبِ، حكاه صاحب ((المطالع)). وقال الحميديُّ: لم تَضِطِ الرُّواة هذا الحرف،
ويحتمل أن يكون ((يُلَّقَّى)) بالتَّشديد، أي: يُتَلَقَّى ويُتَواصَى به ويُدعَى إليه، من قوله: ﴿وَلَا يُلَقَّمُهَآَ
إِلَّا الصَِّرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، أي: ما يَعلَمها ويُنَّه عليها، قال: ولو قيل: يُلقَى مُقَّفة لكان
بعيداً؛ لأَنَّه لو أُلقيَ لَتُرِكَ وكان مَدحاً، والحديث مُساق للَّمّ، ولو كان بالفاءِ بمعنى يُوجَد لم
يَستَقِم، لأنَّه لم يزل موجوداً. انتهى، وقد ذكرت توجيه القاف.
٦٠٣٨ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، سمعَ سلّامَ بنَ مِسْكينٍ، قال: سمعتُ ثابتاً يقول:
حدَّثنا أنسٌ ﴾، قال: خَدَمْتُ النبيَّ نَّهِ عَشْرَ سِنينَ، فما قال لي: أُفٍّ، ولا: لِمَ صَنَعْتَ كذا؟
ولا: ألّا صَنَعْتَ؟
الحدیث الثامن: حديث أنس.
قوله: ((خَدَمْت النبيّ ◌َ﴿ عَشْرِ سِنينَ)) تقدَّم نظيره في الوليمة (٥١٦٦) من وجه آخر عن
أنس، ومثله عند أحمد (١٣٠٢١) وغيره عن ثابت عن أنس، وكذا هو في مُعظَم الرِّوايات،
ووَقَعَ عند مسلم (٥٤/٢٣٠٩) من طريق إسحاق بن أبي طلحة (١) عن أنس: والله لقد خَدَمته
تسع سنين. ولا مُغايرة بينهما، لأنَّ ابتداء خِدمَته له كان بعد قُدومِه ◌َ لِّ المدينة وبعد تَزويج
أمّه أمّ سُلَيم بأبي طلحة، فقد مضى في الوصايا (٢٧٦٨) من طريق عبد العزيز بن صُهَيبٍ عن
أنس قال: قَدِمَ النبيّ ◌َّ﴿ المدينة وليس له خادِمٍ، فَأَخَذَ أبو طلحة بَيَدِي ... الحديث، وفيه: إنَّ
أنساً غلام كَيِّس فليَخدُمك، قال: فخَدَمته في السَّفَر والحَضَر. وأشارَ بالسَّفَرِ إلى ما وَقَعَ في
المغازي(٢) وغيرها من طريق عَمْرو بن أبي عَمْرو عن أنس: أنَّ النبيَّ ◌َّ طلبَ من أبي طلحة لمَّا
(١) هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأبوه عبد الله هو أخو أنس بن مالك ﴾ عنه لأمه، وقد نُسب هنا
إلی جده.
(٢) في الجهاد والسير برقم (٢٨٩٣).

٤٠٠
باب ٣٩ / ح ٦٠٣٨
فتح الباري بشرح البخاري
٤٦٠/١٠ أراد الخروج إلى خَيبَرَ مَن يَخْدُمه، فأحضَرَ له أنساً. فأُشكِلَ هذا على الحديث الأوَّل لأنَّ بین/
قُدومِه المدينة وبين خروجه إلى خَيبَ ستَّ سنين وأشهراً. وأُجيبَ بأنَّه طلبَ من أبي طلحة
مَن يكون أسَنَّ من أنس وأقوى على الخدمة في السَّفَر، فعَرَفَ أبو طلحة من أنس القوّة على
ذلك فأحضَرَه، فلهذا قال أنس في هذه الرِّواية: ((خَدَمته في الحَضَرِ والسَّفَرَ))، وإنَّما تزوَّجَت
أمّ سُلَيم بأبي طلحة بعد قُدوم النبيّ وَ بِعِدّة أشهُر، لأنَّهَا بادَرَت إلى الإسلام ووالدُ أنس حَيُّ
فَعَرَفَ بذلك فلم يُسلِمِ، وخَرَجَ في حاجة له فقَتَلَه عدوّ له، وكان أبو طلحة قد تأخّرَ إسلامه،
فاتَّفَقَ أَنَّه خَطَبَها فاشتَرَطَت عليه أن يُسلِم، فأسلَمَ، أخرجه ابن سعد (٤٢٥/٨- ٤٢٦) بسندٍ
حسن، فعلى هذا تكون مُدّة خدمة أنس تِسع سنين وأشهُراً، فألغَى الكسر مرَّة وجَبَرَه
أُخرى.
وقوله في هذا الحديث: ((والله ما قال: لي: أُفّ، قَطُّ) قال الرَّاغِب: أصل الأُفّ: كلّ
مُستَقَذَر من وسَخ، كَقُلامة الظُّفر وما يجري مجراها، ويقال ذلك لكلِّ مُستَخَفّ به، ويقال
أيضاً عند تَكَرُّه الشّيء وعند التَّضَجُّر من الشَّيء، واستعملوا منها الفِعل كأقَفتُ بفلانٍ.
وفي ((أُفّ)) عِدّة لُغات: الْخَرَكات الثلاث بغير تنوين وبالتّنوين، ووَقَعَ في رواية مسلم
(٥١/٢٣٠٩) هنا: ((أُفّ)) بالنَّصبِ والتَّوين، وهي موافقة لبعضِ القراءات الشّاذّة كما
سيأتي، وهذا كلّه مع ضَمِّ الهمزة والتَّشديد، وعلى ذلك اقتَصَرَ أكثر الشُّرّاح، وذكر
أبو الحسن الرُّمّانيّ فيها لُغاتٍ كثيرة فبلَّغَها تِسعاً وثلاثينَ، ونَقَلَها ابن عَطيَّة وزاد واحدة
أكمَلَها أربعينَ، وقد سَرَدَها أبو حَيّان في ((البحر)) واعتَمَدَ على ضبط القَلَم، ولَخَّصَ ضبطها
صاحبه الشِّهاب السَّمين، ولخَّصتُه منه، وهي السِّة المتقدمة، وبالتَّخفيفِ كذلك ستّة
أُخرَى، وبالشُّكونِ مُشَدَّداً وتُقَّفاً، وبزيادة هاء ساكنة في آخره مُشَدَّداً (١)، وأُقّ بالإمالة،
وبينَ بينَ، وبلا إمالة، الثلاثة بلا تنوين، وأُقُّو بضمٌّ ثمَّ سكون، وأُنِّ بكسر ثمَّ سكون،
فذلك ثِنتان وعشرونَ.
(١) زادهنا في (س): ((ومخففاً)، وهو خطأ، ولم ترد هذه اللفظة في الأصلين، على الصواب. وقوله: ((بزيادة هاء ساكنة
في آخره مشدداً) يعني: بالحركات الثلاثة: أُنُّهْ، أُقَّهْ، أُقّه. انظر «الدر المصون)» ٧/ ٣٤١.