Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ باب ١٨ / ح ٥٩٩٦ كتاب الأدب حديث أبي هريرة: قلنا: وثِنْتَينٍ؟ قال: ((وثِتَينِ)) قلنا: وواحدة؟ قال: ((وواحدة))، وشاهده حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((مَن كانت له ابنةٌ، فأدَّبَها وأحسنَ أدَبها، وعَلَّمَها فأحسنَ تَعليمَها، وأوسَعَ عليها من نِعمَة الله التي أوسَعَ عليه)) أخرجه الطبرانيُّ (١٠٤٤٧) بسندٍ واهٍ. قوله: ((كُنَّ/ له سِتْراً من النار)) كذا في أكثر الأحاديث التي أشرتُ إليها، ووَقَعَ في رواية ٤٢٩/١٠ عبد المجيد: «حجاباً))، وهو بمعناه. وفي الحديث تأكُّد حَقِّ البنات، لما فيهنَّ من الضَّعف غالباً عن القيام بمَصَالح أنفُسهنَّ، بخِلَاف الذُّكور لما فيهم من قوّة البَدَن وجَزالة الرَّأي، وإمكان النَّصَرُّف في الأُمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال. قال ابن بَطّال: وفيه جواز سؤال المحتاج، وسَخاء عائشة، لكونها لم تَجِد إلّا تمرةً فَآثَرَت بها، وأنَّ القليل لا يَمتَنِعِ التَّصَدُّق به لحُقارَتِهِ، بل ينبغي للمتصدِّقِ أن يَتَصَدَّق بما تيسَّر له قَلَّ أو كَثُرَ. وفيه جواز ذِكْر المعروف إن لم يكن على وجه الفَخْر ولا الِنّةِ (١). وقال النَّويّ تَبَعاً لابنِ بَطّال: إنَّما سَمّه ابتلاء لأنَّ الناس يَكرَهونَ البنات، فجاء الشّرع بزَجْرهم عن ذلك، ورَغَّبَ في إبقائهِنَّ وترك قتلهنَّ بما ذَكَر من الثَّواب الموعود به مَن أحسنَ إليهنَّ، وجاهَدَ نفسه في الصَّبر علیهنَّ. وقال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): يحتمل أن يكون معنى الابتلاء هنا: الاختبار، أي: مَن اختُبِرَ بشيءٍ من البنات ليُنظَر ما يفعل أيُحسِنُ إليهنَّ أو يُسِيء؟ ولهذا قَّدَه في حديث أبي سعيد بالتَّقوى، فإنَّ مَن لا يَتَّقي الله لا يأمَن أن يَتَضَجَّر بمَن وكَلَه الله إليه، أو يُقَصِّر عِمَّا أُمِرَ يفِعِلِه، أو لا يَقصِد بفِعلِهِ امتثالَ أمر الله وتحصيلَ ثوابه، والله أعلم. الحديث الثالث: ٥٩٩٦- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا اللَّيثُ، حدَّثنا سعيدٌ المَقْبُرِيُّ، حدَّثنا عَمْرو بنُ سُلَيم، حدَّثنا أبو قَتَادَةَ، قال: خَرَجَ علينا النبيُّ ◌َّهِ وَأُمامةُ بنتُ أبي العاص على عاتقه، فِصَلَّى، (١) في (أ): ((المانّة)) وفي (ع): ((المنانة))، والمثبت من (س). ٣٤٢ باب ١٨ / ح ٥٩٩٧ فتح الباري بشرح البخاري فإِذا رَكَعَ وضَعَ، وإِذا رَفَعَ رَفَعَها. قوله: ((وأُمامة بنت أبي العاص)) أي: ابن الرَّبيع، وهي ابنَة زينَبَ بنت النبيّ ◌ِّ. قوله: ((فإذا رَكَعَ وضَعَ)) كذا للأكثر بحذفِ المفعول، وللكُشمِيهنيّ: ((وضَعَها))، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوقّى في أوائل الصلاة في أبواب سُتْرة المصَلّي (٥١٦)، ووَقَعَ هنا بلفظ: ((رَكَعَ)) وهناك بلفظ: ((سَجَدَ))، ولا مُنافاةَ بينهما، بل يُحمَل على أنَّه كان يفعل ذلك في حال الرُّكوع والسُّجود، وبهذا تظهر مُناسَبة الحديث للتَّرجمة، وهو رحمةُ الولد، ووَلدُ الولدِ ولدٌ. ومن شَفَقَتِهِ ورحمته لأُمامةَ أَنَّه كان إذا رَكَعَ أو سَجَدَ يَخْشَى عليها أن تَسقُطْ، فَيَضَعُها بالأرضِ، وكأنَّها كانت لتَعلَّقِها به لا تَصيرُ في الأرض، فَتَجَزَع من مُفارَقَته، فيحتاج أن يَحِمِلها إذا قامَ. واستَبَطَ منه بعضُهم عِظَم قَدْر رحمة الولد، لأنَّه تعارَضَ حينئذٍ المحافظة على المبالَغة في الُشوع والمحافظة على مراعاةٍ خاطِرِ الولد، فقَدَّمَ الثّاني، ويحتمل أن يكون وَّهِ إِنَّما فعل ذلك لبيان الجواز. الحديث الرابع: ٥٩٩٧ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، حدَّثنا أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ ﴾ قال: قَبَّلَ رسولُ اللهِ﴿ الحسنَ بنَ عليٍّ وعندَه الأقرَعُ بنُ حابسِ التَّمِيمِيُّ جالساً، فقال الأقرَعُ: إنَّ لي عَشَرَةً منَ الولدِ ما قَبَّلْتُ منهم أحداً! فتَظَرَ إليه رسولُ الله ◌َلِثُمَّ قال: (مَن لا يَرْحِمُ لا يُرْحَمُ)). قوله: ((أنَّ أبا هريرة قال)) كذا في رواية شُعَيب، ووَقَعَ عند مسلم (٦٥/٢٣١٨) من رواية سفيان بن عُبَينَةَ ومَعمَر - فَرَّقَهما - كلاهما عن الزُّهْريّ عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة. قوله: ((وعندَه الأقرَع بن حابِس)) الجملة حاليَّة، وقد تقدَّم نَسَبُ الأقرَع في تفسير سورة الحُجُرات (٤٨٤٥)، وهو من المؤلَّفة، وممَّن حَسُنَ إسلامُه. قوله: ((إنَّ لِي عَشَرَةً من الولد ما قَبَّلْتُ منهم أحداً) زاد الإسماعيليّ في روايته: ما قَبَّلتُ إنساناً قَطّ. ٣٤٣ باب ١٨ / ح ٥٩٩٨ كتاب الأدب قوله: ((مَن لا يَرحَمُ لا يُرْحَم)) هو بالرَّفع فيهما على الخبر، وقال عِيَاض: هو للأكثر، وقال أبو البَقَاء: ((مَن)) موصولة، ويجوز أن تكون شرطيَّة فيُقْرأ بالجزمِ فيهما، قال السُّهَيليُّ: ◌َملُه على الخبر أشبه بسياق الكلام، لأنَّه سِيقَ للرَّدِّ على مَن قال: ((إنَّ لي عشرة من الولد ... )) إلى آخره، أي: الذي يفعل هذا الفعل لا يُرحَم، ولو كانت شرطيَّة لكان في الكلام بعضُ انقطاع؛ لأنَّ الشَّرط وجوابه كلام مُستأنَف. قلت: وهو أولى من جهة أُخرى لأنه يصير من نوع ضرب المثل، ورَجَّحَ بعضهم كَونَها موصولة لكَونِ الشَّرط إذا أعقَبَه نفيٌ يُنْفَى غالباً بلَم، وهذا لا يقتضي ترجيحاً إذا كان المقام لائقاً بكونها شرطيَّة، وأجازَ بعض شُرّاح (المشارق)) الرَّفع في الجزءَينِ، والجزمَ فيهما، والرَّفعَ في الأول والجزمَ في الثّاني، وبالعكس، فيَحصُل أربعة أوجُه، واستُبعِدَ الثّالث، ووُجِّهَ بأَنَّه يكون في الثّاني بمعنى النَّهي، أي: لا تَرحَموا مَن لا يَرحَم الناس، وأمَّا الرّابع فظاهر، وتقديره: مَن لا يكن من أهل الرَّحمة فإنَّه لا يُرحم، ومثله قول الشّاعر: فقلتُ له احمِلْ فوقَ طَوقِك إنَّها مُطوَّقةٌ من يأتِها لا يَضِيرُها(١) / وفي جواب النبيّ ◌َّه للأقرَع إشارة إلى أنَّ تقبيل الولد وغَيرِه من الأهل المحارم وغيرهم من ٤٣٠/١٠ الأجانب إنَّما يكون للشَّفَقة والرَّحمة، لا للَّذّة والشَّهوة، وكذا الضَّمّ والشَّمّ والمعانَقة. الحديث الخامس: ٥٩٩٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام، عن عُزْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ نَّهِ فقال: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فما نُقَبِّلُهم، فقال النبيُّ وَل: (أوَ أَمَلِكُ لكَ أن نَزَعَ الله من قَلْبِكَ الرَّحْمَة؟». (١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو من شواهد سيبويه من بحر الطويل، وهو في ((الكتاب)) له ٣/ ٧٠، ولكن في بعض ألفاظه هنا اختلاف، فلفظه هناك: فقلتُ تحمَّل فوق طوقك إنها مُطَّعة من يأتها لا يضيرها وانظر ((المقتضب)) ٧٢/٢، و((خزانة الأدب)) ٣/ ٦٤٧. ٣٤٤ باب ١٨ / ح ٥٩٩٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن يوسُف)) هو الفِرْيابيّ، وسفيان: هو الثَّوريّ. قوله: ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: عن هشام بن عُرْوة عن أبيه. قوله: ((جاء أعْرابيّ)) يحتمل أن يكون هو الأقرَعَ المذكورَ في الذي قبله، ويحتمل أن يكون قَيسَ بن عاصم التَّميميّ ثمَّ السَّعديّ، فقد أخرج أبو الفَرَج الأصبهانيُّ في ((الأغاني)) ما يُشعِر بذلك، ولفظه: عن أبي هريرة: أنَّ قيسَ بن عاصم دَخَلَ على النبيّ ◌َّ .. فذكر قصَّة فيها: ((فَهَل إلّا أن تُنَزَعِ الرَّحِمةُ مِنك)) فهذا أشبه بلفظ حديث عائشة. ووَقَعَ نحو ذلك لعُبَينَةَ بن حِصن بن حُذَيفة الفَزَاريِّ، أخرجه أبو يَعْلى في ((مُسنَده)) (٥٩٨٣) بسندٍ رجاله ثقات إلى أبي هريرة قال: دَخَلَ عُبَينة بن حِصْن على رسول الله وَ له، فرآه يُقبّل الحسن والحسين، فقال: أَتُقَبِّلُهما يا رسول الله؟ إنَّ لِي عَشَرَةً فما قَبَّلت أحداً منهم. ويحتمل أن يكون وَقَعَ ذلك لجميعِهِم، فقد وَقَعَ في رواية مسلم (٢٣١٧): قَدِمَ ناسٌ من الأعراب، فقالوا. قوله: (تُقبِّلونَ الصِّبيان؟» كذا للأكثر بحذفٍ أداة الاستفهام، وثبتت في رواية الگُشْمِیھنيّ. قوله: ((فما ◌ُقبِّلهم)) وفي رواية الإسماعيليّ: ((فوالله ما نُقَبِّلهم))، وعند مسلم: فقال: نعم، قالوا: لكنّا والله ما نُقَبِّل. قوله: ((أوَ أَملِكُ)) هو بفتح الواو، والهمزة الأولى للاستفهام الإنكاريّ، ومعناه النَّفي، أي: لا أملِك، أي: لا أقدِر أن أجعَل الرَّحمة في قلبك بعد أن نَزَعَها الله منه. ووَقَعَ عند مسلم بحذفٍ همزة الاستفهام وهي مُرادَة، وعند الإسماعيليّ: ((وما أملِك))، وله في أُخرى: ((ما ذنبي إن كان ... )) إلى آخره. قوله: ((أن نَزَعَ)) بفتح الهمزة في الرّوايات كلّها، مفعول ((أملِك))، وحكى بعض شُرّاح ((المصابيح)) كسْرَ الهمزة على أنَّها شرط، والجزاء محذوف، وهو من جِنس ما تقدَّمَ، أي: إن نَزَعَ الله الرَّحمة من قلبك لا أملِك لك رَدَّها إليه. ووَقَعَ في قصَّة عُيَينَةَ: فقال النبيُّ وَلَيه: ((مَن لا یرحم لا یُرحَم)). ٣٤٥ باب ١٨ / ح ٥٩٩٩ كتاب الأدب الحديث السادس: ٥٩٩٩ - حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غسّانَ، قال: حدَّثني زيدُ بنُّ أسلَمَ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ الخطّابِ ه: قَدِمَ على النبيِّ وَّهِ سَبْيٌّ، فإذا امرأةٌ منَ السَّبْي تَخْلُب ◌َدْيَها تَسْقي، إذا وَجَدَتْ صَيِّاً في السَّبِي أَخَذَتْه فألصَقَّتْه بَبَطْنِها وأرضَعَتْه، فقال النبيُّ ◌َّةِ: ((أتْرَوْنَ هذه طارحةً وَلَدَها في النار؟)) قُلْنا: لا، وهي تَقْدِرُ على أن لا تَطْرَحَه، فقال: ((لَلْهُ أرحَمُ بعِبادِه من هذه بوَلَدِها». قوله: ((حدَّثنا ابن أبي مريم)) هو سعيد، ومَدار هذا الحديث في ((الصحیحین)) علیه، وأبو غسَّان: هو محمَّد بن مُطَرِّف، والإسناد منه فصاعِداً مَدَنيّونَ. قوله: ((قَدِمَ على النبيّ وَّه ◌َسَبْيٌّ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((بسَبِي)) وبضمٌّ قاف ((قُدِمَ))، وهذا السَّبي هو سَبْي هوازن. قوله: ((فإذا امرأة من السَّبْي ◌َخْلُب ◌َدْيها تَسْقي)) كذا للمُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ: بسكون المهمَلة من (تَحِلُب)) وضمّ اللّام، و(ثَدْيَها)) بالنَّصبِ، و(تَسِقِي)) بفتح المثنّة وبقافٍ مكسورة، وللباقينَ: ((قد تَحلَّبَ)) بفتح الحاء وتشديد اللّم، أي: تَهيّاً لأن يَحِلُب، و((ثَدْيُها)) بالرَّفع، ففي رواية الكُشْمِيهنيّ بالإفرادِ، وللباقين: (ثَدياها)) بالتَّثنية، وللكُشميهنيّ: ((بسَقْي)) بكسر الموحَّدة وفتح المهمَلة وسكون القاف وتنوين التَّحتانيَّة، وللباقينَ: ((تَسعَى)) بفتح العين المهمَلة من السَّعي، وهو المشي بسُرعةٍ، وفي رواية مسلم (٢٧٥٤) عن الحُلوانيّ وابن عسكر كلاهما عن ابن أبي مريم: ((تَبْتَغي)) بموخَّدةٍ ساكنة ثمَّ مُثنّة مفتوحة ثمَّ غَين مُعجَمة، من الابتغاء: وهو الطَّلَب، قال عِيَاض: وهو وهم، والصَّواب ما في رواية البخاريّ. وتَعقَّبَه النَّوويّ بأنَّ كلَّا من الرِّوايتَينِ صواب، فهي ساعية وطالبة لولدِها. وقال القُرطُبيّ: لا خَفاء بحُسنِ رواية (تَسعَى)) ووُضُوحِها، ولكن لرواية (تَبْتَغِي)) وجهاً، وهو: تَطلُب ولدَها، وحَذْفَ المفعول للعِلمِ به، فلا يُغَلَّط الراوي مع هذا التَّوجيه. قوله: ((إذا وَجَدَت صبيّاً في السَّنْي أخَذَتْه، فألصَقَتْه بَيَطْنِها)) كذا للجميع ولمسلمٍ، وحُذِفَ منه ٣٤٦ باب ١٨ / ح ٥٩٩٩ فتح الباري بشرح البخاري شيء بيَّنْه رواية الإسماعيليّ، ولفظه: إذا وجَدَت صبيّاً أخَذَته فأرضَعَته، فوجَدَت صبيّاً فأخَذَته، فألزَمَته بطنها، وعُرِفَ من سياقه أنَّها كانت فقَدَت صبيّها، وتَضَرَّرَت باجتماع اللَّبَن في ثَدْیها، فكانت إذا وجَدَت صبيّاً أرضَعَته لَيَخِفّ عنها، فلمَّا وجَدَت صبيّها بعَينِهِ أَخَذَته فالتَّزَمَته. ولم أقِفْ على اسم هذا الصبيّ، ولا على اسم أمّه. قوله: ((أتُرَوْنَ؟)) بضمٌّ / المثنّاة، أي: أتظُنّونَ؟ ٤٣١/١٠ قوله: ((قُلْنا: لا، وهي تَقْدِر على أن لا تَطْرَحَه)) أي: لا تَطَرَحُه طائعةً أبداً. وفي رواية الإسماعيليّ: فقلنا: لا والله ... إلى آخره. قوله: ((لَلْهُ)) بفتح أوَّله لام تأكيد، وصَرَّحَ بالقَسَمِ في رواية الإسماعيليّ فقال: ((واللهِ لَلُهُ أرحم ... )) إلى آخره. قوله: (بعِبادِه) كأنَّ المراد بالعبادِ هنا: مَن ماتَ على الإسلام، ويُؤيِّده ما أخرجه أحمد (١٢٠٦٨)، والحاكم (١/ ٥٨) من حديث أنس قال: مرَّ النبيُّ وَّه فِي نَفَر من أصحابه وصبيُّ على الطَّريق، فلمَّا رأت أمّه القوم خَشيَت على ولدها أن يوطّاً، فأقبَلَت تَسعَى وتقول: ابني ابني، وسَعَت فأخَذَته، فقال القوم: يا رسولَ الله، ما كانت هذه لتُلقِي ابنها في النار، فقال: ((ولا اللهُ بطارحٍ حَبِيبَه في النار)) فالَّعبير بحَبِهِ يُرِج الكافر، وكذا مَن شاءَ إدخاله ثمّن لم يَتُب من مُرتَكِيي الكبائر. وقال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: لفظ العباد عام ومعناه خاصّ بالمؤمنينَ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فهي عامّة من جهة الصَّلاحيَّة، وخاصّة بمَن كُتِبَت له، قال: ويحتمل أن يكون المراد: أنَّ رحمة الله لا يُشِبِهِها شيء لمن سَبَقَ له منها نَصِيب، من أيّ العباد كان حتَّى الحيوانات. وفيه إشارة إلى أنَّه ينبغي للمَرءِ أن يجعل تَعلُّقه في جميع أُموره بالله وحده، وأنَّ كلّ مَن فُرِضَ أنَّ فيه رحمة ما، حتَّى يُقْصَد لأجلِها، فالله سبحانه وتعالى أرحَمُ منه، فليقصِدِ العاقل لحاجته مَن هو أشدُّله رحمة. قال: وفي الحديث جواز نظرِ النِّساء المسبّات، لأنَّه وَله لم يَنْهَ عن النَّظَر إلى المرأة المذكورة، بل في سياق الحديث ما يقتضي إذنَه في النَّظَر إليها. وفيه ضَرِبُ المثَل بما يُدرَك بالحَواسِّ لما لا يُدرَك ٣٤٧ باب ١٩ / ح ٦٠٠٠ كتاب الأدب بها، لتحصيلِ مَعرِفة الشَّيء على وجهه، وإن كان الذي ضُربَ به المثَل لا يُحاط بحقيقَتِه؛ لأَنَّ رحمة الله لا تُدرَك بالعقل، ومع ذلك فقَرَّبَها النبيّ ◌َِّ لِلسَّامعينَ بحال المرأة المذكورة. وفيه جواز ارتكاب أخَفِّ الضَّرَرَين، لأنَّه وَّه لم يَنهَ المرأة عن إرضاع الأطفال الذينَ أرضَعَتهم مع احتمال أن يَكبَر بعضهم فيَتزوَّج بعضَ مَن أرضَعَته المرأة معه، لكن لمَّا كانت حالة الإرضاع ناجِزةً، وما يُحِشَى من المحرَميَّة مُتَوهَّم، اغتُفِرَ. قلت: ولفظ الصبيّ بالتَّذكير في الخبر يُنازِع في ذلك. قال: وفيه أنَّ الكفّار مُخاطَبون بفروع الشّريعة، وقد يُستَدَلّ به على عكس ذلك، فأمَّا الأوَّل فمِن جهة أنَّ الأطفال لولا أنَّهم كان بهم ضَرُورة إلى الإرضاع في تلك الحالة ما تَرَكَها النبيّ ◌َِّ تُّرضِع أحداً منهم، وأمَّا الثّاني - وهو أقوى - فلأنَّه أَقَرَّها على إرضاعهم من قبلٍ أن تَتَبيَّن الضَّرورة. انتهى مُلخَّصاً، ولا يخفى ما فيه. ١٩ - بابٌ جَعَلَ اللهُ الرّحمةَ في مئةِ جزءٍ ٦٠٠٠ - حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافعِ البَهْرانيُّ، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرنا سعيدُ بنُ المسيّبِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقول: ((جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ في مئةٍ مُزْءٍ، فأمسَكَ عندَه تسعةً وتسعينَ جُزْءاً، وأنزَلَ في الأرضِ جُزْءاً واحداً، فمِن ذلك الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخلقُ، حتَّى تَرْفَعَ الفرسُ حافرَها عن ولدِها خَشْبةَ أن تُصِيبَه)). [طرفه في: ٦٤٦٩] قوله: ((بابٌ)) بالتَّنوين ((جَعَلَ الله الرَّحْمة في مئة جُزْء)» هكذا تَرجَمَ ببعضِ الحديث، وفي رواية النَّسَفيّ: ((باب من الرَّحمة))، وللإسماعيليِّ: ((باب)) بغير ترجمة. قوله: ((البَهْرانيّ)) بفتح الموحّدة وسكون الهاء: نسبة إلى قبيلة من قُضَاعة، يَنْتَهي / نَسَبهم إلى ٤٣٢/١٠ بَهْر بن عَمْرو بن الحاف بن قُضَاعة، نزلَ أكثرُهم خْصَ في الإسلام. قوله: ((جَعَلَ الله الرَّحْمة في مئةِ جُزْء)) قال الكِرْمانيُّ: كأن المعنى يَتِمّ بدون الظَّرف، فلعلَّ ((في)) زائدة أو مُتَعلِّقة بمحذوفٍ، وفيه نوع مُبالَغة، إذ جعلها مَظْروفاً لها معنّى بحيثُ لا يَفوتُ منها شيء. ٣٤٨ باب ١٩ / ح ٦٠٠٠ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن أبي جَمْرة: يحتمل أن يكون سبحانه وتعالى لمَّا مَنَّ على خَلْقه بالرَّحمة جعلها في مئة وِعاء، فأهبَطَ منها واحداً للأرضِ. قلت: خَلَت أكثر الطُّرق عن الظَّرف كرواية سعيد المقبريِّ عن أبي هريرة الآتية في الرِّقاق (٦٤٦٩): ((إنَّ الله خَلَقَ الَّحمة يوم خَلَقَها مئةَ رحمة»، ولمسلمٍ (١٩/٢٧٥٢) من رواية عطاء عن أبي هريرة: ((إنَّ لله مِئةً رحمة))، وله (٢١/٢٧٥٣) من حديث سلمان: ((إنَّ الله خَلَقَ مِئَةَ رحمة يومٍ خَلَقَ السَّماوات والأرض، كلَّ رحمةٍ طِباقَ ما بين السماء والأرض». وقال القُرطُبيّ: يجوز أن يكون معنى ((خَلَقَ)): اختَرَعَ وأوجَدَ، ويجوز أن يكون بمعنى: قَدَّرَ، وقد وَرَدَ خَلَقَ بمعنى قَدَّرَ في لغة العرب، فيكون المعنى: أنَّ الله أظهَرَ تقديره لذلك يومَ أَظهَرَ تقدير السَّماوات والأرض، وقوله: ((كلّ رحمة تَسَعُ طِباقَ الأرض)) المراد بها التَّعظيم والتَّكثير، وقد وَرَدَ التَّعظيم بهذا اللَّفظ في اللُّغة والشَّرع كثيراً. قوله: ((فأمسَكَ عندَه تسعة وتسعينَ جُزْءاً) في رواية عطاء: ((وأَخَّرَ عنده تسعة وتسعينَ رحمة))، وفي رواية العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم (١٨/٢٧٥٢): ((وخَبَّأ عنده مِئةً إلّا واحدة». قوله: ((وأنزَلَ في الأرض جُزْءًاً واحداً)) في رواية المقبُريِّ: ((وأرسَلَ في خَلْقِه كلِّهم رحمة))، وفي رواية عطاء: ((أنزَلَ منها رحمةً واحدةً بين الجِنّ والإنس والبهائم))، وفي حديث سلمان: ((فجَعَلَ منها في الأرض واحدة)). قال القُرطُبيّ: هذا نَصُّ في أنَّ الرَّحمة يُرادُ بها مُتَعلَّق الإرادة لا نفس الإرادة، وأنَّها راجِعةٌ إلى المنافع والنِّعَم. قوله: «فمن ذلك الجُزْء يَتَرَاحَم الخلقُ، حتَّى تَرْفَع الفَرَس حافَرَها عن ولدها خَشْية أن تُصِيبَه)» في رواية عطاء: ((فبها يَتَعَاطَفونَ، وبها يَتَرَاحَمونَ، وبها تَعطِف الوحشُ على ولدها»، وفي حديث سلمان: ((فيها تَعطِف الوالِدةُ على ولدها، والوحشُ والطَّيرُ بعضُها على بعض)). قال ابن أبي جَمْرة: خُصَّ الفرس بالذِّكرِ لأنَّها أشدّ الحيوان المألوف الذي يُعايِن المخاطَبونَ حَرَكَته مع ولده، ولما في الفرس من الِفّة والسُّرعة في التَّقُّل، ومع ذلك تَتَجَّب أن يَصِل ٣٤٩ باب ١٩ / ح ٦٠٠٠ كتاب الأدب الضَّرَر منها إلى ولدها. ووَقَعَ في حديث سلمان عند مسلم في آخره من الزّيادة: ((فإذا كان يومُ القيامة أكمَلَها بهذه الرَّحمة مئة))، وفيه إشارة إلى أنَّ الرَّحمة التي في الدُّنيا بين الخَلْق تكون فيهم يومَ القيامة يَتَراحَمونَ بها أيضاً، وصَرَّحَ بذلك المهلَّب فقال: الرَّحمة التي خَلَقَها الله لعِبادِه وجعلها في نُفوسِهم في الدُّنيا، هي التي يَتَغْافَرونَ بها يوم القيامة التَّبِعات بينهم، قال: ويجوز أن يَسْتَعمِل الله تلك الرَّحمة فيهم، فیرحَمَهم بها سوى رحمته التي وسِعَت كلّ شيء، وهي التي من صِفَة ذاته ولم يزل موصوفاً بها، فهي التي يَرحَمُهم بها زائداً على الرَّحمة التي خَلَقَها لهم. قال: ويجوز أن تكون الرَّحمة التي أمسَكَها عند نفسه هي التي عند ملائكته المستَغفِرِينَ لمن في الأرض، لأنَّ استِغفارَهم لهم دالٌّ على أنَّ في نفوسهم الرَّحمةَ لأهلِ الأرض. قلت: وحاصل كلامه أنَّ الرَّحمة رحمتان: رحمة من صِفَة الذّات وهي لا تَتَعَدَّد، ورحمة من صِفَة الفِعْل وهي المشار إليها هنا، ولكن ليس في شيء من طرق الحديث أنَّ التي عند الله رحمة واحدة، بل اتَّفَقَت جميع الطُّرق على أنَّ عنده تِسعةً وتسعينَ رحمة، وزاد في حديث سلمان: أنَّه يُكمِلُها يوم القيامة مئةً بالرَّحمة التي في الدُّنيا، فتعدُّدُ الرَّحمة بالنّسبة للخلقِ. وقال القُرطُبيّ: مُقْتَضَى هذا الحديث أنَّ الله عَلِم أنَّ أنواع النِّعَم التي يُنْعِم بها على خَلْقه مِنْهُ نوع، فأنعَمَ عليهم في هذه الدُّنيا بنوعٍ واحد انتَظَمَت به مصاُهم، وحَصَلَت به مَرافِقهم، فإذا كان يوم القيامة كَمَّلَ لعِبادِه المؤمنينَ ما بَقِيَ، فَبَلَغَت مئةً، وكلُّها للمؤمنينَ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فإنَّ: ((رحيماً)) من/ ٤٣٣/١٠ أبنية المبالَغة التي لا شيء فوقها، ويُفهَم من هذا أنَّ الكفَّار لا يَبقَى لهم حَظٍّ من الرّحمة لا من جِنس رَحَمات الدُّنيا ولا من غيرها إذا كَمُّلَ كلّ ما كان في عِلْم الله من الرَّحَمات للمؤمنينَ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦]. وقال الكِرْمانيُّ: الرَّحمة هنا عِبارَة عن القُدْرة المتعلّقة بإيصال الخير، والقُدْرة في نفسها غير مُتَنَاهية، والتَّعلُّق غير مُتَناهٍ، لكن حَصْره في مئةٍ على سبيل التَّمثيل تسهيلاً للفَهم، وتقليلاً لما عند الخلق، وتكثيراً لما عند الله سبحانه وتعالى، وأمَّا مُناسَبة هذا العَدَد الخاصّ، فحكى القُرطُبيّ عن ٣٥٠ باب ٢٠ / ح ٦٠٠١ فتح الباري بشرح البخاري بعض الشُّرَاحِ: أنَّ هذا العَدَد الخاصّ أُطلِقَ لإرادة التَّكثير والمبالَغة فيه، وتَعقَّبَه بأنَّه لم تَجِرِ عادة العرب بذلك في المئة، وإنَّما جَرَى في السَّبعينَ. كذا قال. وقال ابن أبي جَمْرة: ثَبَتَ أنَّ نار الآخرة تَفضُل نار الدُّنيا بتِسع وستّينَ جُزءاً، فإذا قويِلَ كلّ جُزْء برحمةٍ، زادَتِ الرَّحَمَات ثلاثينَ جُزءاً، فيُؤْخَذ منه أنَّ الرَّحمة في الآخرة أكثر من النِّقمة فيها. ويُؤيِّده قوله: ((غَلَبَت رَخْتِي غَضَبي))(١). قلت: لكن تَبقَى مُناسَبة خُصُوص هذا العَدَد، فيحتمل أن تكون مُناسَبة هذا العَدَد الخاصّ لكَونِهِ مِثل عَدَد دَرَج الجنَّة، والجنَّة هي مَحَلّ الرَّحمة، فكان كلّ رحمة بإزاءِ درجة، وقد ثَبَتَ أنَّه لا يَدخُل أحد الجنَّة إلّا برحمة الله تَعالَى (٢)، فمَن نالَته منها رحمةٌ واحدة كان أدنى أهلِ الجنَّة منزلة، وأعلاهم منزلة من حَصَلَت له جميع الأنواع من الرَّحمة. وقال ابن أبي جَمْرة: في الحديث إدخال السُّرور على المؤمنينَ، لأنَّ العادة أنَّ النَّفْس يَكمُل فَرَحُها بما وُهِبَ لها إذا كان معلوماً ممَّا يكون مَوعُوداً. وفيه الحَثّ على الإيمان، واتِّساع الرَّجاء في رَحَمَات الله تعالى المدَّخَرة. قلت: وقد وَقَعَ في آخر حديث سعيد المقبريِّ في الرِّقاق (٦٤٦٩): «فلو يعلم الكافرُ بكلِّ ما عند الله من الرَّحمة لم يَيأس من الجنَّة)»، وأفرَدَه مسلم (١٨/٢٧٥٢) من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة، ويأتي شرْحُه هناك إن شاء الله تعالى. ٢٠ - باب قتلِ الولد خشیةً أن یأکل معه ٦٠٠١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثِير، أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ، عن عبدِ الله، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الذَّتْبِ أعظَم؟ قال: ((أن تَجْعَلَ الله ◌ِدّاً وهو خَلَقَكَ)) قلتُ: ثمَّ أيّ؟ قال: ((أن تَقْتُلَ ولدَكَ خَشْبَةَ أن يأكلَ مَعَكَ)) قال: ثمَّ أيّ؟ قال: ((أن تُزانيَ حَلِيلةَ جاركَ)). وأنزَلَ الله تَصْدِيقَ قولِ النبيِّيَّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. (١) تقدم برقم (٣١٩٤). (٢) تقدم برقم (٥٦٧٣). ٣٥١ باب ٢١-٢٢ / ح ٦٠٠٢ - ٦٠٠٣ كتاب الأدب قوله: ((باب قَتْل الولد خَشْيَةَ أن يأكل معه)) تقدير الكلام: قتلُ المرءِ ولَدَه ... إلى آخره، فالضَّمير يعود للمُقدَّرِ في قوله: ((قتل الولد)). ووَقَعَ لأبي ذرِّ عن المستملي والگُشْمِيهنيّ: «بابٌ أيُّ الذَّنب أعظَم؟))، وعند النَّسَفيّ: ((بابٌ من الرَّحمة)). وذكر فيه حديث ابن مسعود: أيّ الذَّنب أعظَم؟ الحديث، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب التَّوحيد (٧٥٢٠ و٧٥٣٢) إن شاء الله تعالى. ٢١ - باب وَضْع الصَّبيِّ في الحِجْر ٦٠٠٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةً: أنَّ النبيَّ وَّهِ وَضَعِ صَبِيّاً في حِجْرِه يُجُنَّكُه، فبالَ عليه، فَدَعَا بماءٍ فَتْبَعَه. قوله: (باب وَضْع الصبيّ في الحِجْر)) ذكر فيه حديث عائشة: أنَّ النبيَّ وَّهَ وَضَعَ صبيّاً في ٤٣٤/١٠ حِجْره، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الطَّهارة (٢٢٢)، وتقدَّم أيضاً قريباً في العَقيقَة (٥٤٦٨)، ويُستَفاد منه الرِّفق بالأطفال والصَّبرُ على ما يَحدُث منهم، وعَدَم مُؤَاخَذَتهم لعَدَمِ تكليفهم. ٢٢ - باب وَضْع الصبيِّ على الفخذ ٦٠٠٣ - حدَّثْنَا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عارٌ، حدَّثنا المعتَمِرُ بنُ سليمانَ، يُحدِّثُ عن أبيه، قال: سمعتُ أبا تَمِيمةَ، يُحدِّثُ عن أبي عثمانَ النَّهْدِيِّ، يُحدِّثُه أبو عثمانَ عن أُسامةً بن زيدٍ رضي الله عنهما: كان رسولُ اللهِ وَّه يَأْخُذُني، فيُفْعِدُني على فخِذِهِ، ويُقْعِدُ الحسنَ بن عليٍّ على فخِذِه الأُخرَى، ثمَّ يَضُمُّهما، ثمَّ يقول: ((اللهمَّ ارَمْهما، فإنّ أرحُهما)». وعن عليٍّ قال: حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سليمانُ، عن أبي عثمانَ. قال التَّيْميُّ: فوَقَعَ في قَلْبي منه شيءٌ، قلتُ: حَدَّثْتُ به كذا وكذا، فلم أسمَعْه من أبي عثمانَ، فَنَظَرْتُ فَوَجَدْتُه عندي مكتوباً فیما سمعت. قوله: ((باب وضْع الصبيٍّ على الفَخِذ)) هذه التَّرجمة أخصُ من التي قبلها، وذكر فيه حديث أُسامة بن زید. ٣٥٢ باب ٢٢ / ح ٦٠٠٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن أبيه)) هو سليمان بن طَرْخانَ التَّيْمِيّ، وأبو تَمِيمَة: هو طَرِيف - بمهملةٍ بوزنٍ عظيم - ابن مجالِد بالجيم الهُجَيميّ، بالجيم مُصغَّر. قوله: ((فيُقْعِدني على فَخِذه، ويُقْعِد الحسن بن عليٍّ على فَخِذه الأخرى))(١) استَشكَلَه الذَّاوُودِيُّ فيما نَقَلَه ابن التِّين فقال: لا أرى ذلك وَقَعَ في وقت واحد؛ لأنَّ أُسامة أكبر من الحسن، ثمَّ أَخَذَ يَستَدِلّ على ذلك، والأمر فيه أوضَحُ من أن يحتاج إلى دليل، فإنَّ أكثر ما قيل في عُمُر الحسن عند وفاة النبيّ وَ لهثمان سنين، وأمَّا أسامة فكان في حياة النبيّ وَّ رجلاً، وقد أمَّرَه على الجيش الذي اشتَمَلَ على عَدَد كثير من كِبار المسلمينَ كَعُمر، كما تقدَّم بيانه في ترجمته في المناقب، وصَرَّحَ جماعة بأنَّه كان عند موت النبيّ وَّهِ ابن عشرين سنة، وذكر الواقديُّ في ((المغازي)) عن محمَّد بن الحسن بن أسامة عن أهله قالوا: تُوُفِّ رسول الله وَله وأُسامة ابن تسعَ عشرةَ سنة، فيحتمل أن يكون ذلك وَقَعَ من النبيّ ◌ِ ﴿ وَأُسامة مُراهِق والحسن ابن سنتينٍ مثلاً، ویکون إقعادُه أُسامةً في حِجْره لسببٍ اقتضى ذلك، گمرضٍ مثلاً أصاب أُسامة، فكان النبيّ مَل﴿ لمَحبَّتِه فيه ومَعَزَّته عنده يُمَرِّضه بنفسِه، فیحتمل أن يكون أقعَدَه في تلك الحالة، وجاء الحسن ابن ابنَتِهِ فأقعَدَه على الفَخِذ الأُخرى، وقال مُعتَذِراً عن ذلك: ((إنّي أُحِبّهما)»، والله أعلم. قوله: ((وعن عليّ قال: حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سليمان)) أمَّا عليّ: فهو عليّ بن عبد الله المدينيّ، وأمَّا يحيى: فهو ابن سعيد القَطّان، وأمَّا سليمان: فهو التَّيْمِيُّ المذكور قبل، ثمَّ هو معطوف على السَّنَد الذي قبله، وهو قوله: حدّثنا عبد الله بن محمَّد، فيكون من رواية البخاريّ عن عليّ، ولكنَّه عَبَّرَ عنه بصيغة ((عن)) فقال: حدَّثنا عبد الله بن محمَّد ... إلى آخره، وعن عليّ ... إلى آخره، ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله: ((حذَّثنا عارم))، فيكون من رواية البخاريّ عن شيخه بواسطة قَرِينه عبد الله بن محمَّد، ولا يُستَغرَب ذلك من رواية الأقران ولا من البخاريّ، فقد حدَّث بالكثير عن كثير من شيوخه، ويُدخِل أحياناً بينهم الواسطة، وقد حدَّث عن عارم (١) في (ع) و(س): ((الآخر))، والمثبت من (أ). ٣٥٣ باب ٢٣ / ح ٦٠٠٤ كتاب الأدب بالكثير بغير واسطة، منها ما سيأتي قريباً (٦١٢٧) في ((باب قول النبيّ وَلا يَسِّروا ولا ٤٣٥/١٠ تُعَسِّروا))، وأدخَلَ هنا بينَه وبينَه عبد الله بنَ محمَّد الْجُعْفيّ، ووَقَعَ في بعض النَّسَخ في آخر هذا الحديث: قيل لأبي عبد الله: من يقول: عن عليّ؟ فقال: حدّثنا عبد الله ابن محمَّد. انتهى، فإن كان محفوظاً صَحَّ الاحتمال الأخير، وبالله التَّوفيق. قوله: ((قال التَّيْمِيُّ) هو موصول بالسَّنَد المذكور. قوله: ((فَوَقَعَ في قَلْبي منه شيء)) يعني: شَكَّ هل سَمِعَه من أبي تَميمة عن أبي عثمان، أو سمِعَه من أبي عثمان بغير واسطة؟ وفي السَّنَد على الأوَّل ثلاثةٌ بصريّونَ من التابعينَ في نَسَقٍ من سليمان التَّيْميِّ فصاعداً، وليس لأبي تَمِيمَة في البخاريّ إلّا هذا الحديث، وآخر سيأتي في كتاب الأحكام (٧١٥٢) من روايته عن جُندُب البَجليّ. قوله: ((فَوَجَدْته عندي مكتوباً فيما سَمِعت)) أي: من أبي عثمان، فكأنَّه سمعَه من أبي تَمِيمة عن أبي عثمان، ثمَّ لَقِيَ أبا عثمان فسمعَه منه، أو كان سمعَه من أبي عثمان فثَبَّتَه فيه أبو تَمِيمة، وانتَزَعَ منه بعضهم جواز الاعتماد في تحديثهم على خَطّه، ولو لم يَتَذَكَّرِ السَّماع، ولا حُجّة فيه لاحتمال التَّذَكُّر في هذه الحالة، وقد ذكر ابن الصَّلاح المسألة ونَقَلَ الخِلاف فيها، والرَّاجح في الرواية الاعتماد. ٢٣ - بابٌ حُسْنُ العَهدِ من الإیمان ٦٠٠٤- حدَّثْنَا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: ما غِرْتُ على امرأةٍ ما غِرْتُ على خَدِيجَةَ - ولقد هَلَكَت قبلَ أن يَتزوَّجَني بثلاثٍ سنينَ - لِمَا كنتُ أسمَعُه يَذْكُرُها، ولقد أمَرَه رَبُّه أن يُبِشِّرَها ببيتٍ في الجنَّةِ من قَصَبٍ، وإن كان لَيَذْبَحُ الشّاةَ ثَمَّ يُهْدي في خُلَتِهَا مِنْها. قوله: ((بابٌ حُسْنُ العَهْد من الإيمان)) قال أبو عبيد: العهد هنا: رعاية الحُرْمة. وقال عِيَاض: هو الاحتفاظ بالشَّيءٍ والملازَمة له. وقال الرَّاغِب: حِفْظ الشَّيء ومُراعاتُه حالاً بعد حال. وعهْدُ الله تارةً يكون بما رَكَزَه في العقل، وتارةً بما جاءت به الرُّسُل، وتارةً بما ٣٥٤ باب ٢٣ / ح ٦٠٠٤ فتح الباري بشرح البخاري يَلْتَزِمِه المكلَّف ابتداءً كالنَّذر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ عَهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]، وأمَّا لفظ: ((العهد)) فيُطلَق بالاشتراكِ بإزاءِ مَعانٍ أُخرَى، منها: الزَّمان والمكان، واليمين، والذِّمّة، والصُّحْبة(١)، والميثاق، والإيمان، والنَّصيحة، والوصيّة، والمطر، ويقال له: العِهاد أيضاً. قوله: ((عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غِرْت على امرأة ما غِرْت على خديجة)) قد تقدَّم شرحه في ترجمة خديجة من كتاب المناقب (٣٨١٦-٣٨١٨). وقوله: ((على خديجة)) يريد: من خديجة، فأقامَ ((على))، مقام ((من)) وحروف الجرّ تتناوب في رأي، أو ((على)) سببيَّة، أي: بسببٍ خديجة. وقوله فيه: ((ولقد أمَرَه رَبُّه ... )) إلى آخره، تقدَّم شرحه هناك أيضاً، ولكن أورَدَه هناك من حديث عبد الله بن أبي أوفَى. وقوله فيه: ((وإن كان لَيَذْبَح الشّاة ثمَّ يُهْدِي(٢) في خُلَّتها منها)) أي: من الشّاة المذبوحة، وزاد في رواية اللَّيث عن هشام في فضل خديجة (٣٨١٦): ما يَسَعُهُنَّ، وقد تقدَّم هناك بيان الاختلاف في ضبط هذه اللَّفظة، و((إنْ)) مُفَّفة من الثَّقيلة، و((خُلَّتها)) بضمِّ المعجَمة، أي: خَلائلها. وقال الخطَّبيُّ: الخُلّة مصدر يَستَوي فيه المذَكَّر والمؤنَّث والواحد والجماعة، تقول: رجل خُلّة وامرأة خُلّة وقوم خُلّة، ويحتمل أن يكون فيه محذوفٌ تقديره: إلى أهل خُلَّتها، أي: أهل صَداقَتها، والخُلّة: الصَّداقة، والخليل: الصَّديق. قلت: وَقَعَ في رواية مسلم (٧٤/٢٤٣٥) من هذا الوجه بلفظ: ثمَّ يُهديها إلى خَلائِلها، وسَبَقَ في المناقب من وجه آخر (٣٨١٨) عن هشام بن عُرْوة: وإلى أصدِقائِها، وللبخاريِّ في ((الأدب المفرد)» ٤٣٦/١٠ (٢٣٢) من حديث أنس: كان النبيُّ وَلِّ إذا أُتيَ بِالشَّيءِ،/ يقول: ((اذهَبوا به إلى بيت فلانة فإنّها كانت تحبُّ خديجة))(٣). (١) تحرَّفت في (س) إلى: الصحة. (٢) في (س): ليهدي، والمثبت من الأصلين. (٣) في (س): كانت صديقة لخديجة، والمثبت من الأصلين. ٣٥٥ باب ٢٤ / ح ٦٠٠٥ كتاب الأدب تنبيه: جَرَى البخاريّ على عادته في الاكتفاء بالإشارة دونَ التَّصريح، فإنَّ لفظ التَّرجمة قد وَرَدَ في حديث يَتَعلَّق بخديجة رضي الله عنها، أخرجه الحاكم (١٥/١ - ١٦) والبيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٩١٢٢) من طريق صالح بن رُستُم عن ابن أبي مُلَيكة عن عائشة قالت: جاءت عَجُوز إلى النبيّ وََّ، فقال: ((كيف أنتُم، كيف حالُكُم، كيف كنتُم بعدنا؟)) قالت: بخيرٍ، بأبي أنتَ وأُمّ يا رسول الله، فلمَّا خَرَجَتْ قلت: يا رسول الله، تُقبِل على هذه العَجُوز هذا الإقبال؟! فقال: ((يا عائشة إنَّها كانت تأتينا زمانَ خديجة، وإنَّ حُسْنَ العهد من الإيمان))، وأخرجه البيهقيُّ أيضاً (٩١٢٣) من طريق سَلْم(١) بن جُنَادة عن حفص بن غياث عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة مِثْلَه بمعنى القصَّة، وقال: غريب، ومن طريق أبي سَلَمة عن عائشة (٩١٢١) نحوه، وسندُه ضعيف(٢). ٢٤ - باب فضل من يَعُول يتيماً ٦٠٠٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، قال: حدَّثني عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازمِ، قال: حدَّثني أبي، قال: سمعتُ سَهْلَ بنَ سعدٍ، عن النبيِّ وَّ قال: «أنا وكافلُ اليَتِيم في الجنَّةِ هكذا» وقال بإصْبَعَيه السَّبابةِ والوُسْطَى. قوله: ((باب فضل مَن يَعُول یتیاً)) أي : يُرَبِّهِ وُنفِق عليه. قوله: ((عبد العزیز بن أبي حازم) أي: سَلَمة بن دينار. قوله: ((أنا وكافلُ اليتيم))، أي: القَيِّم بأمره ومصالحه، زاد مالك(٣) من مُرسَل صفوان ابن سُلَيم: ((كافل اليتيمِ له أو لغيره)، ووَصَلَه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (١٣٣)، والطبرانيُّ (١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: مسلم، والصواب ما أثبتنا، وهو سلم بن جنادة بن سلم بن خالد بن جابر ابن سمرة. (٢) وله إسناد آخر عن عائشة أورده المصنف في ((تاريخه الكبير)) ٣١٩/١ وفيه إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٦/ ١٠، وأورد الذهبي في ((السير)) ١٦٥/٢: معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، فذكرت القصة. والحديث على كل حال أقل أحواله أنه حسنٌ. (٣) في ((الموطأ)) (٢/ ٩٤٨). ٣٥٦ باب ٢٤ / ح ٦٠٠٥ فتح الباري بشرح البخاري (٧٥٩/٢٠) من رواية أمّ سعيد بنت مُرّة الفِهريَّة عن أبيها، ومعنى قوله: ((له)): بأن يكون جَدّاً أو عَمّ أو أخاً أو نحو ذلك من الأقارب، أو يكون أبو المولود قد ماتَ فتقوم أمّه مَقامَه، أو ماتت أمّه فقامَ أبوه في التَّربية مقامها. وأخرج البزَّار (١٩٠٩) من حديث أبي هريرة موصولا: ((مَن كَفَلَ يتيماً ذا قَرابةٍ أو لا قَرابةَ له)) وهذه الرِّواية تُفَسِّر المراد بالرِّواية التي قبلها. قوله: ((وأشارَ بِإِصْبَعَيَه السَّابة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((السَّاحة)) بمُهمَلةٍ بدلَ الموحّدة الثّانية، والسَّاحة: هي الأُصبُعِ التي تَلي الإبهام، سُمّيَت بذلك لأنَّهَا يُسبَّح بها في الصلاة فيُشار بها في التَّشَهُّد لذلك، وهي السَّابة أيضاً لأنَّها يُسَبُّ بها الشَّيطان حينئذٍ. قال ابن بَطّال: حَقّ على مَن سمعَ هذا الحديث أن يعمل به ليكونَ رَفيقَ النبيّ ◌َل﴾ في الجنَّة، ولا مَنزِلةً في الآخرة أفضل من ذلك. قلت: قد تقدَّم الحديث في كتاب اللِّعان (٥٣٠٤) وفيه: ((وفَرَّجَ بينهما)) أي: بين السَّبّابة والوُسطَى، وفيه إشارة إلى أنَّ بين درجة النبيّ ◌َّ﴿ وكافل اليتيمِ قَدْرَ تَفاوُتِ ما بين السَّبّابة والوُسطَى، وهو نَظِير الحديث الآخر: (بُعِثتُ أنا والساعة كَهاتَينِ)) الحديث(١)، وزَعَمَ بعضهم أنَّهِ وَّهِ لمَّا قال ذلك استَوتْ إِصبَعَاه في تلك الساعة ثمّ عادتا إلى حالهما الطَّبيعيَّة الأصليَّة تأكيداً لأمرٍ كفالة اليتيمِ. قلت: ومثل هذا لا يَتْبُت بالاحتمال، ويكفي في إثبات قُرْب المنزلة من المنزلة أنَّه ليس بين الوُسطَى والسَّابة إصبَع أُخرَى، وقد وَقَعَ في روايةٍ لأُمِّ سعيد المذكورة عند الطبرانيِّ: ((معي في الجنَّة كَهاتَينٍ)) يعني: المسبِّحة والوُسطَى ((إذا اتَّقَى)). ويحتمل أن يكون المراد قُرب المنزلة حالة دخول الجنَّة، لِمَا أخرجه أبو يَعْلى (٦٦٥١) من حديث أبي هريرة رَفَعَه: ((أنا أوَّل مَن يَفْتَح باب الجنَّة، فإذا امرأة تُبادِرني، فأقول: مَن أنتِ؟ فتقول: أنا امرأة تأيَّمْتُ على أيتام لي)) ورواته لا بأس بهم، وقوله: ((تُبادِرني)) أي: لتَدخُل معي أو تَدخُل في أثري. ويحتمل أن يكون المراد مجموع الأمرَينِ؛ سُرْعة الدُّخول، وعُلوَّ المنزلة. وقد أخرج أبو داود (٥١٤٩) (١) تقدم برقم (٤٩٣٦). ٣٥٧ باب ٢٥ / ح ٦٠٠٦ - ٦٠٠٦م كتاب الأدب من حديث عوف بن مالك رَفَعَه: «أنا وامرأة سَفْعاء الخَدَّينِ كَهاتَينِ يوم القيامة؛ امرأةٌ ذات مَنْصِب وجَال حَبَسَت نفسها على يَتاماها حتَّى ماتوا أو بانوا)) فهذا فيه/ قَيدٌ زائد، وتقييدُه في ٤٣٧/١٠ الرِّواية التي أشرتُ إليها بقولِه: ((اتَّقَى الله)) أي: فيما يَتَعلَّق باليتيمِ المذكور. وقد أخرج الطبرانيُّ في ((المعجَم الصَّغير)) (٢٤٤) من حديث جابر: قلتُ: يا رسول الله، مِمّا أضرِب منه يتيمي؟ قال: ((مِمَّ كنتَ ضارباً منه ولدَك غيرَ واقٍ مالَك بماله)) وقد زاد في رواية مالك المذكورة: ((حتَّى يَستَغني عنه))(١)، فيُستَفاد منه أنَّ للكَفالة المذكورة أمَداً. قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): لعلَّ الحكمة في كون كافل اليتيم شُبِّه في دخول الجنَّة، أو شُبِّهَت مَنزِلَته في الجنَّة بالقُربِ من النبيّ وَ ﴿ أو من مَنْزِلة النبيّ ◌َيْ لِكَونِ النبيِّ ◌َّ من شأنِهِ أن يُبعَث إلى قوم لا يَعْقِلونَ أمرَ دينهم، فيكون كافلاً لهم ومُعلِّماً ومُرشِداً، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة مَن لا يَعقِل أمرَ دِينِه بل ولا دُنياه، ويُرشِده ويُعلِّمه ويُحسِن أَدَبه، فِظَهَرَت مُناسَبة ذلك. انتهى مُلخَّصاً. ٢٥ - باب السَّاعي على الأرْمَلة ٦٠٠٦ - حذَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن صَفْوانَ بنِ سُلَيم، يرفعُه إلى النبيِّ وَّةِ، قال: ((الساعي على الأرملةِ والمِسْكينِ كالمجاهدِ في سبيلِ الله، أو كالّذي يصومُ النَّهَارَ ويقومُ اللَّيلَ». ٦٠٠٦°م- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ثَوْرِ بنِ زيدِ الدِّيلِيِّ، عن أَبيِ الغَيْثِ مولى ابنِ مُطِيعٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَ﴿ ... مِثْلَه. قوله: ((باب الساعي على الأرملة»، أي: في مصالحها. ذكر فيه حديث أبي هريرة موصولاً، وحديث صَفْوان بن سُلَیم مُرسَلاً، كلاهما من رواية مالك، وقد تقدَّم شرحه في كتاب النَّفَقات (٥٣٥٣). (١) هذا الحرف ليس في رواية مالك ٩٤٨/٢ المذكورة، وإنما هي في حديث مالك بن الحارث كما عند أحمد (٢٠٣٣٠)، وأبي يعلى (٩٢٦)، والطبراني (٦٦٨/١٩). ٣٥٨ باب ٢٦ -٢٧ / ح ٦٠٠٧ - ٦٠١٠ فتح الباري بشرح البخاري ٢٦ - باب السَّاعي على المِسْكين ٦٠٠٧ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن ثَوْرِ بنِ زيدٍ، عن أبي الغَيثِ، عن أبي هريرةَ عَ﴾، قال: قال رسولُ الله وََّ: ((الساعي على الأرمَلةِ والمِسْكينِ كالمجاهدِ في سبيلِ الله)) وأحسِبُه قال - يَشُكُ القَعْنبِيُّ -: ((كالقائمِ لا يَفْتُر، وكالصّائمِ لا يُفطِر)». قوله: ((باب الساعي على المِسْكين)) ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور قبله مُقتَصِراً عليه دونَ المرسَل، ووَقَعَ في هذه الرّواية: ((كالمجاهدِ في سبيل الله)) وأحسِبه قال - يَشُكّ القَعْنبيّ، وهو راويهٍ عن مالك -: ((كالقائم لا يَفتُّر)»، ولفظ الرّواية التي قبلها لإسماعيل بن أبي أُويس عن مالك: ((کالمجاهدِ أو کالذي يصوم)) الحديث، وقد تقدَّم بيان ذلك واضحاً في كتاب النَّفَقات (٥٣٥٣). ٢٧ - باب رَحْمة الناسِ والبهائم ٦٠٠٨ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا أيوبُ، عن أبي قلابةَ، عن أبي سليمانَ مالكِ ابنِ الحَوَيرِثِ، قال: أتينا النبيَّ ◌َ﴿ ونحنُ شَبَبَةٌ مُتَقاربونَ، فَأَقَمْنا عندَه عِشْرِينَ ليلةً، فظنَّ أنّا اشتَقْنا أهلَنا، وسألَنا عمَّن تَرَكْنا في أهلِنا فأخبَرْناه، وكان رَقِيقاً رَحِيماً، فقال: ((ارجِعُوا إلى أهلِيكُم، فعَلِّمُوهم ومُرُوهم وصَلُّوا كما رأيتُمُوني أُصَلّى، وإذا حَضَرَتِ الصلاةُ فَلْيُؤَذِّن لكم أحدُكُم، ثمَّ ليَؤُمَّکم أكبرُكُم)). ٦٠٠٩ - حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثني مالكٌ، عن سُمَيِّ مولى أبي بكرٍ، عن أبي صالحِ السَّانِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((بينما رجلٌ يَمْشِي بطريقِ اشتَّ عليه العَطَشُر، فوَجَدَ بثْراً فنزلَ فيها فَشَرِبَ، ثمَّ خَرَجَ فإذا كَلْبُ يَلْهَثُ يأكلُ الثَّرَى مِنَ العَطَئِ، فقال الرجلُ: لقد بَلَغَ هذا الكَلْبَ منَ العَطَشِ مِثْلُ الذي كان بَلَغَ بي، فنزلَ الِثْرَ فَمَلأَ خُفَّه ثمَّ أمسَكَه بِفِيهِ فِسَقَى الكَلْبَ، فشَكَرَ اللهُ له فِغَفَرَ له)» قالوا: يا رسولَ الله، وإنَّ لنا في البَهائمِ أجْراً؟ فقال: ((في كلِّ ذات كَبِدِ رَطْيةٍ أجْرٌ)». ٦٠١٠- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: قامَ رسولُ الله ◌َِّفي صلاةٍ وقُمْنا معه، فقال أعرابٌّ وهو في الصلاةِ: ٣٥٩ باب ٢٧ / ح ٦٠١١- ٦٠١٣ كتاب الأدب اللهمَّ ارَمْني ومحمَّداً ولا تَرْحَم مَعَنا أحداً، فلمَّا سَلَّمَ النبيُّ وَّرَ قال للأعرابيّ: ((لقد حَجَّرْتَ واسِعاً)) يريدُ: رحمةَ الله. ٦٠١١ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زكريًّا، عن عامرٍ، قال: سمعتُه يقول: سمعتُ الثُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ يقول: قال رسولُ الله ◌َّهَ: «تَرَى المؤمنينَ في تَراءُهم وتَوادِّهِم وتَعَاطُفِهِم كَمَثَلِ الجَسَدِ، إذا اشتكَى عُضْوٌ تَداعَى له سائرُ جَسَدِه بالسَّهَرِ والحُمَّى)). ٦٠١٢ - حذَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن قَتَادَ، عن أنسِ بنِ مالكِ، عن النبيِّ ◌َِّ قال: ((ما من مُسلمٍ غَرَسَ غَرْساً فأكَلَ منه إنسانٌ أو دابٌ إلا كان له صَدَقً)». ٦٠١٣ - حدَّثْنَا عُمرُ بنُ حَفْصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثْنا الأعمَثُ، قال: حدَّثني زیدُ بنُ وَهْب، قال: سمعتُ جَرِيرَ بنَ عبدِ الله، عن النبيِّ وَّ، قال: ((مَن لا يَرَحمُ لا يُرْحَمْ)). [طرفه في: ٧٣٧٦] قوله: ((باب رَحْمة الناس والبهائم))، أي: صُدُور الرَّحمة من الشّخص لغيره، وكأنَّه أشارَ إلى ٤٣٨/١٠ حديث ابن مسعود رَفَعَه قال: ((لن تُؤمِنوا حتَّى تَراحَموا))، قالوا: كلّنا رحيمٌ يا رسول الله، قال: ((إنَّه ليس برَحمةِ أحدِكم صاحبه، ولكنَّها رحمةُ الناس، رحمة العامّة)) أخرجه الطبرانيُّ ورجاله ثقات(١). وقد ذكر فيه أحاديث: الأوَّل: حديث مالك بن الحُويرِث وفيه: ((وصَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلِي)) وقد سَبَقَ شرحُه في كتاب الصلاة (٦٢٨ و٦٨٥)، والغرض منه هنا قوله: ((وكان رَقيقاً رحيماً)) وهو للأكثر بقافَيْنِ، من الرِّقّة، وللقاسيِّ والأُصِیليّ والگُشْمِیھنیّ: بفاءِ ثمَّ قاف، من الرِّفق. وقوله: (شَيَبة)) بفتح المعجَمة والموحّدة جمع شابٌ مِثل: بارّ وبَرَرة. (١) أخرجه الطبراني في ((الکبیر)) كما في («مجمع الزوائد» للھیثمي ١٨٦/٨-١٨٧، ولکنه من حديث أبي موسى الأشعري، وليس كما قال الحافظ من حديث ابن مسعود، وأخرجه بنحوه أيضاً من حديث أبي موسى الأشعري: النسائي في ((الكبرى)) (٥٩٢٨)، والحاكم في ((المستدرك)» ١٦٧/٤-١٦٨. ٣٦٠ باب ٢٧ / ح ٦٠١٣ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((فقال: ارجِعوا إلى أهليكم فعَلِّموهم)) وفي الرِّواية الأُخرى (٨١٩): ((لو ٤٣٩/١٠ رجَعتُم / إلى أهليكم فعَلَّمتُموهُم)) اسْتَدَلَّ به ابن التِّين على أنَّ الهجرة قبل الفتح لم تكن واجبة على الأعيان بل على البعض، وفيه نظرٌ، ومن أين له أنَّ وفود مالك ومَن معه كان قبل الفتح؟ وقوله: ((وصَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلّى)) حَكَى ابن التِّين عن الدَّاوُوديِّ: أنَّ فيه دلالة على إمامَة الصِّبیان، وزَيَّفَه فأجادَ. الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: ((في كلّ ذات كَبِدِ رَطْيةٍ أجر)) وفيه قصَّة الرجل الذي سَقَى الكلب، وقد تقدَّم شرحه في أواخر كتاب الشُّرب (٢٣٦٣) قُبَيل كتاب الاستقراض، والرُّطوبة هنا كِناية عن الحياة، وقيل: إنَّ الكَبِد إذا ظَمِئَت تَرَطَّبَت، بدليلِ أنَّهَا إذا أُلقيَت في النار ظَهَرَ منها الرَّشح، والسَّبَب في ذلك أنَّ النار تُخرِج منها رُطوبَتها إلى خارج، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق (٣٣٢١) أنَّ القصَّة المذكورة وَقَعَ نحوُها لامرأةٍ، وُلَ على التعذُّد. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة أيضاً في قصَّة الأعرابيّ الذي قال: اللهمَّ ارَمْني ومحمَّداً، وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في كتاب الوضوء (٢٢٠)، وأنَّه الذي بالَ في المسجد، وأنَّه ذو الخُوَيصِرة اليَمَانيّ، وقيل: الأقرع بن حابس. وأخرج ابن ماجَهْ (٥٢٩) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٩٨٥) من وجه آخر عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة قال: دَخَلَ الأعرابيُّ المسجد فقال: اللهمَّ اغفر لي ولمحمَّدٍ ولا تَغْفِرِ لأحدٍ مَعَنا، فقال النبيُّ وَّ: ((لقد احتَظَرَت واسعاً)) ثمَّ تَنَخَّى الأعرابيّ فبالَ في ناحية المسجد .. الحديث قوله: ((لقد حَجَّرْت واسِعاً، يريد: رحمة الله)) حَجَّرت بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم ثقيلة ثمَّ راءٍ، أي: ضَيَّقْت، وزناً ومعنّى، ورحمة الله واسعة كما قال تعالى، واتَّفَقَّتِ الرِّوايات على أنَّ((حَجَّرت)) بالرَّاءِ، لكن نَقَلَ ابن التِّين أنَّها في رواية أبي ذرِّ بالزّاي، قال: وهما بمعنّى، والقائل: ((يريد رحمة الله)) بعضُ رواته، وكأنَّه أبو هريرة، قال ابن بَطّال: أنكَرَ وَّهِ على الأعرابيّ لكَونِهِ بَخِلَ برحمة الله على خَلْقه، وقد أثنَى الله تعالى على مَن فعل خِلاف ذلك حيثُ قال: ﴿وَأَلَّذِينَ جَآءُو