Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
باب ٧١ / ح ٥٩٢١
كتاب اللباس
وأخرجه الترمذيّ(١) من رواية حمّاد بن زید عن عُبيد الله بن عمر عن نافع، لم يذكُر عمرَ
ابن نافع، وهو مقلوب، وإنَّما هو عند حمّاد بن زيد عن عبد الرَّحمن السَّاج عن نافع أخرجه
مسلم (٢١٢٠)، وقد أخرجه مسلم (٢١٢٠) والنَّسائيُّ (٥٢٣٠-٥٢٣١) وابن ماجَهْ
(٣٦٣٧)، وابن حبان (٦ ٥٥٠) وغيرهم من طرق متعدِّدة عن عُبيد الله بن عمر بإثبات عمر
ابن نافع، ورواه سفيان بن عُيَينةَ ومُعتَمِر بن سليمان ومحمَّد بن عُبيد عن عبيد الله بن عمر
بإسقاطه، و کأنّهم سلكوا الجادّة، لأنَّ ◌ُبيد الله بن عمر معروف بالرِّواية عن نافع مُكثِر عنه،
والعُمْدة على مَن زاد عمر بن نافع بينهما، لأنَّهم حُفّاظ، ولا سيَّما فيهم مَن سمعَ مِن نافع
نفسه کابنِ جُرَیج، والله أعلم.
قوله: ((سمعت رسول الله وَل﴿ يَنْهَى عن القَزَع)) في رواية مسلم: أنّ رسول الله وَ لْ نَهَى
عن القَزَع.
قوله: ((قال عُبيد الله: قلت: وما القَزَعُ؟)) هو موصول بالإسناد المذكور، وظاهره أنَّ المسؤول
هو عمر بن نافع، لكن بيَّن مسلم أنَّ عُبيد الله إنَّما سألَ نافعاً، وذلك أنَّه أخرجه (٢١٢٠) من
طريق يحيى القَطّن عن عُبيد الله بن عمر: أخبرني عمرُ بن نافع عن أبيه، فذكر الحديث قال:
قلت لنافعٍ: وما القَزَع؟ فذكر الجواب.
(«فأشارَ لنا عُبيد الله قال: إذا حَلَقَ الصبيّ وتَرَكَ هاهُنا شعرة، وهاهُنا وهاهُنا، فأشارَ لنا ◌ُبيد الله
إلى ناصیته، وجانبي رأسه)) المجيب/ بقوله: «قال: إذا حلق)) هو نافع، وهو ظاهر سياق مسلم من ٣٦٥/١٠
طريق يحيى القَطّان المذكورة، ولفظه: ((قال: يُحِلَق بعض رأس الصبيّ ويُتَرَك بعضٌ)).
قوله: (قيلَ لعُبيدِ الله) لم أقِفْ على تسمية القائل، ويحتمل أن يكون هو ابن جُرَيج أبهَمَ نفسه.
قوله: ((فالجاريةُ والغلامُ؟» كأنَّ السائل فَهِمَ التَّخصيص بالصبيِّ الصَّغير، فسألَ عن الجارية
الأُنْتَى وعن الغلام، والمراد به غالباً المراهق.
(١) كذا قال، والصواب أنه أخرجه النسائي (٥٢٢٨) من طريق حماد بن زيد عن عبيد الله ... وانظر ((تحفة
الأشراف)) (٧٨٧٥).
٢٢٢
باب ٧١ / ح ٥٩٢١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((قال عُبيد الله: وعاودتُه)) هو موصول بالسَّنَد المذكور، كأنَّ عُبيد الله لمَّا أجابَ
السائل بقوله: لا أدري، أعاد سؤال شيخه عنه، وهذا يُشعِر بأنّه حدَّث عنه به في حال حياته،
وقد أخرج مسلم الحديثَ من طريق أبي أُسامة عن عُبيد الله بن عمر، قال: وجَعَلَ النَّفسير من
قول عُبيد الله بن عمر. ثمَّ أخرجه من طريق عثمان الغَطَفانيّ ورَوْح بن القاسم كلاهما عن عمر
ابن نافع قال: ((وألحقا التَّفسير في الحديث)) يعني: أدرَجاه، ولم يَسُق مسلم لفظه، وقد أخرجه
أحمد (٤٤٧٣) عن عثمان الغَطَفانيّ ولفظه: ((نَهَى عن القَزَع، والقَزَعُ أن يُحلَق)) فذكر التَّفسير
مُدرَجاً، وأخرجه أبو داود (٤١٩٣) عن أحمد.
وأمَّا رواية رَوْح بن القاسم فأخرجها مسلم، وأبو نُعَيم في ((المستخرَج))، وقد أخرجه مسلم
من طريق عبد الرَّحمن السَّاج عن نافع ولم يَسُق لفظه، وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من
هذا الوجه فحَذَفَ التَّفسير، وأخرجه مسلم أيضاً من طريق مَعمَر عن أيوب عن نافع ولم يَسُق
لفظه، وهو عند عبد الرَّزّاق في «مُصنَّفَه)) (١٩٥٦٤) عن مَعمَر، وأخرجه أبو داود (٤١٩٥)
والنَّسائيُّ (٥٠٤٨)، وفي سياقه ما يدلّ على مُستَنَد مَن رَفَعَ تفسير القَزَع، ولفظه: أنَّ النبيَّ وَل
رأى صبيّاً قد حُلِقَ بعض رأسه وتُركَ بعضه، فنَهاهم عن ذلك، فقال: ((احلِقوا كلَّه أو ذَروا
كلَّه). قال النَّوويّ: الأصحّ أنَّ القَزَع ما فَشَّرَه به نافع، وهو حَلقُ بعض رأس الصبيّ مُطلَقاً،
ومنهم مَن قال: هو حَلقُ مواضع مُتَفرِّقة منه، والصَّحیح الأوَّل لأنّه تفسير الراوي، وهو غیر
مخالف للظّاهِرِ فَوَجَبَ العَمَلُ به. قلت: إلّا أنَّ تخصيصه بالصبيِّ ليس قَيداً.
قال النَّوويّ: أجمعوا على كراهيته إذا كان في مواضع مُتَفرِّقة إلّا للمُداواة أو نحوها، وهي
كراهة تنزيه، ولا فرقَ بين الرجل والمرأة، وكَرِهَه مالك في الجارية والغلام، وقيل في رواية لهم:
لا بأس به في القُصَّة والقَفَا للغلام والجارية، قال: ومذهبنا كراهَتُهُ مُطلَقاً. قلت: حُجَّته ظاهرة
لأَنَّه تفسير الراوي، واختُلِفَ في عِلّة النَّهي، فقيل: لكَونِه يُشَوِّه الخِلقة، وقيل: لأَنَّه زِيّ الشّيطان،
وقيل: لأنّه ◌ِيّ اليهود، وقد جاء هذا في رواية لأبي داود (٤١٩٧).
قوله: ((أمَّا القُصّة والقَفَا للغلام فلا بأس بهما)» القُصّة بضمِّ القاف ثمَّ المهمَلة، والمراد بها
٢٢٣
باب ٧٢ / ح ٥٩٢٢
كتاب اللباس
هنا: شَعرُ الصُّدْغَينِ، والمراد بالقَفَا: شعر القَفا، والحاصل منه: أنَّ القَزَع مخصوص بشَعرِ
الرَّأس، وليس شَعرُ الصُّدغَيْنِ والقَفا من الرَّأس. وأخرج ابن أبي شَيْبة من طريق إبراهيم
النَّخَعيِّ قال: لا بأس بالقُصّة(١)، وسنده صحيح، وقد تُطلَق القُصّة على الشَّعر المجتَمِع
الذي يُوضَع على الأُذُّن من غير أن يُوصَل بشعر الرَّأس، وليس هو المرادَ هنا، وسيأتي الكلام
عليه في ((باب الموصولة))(٢).
وأمَّا ما أخرجه أبو داود (٤١٩٤) من طريق حمّاد بن سَلَمة عن أيوب عن نافع عن ابن
عمر قال: نَهَى النبيُّ ◌َِّ عن القَزَع، وهو أن يُحلَق رأس الصبيّ ويُتَّخَذ له ذُؤابة؛ فما أعرِفُ
الذي فَسَّرَ القَزَع بذلك، فقد أخرج أبو داود (٤١٩٦) عَقِبَ هذا من حديث أنس: كانت
لي ذُؤابة، فقالت أمّي: لا أَجُزُّها، فإنَّ رسول الله ◌ِِّ كان يَمُدّها ويأخُذ بها، وأخرج
النَّسائيُّ (٥٠٦٥) بسندٍ صحيح عن زياد بن حُصَينٍ عن أبيه: أَنَّه ◌َتَى النبيّ ◌َّهِ فَوَضَعَ يده على
ذُوابَته، وسَمَّتَ عليه ودعا له، ومن حديث ابن مسعود (٥٠٦٤) وأصله في ((الصحيحين))(٣)
قال: قرأت مِن في رسول الله {آل﴾ سبعين سورة وإنَّ زید بن ثابت مع الغلمان له ذُؤابتان. ويُمكِن
الجمع: بأنَّ الذُّؤابة الجائز اتّخاذها: ما يُفرَد من الشَّعر فيُرسَل، ويُجمَع ما عَدَاها بالضَّفْرِ وغيره،
والتي تُمنَعَ أن يُحلَقِ الرَّأس كلّه ويُتْرَكُ ما فِي وَسَطه فيُتَّخذ ذُؤابة، وقد صَرَّحَ الخطَّبيُّ بأنَّ/ هذا ممّا
يَدخُل في معنى القَزَع، والله أعلم.
٣٦٦/١٠
٧٢ - باب تطييب المرأة زوجها بیدیها
٥٩٢٢- حدَّثني أحمدُ بنُ محمَّدٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ، أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ
القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: طَيِّتُ النبيَّ ◌ََّ بَيَدَيَّ لِحُرْمِهِ، وطَيَّتُه بِمِنَى قبلَ أن يُفِيضَ.
(١) كذا نقل الحافظ عن إبراهيم النخعي، ولم نقف علیه عند ابن أبي شيبة ولا عند غيره، ویغلب على ظننا أنه واهمٌ
في نقله، وأنَّ الصواب: لا بأس بالعِقْصة تُوضَع وضعاً، هكذا أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٨/ ٤٩٠ عن
إبراهيم النخعي، والعِقصة والعقيصة: الضفيرة من الشعر.
(٢) باب رقم (٨٤).
(٣) البخاري (٥٠٠٠)، ومسلم (٢٤٦٢).
٢٢٤
باب ٧٣ / ح ٥٩٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب تطييب المرأة زوجَها بيَدَيها)) كأنَّ فقه هذه التَّرجمة من جهة الإشارة إلى
الحديث الوارد في الفرق بين طِيب الرجل والمرأة، وأنَّ طِيب الرجل ما ظَهَرَ ريحُه وخَفِيَ لونُه،
والمرأة بالعكس، فلو كان ذلك ثابتاً لامتَنَعَتِ المرأة من تطييب زوجها بطيبه لما يَعلَق بَيَدَيها وبَدَنها
منه حالةَ تطييبها له، وكان يكفيه أن يُطيِّب نفسه، فاستَدَلَّ المصنِّف بحَديثِ عائشة المطابق
للتَرجمة، وقد تقدَّم مشروحاً في الحجّ (١٥٣٩)، وهو ظاهر فيما تَرجَمَ له.
والحديث الذي أشارَ إليه أخرجه التِّرمِذيّ (٢٧٨٨) وصَحَّحَه الحاكم (١٩١/٤) من
حديث عِمران بن حُصَينٍ، وله شاهد عن أبي موسى الأشعريّ عند الطبرانيِّ في ((الأوسط))
(٦٩٨)، ووجه التَّفرقة: أنَّ المرأة مأمورة بالاستتار حالة بُروزها من مَنزِلها، والطِّيب الذي
له رائحة لو شُرِعَ لها كانت فيه زيادةٌ في الفتنة بها، وإذا كان الخبر ثابتاً، فالجمع بينه وبين
حديث الباب: أنَّ لها مندوحةً أن تَغسِل أثرَه إذا أرادتِ الخروج، لأنَّ مَنْعها خاصّ بحالة
الخروج، والله أعلم.
وألحَقَ بعض العلماء بذلك: لُبسَها النَّعَلَ الصَّارة، وغيرَ ذلك ممَّا يَلِفِت النَّظَر إليها.
وأحمد بن محمَّد شيخُ البخاريّ فيه: هو المروزيّ، وعبد الله: هو ابن المبارك، ويحيى: هو
ابن سعيد الأنصاريّ.
قوله: ((طيّتُهُ بِيَدَيَّ لحُرْمِهِ، وطيّتُهُ بِيَدَيَّ بمِنَّى قبل أن يُفِيض)) سيأتي بعد أبوابٍ (٥٩٣٠)
من وجه آخر عنها: أنَّها طيََّته بذَرِيرةٍ.
٧٣ - باب الطِّيب في الرّأس واللّحية
٥٩٢٣- حدَّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرِ، حدَّثنا يحيى بنُ آدَمَ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ،
عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الأسوَدِ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: كنتُ أَطيِّبُ النبيَّ وَّهِ بِأَطيَبٍ ما
أَجِدُ، حتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّبِ في رأسِه ولحيتِه.
قوله: ((باب الطِّيب في الرّأس واللَّحْية)) إن كان ((باب)) بالتَّوين، فيكون ظاهر التَّرجمة الحَصْرِ
في ذلك، وإن كان بالإضافة، فالتَّقدير: باب حُكْم الطّيب، أو مشروعيَّة الطِّيب.
٢٢٥
باب ٧٤ / ح ٥٩٢٤
كتاب اللباس
قوله: ((حدَّثني إسحاق بن نَصْر)) هو ابن إبراهيم بن نَصر، نَسَبه إلى جَدّه، وإسرائيل: هو
ابن يونس، وأبو إسحاق: هو السَّبيعيّ.
قوله: ((بأطيَبٍ ما أجِدُ)) يُؤيِّد ما ذكرته في الباب الذي قبله، ولعلَّه أشارَ بالتَّرجمة إلى
الحديث المذكور(١) في التَّعْرِقة بين طِيب الرّجال والنِّساء، وقال ابن بَطّال: يُؤخَذ منه أنَّ طِيب
الرِّجال لا يُجِعَل في الوجه بخِلَاف طيب النِّساء، لأَّهُنَّيُطِيِّنَ وجوههنَّ ويَتَزَيَّنَّ بذلك بخِلَاف
الرِّجال، فإنَّ تطييبَ الرجل في وجهه لا يُشرَع، لمنعِه من التَّشَبُّه بالنِّساءِ.
٧٤ - باب الامتشاط
٥٩٢٤- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن الزُّهْريِّ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ:
أنَّ رجلاً اطَّلَعَ من جُحْرٍ في دارِ النبيِّ وَّهِ، والنبيُّ ◌َ يَحُكُّ رَأْسَه بالمِذْرَى، فقال: ((لو عَلِمتُ أنَّكَ
تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بها فِي عَينِكَ، إِنَّا جُعِلَ الإِذْنُ من قِبَلِ الأبصارِ)).
[طرفاه في: ٦٢٤١، ٦٩٠١]
قوله: (باب الامْتِشاط)) هو افتعالٌ من المَشْط بفتح الميم: وهو تسريح الشَّعر بالمُشْط، وقد ٣٦٧/١٠
أخرج النَّسائيُّ (٢٣٨) بسندٍ صحيح عن حُميدٍ بن عبد الرّحمن: لَقِيتُ رجلاً صَحِبَ النبيّ وَّل
كما صَحِبَه أبو هريرة أربع سنين، قال: نَهانا رسول الله وَ ﴿ أن يَمشُط أحدُنا كلّ يوم، ولأصحاب
(السُّنَن))(٢) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٤٨٤) من حديث عبد الله بن مُغفّل: أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كان يَنھَی
عن التَّرَجُّل إلّا غِيّاً، وفي ((الموطَّأ)) (٩٤٩/٢) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسارِ: أنَّ
رسول الله وَل﴾ رأى رجلاً ثائر الرَّأس واللِّحية، فأشارَ إليه بإصلاح رأسه ولحيته، وهو مُرسَل
صحیح السَّنَد، وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو داود (٤٠٦٢) والنَّسائيُّ (٥٢٣٦) بسندٍ
حسن، وسأذكر طرقَ الجمع بين مُخْتَلَف هذه الأخبار في ((باب التَّرَجُل))(٣).
(١) ذكره في الباب السابق.
(٢) أبو داود (٤١٥٩)، والترمذي (١٧٥٦)، والنسائي (٥٠٥٥).
(٣) باب رقم (٧٦).
٢٢٦
باب ٧٤ / ح ٥٩٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن سَهْل بن سَعْد)) في رواية اللَّيث عن ابن شِهاب: أنَّ سهل بن سعد أخبَرَه،
وسيأتي في الدِّيات (٦٩٠١).
قوله: ((أنَّ رجلاً)) قيل: هو الحكم بن أبي العاص بن أُميَّة والد مروان، وقيل: سعدٌ غيرُ
منسوب، وسأوضّحُ ذلك في كتاب الدّيات إن شاء الله تعالى.
وقوله: ((اطَّلَعَ)) بتشديد الطاء، والجُحْر بضمِّ الجيم وسكون المهمَلة، والمدرَی بکسر
الميم وسكون المهمَلة: عود تُدخِله المرأة في رأسها لتَضُمَّ بعض شعرها إلى بعض، وهو
يُشبِهِ الِسَلّة، يقال: تَدَرَّتِ (١) المرأة: سَرَّحَت شعرَها، وقيل: مُشطٍّ له أسنان يسيرة، وقال
الأصمَعيّ وأبو عُبيد: هو المُشْط، وقال الجَوْهريّ: أصل المِدرَى: القَرْن، وكذلك المِدراة،
وقيل: هو عود أو حديدة كالخِلَال لها رأس مُحدَّد، وقيل: خَشبة على شكل شيء من أسنان
المُشْط ولها ساعِدٌ، جَرَت عادة الکبیر أن يُحُكَّ بها ما لا تَصِلُ إلیه یده من جسده، ويُسَرِّح بها
الشَّعر الملبَّد مَن لا يَحِضُرُه المُشْط.
وقد وَرَدَ في حديث لعائشة ما يدلّ على أنَّ المِدرَى غيرُ المُشْط، أخرجه الخطيب
في ((الكِفاية)) عنها قالت: خمسٌ لم يكن النبيّ ◌َ﴿ يَدَعُهُنَّ فِي سَفَرٍ ولا حَضَر: المِرآة
والمُكْحُلة والمُشْط والمِدَرَى والسِّواك)) وفي إسناده أبو أُميَّة بن يَعْلى، وهو
ضعيف(٢)، وأخرجه ابن عَديّ (١/ ٣٥٥) من وجه آخر ضعيف أيضاً. وأخرجه
الطبرانيُّ في ((مُسنَد الشّاميّينَ)) (٢٥) من وجه آخر عن عائشة أقوى من هذا، لكن فيه:
((قارورة دُهن)) بَدَل المِدرَى، وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٦٣٦٧) من وجه آخر عن
عائشة: كان لا يُفارِق رسول اللهِ وَله سواكُه ومُشطُه، وكان يَنظُر في المرآة إذا سَرَّحَ
لحيته، وفيه سليمان بن أرقَمَ وهو ضعيف، وله شاهد من مُرسَل خالد بن مَعْدانَ أخرجه
ابن سعد (٤٨٤/١).
(١) تحرَّفت في (س) والأصلين إلى: مدرت، بالميم في أوله، والذي في معاجم اللغة: تَدرَّت، كما أثبتنا.
(٢) لم نقف عليه في ((الكفاية))، وهو في ((الجامع لأخلاق الراوي)) له ١/ ٣٨٧، وأخرجه أيضاً من طريق أبي
أمية بن يعلى: الطبراني في «الأوسط)» (٥٢٤٢)، وابن عدي في ((الكامل» ٣١٦/١.
٢٢٧
باب ٧٥ / ح ٥٩٢٥-٥٩٢٥م
كتاب اللباس
وقرأت بخَطِّ الحافظ اليَغْموري(١) عن عُلَماء الحِجاز: المِدرَى تُطلَق على نوعينِ:
أحدهما: صغير يُتَّخَذ من آبنُوس أو عاج أو حديد، يكون طولَ المِسَلّة يُتَّخَذ لفَرقِ الشَّعر
فقط، وهو مُستَدير الرَّأس على هَيْئة نَصْلِ السَّيف بقَبضةٍ، وهذه صِفَته : •ا.
ثانيهما: كبير، وهو عود مخروط من آبٌنوس أو غيره، وفي رأسه قطعة منحوتة في قَدْر
الكَفّ، ولها مِثل الأصابع، أُولاهُنَّ مُعوَجّة مِثل حَلْقة الإبهام المستَعمَل للتَّسريح، ويَحٌُ
الرَّأس والجسد وهذه صِفَتِه: مـ[، انتهى مُلخَّصاً.
قوله: (تَنَتَظِرِ)) كذا لهم وللكُشْمِيهنيِّ: ((تَنظُرُ))، وهي أَولى، والأُخرى بمعناها، وللإسماعيليِّ:
((لو علمتُ أنَّك تَطَّلِعٍ عليَّ)).
وقوله: ((من قِبَل)) بكسر القاف وفتح الموحّدة، أي: من جهة، والأبصار بفتح أوَّله:
جمع بَصَرٍ، وبكسره مصدر أبصَرَ، وفي رواية الإسماعيليّ: ((من أجل البَصَر)»/ بفتحَتَين، أي: ٣٦٨/١٠
الزُّؤية.
٧٥ - باب تر جیل الحائض زوجَها
٥٩٢٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ،
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كنتُ أُرَجِّلُ رأسَ رسولِ اللهِوٍَّ وأنا حائضٌ.
٢٥٩٢٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً ...
مِثْلَه.
قوله: ((باب تَرْجيل الحائض زوجَها)) أي: تسريحها شَعرَه.
ذكرفيه حديث مالك عن ابن شِهاب وهشام بن عُرْوة - فَرَّقَهما - كلاهما عن عُرْوة عن
عائشة، وقد تقدَّم في الطُّهارة (٢٩٥) عن عبد الله بن یوسف الذي أخرجه عنه هنا عن مالك
عن الزُّهْريِّ فقط، والحديث في ((الموطّا)) (٦٠/١) هكذا مُفرَّقاً عند أكثر الرُّواة، ورواه خالد بن
(١) تحرَّف في (س) إلى: اليعمري، والحافظ اليغموري: هو يوسف بن أحمد بن محمود الغموري، أبو
المحاسن الأسدي الدمشقي، توفي سنة ٦٧٣هـ. انظر ((الوافي بالوفيات)) للصفدي ٤١/٢٩.
٢٢٨
باب ٧٦ / ح ٥٩٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
◌َخَلَد وابن وهب ومَعْن بن عيسى وعبد الله بن نافع وأبو حُذَافة عن مالك عن ابن شِهاب
وهشام بن عُرْوة جميعاً عن عُرْوة، أخرجها الدَّارَقُطنيُّ في ((الموطََّت)).
قوله: «كنت أرجِّل رأسَ رسول الله ◌ِ لاله وأنا حائض)» كذا عند جميع الرُّواة عن مالك، ورواه
أبو حُذافة عنه عن هشام بلفظ: أنَّها كانت تَغْسِل رأس رسول الله وَله وهو مُجَاوِرٌ في المسجد
وهي حائض يُخْرِجه إليها، أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ أيضاً.
٧٦- باب التّجیل، والتیمُّن فیه
٥٩٢٦- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أشعَثَ بنِ سُلَيم، عن أبيه، عن مسروقٍ، عن
عائشةَ، عن النبيِّ وَهِ: أنَّه كان يُعْجِبُه التيمُّنُ ما استَطاعَ في تَرَجُلِهِ وُضوئِه.
قوله: (باب التَّرجيل، والتيمُّن فيه) ذكر فيه حديث عائشة: ((كان يعجبه التيمنُ في تنعله
وترجله))، وقد تقدم شرحه في الطهارة (١٦٨)، والتيمُّن في التَّرَجُل: أن يَبدَأ بالجانبِ
الأيمَن وأن يفعله باليُمنَى، قال ابن بَطّال: التَّرجيل: تسريح شعر الرَّأس واللِّحية ودَهْنه،
وهو من النَّظافة وقد نَدَبَ الشَّرع إليها، وقال الله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ مِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
[الأعراف: ٣١].
وأمَّا حديث النَّهي عن التَّرَجُّل إلّا غِبّاً - يعني: الحديث الذي أشرتُ إليه قريباً(١) -
فالمراد به ترك المبالَغة في الثَّرقُّه، وقد روى أبو أُمامةَ بن ثَعْلبة رَفَعَه: ((البَذَاذة من الإيمان)»
انتهى. وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود (٤١٦١)، والبَذَاذة بموخَّدةٍ ومُعجَمتَينٍ:
رَثَائة الهيئة، والمراد بها هنا: ترك الثَّرَقُّه والتَّنَطُّع في اللِّباس والتَّواضُع فيه مع القُدرة، لا
بسبب جهدنعمة الله تعالی.
وأخرج النَّسائيُّ (٥٢٣٩) من طريق عبد الله بن بُرَيدة: أنَّ رجلاً من الصحابة يقال له:
عُبيد، قال: كان رسول الله وَّه يَنْهَى عن كثيرٍ من الإرفاه، قال ابن بُرَيدة: الإرفاه: التَّرجُل.
قلت: الإرفاه بكسر الهمزة وبفاءٍ وآخره هاء: التَّقُّم والرَّاحة، ومنه: الرَّفَه بفتحَتَينِ، وقَيَّدَه في
(١) تقدم في باب (٧٤): الامتشاط.
٢٢٩
باب ٧٧ / ح ٥٩٢٧
كتاب اللباس
الحديث بالكثير إشارةً إلى أنَّ الوسط المعتَدِل منه لا يُذَمّ، وبذلك يُجمَع بين الأخبار، وقد
أخرج أبو داود (٤١٦٣) بسندٍ حسن عن أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن كان له شَعرٌ فليُكرِمه))، وله
شاهد من حديث عائشة في ((الغَيلانّات)) (٧٦٦) وسنده حسن أيضاً.
٧٧- باب ما يُذكر في المسك
٥٩٢٧- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ابنِ
المسيّبِ، عن أبي هريرةَ ◌َُه، عن النبيِّ وَلَ قال: ((كلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ له إلّا الصومَ، فإِنَّه لي وأنا أَجْزِي
به، ولَخُلُوفُ فمِ الصّائِمِ أَطِيَبُ عندَ الله من رِيحِ المِسْكِ)).
قوله: ((باب ما يُذكَر في المِسْك)) قد تقدَّم التَّعريف به في كتاب الذَّبائح حيثُ تَرجَمَ له ٣٦٩/١٠
(باب المِسك))(١)، وأورد هنا حديث أبي هريرة رَفَعَه: «كلّ عَمَل ابن آدم له إلّا الصوم)»
الحديث، من أجل قوله: ((أطيبُ عند الله من ريح المسك))، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب
الصيام (١٨٩٤).
وقوله هُنا: «فإنَّه لي وأنا أجزي به)) ظاهر سياقه أنَّه من كلام النبيّ ێ، وليس كذلك،
وإنَّما هو من كلام الله عزَّ وجلّ، وهو من رواية النبيّ وََّ عن رَبّه عزَّ وجلَّ، كذلك أخرجه
المصنّف في التَّوحيد (٧٥٣٨) من رواية محمَّد بن زياد عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ◌َلِ﴿ قال - يَروِيه
عن رَبِّكم عزَّ وجلَّ - ((قال: لكلِّ عَمَلِ كَفَّارة، فالصوم لي وأنا أَجزي به)) الحديث.
وأخرجه الشَّيخان(٢) من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبيّ ◌َّم قال:
((كلُّ عَمَل ابن آدم يُضاعَف، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْف، قال الله عزَّ وجلَّ:
إلّا الصومَ، فإنَّه لي وأنا أَجزي به))، ولمسلم (١١٥١/ ١٦٥) من طريق ضِرار بن مُرّة عن أبي
صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله وَاله: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: إنَّ الصوم
لي، وأنا أجزي به)).
(١) باب رقم (٣١).
(٢) البخاري (٧٤٩٢)، ومسلم (١١٥١) (١٦٤)، واللفظ لمسلم.
٢٣٠
باب ٧٧ / ح ٥٩٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّم شرح هذا الحديث مُستَوقّى في كتاب الصيام مع الإشارة إلى ما بيَّنتُ هنا،
وذكرتُ أقوال العلماء في معنى إضافتِه سبحانه وتعالى الصيامَ إليه بقولِه: ((فإنَّه لي))، ونَقَلتُ
عن أبي الخير الطالقانيّ: أنَّه أجابَ عنه بأجوبةٍ كثيرة نحو الخمسينَ، وأنَّني لم أقِفْ عليه،
وقد يَسَّرَ الله تعالى الوقوفَ على كلامه، وتَبَّعت ما ذكره مُتْأمِّلاً فلم أجِدْ فيه زيادة على
الأجوبة العشرة التي حَرَّرتها هناك إلّا إشارات صوفيَّة وأشياء تكرَّرت معنّى وإن تَغايرَت
لفظاً، وغالبها يُمكِّن رَدُّها إلى ما ذكرته، فمن ذلك قوله: لأنَّه عبادة خالية عن السَّعي،
وإنَّما هي تركٌ مَحَض. وقوله: يقول: هو لي، فلا يَشغَلْك ما هو لك عَّا هو لي. وقوله: مَن
شَغَلَه ما لي عنِّي أعرَضتُ عنه، وإلّا كنت له عِوَضاً عن الكلّ. وقوله: لا يَقطَعْك ما لي
عنِّي. وقوله: لا يَشغَلك المُلكُ عن المالك. وقوله: فلا تَطلُبْ غيري. وقوله: فلا تُفسِدْ ما
لي عليك بك. وقوله: فاشكُرني على أن جَعَلتُك مَحلَّ للقيام بما هو لي. وقوله: فلا تجعل
لنفسِك فيه حُكماً. وقوله: فمَن ضَيَّعَ خُرْمة ما لي، ضَيَّعتُ حُزْمة ما له؛ لأنَّ فيه خير
الفرائض والحدود. وقوله: فمَن أدّاه بما لي، وهو نفسه، صَحَّ البيع. وقوله: فكُن حيثُ
تَصلُح أن تُؤَدّي ما لي. وقوله: أضافَه إلى نفسه لأنَّ به يَتَذَكَّر العبدُ نِعمة الله عليه في الشِّبَع.
وقوله: لأنَّ فيه تقديم رِضا الله على هوى النَّفس. وقوله: لأنَّ فيه التَّمييز بين الصّائم المطيع
وبين الآكِل العاصي. وقوله: لأنَّه كان مَخَلَّ نزول القرآن. وقوله: لأنَّ ابتداءَه على المشاهَدة،
وانتهاءَه على المشاهَدة، لحديثِ: ((صوموا لرُؤْيَتِه، وأفطِروا لُرُؤْيَتِه))(١). وقوله: لأنَّ فيه رياضة
النَّفْس بتركِ المألوفات. وقوله: لأنَّ فيه حِفظَ الجوارح عن المخالفات. وقوله: لأنَّ فيه قطع
الشَّهَوات. وقوله: لأنَّ فيه مُخالَفة النَّفس بتركِ مَحَبوبها، وفي مُخالَفة النَّفْس مُوافَقة الحقّ.
وقوله: لأنَّ فيه فرحة اللِّقاء. وقوله: لأنَّ فيه مُشاهَدة الآمِر به. وقوله: لأنَّ فيه مَجَمَع العبادات؛
لأنَّ مَدارَها على الصَّبر والشُّكر، وهما حاصلان فيه. وقوله: معناه: الصّائم لي، لأنَّ الصوم
صِفَة الصّائم. وقوله: معنى الإضافة: الإشارة إلى الحماية لئلا يَطمَع الشَّيطانُ في إفساده. وقوله:
لأَنَّه عبادة استَوى فيها الحُرّ والعبد، والذَّكَر والأُنْثَى.
(١) سلف برقم (١٩٠٩).
٢٣١
باب ٧٨ / ح ٥٩٢٨
كتاب اللباس
وهذا عُنوان ما ذكره مع إسهابٍ في العِبارة، ولم أستَوعِبْ ذلك لأَنَّه ليس على شرطي
في هذا الكتاب،/ وإنَّما كنت أجِدُ النَّفْس مُتَشَوِّفة إلى الوقوف على تلك الأجوبة، وغالب مَن ٣٧٠/١٠
تَقَلَ عنه من شيوخنا لا يَسُوقها، وإِنَّا يَقْتَصِر على أنَّ الطالقانيّ أجابَ عنه بنحوٍ من خمسين أو
ستّيْنَ جواباً، ولا يَذْكُر منه شيئاً، فلا أدري أترَكوه إعراضاً أو مَلَلاً، أو اكتَفَى الذي وَقَفَ عليه
أوَّلاً بالإشارة ولم يَقِفْ عليه مَن جاء من بعده، والله أعلم.
٧٨ - باب ما يُستحَبّ من الطِّيب
٥٩٢٨- حدَّثْنا موسى، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا هشامٌ، عن عُثْمَانَ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها قالت: كنتُ أُطيِّبُ النبيِّ وَِّ عندَ إحرامِه بأطيَبٍ ما أجِدُ.
قوله: ((باب ما يُسْتَحَبّ من الطِّيب)) كأنَّه يشير إلى أنَّه يُندَب استعمال أطيَبٍ ما يُوجَد من
الطّيب، ولا يُعدَل إلى الأدنَى مع وجود الأعلى، ويحتمل أن يشير إلى التَّفْرِقة بين الرِّجال والنِّساء
في التطيُّب كما تقدَّمَتِ الإشارة إليه قريباً(١).
قوله: ((حدَّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل، ووُهَيب: هو ابن خالد، وهشام: هو ابن عُرْوة.
قوله: ((عن عُثْمان بن عُرْوة)) هكذا أدخَلَ هشامٌ بينه وبين أبيه عُرْوةَ في هذا الحديث أخاه
عثمان، وذكر الحُميديُّ (٢١٤) عن سفيان بن عُيَينةَ: أنَّ عثمان قال له: ما يَروي هشام هذا
الحديثَ إلّا عنِّي. انتهى، وقد ذكر مسلم في مُقدِّمة كتابه: أنَّ اللَّيث وداود العَطّار وأبا
أُسامة وافَقوا وُهَيبَ بن خالد عن هشام في ذِكْر عثمان، وأنَّ أيوب وابن المبارك وابن نُمَير
وغيرهم رَوَوْه عن هشام عن أبيه بدون ذِكْر عثمان. قلت: ورواية اللَّيث عند النَّسائيِّ (٢٦٩٠)
والدَّارِمِيّ (١٨٠٢)، ورواية داود العَطّار عند أبي عَوَانة (٣٦٦١)، ورواية أبي أسامة وَصَلَها
مسلم (١١٨٩/ ٣٧)، ورواية أيوب عند النَّسائيِّ (ك٤١٤٩).
وذكر الدَّارَقُطِنِيُّ(٢): أنَّ إبراهيم بن طَهْمانَ وابن إسحاق وحَمَّاد بن سَلَمة في آخرينَ رَوَوْه
(١) في باب (٧٢): تطييب المرأة زوجها بيدها.
(٢) في كتاب ((العلل)) (٣٨٢٤).
٢٣٢
باب ٧٩ / ح ٥٩٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
أيضاً عن هشام بدون ذِكْر عثمان، قال: ورواه ابن عُيَينةَ عن هشام عن عثمان قال: ثمَّ لَقِيتُ
عثمان فحدَّثني به، وقال لي: لم يَروِهِ هشام إلّا عِنِّي. قال الدَّارَقُطنيُّ: لم يسمعه هشام من أبيه،
وإنَّما سمعَه من أخيه عن أبيه، وأخرج الإسماعيليّ عن سفيان قال: لا أعلمُ عند عثمان إلّ هذا
الحديث. انتهى، وقد أورَدَ له أحمد في «مُسنَده)) (٢٥٢٧٠) حديثاً آخر في فضل الصَّفّ الأوَّل(١)،
وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (١٥٥٠) وابن حِبّان (٢١٦٣) والحاكم (٢١٤/١).
قوله: ((عند إحرامه بأطيَبٍ ما أجِدُ)) في رواية أبي أسامة: بأطيب ما أقدِرُ عليه قبل أن
يُحِرِم، ثمَّ يُحِرِمُ، وفي رواية أحمد (٢٤١٥) عن ابن عُيَينةَ: حدَّثنا عثمان أنَّه سمعَ أباه يقول:
سألتُ عائشة: بأيِّ شيءٍ طَيَّبت النبيّ ◌َه؟ قالت: بأطيَب الطيِّب، وكذا أخرجه مسلم
(٣٦/١١٨٩)، وله من طريق عَمْرة عن عائشة: لِحُرمِه حين أحرَمَ، ولحِلُّه قبل أن یُفیض
بأطيب ما وجدتُ، ومن طريق الأسود عن عائشة: كان إذا أراد أن يُحِرِم يتطيّب بأطيب ما
يَجِد، وله من وجه آخر عن الأسود عنها: كأنّي أنظُر إلى وَبِيص المِسك في مَفرِق رسول الله وَّل
وهو مُحُرِم، ومن طريق القاسم عن عائشة: كنت أُطيِّب رسول الله وَ﴿ قبل أن يُحِم، ويومَ
النَّحر قبل أن يَطُوف بطيبٍ فيه مِسك؛ وقد تقدَّم بسطُ هذا الموضع والبحث في أحكامه في
كتاب الحجّ (١٥٣٩)، والغرض منه هنا: أنَّ المراد بأطيَبِ الطّيب: المِسِك، وقد وَرَدَ ذلك
صريحاً، أخرجه مالك من حديث أبي سعيد رَفَعَه قال: ((المِسِكُ أطيَبُ الطّيب))، وهو عند مسلم
أيضاً (٢٢٥٢).
٧٩ - باب من لم يردّ الطّیبَ
٥٩٢٩- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عَزْرةُ بنُ ثابتٍ الأنصاريُّ، قال: حدَّثنی تُامةُ بنُ عبدِ الله، عن
أنسٍ ﴾: أنَّه كان لا يَرُدُّ الطِّيبَ، وزَعَمَ أنَّ النبيَّ وَِّ كان لا يَرُدُّ الطِّيبَ.
قوله: ((باب مَن لم يَردَّ الطّيب)» كأَنَّه أشارَ إلى أنَّ النَّهي عن رَدّه ليس على التَّحريم، وقد وَرَدَ
٣٧١
ذلك في بعض طرق حديث الباب وغيره.
(١) وله حديث ثالث عن أبيه عروة في تغيير الشيب، أخرجه أحمد أيضاً (١٤١٥)، والنسائي (٥٠٧٤).
٢٣٣
باب ٧٩ / ح ٥٩٢٩
كتاب اللباس
قوله: ((عَزْرة)) بفتح المهمَلة وسكون الزّاي بعدها راء ((بن ثابت)) أي: ابن أبي زيد عَمْرو
ابن أخطَبَ، لجدِّه صُحْبة.
قوله: ((وزَعَمَ)) هو من إطلاق الَّعْم على القول.
قوله: ((كان لا يَرُدّ الطّيبَ)) أخرجه البزَّار (٦٤٥٠) من وجه آخر عن أنس بلفظ: ما
عُرِضَ على النبيّ وَلَ طِيبٌ قَطَّ فَرَدَّه، وسنده حسن، وللإسماعيليِّ من طريق وكيع عن
عَزْرة بسندِ حديث الباب نحوه، وزادَ: وقال: ((إذا عُرِضَ على أحدكم الطّيبُ فلا يَرُدَّ)(١)،
وهذه الزيادة لم يُصرَّح برفعِها، وقد أخرج أبو داود (٤١٧٢) والنَّسائيُّ (٥٢٥٩)، وصَخَّحَه ابن
حِبّان (٥١٠٩) من رواية الأعرج عن أبي هريرة رَفَعَه: ((مَن ◌ُرِضَ عليه طِيب فلا يَرُدّه، فإنَّه
طيِّب الرّيح خفيف المحمَل))، وأخرجه مسلم (٢٢٥٣) من هذا الوجه، لكن وَقَعَ عنده:
((رَيْجان)) بَدَل: طِيب، والرَّيحان: كلّ بَقْلة لها رائحة طيِّة، قال المنذريُّ: ويحتمل أن يُراد بالرَّيحان:
جميع أنواع الطّيب، يعني: مُشتَقّاً من الرَّائحة.
قلت: تَخْرَج الحديث واحد، والذينَ رَوَوه بلفظ الطّيب أكثرُ عَدَداً وأحفظ، فروايتهم
أَولى، وكأنَّ مَن رواه بلفظ: ((ريحان)) أراد التَّعميم حتَّى لا يختصَّ بالطّيبِ المصنوع، لكن
اللَّفظ غير وافٍ بالمقصود، وللحديثِ شاهد عن ابن عبّاس أخرجه الطبرانيُّ(٢) بلفظ: ((مَن
عُرِضَ عليه الطّيب فليُصِب منه))، نعم أخرج التِّرمِذيّ (٢٧٩١) من مُرسَل أبي عثمان
النَّهْديّ: ((إذا أُعطيَ أحدكم الرَّيحانَ فلا يَرُدّه، فإنَّه خَرَجَ من الجنَّة))، قال ابن العربيّ: إنَّما
كان لا يَرُدّ الطّيب لمحبَّتِه فيه ولحاجته إليه أكثر من غيره، لأنَّه يُناجي مَن لا نُناجي، وأمَّا
تَهيُّه عن رَدّ الطّيب فهو محمول على ما يجوز أخذه، لا على ما لا يجوز أخذُه، لأنَّه مردود
بأصلِ الشَّرع.
(١) وأخرجه من طريق وكيع أيضاً أحمد (١٢١٧٦)، والنسائي (٥٢٥٨)، لكن بلفظ: كان النبي ◌َّ﴿ إذا أُتِيَ
بطيب لم يردّه.
(٢) في («الأوسط)) (٨٣٤٠)، وإسناده ضعيف جداً جداً.
٢٣٤
باب ٨٠ / ح ٥٩٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
٨٠ - باب الذَّرِيرة
٥٩٣٠- حدَّثْنَا عُثْمَانُ بنُ الهيثم - أو محمَّدٌ عنه - عن ابنِ جُرَیج، أخبرني عمرُ بنُ عبدِ الله ابن
عُزوةَ، سمعَ عُرْوةَ والقاسمَ يُحِبِران، عن عائشةَ قالت: طَيِّتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ بَيَدَيَّ بِذَرِيرةٍ في
حَجّةِ الوَدَاعِ للْحِلِّ والإحرامِ.
قوله: ((باب الذَّريرة)) بمُعجَمةٍ وراءَينِ بوزنِ عَظيمة: وهي نوع من الطِّيب مُرَكَّب، قال
الدَّاوُوديُّ: تُجمَع مُفرَداته ثمَّ تُسَق وتُنخَل، ثمَّ تُذَرّ في الشَّعر والطَّوق، فلذلك سُمّيَت
ذَرِيرة، كذا قال، وعلى هذا فكلُّ طيب مُرَكَّب ذَرِيرة، لكنِ النَّريرة نوع من الطّيب مخصوص
يَعرِفه أهل الحِجاز وغيرهم، وجَزَمَ غير واحد منهم النَّوويّ: بأنَّه فُتات قَصَبٍ طِيب يُجاء
به من الهند.
قوله: «حدّثنا عُثْمان بن الهيثم، أو محمَّد عنه» أمّا محمّد: فهو ابن يحيى الذَّهْليّ، وأمّا عثمان: فهو
من شيوخ البخاريّ، وقد أخرج عنه عِدّة أحاديث بلا واسطة، منها في أواخر الحجّ (١٧٧٠)،
وفي النِّكاح (٥١٩٨)، وأخرج عنه في الأيمان والنُّذُور كما سيأتي (٦٦٦٥) حديثاً آخر بمِثلِ
هذا التردُّد(١).
قوله: ((أخبَرني عمر بن عبد الله بن عُرْوة)) أي: ابن الزُّبَير، وهو مَدَنيّ ثقة قليل الحديث، ما له
في البخاريّ إلّ هذا الحديث الواحد، وقد ذكره ابن حِبّان في أتباع التابعينَ من ((الثِّقات)).
قوله: ((سمعَ عُزْوةً)) هو جَدُّه، والقاسم: هو ابن محمَّد بن أبي بكر.
قوله: ((بذَرِيرةٍ» كأنَّ الذَّريرة كان فيها مِسكٌ بدليلِ الرِّواية الماضية.
قوله: ((للحِلِّ والإحرام)) كذا وَقَعَ مختصراً هنا، وكذا لمسلم (٣٥/١١٨٩)، وأخرجه
٣٧٢/١٠ الإسماعيليّ / من رواية رَوْح بن عُبَادة عن ابن جُرَيج بلفظ: حين أحرَمَ، وحين رَمَى الْجَمْرة يوم
النَّحر قبل أن يطوفَ بالبيت(٢).
(١) يزاد عليهم حديث في المغازي سلف برقم (٤٤٢٥)، وذكر له حديثاً آخر تعليقاً برقم (٢٣١١) قال فيه:
وقال عثمان بن الهيثم ... إلخ.
(٢) هو بهذا اللفظ عند مسلم (١١٨٩) (٣٢) لكن من طريق أفلح بن حميد عن القاسم وحده عن عائشة.
٢٣٥
باب ٨١ / ح ٥٩٣١
كتاب اللباس
٨١- باب المتفلِّجات للحُسْن
٥٩٣١ - حدَّثنا عُثْمَانُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله:
((لَعَنَ اللهُ الواشماتِ والمستَوْشِماتِ، والمتنَمِّصاتِ، والمتفَلِّجاتِ للحُسْنِ، المغيِّراتِ خلقَ الله
تعالى؛ ما لي لا ألعَنُ مَن لَعَن النبيُّ ◌ََّ؟ وهو في كتابِ الله: ﴿وَمَآ ءَانَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ إلى:
فَأَنْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧].
قوله: ((باب المتفَلِّجات للحُسْنِ)) أي: لأجلِ الحُسن، والمتفَلِّجات جمع مُتَفَلُّجة: وهي التي
تَطلُب الفَلَج أو تصنعُه، والفَلَجِ بالفاءِ واللّام والجيم: انفراج ما بين السنَّينِ(١)، والتَّفْلُّج:
أن يُفرَّج بين المتلاصقَينِ بالمِبَرَدِ ونحوه، وهو مُخْتَصّ عادةً بالثَّنايا والرَّبَاعَات، ويُستَحسَن من
المرأة، فُرُبَّمَا صَنَعَته المرأة التي تكون أسنانها مُتَلاصقة لتصيرَ مُفلَجة، وقد تفعله الكبيرة تُوهِم أنََّا
صغيرة، لأنَّ الصَّغيرة غالباً تكون مُفَلَّجة جديدة السِّنّ، ويذهب ذلك في الكِبَر، وتحديد
الأسنان ◌ُسَمَّی الوَشْرِ بالرَّاء، وقد ثَبَتَ النَّھي عنه أيضاً في بعض طرق حديث ابن مسعود، ومن
حديث غيره في ((السُّنَن)) وغيرها، وستأتي الإشارة إليه في آخر (باب الموصولة)(٢)، فورَدَ النَّهي
عن ذلك لما فيه من تغيير الخِلقة الأصليّة.
قوله: (حدّثنا عُثْمان)) هو ابن أبي شيبة، وجَرِير: هو ابن عبد الحميد، ومنصور: هو ابن
المعتمِر، وإبراهيم: هو النَّخَعَيّ، وعَلْقمة: هو ابن قيس، والإسناد كلُّه كوفيّونَ. وقال
الدَّارَ قُطِنِيُّ: تابَعَ منصوراً الأعمَشُ، ومن أصحاب الأعمَش مَن لم يَذْكُر عنه عَلْقمة في السَّنَد.
وقال إبراهيم بن مُهاجِر: عن إبراهيم النَّخَعيِّ عن أمّ يعقوب عن ابن مسعود (٣)، والمحفوظ
قول منصور.
قوله: ((لَعَنَ اللهُ الواشماتِ)) جمع واشمة بالشّينِ المعجَمة: وهي التي تَشِم ((والمستَوْشِمات))
(١) في (س): الثنيتين.
(٢) باب رقم (٨٤).
(٣) سلف الحديث عند المصنف برقم (٤٨٨٧) من طريق سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عابس عن أم
يعقوب عن ابن مسعود.
٢٣٦
باب ٨١ / ح ٥٩٣١
فتح الباري بشرح البخاري
جمع مُستَوشِمة: وهي التي تَطلُب الوَشْم، ونَقَلَ ابن التّين عن الدَّاوُوديِّ أنَّه قال: الواشمة:
التي يُفْعَل بها الوشم، والمستَوشِمة: التي تَفعَله، وَرَدَّ عليه ذلك. وسيأتي بعد بابَينِ (٥٩٤٣)
من وجه آخر عن منصور بلفظ ((المتوشّمات)) وهو بكسر الشّين: التي تَفعَل ذلك، وبفتحها: التي
تَطلُب ذلك، ولمسلمٍ (٢١٢٥) من طريق مُفَضَّل بن مُهَلهَل عن منصور: ((والموشومات)) وهي
مَن يُفعَل بها الوشم.
قال أهل اللُّغة: الوَشْم بفتح ثمَّ سكون: أن يُغرَز في العُضو إبرة أو نحوها حتَّى يسيل
الدَّم، ثمَّ يُشَى بنُورةٍ أو غيرها فيَخضَرّ. وقال أبو داود في ((السُّنَن): الواشمة: التي تجعل
الخِيلان في وجهها بكُحلِ أو مِداد، والمستَوشِمة: المعمول بها. انتهى، وذُكِرَ الوجه للغالبِ،
وأكثر ما يكون في الشَّفة، وسيأتي عن نافع في آخر الباب الذي يليه (٥٩٣٧): أنَّه يكون في
اللِّئَة، فذِكْر الوجه ليس قَيداً، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد، وقد يُفعَل ذلك نَقشاً،
وقد يُعَل دوائرَ، وقد يُكتَب اسم المحبوب، وتعاطِیه حرام بدلالة اللَّعن كما في حديث
الباب، ويصير الموضع الموشوم نَجِساً؛ لأنَّ الدَّم انحَبَسَ فيه، فتجب إزالته إن أمكنَت ولو
بالجَرحِ، إلّا إن خافَ منه تَلَفاً أو شَيْناً، أو فَوَات مَنفَعة عُضو، فيجوز إيقاؤُه، وتكفي الثّوبة
في سقوط الإثم، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة.
قوله: ((والمتتَمِّصات)» يأتي شرحه في باب مُفْرَد يَلي البابَ الذي يليه، ووَقَعَ عند أبي داود
(٤١٦٩) عن محمَّد بن عيسى عن جَرِير: ((الواصلات)) بَدَل ((المتنَمِّصات)) هنا.
٣٧٣/١٠
قوله: ((والمتفَلِّجات للحُسْنِ)) يُفهَم منه: أنَّ المذمومة مَن فَعَلَت ذلك لأجلِ الحُسن، فلو/
احتاجت إلى ذلك لمداواةٍ مِثلاً، جازَ.
قوله: ((المغيِّرات خلقَ الله)) هي صِفَة لازِمة لمن يصنع الوشمَ والنَّمص والفَلَج، وكذا الوَصْل
على إحدى الرِّوايات.
قوله: «ما لي لا ألعَنُ)» كذا هنا باختصارٍ، ويأتي بعد بابٍ (٥٩٣٩) عن إسحاق بن إبراهيم
عن جَرِیر بزيادةٍ، ولفظه: فقالت أمّ يعقوب: ما هذا؟ وأخرجه مسلم (٢١٢٥) عن عثمان بن أبي
٢٣٧
باب ٨١ / ح ٥٩٣١
كتاب اللباس
شَيْبة وإسحاق بن إبراهيم شيخَي البخاريّ فيه أتمَّ سياقاً منه، فقال: بَلَغَ ذلك امرأةً من
بني أسَد يقال لها: أمّ يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديثٌ بَلَغَني عنك،
أَنَّك لَعَنتَ الواشمات؟ إلى آخره، فقال عبد الله: وما لي لا ألعَنُ؟ وذكر مسلم أنَّ السِّياق
لإسحاق.
وقد أخرجه أبو داود (٤١٦٩) عن عثمان، وسياقه موافق لسياق إسحاق إلّا في أحرُف
يسيرة لا تُغَيِّر المعنى، وسَبَقَ في تفسير سورة الحشر للمصنِّف (٤٨٨٦) من طريق الثَّوريّ
عن منصور بتمامه، لكن لم يَقُل فيه: ((وكانت تقرأ القرآن)). و((ما)) في قول ابن مسعود: ((ما لي لا
ألعَنُ)) استفهاميَّة، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن تكون نافیةً، وهو بعید.
قوله: ((وهو في كتاب الله: ﴿وَمَآ ءَانَنُمُ الرَّسُولُ ﴾)) كذا أورده مختصراً، زاد في رواية إسحاق:
فقالت: والله لقد قرأتُ ما بین اللَّوحينِ فما وجدتُه، وفي رواية مسلم عن عثمان: ما بین لَوحَي
المصحَف، والمراد به: ما يُجُعَل المصحَف فيه، وكانوا يَكتُبُونَ المصحَف في الرَّقّ ويجعلونَ له
دَقَّتَينٍ من خشب، وقد يُطلَق على الكُرسيّ الذي يُوضَع عليه المصحَف اسم ◌َوحَينِ.
قوله: ((فقالت: والله لقد قرأتُ)) في رواية مسلم: «لَئِن کنتِ قرأتیه لقد وجدتیهِ» کذا فيه
بإثبات الياء في الموضعين وهي لغة، والأفصح حذفها في خطاب المؤنَّث في الماضي.
قوله: (﴿وَمَاْ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ﴾ إلى: ﴿فَأَنْنَهُواْ﴾)) في رواية مسلم: ((قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَّ
ءَانَنَكُمْ﴾ إلى آخره)) وزاد: فقالت المرأة: إنّ أرى شيئاً من هذا على امرأتك، وقد تقدَّم ذلك
في تفسير الحَشْر، وقد أخرجه الطبرانيّ (٩٤٦٨) من طريق مسروق عن عبد الله، وزاد في آخره.
فقال عبد الله: ما حَفِظتُ وصيَّة شُعَيب إذاً؛ يعني: قوله تعالى حكاية عن شُعَيب عليه السلام:
﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَمُكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
وفي إطلاق ابن مسعود نسبةَ لَعنِ مَن فعل ذلك إلى كتاب الله، وفَهْم أمّ يعقوب منه أنَّه
أراد بكتاب الله القرآن، وتقريره لها على هذا الفهم ومُعارضتها له بأنَّه ليس في القرآن، وجوابه بما
أجابَ، دلالة على جواز نسبة ما يدلّ عليه الاستنباطُ إلى كتاب الله تعالى وإلى سُنّة رسوله وَلآهـ
٢٣٨
باب ٨٢ / ح ٥٩٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
نسبةً قوليَّة، فكما جازَ نِسبةُ لعن الواشمة إلى كَونِه في القرآن لعموم قوله تعالى: ﴿ وَمَآ
ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ مع ثُبُوت ◌َعِنِهِوَِّ مَن فعل ذلك، يجوز نسبةُ مَن فعل أمراً يَندَرِج في
عُموم خبر نَبويّ ما يدلّ على منعه إلى القرآن، فيقول القائل مثلاً: لَعَنَ الله من غيَّر مَنارَ الأرض
في القرآن، ويَستنِد في ذلك إلى أنَّه ◌ِ﴿ لَعَنَ مَن فعل ذلك.
تنبيه: أُمّ يعقوب المذكورة في هذا الحديث لا يُعرَف اسمها، وهي من بني أسد بن خُزَيمةَ،
ولم أقِفْ لها على ترجمة، ومُراجَعَتها ابنَ مسعود تَدُلّ على أنَّ لها إدراكاً، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصَّواب.
٨٢- باب الوَصْل في الشَّعر
٥٩٣٢ - حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حذَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن مُيدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ
ابنِ عَوْفٍ: أَنَّه سمعَ معاويةَ بنَ أبي سفيانَ عامَ حَجَّ وهو على المِثِيرِ وهو يقول - وتَناوَلَ قُصّةً من
شَعَرٍ كانت بِيَدِ حَرَسِيٍّ .: أينَ عُلَاؤُكُمْ؟ سمعتُ رسولَ اللهِ يَنْهَى عن مِثْلِ هذه، ويقول: ((إنَّما
هَلَكَت بنو إسرائيلَ حينَ انَخَذَ هذه نِساؤُهم)).
قوله: ((باب الوَصْل في الشّعر)أي: الزّيادة فیه من غيره.
٣٧٤/١٠
ذکر فیه خمسة أحاديث:
الأول: حديث معاوية.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أُويس.
قوله: ((عن مُميدٍ بن عبد الرَّحمن)) في روايةٍ مَعمَر عن الزُّهْريِّ: حدَّثني حُميدُ بن عبد الرَّحمن،
أخرجه أحمد (١)، وفي رواية يونس عن الزُّهْريِّ: أخبرنا حُميدٌ، أخرجه التِّرمِذيّ (٢٧٨١)،
وقد أخرج مسلم (٢١٢٧/ ١٢٢) روايتَي مَعمَر ويونس، لكن أحالَ بهما على رواية مالك،
وأخرجه الطبرانيُّ (٧١٥/١٩) من طريق التُّعمان بن راشد(٣) عن الزُّهْريِّ فقال: عن السائب بن
(١) الذي في نسخنا من ((المسند)) (١٦٨٦٥): الزهري عن حميد، بالعنعنة.
(٢) النعمان بن راشد ليّن الحديث.
٢٣٩
باب ٨٢ / ح ٥٩٣٢
كتاب اللباس
يزيد، بَدَل: حُميدٍ بن عبد الرَّحمن، وحُميدٌ هو المحفوظ.
قوله: ((عامَ حَجَّ)) تقدَّم في ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٨٨) من طريق سعيد بن المسيّب عن معاوية
تعیینُ العامِّ المذكور.
٢٠٠
قوله: ((وتناولَ قُصّةً من شَعَر كانت بيدِ / حَرَسيّ)» القُصّة بضمِّ القاف وتشديد المهملة: ٣٧٥/١٠
الخُصلة من الشَّعر، وفي رواية سعيد بن المسيّب: كُبّة، ولمسلم (١٢٤/٢١٢٧) من وجه
آخر عن سعيد بن المسيّب: أنَّ معاوية قال: إنَّكم أحدثتم زِيّ سوءٍ، وجاء رجل بعَصاً على
رأسها خِرقة.
والخَرَسيّ، بفتح الحاء والرَّاء وبالسِّين المهمَلات: نسبة إلى الحَرَس، وهم خَدَمُ الأمير
الذينَ يَحرُسُونَه، ويقال للواحدِ: حَرَسيّ، لأنَّه اسم جِنس، وعند الطبرانيِّ (٣٢٢/١٩) من
طريق عُرْوة عن معاوية من الزّيادة: قال: وَجَدتُ هذه عند أهلي، وزَعَموا أنَّ النِّساءِ يَزِدنَه
في شُعورهنَّ، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن يَعرِف ذلك في النِّساء قبل ذلك، وفي رواية سعيد
ابن المسيّب: ما كنت أرَى يفعل ذلك إلّا اليهود.
قوله: ((أينَ عُلَمَاؤُكُم؟)) تقدَّم في ذِكْر بني إسرائيل (٣٤٦٨) أنَّ فيه إشارة إلى قِلّة العلماء
يومئذٍ بالمدينة، ويحتمل أنَّه أراد بذلك إحضارَهم ليستعينَ بهم على ما أراد من إنكار ذلك،
أو ليُنكِرَ عليهم سُكوتَهم عن إنكارهم هذا الفِعلَ قبل ذلك.
قوله: ((إنَّا هَلَكَت بنو إسرائيل)) في رواية مَعمَر عند مسلم (١٢٢/٢١٢٧): إنَّمَا عُذِّبَ
بنو إسرائيل، ووَقَعَ في رواية سعيد بن المسيّب المذكورة: إنَّ رسول الله وَل﴿ بَلَغَه، فسماه الزُّور،
وفي رواية قَتَادة عن سعيد عند مسلم: نَهَى عن الزُّور، وفي آخره: ألا وهذا الزّور، قال قَتَادة:
يعني: ما تُكِّر به النِّساء أشعارهنَّ من الخِرِق.
وهذا الحديث حُجّة للجُمهورِ في مَنْع وصل الشَّعر بشيءٍ آخر، سواء كان شعراً أم لا،
ويُؤيِّده حديث جابر: زَجَرَ رسول الله وَلِمَ أن تَصِلَ المرأة بشعرها شيئاً، أخرجه مسلم (٢١٢٦).
وذهب اللَّيث ونَقَلَه أبو عبيدة عن كثير من الفقهاء: أنَّ الممتَنِعِ من ذلك وصلُ الشَّعر بالشَّعر،
٢٤٠
باب ٨٢ / ح ٥٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا إذا وَصَلَت شعرها بغير الشَّعر من خِرقة وغيرها فلا يَدخُل في النَّهي، وأخرج أبو
داود (٤١٧١) بسندٍ صحيح عن سعيد بن جُبَير قال: لا بأس بالقَرَامل، وبه قال أحمد.
والقَرامِل، جمع قَرْمَل - بفتح القاف وسكون الرَّاء -: نبات طويل الفُروع ليِّن، والمراد به
هنا: خُيوط من حرير أو صوف، يُعمَل ضفائر تَصِلُ به المرأة شعرها، وفَصَّلَ بعضهم بين
ما إذا كان ما وُصِلَ به الشَّعرُ من غيرِ الشَّعر مَستوراً بعد عَقْده مع الشَّعر بحيثُ يُظَنّ أنَّه
من الشَّعر، وبين ما إذا كان ظاهراً، فمَنَعَ قومٌ الأوَّل فقط، لما فيه من التَّدليس، وهو قويّ، ومنهم
مَن أجازَ الوصل مُطلَقاً سواء كان بشعرٍ آخر أو بغير شعر، إذا كان بعِلْمِ الَّوج وبإذنِهِ،
وأحاديث الباب حُجّة عليه.
ويُستَفاد من الزّيادة في رواية قَتَادة مَنعُ تكثير شِعر الرّأس بالخِرَقِ، كما لو كانت المرأة
مثلاً قد تَّق شعرها فتَضَع ◌ِوضَه خِرَقاً تُوهِم أنَّها شعر.
وقد أخرج مسلم (٢١٢٨) عَقِبَ حديث معاوية هذا حديث أبي هريرة، وفيه: ((ونساء
كاسيات عاريات رؤوسهنَّ كأسنمة البُخْت)). قال النَّوويّ: يعني يُكبِّنَها ويُعظِّمنَها بلَفِّ عِمامة
أو عِصابه أو نحوها، قال: وفي الحديث ذَمُّ ذلك. وقال القُرطُبيّ: البُخْتِ - بضمِّ الموخَّدة
وسكون المعجَمة ثمَّ مُثنّة - جمع بُختَيَّة: وهي ضرب من الإبل عِظام الأسيِمة، والأسيِمة -
بالنّونِ - جمع سَنَام: وهو أعلى ما في ظَهْر الْجَمَل، شَبَّه رُؤوسهنَّ بها لما رَفَعنَ من ضَفائر شُعورهنَّ
على أوساط رُؤوسهنَّ تَزِيناً وتَصَنُّعاً، وقد يفعلنَ ذلك بما يُكثِّرنَ به شُعورَهنَّ.
تنبيه: كما يَجِرُم على المرأة الزيادة في شعر رأسها، يَجِرُم عليها حَلقُ شعر رأسها بغير
ضَرُورة، وقد أخرج الطَّبَرَيُّ من طريق أمّ عثمان بنت سفيان عن ابن عبّاس قال: نَهَى النبيُّ وَله
أن تَحِلِق المرأةُ رأسها، وهو عند أبي داود (١٩٨٤) من هذا الوجه بلفظ: ((ليس على النِّساء حَلقٌ،
إنَّما على النِّساء التَّقصير))، والله أعلم.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة.
٥٩٣٣- وقال ابنُ أبي شَيْبةَ: حدَّثنا يونسُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا فُلَحُ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن