Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٨ كتاب اللباس وقوله في آخر الحديث: ((لا تُدخِلُنَّ) بضمٍّ أوَّله وتشديد النُّون ((هؤلاءِ عليكُنَّ)) كذا للأكثر وهو الوجه، وفي رواية المُستَمْلي والسَّرَخْسيّ: ((عليكم)) بصيغة جمع المذكَّر، ويوجَّه بأنَّه جَمَعَ مع النِّساء المخاطَبات بذلك مَن يَلُوذُ بِهِنَّ من صبيٍّ ووَصِيفٍ، فجاء التَّغليب. وقد تُفْتَح التَّحتانيَّة أوَّلَه ◌ُفَّفاً ومُثَقَّلاً. وفي هذه الأحاديث مشروعيَّة إخراج كلّ مَن يَحصُل به التَّذِي للنّاس عن مكانه، إلى أن يَرجِعَ عن ذلك أو یتوب. ٦٢ - باب قَصِّ الشّارِب وكان ابنُ عمَ يُحْفي شارِبَه حتَّى يُنْظَرَ إلى بَياضِ الجِلْدِ، ويأخُذُ هذَينٍ؛ يعني بينَ الشّاربِ واللّحيةِ. ٥٨٨٨- حدَّثْنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، عن حَنْظَلَةَ، عن نافعٍ. قال أصحابنا عن المكِّيِّ: عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّينَ﴿ قال: ((مِنَ الفِطْرةِ قَصُّ الشّاربِ)). [طرفه في: ٥٨٩٠] قوله: ((باب قَصِّ الشّارب)» هذه التَّرجمة وما بعدها إلى آخر كتاب اللِّباس لها تَعلُّق باللباس من جهة الاشتراك في الزينة، فذكر: أوَّلاً: التَّرَاجِمَ المتعلّقةَ بالشُّعورِ وما شاكَلَها. وثانياً: المتعلّقةَ بالتطيُّب. وثالثاً: المتعلّقةَ بتحسينِ الصّورة. ورابعاً: المتعلِّقَةَ بالتَّصاوير لأنَّها قد تكون في الثّياب، وخَتَمَ بما يَتَعلَّق بالارتداف، وتَعلَّقُه به ٣٣٥/١٠ خَفيٌّ وتَعلُّقه بكتاب الأدب الذي يليه ظاهر، والله أعلم. وأصلُ القَصّ: تَتَبُّع الأثر، وقَيَّدَه ابن سِيدَهْ في ((المحكَم)) باللَّيل، والقَصّ أيضاً: إيراد الخبر تاماً على مَن لم يَحِضُره، ويُطلَق أيضاً على قطع شيء من شيء بآلةٍ مخصوصة، والمراد به هنا: الشَّعر النابتُ على الشَّفَة العُليا من غير استئصال، وكذا قَصّ الظَّفر: أَخْذُ أعلاه من غير استئصال. ١٦٢ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وكان ابنُ عمر)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفيّ وهو المعتمَد، ووَقَعَ للباقينَ: وكان عمر. قلت: وهو خطأ، فإنَّ المعروف عن عمر أنَّه كان يوفِّر شاربَه. قوله: ((يُحِفِي شاربَه)) بالحاءِ المهمَلة والفاء ثُلاثيّاً ورُباعيّاً: من الإحفاء أو الحَفو، والمراد الإزالةُ. قوله: ((حتَّى يرى بياض الجِلْد))(١) وَصَلَه أبو بكر الأثرم من طريق عمر بن أبي سَلَمة عن أبيه قال: رأيت ابن عمر يُحُفي شاربه حتَّى لا يَترُك منه شيئاً، وأخرج الطََّرُّ من طريق عبد الله بن أبي عثمان: رأيت ابن عمر يأخُذ من شاربه أعلاه وأسفله؛ وهذا يَرُدّ تأويل مَن تأوَّلَ في أثر ابن عمر أنَّ المراد به إزالةُ ما على طَرَف الشَّفَة فقط. قوله: ((ويأخُذ هذَينٍ؛ يعني بينَ الشّارب واللِّحية)) كذا وَقَعَ في الَّفسير في الأصل، وقد ذكره رَزِين في «جامعه)) من طريق نافع عن ابن عمر جازِماً بالتَّفسير المذكور، وأخرج البيهقيُّ نحوه. وقوله: ((بينَ)) كذا للجميع، إلّا أنَّ عِيَاضاً ذكر أنَّ محمّد بن أبي صُفْرة رواه بلفظ (مِن)) التي للتَّبعيض، والأوَّل هو المعتمد. قوله: ((حدَّثنا المكِّيّ بن إبراهيم، عن حَنْظَلة، عن نافع. قال أصحابنا عن المكِّيّ: عن ابن عمر) كذا للجمیع، والمعنى أنَّ شیخه مگِّيَّ بن إبراهيم حذَّثه به عن حنظلة - وهو ابن أبي سفيان الجُمَحيُّ - عن نافع عن النبيّ وَِّ مُرسَلاً، لم يَذْكُر ابنَ عمر في السَّنَد، وحدَّث به غيرُ البخاريّ عن مَكِّيٍّ موصولاً بذِكْر ابن عمر فيه، وهو المراد بقولِ البخاريّ: ((قال أصحابنا)»، هذا هو المعتمد، وبهذا جَزَمَ شيخنا ابن الملقِّن رحمه الله، لكن قال: ظَهَرَ لي أنَّه موقوف على نافع في هذه الطَّريق؛ وتَلَقَّى ذلك من الحميديّ فإِنَّه جَزَمَ بذلك في ((الجمع))، وهو مُحْتَمَل. (١) كذا وقع للحافظ، والذي في اليونينية بلا خلاف: حتى ينظر إلى بياض الجلد. واللفظ المذكور وقع للطحاوي في ((شرح معاني الآثار)» ٢٣١/٤ من رواية عاصم بن محمد العُمري عن أبيه عن ابن عمر. ١٦٣ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٨ كتاب اللباس وأمَّا الكِرْمانيُّ فَزَعَمَ أنَّ الرّواية الثّانية مُنقَطِعة لم يَذكُر فيها بين مَكِّيٍّ وابن عمر أحداً، فقال: المعنى أنَّ البخاريّ قال: روى أصحابنا الحديثَ مُنقَطِعاً، فقالوا: حدَّثنا مَكِّيّ عن ابن عمر، فطَرَحوا ذِكْر الراوي الذي بينهما، كذا قال، وهو وإن كان ظاهرَ ما أورَدَ البخاريُّ، لكن تَبيَّن من كلام الأئمّ أنَّه موصول بین مگِّ وابن عمر. وقال الزَّركَشِيّ: هذا الموضع ممّا يجب أن يَعتَنَيَ به الناظر، وهو ما ذا الذي أراد بقولِه عن أصحابه عن مكّيٍّ موصولاً عن ابن عمر، فيحتمل أنَّه رواه مرَّة عن شيخه مَكِّيّ عن نافع مُرسَلاً، ومرَّة عن أصحابه مرفوعاً عن ابن عمر، ويحتمل أنَّ بعضهم نَسَبَ الراوي عن ابن عمر إلى أنَّه المكِّيّ. انتهى، وهذا الثّاني هو الذي جَزَمَ به الکِرْمانيّ، وهو مردود، ثمَّ قال الَّركَشِيّ: ويَشهَد للأوَّل أنَّ البخاريّ رُبَّما روى عن المكِّ بالواسطة كما تقدَّم في البيوع (٢١٥١)، ووَقَعَ له في كتابه نظائرُ لذلك، منها ما سيأتي قريباً في ((باب الجَعْد)) (٥٩٠١) حیثُ قال: حدثنا مالك بن إسماعيل، فذكر حديثاً، ثمّ قال في آخره: قال بعض أصحابي عن مالك بن إسماعيل؛ فذكر زيادةً في المتن، ونَظِيره في الاستئذان في ((باب قوله: قوموا إلى سَيِّدكُم)) (٦٢٦٢). قلت: وهو قوله: ((حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثنا شُعْبة)) فذكر حديثاً، وقال في آخره: أفهَمَني بعضُ أصحابي عن أبي الوليد، فذكر كلمةً في المتن، وقريب منه ما سَبَقَ في المناقب (٣٧٣٧) في ذِكْر أُسامة بن زيد حيثُ قال: حدَّثنا سليمان بن عبد الرَّحمن، فذكر حديثاً، وقال في آخره: حدَّثني بعضُ أصحابنا عن سليمان، فذكر زيادة في المتن أيضاً. قلت: والفَرْق بين هذه المواضع وبين حديث الباب: أنَّ الاختلاف في الباب وَقَعَ في الوصل والإرسال، والاختلاف في غيره وَقَعَ بالزّيادة في المتن، لكنِ اشتَرَكَ الجميع في مُطلَق الاختلاف، والله أعلم. وقد أورَدَ البخاريّ الحديثَ المذكور/ في الباب الذي يليه (٥٨٩٠) من طريق إسحاق ٣٣٦/١٠ ابن سليمان عن حَنظَلة موصولاً مرفوعاً، لكنَّه نزلَ فيه درجةً، وطريق مَكِّيٍّ وَقَعَت لنا في ١٦٤ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٨ فتح الباري بشرح البخاري ((مُسنَد ابن عمر)) لأبي أُميَّة الطُّرسوسيّ (٨٠) قال: حدَّنا مَكِّيُّ بن إبراهيم، فذكره موصولاً مرفوعاً، وزاد فيه بعد قوله: ((قَصّ الشّارب والظُّفر)»: وحَلْق العانة، وكذا أخرجه البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (٦٤٤١)(١) من وجه آخر عن مَكّيّ. قلت: وهذا الحديث أغفَلَه المِّيّ في ((الأطراف))، فلم يَذكُره في ترجمة حَنظَلة عن نافع عن ابن عمر، لا من طريق مَكِّيّ ولا من طريق إسحاق بن سليمان، ثمَّ بعد أن كتبتُ هذا ذكر لي مُحدِّث حَلَب الشَّيخ بُرهان الدّين الحَلَبيّ أنَّ شيخنا البُلْقِينيّ قال له: القائل ((قال أصحابنا)) هو البخاريّ، والمراد بالمكِّيِّ: حَنظَلة بن أبي سفيان الجُمَحِيُّ فإنَّه مَكّيّ، قال: والسَّندان مُتَّصِلان، وموضع الاختلاف بيانُ أنَّ مَكِّيّ بن إبراهيم لمَّا حدَّث به البخاريَّ سُمّيَ حَنظَلة، وأمَّا أصحاب البخاريّ فلمَّا رَوَوه له عن حَنظَلة لم يُسَمّوه بل قالوا: عن المكِّيّ، قال: فالسَّنَد الأوَّل: مَكِّيّ عن حَنظَلة عن نافع عن ابن عمر، والثّاني: أصحابنا عن المكيّ عن نافع عن ابن عمر، ثمَّ قال: وفي فَهْم ذلك صُعوبة؛ وكأنَّه كان يَتَبجَّح بذلك، ولقد صَدَقَ فيما ذكر من الصُّعوبة، ومُقتَضاه أن يكون عند البخاريّ جماعة لَّقُوا حَنظَلَةَ وليس كذلك، فإنَّ الذي سمعَ من حَنظَلة هذا الحديثَ لا يُحدِّث البخاريُّ عنه إلّا بواسطةٍ وهو إسحاق بن سليمان الرَّازيّ، وكانت وفاته قبل طلب البخاريّ الحديث، قال ابن سعد: ماتَ سنة تسع وتسعينَ ومئة، وقال ابن نافع وابن حِبّان: ماتَ سنة مئتين. وقد أفصَحَ أبو مسعود في ((الأطراف)) بالمرادِ، فقال في ترجمة حَنظَلة عن نافع عن ابن عمر: حديث ((من الفِطْرة: حَلْق العانة وتقليم الأظافر وقَصّ الشّارب)) خ في اللِّباس عن أحمد بن أبي رَجَاء عن إسحاق بن سليمان عن حَنظَلة عن نافع عن ابن عمر، وعن مَكِّيّ بن إبراهيم عن حَنظَلة عن نافع، قال: وقال أصحابنا: عن مَكِّيّ عن حَنظَلة عن نافع عن ابن عمر، فصَرَّحَ بأنَّ مراد البخاريّ بقولِه: ((عن المكِّيِّ)) المكِّيُّ بن إبراهيم، وأنَّ مراده بقولِه: عن ابن عمر، بالسَّنَد المذكور: وهو عن حَنظَلة عن نافع عنه. والحاصل أنَّه كما قَدَّمتُه أنَّ مَكِّيّ ابن إبراهيم لمَّا (١) وهو في ((سننه)) أيضاً ٢٤٣/٤-٢٤٤. - ١٦٥ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس حدَّث به البخاريَّ أرسَلَه، ولمَّا حدَّث به غيرَ البخاريّ وَصَلَه، فحكى البخاريّ ذلك ثمَّ ساقه (٥٨٩٠) موصولاً من طریق إسحاق بن سليمان. ٥٨٨٩- حدَّثنا عليٌّ، حذَّثنا سفيانُ، قال: الزُّهْريُّ حدَّثنا، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ روايةً: ((الفِطْرةُ خمسٌ - أو خمسٌّ منَ الفِطْرةِ -: الخِتَانُ، والاستِحْدَادُ، ونَتْفُ الإِبْطِ، وتَقْليمُ الأظْفارِ، وقَصُ الشّاربِ)). [طرفاه في: ٥٨٩١، ٦٢٩٧] قوله: ((حدَّثنا عليّ) هو ابن المَدِينيّ، وبذلك جَزَمَ الِّيّ. قوله: ((الزُّهْريُّ حدَّثنا)) هو من تقديم الراوي على الصِّيغة، وهو سائغ، وقد رواه الحميديُّ (٩٣٦) عن سفيان قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، أخرجه أبو عَوَانة (٤٧١) وأبو نُعَيم في «مُستَخرَجَيهما)) من طريقه، ورواه أحمد (٧٢٦١) عن سفيان عن الزُّهْريِّ بالعَنعَنة، وكذا أخرجه مسلم (٤٩/٢٥٧) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وغيرٍ واحد، وأبو داود (٤١٩٨) عن مُسدّد، کلّهم عن سفيان. قوله: ((عن أبي هريرة روايةً)) هي كِنايةٌ عن قول الراوي: قال رسول الله نَّه أو نحوها، وقد وَقَعَ في رواية مُسدَّد: ((يَبلُغ به النبيَّ ◌َ)، وفي رواية أبي بكر بن أبي شَيْبة: ((قال رسول الله وَ ل﴿)، وبيَّن أحمد في روايته أنَّ سفيان كان تارةً يكنّي وتارةً يُصِّح، وقد تَقرَّرَ في علوم الحديث أنَّ قول الراوي: روايةً أو يَرويه أو يَبلُغ به، ونحو ذلك محمول على الرَّفع، وسيأتي في الباب الذي يليه (٥٨٩١) من طريق إبراهيم بن سعد عن الزُّهْريِّ بلفظ: ((سمعت رسول الله وَّه ووَقَعَ في رواية محمَّد بن أبي حفصة عن الزّهْريِّ زيادة أبي سَلَمة مع سعيد بن المسيّب في السَّنَد أخرجه أبو الشَّيخ(١). قوله: ((الفِطْرة خمس، أو خمس من الفِطْرة) كذا وَقَعَ هنا ولمسلمٍ وأبي داود بالشكِّ، وهو من سفيان، ووَقَعَ في رواية أحمد: ((خمس من الفِطْرة)) ولم يَشُكّ، وكذا في رواية مَعمَر عن الزُّهْريِّ (١) وأخرجها أيضاً البزار في «مسنده)) (٧٦٧٧). ١٦٦ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري عند التِّرمِذيّ (٢٧٥٦) والنَّسائيِّ (١٠ و ٥٢٢٥)، ووَقَعَ في رواية إبراهيم بن سعد بالعكس كما في الباب الذي يليه بلفظ: ((الفِطْرة خمس))، وكذا في رواية يونس بن يزيد عن الزُّهْريِّ عند مسلم (٢٥٧/ ٥٠) والنَّسائيِّ (٩)، وهي محمولة على الأولى. ٣٣٧/١٠ قال ابن دقيق العيد: دلالة/ ((مِن)) على التَّبعيض فيه أظهَرُ من دلالة هذه الرِّواية على الحَصْر، وقد ثَبَتَ في أحاديث أُخرى زيادة على ذلك، فدَلَّ على أنَّ الحصر فيها غير مُراد. واختُلِفَ في النُّكتة في الإتيان بهذه الصّيغة، فقيل: بدفع الدّلالة وأنَّ مفهوم العَدَد ليس بِحُجّةٍ، وقيل: بل كان أعلَمَ أوَّلاً بالخمسِ ثمَّ أعلمَ بالزّيادة، وقيل: بل الاختلاف في ذلك بحَسَبِ المقام، فذكر في كلّ موضع اللّائق بالمخاطَبين، وقيل: أُريدَ بالخَصرِ المبالَغةُ لتأكيدِ أمرِ الخمس المذكورة، كما ◌ُلَ عليه قوله: ((الدِّين النَّصيحة))(١) و((الحجّ عَرَفة))(٢)، ونحو ذلك. ويدلّ على التَّأكيد ما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٧٦١) والنَّسائيُّ (١٣) من حديث زيد بن أرقَمَ مرفوعاً: (مَن لم يأخذ شاربه فليس مِنّا)) وسنده قويّ، وأخرج أحمد (٢٣٤٨٠) من طريق يزيد بنِ عَمْرو المَعَافِريّ (٣) نحوه، وزاد فيه حَلْقَ العانة وتقليم الأظافر، وسيأتي في الكلام على الخِتان دلیل مَن قال بوجوبِه. وذكر ابن العربيّ أنَّ خِصالَ الفِطْرة تَبلُغ ثلاثينَ خَصْلة، فإذا أراد خصوص ما وَرَدَ بلفظ الفِطْرة فليس كذلك، وإن أراد أعَمَّ من ذلك فلا تَنحَصِر في الثلاثينَ بل تزيد كثيراً، وأقلُّ ما وَرَدَ في خِصال الفِطْرة حديثُ ابن عمر المذكور قبلُ، فإنَّه لم يَذْكُر فيه إلّ ثلاثاً، وسيأتي في الباب الذي يليه (٥٨٩٠) أنَّه وَرَدَ بلفظ: ((الفِطْرة)) ويلفظ: ((من الفِطْرة))، وأخرج الإسماعيليّ في رواية له بلفظ: ((ثلاث من الفِطْرة))، وأخرجه في رواية أُخرى بلفظ: (١) أخرجه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري. (٢) أخرجه أحمد (١٨٧٧٣)، وأبو داود (١٩٤٩)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦) من حديث عبد الرحمن بن يَعمَر. (٣) رواه يزيد عن رجل من بني غِفَار عن النبي ◌َّ. ١٦٧ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس ((من الفِطْرة)) فذكر الثلاث وزاد الخِتانَ، ولمسلم (٢٦١) من حديث عائشة: ((عَشْرٌ من الفِطْرة)) فذكر الخمسةَ التي في حديث أبي هريرة إلّا الخِتان، وزادَ إعفاءَ اللُّحية والسِّواك والمضمَضة والاستنشاق وغَسْل البَراجِم والاستنجاء، أخرجه من رواية مُصعَب بن شَيْبة عن طَلْق بن حبيب عن عبد الله بن الزُّبَير عنها، لكن قال في آخره: إنَّ الراوي نَسِيَ العاشرة إلّا أن تكونُ المضمضة، وقد أخرجه أبو عَوَانة في ((مُستَخرَجه)) (٤٧٢) بلفظ: ((عشرة من السُّنّة)) وذكر الاستنثار بَدَل الاستنشاق، وأخرج النَّسائيُّ (٥٠٤١) من طريق سليمان التَّيْميِّ قال: سمعت طلق بن حبيب يَذْكُر عشرة من الفِطْرة، فذكر مثله إلّا أنَّه قال: وشَكَكتُ في المضمَضة، وأخرجه أيضاً (٥٠٤٢) من طريق أبي بِشْر عن طَلق قال: من السُّنّة عشر، فذكر مثله إلّا أنَّه ذكر الخِتان بَدَل غَسْلِ البَرَاجِم، وَرَجَّحَ النَّسائيُّ الرِّوايةَ المقطوعة على الموصولة المرفوعة. والذي يظهر لي أنَّها ليست بعِلّةٍ قادحة، فإنَّ راوِيَها مُصعَب بن شَيْبة وثَّقْه ابن مَعِين والعجليّ وغيرهما، وليّنه أحمد وأبو حاتم وغيرهما، فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحُكم بصِخَّتِه من هذه الحَيْثِيَّة سائغ، وقول سليمان التَّيْميِّ: ((سمعتُ طلق بن حبيب يذكُر عشراً من الفِطْرة)) يحتمل أن يريد أنَّه سمعَه يَذكُرها من قِبَل نفسه على ظاهرٍ ما فهمَه النَّسائيّ، ويحتمل أن يريد أنَّه سمعَه يَذكُرها وسندَها، فحَذَفَ سليمان السَّنَد (١)، وقد أخرج أحمد (١٨٣٢٧) وأبو داود (٥٤) وابن ماجَهْ (٢٩٤) من حديث عمَّار ابن ياسر مرفوعاً (٢) نحو حديث عائشة قال: ((من الفِطْرة: المضمضة والاستنشاق والسِّواك وغَسْل البَراجِم والانتضاح)) وذَكَرَ الخمس التي في حديث أبي هريرة، ساقَه ابن ماجَهْ، وأمَّا أبو داود فأحالَ به على حديث عائشة ثمّ قال: ورُوِيَ نحوه عن ابنِ عبّاس، وقال: خمس في الرّأس، وذكر منها الفَرْق(٣) ولم يَذكُر إعفاءَ اللِّحية. (١) هذا إن سُلِّم له في رواية سليمان التيمي، فلا يُسلِّم له في رواية أبي بشر جعفر بن إياس، فإنها صريحة بكون الكلام لطلق بن حبيب من قوله، وهو الذي رجَّحه الدار قطني أيضاً في كتابه «العلل» (٣٤٤٣). (٢) وإسناده ضعيف. (٣) أي: فرق شعر الرأس. ١٦٨ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري قلت: كأنَّه يشير إلى ما أخرجه عبد الرَّزّاق في ((تفسيره)) (١ / ٥٧) والطَّبَريّ (١ / ٥٢٤) من طريقه بسندٍ صحيح عن طاووسٍ عن ابنِ عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ أَبْتَّ إِبْرَهِمَ رَبُّهُ. بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه الله بالطَّهارة، خمسٌ في الرَّأس، وخمس في الجسد. قلت: فذكر مِثْلَ حديث عائشة كما في الرِّواية التي قَدَّمتُها عن أبي عَوَانة سواء ولم يَشُكَّ في المضمَضة، وذكر أيضاً الفَرْق بَدَل إعفاء اللِّحية، وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٢٠/١) من وجه آخر عن ابن عبّاس فذكر غُسلَ الجمعة بدلَ الاستنجاء، فصارَ مجموع الخِصال التي وَرَدَت في هذه الأحاديث خمسَ عشرةَ خَصْلة، اقتَصَرَ أبو شامة في ((كتاب السِّواك وما أشبهَ ذاك)» منها على اثنَي عشر، وزاد النَّوويُّ واحدة في ((شرح مسلم). ٣٣٨/١٠ وقد رأيتُ قبل الخوض/ في شرح الخمس الواردة في الحديث المتَّفَق عليه، أن أُشيرَ إلى شرح العشر الزّائدة عليها: فأمَّا الوضوء والاستنشاق والاستئثار والاستنجاء والسِّواك وغُسْل الجمعة، فتقدَّم شرحها في كتاب الطَّهارة، وأمَّا إعفاء اللِّحية فيأتي في الباب الذي يليه، وأمَّا الفَرْق فيأتي بعد أبواب(١). وأمَّا غَسْلِ البَراجِم، فهو بالموخَّدة والجيم: جمع بُرجمة بضمَّتَينِ: وهي عُقَد الأصابع التي في ظَهْرِ الكَفّ، قال الخطَّبيّ: هي المواضع التي تَتَِّخ ويجتمع فيها الوَسَخ ولا سيَّما ممّن لا يكونُ طرِيَّ البَدَن. وقال الغَزاليّ: كانت العرب لا تَغْسِل اليد عَقِبَ الطّعام، فيجتمع في تلك الغُضُون (٢) وَسَخٌ، فأمَرَ بغَسلِها. قال النَّوويّ: وهي سُنّة مُستَقِلّة ليست مُخْتَصّة بالوضوء، يعني أنَّها يُحتاج إلى غَسْلها في الوضوء والغَسْل والتَّنظيف، وقد ألحَقَ بها إزالة ما يجتمع من الوسَخ في مَعاطف الأُذُن وقَعر الصِّماخ، فإنَّ في بقائه إضراراً بالسَّمع، وقد أخرج ابن عَديّ (٢٦١/١) من حديث أنس: أنَّ النبيَّ نَّهِ أَمَرَ بَتَعَاهُدِ البَراجِم عند الوضوء لأنَّ الوسَخَ إليها سريع، وللِّرمِذيِّ الحكيم(٣) من (١) باب رقم (٦٩). (٢) الغُضون: مكاسر الجِلْد وغيره وتجعُّداته، الواحد: غَضْنٌ وغَضَنٌ. (٣) في ((نوادر الأصول)) (١٩٦). ١٦٩ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس حديث عبد الله بن بُسْرِ رَفَعَه: ((قُصُّوا أظفارَكُم، وادفِنوا قُلاماتِكُم، ونَقُّوا براجِمَكُم)»، وفي سنده راوٍ مجهول، ولأحمد (٢١٨١) من حديث ابن عبّاس: أبطأَ جِبْريلُ على النبيّ(وَ له فقال: ((ولمَ لا يُبطِئِ عنِّي وأنتم لا تَستَنُونَ - أي: لا تَستاكونَ - ولا تَقُصُّونَ شواربَكم، ولا تُنْقُّونَ رواجبَكُم))(١). والرَّوَاجب: جمع راجِبة، بجيمٍ وموحّدة، قال أبو عُبيد: البَراجِم والرَّواجب: مفاصل الأصابع كلّها. وقال ابن سِيدَه: البُرجمة: المِفْصَل الباطن عند بعضهم، والرَّواجب: بواطن مفاصل أُصول الأصابع، وقيل: قَصَبُ الأصابع، وقيل: هي ظُهور السُّلَامَيَات، وقيل: ما بين البَرَاجِم من السُّلَامَيَات. وقال ابن الأعرابيّ: الرَّاحِبة: البُقعة الملساء التي بين البراجم، والبَراجِم: المسبِّحات من مفاصل الأصابع، وفي كلّ إصبَع ثلاثُ بُرجمات إلّا الإبهام فلَها بُرُجُمتان. وقال الجَوْهريّ: الرَّواجب: مفاصل الأصابع اللّتي تَلي الأنامل، ثمَّ البَرَاجِم، ثمَّ الأشاجِعِ اللّاتي على الكَفّ. وقال أيضاً: الرَّواجب: رُؤوس السُّلامَيَات من ظَهْر الكَفّ، إذا قَبَضَ القابضُ كَفَّ نَشَزَت وارتَفَعَت، والأشاجع: أُصول الأصابع التي تَتَّصِل بعَصَبٍ ظاهرٍ الکَفّ، واحدها أشجع. وقيل: هي عُروق ظاهر الكَفّ. وأمَّا الانتضاح، فقال أبو عُبيد الهَرَويّ: هو أن يأخُذ قليلاً من الماء فيَنضَح به مَذاكِيره بعد الوضوء ليَنفيَ عنه الوَسْواس. وقال الخطَّبيُّ: انتضاح الماء: الاستنجاءُ به، وأصله من النَّضْح: وهو الماء القليل، فعلى هذا هو والاستنجاء خَصْلة واحدة، وعلى الأوَّل فهو غيره، ويشهد له ما أخرجه أصحاب ((السُّنَن))(٢) من رواية الحَكَم بن سفيان الثَّقفيّ أو سفيان بن الحكم عن أبيه: أَنَّه رأى رسول الله وَ ◌ّرَ تَوضَّأ ثمَّ أَخَذَ حَفْنةً من ماء فانتَضَحَ بها، وأخرج البيهقيُّ (١٦٢/١) (١) إسناده ضعيف لجهالة راويين فيه، واستنكره الذهبي في ترجمة ثعلبة بن مسلم من ((ميزان الاعتدال)). (٢) أخرجه أبو داود (١٦٨)، وابن ماجه (٤٦١)، والنسائي (١٣٤)، وهو حديث مضطرب الإسناد كما بیناه في («المسند» (١٥٣٨٤). ١٧٠ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري من طريق سعيد بن جُبَير: أنَّ رجلاً أتى ابنَ عبَّاس فقال: إنّي أجِدُ بَلَلاً إذا قمتُ أُصَلّى، فقال له ابن عبَّاس: انضَحْ بماءٍ، فإذا وَجَدتَ من ذلك شيئاً فقُل: هو منه. وأمَّا الخِصال الواردة في المعنى لكن لم يَرِد التَّصريح فيها بلفظ الفِطْرة، فكثيرة، منها ما أخرجه التِّرمِذيّ (١٠٨٠) من حديث أبي أيوب رَفَعَه: «أربعٌ من سُنَن المرسَلينَ: الحياء، والتَّعَطُّ، والسِّواك، والنِّكاح)) (١)، واختُلِفَ في ضبط الحياء فقيل: بفتح المهمَلة والتَّحتانيَّة الخفيفة، وقد ثَبَتَ في (الصحيحين)) أنَّ ((الحياء من الإيمان))(٢)، وقيل: هي بكسر المهمَلة وتشديد النّون، فعلى الأوَّل هي خَصْلة مَعنَويَّة تتعلَّق بتحسينِ الْخُلُق، وعلى الثّاني هي خَصْلة حِسّيَّة تتعلَّق بتحسينِ البَدَن. وأخرج البزَّار(٣) والبَغَويّ في ((مُعجَم الصحابة)) (٥٢١) والحكيم التِّرمِذيّ في ((نَوادِرِ الأُصول)) (٩١٦) من طريق مَلِيح(٤) بن عبد الله الخَطْميّ عن أبيه عن جَدِّه رَفَعَه: ((خمس من سُنَن المرسَلينَ))(٥) فذكر الأربعة المذكورة إلّا النِّكاح وزاد الحِلمَ والحِجامةَ، والحِلْم بكسر المهمَلة وسكون اللّام، وهو ممّا يُقَوِّي الضَّبط ٣٣٩/١٠ الأوَّل في حديث أبي أيوب، وإذا تُنُبِّعَ ذلك من الأحاديث كَثُرَ / العَدَدُ كما أشرتُ إليه، والله أعلم. ويَتَعلَّق بهذه الخِصال مصالحُ دينيّة ودُنيَويَّة تُدرَك بالتتبّع، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البَدَن جُملةً وتفصيلاً، والاحتياط للطَّهارتَين، والإحسان إلى المخالط والمقارَن بكَفِّ ما يَتَأَذَّى به من رائحة كريهة، وتُخالَفة شِعَار الكفَّار من المجوس واليهود والنَّصارى وعُبّاد الأوثان، وامتثال أمر الشّارع، والمحافظة على ما أشارَ إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] لما في المحافظة على هذه الخِصال من مُناسَبة ذلك، وكأنّه قيل: قد (١) إسناده ضعيف لجهالة راويه عن أبي أيوب، وانظر ((مسند أحمد)) (٢٣٥٨١). (٢) البخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦). (٣) «كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٥٠٠). (٤) تحرَّف في (س) إلى: فليح. (٥) الحديث رواه أيضاً البخاري في ((تاريخه الكبير)) ١٠/٨، وإسناده ضعيف لجهالة عمر بن محمد الأسلمي ومن فوقه. ١٧١ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس حَسُنَتِ صُوَرُكم فلا تُشَوِّهوها بما يُقَبِّحها، أو حافظوا على ما يَستَمِّرّ به حُسْنُها، وفي المحافظة عليها مُحافظة على المروءة وعلى التّالُف المطلوب، لأنَّ الإنسان إذا بَدَا في الهيئة الجميلة، كان أدعَى لانبِساط النَّفْس إليه، فيُقبَل قوله، ومُحمَد رأيه، والعكس بالعكس. وأمَّا شرح الفِطْرة، فقال الخطَّبيُّ: ذهب أكثر العلماء إلى أنَّ المراد بالفِطْرة هنا السُّنّة، وكذا قاله غيره، قالوا: والمعنى: أنَّها من سُنَن الأنبياء، وقالت طائفة: المعنيُّ بالفِطْرة: الدِّينُ، وبه جَزَمَ أبو نُعَيم في ((المستخرَج)). وقال النَّوويّ في (شرح المهذَّب)): جَزَمَ الماوَرْديّ والشَّيخ أبو إسحاق بأنَّ المراد بالفِطْرة في هذا الحديث: الدِّين. واستَشكَلَ ابن الصَّلاح ما ذكره الخطَّبيُّ وقال: معنى الفِطْرة بعيدٌ من معنى السُّنّة، لكن لعلَّ المراد أنَّه على حذف مُضافٍ، أي: سُنّة الفِطْرة. وتَعقَّبَه النَّوويّ بأنَّ الذي نَقَلَه الخطَّبيُّ هو الصَّواب، فإنَّ في ((صحيح البخاريّ)) عن ابنِ عمر عن النبيّ وَّ قال: ((من السُّنّة قَصُّ الشّارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار)» قال: وأصحّ ما فُشِّرَ الحدیث بما جاء في رواية ◌ُخری لا سيّما في البخاريّ، انتھی. وقد تَبِعَه شيخنا ابن الملقِّن على هذا، ولم أرَ الذي قاله في شيء من نُسَخ البخاريّ، بل الذي فيه من حديث ابن عمر بلفظ (الفِطْرة)، وكذا من حديث أبي هريرة. نعم وَقَعَ الَّعبيرُ بالسُّنّة موضعَ الفِطْرة في حديث عائشة عند أبي عَوَانة في روايةٍ (٤٧٢)، وفي أُخرى (٤٧٣) بلفظ الفِطْرة كما في رواية مسلم (٢٦١) والنَّسائيِّ (٥٠٤٢) وغيرهما. وقال الرَّاغِب: أصل الفَطْر بفتح الفاء: الشَّقُّ طولاً، ويُطلَق على الوَهْي وعلى الاختراع وعلى الإيجاد، والفطرة: الإيجاد على غیر مِثال. وقال أبو شامة: أصل الفِطْرة الخِلقة المبتَدَأة، ومنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أي: المبتَدِئ خلقَهنَّ، وقوله ◌َله: ((كلّ مولود يولد على الفِطْرة))(١)، أي: على ما ابتَدَأ اللهُ خلقَه (١) سلف برقم (١٣٨٥). ١٧٢ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾[الروم: ٣٠] والمعنى: أنَّ كلّ أحد لو تُرِكَ من وقت وِلادَته وما يُؤَدّيه إليه نظرُه، لَأدّاه إلى الدِّين الحقّ وهو التَّوحيد، ويُؤيِّده قوله تعالى قبلها: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِّينِ حَنِيفًاً فِطْرَتَ اَللَّهِ﴾، وإليه يشير في بَقَيَّة الحديث حيثُ عَقَّبَه بقولِه: (فأَبَواه يُهُوِّدانه ويُنَصِّرانه))، والمراد بالفِطْرة في حديث الباب: أنَّ هذه الأشياء إذا فُعِلَت، أَّصَفَ فاعلُها بالفِطْرة التي فَطَرَ الله العباد عليها وحَثَّهم عليها واستَحَبَّها لهم ليكونوا على أكمل الصِّفات وأشر فها صورة، انتهى. وقد رَدَّ القاضي البَيْضاويُّ الفِطْرة في حديث الباب إلى مجموع ما وَرَدَ في معناها: وهو الاختراع والجِلّة والدِّين والسُّنّة، فقال: هي السُّنّة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتَّفَقَت عليها الشَرائع، وكأنَّها أمر جِبِلِيٌّ فُطِروا عليها، انتهى. وسُوِّغَ الابتداء بالنَّكِرة في قوله: ((خمسٌ من الفِطْرة)) أنَّ قوله: ((خمسٌ)) صِفَة موصوفٍ محذوف والتَّقدير: خِصالٌ خمسٌ، ثمَّ فَسَّرَها، أو على الإضافة، أي: خمسُ خِصال، ويجوز أن تكون الجملة خبر مُبتَدَأ محذوف، والتَّقدير: الذي شُرِعَ لكم خمسٌ من الفِطْرة. والتَّعبير في بعض روايات الحديث بالسُّنّة بَدَل الفِطْرة، يُراد بها الطَّريقة لا التي تُقابِل الواجب، وقد جَزَمَ بذلك الشَّيخ أبو حامد والماوَزديّ وغيرهما وقالوا: هو كالحديث الآخر: ((عليكم بسُنَّتَي وسُنّة الخلفاء الرَّاشدينَ))(١). وأغرَبَ القاضي أبو بكر بن العربيّ فقال: عندي أنَّ الخِصال الخمس المذكورة في هذا ٣٤٠/١٠ الحديث كلّها واجبة، فإنَّ المرء لو تَرَكَها لم تَبَقَ صورتُه على صورة الآدَمّينَ، فكيف من / جُملة المسلمينَ، كذا قال في ((شرح الموطَّ)»، وتَعقَّبَه أبو شامة بأنَّ الأشياء التي مقصودها مطلوبٌ لتحسينِ الخَلْق وهي النَّظافة، لا تحتاج إلى وُرودِ أمرِ إيجابٍ للشّارع فيها اكتِفاءً بدَواعي الأنفُس، فمُجرَّد النَّذْب إليها كافٍ. (١) أخرجه أحمد (١٧١٤٢)، وأبو داود (٤٦٠٧)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٢) والترمذي (٢٦٧٦). ١٧٣ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس ونَقَلَ ابن دقيق العيد عن بعض العلماء أنَّه قال: دَلَّ الخبر على أنَّ الفِطْرة بمعنى الدِّين، والأصل فيما أُضيفَ إلى الشَّيء أنَّه منه أن يكونَ من أركانه لا من زَوائِه، حتَّی یقوم دلیل على خِلَافه، وقد وَرَدَ الأمر باتِّباع إبراهيم عليه السلام، وثَبَتَ أنَّ هذه الخِصال أُمِرَ بها إبراهيم عليه السلام، وكلّ شيء أمَرَ الله باتِّباعِه فهو على الوجوب لمن أُمِرَ به. وتُعقِّبَ بأنَّ وجوب الأتِّباع لا يقتضي وجوبَ كلّ متبوع فيه بل يَتِمّ الاتِّباع بالامتثال، فإن كان واجباً على المتبوع كان واجباً على التابع، أو نَدباً فنَدْبٌ، فَيَتَوقَّف ثبوتُ وجوب هذه الخِصال على الأُمّة، على نُبوت گَوْنها كانت واجبة على الخليل عليه السلام. قوله. ((الخِتَان)) بكسر المعجَمة وتخفيف المثنّاة مصدرُ خَتَنَ، أي: قَطَعَ، والخَتْن بفتح ثمَّ سکون: قَطْعُ بعضٍ مخصوصٍ من عُضو مخصوصٍ. ووَقَعَ في روایة یونس عند مسلم (٥٠/٢٥٧): ((الاختتان))، والخِتان اسمٌ لِفِعْل الخاتن ولموضع الخِتان أيضاً كما في حديث عائشة: إذا التَّقَى الخِتانان (١)، والأوَّل المراد هنا. قال الماوَرْديّ: خِتان الذَّكَر: قطعُ الجلدة التي تُغَطّ الحَشَفة، والمستَحَبّ أن تُستَوعَب من أصلها عند أوَّل الحَشَفة، وأقلّ ما يُجْزِئ أن لا يَبقَى منها ما يَتَغَشَّى به شيء من الحَشَفة. وقال إمام الحرمَينِ: المستَحقّ في الرِّجال قطع القُلْفة، وهي الجلدة التي تُغَطّ الحَشَفة حتَّى لا يَبقَى من الجِددة شيء مُتَدَلِّ. وقال ابن الصَّاغ: حتَّى تَنكَشِف جميع الحَشَفة. وقال ابن گَجِّ فیما نَقَّلَه الرَّافعيّ: يَتأدَّى الواجبُ بقطع شيء مما فوق الحَشَفة وإن قَلَّ، بشرطِ أن يَستَوعِب القطعُ تدوير رأسها. قال النَّوويّ: وهو شاذَّ، والأوَّل هو المعتمد. قال الإمام: والمستَحقّ من خِتان المرأة ما يَنطَلِقِ عليه الاسم. وقال الماورديّ: خِتاءُها قطعُ جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مُّدخَل الذَّكَر كالنَّواة أو كعُرْفِ الدّيك، والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دونَ استئصاله. وقد أخرج أبو داود (٥٢٧١) من حديث أمّ عَطيَّة: أنَّ امرأة كانت تَّخَتِنُ بالمدينة، فقال لها النبيّ ◌َّ: ((لا تُنِهِكي، فإنَّ ذلك أحظَى للمرأة» (١) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه (٦٠٨)، وأحمد (٢٤٩١٤) وانظر تتمة تخريجه فيه. ١٧٤ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وقال: إنَّه ليس بالقويِّ. قلت: وله شاهدان من حديث أنس(١) ومن حديث أمّ أيمَن عند أبي الشَّيخ في ((كتاب العَقيقة))(٢)، وآخر عن الضَّحّاك بن قيس عند البيهقيِّ (٣٢٤/٨)(٣). قال النَّويّ: ويُسَمَّى خِتانُ الرجل إعذاراً بذالٍ مُعجَمة، وخِتانُ المرأة خَفْضاً بخاءٍ وضاد مُعجَمتَينٍ. وقال أبو شامة: كلام أهل اللُّغة يقتضي تسميةَ الكلّ إعذاراً، والخفض يختصُّ بالأُنثَى. قال أبو عُبيدة: عَذَرتُ الجاريةَ والغلامَ وأعذَرتهما: خَتَنتهما وأختَنتهما، وزناً ومعنّى. قال الجَوْهريّ: والأكثر خَفَضتُ الجارية، قال: وتَزَعُم العرب أنَّ الغلام إذا وُلِدَ في القمر فُسِخَت قُلفَته، أي: اتَّسَعَت فصارَ كالمختون. وقد استَحَبَّ العلماء من الشافعيَّة فيمَن وُلِدَ مختوناً أن يُمَرّ بالموسى على موضع الخِتان من غير قطع، قال أبو شامة: وغالبُ مَن يولد كذلك لا يكون خِتانُه تامّاً، بل يظهر طَرَفُ الحَشَفة، فإن كان كذلك وَ جَبَ تکمیلُه. وأفادَ الشَّيخ أبو عبد الله بن الحاجّ في ((المدخَل)): أنَّه اختُلِفَ في النِّساء هل يُحْفَضنَ عُموماً، أو يُفرَّق بين نساء المشرق فيُخفَضنَ ونساء المغرب فلا يُحْفَضنَ لعَدَمِ الفَضْلة المشروع قطعها منهُنَّ بخِلَاف نساء المشرق، قال: فمَن قال: إنَّ مَن وُلِدَ مختوناً استُحِبَّ إمرارُ الموسى على الموضع امتثالاً للأمرِ، قال في حقّ المرأة كذلك، ومَن لا فلا. وقد ذهب إلى وجوب الخِتان دونَ باقي الخِصال الخمس المذكورة في الباب الشافعيُّ (١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٢٥٣)، وابن عدي في ((الكامل)) ٢٢٨/٣، ومن طريقه البيهقي ٨/ ٣٢٤، وفي إسناده زائدة بن أبي الرقاد، قال البخاري: منكر الحديث. (٢) وأخرجه أيضاً في كتابه ((طبقات المحدثين بأصبهان)) ٣/ ٣٤٦، وهو من حديث أنس أيضاً وفيه تسمية الخَّانة بأمّ أيمن، وفي إسناده إسماعيل بن أبي أمية تركه الدار قطني واتهمه بالوضع. (٣) إسناده ضعيف، وهو أحد أوجه الاضطراب الوارد في حديث أم عطيّة المخرَّج عند أبي داود. وله شاهد ثالث من حديث عليٍّ عند الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ١٢/ ٢٩١، وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته وانقطاعه. ورابع من حديث ابن عمر عند البزار (٦١٧٨)، وفي إسناده مَندَل بن علي، وهو ضعيف سيئ الحفظ. قلنا: والحاصل: أنه لم يصحَّ شيء في هذا الباب مرفوعاً إلى النبي وَّ، والله تعالى أعلم. ١٧٥ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس وجمهورُ أصحابه، وقال به من القُدَماء عطاء حتَّى قال: لو أسلَمَ الكبير لم يَتِمَّ إسلامه حتَّى يُحْتَن، وعن أحمد وبعض المالكيَّة: يَجِبُ، وعن أبي حنيفة: واجبٌ وليس بفَرْضٍ، وعنه: سُنّة يَأْثَم بتركِهِ، وفي وجه للشّافعيَّة: لا يجبُ في حقّ النِّساء، وهو الذي أورَدَه صاحب ((المغني)) عن / أحمد، وذهب أكثرُ العلماء وبعض الشافعيَّة إلى أنَّه ليس بواجبٍ، ومن ٣٤١/١٠ حُجَّتهم حديثُ شدَّاد بن أَوس رَفَعَه: ((الخِتان سُنّة للرِّجال، مَكُرُمة للنِّساء))(١)، وهذا لا حُجّة فيه لما تَقرَّرَ أنَّ لفظ السُّنّة إذا وَرَدَ في الحديث لا يُراد به التي تُقابِل الواجبَ، لكن لمَّا وَقَعَتِ التَّفْرِقة بين الرِّجال والنِّساء في ذلك، دَلَّ على أنَّ المراد افتراق الحُكم. وتُعقِّبَ بأنَّه لم يَنحَصِرْ في الوجوب، فقد يكون في حقّ الذُّكور آكَدَ منه في حقّ النِّساء، أو يكون في حقّ الرِّجال للنَّدبِ وفي حقّ النِّساء للإباحة، على أنَّ الحديث لا يَثْبُت، لأنَّه من رواية حَجّاج بن أَرْطاةَ ولا يُحْتَجّ به، أخرجه أحمد والبيهقيُّ(٢)، لكن له شاهد أخرجه الطبرانيُّ في ((مُسنَد الشّاميّينَ)) (٢٦٩٧) من طريق سعيد بن بَشِير عن قَتَادة عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس(٣)، وسعيد مُخْتَلَف فيه، وأخرجه أبو الشَّيخ والبيهقيُّ (٣٢٤/٨-٣٢٥) من وجه آخر عن ابن عبَّاس(٤)، وأخرجه البيهقيُّ أيضاً (٣٢٥/٨) من حديث أبي أيوب(٥). واحتَجُّوا أيضاً بأنَّ الِصال المنتَظِمة مع الخِتان ليست واجبةً إلّا عند بعض مَن شَذَّ، فلا يكون الخِتان واجباً، وأُجيبَ بأنَّه لا مانع أن يُرادَ بالفِطْرة وبالسُّنّة في الحديث: القَدْر المشتَرَك الذي يجمع الوجوب والنَّدب، وهو الطَّلَب المؤَكَّد، فلا يدلّ ذلك على عَدَم الوجوب ولا تُبوتِه، فيُطلَب الدَّليل من غيره. (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٨/٩، والطبراني (٧١١٢) و(٧١١٣)، وهو حديث ضعيف لاضطرابه، وانظر لزاماً کلامنا علیه في «المسند» (٢٠٧١٩). (٢) رواية أحمد (٢٠٧١٩)، والبيهقي ٨/ ٣٢٥ لیس فیها شداد بن أوس. (٣) موقوفاً عليه، وهو كذلك عند البيهقي ٣٢٥/٨ ورجَّحه على المرفوع. (٤) وضعَّف البيهقي إسناده، وهو كما قال. (٥) وهو أحد أوجه الاضطراب في حديث شداد بن أوس، فهو ضعيف. ١٧٦ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري وأيضاً فلا مانعَ من جمع المختَلِفَي الحُكم بلفظ أمر واحد، كما في قوله تعالى: (﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ، إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فإيتاء الحقّ واجب، والأكل مُباح، هكذا تَسَّكَ به جماعة، وتَعقَّبَه الفاكِهانيّ في ((شرح العُمدة)) فقال: الفرق بين الآية والحديث أنَّ الحديث تَضَمَّنَ لفظةً واحدة استُعمِلَت في الجميع، فَتَعيَّنَ أن يُحمَل على أحد الأمرَينِ: الوجوب أو النَّب، بخِلَاف الآية فإنَّ صيغة الأمر تكرَّرت فيها، والظّاهر الوجوب، فصُرِفَ في أحد الأمرَينِ بدليلٍ وبَقِيَ الآخرُ على الأصل. وهذا التعقُّب إِنَّمَا يَتِمّ على طريقة مَن يمنع استعمالَ اللَّفظ الواحد في مَعنيَينِ، وأمَّا مَن يُجيزه كالشافعيَّة فلا يَرِدُ علیھم. واستَدَلَّ مَن أو جَبَ الاختتان بأدلّةٍ: الأوَّل: أنَّ القُلْفة تَحِبِس النَّجاسة، فتَمنَع صِحّةَ الصلاة، كمَن أمسَكَ نجاسة بفَمِه. وتُعقِّبَ بأنَّ الفم في حُكْم الظّاهر، بدليلٍ أنَّ وضع المأكول فيه لا يُفطِر به الصّائم، بخِلَاف داخل القُلْفة فإنَّه في حُكم الباطن، وقد صَرَّحَ أبو الطيِّب الطَّبَرِيُّ بأنَّ هذا القَدْر عندنا مُغْتَفَر. الثّاني: ما أخرجه أبو داود (٣٥٦) من حديث كُلَيب جَدّ عُثَيم بن كثير: أنَّ النبيَّ ◌َلام قال له: ((ألْقِ عنك شَعرَ الكُفر واختَتِن))، مع ما تَقرَّرَ أنَّ خِطابَه للواحدِ يَشمَل غيره حتَّى يقوم دليل الْخَصُوصَيَّة. وتُعقِّبَ بأنَّ سند الحديث ضعيف، وقد قال ابن المنذر: لا يَثْبُت فيه شيءٍ. الثّالث: جواز كَشْف العَوْرة من المختون، وسيأتي أنَّه إنَّما يُشرَع لمن بَلَغَ أو شارَفَ البلوغ، وجواز نظر الخاتن إليها، وكلاهما حرام، فلو لم يجب لمَا أُبِيحَ ذلك، وأقْدَمُ مَن يُقِلَ عنه الاحتجاج بهذا أبو العبّاس بن سُرَيج، نَقَلَه عنه الخطَّبيُّ وغيره، وذكر النَّوويّ أنَّه رآه في ((کتاب الودائع)) المنسوب لابنِ سُرَيج قال: ولا أظنّه يَثبُت عنه، قاله أبو شامة، وقد عبَّرَ عنه جماعة من المصنِّفِينَ بعده بعباراتٍ مُخْتَلِفة كالشَّيخ أبي حامد والقاضي الحسين وأبي الفَرَجِ السَّرَخْسِيّ والشَّيخ في ((المهذَّب)). ١٧٧ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس وتَعقَّبَهَ عِيَاض بأنَّ كَشْف العَوْرة مُباح لمصلحة الجسم، والنَّظَر إليها يُباح للمُداواة، ولیس ذلك واجباً إجماعاً، وإذا جازَ في المصلحة الدُّنيَويَّة كان في المصلحة الدّينَيَّة أَولِى. وقد استَشعَرَ القاضي حُسَين هذا فقال: فإن قيل: قد يُتَرَك الواجب لغير الواجبِ كتَركِ الإنصات للخُطبة بالتَّشاغُلِ بركعتَي التَّحَيَّة، وكتَركِ القيام في الصلاة لسجود التِّلاوة، وككَشْف العَوْرة للمُداواة مثلاً. وأجابَ عن الأوَّلَينِ ولم يُحِب عن الثّالث. وأجابَ النَّوويّ بأنَّ كشف العَوْرة لا يجوز لكلِّ مُداواة، فلا يَتِمّ المراد. وقَوَّى أبو شامة الإيراد بأنَّهم جَوَّزوا لغاسل الميّت أن يَحلِقِ عانةَ المَيِّت، ولا يَتَأَتَّى ذلك للغاسلِ إلّا بالنَّظَرِ واللَّمس، وهما حرامان، وقد أُجیزا لأمرٍ مُستحَبّ./ ٣٤٢/١٠ الرّابع: احتَجَّ أبو حامد وأتباعه كالماوَرْديّ بأنَّه قَطْعُ عُضو لا يُستَخلَف من الجسد تَعَبُّداً فيكون واجباً، كقطع اليد في السَّرِقة. وتُعقِّبَ بأنَّ قطع اليد إنَّما أُبِيحَ في مُقابَلة ◌ُرْم عظيم، فلم يَتِمَّ القیاس. الخامس: قال الماوَرْديّ: في الخِتان إدخالُ ألم عظيم على النَّفْس، وهو لا يُشرَع إلّا في إحدَى ثلاث خصال: لمصلحةٍ، أو عُقوبة، أو وجوب، وقد انتَفَى الأوَّلان فَثَبَتَ الثّالث. وتَعقَّبَه أبو شامةَ بأنَّ في الخِتان ◌ِدّةَ مصالح كمَزِيدِ الطَّهارة والنَّظافة، فإنَّ القُلْفة من المستَقِذَرات عند العرب، وقد كَثُرَ ذمُّهم الأقلَفَ في أشعارهم، وكان للخِتان عندهم قَدرٌ، وله وَليمة خاصّة به، وأقَرَّ الإسلام ذلك. السادس: قال الخطّابِيُّ مُحْتَجّاً بأنَّ الخِتان واجب بأنَّه من شِعار الدِّين، وبه يُعرَف المسلم من الكافر، حتَّى لو وُجِدَ مختون بين جماعة قتلَى غيرِ مختونينَ، صُلَّ عليه ودُفِنَ في مقابر المسلمينَ. وتَعقَّبَه أبو شامة بأنَّ شعائر الدّين ليست كلّها واجبة، وما ادَّعاه في المقتول مردود لأنَّ اليهود وكثيراً من النَّصارَى يَخْتِنونَ، فليُهُيَّد ما ذكره بالقَرِينة. قلت: فقد بَطَلَ دليله. السابع: قال البيهقيُّ: أحسنُ الحُجَجِ أن يُحتَجّ بحديثٍ أبي هريرة الذي في ((الصحيحين))(١) (١) البخاري (٣٣٥٦)، ومسلم (٢٣٧٠). ١٧٨ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري مرفوعاً: ((اختَتَنَ إبراهيم وهو ابن ثمانينَ سنة بالقَدُوم))، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَاً إِلَيْكَ أَنِ اتَّعْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وصَحَّ عن ابن عبّاس: أنَّ الكلمات التي ابتُليَ بِهِنَّ إبراهيم فأتمّهنَّ هي خِصال الفِطْرة ومنهُنَّ الخِتان (١)، والابتلاء غالباً إنَّما يقع بما يكون واجباً، وتُعقّبَ بأنَّه لا يَلزَمُ ما ذُكِرَ إلّا إن كان إبراهيم عليه السلام فَعَلَه على سبيل الوجوب، فإِنَّه من الجائز أن يكون فَعَلَه على سبيل النَّب فيَحصُل امتثال الأمر باتِباعِه على وَفْق ما فَعَلَ، وقد قال الله تعالى في حقّ نبيّه محمَّد ◌ٍَّ: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَكُمْ تَهْتَّدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقد تَقرَّرَ في الأُصول أنَّ أفعاله بمُجرَّدِها لا تَدُلّ على الوجوب، وأيضاً فباقي الكلمات العشر لیست واجبةً. وقال الماوَرْديّ: إنَّ إبراهيم عليه السلام لا يفعل ذلك في مثل سنِّه إلّا عن أمر من الله. انتهى، وما قاله بحثاً قد جاء منقولاً، فأخرج أبو الشَّيخ في ((العَقيقة)) من طريق موسى بن عُلِيّ بن رَباح عن أبيه: أنَّ إبراهيم عليه السلام أُمِرَ أن يَخْتَتَن وهو حينئذٍ ابن ثمانينَ سنة، فعَجَّلَ واختَنَ بالقَدُومِ، فاشتَدَّ عليه الوجَعُ فَدَعَا رَبَّه، فأوحى الله إليه: إنَّك عَجَّلتَ قبل أن نأمُرك بآلَتِهِ، قال: يا رَبِّ كَرهتُ أن أُؤَخِّر أمرك (٢). قال الماوَزْديّ: القَدُّوم جاء مُحُفَّفاً ومُشَدَّداً: وهو الفَأْس الذي اختَتَنَ به، وذهب غيره إلى أنَّ المراد به مكان يُسمَّى القَدوم، وقال أبو عُبيد الَرَويُّ في ((الغريبين)): يقال: هو كان مَقِيلَه، وقيل: اسم قرية بالشّام، وقال أبو شامة: هو موضع بالقُربِ من القرية التي فيها قبره، وقيل: بقُربٍ حَلَب، وجَزَمَ غير واحد أنَّ الآلة بالتَّخفيف، وصَرَّحَ ابن السِّكّيت بأنَّه لا يُشدَّد، وأثبَتَ بعضهم الوجهَينِ في كلٌّ منهما، وقد تقدَّم بعض هذا في شرح الحديث المذكور في ذِكْر إبراهيم عليه السلام من أحاديث الأنبياء (٣٣٥٦)، ووَفَعَ عند أبي الشَّيخ من طريق أُخرى: أنَّ إبراهيم لمَّ اخَتَنَ كان ابنَ مئة وعشرينَ سنة، وأنَّه عاشَ بعد ذلك إلى أن أكمَلَ مئتي سنة، والأوَّل أشهر، وهو أنَّه اختَتَنَ وهو ابن ثمانينَ وعاشَ بعدها أربعينَ، (١) أخرجه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١/ ٥٧. (٢) أخرجه أيضاً البيهقي في ((السنن)) ٣٢٦/٨، وهو مُعضَل. ١٧٩ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ كتاب اللباس والغرض أنَّ الاستدلال بذلك مُتَوقِّف كما تقدَّم على أنَّه كان في حقّ إبراهيم عليه السلام واجباً، فإن ثَبَتَ ذلك استَقامَ الاستدلال به، وإلّا فالنَّظَر باقٍ. واختُلِفَ في الوقت الذي يُشرَع فيه الخِتان، قال الماورديّ: له وقتان: وقتُ وجوب، ووقتُ استحباب، فوقت الوجوب: البلوغ، ووقت الاستحباب: قبلَه، والاختيار في اليوم السابع من بعد الولادة، وقيل: من يوم الولادة، فإن أخَّرَ ففي الأربعينَ يوماً، فإن أخَّرَ ففي السَّنة السابعة، فإن بَلَغَ وكان نِضْواً نحيفاً يُعلَم من حاله أنَّه إذا اختَتَنَ تَلِفَ، سَقَطَ الوجوب. ويُستَحَبّ أن لا يُؤَخَّر عن وقت الاستحباب إلّا لعُذرٍ، وذكر القاضي حُسَين: أنَّه لا يجوز أن يختتن الصبيُّ حتَّى يصير ابنَ عشر سنين، لأنَّه حينئذٍ يومُ ضربه على ترك الصلاة، وألمُ الخِتان فوق أَلم الضَّرب/ فيكون أَولى بالتَّأخير، وزَيَّفَه النَّوويّ في ((شرح ٣٤٣/١٠ المهذِّب))، وقال إمام الحرمَينِ: لا يجب قبلَ البلوغ، لأنَّ الصبيّ ليس من أهل العبادة المتعلّقة بالبَدَنِ فكيف مع الألم، قال: ولا يَرِدُ وجوبُ العِدّة على الصبيَّة، لأنَّه لا يَتَعلَّق به تَعَبُ بل هو مُضيّ زمانٍ محض. وقال أبو الفَرَج السَّرَخْسيّ: في خِتان الصبيّ وهو صغير مَصلَحة من جهة أنَّ الجِلد بعد التَّمييز يَغلُظ ويَخْشُن، فمن ثَمَّ جَوَّزَ الأئمَّة الخِتانَ قبل ذلك، ونَقَلَ ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهةَ الخِتان في يوم السابع لأَنَّه فِعِلُ اليهود، وقال مالك: يَحِسُن إذا أثغَرَ، أي: إذا ألقَى ثَغْرَه وهو مُقدَّم أسنانه، وذلك يكون في السَّبع سنين وما حولها، وعن اللَّيث: يُستَحَبّ ما بين سبع سنين إلى عشر سنين، وعن أحمد: لم أسمع فيه شيئاً. وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٥٥٨) عن ابن عبَّاس قال: سبعٌ من السُّنّة في الصبيّ: يُسَمَّى في السابع ويُخْتَن ... الحديث، وقد قَدَّمت ذِكْرَه في كتاب العَقيقة (٥٤٦٧) وأنَّه ضعيف، وأخرج أبو الشَّيخ من طريق الوليد بن مسلم عن زُهَير بن محمَّد عن ابن المنگَدِر أو غيره عن جابر: أنَّ النبيَّ ◌َّهُ خَتَنَ حسناً وحُسَيناً لسبعة أيام، قال الوليد: فسألتُ مالكاً عنه فقال: لا أدري، ولكنَّ الخِتان طُهْرة، فكلّما قَدَّمَها كان أحَبَّ إليَّ، وأخرج البيهقيُّ (٣٢٤/٨) ١٨٠ باب ٦٢ / ح ٥٨٨٩ فتح الباري بشرح البخاري حديث جابر(١)، وأخرج (٨/ ٣٢٦) أيضاً من طريق موسى بن عُليّ عن أبيه: أنَّ إِبراهيم عليه السلام خَتَنَ إسحاق وهو ابن سبعة أيام. وقد ذكرتُ في أبواب الوليمة من كتاب النِّكاح(٢) مشروعيَّة الدَّعوة في الخِتان، وما أخرجه أحمد (١٧٩٠٨) من طريق الحسن عن عثمان بن أبي العاص: أنَّ دُعيَ إلى خِتان فقال: ما كنَّا نأتي الخِتانَ على عهد رسول الله وَلِّ ولا نُدعَى له(٣)، وأخرجه أبو الشّيخ في روايةٍ أُخرى فبيَّنْ أَنَّه كان خِتان جارية، وقد نَقَلَ الشَّيخ أبو عبد الله ابن الحاجّ في ((المدخَل)): أنَّ السُّنّة إظهار خِتان الذَّكَر وإخفاء خِتان الأُنثَى، والله أعلم. قوله: ((والاستِحْداد)) بالحاءِ المهمَلة استفعالٌ من الحديد، والمراد به: استعمال الموسى في حلق الشَّعر من مكان مخصوص من الجسد، قيل: وفي التَّعبير بهذه اللَّفظة مشروعيَّة الكناية عمَّا يُستَحِى منه إذا حَصَلَ الإفهامُ بها وأغنى عن التَّصريح، والذي يظهر أنَّ ذلك من تَصَرُّف الرُّواة. وقد وَقَعَ في رواية النَّسائيِّ (٥٠٤٣) في حديث أبي هريرة هذا التَّعبير بحَلْقِ العانَة، وكذا في حديث عائشة وأنس المشار إليهما من قبلُ عند مسلم (٢٦١ و٢٥٨). قال النَّوويّ: المراد بالعانة: الشَّعر الذي فوق ذَكَر الرجل وحَوالَيهِ، وكذا الشَّعر الذي حَوالَي فرج المرأة، ونُقِلَ عن أبي العَبَّاس بن سُرَيج: أَنَّ الشَّعر النابت حول حَلْقة الدُّبُرِ، فَتَحصَّل من مجموع هذا استحبابُ حَلْق جميع ما على القُبُل والدُّبُر وحولهما، قال: وذكرَ الحلقَ لأَنَّه هو الأغلَب، وإلّا فيجوز الإزالة بالثُّورة والنَّف وغيرهما. وقال أبو شامة: العانة: الشَّعر النابت على الرَّكَب - بفتح الرَّاء والكاف - وهو ما انحَدَرَ من البطن فكان تحت الثُّنَّة وفوق الفَرْج، وقيل: لكلِّ فَخِذٍ رَكَبٌ، وقيل: ظاهر الفَرْج، وقيل: (١) أخرجه من طريق محمد بن المتوكل - وهو ابن أبي السَّري - عن الوليد بن مسلم به، وهذا سند ضعيف، ابن أبي السري صاحب أوهام، وزهير بن محمد - وهو التميمي العنبري - رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، وهذا الحديث منها، فإنّ الوليد بن مسلم دمشقي. (٢) في الباب (٧١) منه: باب حق إجابة الوليمة والدعوة. (٣) وإسناده ضعيف.