Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ باب ٤٢ / ح ٥٨٥٩ - ٥٨٦٠ كتاب اللباس: ٤٢ - باب القُبّة الحمراء من أَدَم ٥٨٥٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرةَ، قال: حدَّثني عمرُ بنُ أبي زائدةَ، عن عَوْنِ بنِ أبي جُحَيفةَ، عن أبيه قال: أتيتُ النبيَّ نَّهِ وهو في قُبَّةٍ حمراءَ من أَدَم، ورأيتُ بلالاً أخَذَ وَضُوءَ النبيِّ بَّهِ والناسُ يَبْتَدِرونَ الوَضوءَ، فمَن أصابَ منه شيئاً تَسَّحَ به، ومَن لم يُصِبْ منه شيئاً أخَذَ من بَلَلِ يدِ صاحبِهِ. ٥٨٦٠- حدَّثنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، أخبرني أنسُ بنُ مالكِ (ح) وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبَرَني أنسُ بنُ مالكِ ظُ، قال: أرسَلَ النبيُّ ◌َ إلى الأنصار، وجَمَعَهم في قُبَةٍ مِن أَدَم. قوله: ((باب القُبّ الحمراء من أَدَم)) بفتح الهمزة والمهمَلة: هو الجِلد المدبوغ، وكأنَّه صُبِغَ بحُمرةٍ قبل أن يُجْعَل قُبّة. ذكر فيه طَرَفاً من حديث أبي جُحَيفةَ، وقد تقدَّم في أوائل الصلاة (٣٧٦) بتمامه مشروحاً، وساقَه فيه بهذا الإسناد بعينِهِ، والغرض منه هنا قولُه: ((وهو في قُبّة حمراء من أدَم))، فهو مُطابِقٍ لما تَرجَمَ له. وتقدَّم شرح الحُلّة الحمراء قريباً في (باب الثَّوب الأحمر))(١) ولعلَّه أراد الإشارةَ إلى تضعيف حديث رافع المقدَّم ذِكْرُه هناك. ثم ذكر حديث أنس قال: ((أرسَلَ النبيُّ نَّه إلى الأنصار، فجَمَعهم في قُبَّة من أدَم)) وهو أيضاً طرفٍ من حديث أورَدَه بتمامه في كتاب الخُمس (٣١٤٧) عن أبي اليَمَان بهذا الإسناد بعينِهِ، قال الكِرْمانيُّ: هذا لا يدلّ على أنَّ القُبّة حمراء، لكن يكفي أنَّه يدلّ على بعض التَّرجمة، وكثيراً ما يفعل البخاريُّ ذلك. قلت: ويُمكِن أن يقال: لعلَّه ◌َمَلَ المطلَق على المقَيَّد وذلك لقُربِ العهد، فإِنَّ القصّة التي ذكرها أنسُ كانت في غزوة حُنَينٍ، والتي ذكرها أبو جُحَيفةً كانت في حَجّة الوَدَاعِ، وبينهما نحو سنتين، فالظّهرِ أنَّها هي تلك القُبّة، لأنَّه ◌َ ل﴿ ما كان يَتأَنَّق في مثل ذلك حتَّى يَستَبدِل، (١) باب رقم (٣٥). ١٢٢ باب ٤٣ / ح ٥٨٦١ فتح الباري بشرح البخاري وإذا وَصَفَها أبو جُحَيفةَ بأنَّها حمراء في الوقت الثّاني، فلَأَن تكون حُرَتها موجودة في الوقت الأوَّل أَوْلى. قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس، عن ابن شِهاب)» هو الزُّهْريُّ المذكور في السَّنَد الذي قبله، وقد اقتَطَعَ هذه الجملة من الحديث فساقَها على لفظ اللَّيث، وأوَّل حديث شُعَيب عنده في فرض الخمس (٣١٤٧): أنَّ ناساً من الأنصار قالوا حين أفاءَ اللهُ على رسوله من أموال هَوَازِنَ ما أفاءَ - فذكر القصَّة - قال: فحُدِّث رسول الله وَّهِ بِمَقالتِهِم، فأرسَلَ إلى الأنصار، فجَمَعهم في قُبه من أدَم ... الحديث بطولِه، وقد تقدَّم شرحه في غزوة حُنَينٍ (٤٣٣١). وقد وَصَلَ الإسماعيليّ روايةَ اللَّيث من طريق الرَّماديّ، حدَّثنا أبو صالح، حدَّنا اللَّيث، حدَّثني يونسُ، ومن طريق حَرمَلة عن ابن وهب أخبرني يونس، وساقَه بلفظ: فحُدِّث رسول الله ﴿، فأرسَلَ إلى الأنصار، فجَمَعهم في قُبَّة من أدَم؛ هكذا اقتَطَعَه، وقد أخرجه ٣١٤/١٠ مسلم (١٣٢/١٠٥٩) عن حَرمَلة، وأوَّله عنده: / إنَّ ناساً من الأنصار قالوا يوم حُنَينٍ حين أفاءَ اللهُ ... فذكر الحديث بطولِه. ٤٣- باب الجلوس على الحصير ونحوه ٥٨٦١ - حذَّثني محمَّدُ بنُ أبي بكرٍ، حدَّثنا مُعتَمِّرٌّ، عن عُبيدِ الله، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَِّ كان يَحْتَجِرُ حَصِيراً باللَّيلِ فِيُصَلّي، ويَبسُطُهُ بالَّهارِ فِيَجْلِسُ عليه، فجَعَلَ الناسُ يَثُوبونَ إلى النبيِّ وَّهِ فَيُصَلّونَ بصلاتِهِ حتَّى كَثُروا، فأقبَلَ فقال: ((يا أيُّها الناسُ، خُذُوا من الأعمالِ ما تُطِيقونَ، فإنَّاللهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وإنَّ أحَبَّ الأعمالِ إلى الله ما دامَ وإنْ قَلَّ)). قوله: ((باب الجلوس على الحصير ونحوه)) أمَّا الحَصير فمعروف، يُتَّخَذ من السَّعَف وما أشبَهَه، وأمَّا قوله: ((ونحوه)) فيريد من الأشياء التي تُبسَط وليس لها قَدرٌ رَفيع. ذكر فيه حديث عائشة: ((أنَّ النبيَّ وَ لِهِ كان يَتَجِر حَصيراً باللَّيلِ ويُصَلّ عليه»، ومُعتَمِر في إسناده: هو ابن سليمان التَّيْمَيّ، وعُبيد الله: هو ابن عمر العُمَريّ، وسعيد: هو المقبريُّ، ١٢٣ باب ٤٤ / ح ٥٨٦٢ كتاب اللباس وفي السَّنَد ثلاثة من التابعينَ في نَسَقٍ أوَّلهم أبو سَلَمة، وهم مَدَنّونَ، وفيه إشارة إلى ضعف ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (١) من طريق شُرَيح بن هانئ أنَّه سألَ عائشة: أكان النبيّ وَلِ يُصَلّي على الحَصِير، والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]؟ فقالت: لم يكن يُصَلّي على الحصير؛ ويُمكِن الجمعُ بحملِ النَّفي على المداومة، لكن تخدش فيه ما ذكره شُرَيح من الآية، وقد تقدَّم شرح حديث عائشة في كتاب الصلاة (٧٢٩ و ٧٣٠)، وتَرجَمَ المصنّف في أوائل الصلاة: ((باب الصلاة على الحصير))، وأورَدَ فيه حديث أنس (٣٨٠): فقُمتُ إلى حَصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ ... الحديث، وسَبَقَ ما يَتَعلَّق به. قوله في حديث عائشة: ((يَحْتَجِر)) بحاءِ مُهملة ثمَّ جيم ثمَّ راءٍ مُهمَلة للأكثر، أي: يَتَّخِذ حُجْرةً لنفسِه، يقال: حَجَرتُ الأرضَ واحتَجَرتُها: إذا جَعَلتَ عليها علامة تمنعها عن غيرك. ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ بزايٍ في آخره. قوله: ((يُوبونَ)) بِمُثْلَّئةٍ ثُمَّ موخَّدة، أي: يَرجِعونَ. وقوله فيه: ((فإنَّ الله لا يَمَلّ حتَّى تَمَلّوا)) تقدَّم شرحه أيضاً في كتاب الإيمان (٤٣)، وأنَّ المِلَال كِناية عن القَبُول أو التَّرك، أو أطلقَ على سبيل المشاكلة. وقوله: ((وإنَّ أحَبَّ الأعمال إلى الله ما دامَ)) أي: ما استَمرَّ في حياة العامل، وليس المراد حقيقة الدَّوَام التي هي شُمُول جميع الأزمِنة، ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((ما داوَمَ)) أي: ما داومَ عليه العامل. ٤٤- باب المزرَّر بالذهب ٥٨٦٢- وقال اللَّيثُ: حدَّثني ابنُ أبي مُلَيكةَ، عن الِسْوَرِ بنِ تَخَرَمةَ: أنَّ أباه نَرَمةَ قال له: يا بُنِيَّ، إِنَّه بَلَغَنِي أَنَّ النبيَّ ◌َّلَ قَدِمَت عليه أقِيةٌ فهو يَقْسِمُها، فاذهَبْ بنا إليه، فذهبنا فَوَجَدْنا النبيَّ ◌َّل في مَنْزِلِهِ، فقال لي: يا بُنِيَّ، ادْعُ لِيَ النبيَّ نَّهِ، فَأعظَمْتُ ذلك، فقلتُ: أَدْعُو لكَ رسولَ الله ◌ِ﴾؟! (١) في ((مسنده)) كما في («إتحاف الخيرة)) (١٧٣١)، وعنه أبو يعلى في ((مسنده)) (٤٤٤٨)، ولا بأس برجاله، إلّ أنه شاذٌّ مردود لمخالفته ما هو أصحَّ منه كحديث عائشة المذكور في الباب وغيره. ١٢٤ باب ٤٥ / ح ٥٨٦٣ فتح الباري بشرح البخاري فقال: يا بُنيَّ، إِنَّه ليس بجَبّارٍ، فَدَعَوْتُه، فخَرَجَ وعليه قَبَاءٌ من دِيباج مُزَرَّرٌ بالذَّهَب، فقال: ((يا مَخَرَمةُ، هذا خَبَأْناه لكَ))، فأعطاه إيّاه. قوله: ((باب المزَرَّر بالذَّهَبِ» أي: من الثياب. ٣١٥/١٠ قوله: ((وقال اللَّيث)) وَصَلَه أحمد (١٨٩٢٧) عن أبي النَّضر هاشم بن القاسم عن اللَّيث بلفظه، وللإسماعيليِّ من رواية كامل بن طلحة: ((حدَّثنا اللَّيث))، وقد تقدَّم موصولاً قريباً (٥٨٠٠)، وفي الهِبة (٢٥٩٩) عن قُتَيبة عن اللَّيث لكن بغير هذا اللَّفظ. قوله: ((أنَّ أباه تَخَرَمة قال: يا بُنيّ)) في رواية الكُشْمِيهنيُّ: قال له، وقد تقدَّم شرح الحديث قریباً (٥٨٠٠) في ((باب القباء وفرّوج من حریر)). وقوله: ((فخَرَجَ وعليه قَبَاءٌ من ديباج مُزَرَّر بالذَّهَب)) هذا يحتمل أن يكون وَقَعَ قبل التَّحريم، فلمَّا وَقَعَ تحريم الحرير والذَّهَب على الرِّجال، لم يَبقَ هذا حُجّة لمن يُبيح شيئاً من ذلك، ويحتمل أن يكون بعد التَّحريم، فيكون أعطاه ليَتَفِع به بأن يَكسُوَه النِّساء، أو ليبيعَه كما وَقَعَ لغيره، ويكون معنى قوله: ((فخَرَجَ وعليه قَباء)) أي: على يده، فيكون من إطلاق الكلّ على البعض، وقد تقدَّم أنَّه أراد تطبيبَ قلب مَخَرَمةَ، وأَنَّه كان في خُلُقُه شيء. وفي قوله لولدِه في هذه الرِّواية لمَّا قال له: ((أَدْعُو لك النبيَّ ◌ََّ؟!)) في مَعرِض الإنكار لقوله: ((ادعُه لي))، فأجابَه بقولِه: ((يا بُنيّ إِنَّه ليس بجَبّارٍ))، ما يدلّ على صِحّة إيمان ◌َرَمةَ، وإن كان قد وُصِفَ بأنَّه سَيِّىع الْخُلُق، وفيه تواضعُ النبيّ ◌َِّ، وحسنُ تَلَطُّفْه بأصحابِهِ. ٤٥- باب خواتیم الذهب ٥٨٦٣- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبَةُ، حذَّثنا أشعَثُ بنُ سُلَيم، قال: سمعتُ معاويةَ بنَ سُوَيدِ ابنِ مُقرِّنٍ، قال: سمعتُ البراءَ بنَ عازِبٍ رضي الله عنهما يقول: نَهانا النبيُّ ◌َِّ عن سبعٍ: نَهَى عن خاتَمِ الذَّهَبِ - أو قال: حَلْقَةِ اللَّهَبِ - وعن الحريرِ والإستَبَرَقِ، والدِّيياجِ، والمِثَرةِ الحمراءِ، والقَسِِّيِّ، وآنيةِ الفِضّةِ، وأُمُرَنا بسَبْعٍ: بعِيادةِ المريضِ، واتِّباع الجنائزِ، وتَشْمِيتِ العاطِسِ، وَرَدِّ السَّلامِ، وإجابةِ الدَّاعي، وإبرارِ المُقْسِمِ، ونَصْرِ المظلومِ. ١٢٥ باب ٤٥ / ح ٥٨٦٣ كتاب اللباس قوله: ((باب خَواتيم الذَّهَب)) جمع خاتَم، ويُجمَع أيضاً على خَواتِم بلا ياء، وعلى خَيَاتيم بياءٍ بَدَل الواو، وبلا ياء أيضاً، وفي الخاتم ثمان لُغات: فتح التاء وكسرها، وهما واضحتان، وبتقديمِها على الألف مع كسر الخاء: خِتَام، وبفتحها وسكون التَّحتانيَّة وضمّ المثنّاة بعدها واو: خَيْتوم، وبحذفِ الياء والواو مع سكون المثنّاة: خَتْم، وبألفٍ بعد الخاء وأُخرى بعد التاء: خاتام، وبزيادة تحتانيَّة بعد المثنّاة المكسورة: خاتِيَام، ويحذفِ الأولى وتقديم التَّحتانيَّة: خَيْتام، وقد جمعتُها في بیت وهو: / ٣١٦/١٠ خاتامُ خاتِمُ خَتْمٌ خاتَمٌ وخِتا مُّ خاتِيَامٌ وخَيْتُومٌ وَخَيْتَامُ وقبله: خُذْ نظمَ عَدِّ لُغات الخاتم انتَظَمَتْ ثمانياً ما حَوَاها قبلُ نِظامُ ثمَّ زِدتُ ثالثاً: وهمزُ مفتوحِ تاءِ تاسعٌ وإذا ساغَ القياسُ أتمَّ العَشْرَ خَأْتَامُ أمَّا الأوَّل: فذكر أبو البَقَاء في ((إعراب الشَّواذّ) في الكلام على مَن قرأ: ((العَأْلمِينَ)) بالهمز قال: ومثله الخأتم بالهمز، وأمَّ الثّاني: فهو على الاحتمال، واقتَصَرَ كثيرونَ منهم النَّوويّ على أربعة، والحقّ أنَّ الحَتْم والخِتام مُخْتَصّ بما يُخْتَم به، فتَكمُّل الثَّمان فيه، وأمَّا ما يُتَزَيَّن به فليس فيه إلّا ستّة، وأنشَدوا في الخاتِيَام، وهو أغربُها: أخذْتَ من سُعْداكَ خاتِيَاما لمَوْعِدٍ تَكْتَسِبُ الآثاما ذکر فیه ثلاثة أحاديث: الأول: حديث البراء قال: ((نَهانا رسول الله وَله عن سبع: نَهانا عن خاتَم الذَّهَب، أو قال: حَلْقة الذَّهَب)) كذا في هذه الطَّريق من رواية آدم عن شُعْبة عن أشعَث بن سُلَيم - وهو ابن أبي الشَّعثاء - سمعت معاوية بن سُوَيد بن مُقرِّن قال: سمعتُ البراء، فذكره بتقدیم النَّواهي على الأوامر، وتقدَّم في أوائل الجنائز (١٢٣٩) عن أبي الوليد عن شُعْبة بقديمِ الأوامر ١٢٦ باب ٤٥ / ح ٥٨٦٤ فتح الباري بشرح البخاري على النَّواهي، لكن سَقَطَ من النَّواهي ذِكْر الميائِرِ، وقال فيه: ((خاتَم الذَّهَب)) ولم يَشُكَّ، وأورَدَه في المظالم (٢٤٤٥) عن سعيد بن الرَّبيع عن شُعْبة لكن لم يَسُقْ فيه المنهيّات جُملة، وأورَدَه في الطِّبّ (٥٦٥٠) عن حفص بن عمر عن شُعْبة، لكن سَقَطَ من النَّواهي ((آنية الفِضّة))، وذكر من الأوامر ثلاثة فقط: اتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإفشاء السَّلام، واختَصَرَ الباقي، وقال فيه أيضاً: ((خاتَم الذَّهَب))، وأورَدَه في أواخر الأدب (٦٢٢٢) عن سليمان بن حَرْب عن شُعْبة كذلك، لكن لم يَذْكُر ((القَسِّ)) ولا (آنية الفِضّة))، وقال بَدَل ((الإستَبَرَق)): السُّندُس، وأخرجه في الأيمان والنُّدور (٦٦٥٤) من طريق غُندَر عن شُعْبة مُقتَصِراً على إبرار القَسَم حَسْب، فهذا ما عنده من تَغايُر السّياق في رواية شُعْبة فقط. وأمَّا من رواية غيره عن أشعَثَ عنده أيضاً، فإنَّه أخرجه في الأشربة (٥٦٣٥) فقط من رواية أبي عَوَانة عن الأشعَث، فقَدَّمَ الأوامر على النَّواهي وساقَه تامّاً، وقال فيه: ونهانا عن خواتيم الذَّهَب، وهكذا أخرجه في الوليمة (٥١٧٥) من طريق أبي الأحوص عن أشعَث مِثْلَه سواء، وهو المطابِق للتَّرجمة هنا، وأخرجه في أوائل الاستئذان (٦٢٣٥) من طريق جَرِير عن أشعَث كذلك، لكن قال: وَى عن تَخْتُّم الذَّهَب، وقد تقدَّم قريباً في اللِّباس (٥٨٣٨) من رواية سفيان الثَّوريّ في آخر ((باب القَسِِّيّ)) مختصراً جدّاً: نَهانا عن المياثِر الحُمْر وعن القَسّ، وفي («باب المِيثَرة الحمراء)) (٥٨٤٩) من روايته: ((أمَرَنا بسبع)) فذكر منها العيادة واتِباع الجنائز وتشميت العاطس ((ونَهانا عن سبع)) فلم يَذكُر منها خاتَم الذَّهَب ولا آنية الفِضّة، فهذه جميع طرق هذا الحديث عنده، فأمَّا المنهيّات فقد شُرِحَت في أماكنها، ومُعظَمها من هذا الكتاب كتاب اللُّباس، وتقدَّم الكلام على آنية الفِضّة في كتاب الأشربة (٥٦٣٥)، وأمَّا الأوامر فنذكر كلّ واحدة منها في بابها، ويأتي بَسطُها في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى. ٥٨٦٤- حذَّثني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌّ، حدَّثنَا شُعْبةُ، عن قَتَادَ، عن النَّضْرِ بنِ أنسٍ، عن بَشِيرِ بنِ نَبِيكِ، عن أبي هريرةَ ◌ُّ، عن النبيِّ وََّ: أَنَّهَ نَهَى عن خاَتَمِ الذَّهَبِ. ١٢٧ باب ٤٥ / ح ٥٨٦٤ كتاب اللباس وقال عَمْرٌو: أخبَرَنا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، سمعَ النَّضْرَ، سمعَ بَشِيراً ... مِثلَه. الحديث الثاني: حديث أبي هريرة. قوله: ((عن بَشِير بن نَهِيك)) بفتح الموحّدة وكسر المعجمة، و («نَهِیك» بالنّون وزنه سواء. قوله: (عن النبيّ پ﴾: أنَّه نَھی عن خاتم الذَّهَب» في الكلام حذف تقدیرہ: نَھی عن لُبس خاتم الذَّهَب. قوله: ((وقال عَمْرو)) هو ابن مرزوق ((أنبأنا شُعْبة)) ساقَ هذا الإسناد لما فيه من بيان سماع قَتَادة من النَّضر - وهو ابن أنس بن مالك المذكور في السَّنَد الذي قبله - وسماع النَّضر من بشير بن نَهِيك، وقد وَصَلَه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٨٦٠٩) عن أبي قلابةً الرَّقَاشِيّ، وقاسم بن أصبَغ في ((مصنَّفه)) عن محمَّد بن غالب بن / حَرْب، كلاهما عن عَمْرو ٣١٧/١٠ ابن مرزوق به، ووَقَعَ التَّصريح بسماع قَتَادة من النَّضر بهذا الحديث أيضاً في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ (٢٥٧٤) عن شُعْبة، وأخرجه الإسماعيليّ كذلك. قال ابن دقيق العيد: إخبار الصحابيّ عن الأمر والنَّهي على ثلاث مراتب: الأولى: أن يأتي بالصِّيغة كقوله: افعَلوا أو لا تَفعَلوا، الثّانية: قوله: أمَرَنا رسول الله صل﴾ بكذا ونهانا عن كذا، وهو كالمرتبة الأولى في العَمَل به أمراً وتَهياً، وإنَّما نزلَ عنها لاحتمال أن يكون ظنَّ ما ليس بأمرٍ أمراً، إلّا أنَّ هذا الاحتمال مرجوح للعِلْمِ بعَدالَتِهِ ومَعرِفَته بمدلولات الألفاظ لغةً، المرتبة الثالثة: أُمِرنا وتُهينا على البناء للمجهولِ وهي كالثّانية، وإنَّما نزلت عنها لاحتمال أن يكون الآمِرُ غيرَ النبيّ ◌َّهِ، وإذا تَقرَّرَ هذا فالنَّهي عن خاتَم الذَّهَب أو التَّخَتُّم به مُخْتَصّ بالرِّجال دونَ النِّساء، فقد نُقِلَ الإجماع على إباحته للنِّساءِ. قلت: وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٤٦٥/٨-٤٦٦) من حديث عائشة: أنَّ النَّجاشيّ أهدَى للنبيِّ وَّ حِليةً فيها خاتَم من ذهب، فأخذه وإِنَّه لَمُعرِض عنه، ثمَّ دَعَا أُمامةَ بنت ابنته فقال: (قَلَِّ به)(١). (١) قصَّر الحافظ رحمه الله في تخريج هذا الحديث، فقد أخرجه أيضاً أحمد (٢٤٨٨٠)، وأبو داود (٤٢٣٥)، وابن ماجه (٣٦٤٤)، وسنده حسن. ١٢٨ باب ٤٥ / ح ٥٨٦٤ فتح الباري بشرح البخاري قال ابن دقيق العيد: وظاهرُ النَّهي التَّحريم، وهو قول الأئمّة واستَقرَّ الأمرُ عليه، قال عِيَاض: وما نُقِلَ عن أبي بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم من تَّخَتُّمه بالذَّهَبِ فشُذوذ، والأشبه أنَّه لم تَبلُغه السُّنّة فيه، فالناس بعده مُجمِعونَ على خِلَافه، وكذا ما روي فيه عن خَبّاب وقد قال له ابن مسعود: أما آنَ لهذا الخاتَم أن يُلقَى؟ فقال: إنَّك لن تَراه عليَّ بعد اليوم(١)؛ فكأنَّه ما كان بَلَغَه النَّهيُ فلمَّا بَلَغَه رَجَعَ. قال: وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ لُبسَه للرّجال مكروه كراهةً تنزيه لا تحريم، كما قال ذلك في الحرير، قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي إثبات الخِلاف في التَّحريم، وهو يناقض القول بالإجماع على التَّحريم، ولا بُدّ من اعتبار وَصْفٍ كَونِه خاتماً. قلت: التَّوفيق بين الكلامَينِ تُمكِن، بأن يكون القائل بكراهة التَّنزيه انقَرَضَ، واستَقرَّ الإجماعُ بعده على التَّحريم، وقد جاء عن جماعة من الصحابة لُبسُ خاتَم الذَّهَب، من ذلك ما أخرجه ابن أبي شَيْبة من طريق محمّد بن أبي إسماعيل: أنَّه رأى ذلك على سعد بن أبي وقَاص وطلحة بن عُبيد الله وصُهَيب، وذكر ستّة أو سبعة(٣)، وأخرج ابن أبي شَيْبة أيضاً عن حُذَيفة، وعن جابر بن سَمُرة، وعن عبد الله بن يزيد الخَطْميّ نحوه، ومن طريق حمزة ابن أبي أُسَيد: نَزَعنا من يَدَي أُسَيد خاتَماً من ذهب، وأغرَبُ ما وَرَدَ من ذلك ما جاء عن البراء الذي روى النَّهي، فأخرج ابن أبي شَيْبة (٨/ ٤٧٠) بسندٍ صحيح عن أبي السَّفَر قال: رأيتُ على البراء خاتماً من ذهب، وعن شُعْبة عن أبي إسحاق نحوه، أخرجه البَغَويُّ في ((الجَعْديّات))(٣)، وأخرج أحمد (١٨٦٠٢) من طريق محمّد بن مالك قال: رأيت على البراء خاتَماً من ذهب، فقال: قَسَمَ رسول الله وَّرَ قَسْماً فألبَسَنيه، فقال: ((البَسْ مَا كَسَاك الله ورسوله)) قال الحازميّ: إسناده ليس بذاكَ(٤)، ولو صَحَّ فهو منسوخ. (١) سلف في ((الصحيح)) برقم (٤٣٩١). (٢) الذي في مطبوع ((المصنّف)) ٤٦٩/٨: ابن أبي نجيح، عن محمد بن إسماعيل، قال: حدثني من رأى طلحة ابن عبيد الله وسعداً وذكر ستة أو سبعة عليهم خواتيم الذهب. (٣) لم نقف عليه فيه، وهو في ((مصنف ابن أبي شيبة)) أيضاً ٤٦٩/٨. (٤) واستنكره الإمام الذهبي في ((الميزان)) ٢/ ٥٢٠. ١٢٩ باب ٤٥ / ح ٥٨٦٤ كتاب اللباس قلت: لو ثَبَتَ النَّسخ عند البراء ما لَبِسَه بعد النبيّ ◌َِّ، وقد رُويَ حديث النَّهي التَّفَق على صِحَّته عنه، فالجمع بين روايته وفِعْله: إمّا بأن يكون حمَلَ النهيَ على الَّنزيه، أو فَهِمَ الخَصُوصَيَّة له من قوله: ((البَسْ ما كَسَاك الله ورسوله))، وهذا أولى من قول الحازميّ: لعلَّ البراء لم يَبلُغه النَّهي، ويُؤْيِّده الاحتمال الثّاني: أنَّه وَقَعَ في رواية أحمد: كان الناس يقولون للبراءِ: لِمَ تَنَختم بالذَّهَبِ وقد نهى عنه رسول الله ێ؟ فیذُر لهم هذا الحديث، ثمَّ يقول: کیف تأمُّرونَني أن أُضِيعَ ما قال رسول الله ◌ِّهِ: ((البَسْ مَا كَسَاك اللهُ ورسوله)). ومن أدلّة النَّهي أيضاً: ما رواه يونس عن الزُّهْريِّ عن أبي إدريس عن رجل له صُحْبة قال: جَلَسَ رجل إلى رسول الله،وَ له وفي يده خاتَم من ذهب، فَقَرَعَ رسول الله وَلَّ يده بقَضيبٍ، فقال: ((ألْقِ هذا))(١)، وعُموم الأحاديث المقدَّمِ ذِكْرها في ((باب لُبس الحرير))(٢) حيثُ قال في الذَّهَب والحرير: ((هذانِ حَرامانٍ على رجال أمَّتي، حِلَّ لإنائِها)»(٣)، وحديث عبد الله بن عَمْرو رَفَعَه: ((مَن ماتَ من أمَّتي وهو يَلْبَسُ / الذَّهَب، حَرَّمَ الله عليه ذهب الجنَّة)) الحديث، أخرجه ٣١٨/١٠ أحمد (٦٥٥٦) والطبرانيّ (١٤٥١٦). وفي حديث ابن عمر ثالثٍ أحاديث الباب ما يُستَدَلّ به على نَسْخ جواز لُبس الخاتَم إذا كان من ذهب، واستُدِلَّ به على تحريم الذَّهَب على الرِّجال قليله وكثيره للنَّهي عن التَّخَتُّم وهو قليل، وتَعقَّبَه ابن دقيق العيد: بأنَّ التَّحريم يتناول ما هو في قَدْر الخاتَم وما فوقه، كالدُّملُج والمِعِضَد وغيرهما، فأمَّا ما هو دونه فلا دلالةَ من الحديث عليه، وتناولَ النَّهيُ جميع الأحوال، فلا يجوز لُبس خاتَم الذَّهَب لمن فاجَأَه الحرب، لأنَّه لا تَعلُّقَ له بالحرب، بخِلَاف ما تقدَّم في الحرير من الرُّخصة في لُبسِه بسببِ الحرب، ويخِلَاف ما على السَّيف أو التُّرس أو المِنطَقة من حِلْية الذَّهَب، فإِنَّه لو فَجَأه الحربُ جازَ له الضَّرب بذلك السَّيف، فإذا انقَضَتِ الحرب فليُنَقَضْ، لأنَّه كلّه من مُتعلِّقات الحرب، بخِلَاف الخاتم. (١) أخرجه النسائي (٥١٩١)، وانظر ((مسند أحمد)) (١٧٧٤٩). (٢) باب رقم (٢٥). (٣) تقدم تخريجه والكلام عليه في باب (٣٠) الحرير للنساء. ١٣٠ باب ٤٦ / ح ٥٨٦٥ -٥٨٦٧ فتح الباري بشرح البخاري ٥٨٦٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن عُبيدِ الله، قال: حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله ◌َ﴾: أنَّ رسولَ اللهَِّ اتَّخَذَ خاتماً من ذهبٍ، وجَعَلَ فَصَّه ممَّ بَلِي كَفَّ، فَاتَّخَذَه الناسُ، فَرَمَى به، والتَّخَذَ خَاتَماً من وَرِقٍ أو فِضّةٍ. [أطرافه في: ٥٨٦٦، ٥٨٦٧، ٥٨٧٣، ٥٨٧٦، ٧٢٩٨،٦٦٥١] الحديث الثالث: حديث ابن عمر، سيأتي شرحه في الباب الذي يليه. وقوله فيه: ((فاتَّخَذَه الناسُ)) أي: اَّخذوا مِثْلَه كما بيَّنه بعدُ. وقوله: ((من وَرِق أو فِضّة)) شكٌّ من الراوي، وجَزَمَ في الذي يليه بقولِه: من فِضّة، وفي الذي یلیه بأنَّه: من وَرِق. والوَرِق: بفتح الواو وكسر الرّاء ويجوز إسكانها، وحكى الصَّغَانيّ ... (١) وحُكيَ كسر أوَّله مع السُّكون، فتلكَ أربع لُغات، وفيها لغة خامسة: الرِّقَة، والتاء بَدَل الواو كالوَعْدِ والعِدَة، وقيل: الوَرِقِ يَخْتَصّ بالمصكوكِ والرِّقَة أَعَمُّ. ٤٦ - باب خاتم الفضّة ٥٨٦٦- حدَّثنا يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا عُبيدُ الله، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ النَّخَذَ خَاتَماً من ذهبٍ - أو فِضّةٍ - وجَعَلَ فَصَّه ◌ِمَّا يَلِي كَفَّه، ونَقَشَ فيه: محمَّدٌ رسولُ الله، فاتَّخَذَ الناسُ مِثْلَه، فلمَّا رآهم قد اتَّخذوها رَمَى به، وقال: ((لا أَلْبَسُه أبداً»، ثمَّ اَّخَذَ خاتَماً من فِضّةٍ، فاَّخَذَ الناسُ خواتيمَ الفِضّةِ. قال ابنُ عمرَ: فَلَبِسَ الخاتَمَ بعدَ النبيِّ ◌َّ أبو بكرٍ، ثمَّ عمرُ، ثمَّ عثمانُ، حتَّى وَقَعَ من عثمانَ في بثْرِ آَرِيسٍ. ٥٨٦٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالكِ، عن عبدِ الله بنِ دِينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يَلْبَسُ خاتماً من ذهبٍ، فتَبَذَه فقال: ((لا أَلْبَسُه أبداً»، فتَبَذَ الناسُ خواتيمَهم. (١) هنا بياض بأصله، قال مصحح طبعة بولاق: ولعل موضعه لفظ ((فتحها)) أي: الراء، بدليل قوله بعدُ: فتلك أربع لغات. ١٣١ باب ٤٦ / ح ٥٨٦٧ كتاب اللباس ٣١٩/١٠ / قوله: (باب خاتَم الفِضّة)) أي: جواز لُبسِه. وذکر فیه حدیثین: الأول: قوله: ((عُبيد الله)) هو ابن عمر العُمَريّ. قوله: ((اتَّخَذَ خاتماً من ذهب)) معنى اَّخَذَه: أمَرَ بصِياغَتِهِ فصِيغَ فَلَبِسَه، أو وَجَدَه مَصُوغاً فاتَّخَذَه. وقوله: ((مَا يَلي باطِنَ كَفّه)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: بطنَ كَفّه، زاد في روایة جُوَیریة عن نافع كما سيأتي قريباً (٥٨٧٦): إذا لَبِسَه. وقوله: ((ونَقَشَ فيه: محمَّدٌ رسولُ الله)) كذا فيه بالرَّفع على الحكاية، ونَفَشَ، أي: أمَرَ بنقشِه. قوله: ((فاَّخَذَ الناسُ مِثْله)) يحتمل أن يكون المراد بالمِثِليَّة كَونَه من فِضّة، وكَونَه على صورة النَّقش المذكورة، ويحتمل أن يكون لمطلَقِ الاتّخاذ. وقوله: ((فَرَمَى به وقال: لا ألبَسُه أبداً» وَقَعَ في رواية جويرية عن نافع: فَرَقِيَ المِنْبَرَ، فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، فقال: ((إنّي كنت اصطَنَعتُه، وإنّي لا ألبَسُه))، وفي رواية المغيرة بن زياد (١): فَرَمَى به، فلا نَدري ما فَعَلَ، وهذا يحتمل أن يكون كَرِهَه من أجل المشارَكة، أو لما رأى من زَهْوِهم بلُبِه، ويحتمل أن يكون لكَونِه من ذهبٍ وصادَفَ وقتَ تحريم لُبس الذَّهَب على الرِّجال، ويُؤيِّد هذا رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر المختصرة في هذا الباب بلفظ: كان رسول الله ﴿ ﴿ يَلْبَس خاتماً من ذهب، فَنَبَذَه فقال: ((لا ألبَسُه أبداً». وقوله: ((واَّخَذَ خاتماً من فِضّة)) في رواية المغيرة بن زياد: ثمَّ أمَرَ بخاتم من فِضّة، فأمَرَ أن يُنقَش فيه: محمَّدٌ رسولُ الله)). قوله: ((فاتَّخَذَ الناسُ خَواتيمَ الفِضّة)) لم يَذكُر في حديث ابن عمر في اتّخاذ الناس خَواتيمَ الفِضّة منعاً ولا كراهية، وسيأتي ذلك في حديث أنس (٥٨٦٨). (١) عند النسائي (٥٢١٧). ١٣٢ باب ٤٦ / ح ٥٨٦٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال ابن عمر: فَبِسَ الخاتَمَ - بعد النبيّ ◌ََّ ـ أبو بكر ثمَّ عمر ثمَّ عثمان، حتَّى وَقَعَ من عثمان في بثْر أَرِيسَ)) بفتح الهمزة وكسر الرَّاء وبالسِّين المهمَلة وزن عَظيم: وهي في حديقة بالقُربِ من مسجد قُباء، وسيأتي في ((باب نَقْش الخاتم)) قريباً (٥٨٧٣) من رواية عبد الله بن نُمَیر عن عُبيد الله العُمَريّ بلفظ: ثمَّ كان بعدُ في يد أبي بَكر، وذكر عمر وعثمان بمِثْلِ هذا التَّرتیب، ويأتي بعدُ في ((باب هل يُجُعَل نقش الخاتَم ثلاثة أسطُر؟)) (٥٨٧٩) من حديث أنس نحوه، وقال فيه: فلمَّا كان عثمان جَلَسَ على بئر أَريس، وزاد ابن سعد (٤٧٦/١ -٤٧٧) عن الأنصاريّ بسندِ المصنِّف: ثمَّ كان في يد عثمان ستّ سنين؛ ثمَّ اتَّفَقا. ووَقَعَ في حديث ابن عمر عند أبي داود (٤٢٢٠) والنَّسائيِّ (٥٢١٧) من طريق المغيرة ابن زياد عن نافع من الزيادة في آخره عن ابن عمر: فاتَّخَذَ عثمان خاتَماً، ونَقَشَ فيه: محمَّد رسول الله، فكان يَخْتِم به - أو يَتَخْتَّم به-، وله شاهد من مُرسَل عليّ بن الحسين عند ابن سعد في ((الطَّبقات)) (١/ ٤٧٧) (١)، وفي رواية أيوب بن موسى عن نافع عند مسلم (٥٥/٢٠٩١) نحو حديث عُبيد الله بن عمر عن نافع إلى قوله: ((فجَعَلَ فصَّه مَّا يَلي كَفَّه)) قال: وهو الذي سَقَطَ من مُعَيقيب في بئر أَريس، وهذا يدلُّ على أنَّ نِسبةَ سقوطه إلى عثمان نسبة مَجَازِيَّة أو بالعكس، وأنَّ عثمان طلبه من مُعَیقیب فخَتَمَ به شيئاً، واستمرّ في يده وهو مُفكّر في شيء يَعْبَثُ به، فسَقَطَ في البئر، أو رَدَّه إليه فسَقَطَ منه، والأوَّل هو الموافق لحديثِ أنس، وقد أخرج النَّسائيُّ (٥٢١٧) من طريق المغيرة بن زياد عن نافع هذا الحديثَ وقال في آخره: وفي يد عثمان ستَّ سنين من عَمَله، فلمَّا كَثُرَت عليه، دَفَعَه إلى رجل من الأنصار فکان تختِم به، فخَرَجَ الأنصاريّ إلى قَلِيبٍ لعثمان فسَقَطَ، فالتُّمِسَ فلم يُوجَد. الطريق الثانية لحديث عمر: قوله: ((كان رسول الله وَل﴿ يَلَبَس خاَماً من ذهب، فتَبَذَه)) كذا رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه سفيان الثَّوريّ عن عبد الله بن دينار أتمَّ منه، وسِياقُه نحو رواية نافع التي قبلها، (١) ولفظه: فلما أخذه عثمان سقط فهلك، فنقش عليٌّ نقشَه؛ لم يذكر ذلك لعثمان. ١٣٣ باب ٤٦ / ح ٥٨٦٨ كتاب اللباس وسيأتي في الاعتصام (٧٢٩٨)، وكذا أخرجه أحمد (٥٨٨٧) والنَّسائيُّ (٥١٦٤) من رواية إسماعیل بن جعفر عن عبد الله بن دینار. الحديث الثاني: ٥٨٦٨- حدَّثني يحيى بنُ بُكَير، حذَّثنا اللَّيثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حذَّثني أنسُ بنُ مالكٍ ﴾: أنَّه رَأَى في يدِ رسولِ اللهِ﴿ خائَماً من وَرِقٍ يوماً واحداً، ثمَّ إنَّ الناسَ اصطَنَعوا الخَواتيمَ من وَرِقٍ وَلَبِسُوها، فطَرَحَ رسولُ اللهِ وَّرِ خاتَمَه، فَطَرَحَ الناسُ خَواتيمَهم. تابَعَه إبراهيمُ بنُ سعدٍ وزيادٌ وشُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ. وقال ابنُ مُسَافِرٍ، عن الزُّهْريّ: أرَى خاتماً من وَرِقٍ. قوله: ((یونس)) هو ابن یزید الآيلي. قوله: ((أَنَّ رَأَى في يد رسول الله وَّهِ خاتَماً من وَرِق يوماً واحداً، وأنَّ الناس اصطَنَعوا الخَواتيمَ من وَرِق فَلَبِسُوها فطَرَحَ رسول الله وَ﴿ خاتَمَه، فطَرَحَ الناس خواتيمَهم)» هكذا روى الحديثَ الزُّهْريُّ عن أنس، واتَّفَقَ الشَّيخان/ على تخريجه من طريقه ونُسِبَ فيه إلى ٣٢٠/١٠ الغَلَط، لأنَّ المعروف أنَّ الخاتم الذي طَرَحَه النبيّ نَّه بسببِ اتّخاذ الناس مِثْلَه، إنَّما هو خاتَم الذَّهَب كما صَرَّحَ به في حديث ابن عمر، قال النَّوويّ تَبَعاً لِعِيَاضٍ: قال جميع أهل الحديث: هذا وهمٌّ من ابن شِهاب، لأنَّ المطروح ما كان إلّا خاتمَ الذَّهَب، ومنهم مَن تأوَّلَە کما سيأتي. قلت: وحاصل الأجوبة ثلاثة: أحدها: قاله الإسماعيليّ، فإنَّه قال بعد أن ساقَه: إن كان هذا الخبر محفوظاً، فينبغي أن يكون تأويله: أنَّه اَّخَذَ خاتماً من وَرِق على لون من الألوان، وگرِه أن یتَّخِذ غیرُه مثلَه، فلمَّا الَّخَذُوهِ رَمَى به حتَّى رَمَوْا به، ثمَّ انَّخَذَ بعد ذلك ما الَّخَذَه، ونَقَشَ عليه ما نُقِشَ ليَختِمَ به. ١٣٤ باب ٤٦ / ح ٥٨٦٨ فتح الباري بشرح البخاري ثانيها: أشارَ إليه الإسماعيليّ أيضاً: أنَّه اَّخَذَه زينةً، فلمَّا تَبِعَه الناس فيه رَمَى به، فلمَّا احتاجَ إلى الخَتْمِ الَّحْذَه لَيَخْتِم به، وبهذا جَزَمَ المحِبّ الطََّرُّ بعد أن حكى قول المهلَّب، وذكر أنَّه مُتَكلَّف، قال: والظّاهر من حالهم أنَّهم اتَّخَذوها للزّينة، فطَرَحَ خاتَمَه لِيَطَرَحوا، ثمَّ لَبِسَه بعد ذلك للحاجة إلى الختم به واستمرّ ذلك، وسيأتي جواب البيهقيِّ عن ذلك في ((باب اتّخاذ الخاتَم))(١). ثالثها: قال ابن بَطّال: خالَفَ ابنُ شِهاب رواية قَتَادة وثابت وعبد العزيز بن صُهَیب في كَونِ الخاتَم الفِضّة استَقَرَّ في يد النبيّ وَلِ يَخْتِم به، وخَتَمَ به(٢) الخلفاءُ بعده، فَوَجَبَ الحكم للجماعة، وأن يُوهَّم الزُّهْريُّ فيه، لكن قال المهلَّب: قد يُمكِن أن يُتَأوَّل لابنِ شِهاب ما يَنفي عنه الوهمَ، وإن كان الوهمُ أظهَر، وذلك أنَّه يحتمل أن يكون لمَّ عَزَمَ على اطِّراح خاتَمِ الذَّهَب اصطَنَعَ خاتَمَ الفِضّة، بدليلِ أنَّه كان لا يَستَغني عن الخَتْم على الكتب إلى الملوك وغيرهم من أُمَراءِ السَّرايا والعَّال، فلمَّا لَبِسَ خاتمَ الفِضّة أراد الناس أن يَصَنِعوا مثله، فطَرَحَ عند ذلك خاتمَ الذَّهَب، فطَرَحَ الناسُ خَواتيم الذَّهَب. قلت: ولا يخفى وَهْيُ هذا الجواب، والذي قاله الإسماعيليّ أقربُ، مع أنَّه تخدِش فيه أنَّه يَستَلزِمِ الََّاذ خاتم الوَرِق مرَّتَينِ، وقد نَقَلَ عِيَاض نحواً من قول ابن بَطّال قائلاً: قال بعضهم: يُمكِن الجمعُ بأنَّه لمَّا عَزَمَ على تحريم خاتم الذَّهَب الَّخَذَ خاتَم فِضّة، فلمَّا لَبِسَه أراه الناسَ في ذلك اليوم ليعلموا إباحته، ثمَّ طَرَحَ خاتم الذَّهَب وأعلمَهم تحريمه، فطَرَحَ الناس خواتيمَهم من الذَّهَب، فيكون قوله: ((فطَرَحَ خاتَه، وطَرَحوا خواتيمَهم)) أي: التي من الذَّهَب. وحاصله: أنَّه جَعَلَ الموصوف في قوله: ((فطَرَحَ خاتَه، فطَرَحوا خواتيمَهم)) خاتَمَ الذَّهَب وإن لم يجرِ له ذِكْر. (١) باب رقم (٥١). (٢) قوله: ((وختم به)) سقط من (س). ١٣٥ باب ٤٦ / ح ٥٨٦٨ كتاب اللباس قال عِيَاض: وهذا يَسُوغ أن لو جاءتِ الرّواية مُجمَلة. ثمَّ أشارَ إلى أنَّ رواية ابن شهاب لا تحتملُ هذا التَّأويل، فأمَّا النَّوويّ فارتَضَى هذا التَّأويل وقال: هذا هو التَّأويل الصَّحيح، وليس في الحديث ما يَمنَعُه. قال: وأمَّا قوله: ((فصَنَعَ الناسُ الخواتيمَ من الورِق، فلَبِسوها»، ثمَّ قال: ((فَطَرَحَ خاتَه، فطَرَحوا خواتيمَهم)) فيحتمل أنَّهم لمَّا علموا أنَّه وَلَّه يريد أن يَصطَنِعَ لنفسِه خاتَمَ فِضّة، اصطَنَعوا لأنفُسِهِم خواتيمَ الفِضّة، وبَقِيَت معهم خواتيم الذَّهَب، كما يَقِيَ معه خاتمُه إلى أن استَبَدَلَ خاتَمَ الفِضّة وطَرَحَ خاتمَ الذَّهَب، فاستَبَدَلوا وطَرَحوا، انتھی. وأَيَّدَه الكِرْ مانيُّ: بأنَّه ليس في الحديث أنَّ الخاتَم المطروح كان من وَرِق بل هو مُطلَق، فيُحمَل على خاتَم الذَّهَب، أو على ما نُقِشَ عليه نَقشُ خاتَه، قال: ومهما أمكَنَ الجمعُ لا يجوز توهیمُ الراوي. قلت: ويحتمل وجهاً رابعاً ليس فيه تغيير ولا زيادة اتّخاذ، وهو أنَّه النَّخَذَ خاتَم الذَّهَب للزّينة، فلمَّا تَتَابَعَ الناس فيه وافَقَ وقوع تحريمه، فطَرَحَه، ولذلك قال: ((لا ألبَسُه أبداً»، وطَرَعَ الناس خواتيمَهم تَبَعاً له، وصَرَّحَ بالنَّهي عن لُبْس خاتَم الذَّهَب كما تقدَّم في الباب قبله، ثمَّ احتاجَ إلى الخاتَم لأجلِ الختم به فاَّخَذَه من فِضّة، ونَقَشَ فيه اسمه الكريم، فتَبِعَه الناس أيضاً في ذلك، فرَمَى به حتَّى رَمَى الناس تلك الخواتيم المنقوشة على اسمه، لئلا تَفُوتَ مَصلَحة نقش اسمه بوقوع الاشتراك، فلمَّا أُعِدِمَتِ خَواتيمهم برَمِها رَجَعَ إلى خاتمه الخاصّ به، فصارَ تختم به، ویشیر إلى ذلك قولُه في رواية عبد العزيز بن صُھیب عن أنس كما سيأتي قريباً (٥٨٧٤) في باب / الخاتم في الخِنِصِر: ((إنّا اتَّخَذنا خاتَماً، ونَقَشْنا فيه نَقشاً، فلا ٣٢١/١٠ يَنْقُش عليه أحد))، فلعلَّ بعض مَن لم يَبلُغه النَّھي، أو بعض مَن بَلَغَه مَّن لم یرسخ في قلبه الإيمان من مُنافق ونحوه، اَّخذوه ونَقَشوا، فوَقَعَ ما وَقَعَ، ويكون طَرِحُه له غَضَباً مَّن تَشَبََّ به في ذلك النَّش، وقد أشارَ إلى ذلك الكِرْ مانيُّ مختصراً جدّاً، والله أعلم. وقول الزُّهْرِيِّ في روايته: أنَّه رآه في يده يوماً واحداً، لا يُنافي ذلك، ولا يعارضه قولُه في ١٣٦ باب ٤٦ / ح ٥٨٦٨ فتح الباري بشرح البخاري الباب الذي بعده (٥٨٦٩) في رواية حُميدٍ: سُئلَ أنس: هل اتَّخَذَ النبيّ وَِّ خَاتَماً؟ قال: أَخَّرَ ليلةً صلاة العِشاء، إلى أن قال: فكأنّ أنظُرُ إلى وَبِيص خاتَه، فإِنَّه يُحِمَل على أنَّه رآه كذلك في تلك اللَّيلة، واستَمرَّ في يده بَقَيَّة يومها، ثمَّ طَرَحَه في آخر ذلك اليوم، والله أعلم. وأمَّا ما أخرجه النَّسائيُّ (٥٢١٧) من طريق المغيرة بن زياد عن نافع عن ابن عمر: النَّخَذَ النبيُّ وَّ خَاتَماً من ذهب، فَبِسَه ثلاثة أيام، فيُجمَع بينه وبين حديث أنس بأحدٍ أمرَينٍ: إن قلنا: إنَّ قول الزّهْريِّ في حديث أنس: ((خائَم من وَرِق))، سَهُوٌ وأنَّ الصَّواب: خاتَم من ذهب، فقوله: ((يوماً واحداً) ظرفٌ لرُؤية أنس لا لمدّة اللُّس، وقول ابن عمر: ((ثلاثة أيام)) ظرفٌ لمدّة اللُّبس، وإن قلنا: إنَّه لا وهمَ فيها وجَعْنا بما تقدَّم، فمُدّة لُبس خاتَم الذَّهَب ثلاثة أيام كما في حديث ابن عمر هذا، ومُدّة لُبس خاتَم الوَرِق الأوَّل كانت يوماً واحداً كما في حديث أنس، ثمَّ لمَّا رَمَى الناسُ الخواتيم التي نَقَشوها على نَقشِه، ثمَّ عادَ فلَبِسَ خائَم الفِضّة، واستَمرَّ إلى أن ماتَ. قوله: ((تابَعَه إبراهيم بن سَعْد وزياد وشُعَيب، عن الزُّهْريِّ) أمَّا مُتابعة إبراهيم بن سعد - وهو الزُّهْريُّ المدنيّ - فَوَصَلَها مسلم (٥٩/٢٠٩٣) وأحمد (١٢٦٣١) وأبو داود (٤٢٢١) من طريقه بمِثلٍ رواية يونس بن يزيد، لا ◌ُخالَفة إلّا في بعض لفظٍ. وأمَّا مُتابعة زیاد - وهو ابن سعد بن عبد الرَّحمن اخُراسانيّ، نزيل مكَّة ثمَّ اليمن - فَوَصَلَها مسلم أيضاً، وأشارَ إليها أبو داود أيضاً، ولفظه عنه كذلك، لكن قال: ((اضْطَرَبو)) بدل: اصطَنَعوا(١). وأمَّا مُتَابَعة شُعَيب فَوَصَلَها الإسماعيليّ كذلك، وأشارَ إليها أبو داود أيضاً. قوله: ((وقال ابن مُسافِرٍ عن الزُّهْريُّ: أرَى خاتَماً من وَرِق)) هذا التَّعليق لم أرَه في أصلٍ من رواية أبي ذرٍّ، وهو ثابت للباقينَ إلّا النَّسَفيّ، وقد أشارَ إليه أبو داود أيضاً، ووَصَلَه الإسماعيليّ من طريق سعيد بن عُفَير عن اللَّيث عن ابن مُسافر - وهو عبد الرَّحمن بن خالد ابن مُسافر - عن (١) في (س): اضطربوا واصطنعوا، بالواو بينهما، وهو خطأ. ١٣٧ باب ٤٧ / ح ٥٨٦٩ - ٥٨٧٠ كتاب اللباس ابن شِهاب عن أنس كذلك، وليس فيه لفظ: ((أرَى))، فكأنَّها من البخاريّ، قال الإسماعيليّ: رواه أيضاً عن ابن شِهاب كذلك: موسى بن عُقْبة وابن أبي عَتيق، ثمَّ ساقَه من طريق سليمان ابن بلال عنهما قال: مِثل حدیث إبراهیم بن سعد. وفي حديثَي الباب مُبادَرة الصحابة إلى الاقتداء بأفعاله ◌َِّ، فمهما أقَرَّ عليه استَمرُّوا عليه، ومهما أنكَرَه امتَنَعوا منه. وفي حديث ابن عمر (١): أنَّه ◌ِ لَّ لا يُورَث، وإلّا لَدَفَعَ خاتَه للوَرَثة، كذا قال النَّويّ، وفيه نظرٌ، لجوازٍ أن يكون الخاتَمُ الَّخَذَ من مال المصالح، فانتَقَلَ للإِمام ليَنتَفِع به فيما صُنِعَ له. وفيه حِفظُ الخاتم الذي يُخْتَم به تحت يد أمينٍ إذا نَزَعَه الكبير من إصبَعَه. وفيه أنَّ يسير المال إذا ضاعَ لا يُهمَل طلبُه، ولا سيما إذا كان من أثر أهل الخير، وفيه بحثٌ سيأتي، وفيه أنَّ العَبَث اليسير بالشَّيءِ حال التفكُّر لا عيبَ فيه. ٤٧- باب فصّ اخاتم ٥٨٦٩- حدَّثْنَا عَبْدانُ، أخبرنا يزيدُ بنُ زُرَيع، أخبرنا مُميدٌ، قال: سُئلَ أنسُ: هل الَّخَذَ النبيُّ بِّهِ خاتَماً؟ قال: أَخَّرَ ليلةً صلاةَ العِشاءِ إلى شَطْرِ اللَّيلِ، ثمَّ أقبَلَ علينا بوَجْهِه - فكأنّ أنظُرُ إلى وَبِيصِ خاتَمِهِ - قال: ((إنَّ الناسَ قد صَلَّوْا ونامُوا، وإنَّكم لم تَزالُوا في صلاةٍ ما انتَظَرتُوها)). ٥٨٧٠- حدَّثنا إسحاقُ، أخبرنا مُعتَمِرٌ، قال: سمعتُ مُميداً يُحدِّثُ عن أنسٍ : أنَّ النبيَّ ◌َعليه کان خاتَمُه من فِضّةٍ، و کان فَصُّه منه. وقال يحيى بنُ أيوبَ: حدَّثني مُميدٌ، سمعَ أنساً، عن النبيِّ وَّ. قوله: ((باب فصّ الخاَم)) قال الجَوْهريّ: الفَصُّ: بفتح الفاء والعامّة تَكسِرها، وأثبتَها غيره ٣٢٢/١٠ لغةً، وزاد بعضهم الضَّمَّ، وعليه جَرَى ابن مالك في المثلّث. (١) كذا وقع في أصول (الفتح)): ابن عمر، والصواب أنَّ الحديث حديث أبيه عمر، وقد سلف عند البخاري برقم (٣٠٩٤) ضمن حديث طويل في اختصام علي والعباس فيما أفاء الله على رسوله وخير من مال بني النضير. : ١٣٨ باب ٤٧ / ح ٥٨٧٠ فتح الباري بشرح البخاري ثم ذكر حديث حُميدٍ: ((سُئِلَ أنس: هل اتَّخَذَ النبيُّ وَ خَاتَماً؟ قال: أَخَّرَ ليلةً صلاة العِشاء)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه في المواقيت (٥٧٢) من كتاب الصلاة. وقوله: ((وَبِيص)) بموخَّدة وآخره مُهمَلة: هو البَريق وزناً ومعنّى، وسيأتي من رواية عبد العزيز بن صُهَيب (٥٨٧٤) بلفظ: بَرِيقه، ومن رواية قَتَادة عن أنس (٥٨٧٥) بلفظ: بياضه، ووَقَعَ في رواية حَمَّاد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس في آخره: ورَفَعَ أنس يده اليُسرَى، أخرجه مسلم (٢٠٩٥) والنَّسائيُّ (٥٢٨٥)، وله في أُخرى: وأشارَ إلى الخِنِصِر من يده اليُسرَى. قوله في الطريق الثانية: ((كان خاتمه من فِضّة)) في رواية أبي داود (٤٢١٧) من طريق زُهَير ابن معاوية عن حُميدٍ: ((من فِضّة كلّه)) فهذا نَصٌّ في أنَّه كلّه من فِضّة. وأمَّا ما أخرجه أبو داود (٤٢٢٤) والنَّسائيُّ (٥٢٠٥) من طريق إياس بن الحارث بن مُعَيقيب عن جَدّه قال: كان خاتمُ النبيّ ◌ِّ﴿ من حديد مَلویّاً علیه فِضّة، فُبَّما كان في يدي، قال: وكان مُعَقِيب على خاتم النبيّ ◌َّهِ(١)، يعني كان أميناً عليه فيُحمَل على التعدُّد، وقد أخرج له ابن سعد (٤٧٣/١-٤٧٤) شاهداً مُرسَلاً عن مكحول: أنَّ خاتَم رسول الله وَله كان من حديد، مَلويّاً عليه فِضّة، غير أنَّ فَصَّه بادٍ، وآخر مُرسَلاً عن إبراهيم النَّخَعيِّ مِثلَه، دونَ ما في آخره، وثالثاً من رواية سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العاص: أنَّ خالد بن سعيد - يعني: ابن العاص - أتى وفي يده خاتم، فقال له رسول الله وَاجٍ: ((ما هذا؟ اطرَحْه)) فطَرَحَه، فإذا خاتَمٌ من حديد مَلويّ عليه فِضّة، قال: ((فما نَقشُه؟)) قال: محمَّد رسول الله، قال: فَأَخَذَه فَلَبِسَه، ومن وجه آخر عن سعيد بن عَمْرو المذكور: أنَّ ذلك جَرَى لعَمرو بن سعيد أخي خالد بن سعيدٍ، وسأذكر لفظه في ((باب هل يُجُعَل نَقْشُ الخاتَم ثلاثة أسطُر؟))(٢). قوله: ((وكان فَصُّه منه)) لا يعارضُه ما أخرجه مسلم (٢٠٩٤) وأصحاب ((السُّنَن))(٣) من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أنس: كان خاتم النبيّ ◌َّ﴿ من وَرِق، وكان فصّه حَبَشيًا؛ لأنَّه إمّا أن يُحمَل على التعدُّد وحينئذٍ فمعنى قوله: ((حَبَشِيّ))، أي: كان حجراً (١) في إسناده ضعف لجهالة حال إياس بن الحارث. (٢) باب رقم (٥٤). (٣) أبو داود (٤٢١٦)، والترمذي (١٧٣٩)، والنسائي (٥٢٧٩). ١٣٩ باب ٤٨ / ح ٥٨٧١ كتاب اللباس حَبَشِيّاً؛ لأنَّه إمّا أن يُحمَل على التعدُّد وحينئذٍ فمعنى قوله: ((حَبَشِيّ))، أي: كان حجراً من بلاد الحَبَشة، أو على لون الحبشة، أو كان جَزْعاً أو عَقيقاً، لأنَّ ذلك قد يُؤتَى به من بلاد الحَبَشة، ويحتمل أن يكون هو الذي فصُّه منه، ونُسِبَ إلى الحبشة لصِفَةٍ فيه إمّا الصّياغة وإمّا النَّقش، والله أعلم. قوله: ((وقال يحيى بن أيوب ... )) إلى آخره، أراد بهذا التَّعليق بيانَ سماع حُميدٍ له من أنس، وقد تقدَّم في المواقيت (٥٧٢) مُعلَّقاً أيضاً، وذكرت مَن وَصَلَه ولله الحمد. وقد اعتَرَضَه الإسماعيليّ فقال: ليس هذا الحديث من الباب الذي تَرجَمَه في شيء، وأُجيبَ: بأنَّه أشارَ إلى أنَّه لا يُسَمَّى خاتماً إلّا إذا كان له فصّ، فإن كان بلا فصّ فهو حَلْقة. قلت: لكن في الطَّريق الثّانية في الباب: أنَّ فصّ الخاتَم كان منه، فلعلَّه أراد الردّ على مَن زَعَمَ: أَنَّه لا يقال له خاتم إلّا إذا کان له فصّ من غيره، ويُؤدِّده أنَّ في روایة خالد بن قیس عن قتادة عن أنس عند مسلم (٢٠٩٢/ ٥٨): فصاغَ رسول الله بَّهِ خاتَماً حَلْقةً من فِضّة، والذي يظهر لي أنَّه أشارَ إلى أنَّ الإجمال في الرِّواية الأولى محمول على التَّبيين في الرِّواية الثّانية(١). ٤٨ - باب خاتم الحديد ٥٨٧١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبيه، أنَّه سمعَ سَهْلاً يقول: جاءتِ امرأةٌ إلى النبيِّ وَّهِ، فقالت: جِئْتُ أهَبُ نفسي، فقامَت طويلاً، فَتَظَرَ وصَوَّبَ، فلمَّا طالَ مُقامُها، فقال رجلٌ: زَوِّجْنِيها إن لم يكن لكَ بها حاجةٌ، قال: ((عندَكَ شيءٌ تُصْدِقُها؟)) قال: لا، قال: ((انظُرُ))، فذهب ثمَّ رَجَعَ، فقال: والله إن وَجَدْتُ شيئاً، قال: «اذهبْ فالتَمِسْ ولو خاتماً من حديدٍ))، فذهب ثمَّ رَجَعَ، قال: لا والله، ولا خاتَماً من حديدٍ، وعليه إزارٌ ما عليه رِداءٌ، فقال: أُصْدِقُها إزاري، فقال النبيُّ ◌َّ: ((إزارُكَ إِن لَبِسَتْه لم يكن عليكَ منه شيءٌ، وإن لَبِسْتَه لم یکن عليها منه شيءٌ)، فتَنَخَّى الرجلُ فَجَلَسَ، فرآه النبيُّنَِّ مُوَلِيّاً، فَأَمَرَ به فدُعِيَ، فقال: ((ما مَعَكَ منَ القرآنِ؟)) قال: سورةُ كذا وكذا - لسوَرٍ عَدَّدَها - قال: ((قد مَلَّكْتُكَها بما مَعَكَ منَ القرآنِ). (١) هذه الفقرة بأكملها ليست في (أ) و(ع)، وأثبتناها من (س). ١٤٠ باب ٤٨ / ح ٥٨٧١ فتح الباري بشرح البخاري ٣٢٣/١٠ قوله: ((باب خاتَم الحديد)) قد ذكرتُ ما وَرَدَ فيه في الباب الذي قبله، وكأنَّه لم يَثْبُت عنده شيء من ذلك على شرطه، وفيه دلالة على جواز لُبْس ما كان على صِفَته. وأمَّا ما أخرجه أصحاب ((السُّنَن))(١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٥٤٨٨) من رواية عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه: أنَّ رجلاً جاء إلى النبيّ ◌َّهِ وعليه خاتَمٌّ من شَبَهٍ، فقال: ((ما لي أجِدُ مِنك ربحَ الأصنام؟)) فطَرَحَه، ثمَّ جاء وعليه خاتَم من حديد، فقال: ((ما لي أرَى عليك حِليةَ أهل النار؟» فطَرَحَه، فقال: يا رسول الله، من أيّ شيءٍ أَّخِذُه؟ قال: ((الَّخِذْه من وَرِق، ولا تُِقَّه مِثْقالاً))، وفي سنده أبو طَيْبة - بفتح المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة بعدها موحّدة - اسمه عبد الله بن مسلم المروزيّ، قال أبو حاتم الًّازُّ: يُکتب حديثه ولا يُحتَجّ به، وقال ابن حِبّان في ((الثِّقات)): يُخْطِئ ويُخالِفِ، فإن كان محفوظاً مُلَ المنعُ على ما كان حديداً صِرفاً، وقد قال النِّفاشيّ في ((كتاب الأحجار)): خاتَمُ القُولاذ مَطَرَدة للشَّيطان إذا لُوِيَ عليه فِضّةٍ(٢)، فهذا يُؤيِّد المغايرة في الحُكم. ثم ذكر حديث سَهْل بن سعد في قصَّة الواهبة. وقوله فيه: «اذهَبْ فالتَمِسْ ولو خاتَماً من حديد)) استُدِلَّ به على جواز لُبس خاتَم الحديد، ولا حُجّة فيه، لأَنَّه لا يَلزَمُ من جواز الاتِّخاذ جواز اللُّبس، فيحتمل أنَّه أراد وجودَه لَنتَقِع المرأة بقیمته. وقوله: ((ولو خاتماً) محذوف الجواب لدلالة السِّياق عليه، فإنَّه لمَّا أمَرَه بالْتِماس مهما وَجَدَ، كأنَّه خَشِيَ أن يَتوهّم خروج خاتم الحديد لحَقارَتِهِ، فأكَّدَ دخولَه بالجملة المشعِرة بدخولٍ ما بعدها فیما قبلها. وقوله في الجواب: ((فقال: لا والله، ولا خاتَماً من حديد)) انتَصَبَ على تقدير: لم أجِدْ، وقد صَرَّحَ به في الطَّريق الأُخرَى. (١) أبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٥)، والنسائي (٥١٩٥). (٢) هذا مما لا يجوز، اعتقادُه، فلا يطرد الشيطانَ إلّا ذكر الله تعالى وما والاه.